Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
أحداث سنة ٦٤١ هـ
ثم دخلت سنة إحدى وأربعين وستمئة
فيها : ترددت الرسل بين الصالح أيوب صاحب مصر وبين عمه الصالح إسماعيل صاحب دمشق (١) ،
على أن يرد إليه ولده المغيث عمر ، وفيها الصالح أيوب المعتقل في قلعة دمشق ، وتستقر دمشق في يد(٢)
الصالح إسماعيل ، فوقع الصلح على ذلك ، وخطب الصالح أيوب بدمشق ، فخاف الوزير أمين الدولة
أبو الحسن غزال المسلماني(٣) ، وزير الصالح إسماعيل من غائلة هذا الأمر ، فقال لمخدومه : لا ترد هذا
الغلام لأبيه٤) تخرج البلاد من يدك، هذا خاتم سليمان بيدك(٥) للبلاد ، فعند ذلك أبطل ما كان وقع من
الصلح ورد الغلام إِلى القلعة ، وقُطعت الخطبةُ للصالح أيوب ، ووقعت الوحشة بين الملكين ، وأرسل
الصالح أيوب إِلى الخوارزمية يستحضرهم لحصار دمشق فإنا لله وإنّا إليه راجعون . وكانت الخوارزمية قد
فتحوا في هذه السنة بلادَ الروم وأخذوها من أيدي ملكها ابن علاء الدين(٦) ، وكان قليل العقل يلعب
بالكلاب والسباع ، ويسلَّطها على الناس ، فاتفق أنه عضَّه سبُعٌ فمات فتغلبوا على البلاد حينئذ .
وفيها : احتيط على أعوان القاضي الرفيع الجيلي (٧)، وضُرب بعضهم بالمقارع ، وصُودروا ورُسم
على القاضي الرفيع بالمدرسة المقدمية داخل باب الفراديس ، ثم أُخرج ليلاً وذهب به فسجن بمغارة أفقه
من نواحي البقاع، ثم انقطع خبره . وذكر أبو شامةُ(٨) أنه توفي ، ومنهم من قال إِنه أُلقي من شاهقٍ ،
ومنهم من قال خُنق ، وذلك كله بذي الحجة من هذه السنة .
وفي يوم الجمعة الخامس والعشرين منه قرىء منشور ولاية القضاء بدمشق لمحيي الدين
(١) أ : فيها ترددت الرسل بين الصالح أيوب وبين عمه صاحب دمشق الصالح إسماعيل صاحب دمشق . وفي ب : فيها
ترددت الرسل بين الصالح أيوب وبين عمه صاحب مصر الصالح إسماعيل صاحب دمشق وكلا الروايتين مضطربتان
والصحيح ما أثبتنا فوق .
(٢) أ، ب : بيد .
(٣) سترد ترجمة غزال المسلماني في وفيات سنة ٦٤٨ هـ من هذا الجزء إن شاء الله.
(٤) أ ، ب : إِلى أبيه.
(٥) أ، ب : في يدك .
(٦) اسمه كيخسرو بن كيقباذ بن كيخسرو بن قلج أرسلان غياث الدين .
(٧) هو رفيع الدين قاضي القضاة أبو حامد عبد العزيز بن عبد الواحد بن إسماعيل الجيلي الشافعي . ترجمته في مرآة
الزمان (٤٩٢/٨ - ٤٩٣) وذيل الروضتين ( ١٧٣ - ١٧٤) وعيون الأنباء (١٧١/٢) وسير أعلام النبلاء
(١٠٩/٢٣ -١١١) والعبر (١٧٢/٥) وفوات الوفيات (٣٥٢/٢ - ٣٥٤) وطبقات الإسنوي (٥٩٢/١ - ٥٩٤)
والنجوم الزاهرة (٣٥٠/٦ - ٣٥١) والدارس (١٨٨/١) وشذرات الذهب (٣٧٢/٧ - ٣٧٣).
(٨) أ، ب : قال أبو شامة وذكر .

٢٤٢
أحداث سنة ٦٤١ هـ
[ يحيى }(١) بن محمد بن علي بن محمد بن يحيى القرشي، بالشباك الكمالي من الجامع ، كذا قال الشيخ
شهاب الدين أبو شامة(٢). وزعم السبط (٣) أن عزله إِنما كان في السنة الآتية ، وذكر أن سبب هلاكه أنه
كتب إلى الملك الصالح يقول له : إِنه قد أورد إِلى خزانته من الأموال ألف ألف دينار من أموال الناس فأنكر
الصالح ذلك ، ورد عليه٢٤ الجواب أنه لم يرد سوى ألف ألف درهم ، فأرسل القاضي يقول فأنا أحافق
الوزير ، وكان الصالح لا يخالف الوزير(٥) ، فأشار حينئذ على الصالح فعزله لتبرأ ساحة السلطان من
شناعات الناس ، فعزله وكان من أمره ما كان(٦) . وفوض أمر مدارسه إِلى الشيخ تقي الدين ابن الصلاح(٧)
فعين العادلية للكمال التفليسي(٨)، والعذراوية لمحيي الدين بن الزكي الذي ولي القضاء بعده ، والأمينية
لابن عبد الكافي(٩)، والشامية البرانية للتقي الحمويُ(١٠)، وغيب القاضي الرفيع وأسقطت (١١) عدالة
شهوده .
قال السبط١٢): أرسله الأمين مع جماعة على بغل بإِكافٍ(١٣) لبعض النصارى إِلى مغارة أفقه في جبل
لبنان من ناحية الساحل ، فأقام بها أياماً ثم أرسل إِليه عَدْلَيْن من بعلبك ليشهد(١٤) عليه ببيع أملاكه من أمين
الدولة، فذكرا أنهما شاهداه وعليه تخفيفة وقندورة١٥) ، وأنه استطعمهما شيئاً من الزاد وذكر أن له ثلاثة
أيام لم يأكل شيئاً ، فأطعماله(١) من زوادتهما وشهد(١٧) عليه وانصرفا ، ثم جاءه داود النصراني فقال له
(١) سترد ترجمة محيي الدين القرشي في وفيات سنة ٦٦٨ هـ من هذا الجزء.
(٢)
ذيل الروضتين ( ١٧٤ ) .
مرآة الزمان ( ٨/ ٤٩٢ - ٤٩٣ ).
(٣)
(٤)
أ ، ب : إِليه .
ذكر السبط أن الوزير هو السامري .
(٥)
أ ، ب : وكان ما كان من أمره .
(٦)
سترد ترجمة ابن الصلاح في وفيات سنة ٦٤٣ هـ .
(٧)
الكمال التفليسي هو عمر بن بندر بن عمر ، سترد ترجمته في وفيات سنة ٦٧٢ هـ .
(٩) ابن عبد الكافي هو محمد بن عبد الكافي بن علي بن موسى الربعي شمس الدين. درّس بالكلاسة والأمينية وناب في
القضاء مدة بدمشق وحمص. وتوفي سنة ٦٤٩ هـ. ذيل الروضتين (٦٤٩) والدارس (١٧٩/١ و١٨٩، ٤٥٥).
(١٠) سترد ترجمة ابن رزين في وفيات سنة ٦٨٠ هـ.
(١١) ط : وأسقط . وهي مخالفة للسياق النحوي.
(١٢) مرآة الزمان (٨/ ٤٩٦ - ٤٩٧).
(١٣) الإِكاف والأكاف من المراكب شبه الرحال والأقتاب. اللسان ( أكف ).
(١٤) أ، ب: عدلان من بعلبك فشهدا . وهي صحيحة إِذا كان فعل ( أرسل ) مبني للمجهول.
(١٥) في مرآة الزمان: وعليه قندورة صغيرة وعلى رأسه تخفيفة .
(١٦) أ، ب : وأطعماه .
(١٧) أ : وأشهدا عليه.

