Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
وفيات سنة ٦٢٤ هـ
ملكنا جنكيز خان وذريته وجه الأرض ، قال الجويني : فمشايخ المغول يصدقون بهذا ويأخذونه مسلماً .
ثم ذكر الجويني شيئا١ً) من الياسا٢) من ذلك: أنه من زنا قتل (٣)، مُحْصَناً كان أو غير مُحْصَنٍ ،
وكذلك من لاط قُتل ، ومن تعمَّد الكذبَ قُتل، ومن سحر قُتل، ومن تَجَسَّسَ قُتل ، ومن دخل بين اثنين
يختصمان فأعان أحدهما قُتل ، ومن بال في الماء الواقف قُتل ، ومن انغمس فيه قُتل ، ومن أطعم أسيراً أو
سقاه أو كساه(٤) بغير إِذن أهله قُتل، ومن وجد هارباً) ولم يردّه قتل ، ومن [ أطعم أسيراً (٦) أو رمى
إِلى أحد شيئاً من المأكول قُتل ، بل يناوله من يده إلى يده . ومن أطعم أحداً شيئاً فليأكل منه أولًا ولو كان
المطعوم أميراً لا أسيراً . ومن أكل ولم يطعم من عنده قُتل . ومن ذبح حيواناً ذُبح مثله بل يُشَقُّ جوفُه ،
ويتناول قلبه بيده يستخرجه من جوفه أولًا . وفي ذلك كله مخالفة لشرائع الله المُنَزَّلة على عباده الأنبياء
عليهم الصلاة والسلام ، فمن ترك الشرعَ المُحْكَم المُنَزَّلَ على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إِلى
غيره من الشرائع المنسوخة كفر ، فكيف بمن تحاكم إلى الياسا(٧) وقدمها عليه ؟ من فعل ذلك كفر بإجماع
المسلمين. قال الله تعالى: ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَهِيَّةِ يَبْغُونَّ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ [ المائدة: ٥٠]،
وقال [الله ] تعالى: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا
مِّعَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥ ] صدق الله العظيم.
ومن آدابهم : الطاعة لسلطانهم(٨) غايةَ الاستطاعة ، وأن يعرضوا عليه أبكارَهم الحسان ليختار لنفسه
ومن شاء من حاشيته ما شاء منهن . ومن شأنهم أن يخاطبوا الملكَ باسمه . ومَنْ مَرَّ بقوم يأكلون فله أن
يأكل معهم من غير استئذان ولا يَتَخَطَّ موقد النار ولا طبق الطعام ، ولا يقف على أسكفة الخركاه(٩) ولا
يغسلون ثيابهم حتى يبدو وسخُها ، ولا يكلِّفون العلماء من كل ما ذكر شيئاً من الجنايات ، ولا يتعرّضون
لمال ميت .
وقد ذكر علاء الدين الجويني طرفاً كبيراً(١) من أخبار جنكيز خان ومكارم كان يفعلها
(١) ط : نتفاً .
(٢) أ : الياساق .
(٣) عن ط وحدها .
(٤) وكساه أو سقاه .
(٥) ب : فلم .
(٦) عن ط وحدها .
(٧) أ : الياساق .
(٨) ط : للسلطان .
(٩) تقدم الحديث عن ( الخركاه ) وهي الخيمة الملكية .
(١٠) ب : طرفاً كثيراً .

١٦٢
وفيات سنة ٦٢٤ هـ
بسجيته(١) وما أداه إِليه عقله وإِن كان مشركاً باللّه كان يعبد معه غيره ، وقد قَتل من الخلائق ما لا يعلم
عددهم إِلا الذي خلقهم ، ولكن كان البداء٢ُ) من خوارزم شاه ، فإِنه لما أرسل جنكيز خان تجاراً من جهته
معهم بضائع كثيرة من بلاده فانتهوا إِلى إِيران فقتلهم نائبها من جهة خوارزم شاه ، وهو والد زوجة كشلي
خان ، وأخذ جميع ما كان معهم ، فأرسل جنكيز خان إِلى خوارزم شاه يستعلمه(٣) هل وقع هذا الأمر عن
رضى منه أو أنه لا يعلم(٤) به ، فأنكره وقال له فيما أرسل إِليه : من المعهود من الملوك أن التجار
لا يقتلون لأنهم عمارة الأقاليم ، وهم الذين يحملون إِلى الملوك التحف (٥) والأشياء النفيسة، ثم إِن
هؤلاء التجار كانوا على دينك فقتلهم نائبك ، فإِن كان أمراً أمرت به طلبنا٦) بدمائهم ، وإلا فأنت تنكره
وتقتص من نائبك . فلما سمع خوارزم شاه من رسول جنكيز خان لم يكن له جوابٌ سوى أنه أمر بضرب
عنقه(٧) فأساء التدبير، وقد كان خرف وكبرت سنه ، وقد ورد الحديث ((اتركوا الترك ما تركوكم(٨) فلما
بلغ ذلك جنكيز خان تجهز لقتاله وأخذ بلاده ، فكان بقدر الله تعالى ما كان من الأمور التي لم يسمع بأغرب
منها ولا أبشع .
