Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
وفيات سنة ٦٣٥ هـ
بعده أخ له وكان جاهلاً ، ولم(١) يستقرّ فيها وتولّاها الكمال بن عمر بن أحمد بن هبة الله بن طلحة
النَّصيبي (٢)، وولي تدريس الغزالية الشيخ [ عز الدين ] عبد العزيز بن عبد السلام(٣).
القاضي شمس الدين الشيرازي محمد بن هبة الله(٤) بن محمد بن هبة الله بن مَمِيل(٥) الشيخ أبو نصر بن
الشيرازي .
ولد سنة تسع وأربعين وخمسمئة ، وسمع الكثير على الحافظ ابن عساكر(٦) وغيره ، واشتغل في الفقه
وأفتى ودرّس بالشامية البرانية، وناب في الحكم عدة (٧) سنين، وكان فقيهاً عالماً فاضلاً ذكيّا(٨) حسنَ
الأخلاق عارفاً بالأخبار وأيام العرب والأشعار ، كريمَ الطباع حميدَ الآثار ، وكانت وفاته يوم الخميس
الآخرة ، ودفن بقاسيون رحمه الله تعالى .
الثالث من جمادی
القاضي شمس الدين [ بن سَنِيّ الدولة، أبو البركات ]١٠) يحيى بن هبة الله(١١) بن الحسن الدمشقي
قاضيها(١٢) .
كان عالماً عفيفاً فاضلاً عادلاً منصفاً نزهاً . كان الملك الأشرف يقول : ما ولي قضاء دمشق مثله ،
وقد ولي الحكم ببلده [ بيت ] المقدس [ مدة ] وناب بدمشق (١٣) عن القضاة، ثم استقل بالحكم ،
(١) أ، ب : فلم .
(٢) سترد ترجمة النصيبي في وفيات سنة ٦٥٠ .
(٣) سترد ترجمة العز بن عبد السلام في وفيات سنة ٦٦٠ .
(٤) ترجمة الشيرازي في مرآة الزمان (٤٦٩/٨) وتكملة المنذري (٣/ ٤٨٠) وذيل الروضتين (١٦٦) وتاريخ الإسلام
(١٤ / ١٩٠) وسير أعلام النبلاء (٣١/٢٣) وطبقات السبكي (٤٣/٥ - ٤٤) وطبقات الإِسنوي (١١٧/٢ -
١١٨) والنجوم الزاهرة (٣٠٢/٦) وشذرات الذهب (٣٠٤/٧ _ ٣٠٥).
(٥) ط: ((جميل))، ب: ((قميل)) وكله تحريف، ومميل - بميمين - بالفارسية: محمد، وقيده المنذري بالحروف
( بشار ) .
(٦) الحافظ ابن عساكر تقدمت ترجمته سنة ٦١٦ هـ.
(٧) ب : مدة .
(٨) أ، ب : كيّساً.
(٩) أ، ب : وفاته ليلة الخميس ثالث جمادى.
(١٠) ترجمة - ابن سني الدولة - في مرآة الزمان (٤٧٥/٨) وتكملة المنذري (٤٩١/٣ - ٤٩٢)، وذيل الروضتين
(١٦٦) وسير أعلام النبلاء (٢٢٧/٢٣) والعبر (١٤٧/٥) وطبقات السبكي (١٠٥/٥) والنجوم الزاهرة
(٣٠١/٦) وشذرات الذهب (٧/ ٣١٠).
(١١) ط: ((يحيى بن بركات بن هبة الله)) ولا يصح (بشار).
(١٢) ط : قاضيها ابن سناء للدولة .
(١٣) عن ط وحدها .

٢٢٢
وفيات سنة ٦٣٥ هـ
وكانت وفاته يوم الأحد السادس من ذي القعدة(١) ، وصُلّ عليه بالجامع ودفن بقاسيون ، وتأسف الناس
عليه رحمه الله تعالى .
وتوفي(٢) بعده :
الشيخ شمس الدين بن الحلبي(٣) بن الأستاذ٤) القاضي زين الدين عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله
ابن علوان الأسدي ، عُرف بابن الأستاذ الحلبي قاضيها بعد بهاء الدين بن شداد(٥) .
وكان رئيساً عالماً عارفاً فاضلاً ، حسنَ الخلق والسَّمت ، وكان أبوه من الصالحين الكبار رحمهم الله
تعالى .
الشيخ الصالح(٦) المعمر(٧) أبو بكر محمد بن مسعود بن بُهْرُور(٨) البغدادي .
ظهر سماعه من أبي الوقت(٩) في سنة خمس عشرة وستمئة فانثال الناس عليه يسمعون منه ، وتفرّد بالرواية
عنه في الدنيا بعد الزَّبيديّ(١٠) وغيره ، توفي ليلة السبت التاسع والعشرين من شعبان رحمه الله تعالى .
الأمير الكبير المجاهد المرابط صارم الدين(١١) خطلبا بن عبد الله مملوك شركس ونائبه بعده مع ولده
على تِبْنِينُ(١٢) وتلك الحصون .
وكان كثير الصدقات [ والإحسان] ، ودُفن مع أستاذه بقباب شركس(١٣)، وهو الذي بناها بعد
أستاذه ، وكان خيِّراً قليل الكلام كثيرَ الغزو مرابطاً مدة سنين رحمه الله تعالى وعفا عنه بمنه وكرمه .
(١) أ، ب : ليلة الأحد سادس ذي القعدة .
(٢) أ، ب : وتولى بعده ؛ وهو تحريف .
(٣) ب ، ط : الحوبي ، وفي أ: الجوزي وكلاهما تحريف ، وما هنا عن مصادره.
(٤) ترجمة - ابن الأستاذ - في تكملة المنذري (١٧٧/٣) وفيات ٦٢٣ وتاريخ الإسلام (١٤ /١٧٤) وسير أعلام النبلاء
(٣٠٣/٢٣ - ٣٠٤) والعبر (٩٤/٥) وشذرات الذهب (٢٩٩/٧).
(٥) تقدمت ترجمة ابن شدد سنة ٦٣٢ هـ .
(٦) لم ترد ترجمة ابن بهروز في أولا في ب .
(٧) ترجمة - ابن بهروز - في تكملة المنذري ( ٤٨٨/٣ - ٤٨٩) وتاريخ الإسلام (١٨٩/١٤) وسير أعلام النبلاء
(٣٠/٢٣ -٣١) والعبر (١٤٥/٥) والنجوم الزاهرة (٣٠٢/٦) وشذرات الذهب (٣٠٤/٧).
(٨) قيّدها ابن ناصر الدين بضم أوله، وسكون الهاء، تليها راء مضمومة ثم واو ساكنة. توضيح المشتبه (٦١٩/١).
(٩) قال الذهبي : تفرّد ببغداد بالسماع من أبي الوقت وقتاً . لكنه سمع بإِفادة خاله يحيى بن الصدر من أبي الوقت ثلاثة
كتب هي ((مسند عبد))، و((كتاب الدارمي))، و((ذم الكلام)) سير أعلام النبلاء (٢٠/ ٣١٠، و٣٠/٢٣).
(١٠) تقدمت ترجمة الزبيدي في وفيات سنة ٦٢٩ هـ .
(١١) ترجمة - خطلبا - في تاريخ الإسلام (١٧٣/١٤) والدارس (٤٩٦/١ -٤٩٨) وتاريخ الصالحية (١٣٥ - ١٣٦).
(١٢) مط: تنين. تحريف، وتبنين بلدة في جبال بني عامر المطلة على بانياس بين دمشق وصور. معجم البلدان (٢/ ١٤).
(١٣) تاريخ الصالحية (١٣٧) وقال دهمان رحمه الله: لا تزال موجودة بسوق الجركسية .