٢٤٣
وفيات سنة ٦٤١ هـ
قم فقد أمرناً(١) بحملك إِلى بعلبك ، فأيقن بالهلاك حينئذ ، فقال دعوني أصلي ركعتين ، فقال له قم ،
فقام يصلي(٢) فأطال الصلاة فرفسه النصراني فألقاه من رأس الجبل إلى أسفل الوادي الذي هناك ، فما
وصل حتى تقطع ، وحكي أنه تعلّق ذيلُه بسنِّ الجبل فما زال داود يرميه بالحجارة حتى ألقاه إلى أسفل
الوادي ، وذلك عند الشقيف (٣) المطلّ على نهر إِبراهيم.
قال السبط (٤): وقد كان فاسدَ العقيدة دهرياً مستهزئاً بأمور الشرع، يخرج إلى المجلس سكرانا(٥)
ويحضر إلى الجمعة كذلك ، وكانت داره كالحانات . فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. قال(٦):
وأخذ الموفق الواسطي أحد أمنائه - وكان(٧) من أكبر البلايا - أخذ لنفسه من أموال الناس ستمئة ألف
درهم ، فعُوقب عقوبةً عظيمةً حتى أُخذت منه ، وقد كُسرت ساقاه ومات تحت الضرب ، فألقي في مقابر
اليهود والنصارى ، وأكلته (٨) الكلاب .
وممن توفي فيها من الأعيان :
الشيخ شمس الدين أبو الفتوحُ(٩) عمر بن أسعد بن المُنَجَّى التَّنوخي المَعَرّي الحنبلي .
قاضي حران قديماً ، ثم قدم دمشق ودرس بالسمسارية وتولى خدماً في الدولة المعظمية ، وكانت له
رواية عن ابن صابر(١٠) والقاضيين الشهرزوريُ(١) وابن أبي عصرول(١٢) ، وكانت وفاته في سابع ربيع
الأول من هذه السنة رحمه الله تعالى .
(١) أ : فقال قم قد أمرنا .
(٢) ب : فصلى .
(٣) الشقيف كالكهف . معجم البلدان (٣/ ٣٥٦).
(٤) مرآة الزمان ( ٨/ ٤٩٦).
(٥) كذا وردت في الأصول مخالفة للقاعدة النحوية .
(٦) مرآة الزمان ( ٨/ ٤٩٧).
(٧) أ : فكان .
(٨) أ، ب : فأكلته.
ترجمة - عمر بن أسعد بن المُنجّى - في ذيل الروضتين (١٧٣) وتاريخ الإسلام (١٤/ ٣٩٠) وسير أعلام النبلاء
(٨٠/٢٣) والعبر (١٧٠/٥) وتذكرة الحفاظ (١٤٣٥) وذيل طبقات الحنابلة (٢٢٥/٢ - ٢٢٦) والنجوم
الزاهرة (٣٤٩/٦) والدارس (١١٦/٢) والقلائد الجوهرية (٥٠٠/٢) وشذرات الذهب (٣٦٤/٧ - ٣٦٥).
(١٠) أبو المعالي عبد الله بن عبد الرحمن بن أحمد بن علي بن صابر السلمي الدمشقي، ابن سيّدة. توفي سنة ٥٧٦هـ.
سير أعلام النبلاء ( ٩٣/٢١).
(١١) تقدمت ترجمة كمال الدين الشهرزوري في وفيات سنة ٥٧٢هـ من الجزء السابق.
(١٢) تقدمت ترجمة ابن أبي عصرون في وفيات سنة ٥٨٥هـ من الجزء السابق.

٢٤٤
وفيات سنة ٦٤١ هـ
أخوه(١) عز الدين(٢) وتوفي أخوه العز بعده في ذي الحجة (٣) ودفن بمدرسته التي في الجبل .
الشيخ الحافظ الصالح (٤) تقي الدين أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن الأزهر الصَّرِيفيني .
كان يدري الحديث وله به معرفةٌ جيدة ، أثنى عليه أبو شامةُ(٥) وصلي عليه بجامع دمشق ودفن
بقاسيون رحمه الله .
واقف (٦) الكَرَوَّسِيَّةُ(٧) محمد بن عقيل(٨) بن كَرَوَّسُ(٩) ، جمال الدين محتسب دمشق .
كان كيِّساً متواضعاً ، توفي بدمشق في شوال ودفن بداره التي جعلها مدرسةً ، وله دار حديث رحمه الله
تعالى وعفا عنه .
الملك الجواد يونس بن مودود ١٠) ، ابن العادل أبي بكر بن أيوب الملك الجواد .
وكان أبوه أكبر أولاد العادل ، تقلّبت به الأحوال وملكَ دمشقَ بعد عمِّه الكامل محمد بن العادل ،
وكان في نفسه جيداً محباً للصالحين ، ولكن كان في بابه من يظلم الناس وينسب ذلك إِليه ، فأبغضته
العامة وستُّوه وألجؤوه إِلى أن قايض بدمشق الملك الصالح أيوب بن الكامل إِلى سنجار وحصن كيفا ، ثم
(١) لم ترد هذه الترجمة في ط ، واستدركتها عن أب.
(٢) ترجمة - العز بن المنجى - في ذيل الروضتين (١٧٣) وذيل طبقات الحنابلة (٢٢٦/٢) والمقصد الأرشد ( ١٩٧)
والدارس (٨٧/٢، ١١٦ - ١١٧) وشذرات الذهب (٣٦٦/٧ - ٣٦٧).
(٣)
ب : في ذي القعدة منها .
ترجمة - الصريفيني - في ذيل الروضتين ( ١٧٣) وتاريخ الإسلام (٣٧٦/١٤) وسير أعلام النبلاء (٨٩/٢٣ - ٩٠)
(٤)
والعبر (١٦٧/٥) وتذكرة الحفاظ (١٤٣٣) والوافي بالوفيات (١٤١/٦) وذيل طبقات الحنابلة (٢٢٧/٢ -
٢٣٠) والنجوم الزاهرة (٣٤٩/٦ - ٣٥٠) والمقصد الأرشد (٢٣٣/١ - ٢٣٤) وشذرات الذهب (٣٦٣/٧ -
٣٦٤ ) .
(٥) قال أبو شامة: وكان عالماً بالحديث ديناً متواضعاً رحمه الله. ذيل الروضتين ( ١٧٣).
(٦) ترجمة - ابن كروس - في مرآة الزمان (٤٩١/٨ -٤٩٢) والتكملة للمنذري (٦٣٠/٣) والوافي بالوفيات (٤ /٩٨)
والدارس (٩٨/١) ومختصر تنبيه الطالب (٧٠) وشذرات الذهب (٣٦٩/٧) ومنادمة الأطلال (٥٨).
(٧) دار الحديث الكروسية : قال بدران : غربي مئذنة الشحم ، وهي بجانب المدرسة السامرية في زقاق السلمي .
منادمة الأطلال ( ٥٧ - ٥٨ ) قلت : ويفهم من حديث بدران أنه لم يبق منها إِلى اليوم إِلا أطلال .
(٨) قيّدها المنذري: بفتح العين، وكسر القاف. تكملة المنذري (٣/ ٦٣٠).
(٩) قيّدها المنذري بفتح الكاف ، وبعدها راء مهملة مفتوحة ، وواو مشددة مفتوحة وسين مهملة . وتكملة المنذري
(٦٣٠/٣) .
(١٠) ترجمة - الملك الجواد - في مرآة الزمان (٤٩٢/٨) وتاريخ أبي الفداء (١٦٩/٣) وتاريخ الإسلام (٤٠٠/١٤)
وسير أعلام النبلاء ( ٢٣ /١٨٤ - ١٨٥) والعبر (١٧١/٥) وفوات الوفيات (٣٩٦/٤ - ٣٩٧) والمرآة (١٤/٤)
والنجوم الزاهرة (٣٤٨/٦) والشذرات (٣٦٨/٧).

٢٤٥
أحداث سنة ٦٤٢ هـ
لم يحفظهما بل خرجتا عن يده ، ثم آل به الحال إلى أن سجنه الصالح إسماعيل بحصن عزتا ، حتى كانت
وفاته في هذه السنة ، ونقل في شوال إِلى تربة المعظم بسفحُ(١) قاسيون، وكان عنده ابن يغمور(٢) معتقلاً
فحوله الصالح إسماعيل إلى قلعة دمشق ، فلما ملكها الصالح أيوب نقله إلى الديار المصرية وشنقه مع
الأمين غزال(٣) وزير الصالح إسماعيل ، على قلعة القاهرة ، جزاءً على صنعهما في حق الصالح أيوب
رحمه الله تعالى . أما ابن يغمور فإِنه عمل عليه حتى حول ملك دمشق إِلى [ الملك ] الصالح إسماعيل ،
وأما أمين الدولة فإِنه منع الصالح من تسليم ولده عمر إِلى أبيه فانتقم منهما بهذا ، وهو معذور بذلك(٤) .
مسعود بن أحمد بن مسعود بن مازه المحاربي .
أحد الفقهاء الحنفيّة الفضلاء ، وله علم بالتفسير وعلم الحديث ، ولديه فضلٌ غزيرٌ ، قدم بغداد
صحبةَ رسول التتار للحج ، فحُبس مدة سنين ثم أُفرج عنه، فحجُ(٥) ثم عاد ، فمات ببغداد في هذه السنة
رحمه الله تعالى .
أبو الحسن علي بن يحيى (٦) بن الحسن بن الحسين بن علي بن محمد البَطْريق بن نصر بن حمدون ابن
ثابت الأَسَدي الحِلّي ، ثم الواسطي ، ثم البغدادي ، الكاتب الشاعر الشيعي .
فقيه الشيعة ، أقام بدمشق مدة وامتدح كثيراً من الأمراء والملوك ، منهم الكامل صاحب مصر وغيره ،
ثم عاد إلى بغداد فكان يشغل الشيعة في مذهبهم ، وكان فاضلاً ذكياً جيّدَ النظم والنثر، لكنه مخذولٌ
محجوبٌ عن الحق .
وقد أورد ابن الساعي قطعة جيدة من أشعاره [ الدالة على غزارة مادته في العلم والذكاء رحمه الله وعفا
عنه ]٧) .
ثم دخلت سنة ثنتين وأربعين وستمئة
فيها : استوزر الخليفة المستعصم بالله مؤيد الدين أبا طالب محمد بن أحمد بن علي بن محمد [ بن ]
(١) أ، ب : من سفح .
(٢) ابن يغمور : سترد أخباره في حوادث سنة ٦٤٨ هـ من هذا الجزء.
(٣) سترد ترجمة غزال في وفيات سنة ٦٤٨ من هذا الجزء .
(٤) أ، ب : في ذلك .
(٥) عن ط وحدها .
(٦) ترجمته في المختار من تاريخ ابن الجزري (١٨٨) وتاريخ الإِسلام (٣٨٩/١٤) (بشار).
(٧) مكان ما بين الحاصرتين في أوب : في الكامل وغيره .