فمما ذكره الجويني أنه قدم له بعض الفلاحين بالصيد(٩) ثلاث بطيخات فلم يتفق أن عند جنكيز خان
أحد من الخزندارية ، فقال لزوجته الخاتون : أعطيه هذين القرطين الذين في أذنيك ، وكان فيهما
جوهرتان نفيستان جداً، فشحت المرأة بهما وقالت: أنظره إِلى غد ١٠) ، فقال إِنه يبيت هذه الليلة مقلقل
الخاطر ، وربما لا يجعلُ(١) له شيء بعد هذا، وإِن هذين لا يمكن أحداً إِذا اشتراهما إِلا جاء بهما إِليك
(١) ط : لسجيته .
(٢) ط : كان البرابرة.
(٣) ب : يستعلم .
(٤) أ، ب : لم يعلم.
(٥) ط : ما فيه التحف .
(٦) أ: فإن كان أمراً أنكرت إِلا طلبنا بدمائهم. ب : أنكرته وإِلا وما هنا من ط .
(٧)
بعدها في أ ، ب : فضل .
ذكر الحديث الحافظ الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (٣٠٤/٥) وقال : رواه الطبراني في ((الأوسط)) وفيه مروان بن
(٨)
سالم ، وهو الجزري ، متروك ، وذكره أيضاً (٧/ ٣١٢) وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه ( عثمان بن
يحيى القرقساني ) ولم أعرفه ، والحديث ذكره ابن الجوزي في الموضوعات رقم ( ١٢٠٥ ) أقول : فالحديث
ضعيف جداً على كل حال .
(٩) عن ط وحدها .
(١٠) أ: انظر إلى غده فإن هذا لا يدري ما هما فقال لها ادفعيهما إليه فإنهما لا يبيتان هذه الليلة إلا عندك وإِن هذا الرجل
لا يمكننا أن ندعه یذهب عنا .
(١١) ب: انظره إِلى غده .. وربما لا يحصل له شيء بعد هذا.

١٦٣
وفيات سنة ٦٢٤ هـ
فانتزعتهما فدفعتهما إِلى الفلاح فطار عقله بهما وذهب بهما فباعهما لأحد(١) التجار بألف دينار ، ولم
يعرف قيمتهما ، فحملهما التاجر إلى الملك فردّهما على زوجته ، ثم أنشد الجويني عند ذلك : [ من
الطويل ]
ومن قال إِن البحرَ والقطرَ أشبها يداهُ(٢) فقد اثنى على البحرِ والقطرِ
قالوا : واجتاز يوماً في سوق فرأى عند بقال عنّاباً فأعجبه لونه ومالت نفسه إِليه فأمر الحاجب أن
يشتري منه ببالس ، فاشترى الحاجب بربع بالس ، فلما وضعه بين يديه أعجبه وقال : هذا كله ببالس ؟
قال وبقي منه هذا - وأشار إلى ما بقي معه من المال - فغضب وقال: متى (٣) يجد من يشتري منه مثلي ؟
تمموا له عشرة بوالس .
قالوا٩) : وأهدى له رجل جامَ زجاج من معمول حلب ، فاستحسنه جنكيز خان فَوَهَّن أمرَهُ عنده
بعضُ خواصه وقال : خوند هذا زجاج لا قيمة له ، فقال : أليس قد حمله من بلادٍ بعيدة حتى وصل إِلینا
سالماً ؟ أعطوه مئتي بالس. قال(٥): وقيل له إِنَّ في هذا المكان كنزاً عظيماً إِن (٦) فتحته أخذت منه مالاً
جزيلاً ، فقال : الذي في أيدينا يكفينا ، ودع هذا يفتحه الناس ويأكلونه فهم أحقُّ به منّا ، ولم يتعرض له .