٢٢٣
أحداث سنة ٦٣٦ هـ
ثم دخلت سنة ست وثلاثين وستمئة
فيها : قضى الملك الجواد على الصفي بن مرزوق (١) وصادره بأربعمئة ألف دينار ، وحبسه بقلعة
حمص، فمكثَ ثلاثَ سنين لا يرى الضوءَ. وكان ابن مرزوق محسنا٢ً) إِلى الجواد قبل ذلك إِحساناً كثيراً.
وسلَّطَ الجوادُ خادماً لزوجته يقال له الناصح فصادر الدماشقة وأخذ منهم نحواً من ستمئة ألف دينار ،
ومسك الأمير عماد الدين بن الشيخ(٣) الذين كان سبب تمليكه دمشق ، ثم خاف من أخيه فخر الدين بن
الشيخُ(٤) الذي بديار مصر، وقلق من ملك دمشق، وقال ◌ِيش أعمل بالملك؟ باز وكلب أحبّ إليّ من هذا.
ثم خرج إِلى الصيد وكاتب الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل ، فتقايضا من حصن كيفا وسنجار وما تبع
ذلك إِلى دمشق ، فملك الصالح (٥) دمشق ودخلها في مستهل جمادى الأولى من هذه السنة ، والجواد بين
يديه بالغاشية٦) ، [ ثم حملها عنه المظفر صاحب حماة وكان يوماً مشهوداً ثم نزل الجواد بدار السعادة ]
وندم على ما كان منه ، فأراد أن يستدرك الفائت فلم يتفقْ له ، وخرجَ من دمشقَ والناسُ يلعنونه بوجهه(٧) ،
بسبب ما أسداه إِليهم من المصادرات ، وأرسل إِليه الصالحُ أيوبُ ليردّ إِلى الناس أموالهم فلم يلتفِتْ إِليه ،
وسار وبقيتْ في ذمّته . ولما استقرّ الصالحُ أيوب في ملك مصر كما سيأتي حبسَ الناصحَ الخادمَ ، فمات
في أسوأ حالةٍ، من القلَّةِ والقَمْلِ، جزاءً وفاقاً ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمِ لِّلْعَبِيدِ ﴾(٨) [ فصلت: ٤٦].
وفيها : ركب الصالحُ أيوبُ من دمشق في رمضان قاصداً الديار المصرية ليأخذها من أخيه العادل
لصغره ، فنزل بنابلس واستولى عليها وأخرجها من يد الناصر داود ، وأرسل إِلى عمّه الصالح إسماعيل
(١) هو إبراهيم بن عبد الله بن هبة الله العسقلاني الكاتب صفي الدين بن مرزوق وزر مرة. وتوفي بمصر سنة ٦٥٩هـ .
العبر (٢٥٣/٥) وشذرات الذهب (٥١٥/٧).
(٢) أ : وكان ابن مرزوق يحسن إِلى الجواد ، ب : وكان ابن مرزوق قبل ذلك يحسن .
(٣) هو شيخ الشيوخ أبو الفتح عمر بن شيخ الشيوخ صدر الدين محمد بن عماد الدين عمر بن حمّويه الجويني . سترد
قصة موته بعد أسطر . وترجمته في مرآة الزمان ( ٨/ ٤٧٧) وتكملة المنذري ( ٥٠٦/٣ - ٥٠٧) وذيل الروضتين
(١٦٧ - ١٦٨) وتاريخ الإسلام (٢١٩/١٤) وسير أعلام النبلاء (٩٧/٢٣ - ٩٩) والعبر (١٥٠/٥ - ١٥١)
والنجوم الزاهرة (٣١٣/٦ - ٣١٤) وشذرات الذهب (٣١٦/٧).
(٤) فخر الدين بن شيخ الشيوخ هو يوسف بن محمد بن عمر بن علي . سترد ترجمته في وفيات سنة ٦٤٧ هـ.
(٥) أ، ب : الصالح أيوب .
(٦) الغاشية هي الغطاء المزركش الذي يوضع فوق ظهر الفرس ، وكانت تحمل بين يدي السلطان عند الركوب في أيام
الأعياد وغيرها . التاريخ المنصوري (١٢/هـ٣) عن صبح الأعشى (٧/٤) ودائرة المعارف الإسلامية
(٢ / ١٥٠).
(٧) أ، ب : في وجهه .
(٨) ليست الآية في أ .

٢٢٤
وفيات سنة ٦٣٦ هـ
صاحب بعلبك ليقدمَ عليه ليكون في صحبته إِلى الديار المصرية ، وكان قد جاء إليه إِلى دمشق ليبايعه(١)
فجعل يسوف به ويعمل عليه ويحالف (٢) الأمراء بدمشق ليكون ملكهم ، ولا يتجاسرُ أحدٌ من الصالح أيوب
لجبروته أن يخبره بذلك ، وانقضت السنة وهو مقيمٌ بنابلس يستدعيه(٣) إِليه وهو يماطله .
وممن توفي فيها من الأعيان :
جمال الدين الحَصِيري الحنفي(٤)، محمود بن أحمد العلامة(٥) شيخ الحنفية بدمشق، ومدرّس النّورية.
أصله من قريةٍ يقال لها حصير من معاملة بُخارى(٦)، تفقَّه بها وسمع الحديث الكثير ، وصار إِلى دمشق
فانتهت إليه رئاسة الحنفية بها، ولا سيما في أيام المعظم، كان يقرأ عليه (( الجامع الكبير)) ، وله عليه
شرح ، وكان يحترمه ويعظمه ويكرمه . وكان رحمه الله غزيرَ الدمعة كثيرَ الصدقات (٧)، عاقلاً نزهاً
عفيفاً، توفي يومَ الأحد ثامنَ صفر ودُفن بمقابر الصوفية تغمَّدَه الله برحمته . توفي وله تسعون سنة ، وأوّل
درسه بالنّورية في سنة إِحدى عشرة وستمئة، بعد الشَّرف داود(٨) الذي تولاها بعد البُزْهان مسعود (٩) ،
وأول مدرسيها ١٠) رحمهم الله تعالى .
[ عماد الدين بن شيخ الشيوخ ] الأمير عماد الدين عمر بن شيخ الشيوخ صدر الدين ( محمد ابن شيخ
الشيوخ عماد الدين عمر بن (١١) علي بن حمويه .
كان سبباً في ولاية الجواد دمشق ثم سار(١٢) إِلى مصر فلامه صاحبها العادل بن الكامل بن العادل ،
(١) أ، ب : وبايعة.
(٢) أ، ب: ويحلف .
(٣) ط : يستدعي إليه الصالح إسماعيل.
(٤) ترجمة - جمال الدين الحَصِيري - في مرآة الزمان (٤٧٦/٨ - ٤٧٧) وتكملة المنذري ( ٤٩٩/٣) وذيل الروضتين
(١٦١) وتكملة إِكمال الإِكمال لابن الصابوني (١٢٧ - ١٢٩) وتاريخ الإسلام (٢٢٦/١٤) وسير أعلام النبلاء
(٥٣/٢٣ - ٥٤) والعبر (٥٢/٥) والجواهر المضية (١٥٥/٢) والنجوم الزاهرة (٣١٣/٦) وتاج التراجم
(٢٤٤) وشذرات الذهب (٣١٩/٧).
(٥) أ، ب : العلامة جمال الدين الحصيري شيخ الحنفية.
في الجواهر المضية أنها محلة ببخارى يعمل فيها الحَصير كان ساكناً بها . ولم ترد في معجم البلدان .
(٦)
(٧) ب : الصدقة .
(٨) هو داود بن أرسلان بن غازي أبو المظفر القاضي شرف الدين مات بدمشق ٦٣٩ هـ. الجواهر المضية (١٨٥/٢).
(٩) هو مسعود بن شجاع بن محمد بن حسن بن محمد بن حسن الأموي الملقب برهان الدين الفقيه درس بالنورية
والخاتونية . توفي سنة ٥٩٩هـ. الجواهر المضية (٤٦٧/٣) وتاج التراجم (٢٦٥ - ٢٦٦).
(١٠) أ، ب : أول تدريس .
(١١) ما بين الحاصرتين لا بد منه ليستقيم عمود النسب (بشار).
(١٢) أ، ب : صار .

٢٢٥
وفيات سنة ٦٣٦ هـ
فقال(١): الآن أرجع إلى دمشق وآمر الجوادَ بالمسير إِليك، على أن تكون له إِسكندريةُ عوضَ دمشق ، فإِن امتنع
عزلتُه عنها وكنتُ أنا نائبَك فيها ، فنهاه أخوه فخر الدين بن الشيخ عن تعاطي ذلك فلم يقبلْ ، ورجع إلى دمشق
فتلقاه الجواد إِلى المَصَلَّى وأنزله عنده بالقلعة بدار المسرة ، وخادعه عن نفسه ثم دسّ إِليه من قتله جهرةً في صورة
مستغيث به ، واستحوذ على أمواله وحواصله ، وكانت له جنازة حافلة ، ودفن بقاسيون .
الوزير جمال الدين(٢) علي بن جَرِيرٌ(٣)
وزر للأشرف واستوزره الصالح أيوب أياماً ، ثم مات عقب ذلك . كان أصله من الرَّّة ، وكان له
أملاكٌ يسيرةٌ يعيش منها ، ثم آل أمره [ إِلى ] أن وزر للأشرف (٤) بدمشق ، وقد هجاه بعضُهم ، وكانت
وفاته بالخوانيق(٥) في جمادى الآخرة ، ودفن بمقابر الصوفية .
جعفر بن عليّ(٦) بن أبي البركات ( هبة الله ) بن جعفر بن يحيى الهَمْداني ، راويةُ السَّلَفي.
قدم إلى دمشق صحبة الناصر داود ، وسمع عليه أهلُها ، وكانت وفاته بها ، ودفن بمقابر الصوفية
رحمه الله تعالى ، وله تسعون سنة .
الحافظ الكبير زكي(٧) الدين(٨) أبو عبد الله(٩) محمد بن يوسف بن محمد البِرْزالي الإِشْبيلي .
أحدُ من اعتنى بصناعةِ الحديث وبرَّزَ فيه ، وأفاد الطلبةَ ، وكان شيخَ الحديث بمشهد ابن عروة ، ثم سافر إلى
(١٠)
حلب، فتوفي بحماة فى رابع عشر رمضان من هذه السنة. وهو جد شيخنا الحافظ علم الدين محمد بن القاسم
-
(١) أ، ب : فلامه العادل صاحبها فقال .
(٢) ترجمة - جمال الدين علي بن جرير - في مرآة الزمان (٤٧٩/٨) وتكملة المنذري (٥١٠/٣) وذيل الروضتين
(١٦٨) واسمه فيه: علي بن سلامة بن البطين بن جرير الرقي، وتاريخ الإسلام (٢١٧/١٤) والعبر (١٥٠/٥)
وشذرات الذهب (٣١٦/٧).
(٣) ط : حديد . وهو تحريف صححته من الأصلين والمصادر .
(٤)
عن ط وحدها .
ط : بالجواليق ؛ وهو تحريف .
ترجمة - الهمداني - في تكملة المنذري ( ٣/ ٥٠٠) وذيل الروضتين (١٦٧) وتاريخ الإسلام (٢٠٧/١٤) وسير
أعلام النبلاء (٣٦/٢٣ - ٣٩) والعبر (١٤٩/٥) وتذكرة الحفاظ (١٤٢٤) والوافي بالوفيات (١١٧/١١) وغاية
النهاية (١٩٩/١) والنجوم الزاهرة (٣١٦/٦) وحسن المحاضرة (٢١٥/١) وشذرات الذهب (٣١٤/٧).
(١) ترجمة - الحافظ البرزالي - في تكملة المنذري (٥١٤/٣ - ٥١٥) وذيل الروضتين (١٦٨) وتاريخ الإسلام
(١٤ / ٢٢٤) وسير أعلام النبلاء (٥٥/٢٣ - ٥٧) والعبر (١٥١/٥) وتذكرة الحفاظ (١٤/٢٣) والوافي
بالوفيات (٢/ ٢٥٢) والنجوم الزاهرة (٣١٤/٦) والدارس (٨٦/١) وشذرات الذهب (٣١٨/٧).
(١) أ، ب: ولي الدين؛ تحريف.
(؟) ط : أبو عبد الله بن محمد ؛ وهو خطأ .
١٠) ط: ((علم الدين بن القاسم)) وهو تحريف ظاهر، وتوفي علم الدين البرزالي سنة ٧٣٩هـ (بشار).