٢٤٦
أحداث سنة ٦٤٢ هـ
العلقمي (١) المشؤوم على نفسه ، وعلى أهل بغداد ، والذي (٢) لم يعصم المستعصم في وزارته ، فإِنه لم
يكن وزير صدقٍ ولا مرضيَّ الطريقة ، فإِنه هو الذي أعان على المسلمين في قضية هولاكو(٣) وجنوده قبحه
الله وإياهم ، وقد كان ابن العلقمي قبل هذه الوزارة أستاذ دار الخلافة ، فلما مات نصير(٤) الدين
محمد٥) بن الناقد استوزر ابن العلقمي وجعل مكانه في الاستادارية الشيخ محيي الدين يوسف بن أبي
الفرج بن الجوزي ، وكان من خيار الناس ، وهو واقف الجوزية التي بالنشابين(٦) بدمشق تَقَبَّلَ الله منه .
وفيها : جعل الشيخ شمس الدين علي بن محمد بن الحسين بن النيار(٧) مؤدب الخليفة شيخ الشيوخ
ببغداد ، وخلع عليه ، ووكل الخليفة عبد(٨) الوهاب ابن المطهر وكالة مطلقة ، وخلع عليه .
وفيها : كانت وقعة عظيمة بين الخوارزمية الذين كان الصالح أيوب صاحب مصر استقدمهم ليستنجد
بهم على الصالح إسماعيل أبي الحسن صاحب دمشق ، فنزلوا على غزة وأرسل إليهم الصالح أيوب الخلع
والأموال(٩) والأقمشة والعساكر ، فاتفق الصالح إسماعيل والناصر داود صاحب الكرك ، والمنصور
صاحب حمص ، مع الفرنج واقتتلوا مع الخوارزمية قتالاً شديداً ، فهزمتهم الخوارزمية كسرةً منكرةً
فظيعةً ، هُزمت الفرنجُ بصلبانها وراياتها العالية ، على رؤوس أطلاب المسلمين ، وكانت كؤوس الخمر
دائرة بين الجيوش فنابت(١٠) كؤوس المنون عن كؤوس الزَّرَجُونُ(١١) ، فقتل من الفرنج في يوم واحد زيادة
عن ثلاثين ألفا١٢ً) ، وأسروا جماعة من ملوكهم وقسوسهم وأساقفتهم(١٣) ، وخلقاً من أمراء المسلمين ،
وبعثوا بالأسارى إلى الصالح أيوب بمصر ، وكان يومئذ يوماً مشهوداً وأمراً محموداً ، ولله الحمد . وقد
قال بعض أمراء المسلمين : قد علمت أنّا لما وقفنا تحت صلبان الفرنج أنا لا نفلح . وغنمت الخوارزمية
من الفرنج ومن كان معهم شيئاً كثيراً ، وأرسل الصالح أيوب إِلى دمشق ليحاصرها ، فحصنها الصالح
(١) سترد ترجمة ابن العلقمي في وفيات سنة ٦٥٦هـ من هذا الجزء.
(٢) ط : الذي . بلا واو .
(٣) ب : قصة هولاؤو .
(٤) ط : نصر الدين.
كذا في الأصول ، وسترد ترجمة ابن الناقد في وفيات هذه السنة ٦٤٢ هـ .
(٥)
(٦)
يسمى النشابون في عصرنا . ( سوق الخياطين ) .
(٧) سترد ترجمة ابن النيار في وفيات سنة ٦٥٦ هـ من هذا الجزء.
(٨) أ، ب : بهاء الدين عبد الوهاب.
(٩) أ، ب : الأموال والخلع.
(١٠) أ، ب : فصارت.
(١١) أ، ب : عن تلك الخمور والزّرجون: الخمر . اللسان (زرجن ).
(١٢؛ ط : ألف ، وما هنا موافق للسياق النحوي .
(١٣) أ، ب : من ملوكهم وأساقفتهم وقسوسهم.

٢٤٧
وفيات سنة ٦٤٢ هـ
إسماعيل وخرّب من حولها رباعاً كثيرة (١) ، وكسر جسر باب توما فسار النهر فتراجع الماء حتى صار
بحيرة(٢) من باب توما وباب السلامة ، فغرق جميع ما كان بينهما من العمران ، وافتقر كثير من الناس ،
فإنا لله وإِنّا إليه راجعون .
وممن توفي فيها من الأعيان :
الملك المغيث (٣) عمر بن الصالح أيوب كان الصالح إسماعيل قد أسره وسجنه في برج قلعة دمشق ،
حين أخذها في غيبة الصالح أيوب ، فاجتهد أبوه بكلِّ ممكنٍ في خلاَصه فلم يقدر ، وعارضه فيه أمينُ
الدولة غزالٌ المَسْلَماني(٤)، واقف المدرسة الأمينية ببعلبك(٥) ، فلم يزل الشابُ محبوساً في القلعة من
سنةِ ثمانٍ وثلاثين إِلى ليلة الجمعةِ ثاني عشر ربيع الآخر من هذه السنة ، فأصبح ميتاً في محبسه غماً
وحزناً ، ويقال إنه قتل فالله أعلم . وكان من خيار أبناء الملوك ، وأحسنهم شكلاً ، وأكملهم عقلاً . ودفن
عند جدِّه الكامل في تربته شمالي الجامع ، فاشتد حنق أبيه الصالح أيوب على صاحب دمشق(٦) .
شيخ الشيوخ بدمشق تاج الدين أبو محمد عبد الله بن(٧) عمر بن محمد بن حمويه .
أحدُ الفضلاءِ المؤرّخين المُصَنّفين ، له كتاب في ثماني مجلدات ، ذكر فيه أصول [ الأشياء ] ، وله
(( السياسة الملوكية)) صنَّفها للكامل محمد وغير ذلك، وسمع الحديث وحفظ القرآن ، وكان قد بلغ
الثمانين ، وقيل إنه لم يبلغها ، وقد سافر إلى بلاد المغرب في سنة ثلاث وتسعين ، واتَّصل بمراكش عند
ملكها المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن ، فأقام هناك إِلى سنة ستمئة ، فقدم إِلى ديار مصر(٨)
وولي مشيخة الشيوخ بعد أخيه صدر الدين بن حمويه(٩) رحمه الله تعالى .
(١) أ ، ب : كبيراً .
(٢) ب : بحرة .
(٣) ترجمة - الملك المغيث - في مرآة الزمان (٤٨٧/٨) وتاريخ الإسلام (١٤/ ٤٢٠) والنجوم الزاهرة ( ٢١٥/٧)
وشذرات الذهب ( ٧/ ٢٧٤) وترويح القلوب (٨٠).
(٤) سترد ترجمة غزال المسلماني في وفيات سنة ٦٤٨ هـ من هذا الجزء.
(٥) ط : التي ببعلبك.
(٦) بعدها في ط : وممن توفي فيها .
واسمه أيضاً عبد السلام . كذا في مصادره . قال بشار : ولذلك كتب الذهبي في أول ترجمته : عبد السلام عبد الله
(٧)
تاريخ الإسلام (٤١٣/١٤)، وله ترجمة في صلة التكملة للحسيني ( الورقة ١٣) .
(٨) أ، ب : بلاد مصر.
(٩) تقدمت ترجمة صدر الدين ابن حمويه في وفيات سنة ٦٣٦ هـ من هذا الجزء.

٢٤٨
أحدث سنة ٦٤٣ هـ
الوزير نصير الدين أبو الأزهرُ" أحمد بن محمد بن علي بن أحمد [ بن ] الناقد البغدادي وزير
المستنصر ثم ابنه المستعصم .
كان من أبناء التّجار ، ثم توصَّل إِلى أن وزر لهذين الخليفتين ، وكان فاضلاً بارعاً حافظاً للقرآن كثيرً
التلاوة ، نشأ في حشمةٍ باذخةٍ ، ثم كان في وجاهةٍ هائلةٍ، وقد أَقعد في آخر عمره ٢) ، وهو مع هذا في
غاية الاحترام والإِكرام ، وله أشعار حسنة [ كثيرة ] أورد منها ابن الساعي قطعةً صالحةً ، توفي في هذه
السنة وقد جاوز الخمسين رحمه الله تعالى .
نقيب النقباء وخطيب الخطباء ووكيل الخلفاء ، أبو طالب الحسين(٣) بن أحمد بن علي بن أحمد بن
هبة الله(٤) بن محمد بن علي بن الخليفة المُهْتَدي باللّه العباسي.
كان من سادات العباسين وأئمة المسلمين ، وخطباء المؤمنين ، واستمرت أحواله على السَّداد
والصلاح ، ولم ينقطع قط عن الخطابة ولم يمرض قطُ حتى كانت ليلة السبت الثاني(٤) والعشرين من
[ رجب من ] هذه السنة، قام في أثناء الليل لبعض حاجاته فسقط على أم رأسه ، فسقط من فمه دم كثير
وسكت(٦) فلم ينطق كلمةً واحدةً يومَه ذلك إِلى الليل ، فمات وكانت له جنازةٌ حافلةٌ رحمه الله تعالى وعفا
عنه بمنه وكرمه .
ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين وستمئة
وهي سنة الخوارزمية ، وذلك أن الصالح أيوب بن الكامل صاحب مصر بعث الخوارزمية ومعهم
ملكهم بركات خان في صحبة معين الدينُ(١) ابن الشيخ، فأحاطوا بدمشق يحاصرون عمه الصالح
[ إِسماعيل ] أبا الخيش (٨) صاحب دمشق، وأحرقُ(٩) قصرَ حجاج، وحكرَ السُّمّاق، وجامع جرّاح
(١) ترجمة - ابن الناقد - في مرآة الزمان (٤٩٤/٨) وتاريخ الإسلام (٤٠٣/١٤) وسير أعلام النبلاء (١٠٨/٢٣)
والوافي بالوفيات (٦٤/٨ - ٦٥) وفوات الوفيات (٢٥٤/٣) والنجوم الزاهرة (٣٥٠/٦).
(٢) ط : أمره .
(٣) ترجمه الذهبي في تاريخ الإسلام (١٤ /٤٠٨) (بشار ).
(٤) ط: ((أحمد بن معين بن هبة الله)) خطأ ( بشار).
(٥) ط : الثامن.
(٦)
أ ، ب : وأسكت .
سترد ترجمة معين الدين بن الشيخ في وفيات سنة ٦٤٣ هـ إن شاء الله .
(٧)
(٨) ط: ((الجيش)) وهو تصحيف، وسترد ترجمة الملك الصالح في وفيات سنة ٦٤٨ هـ من هذا الجزء.
(٩) ط : وحرق .