قال : واشتهر عن رجل في بلاده يقول : أنا أعرف موضع كنز ولا أقول إِلا للقان ، وألحّ عليه الأمراء
أن يعلمهم فلم يفعل ، فذكروا ذلك للقان فأحضره على خيل الأولاق - يعني البريد - سريعاً ، فلما حضر
إِلى بين يديه سأله عن الكنز فقال: إِنما٧) كنتُ أقولُ ذلك حيلةً لأرى وجهك . فلما رأى تغيُّرَ كلامه
غضب وقال له : قد حصل لك ما طلبت فارجع إلى موضعك وأمر برده سالما٨ً) ولم يعطه شيئاً .
[ قال الجويني : وهذا غريب ] قال: وأهدى له إِنسان رمَّانةً فكسرها وفرّق حبَّها على الحاضرين
وأمر(٩) له بعدد حيِّها بوالس ثم أنشد [عند ذلك ] [ من الكامل ]
فلذاكَ تزدحمُ الوفودُ ببابهِ مثلَ ازدحامِ الحَبّ في الرُّمَّانِ
(١) ب : فباعهما لبعض التجار .
(٢) ط : نداه .
(٣) ط : وقال من يجد .
(٤) ب : فوال قال .
(٥) عن ط وحدها .
(٦) أ، ب : فلو منحته أخذت منه مالاً كثيراً فقال الذي في أيدينا يكفينا ودعيا .
(٧) ب : أنا كنت .
(٨) ط : قد حصل لك ما قلت وردّه إلى موضعه سالماً ولم يعطه شيئاً .
(٩) أ، ب : ثم أمر .

١٦٤
وفيات سنة ٦٢٤ هـ
قال : وقدم عليه رجلٌ كافرٌ يقول رأيت في النوم جنكيز خان يقول قل لابني يقتل(١) المسلمين ، فقال
له هذا كذب ، وأمر بقتله(٢).
قال: وأمر بقتل ثلاثةٍ قد قضت الياسا٣) بقتلهم، فإِذا امرأة تبكي وتلطم. فقال: ما هذه ؟ أحضروها،
فقالت : هذا ابني ، وهذا أخي ، وهذا زوجي ، فقال اختاري واحداً منهم حتى أطلقَه لكِ ، فقالت :
الزوج يجيء مثلهُ، والابنُ كذلك، والأخ لا عوضَ له ، فاستحسنُ(٤) ذلك منها وأطلق الثلاثةَ لها .
قال: وكان يحبُّ المصارعين وأهلَ الشطارة، وقد اجتمع عنده منهم جماعة، فذُكِرَ له إِنسان بخراسان
فأحضره فصرع جميع من عنده ، فأكرمه وأعطاه وأطلق له بنتاً من بنات الملوك(٥) حسناء . فمكثت عنده
مدة لا يتعرض لها ، فاتفق مجيئها زائرةً بيت القال(٦) فجعل السلطان يمازحها ويقول : كيف رأيت
المستعرب ؟ فذكرت له أنه لم يقربها ، فتعجب من ذلك وأحضره فسأله عن ذلك فقال : يا خوند أنا إِنما
حظيت عندك بالشطارة ومتى قربتها نقصت منزلتي عندك [، فقال : لا بأس عليك وأحضر ابن عم له وكان
مثله ، فأراد أن يصارع الأول فقال السلطان: أنتما قرابة ولا يليق هذا بينكما وأمر له بمال جزيل ]٧) .
قال : ولما احتضر أوصى أولاده بالاتفاق وعدم الافتراق ، وضرب لهم في ذلك الأمثال ، وأحضر
بين يديه نشاباً وأخذ سهماً أعطاه لواحد منهم فكسره ، ثم أحضر حزمة ودفعها إليهم مجموعة (٨) فلم يطيقوا
كسرها ، فقال : هذا مثلكم إِذا اجتمعتم واتفقتم ، وذلك مثلكم إِذا انفردتم واختلفتم .