٢٢٦
أحداث سنة ٦٣٧ هـ
ابن محمد البِرْزالي، مؤرّخ دمشق الذي ذَيّل على الشيخ شهاب الدين أبي شامةُ(١) ، وقد ذيلتُ أنا على
تاريخه بعون الله تعالى [ وقدرته ].
ثم دخلت سنة سبع وثلاثين وستمئة
استُهِلَّتْ هذه السنة وسلطانُ دمشق نجمُ الدّين الصالح أيوب بن الكامل مُخَيِّمٌ عند نابلس ، يستدعي
عَمَّه الصالح إسماعيل ليسير إِلى الديار المصرية ، بسبب أخذها من صاحبها العادل بن الكامل ، وقد
أرسل الصالح إسماعيل ولدَه وابن يَغْمورُ(٢) إِلى صحبة الصالح أيوب [بنابلس ] ، فهما يُنْفقان الأموالَ في
الأمراء ويحلفانهم على الصالحُ(٣) أيوب للصالح إِسماعيل ، فلما تمَّ الأمرُ وتمكَّن الصالحُ إِسماعيل من
مراده أرسل إِلى الصالح أيوب يطلب منه ولده ليكون عوضه / ببعلبك/ ، ويسير هو إِلى خدمته ، فأرسله
إِليه وهو لا يشعر٤) بشيء مما وقع، وكلُّ ذلك عن ترتيب أبي الحسن غزالُ(٥) المُتَطَيِّب وزير الصالح -
وهو الأمين واقف أمينية بعلبك) ؛ فلما كان يوم الثلاثاء السابع والعشرين من صفر هجم(٢) الملك
الصالح إِسماعيل وفي صحبته أسدُ الدين شيركوه صاحبُ حمص إِلى دمشق ، فدخلاها بغتةً من باب
الفراديس ، فنزل الصالحُ إِسماعيلُ بداره من درب الشعارينُ(١) ، ونزل صاحب حمص بداره ، وجاء نجم
الدين بن سَلاَّم٩ُ) فَهَنَّأَ الصالح إسماعيل ورقص بين يديه وهو يقول : إِلى بيتك جئت . وأصبحوا
فحاصروا القلعةَ وبها المغيثُ عمرُ بن الصالح نجم الدين ، ونَقَبوا القلعة من ناحية باب الفَرَج ، وهتكوا
حرمتها ودخلوها وتسلموها واعتقلوا المغيث في برجٍ هنالك .
قال أبو شامةٌ (١) : واحترقت دار الحديث وما هنالك من الحوانيت والدور حول القلعة.
(١) سماه: ((المقتفي لتاريخ أبي شامة)) ابتدأ به من عام مولده سنة ٦٦٥ هـ ووصل إلى سنة ٧٣٨هـ ، وقد درسه صديقنا
الفاضل الدكتور معن سعدون العيفان فنال به رتبة الماجستير ، ثم حقق مجلداً منه فنال به رتبة الدكتوراه ( بشار ) .
(٢) سترد أخبار ابن يغمور في سنة ٦٤٨ .
(٣) أ، ب : بن الصالح إسماعيل .
أ ، ب : لا يستقر الصالح أيوب .
(٤ )
(٥) سترد ترجمة غزال المتطبب في وفيات سنة ٦٤٨ هـ.
(٦) أ، ب : الأمينية ببعلبك .
ب : هجم الأمين .
(٧)
داخل باب الجابية . الدارس ( ٢ / ٧).
(٨)
(٩) ط : ابن سلامة؛ تحريف . وهو نجم الدين الحسن بن سالم بن سَلام الكاتب. كان ذا أموال وحشمة . توفي سنة
٦٤٢ هـ. سير أعلام النبلاء (١١١/٢٣ - ١١٢).
(١٠) ذيل الروضتين (١٦٩).

٢٢٧
أحداث سنة ٦٣٧ هـ
ولما وصل الخبرُ بما وقع إِلى الصالح أيوب(١) تفرق عنه أصحابه والأمراء خوفاً على أهاليهم من
الصالح إسماعيل ، وبقي الصالح أيوب وحدَه بمماليكه وجاريته أم ولده خليل ، فطمعُ(٢) فيه الفلاحون
والغوارنة(٣) .
وأرسل الناصر داود صاحب الكرك إِليه مَنْ أخذه من نابلس مهاناً على بغلةٍ بلا مهمازٍ ولا مقرعة ،
فاعتقله عنده سبعة أشهر ، وأرسل العادل من مصر إلى الناصر يطلب منه أخاه الصالح أيوب ويعطيه مئة
ألف دينار، فما أجابه٤) إِلى ذلك ، بل عكس ما طلب منه بإِخراج الصالح من سجنه والإِفراج عنه وإِطلاقه
من الحبس يركب وينزل .
فعند ذلك حاربت الملوك من دمشق ومصر وغيرهما الناصر داود ، وبرز العادل من الديار المصرية
إِلى بلبيس قاصداً قتال الناصر داود ، فاضطرب الجيش عليه واختلفت الأمراء ، وقَيَّدوا العادل واعتقلوه
في خركاه) ، وأرسلوا إِلى الصالح أيوب يستدعونه إِليهم ، فامتنع الناصر داود من إِرساله حتى اشترط
عليه أن يأخذ له دمشقَ وحمصَ وحلبَ وبلاد الجزيرة وبلاد ديار بكر ونصفَ مملكةٍ مصر ، ونصفَ ما في
الخزائن من الحواصل والأموال والجواهر .
قال الصالح أيوب : فأجبت إِلى ذلك مكرهاً ، ولا تقدر على ما اشترط جميع ملوك الأرض (٦) ،
وسرنا فأخذته معي خائفاً أن تكون هذه الكائنة(٧) من المصريين مكيدةً ، ولم يكن لي به حاجةٌ ، وذكر أنه
كان يسكر ويخبط في الأمور ويخالف في الآراء السديدة .
فلما وصل الصالح إِلى المصريين مَلَّكُوه عليهم ودخلَ الديارَ المصرية سالماً مؤيداً منصوراً مظفراً
محبوراً مسروراً ، فأرسل إلى الناصر داود عشرين ألف دينار فردَها عليه ولم يقبلها منه . واستقرَّ ملكهُ
بمصر .
وأما الملك الجواد فإِنه أساء السيرة في سنجار(٨) وصادر أهلها وعسفهم ، فكاتبو(٩) بدرَ الدين لؤلؤاً
(١) عن ط وحدها .
(٢) ط : وطمع .
(٣) أ : العوارنة. ب: الفوارية، وما هنا للسياق، أثبته من عبارة السبط في مرآة الزمان (٨/ ٤٨٠) أهل الغور.
(٤) أ، ب : فما أجاب .
(٥)
تقدم الحديث عنها وأنها الخيمة الملكية .
(٦) أ، ب : على ما اشترط على ملوك الأرض .
(٧) أ، ب : خوفاً أن يكون هذا الكتاب .
(٨) أ، ب : بسنجار .
(٩) أ، ب : وكانوا .