٢٤٩
أحداث سنة ٦٤٣ هـ
خارج باب الصغير ، ومساجدَ كثيرةً ، ونصبَ المنجنيق عند باب الصغير وعند باب الجابية ، ونصب من
داخل البلد منجنيقان أيضاً، وترامىُ(١) الفريقان وأرسل الصالحُ إِسماعيلُ إِلى الأمير معين الدين بن الشيخ
بسجّادة وعكاز وإِبريق ، وأرسل يقول : اشتغالُك بهذا أولى من اشتغالك بمحاصرةِ الملوك ، فأرسل إِليه
المعين بزَمْرٍ وَجْنكٍ وغلالةِ حريرٍ أحمر وأصفر ، وأرسل يقول له : أما السجّادة فإِنها تصلحُ لي ، وأما أنت
فهذا أولى بك . ثم أصبح ابنُ الشيخ فاشتدّ الحصارُ بدمشق، وأرسل الصالحُ إِسماعيل فأحرق جوسقُ(٢)
والده العادل، وامتدُ ١٣ الحريق في زقاق الرمان (٤) إِلى العُقَيْبة فأحرقت(٥) بأسرها، وقطعت الأنهار
وغلت الأسعار ، وأخيفت الطرق(٦) وجرى بدمشق أمور [ شنيعة ] بشعة جداً، لم يتمُ (١) عليها قط ،
وامتد الحصار شهوراً من هذه السنة إِلى جمادى الأولى ، فأرسل أمين الدولة (١١) يطلب من [ الأمير معين
الدين ] ابن الشيخ شيئاً من ملابسه ، فأرسل إليه بفرجية وعمامة وقميص ومنديل ، فلبس ذلك الأمين
وخرج إِلى معين الدين ، فاجتمع به بعد العشاء طويلاً ، ثم عاد ثم خرج مرةً أخرى فاتّفق الحال على أن
يخرج الصالح إسماعيل إِلى بعلبك ويسلّم دمشق إلى الصالح أيوب ، [ فاستبشر الناس بذلك وأصبح
الصالح إسماعيل خارجاً إِلى بعلبك ]°) ودخل معين الدين ابن الشيخ فنزل في دار سامة ، فولّ وعزل
وقطعَ ووصلُ ١٠)، وفوّض قضاءَ القضاةِ إِلى صدر الدين بن سَنيّ الدولة (١) ، وعزل القاضي محبي
الدين بن الزَّكيُ(١٢)، واستناب ابنُ سَنِيّ الدولة التفليسيُّ(١٣) الذي ناب لابن الزكي والبدر١٤ُ)
السنجاري ، وأرسل معين الدين ابن الشيخ أمين الدولة غزال المسلماني وزير الصالح إسماعيل تحت
الحوطة إِلى الديار المصرية .
(١) ط: وتراأى. الدارس (٢/ ٢٨٢).
(٢) الجَوْسَق : القصر . اللسان ( جسق ).
(٣) أ، ب : واشتد .
(٤) ب : الزمان .
(٥) أ، ب : واحتوقت .
(٦) أ، ب : وأخيف الطريق .
(٧) أ : تتم .
(٨) ب : الدين ، وسترد ترجمة أمين الدولة غزال في وفيات سنة ٦٤٨ هـ من هذا الجزء.
(٩) عن ط وحدها .
(١٠) أ، ب : وأوصل .
(١١) هو أحمد بن يحيى بن هبة الله بن سني الدولة سترد ترجمته في وفيات سنة ٦٥٨ هـ.
(١٢) محيي الدين بن الزكي سترد ترجمته في وفيات سنة ٦٦٨ هـ .
(١٣) سترد ترجمة التفليسي في وفيات سنة ٦٧٢ هـ من هذا الجزء.
(١٤) ط: ((الغرز)) وهو تحريف، وستأتي ترجمته في وفيات سنة ٦٦٣ هـ من هذا الكتاب (بشار).

٢٥٠
أحداث سنة ٦٤٣ هـ
وأما الخوارزمية فإنهم لم يكونوا حاضرين وقت الصلح ، فلما علموا بوقوع الصلح غضبوا وساروا
نحو داريا فنهبوها وساقوا١) نحو بلاد الشرق ، وكاتبوا الصالح إسماعيل فحالفوه على الصالح أيوب ،
ففرح بذلك ونقض الصلح الذي كان وقع منه ، وعادت الخوارزمية فحاصروا دمشق ، وجاء إليهم الصالح
إِسماعيل من بعلبك فضاق الحالُ على الدماشقة ، فعدمت الأقوات (٢) وغلتِ الأسعارُ جداً، حتى إِنه بلغ
ثمن الغرارة (٣) ألف وستمئة، وقنطار الدقيق بسبعمئة (٤)، والخبز كل أوقيتين إِلا ربعاً بدرهم(٥) ، ورطل
اللحم بسبعة وأُبيعت(٦) الأملاك بالدقيق، وأُكلت القطاطُ والكلابُ والميتاتُ والجِيَقُ(٧)، وتماوت
الناس في الطرقات وعجزوا عن التغسيل والتكفين والإِقبار(١)، فكانوا يلقون موتاهم في الآبار ، حتى
أنتنت المدينة وضجر الناس ، فإِنا لله وإنّا إليه راجعون .
وفي هذه الأيام توفي الشيخ تقي الدين ابن الصلاح ، شيخ دار الحديث وغيرها من المدارس ، فما
أخرج من باب الفرج إلا بعد جهد جهيد ، ودفن بالصوفية رحمه الله(٩)
قال السبط ١٠) : ومع هذا كانت الخمور دائرة والفسق ظاهراً، والمكوس بحالها .
وذكر الشيخ شهاب الدينُ (١١) أَنَّ الأسعار غلت في هذه السنة جداً، وهلك الصعاليك بالطرقات ،
وكانوا يسألون١٢) لقمةً، ثم صاروا يسألون لبابة ، ثم تنازلوا إِلى فلس يشترون به نخالة يبلُّونها
ويأكلونها ، كالدجاج . قال : وأنا شاهدت ذلك . وذكر تفاصيل الأسعار وغلاءها في الأطعمة وغيرها ،
ثم زال ١٣) هذا كله في آخر السنة بعد عيد الأضحى ولله الحمد والمنة .
ولما بلغ الصالح أيوب أن الخوارزمية قد مالؤوا عليه وصالحوا عمه الصالح إسماعيل ، كاتب الملك
(١) أ، ب : وساروا .
(٢) ط: الأموال. الدارس (٢ /٢٨٤).
(٣) أ ، ب : حتى إنه بلغت الغرارة .
(٤) ط : تسعمئة. الدارس (٢ / ٢٨٤).
في الأصول : وقيتين إلا ربع . وما هنا عن الدارس .
(٥)
في الأصول : بيعت . وما هنا عن الدارس .
(٦)
(٧) ط : والجيفات .
(٨) أ، ب : ولا مقابر .
(٩) ط : من باب الفرج إلا بعد جهد جهيد ودفن بالصوفية.
(١٠) ط : ابن السبط. والخبر في مرآة الزمان (٨/ ٤٩٩).
(١١) ذيل الروضتين ( ١٧٨).
(١٢) في ذيل الروضتين : كانوا يطلبون لقمة ثم صاروا يطلبون حلساً .
(١٣) أ، ب : ثم زال ذلك كله .