قال: وكان له عدة أولاد ذكور وإناث منهم أربعة هم عظماء أولاده (٩) أكبرهم تولي(١٠) وهريول
وباتو(١١) وبركة وتركجار ، وكان كل منهم له وظيفة عنده .
(١) أ : وقيل لي مرة يقتل المسلمين.
(٢) في حاشية ط: ((فيه تخليط ، والصحيح أن أعرابياً جاء إلى قان ( ابن جنكيز خان ) وقال له : رأيت في النوم أباك
جنكيز خان فقال لي : قل لابني قان يقتل المسلمين ، وكان قان يميل إِلى المسلمين مخالفاً لأهل بيته ، فسأل
الرجل : هل تعرف اللغة المغولية ؟ فقال : لا . فقال الملك له : أنت كاذب لأن أبي ما كان يعرف من اللغات غير
المغولية، فأمر بضرب عنقه وأراح المسلمين من كيده)) ( بشار ) .
(٣) أ : الياسق .
(٤) أ : واستحسن .
أ ، ب : من بنات المغول .
(٥)
(٦) ط ب : فجئتها إِلى الأردوا .
(٧) عن ط وحدها .
(٨) أ، ب: وأخذ السهم فيعطيه لواحد منهم فيكسره ثم أحضر حزمة ودفعه مجموعة إِليهم .
(٩) أ، ب : الأولاد .
(١٠) ط: يوسي. وما هنا عن أب، أما بقية أولاد جنكيز خان في دائرة المعارف الإسلامية (١٢/ ٣٩٣) فهم: (١)
جوجي ( ٢) جغتاي ( ٣ ) أكداي .
(١١) أ : وهرتول وباقو .

١٦٥
وفيات سنة ٦٢٤ هـ
ثم تكلم الجويني على ملك ذريتهُ(١) إِلى زمان هولاكو خان ، وهو يقول في اسمه بادشاه زاده
هولاكو ، وذكر ما وقع في زمانه من الأوابد والأمور المعروفة المزعجة كما بسطناه في الحوادث والله
أعلم .
السلطان الملك المعظم(٢) عيسى بن العادل أبي بكر بن أيوب ، ملك دمشق والشام .
وكانت وفاته يوم الجمعة سلخ ذي القعدة من هذه السنة ، وكان استقلاله بملك دمشق لما توفي أبوه
سنة خمس عشرة ، وكان شجاعاً [ عاقلاً ] باسلاً عالماً فاضلاً .
اشتغل في الفقه على مذهب أبي حنيفة على الحَصِيري (٣) مدرسَ النورية، وفي اللغة والنحو على
التاج الكندي(٤) ، وكان محفوظه (( مفصل )) الزمخشري ، وكان يجيز(٥) من حفظه بثلاثين ديناراً وكان قد
أمر أن يُجمع له كتابٌ في اللغة يشمل(٦) ((صحاح الجوهري)) و((الجمهرة)) لابن دريد و((التهذيب))
للأزهري وغير ذلك، وأمر أن يُرتَّب له ((مسند)) الإمام أحمد.
وكان يحب العلماء ويكرمهم ، ويجتهد في متابعة الخير ويقول : أنا على عقيدة الطحاوي ،
وأوصى (٧) عند وفاته أن لا يكفَّن إِلا في البياض ، وأن يُلْحَدَ له ويُدفن في الصحراء ولا يُبنى عليه ، وكان
يقول : واقعة دمياط ادّخرها عند الله تعالى وأرجو أن يرحمني بها - يعني أنه أبلى بها بلاءً حسناً - رحمه الله
تعالى ، وقد جمع له بين الشجاعة [ والسماحة ] والبراعة والعلم ومحبة أهله .
وكان يجيء في كل جمعة إِلى تربة والده فيجلس قليلاً ثم إِذا ذكر المؤذنون ينطلق إلى تربة عمه صلاح
الدين فيصلّي فيها الجمعة ، وكان قليل التعاظم ، يركب في بعض الأحيان وحده ، ثم يلحقه بعض غلمانه
سوقاً . وقال فيه بعض أصحابه وهو محب الدين بن أبي السعود البغدادي(٨): [ من الطويل ]
لئن غُودِرَتْ تلكَ المحاسنُ في الثَّرى بَوَالٍ فما وجدي عليكَ ببالٍ
(١) أ، ب : على ملكه وذريته .