٢٢٨
وفيات سنة ٦٣٧ هـ
صاحبَ الموصل فقصدهم - وقد خرج الجواد للصيد - فأخذ البلدَ بغير شيء وصار الجوادُ إِلى غانه (١)، ثم
باعها من الخليفة بعد ذلك .
وفي ربيع الأول درس القاضي الرفيعُ(٢) عبد العزيز بن عبد الواحد الجيلي بالشامية البرانية . وفي يوم
الأربعاء ثالث ربيع الآخر ولي الشيخ عز الدين عبد العزيز(٣) بن عبد السلام بن أبي القاسم السلمي خطابةً
جامع دمشق، وخطب الصالح إسماعيل لصاحب الروم ببلد دمشق وغيرها، لأنه حالفه على الصالح أيوب .
قال أبو شامة٤) : وفي حزيران أيام المشمش جاء مطرٌ عظيمٌ هدم كثيراً من الحيطان وغيرها ، وكنت
يومئذ بالمزة .
وممن توفي فيها من الأعيان :
صاحب حمص الملك المجاهد(٥) أسد الدين شيركوه بن ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه بن
شادي .
ولَّه إياها الملك الناصر صلاح الدين بعد موت أبيه سنة إِحدى وثمانين وخمسمئة ، فمكث فيها سبعاً
وخمسين سنة ، وكان من أحسن الملوك سيرةً ، طهّر بلاده من الخمور والمكوس والمنكرات ، وهي في
غاية الأمن والعدل ، لا يتجاسر أحدٌ من الفرنج ولا العرب يدخل بلاده إِلا أهانه غاية الإِهانة ، وكانت
ملوك بني أيوب يَتَّقُونه لأنه يرى أنه أحقُّ بالأمر منهم ، لأن جدَّه هو الذي فتح مصر ، وأوّل من ملكَ
منهم ، وكانت وفاته رحمه الله بحمص ، وعمل عزاءه بجامع دمشق عفا الله عنه بمنه .
القاضي الخوتي شمس الدين أحمد بن خليل(٦) بن سعادة بن جعفر الخُوَتِي(٧) قاضي القضاة بدمشق يومئذ.
(١) أ : عانه ، ب : غاية .
سترد ترجمة رفيع الدين قاضي القضاة في وفيات سنة ٦٤٢ هـ .
(٢)
(٣)
سترد ترجمة العزبن عبد السلام في وفيات ٦٦٠ هـ .
(٤)
ذيل الروضتين ( ١٧٠ ) برواية مختلفة .
(٥) ترجمة - الملك المجاهد - في تكملة المنذري ( ٥٣٥/٣) ومرآة الزمان (٨/ ٤٨٣) وذيل الروضتين (١٦٩)
وتاريخ الإسلام (٢٣٩/١٤) وسير أعلام النبلاء ( ٣٩/٢٣ -٤١) والعبر (١٥٣/٥) والنجوم الزاهرة (٣١٦/٦)
وشذرات الذهب (٣٢٢/٧).
(٦) ترجمة - القاضي الخوتي - في مرآة الزمان (٨/ ٤٨٥) وتكملة المنذري (٥٣٧/٣) وعيون الأنباء في طبقات الأطباء
(١٧١/٢) وذيل الروضتين (١٦٩) وتكملة ابن الصابوني (١٠٧ - ١٠٩) وتاريخ الإسلام (٢٣١/١٤) وسير
أعلام النبلاء ( ٦٤/٢٣ - ٦٥) وتذكرة الحفاظ (١٤١٥) والعبر (١٥٢/٥ -١٥٢) والوافي بالوفيات (٣٧٥/٦ -
٣٧٦) ومرآة الجنان (٢٢٢/٤) وطبقات السبكي (١٦/٨ - ١٧) وطبقات الإِسنوي (٥٠٠/١) والنجوم الزاهرة
(٣١٦/٦) وشذرات الذهب (٣٢٠/٧ - ٣٢١).
(٧). قال ابن الصابوني : الخويي نسبة إِلى ( خُوَي ) مدينة من إقليم أذربيجان تكملة المنذري وتكملة ابن الصابوني .

٢٢٩
أحداث سنة ٦٣٨ هـ
وكان عالماً بفنونٍ كثيرةٍ من الأصول والفروع وغير ذلك ، وكانت وفاته يومَ السبتِ بعدَ الظهر السابع
من شعبان ، وله خمسٌ وخمسون سنةً بالمدرسة العادلية . وكان حسنَ الأخلاق جميلَ المعاشرة ، وكان
يقول لا أقدر على إيصال المناصب إلى مستحقيها. له مصنفاتٌ منها ((عروض)) قال فيه أبو شامةً (١) :
[ من الخفيف ]
أحمدُ بنُ الخليلِ أرشدهُ الـ ـلهُ لمّا أرشدَ الخليل بن أحمد
ذاكَ مُ
مَظْهَرُ السرِّ منه والعَودُ أحمد
جُ العروض وهذا
مُسْتخرَجُ
وقد ولي القضاء بعده رفيع الدين عبد العزيز بن عبد الواحد بن إسماعيل بن عبد الهادي الجيلي مع
تدريس العادلية ، وكان قاضياً ببعلبك . فأحضره إِلى دمشق الوزير أمين الدين(٢) الذي كان سامرياً
فأسلم ، وزر للصّالح إِسماعيل، واتفق هو وهذا القاضي على أكل أموال الناس بالباطل. قال أبو شامةً(٣) :
ظهر منه سوءُ سيرة وعسفٌ وفسقٌ وجَورٌ ومصادرةٌ في الأموال .
قلت : وقد ذكر غيره عنه أنه ربما حضر يوم الجمعة في المشهد الكمالي بالشباك وهو سكران(٤) ،
وأن قناني الخمر كانت تكون على بِرْكَةِ العادلية يوم السبت ، وكان يعتمد في التركات اعتماداً سيئاً جداً ،
وقد عامله الله تعالى بنقيض مقصوده ، وأهلكه الله على يَدَيْ مَنْ كان سبب سعادته ، كما سيأتي بيانه قريباً
إِن شاء الله تعالى .
ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين وستمئة
فيها : سلم الصالح إسماعيل صاحب دمشق حصن شقيف أرنون(٥) لصاحب صيدا الفرنجي ، فاشتد
الإِنكار عليه بسبب ذلك من الشيخ عز الدين(٦) بن عبد السلام خطيب البلد ، والشيخ أبي عمرو بن
الحاجب (١) شيخ المالكية ، فاعتقلهما مدة ثم أطلقهما وألزمهما منازلهما ، وولي الخطابة وتدريس
(١) ذيل الروضتين (١٦٩) وفيه : وصنف تصانيف من جملتها عروض وهو عندي بخطه نقلت منه .
(٢) أ، ب : الغزال؛ والأصح أن يكون أمين الدولة .
(٣) ذيل الروضتين ( ١٦٩ - ١٧٠ ).
(٤) أ، ب : في المشهد بالشباك الكمالي وهو سكران بالخمر .
(٥) ط : سيف أدبون؛ وهو تحريف . وفي معجم البلدان : الشقيف كالكهف أضيف إلى أرنون اسم رجل إِما رومي
وإِما إِفرنجي ، وهو قلعة حصينة جداً في كهف من الجبل قرب بانياس من أرض دمشق بينها وبين الساحل . ياقوت
(٣٥٦/٣) .
(٦) سترد ترجمة عز الدين بن عبد السلام في وفيات سنة ٦٦٠ هـ من هذا الجزء.
(١) سترد ترجمة ابن الحاجب في وفيات سنة ٦٤٦ هـ من هذا الجزء إن شاء الله.

٢٣٠
أحداث سنة ٦٣٨ هـ
الغزالية لعماد الدين داود بن عمر بن يوسف المقدسي(١) خطيب بيت الآبار ، ثم خرج الشيخان من دمشق
فقصد أبو عمرو الناصر داود بالكرك ، ودخل الشيخ عز الدين الديار المصرية ، فتلقاه صاحبها أيوب
بالاحترام والإكرام ، وولّه خطابة القاهرة وقضاء مصر ، واشتغل عليه أهلها فكان ممن أخذ عنه الشيخ
تقي الدين بن دقيق العيد رحمهما الله تعالى .
وفيها : قدم رسول من ملك التتار تولي بن جنكيز خان إِلى ملوك الإِسلام يدعوهم إلى طاعته ويأمرهم
بتخريب أسوار بلدانهم . وعنوان الكتاب : من نائب رب السماء ماسح وجه الأرض ملك الشرق والغرب
قانقال(٢) . وكان الكتاب مع رجل مسلم من أهل أصبهان لطيف الأخلاق ، فأول ما ورد على شهاب الدين
غازي بن العادل بميافارقين(٣) ، وقد أخبر(٤) بعجائب في أرضهم غريبة :
منها : أن في البلاد المتاخمة للسد أناساً أعينهم في مناكبهم ، وأفواههم في صدورهم ، يأكلون(٥)
السمك وإِذا رأوا أحداً من الناس هربوا٦)
وذكر أن عندهم بزراً ينبت الغنم ، يعيش الخروف منها شهرين وثلاثة ، ولا يتناسل .
ومن ذلك أن بمازندران عيناً يطلع فيها كل ثلاثين سنة خشبة عظيمة مثل المنارة ، فتقيم طول النهار
فإِذا غابت(٧) الشمس غابت(٨) في العين فلا ترى إِلى مثل ذلك الوقت ، وأن بعض الملوك احتال ليمسكوها
بسلاسل رُبطت فيها ، فغارت وقطعت تلك السلاسل ، ثم كانت إِذا طلعت ترى فيها تلك السلاسل وهي
إِلى الآن كذلك(٩)
قال أبو شامةٌ ١): وفيها قلَّتِ المياه من السماء(١١) والأرض، وفسد كثير من الزرع (١٢) والثمار والله
أعلم .
(١) سترد ترجمة عماد الدين المقدسي في وفيات سنة ٦٥٦ هـ من هذا الجزء.
(٢) أ، ب : قازان.
(٣) ب : صاحب ميافارقين .
(٤) أ، ب : وقد أخبره .
(٥) أ، ب : ويأكلون .
(٦) أ، ب : ويأكلون.
(٧) ب : غربت .
(٨) أ، ب : غاصت .
(٩) هذه خرافات كان يتعين على المؤلف تنزيه كتابه منها وهي من مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي ، وهو مجازف (بشار).
(١٠) ذيل الروضتين (١٧١) بخلاف في الرواية.
(١١) أ، ب : من الأرض والسماء.
(١٢) ب : الزروع .