٢٥١
أحداث سنة ٦٤٣ هـ
المنصور إِبراهيم بن أسد الدين شيركوه صاحب حمص ، فاستماله إِليه وقوي جانب نائب دمشق معين
الدين حسن ابن الشيخ ، ولكنه توفي في رمضان من هذه السنة كما سيأتي في الوفيات(١) . ولما رجع
المنصور صاحب حمص عن موالاة الصالح إسماعيل شرع في جمع الجيوش من الحلبيين والتركمان
والأعراب لاستنقاذ دمشق من الخوارزمية ، وحصارهم إياها ، فبلغ ذلك الخوارزمية فخافوا من ذلك
وغائلته ، وقالوا دمشق ما تفوت ، والمصلحة قتاله عند بلده ، فساروا [ إِليه ] إِلى [ عند ] بحيرة
حمص ، وأرسل الناصر داود جيشَه إِلى الصالح إسماعيل مع الخوارزمية ، وساق جيش دمشق فانضافوا
إِلى صاحب حمص ، والتقوا مع الخوارزمية عند بحيرة حمص ، وكان٢) يوماً مشهوداً ، قتل فيه عامة
الخوارزمية ، وقتل ملكهم بركات خان ، وجيء برأسه على رمح ، فتفرق (٣) شملهم وتمزقوا شَذَرَ مذرَ،
وساق المنصور صاحب حمص إِلى بعلبك فتسلَّمها الصالح أيوب ، وجاء إِلى دمشق فنزل ببستان سامة
خدمة للصالح أيوب ، ثم حدثته نفسه بأخذها فاتفق مرضه ، فمات رحمه الله في السنة الآتية ، ونقل إِلى
(٥)
حمص ، فكانت٤) مدة ملكه
بعد أبيه عشر سنين ، وقام من بعده فيها ابنه الملك الأشرف مدة سنتين ،
ثم أخذت منه على ما سيأتي ، وتسلم نواب الصالح أيوب بعلبك وبصرى ، ولم يبق بيد الصالح إسماعيل
بلد يأوي إِليه ولا أهل ولا ولد ولا مال، بل أخذ٦ ) جميع أمواله (٧) ونُقلت عياله تحت الحوطة إِلى الديار
المصرية ، وسار هو فاستجار بالملك الناصر بن العزيز بن الظاهر غازي صاحب حلب ، فآواه وأكرمه
واحترمه ، وقال الأتابك لؤلؤ الحلبي لابن أستاذه الناصر، و/ كان/ شاباً صغيراً : انظر إِلى عاقبة
الظلم .
وأما الخوارزمية فإِنهم ساروا إِلى ناحية الكرك فأكرمهم الناصر داود صاحبها ، وأحسن إِليهم وصاهرهم
وأنزلهم بالصلت فأخذوا معها نابلس، فأرسل إليهم الملك الصالح أيوب جيشاً مع فخر الدين ابن الشيخ(٨)
فكسرهم على الصلت وأجلاهم عن تلك البلاد ، وحاصر الناصر بالكرك وأهانه غاية الإهانة ، وقدم الملك
الصالح نجم الدين أيوب من الديار المصرية فدخل دمشق في أُبَّهةٍ عظيمة ، وأحسن إِلى أهلها ، وتصدق
على الفقراء والمساكين ، وسار إِلى بعلبك وإِلى بصرى وإِلى صرخد ، فتسلمها من صاحبها عز الدين أيبك
(١) أ : كما سيأتي بيانه في الوفيات .
(٢) ب : وكان .
(٣) ب : وتفرق .
(٤) أ، ب : وكانت .
(٥) ب : ملكها لها .
(٦) ط : أخذت .
(١) ب : ماله .
(١) سترد ترجمة فخر الدين بن الشيخ في وفيات سنة ٦٤٧ هـ من هذا الجزء.

٢٥٢
وفيات سنة ٦٤٣ هـ
المعظمي، وعوضه عنها ثم عاد إلى مصر مؤيداً منصوراً. [مسروراً محبوراً]. وهذا كله في السنة(١) الآتية.
وفي هذه السنة كانت وقعة عظيمة بين جيش الخليفة وبين التتار لعنهم الله ، فكسرهم المسلمون كسرةً
عظيمةً وفرّقوا شملهم ، وهربوا٢) من بين أيديهم ، فلم يلحقوهم ولم يتبعوهم ، خوفاً من غائلة مكرهم
وعملاً بقوله مَّي ((اتركوا الترك ما تركوكم)(٣).
وفي هذه السنة ظهر ببلاد خوزستان على شق جبل داخله٤) من الأبنية الغريبة العجيبة ما يحار فيه
الناظر، وقد قيل إِن ذلك من بناء الجن، وأور(٥) صفته ابن الساعي في (( تاريخه)).
وممن توفي في هذه السنة من الأعيان :
الشيخ تَقِيّ الدين أبو [عمرو بن ] الصَّلاحُ(٢)، عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان [الشيخ ] الإِمام
العلاّمة ، مفتي الشام ومحدثها ، أبو عمرو بن الصلاح الشَّهْرزوري ثم الدمشقي .
سمع الحديث ببلاد الشرق وتفقَّه هنالك بالموصل وحلب وغيرها ، وكان أبوه مدرِّساً بالأسدية التي
بحلب ، وواقفها أسد الدين شيركوه ابن شاذي ، وقدم هو (٧) الشام وهو في عداد الفضلاء الكبار . وأقام
بالقدس الشريف(٨) مدة ودرس بالصلاحية ، ثم تحول منه إلى دمشق ، فدرس (٩) بالرواحية ثم بدار
الحديث الأشرفية ، وهو أوّلُ من وليها من شيوخ الحديث ، وهو الذي صنَّف كتاب وقفها ، ثم بالشامية
الجوانية١٠)، وقد صنف كتباً كثيرة مفيدة في علوم الحديث والفقه ١١) وتعاليق (١٢) حسنة على ((الوسيط))
وغيره من الفوائد التي يُرحل إِليها .
(١) عن ط وحدها .
(٢) ط : وهزموا .
تقدم تخريج الحديث صفحة ( ١٥٧ ) .
(٣)
ب : على شق في جبل في داخله .
(٤)
(٥) أ، ب : وقد سرد صفته .
(٦) ترجمة - ابن الصلاح - في مرآة الزمان (٥٠٢/٨) وذيل الروضتين (١٧٥) ووفيات الأعيان (٢٤٣/٣ - ٢٤٥)
وتاريخ الإسلام (١٤ / ٤٥٥) وسير أعلام النبلاء (١٤٠/٢٣) والعبر (١٧٧/٥ - ١٧٨) وطبقات السبكي
(٣٢٦/٨ -٣٣٦) وطبقات الإسنوي (١٣٣/٢ - ١٣٤) والنجوم الزاهرة (٣٥٤/٦) والأنس الجليل (١٠٤/٢)
وشذرات الذهب ( ٣٨٣/٧).
(٧) عن ط وحدها .
(٨) عن أ وحدها .
(٩) ط : ودرس .
(١٠) أ، ب : ثم درس بالشامية الجوانية ثم . وسترد بعدُ.
(١١) أ، ب : وفي الفقه.
(١٢) ط: والفقه [وله] تعاليق.

٢٥٣
وفيات سنة ٦٤٣ هـ
وكان ديّناً زاهداً ورعا١ً) ناسكاً، على طريق السَّلفِ الصالح، كما هي(٢) طريقة متأخري أكثر
المُحدّثين ، مع الفضيلة التامة في فنون كثيرة ، ولم يزل على طريقة جيدة حتى كانت وفاته بمنزله في دار
الحديث الأشرفية ليلة (٣) الأربعاء الخامس والعشرين من ربيع الآخر من سنة ثلاثٍ وأربعين وستمئة ،
وصُلّي عليه بجامع دمشق وشَيَّعه الناسُ إِلى داخل باب الفرج ، ولم يمكنهم البروز لظاهرة(٤) لحصار
الخوارزمية، وما صحبه إِلى جبَّانةُ(٥) الصوفية إِلا نحو العشرة رحمه الله وتغمده برحمته (٦).
وقد أثنى عليه القاضي شمس الدين بن خلّكان(٧) ، وكان من شيوخه .
قال السبط(٨) أنشدني الشيخ تقي الدين(٩) من لفظه رحمه الله: [ من مجزوء الكامل ]
بعة فهنَّ من الحتوفْ
احذر من الواوات أر
والوكالةٍ (١) والوقوفْ
واو الوصيةِ والوديعةِ
وحكى (١١) ابن خلكان عنه (١٢) أنه قال(١٣): أُلهمتُ في المنام هؤلاء الكلمات: ادفع١٤ُ) المسألةَ
ما وجدت التحقُّلَ يمكنك فإِنَّ لكل يوم رزقاً جديداً ، والإلحاحُ في الطّلب يُذْهبُ البهاءَ، وما أقربُ(١٥)
الصنيعَ من الملهوف ، وربما كان العسرّ نوعاً من آداب(١٦) الله، والحظوظُ مراتبٌ فلا تعجل على ثمرةٍ قبل
(١) ب : ورعاً حسناً ناسكاً .
(٢) ط : كما هو .
(٣) ب : من دار الحديث الأشرفية في ليلة الأربعاء .
ب : إِلى ظاهره .
(٤)
(٥) عن ط وحدها .
(٦) ط : برضوانه .
(٧) قال ابن خلكان : وهو أحد أشياخي الذين انتفعت بهم . ثم قال : وكان من العلم والدين على قدم حسن ، وقدمت
عليه في أوائل شوال سنة اثنتين وثلاثين وستمئة وأقمت عنده بدمشق ملازم الاشتغال مدة سنة . وفيات الأعيان
( ٢٤٣/٣ - ٢٤٤) .
(٨) مرآة الزمان (٥٠٢/٨).
(٩) ب : تقي الدين بن الصلاح .
(١٠) في مرآة الزمان : واو الوصية والوكالة والوديعة والوقوف .
(١١) أ : وقال .
(١٢) أ، ب : عنه ابن خلكان .
(١٣) وفيات الأعيان (٣/ ٢٤٥) بخلاف في الرواية.
(١٤) أ، ب : أوقع .
(١٥) فى وفيات الأعيان: وما أحسن .
(١٦) أ، ب: وربما كان العزّ نوع من آداب الله تعالى. وفي وفيات الأعيان: وربما كانت الغير.