٢٣١
وفيات أحداث ٦٣٨ هـ
وممن توفي فيها من الأعيان والمشاهير :
محيي الدين بن عربي(١)، صاحب (( الفصوص)) وغيره، محمد بن علي بن محمد بن عربي أبو عبد الله
الطائي الحاتمي (٢) الأندلسي، طاف البلاد وأقام بمكة مدة، وصنّف فيها كتابه المسمى (( الفتوحات
المكية )) في نحو عشرين مجدداً، فيها٣) ما يُعقل وما لا يُعقل ، وما يُنكر وما لا يُنكر ، وما يُعرف وما
لا يُعرف، وله كتابه المسمى («فصوص الحكم(٤) فيه أشياء كثيرة ظاهرها كفرٌ صريحٌ ، وله كتاب
(( العبادلة)) و((ديوان شعر)) رائق ، وله مصنفات أخر كثيرة جداً، وأقام بدمشق مدة طويلة قبل وفاته ،
وكان بنو الزكي لهم عليه اشتمال وبه احتفال ولجميع ما يقوله احتمال .
قال أبو شامة(٥) : وله تصانيف كثيرة وعليه التصنيف(٦) سهل (٧)، وله شعر حسن وكلام طويل على
طريق التصوف ، وكانت له جنازة حسنة ، ودفن بمقبرة القاضي محيي الدين بن الزكي بقاسيون ، وكانت
جنازته في الثاني والعشرين من ربيع الآخر من هذه السنة .
وقال ابن السبط (٨): كان يقول إنه يحفظ الاسم الأعظم ويقول إنه يعرف الكيمياء بطريق المنازلة(٩)
لا بطريق الكسب(١٠) ، وكان فاضلاً في علم التصوّف ، وله تصانيف كثيرة .
القاضي نجم الدين أبو العباسُ(١١) أحمد بن محمد بن خلف بن راجح المقدسي الحنبلي [ ثم ]
الشافعي ، المعروف بابن الحنبلي .
(١) ترجمة - ابن عربي في تكملة المنذري ( ٥٥٥/٣) وتاريخ الإسلام (٢٧٣/١٤) وهي ترجمة موسعة وسير أعلام
النبلاء (٤٨/٢٣ - ٤٩) وطبقات السبكى (٤٩/٥ - ٥٠) وشذرات الذهب (٣٣٢/٧ - ٣٤٨) وكنيته فيها :
أبو بكر .
(٢) عن ب وحدها .
(٣) أ، ب : فيه .
(٤) أ : الحكمة .
(٥) ذيل الروضتين (١٧٠).
عن ط وحدها .
(٦)
(٧) ب : سهلة . وعبارة أبي شامة : وكانت عليه سهلة .
(٨) مرآة الزمان ( ٨/ ٤٨٧).
(٩) أ، ب : المناولة .
(١٠) في المرآة : الكتب .
(١١) ترجمة - ابن الحنبلي - في مرآة الزمان (٨/ ٤٨٧) وتكملة المنذري ( ٥٦٣/٣) وفيه : ابن راجع ؛ تحريف لابد من
تصحيحه ، وذيل الروضتين (١٧١) وتاريخ الإسلام (٢٦٣/١٤) وسير أعلام النبلاء (٧٥/٢٣ - ٧٦) والعبر
(١٥٨/٥) وطبقات الإِسنوي (٤٤٨/٨ - ٤٤٩) والنجوم الزاهرة (٣٤٠/٦) وشذرات الذهب (٣٣١/٧ -
٣٣٢) .

٢٣٢
أحداث سنة ٦٣٩ هـ
كان شيخاً فاضلاً ديناً بارعاً في علم الخلاف، ويحفظ (( الجمع بين الصحيحين )) للحميدي . وكان
متواضعاً حسنَ الأخلاق، قد طاف البلدان يطلب (١) العلم ثم استقرّ بدمشق ودرس بالعذراوية(٢)
والصارمية والشامية الجوانية وأم الصالح ، وناب في الحكم عن جماعة من القضاة إلى أن توفي بها ، وهو
نائب الرفيعُ(٣) الجيلي ، وكانت وفاته يوم الجمعة سادس شوال ودفن بقاسيون .
ياقوت بن عبد الله أمين الدين الرومي (٤)
منسوب إِلى بيت أتابك ، قدم بغداد مع رسول صاحب الموصل لؤلؤ . قال ابن الساعي : اجتمعت(2)
به وهو شاب أديب فاضل ، يكتب خطاً حسناً في غاية الجودة ، وينظم شعراً جيداً ، ثم روى عنه شيئاً من
شعره . قال : وتوفي في جمادى الآخرة محبوساً .
ثم دخلت سنة تسع وثلاثين وستمئة
فيها : قصد الملكُ الجوادُ أن يدخل مصر(٦) ليكون في خدمة الصالح أيوب ، فلما وصل إِلى الرملة(٧)
توهم منه الصالح أيوب وأرسل إليه كمال الدين ابن الشيخ ليقبض عليه ، فرجع الجواد فاستجار بالناصر
داود ، وكان إِذ ذاك بالقدس الشريف ، وبعث معه (٨) جيشاً فالتقوا مع ابن الشيخ فكسروه وأسروه فوبّخه
الناصر داود ثم أطلقه ، وأقام الجواد في خدمة الناصر حتى توهم٩) منه فقيّده وأرسله تحت الحوطة إِلى
بغداد ، فأطلقه بطن من العرب عرفوه ١) فلجأ إلى صاحب دمشق مدة ، ثم انتقل إلى الفرنج ، ثم عاد إِلى
دمشق فحبسه الصالح إسماعيل بعزتا إلى أن مات في سنة إِحدى وأربعين كما سيأتي .
وفيها : شرع الصالح أيوب في بناء المدارس بمصر ، وبنى قلعة بالجزيرة غرم عليها شيئاً كثيراً من
بيت المال ، وأخذ أملاكَ الناس وخرّبَ نيفاً وثلاثين مسجداً ، وقطعَ ألفَ نخلةٍ . ثم أخربها الترك في سنة
(١) أ، ب : في طلب .
(٢) ط: بالفداوية. وهو تحريف. تنبيه الطالب (٩٦) ومنادمة الأطلال ( ١٨٢).
(٣) تقدمت ترجمة القاضي الرفيع الجيلي قبل صفحات في وفيات سنة ٦٣٢ .
(٤) ترجمة - ياقوت - في وفيات الأعيان (٢/ ٢١٠) ومرآة الجنان (٥٩/٤ -٦٣) والأعلام للزركلي (١٣١/٨).
(٥) أ، ب : فاجتمعت .
(٦) أ، ب : أن يدخل إِلى مصر.
(٧) ط : الرمل ؛ وهو تحريف.
(٨) ط : منه ؛ تحريف .
(٩) أ، ب : توهمه .
(١٠) ط : عن قوة ؛ تحريف.

٢٣٣
أحداث سنة ٦٣٩ هـ
إحدى وخمسين كما سيأتي بيانه . وفيها ركب الملك المنصور(١) إِبراهيم بن الملك المجاهد صاحب
حمص ومعه الحلبيون ، فاقتتلوا مع الخوارزمية بأرض حَرّان ، فكسروهم ومزّقوهم كُلَّ مُمَزَّق ، وعادوا
منصورین إِلى بلادهم ، فاصطلح شهاب الدين غازي صاحب ميافارقين مع الخوارزمية وآواهم إلى بلده
ليكونوا من حزبه .
قال أبو شامة٢): وفيها كان دخول الشيخ عز الدين(٣) إِلى الديار المصرية فأكرمه صاحبها وولّاه
الخطابة بالقاهرة وقضاء القضاة بمصر ، بعد وفاة القاضي شرف الدين الموقع(٤) ثم عزل نفسه مرتين
وانقطع في بيته رحمه الله تعالى .
قال(٥) : وفيها توفي [ بالموصل ] الشمس بن الخباز النحوي الضرير في سابع رجب . والكمال بن
يونس الفقيه في النصف من شعبان ، وكانا فاضلي بلدهما في فنهما .
قلت أما :
الشمس ابن الخَبَّارُ(٦) فهو أبو عبد الله أحمد بن الحُسين بن أحمد بن مَعَالي بن منصور بن علي ،
الضَّرير النحوي الموصلى المعروف بابن الخباز .
اشتغل بعلم العربية وحفظ ((المفصل)) و((الإِيضاح)) و((التكملة)) والعروض والحساب ، وكان
يحفظ (( المجمل في اللغة)) وغير ذلك، وكان شافعيَّ المذهب كثيرَ النوادر والملح، وله أشعارٌ جيدةٌ ،
وكانت وفاته عاشر رجب (٧) وله من العمر خمسون سنة رحمه الله تعالى .
وأما :
الكمال بن يُونُس(٨) فهو موسى بن يُونُس بن محمد بن مَنْعَة بن مالك العقيلي ، أبو الفتح المَوْصلي .
(١) ط : الملك المنصور بن إبراهيم ؛ وهو خطأ. ترويح القلوب (٤١).
(٢) ذيل الروضتين (١٧١ ).
سترد ترجمة العز بن عبد السلام في وفيات سنة ٦٦٠ هـ من هذا الجزء.
(٣)
ط : شرف الدين المرقع ، وفي أ : شرف الدين بن الموقع . ذيل الروضتين ( ١٧٢).
(٤)
(٥)
ذيل الروضتين ( ١٧٢ ).
(٦) ترجمة - ابن الخباز - في تاريخ الإسلام (١٤ /٢٨٥) والعبر (١٥٩/٥) والنجوم الزاهرة (٣٤٢/٦) وبغية الوعاة
(٣٠٤/١) وشذرات الذهب (٣٥٠/٧).
(٧) أ، ب : وكانت وفاته في العاشر من رجب رحمه الله تعالى.
(٨) ترجمة - الكمال ابن يونس - في تكملة المنذري (٥٨٣/٣) ووفيات الأعيان (٣١١/٥ - ٣١٨) والمختصر لأبى
الفداء ( ١٧٨/٣) وتاريخ الإسلام (٣٠٥/١٤) وسير أعلام النبلاء (٨٥/٢٣ - ٨٧) والعبر (١٦٢/٥ - ١٦٣)
ومرآة الجنان (١٠١/٤) وطبقات السبكي (٣٧٨/٨ -٣٨٦) والنجوم الزاهرة (٣٤٢/٦ - ٣٤٤) وشذرات الذهب
(٣٥٦/٧ - ٣٥٧) .

٢٣٤
أحداث سنة ٦٣٩ هـ
شيخ الشافعية بها ، ومدرّسٌ بعدَّة مدارس فيها ، وكانت له معرفة تامة بالأصول والفروع والمعقولات
والمنطق والحكمة (١) ، ورحل إِليه الطلبة من البلدان ، وبلغ ثمانياً وثمانين عاماً ، وله شعر حسن . فمن
ذلك ما امتدح به البدر لؤلؤ صاحب الموصل وهو قوله : [ من الطويل ]
لئن زُينت الدنيا بمالكِ أمرها فمملكةُ الدنيا بكم تتشرفُ
بقيتَ بقاءَ الدهرِ أمركَ نافذٌ وسعيكُ مشكورٌ وحكمكُ ينصفُ(٢)
كان مولده سنة إحدى وخمسين وخمسمائة ، وتوفي النصف من شعبان هذه السنة ، رحمه الله
تعالى .
قال أبو شامة (٣) : وفيها توفي بدمشق :
عبد الواحد الصّوفي(٤) الذي كان قسّاً راهباً بكنيسةُ(٥) مريم سبعين سنة ، أسلم قبل موته بأيام ، ثم
توفي شيخاً كبيراً بعد أن أقام بخانقاه السميساطية أياماً ، ودفن [ بمقابر الصوفية ، وكانت له جنازة حافلة ،
حضرت دفنه والصلاة عليه رحمه الله تعالى ]٦)
أبو الفضل أحمد بن اسفنديار(٧) بن الموفق بن أبي علي البوشنجي الواعظ ، شيخ رباط الأرجوانية .
قال ابن الساعي : كان جميلَ الصورة حسنَ الأخلاق كثيرَ التودّد والتواضع ، متكلماً متفوّهاً منطيقاً
حسنَ العبارة جيدَ الوعظ طيبَ الإِنشاد عذبَ الإِيراد ، له نظم حسن ، ثم ساق عنه قصيدة يمدح بها الخليفة
المستنصر .
أبو بكر محمد بن يحيى (٨) بن المُظَفَّر بن علي (٩) بن نعيم المعروف بابن الحُبَيْر١٠ُ) السلامي .
(١) أ، ب : والحكم .
(٢) أ، ب : تنصف .
(٣) ذيل الروضتين ( ١٧٢).
وله ترجمة في تاريخ الإسلام (١٤ / ٢٩٧).
(٤)
(٥) ط : في كنيسة .
(٦)
عن ط وحدها .
ترجمته في تكملة المنذري ( ٥٩٠/٣) وتاريخ الإسلام (٢٨٥/١٤).
(٧)
(٨)
ترجمة - ابن الحُبَيْر - في تكملة المنذري ( ٥٨٧/٣ - ٥٨٨) وتاريخ الإسلام (١٤/ ٣٠٣) وسير أعلام النبلاء
(١٠٧/٢٣) والعبر (١٦٢/٥) والوافي (٢٠٧/٥ - ٢٠٨) وطبقات السبكي (١٠٨/٨ - ١٠٩) وطبقات
الإِسنوي (٤٤٩/١) وذيل طبقات الحنابلة (٢/ ٦٣).
(٩) ط : علم ؛ تحريف .
(١٠) ط : الحسر ؛ وهو تحريف.

٢٣٥
أحداث سنة ٦٤٠ هـ
شيخ [ صالح ] عالم فاضل ، كان حنبلياً ثم صار شافعياً ، ودرّس بعدة مدارس ببغداد للشافعية ،
وكان أحد المُعَدّلين بها ، تولّى (١) مباشرات كثيرة . وكان فقيهاً أصولياً عالماً بالخلاف ، وتقدم ببلده
وعظم كثيراً ، ثم استنابه (٢) ابن فضلان بدار الحريم ، ثم صار من أمره أن درس بالنظامية وخلع عليه
ببغلة ، وحضر عنده الأعيان ، ومازال بها حتى توفي عن ثمانين سنة ، ودفن بباب حرب .
قاضي القضاة ببغداد أبو المعالي عبد الرحمن بن مُقْبِل (٣) بن الحسين بن علي الواسطي الشافعي.
اشتغل ببغداد وحصل وأعاد في بعض المدارس ، ثم استنابه قاضي القضاة عماد الدين أبو صالح
نصر بن عبد الرزاق بن عبد القادر(٤) في أيام الخليفة الظاهر بن الناصر ، ثم ولي قضاء القضاة مستقلاً ، ثم
ولي تدريس المستنصرية بعد موت أول من درس بها محيي الدين محمد بن فضلان ، ثم عزل عن ذلك كله
وعين لمشيخة(٥) بعض الربط . ثم كانت وفاته في هذا العام ، وكان فاضلاً ديّناً متواضعاً رحمه الله تعالى
وعفا عنه .
[ ثم دخلت سنة أربعين وستمئة ( من الهجرة النبوية ]
فيها : توفي الخليفة المستنصر بالله وخلافة ولده المستعصم بالله ، فكانت (٧) وفاة الخليفة [ المستنصر
بالله (٨) أمير المؤمنين بكرةَ يوم الجمعة عاشر جمادى الآخرة ، وله من العمر إِحدى وخمسون سنة ،
وأربعة أشهر وسبعة أيام ، وكتم موته حتى كان الدعاء له على المنابر ذلك اليوم ، وكانت مدة ولايته ست
عشرة سنة وعشرة أشهر وسبعة وعشرين يوماً ، ودُفن بدار الخلافة ، ثم نُقُل إِلى التُّرَب من الرُّصافة .
(١) أ، ب : وتولّى.
(٢) ب : واستنابه .
(٣) ترجمة - ابن مقبل - في التكملة للمنذري (٥٩١/٣ - ٥٩٢) وتاريخ الإسلام (١٤ /٢٩٤) وسير أعلام النبلاء
(١٠٤/٢٣ - ١٠٥) وطبقات السبكي (١٨٧/٨) وطبقات الإِسنوي (٥٥٣/٢) وشذرات الذهب (٣٥٣/٧).
(٤) أ : نصر بن عبد القادر ، وب : نصر بن عبد الرزاق بن عبد القاهر ؛ وفي الرواية الثانية تحريف . ونصر بن
عبد الرزاق عماد الدين كان قاضي القضاة. توفي سنة ٦٣٣هـ. تكملة المنذري ( ٤١٩/٣) وسير أعلام النبلاء
(٣٩٦/٢٢ -٣٩٩).
(٥) ط : وعن مشيخة .
(٦) عن ط وحدها .
(٧) أ، ب : كانت .
(١) ترجمة - المستنصر بالله - في مرآة الزمان (٤٨٩/٨) وتكملة المنذري ( ٣/ ٦٠٧) وذيل الروضتين (١٧٢ ) وتاريخ
ابن العبري ( ٢٥٣) وسير أعلام النبلاء (١٥٦/٢٣ -١٦٨) والعبر (١٦٦/٥) والنجوم الزاهرة (٣٤٥/٦ -٣٤٦)
وشذرات الذهب (٧/ ٣٦١ - ٣٦٢).