٢٥٤
وفيات سنة ٦٤٣ هـ
أن تدرك فإنك ستنالها في أوانها١)، [ ولا تعجل في حوائجك فتضيق بها ذرعاً، ويغشاك
القنوط )٢
ابن النجار(٣) الحافظ صاحب ((التاريخ)) محمد بن محمود بن الحسن بن هبة الله بن محاسن ابن
النجار ، أبو عبد الله البغدادي الحافظ الكبير .
سمع الكثير ورحل شرقاً وغرباً ، ولد سنة ثمانٍ(٤) وسبعين وخمسمئة ، وشرع في كتابة التاريخ
وعمره خمس عشرة سنة ، [ وقرأ النحو والأدب ] والقراءات وقرأ بنفسه على المشايخ كثيراً حتى حصَّل
نحواً من ثلاثة آلاف شيخ ، من ذلك نحو من أربعمئة امرأة، وتغرَّب ثمانياً وعشرين سنة، ثم جاء٥ُ) إِلى
بغداد وقد جمع أشياء كثيرة ، من ذلك (( القمر المنير في المسند الكبير)) ، يذكر لكل صحابي ما روى.
و((كنز الأيام في معرفة السنن والأحكام))، و((المختلف والمؤتلف))، و((السابق واللاحق))،
و((المتفق والمفترق))، و((كتاب الألقاب))، و((نهج الإصابة في معرفة الصحابة))، و((الكمال(٦) في
أسماء الرجال))، وغير ذلك مما لم يتم أكثره وله ((كتاب الذيل على تاريخ مدينة السلام))، في ستة عشر
مجلداً كاملاً(١)، وله ((أخبار مكة والمدينة وبيت المقدس))، و((غرر الفوائد)) في خمس مجلدات،
وأشياء كثيرة جداً سردها ابن الساعي في ترجمته ، وذكر أنه لما عاد إلى بغداد عرض عليه الإِقامة في
المدارس فأبى وقال١): معي ما أستغني به [ عن ذلك }٩) فاشترى جارية وأولدها ١) وأقام برهة ينفق
مدة على نفسه من كيسه ، ثم احتاج إلى أن نزل محدِّثاً في جماعة المحدثين بالمدرسة المستنصرية حين
(١) أ، ب : أوقاتها .
ليس ما بين الحاصرتين في أولا في ب وأثبتُه عن ط وعن وفيات الأعيان .
(٢)
(٣) ترجمة - ابن النجار - في معجم الأدباء (٤٩/١٩ - ٥١) وفوات الوفيات (٣٦/٤ - ٣٧) وتاريخ الإسلام
(١٤ / ٤٧٨) والوافي بالوفيات (٩/٥ - ١١) وسير أعلام النبلاء (١٣١/٢٣ - ١٣٤) والعبر (١٨٠/٥) وطبقات
السبكي (٩٨/٨ - ٩٩) وطبقات الإِسنوي (٥٠٢/٢ - ٥٠٣) والنجوم الزاهرة (٣٥٤/٦) وشذرات الذهب
(٣٨٥/٧) .
(٤) ط : ثلاث. وما هنا عن باقي الأصول. سير أعلام النبلاء (٢٣/ ١٣١).
(٥) أ، ب : ثم عاد.
ط : والكافي .
(٦)
أ، ب: في ست عشرة مجلد كامل. قال بشار: هو (( التاريخ المجدد لمدينة السلام وأخبار فضلائها الأعلام ومن
(٧)
وردها من علماء الأنام )) وصل إلينا مجلدان ، العاشر في الظاهرية ، والحادي عشر في باريس ، وطبع مجلد
الظاهرية في الهند . ثم أعيد طبعه على هذه الطبعة في بيروت ، وهي طبعة رديئة .
(٨) أ، ب : عرض عليه الإقامة في المدارس فقال .
(٩) عن ط وحدها .
(١٠) أ، ب : وأولدها ولداً.

٢٥٥
وفيات سنة ٦٤٣ هـ
وضعت، ثم مرض(١) شهرين وأوصى إلى ابن الساعي في أمر تركته ، وكانت وفاته يوم الثلاثاء الخامس
من شعبان من هذه السنة ، وله من العمر خمس وسبعون سنة ، وصُلّ عليه بالمدرسة النظامية ، وشهد
جنازته خلقٌ كثير، وكان يُنادَى حول جنازته: هذا حافظ حديث رسول الله وَّر، الذي كان ينفي
الكذب(٢) عنه. ولم يترك وارثاً، وكانت تركته عشرين ديناراً وثيابَ بدنه ، وأوصى أن يُتصدّق بها ،
ووقف خزانتين من الكتب بالنظامية تساوي ألف دينار ، فأمضى ذلك الخليفة المستعصم ، وقد أثنى عليه
الناس ورثوه بمراثٍ(٣) كثيرة ، سردها ابن الساعي في آخر ترجمته .
الحافظ ضياء الدين المقدسي(٤)، [ صاحب ((الأحكام)) ] محمد(٥) بن عبد الواحد بن [ أحمد بن
عبد الرحمن المقدسي ] .
سمع الحديث الكثير وكتب كثيراً [ورحل ] وطوف وجمع وصنف وألّف كتباً مفيدةً حسنةً كثيرة
الفوائد، من ذلك كتاب ((الأحكام)) ولم يتمّه، وكتاب (( المختارة)) وفيه علوم حسنة حديثية ، وهي
أجود من (( مستدرك الحاكم)) لو كمل ، وله فضائل الأعمال وغير ذلك من الكتب الحسنة الدالة على حفظه
واطلاعه وتضلعه من علوم(٦) الحديث متناً وإِسناداً . وكان رحمه الله في غاية العبادة والزهادة والورع
والخير ، وقد وقف كتباً كثيرة عظيمة لخزانة(٧) المدرسة الضيائية التي وقفها على أصحابهم من
المحدثين(٨) والفقهاء، وقد وقفت عليها٩) أوقاف أخر كثيرة بعد ذلك .
الشيخ علم الدين أبو الحسن١٠) السخاويُ(١١) ، علي بن محمد بن عبد الصمد بن
(١) أ ، ب : ثم مرض مدة شهرين .
(٢) أ، ب : ينفي الكدر .
(٣) أ، ب : ورثاه بمراثي .
(٤) ترجمة - الضياء المقدسي - في ذيل الروضتين ( ١٧٧) وتاريخ الإسلام (١٤ / ٤٧٢ - ٤٧٦) وسير أعلام النبلاء
(١٢٦/٢٣ - ١٣٠) وتذكرة الحفاظ (١٤٠٥ - ١٤٠٦) والعبر (١٧٩/٥) والوافي بالوفيات (٤/ ٦٥ - ٦٦)
وفوات الوفيات (٤٢٦/٣ - ٤٢٧) وذيل طبقات الحنابلة لابن رجب (٢٣٦/٢ - ٢٤٠) والنجوم الزاهرة
(٣٥٤/٦) وشذرات الذهب (٣٨٧/٧ - ٣٩١).
(٥) قبلها في ط : ابن الحافظ ؛ ولا لزوم لها .
(٦) أ، ب : من علم الحديث.
(٧) أ، ب : كتباً كثيرة بخطه بخزانة .
(٨) أ : أهل الحديث .
(٩) عن ط وحدها .
(١٠) ليست الكنية في أولاب .
(١١) ترجمة - علم الدين السخاوي - في معجم الأدباء (٦٥/١٥ - ٦٦) وإِنباه الرواة (٣١١/٢ - ٣١٢) ومرآة الزمان
(٥٠٢/٨ - ٥٠٣) ووفيات الأعيان (٣٤٠/٣ - ٣٤١) ومختصر أبي الفداء (١٧٤/٤) وتاريخ الإسلام =

٢٥٦
وفيات سنة ٦٤٣ هـ
عبد الأحد(١) بن عبد الغالب الهمذاني المصري ، ثم الدمشقي شيخ القراء بدمشق.
ختم عليه ألوف من الناس ، وكان قد قرأ على الشاطبي وشرح قصيدته ، وله (( شرح المفصل )) وله
تفاسير وتصانيف كثيرة، ومدائح في رسول الله وَ ليل، وكانت له حلقة بجامع دمشق، وولي مشيخة الإِقراء
بتربة أم الصالح، وبها كان مسكنهُ(٢) وبه توفي ليلة الأحد ثاني عشر جمادى الآخرة ، ودفن بقاسيون .
وذكر القاضي ابن خلكان (٣) أن مولده في سنة ثمانٍ وخمسين وخمسمئة وذكر من شعره قوله: [من السريع]
وينزلُ الركبُ بِمَغْناهمُ
قالوا غداً نأتي ديارَ الحمى
أصبحَ مَسْروراً بلقياهمُ
وكلُّ منْ كان مُطيعاً لهم
بأيِّ وجهِ أَتَلَقَّاهمُ
قلتُ فلي ذنبٌ فما حِيلتي
لا سيَّما عَمَّنْ تَرَجّاهمُ
قالوا أليسَ العفوُ من شأنهمْ
الخاتون ربيعة٤) خاتون واقفة الصاحبة بقاسيون ، ربيعة خاتون بنت أيوب أختُ السلطان صلاح
الدين .
زوجها أخوها أولًا بالأمير سعد الدين مسعود بن معين الدين ، وتزوج هو بأخته عصمة الدين خاتون ،
التي كانت زوجة الملك نور الدين واقفة) الخاتونية الجوانية، والخانقاه البرانية٦) . ثم لما مات الأمير
سعد الدين زوَّجها من الملك مظفر الدين(١) صاحب إِربل ، فأقامت عنده بإِربل أزيد من أربعين سنة حتى
مات ، ثم قدمت دمشق فسكنت بدار العقيقي(٨) حتى كانت وفاتها في هذه السنة وقد جاوزت الثمانين ،
(١٤ / ٤٦٠) وسير أعلام النبلاء (١٢٢/٢٣) والعبر (١٧٨/٥) وطبقات السبكي (٢٩٧/٨ - ٢٩٨) وطبقات
الإسنوي (٦٨/٢ - ٦٩) وغاية النهاية (٥٦٨/١ - ٥٧١) والنجوم الزاهرة (٣٥٤/٦) وبغية الوعاة (١٩٢/٢ -
١٩٤) وحسن المحاضرة (٤١٢/١٠ -٤١٣) وشذرات الذهب (٣٨٥/٧ - ٣٨٦) وقد قيّده ابن خلكان بالحروف
فقال : هذه النسبة إِلى سخا وهي بليدة بالغربية من أعمال مصر ، وقياسه سخوي لكن الناس أطبقوا على النسبة
الأولى .
(١) أ، ب : عبد الواحد .
ب : وبها کان مسکنه وبها .
(٢)
في وفيات الأعيان (٣٤١/٣) : ثم ظفرت بتاريخ مولده في سنة ثمان وخمسين وخمسمئة بسخا والله أعلم .
(٣)
ترجمة - ربيعة خاتون - في مرآة الزمان (٨/ ٥٠١) وذيل الروضتين (١٧٧) وتاريخ الإسلام (١٤ / ٤٤١) والعبر
(٤)
(١٧٦/٥) والمختصر في أخبار البشر (١٧٤/٣) والنجوم الزاهرة (٣٥٣/٦) والدارس (٨٠/٢) وشذرات
الذهب (٣٧٩/٧) وترويح القلوب ( ١٠٥).
(٥) أ، ب : لها الخاتونية.
(٦) عن ط وحدها .
(٧) تقدمت ترجمة مظفر الدين كوكبري . في وفيات سنة ٦٣٠ هـ.
(٨) مكان دار الكتب الظاهرية بدمشق القديمة قرب الجامع الأموي .

٢٥٧
وفيات سنة ٦٤٣ هـ
ودفنت بقاسيون(١) ، وكانت في خدمتها الشيخة الصالحة العالمة أمة اللطيف (٢) بنت الناصح الحنبلي ،
وكانت فاضلة ، ولها تصانيف(٣) ، وهي التي أرشدتها إِلى وقف المدرسة بسفح قاسيون على الحنابلة ،
ووقفت(٤) أمة اللطيف على الحنابلة مدرسة أخرى(٥) وهي الآن شرقي الرباط الناصري ، ثم لما ماتت
الخاتون وقعت العالمة بالمصادرات وحُبست مدة ثم أُفرج عنها وتزوجها الأشرفُ صاحب حمص ،
وسافرت معه إلى الرحبة وتل باشر(٦) ، ثم توفيت في سنة ثلاث وخمسين ، ووجد لها بدمشق ذخائر كثيرة
وجواهر ثمينة (١) ، تقارب ستمئة ألف درهم ، غير الأملاك والأوقاف رحمها الله تعالى .
مُعين الدين الحسن بن شَيْخ الشُّيوغ(٨) وزير الصالح نجم الدين أيوب، أرسله(٩) إِلى دمشق فحاصرها
مع الخَوارزميَّة أولَ مرَّةٍ حتى أخذها من يد الصالح إسماعيل ، وأقام بها نائباً من جهة الصالح أيوب ، ثم
تمالا (١) الخوارزميةُ مع الصالح إسماعيل عليه فحصروه بدمشق، ثم كانت وفاتُه في العشر الأخيرُ (١١) من
رمضان هذه السنة ، عن ستّ وخمسين سنةً ، فكانت مدةُ ولايته بدمشق أربعة أشهرٍ ونصف . وصُلِّ عليه
بجامع دمشق ، ودُفن بقاسیون إِلى جانب أخيه عماد الدين .
وفيها : كانت وفاةُ واقف القَليجية للحنفّة . وهو الأمير :
سيف الدين بن قلجُ(١٣) ودُفن بتربته التي بمدرسته المذكورة ، التي كانت سكنه بدار فلوس تقبل الله
تعالى منه .
(١) .ب : وقف مدرسة الصاحبة بقاسيون . وأ : وأوقفت .
(٢) أمة اللطيف توفيت سنة ٦٥٣ هـ الدارس (٨٠/٢ -٨١) وتاريخ الصالحية (١٥٧/١) ومنادمة الأطلال (٢٣٨).
(٣) من جملتها كتاب ((التسديد في شهادة التوحيد)) وكتاب ((بر الوالدين)) منادمة الأطلال ( ٢٣٨).
(٤) أ : وأوقفت . وب: وأوقف.
(٥) هي دار الحديث العالمة ، وتقع شرقي الرباط الناصري غربي سفح قاسيون ، قبلي جامع الأفرم بشرق . تاريخ
الصالحية ( ٨٤ ).
(٦) ط : تل باشر: قلعة حصينة وكورة واسعة في شمالي حلب بينهما يومان. معجم البلدان (٢/ ٤٠).
(٧) أ، ب : نفيسة .
(٨) ترجمة - معين الدين الحسن بن شيخ الشيوخ ( محمد بن عمر بن حمويه الجويني ) في مرآة الزمان ( ٨/ ٥٠٠ -
٥٠١) وتاريخ الإسلام (٤٣٩/١٤) وسير أعلام النبلاء (١٠٠/٢٣) والعبر (١٧٥/٥) والنجوم الزاهرة
(٣٥٢/٦) وشذرات الذهب (٣٧٩/٧).
(٩) أ، ب : ثم أرسله .
(١٠) ط : ثم مالاً .
(١١) ط : الأحر .
(١٢) ترجمة - سيف الدين على بن قليج بن عبد الله النوري الإِسفهلار أبو الحسن - في الأعلاق الخطيرة (٢٠٧) وتاريخ
الإسلام (١٤/ ٤٤٣) والدارس (٥٦٩/١ -٥٧٠) وتنبيه الطالب (١٠٢) ومنادمة الأطلال ( ١٩٧).