٢٣٦
أحداث سنة ٦٤٠ هـ
وكان جميلَ الصورة حسنَ السريرة جيد(١) السيرة ، كثيرَ الصدقات والبرّ والصِّلات، مُحسناً إِلى
الرعية بكل ما يقدر عليه .
كان جدُّهُ الناصر قد جمع ما يتحصَّل من الذهب في بركة في دار(٢) الخلافة ، فكان يقف على حافتها
ويقول : أترى أعيش حتى أملأها ، وكان المستنصر يقف على حافتها ويقول أترى أعيش حتى أنفقها
كلها . وكان (٣) يبني الربط والخانات والقناطر في الطرقات من سائر الجهات ، وقد عمل بكل محلةٍ من
محالِّ بغداد دارَ ضيافة للفقراء ، لاسيّما في شهر رمضان .
وكان يتقصَّد الجواري اللائي قد بلغن الأربعين فيُشْتَرَيْنَ له فيعتقهن ويجهّزهن ويزوّجهن .
وفي كل وقتٍ يبرز صِلاته ألوف متعددة من الذهب ، تُفَرَّق في المحالِّ ببغداد على ذوي الحاجات
والأرامل والأيتام وغيرهم ، تقبل الله تعالى منه وجزاه خيراً .
وقد وضع ببغداد المدرسة المستنصرية للمذاهب الأربعة ، وجعل فيها دار حديث ومرستاناً وحماماً ودار
طبٍّ ، وجعل لمستحقّيها من الجوامك والأطعمة والحلاوات والفاكهة(٤) ما يحتاجون إليه في أوقاته،
ووقف (٥) عليها أوقافاً عظيمة حتى قيل إِنَّ ثمنَ التبن(٦) من غلاّتِ ريعها يكفي المدرسة وأهلها٧) . ووقف(٨)
فيها كتباً نفيسةً ليس في الدنيا لها؟) نظير، فكانت هذه المدرسة جمالاً لبغداد بل لسائر(١٠) البلاد.
وقد احترق في أول هذه السنة المشهدُ الذي بسامراء المنسوب إِلى عليّ الهادي والحسن
العسكري ، وقد كان بناه أرسلان البساسيري (١١) في أيام تغلّبه على تلك النواحي ، في حدود سنة
(١) ب : جميل .
(٢) أ، ب : بدار .
(٣) ط : فكان .
(٤) أ، ب : والفواكه .
(٥) ب : وأوقف .
(٦) ب : ثمن التبن والفواكه .
(٧) وقف الذهبي على نسخة كتاب وقفها في خمسة كراريس، وقال: (( والوقف عليها عدة رباع وحوانيت ببغداد وعدة
قرى كبار وصغار ما قيمته تسعمئة ألف دينار فيما يخال إِليَّ ، ولا أعلم وقفاً في الدينا يقارب وقفها أصلاً سوى أوقاف
جامع دمشق، وقد يكون وقفها أوسع)) ثم ساق بعضاً من وقفها. تاريخ الإسلام (١٤/ ٨ - ١٠).
(٨) أ، ب : وأوقف .
(٩) أ، ب : ليس لها في الدنيا نظير وكانت.
(١٠) ط : وسائر .
(١١) أبو الحارث الملقب بالمظفر ملك الأمراء أرسلان التركي البساسيري نسبة إِلى تاجر باعه من أهل فسا، والصواب فسوي فقيلت
على غير قياس كعادة العجم . ترقت به الأحوال إِلى أن نابذ الخليفة وخرج عليه وكاتب صاحب مصر فأمدّه بأموال وسلاح
فأقبل في عسكر قليل وتوثّب على بغداد ففرّ منه القائم. قتل سنة ٤٥١هـ. سير أعلام النبلاء (١٨/ ١٣٢ - ١٣٣).

٢٣٧
أحداث سنة ٦٤٠ هـ
خمسين(١) وأربعمئة ، فأمر الخليفة المستنصر بإِعادته إلى ما كان عليه ، وقد تكلمتِ الروافضُ في الاعتذار
عن حريقِ هذا المشهدِ بكلامٍ طويلٍ باردٍ لا حاصل له ، وصنفوا فيه أجزاء (٢) وأنشدوا أشعاراً كثيرة لا معنى
لها ، وهو المشهد الذي يزعمون أنه يخرج منه المنتظر الذي لا حقيقةً له ، فلا٣) عين ولا أثر ، ولو لم يبن
لكان أجدر(٤) ، وهو الحسن بن علي بن محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر
الصادق بن محمد الباقر(٥) بن علي زين العابدين بن الحسين الشهيد بكربلاء ابن علي بن أبي طالب
رضي الله عنهم أجمعين ، وقبح من يغلو فيهم ويبغض بسببهم من هو أفضل منهم .
وكان المستنصر رحمه الله كريماً حليماً رئيساً متودداً إِلى الناس ، وكان جميلَ الصورة حسنَ الأخلاق
بهيَّ المنظر ، عليه نورُ بيتِ النبوّة رضي الله عنه وأرضاه .
وحُكي(٦) أنه اجتاز راكباً في بعض أزقّة بغداد قبل غروب الشمس من رمضان ، فرأى شيخاً كبيراً ومعه
إِناءٌ فيه طعامٌ قد حمله من محلةٍ إِلى محلةٍ أخرى . فقال : أيها الشيخ لم لا أخذت الطعام من محلّتك ؟ أو
أنت محتاجٌ تأخذ(٧) من المحلَّتين ؟ فقال : لا والله يا سيدي - ولم يعرف أنه الخليفةُ - ولكنّي شيخٌ كبيرٌ ،
وقد نزل بي الوقتُ ، وأنا٨) أستحيي من أهل محلتي أن أزاحمهم وقت الطعام ، فيشمت بي من كان
يبغضني ، فأنا أذهب إلى غير محلتي فآخذ الطعام وأتحين(٩) وقتَ كون الناس في صلاةِ المغربِ فأدخل
بالطعام إلى منزلي بحيث(١٠) لا يراني أحدٌ . فبكى الخليفةُ رحمه الله وأمر له بألف دينار ، فلما دُفعت إِليه
فرح الشيخُ فرحاً شديداً حتَّى قيل إِنه انشقَّ قلبُه من شدّة الفرح ، ولم يعش بعد ذلك إِلا عشرين يوماً ، ثم
مات فحملت (١١) الألف دينار إلى الخليفة، لأنه لم يترك١٢) وارثاً. وقد أنفق منها ديناراً واحداً، فتعجّب
(١) أ، ب : في حدود خمس وأربعمئة.
(٢) ط : وصنفوا فيه أخباراً .
(٣) ب : ولا عين .
(٤) أ، ب : أجود .
(٥) ط: (( جعفر الصادق بن علي بن محمد بن الباقر)) وهو تخليط قبيح ( بشار).
(٦) أ، ب : حكي ؛ بلا واو .
(٧) ب : فتأخذ .
(٨) أ، ب : فأنا .
(٩) ب: وأستحين وقت لهذا . وفي أ : وأتحين أكبر وقت .
(١٠) أ، ب : حيث .
(١١) ط : فحلف .
(١٢) أ، ب : لم يخلف .