٢٥٨
أحداث سنة ٦٤٤ هـ
وخطيب [الجبل ]١) شرف الدين عبد الله بن الشيخ أبي عمر رحمه الله.
والسيف أحمد بن عيسى (٢) بن الإمام موفق الدين بن قدامة .
وفيها : توفي إِمام الكلاسة الشيخ تاج الدين أبو الحسن محمد(٣) بن أبي جعفر مسند وقته ، وشيخ
الحديث فى زمانه رواية وصلاحاً رحمه الله تعالى .
والمحدثان الكبيران الحافظان المفيدان شرف الدين أحمد بن الجوهري(٤)
وتاج الدين عبد الجليل الأبهريُ(٥)
ثم دخلت سنة أربع وأربعين وستمئة
فيها : كَسَرَ المنصورُ الخوارزميةَ عند بحيرة حمص واستقرَّتْ يدُ نوابِ الصّالح أيوب على دمشق
وبعلبك وبصرى ، ثم في جمادى الآخرة كسرَ فخرُ الدين بن الشيخ الخوارزميةَ على الصَّلْتِ كسرةً فَرَّقَ(٦)
بقية شملهم ، ثم حاصَر الناصر بالكرك ورجع عنه إِلى دمشق . وقدم الصالحُ أيوب إِلى دمشق في ذي
القعدة فأحسنَ إِلى أهلها وتسلَّم هذه المدن المذكورة (٧) ، وانتزعَ صرخدَ من يد عزِّ الدين أيبك ، وعوَّضه
عنها، وأخذ الصلتَ من الناصر داود بن المُعَظّم وأخذ حصن الصُّبَيْبَةُ(٨) من السَّعيدِ بن العَزيز بن العادل ،
وعَظُمَ شأنُه جداً ، وزار في رجوعه بيتَ المقدس وتفقّد أحوالَه وأمر بإِعادة أسوارهِ أن تُعمرَ كما كانت في
(١) ترجمة - خطيب الجبل واسمه عبد الله بن محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي ثم الصالحي الخطيب شرف
الدين أبو محمد في تاريخ الإسلام (٤٤٦/١٤) والعبر (١٧٦/٥) وذيل ابن رجب (٢٣٤/٢ - ٢٣٥) والمقصد
الأرشد (٥٤/٢ _ ٥٥) والقلائد الجوهرية (٤٧٨) وشذرات الذهب (٣٧٩/٧ - ٣٨٠).
(٢) ترجمة - سيف الدين بن قدامة - في تاريخ الإسلام (٤٣٤/١٤) وسير أعلام النبلاء (١١٨/٢٣ - ١١٩) والعبر
(١٧٤/٥) وتذكرة الحفاظ (١٤٤٦ - ١٤٤٧) والوافي بالوفيات (٢٧٣/٧) وذيل ابن رجب (٢٤١/٢) والنجوم
الزاهرة (٣٥٣/٦) والقلائد الجوهرية (٤٣٥/٢) وشذرات الذهب (٣٧٧/٧).
(٣) ترجمة - ابن جعفر - واسمه: ( محمد بن أحمد بن علي القرطبي ثم الدمشقي ) في ذيل الروضتين (١٧٦/١)
وتكملة ابن الصابوني (٣٢، ٢٩٣) وتاريخ الإسلام (٤٦٧/١٤) وسير أعلام النبلاء (٢١٧/٢٣ -٢١٨) والعبر
(١٧٩/٥) والوافي بالوفيات (١١٨/٢) والنجوم الزاهرة (٣٥٥/٦) وشذرات الذهب (٣٩١/٧).
(٤) ترجمة - ابن الجوهري - واسمه أبو العباس أحمد بن محمود بن إبراهيم بن نبهان الدمشقي شرف الدين ابن الجوهري
- في تاريخ الإسلام (٤٣٦/١٤) وسير أعلام النبلاء (٢٦٤/٢٣) وتذكرة الحفاظ (١٤٥٩) والعبر (١٧٥/٥)
والوافي بالوفيات (١٦٧/٨) والنجوم الزاهرة (٣٥٤/٦) والدارس (١١١/١) وشذرات الذهب (٣٧٨/٧).
(٥) هو عبد الجليل بن عبد الجبار بن عبد الواسع ، تاج الدين الأبهري ، ترجمه الذهبي في تاريخ الإسلام (١٤ / ٤٤٨)
( بشار ) .
(٦) أب : فرّق عليه.
(٧) عن ط وحدها .
(٨) ط : الصبية ؛ تحريف .

٢٥٩
أحداث سنة ٦٤٤ هـ
الدولة الناصرية، فاتح القدس ، وأن يُصْرَفُ(١) الخراجُ وما يتحصَّل من غلاَّتِ بيتِ المقدس في ذلك ،
وإِن عاز شيئاً صرفَه من عنده .
وفيها : قدمت الرسلُ من عند البابا٢ً) الذي للنصارى تخبّرُ بأنه قد أباحَ دم الأنبرورُ(٣) ملك الفرنج
لتهاونه في قتال المسلمين ، وأرسل طائفةً من عنده ليقتلوه ، فلما انتهوا إِليه كان استعدَّ لهم وأجلس
مملوكاً له على السرير فاعتقدوه الملكَ فقتلوه ، فعند ذلك أخذهم الأنبرور فصلبهم على باب قصره بعدما
ذبحهم وسلخهم وحَشَى جلودهم تبناً ، فلما بلغ ذلك البابا٤) أرسل إليه جيشاً كثيفاً لقتاله فأوقع الله الخلفَ
بينهم بسبب ذلك ، وله الحمد والمنة (٥) .
وفيها : هبتْ رياحٌ عاصفةٌ(٦) شديدةٌ بمكة في يوم الثلاثاء من عشر ربيع الآخر ، فألقت ستارة الكعبة
المشرفة١) ، وكانت قد عَتقت ، فإِنَّها من سنة أربعين لم تُجَدَّد لعدم الحج في تلك السنين من ناحية
الخليفة ، فما سكنت الريحُ إِلا والكعبةُ عريانة وقد زال عنها شعارُ السَّوادِ ، وكان هذا فألّا على زوال دولة
بني العبّاس ، ومنذراً بما سيقع بعدَ هذا من كائنة التتار لعنهم الله تعالى . فاستأذن نائب اليمن عُمر بن
رسول(٨) شيخَ الحرم العفيف (٩) بن منعة في أن يكسوّ الكعبة ، فقال لا يكون هذا إِلا من مال الخليفة ، ولم
يكن عنده مال فاقترض ثلاثمئة [ ألف ] دينار واشترى ثيابَ قطنٍ وصبغها سواداً وركب عليها طرازاتها
العتيقة وكسى بها الكعبةَ ومكثت الكعبةُ ليس عليها كسوة إِحدى وعشرين ليلةٌ ١٠)
وفيها : فتحت دار الكتب التي أنشأها الوزير مؤيد الدين محمد بن أحمد العلقمي١١) بدار الوزارة ،
وكانت(١٢) في نهاية الحسن ، ووضع فيها من الكتب النفيسة والنافعة(١٣) شيءٌ كثيرٌ ، وامتدحها الشعراء
بأبيات وقصائد حساناً .
(١) أ، ب: وأن يخرج الخراج.
(٢) أ، ب : نحو الباب .
(٣) ط : الأبدور ، وقد سبق التعريف بها .
(٤) أ، ب : الباب .
(٥) أ، ب : فأوقع الله تعالى الخلف بينهم الخلاف بسبب ذلك وله الحمد والمنة والتوفيق والعصمة .
(٦) أ، ب : ريح عاصف .
(٧) عن ط وحدها .
(٨) ط : عمر بن سول ؛ وهو تحريف .
(٩) في أ، ب : العفيف منصور بن منعة . ولم أصل فيه إِلى رأي .
(١٠) أ، ب : أحد وعشرين يوماً.
(١١) سترد ترجمته في وفيات سنة ٦٥٦ من هذا الجزء.
(١٢) ب : وجاءت .
(١٣) أ، ب : النفيسة النافعة .

٢٦٠
وفيات سنة ٦٤٤ هـ
وفي أواخر ذي الحجة طَهَّر الخليفة المستعصم بالله [ أمير المؤمنين ] ولديه الأميرين أبا العباس
أحمد، وأبا الفضائل عبد الرحمن ، وعملت ولائم فيها كل أفراح ومسرَّةُ(١) ، لا يسمع بمثلها من أزمان
متطاولة ، وكان ذلك وداعاً لمسرَّات بغداد وأهلها في ذلك الزمان .
وفيها : احتاط الناصر داود صاحب الكرك على الأمير عماد الدين داود بن موسك بن جكر(٢) ، وكان
من خيار الأمراء الأجواد(٣) ، واصطفى أمواله كلَّها وسجنه عنده في الكرك ، فشفع فيه فخر الدين ابن
الشيخ(٤) لما كان محاصره في الكرك فأطلقه ، فخرجت في حلقه خرّاجة(٥) فَبَطَّها فمات ودُفن عند قبر
جعفر والشهداء بمؤتة(٦) رحمه الله تعالى .
وفيها : توفي ملك الخوارزمية قبلاً بركات خان لما كسرت أصحابه عند بحيرة حمص كما تقدم ذكره.
وفيها توفي :
الملك المنصور(٧) ناصر الدين إبراهيم بن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه صاحب حمص
بدمشق ، بعد أن سلَّم بعلبك للصالح أيوب (٨)، ونقل إِلى حمص ، وكان نزوله أولاً ببستان سامة ، فلما
مرض حمل إِلى الدهشة بستان الأشرف بالنيرب فمات فيه(٩) .
وفيها توفي :
الصائن محمد بن حسان(١) بن رافع العامري الخطيب .
وكان كثير السماع مسنداً ، وكانت وفاته بقصر حجاج رحمه الله تعالى .
(١) عن ط وحدها .
(٢) ليست اللفظة في أولا في ب. وهي في ط : حسكو. والخبر في مختصر أبي الفداء ( ١٧٦/٣) والدارس
(٥٨٥/١ ) .
(٣) أ : الأمراء والأجواد .
(٤) فخر الدين هو يوسف بن الشيخ بن حمويه سترد وفاته في وفيات سنة ٦٤٧ هـ .
(٥) ط : جراحة ؛ وهو تحريف .
(٦) في ط : بحوته ؛ وهو تحريف .
(٧) ترجمة - الملك المنصور - في مرآة الزمان (٥٠٧/٨) وذيل الروضتين (١٧٨ - ١٧٩) ووفيات الأعيان (٢/ ٤٨١)
والمختصر في أخبار البشر (١٧٦/٢) وسير أعلام النبلاء (٢٢١/٢٣) والعبر (١٨٣/٥) والوافي (٢٠/٦)
والنجوم الزاهرة (٣٥٦/٦) وشذرات الذهب (٣٩٦/٧) وترويح القلوب (٤١).
(٨) أ، ب : بعد أن تسلم بعلبك للملك الصالح .
(٩) أ، ب : بتسان الأشرف بالنيرب فمات به .
(١٠) ترجمة - الصائن بن رافع - في ذيل الروضتين (١٧٩) ولقبه بالضياء وسير أعلام النبلاء (٢٣/ ١٤٧ - ١٤٨) والعبر
(١٨٤/٥) والنجوم الزاهرة (٣٥٧/٦) وشذرات الذهب (٣٩٨/٧).