٢٣٨
أحداث سنة ٦٤٠ هـ
الخليفةُ من ذلك وقال: شيءٌ قد خرجنا عنه(١) لا يعود إلينا، تَصَدَّقوا بها على فقراء محلته ، فرحمه الله
تعالى .
وقد خلَّف من الأولاد ثلاثةً ، اثنان شقيقان وهما ٢) أمير المؤمنين المستعصم بالله الذي ولي الخلافة
بعده(٣) أبو أحمد عبد الله، والأمير أبو القاسم عبد العزيز وأختهما من أم أخرى كريمة صان الله حجابها .
وقد رثاه الناس بأشعار كثيرة أورد منها ابن الساعي قطعةً صالحةً ، ولم يستوزر أحداً بل أقرَّ أبا الحسن
محمد بن محمد القمي(٤) على نيابة الوزارة ، ثم كان بعده نصير(٤) الدين أبو الأزهر أحمد بن محمد الناقد
الذي كان أستاذ دار الخلافة ، والله تعالى أعلم بالصواب .
خلافة المستعصم بالله
أمير المؤمنين وهو آخر خلفاء بني العباس ببغداد ، وهو الخليفةُ الشهيدُ الذي قتله التتار بأمر
هلاكوُ(٦) بن تولي ملك التتار بن جنكيز خان لعنهم(٢) الله ، في سنة ست وخمسين وستمئة كما سيأتي بيانه
إِن شاء الله تعالى ، وهو أمير المؤمنين المستعصم بالله أبو أحمد عبد الله بن أمير المؤمنين المستنصر بالله
أبي جعفر منصور بن أمير المؤمنين الظاهر بالله أبي نصر محمد بن أمير المؤمنين الناصر لدين الله أبي
العباس أحمد بن أمير المؤمنين المستضيء بأمر الله أبي محمد الحسن بن أمير المؤمنين المستنجد بالله أبي
المظفر يوسف بن أمير المؤمنين الخليفة المقتفي لأمر الله أبي عبد الله محمد بن أمير المؤمنين الخليفة
المستظهر بالله أبي العباس أحمد بن الخليفة المقتدي بأمر الله أبي القاسم عبد الله وبقية نسبه إِلى العباس في
ترجمة جده الناصر ، وهؤلاء الذين ذكرناهم كلهم ولي الخلافة يتلو بعضهم بعضاً ، ولم يتفق هذا لأحد
قبل المستعصم ، أن في نسبه ثمانية نسقاً ولوا الخلافة (٨) لم يتخللهم أحدٌ ، وهو التاسع رحمه الله تعالى
بمنه .
لما توفي أبوه بكرةَ الجمعة عاشر جمادى الآخرة من سنة أربعين وستمئة استُدْعي هو من التاج
(١) ب : خرجنا عنه الله .
(٢) عن ط وحدها .
(٣) ط : وأبو أحمد .
(٤) أ، ب : أبا محمد الحسن بن محمد بن محمد القمي .
(٥) ط : نصر .
(٦) أ، ب : هولاوو .
(٧) أ، ب : لعنه.
(٨) أ، ب : ولو الخلافة نسقاً .

٢٣٩
أحداث سنة ٦٤٠ هـ
يومئذ بعد الصلاة فبويع بالخلافة ، ولُقّب بالمستعصم ، وله من العمر يومئذ ثلاثون سنة وشهور .
وقد أتقن في شبيبته تلاوة القرآن حفظاً وتجويداً ، وأتقنَ العربيةَ والخطَّ الحسنَ وغير ذلك من الفضائل
على الشيخ شمس الدين أبي المظفر علي بن محمد بن النيار(١) أحد أئمة الشافعية في زمانه، وقد أكرمه (٢)
وأحسن إِليه في خلافته .
وكان المستعصم على ما ذكر كثيرَ التلاوة حسنَ الأداء طيّبَ الصوت ، يَظهر عليه خشوعٌ وإِنابةٌ ، وقد
نظر في شيء من التفسير(٣) وحل المشكلات ، وكان مشهوراً بالخير مشكوراً مقتدياً بأبيه المستنصر جهده
وطاقته ، وقد مشتِ الأمور في أيامه على السَّداد والاستقامة بحمد الله ، وكان القائم بهذه البيعة
المستعصمية شرف الدين أبو الفضائلِ إِقْبال المُسْتَنْصِريّ(٤) ، فبايعه أولا بنو عمه وأهلهُ من بني العباس ،
ثم أعيانُ الدولة من الأمراء والوزراء والقضاة والعلماء والفقهاء ومَنْ بعدهم من أولي الحلِّ والعقد والعامة
وغيرهم ، وكان يوماً مشهوداً ومجمعاً محموداً ورأياً سعيداً ، وأمراً حميداً ، وجاءت البيعة من سائر
الجهات والأقطار والبلدان(٥) والأمصار ، وخطب له في سائر البلدان ، والأقاليم والرساتيق ، وعلى سائر
المنابر شرقاً وغرباً ، بُعداً وقُرباً ، كما كان أبوه وأجداده ، [ من بني العباس ] رحمهم الله أجمعين.
وفيها : وقع من الحوادث(٦) أنه كان بالعراق وباءٌ شديدٌ في آخر أيام المستنصر وغلا السكَّرُ والأدويةُ
فتصدق الخليفة (٧) المستنصر بالله(٨) رحمه الله بسكر كثير على المرضى ، تقبل الله منه .
وفي يوم الجمعة رابع عشر شعبان أذن الخليفة المستعصم بالله لأبي الفرج عبد الرحمن بن محيي
الدين يوسف ابن الشيخ أبي الفرج بن الجوزي - وكان شاباً ظريفاً فاضلا٩ً) - في الوعظ بباب البدرية ،
فتكلم وأجاد وأفاد وامتدح الخليفة المستعصم بقصيدة مفيدة (١) طويلة جليلة (١) فصيحة مليحة١٢ً)،
(١) سترد ترجمة ابن النيار في وفيات سنة ٦٦٣ .
(١) عن ط وحدها .
(٣) أ، ب : التفاسير.
(٤) هو جمال الدولة أمير الجيوش شرف الدين أبو الفضائل إقبال الحبشي المستنصري الشرابي مات سنة ٦٥٣ هـ، عين
في سنة ٦٤٣ هـ مقدم جيوش العراق وبنى عدة مدارس وربط. سير أعلام النبلاء (٢٣/ ٣٧٠).
أ : والبلدان والقرى والأمصار .
(٥)
بعدها في أ ، ب : في هذه السنة .
(٦)
عن ط وحدها .
بعدها في ب : أمير المؤمنين .
(١)
(٩) أ : طرياً عاقلاً.
(١٠) عن ب وحدها .
(١١) عن ط وحدها .
(١٢) عن ط وحدها .

٢٤٠
وفيات سنة ٦٤٠ هـ
سردها ابن الساعي بكمالها ، ومن يشابهُ(١) أباه فما ظلم، والشبل في المخبرُ(٢) مثل الأسد .
وفيها : كانت وقعة عظيمة بين الحلبيين وبين الخوارزمية ، و( مع الخوارزمية ) شهاب الدين غازي
صاحب ميّافارقين ، فكسرهم الحلبيون كسرة عظيمة منكرة ، وغنموا من أموالهم شيئاً كثيراً جداً ، ونُهبت
نصيبين مرة أخرى ، وهذه سابع عشرة مرة نهبت في هذه السنين ، فإِنّا لله وإنا إليه راجعون . وعاد الغازي
إِلى ميافارقين وتفرقت الخوارزمية يفسدون في الأرض(٣) صحبة مقدمهم بركات خان ، لا بارك الله فيه .
وقدم على الشهاب غازي منشور بمدينة خلاط فتسلمها وما فيها من الحواصل .
وفيها : عزم الصالح أيوب صاحب مصر على دخول الشام فقيل له إِن العساكر مختلفة فجهّز عسكراً
إِليها وأقام هو بمصر يدير مملكتها .
وممن توفي فيها من الأعيان :
المستنصر بالله٤) أمير المؤمنين كما تقدم. والحرمة ) المصونة الجليلة :
تركان٦) خاتون بنت عز الدين مسعود(١) بن مودود بن زنكي بن آقسنقر الأتابكية واقفة المدرسة
الأتابكية(٨) بالصالحية ، وكانت زوجة السلطان الملك الأشرف رحمه الله وفي ليلة وفاتها كان وقف(٩)
مدرستها وتربتها بالجبل قاله أبو شامة : ودفنت بها رحمها الله تعالى وتقبل منها .
(١) ب: من شابه. والمثل في معجم الأمثال العربية من تأليفي (٤٣٦/٢) ومصادره فيه مجمع الأمثال (٢٠٠/٢)
والفاخر ( ١٠٣ و٢٧٧) وجمهرة العسكري (٢٤٤/٢) والمستقصى للزمخشري (٣٥٢/٢) وفصل المقال
( ١٨٥) وكتاب الأمثال لأبي عكرمة الضبي ( ٦٧) والأمثال للقاسم بن سلام ( ١٤٥ و٢٦٠) ولسان العرب
( ظلم ) .
(٢) أ، ب: الخير. ب : الخيرات ؛ والأخيرة خطأ.
(٣) أ، ب : يعيثون في الأرض فساداً .
تقدم ذكر مصادره في الصفحة السابقة .
(٤)
(٥)
أ ، ب : والجهة .
(٦) ليست اللفظة في ط . وهي في ب وذيل الروضتين: بركات. وما هنا من أوباقي المصادر.
(٧) ترجمة - تركان خاتون - في ذيل الروضتين (١٧٢) وتاريخ الإسلام (٣١٦/١٤) والعبر (٦٤/٥ - ٦٥) والدارس
(١٢٩/١) وتاريخ الصالحية (١٠٢ - ١٠٣) وتنبيه الطالب (٢٦) وشذرات الذهب (٣٥٩/٧) ومنادمة الأطلال
( ٧٧ ) .
(٨) تقع المدرسة الأتابكية في الصالحية غربي دار الحديث الشرقية المقدسية وشرقي حمام العرائس . تاريخ الصالحية .
وقال بدران : والناس الآن يسمونها جامع التابتية وتارة يقولون: الثابتية . الدارس (١٢٩/١) وتاريخ الصالحية
(١٠٢) ومنادمة الأطلال ٧٧ .
(٩) ط: كانت وقفت. وما هنا موافق لما في ذيل الروضتين (١٧٢).