(٢) ترجمة - الملك المعظم في الكامل في التاريخ (٣٧٤/٩) ومرآة الزمان (٤٢٤/٨ - ٤٣٠) وتكملة المنذري
(٢١٢/٣) وذيل الروضتين (١٥٢) ومختصر ابن العبري (٢٤٣ - ٢٤٤) ومختصر أبي الفداء (١٤٥/٣) وتاريخ
الإسلام (١٣/ ٧٧٧) والعبر (١٠٠/٥) والجواهر المضية (٤٠٢/١) والنجوم الزاهرة (٦/ ٢٦٧ -٢٦٨) وحسن
المحاضرة (٢١٩/١) وشذرات الذهب (٢٠١/٧ - ٢٠٣ وترويح القلوب (٤٢).
(٣) سترد ترجمة الحصيري في وفيات سنة ٦٣٥ هـ .
(٤) تقدمت ترجمة الكندي في وفيات سنة ٦١٣هـ .
(٥) أ، ب : نعيل .
(٦) ب : يشتمل .
(٧) أ، ب : وأمر.
(٨) البيتان في ذيل الروضتين (١٥٢).

١٦٦
وفيات سنة ٦٢٤ هـ
ومذ غبت(١) عنّي ما ظفرتُ بصاحبٍ أخي ثقة إِلا خطرتَ ببالي
وملك بعده دمشق(٢) ولده الناصر داود بن المعظم ، وبايعه الأمراء.
أبو المعالي أسعد بن يحيى(٣) بن موسى بن منصور بن عبد العزيز بن وهب الفقيه الشافعي السِّنْجاري .
شيخ أديب فاضل خيّر ، له نظم ونثر ظريف ، وله نوادر حسنة وجاوز التسعين . وقد استوزره صاحب
حماة في وقت ، وله شعر رائق أورد منه ابن الساعي قطعة جيدة. فمن ذلك قوله (٤): [ من الكامل ]
وَهَواكَ مَا خَطَرَ السُّلُؤُّ ببالهِ ولأنت (٥) أعلمُ في الغرامِ بحالهِ
سالٍ هواكَ فذاكَ من عُذَّالِهٍ(٦)
فمتى وشى واشٍ إِليكَ بأنهُ
من حالهِ يغنيكَ عن تسآلهِ
أو ليسَ للكَلفِ (٧) المعنَّى شاهدٌ
ـرَ غرامهِ ، وصرمتِ حبلَ وصالهِ
يفدي الطليقَ بنفسهِ وبماله(٨)
جدَّدتِ ثوبَ سقامهِ ، وهتکتِ ستـ
يا للعجائب من أسيرٍ دأبهُ
وله أيضاً : [ من الكامل ]
لامَ العواذلُ في هواكٍ فأكثروا
جهلوا مكانكِ في القلوبِ وطَوَّلو(٩)
هيهاتَ ميعادُ السلوّ المحشرِ
لو أنهم وجدوا كوجدي أقصروا
(١) أ، ب : وإِن كنت قد غبت عن ناظري مصاحب . ولا يستقيم بها الوزن ، وفي ذيل الروضتين : عبت ؛ تحريف
فلتصحح .
(٢) أ، ب : ملك دمشق بعده .
(٣) ترجمه - أبي المعالي السنجاري في خريدة القصر - شعراء الشام - (٢/ ٤٠١ - ٤٠٤) ومعجم البلدان ( سنجار )
ووفيات الأعيان (٢١٤/١ - ٢١٧) وتاريخ الإسلام (٧٦٠/١٣) وسير أعلام النبلاء (٣٠٢/٢٢) والوافي
بالوفيات (٣٢/٩ - ٣٤) وطبقات السبكي (٥٠/٥) وشذرات الذهب (١٠٤/٥).
(٤) الأبيات في وفيات الأعيان (٢١٤/١ - ٢١٥) بالمقدمة التالية : ومن شعره من جملة قصيدة مدح بها القاضي كمال
الدين الشهرزوري .
(٥) عن ط وحدها .
(٦) رواية البيت في ط :
فمتى وشى واش إِليه بشأنه
سائل هواك فذاك من أعداه
(٧) ط : أو ليس للدنف .
(٨) قبل هذا البيت في الوفيات البيتِ التالي:
أفزَلَّة سبقت له أم خلَّة
مألوفة من تيهه ودلاله
وبعده فيه ستة أبيات .
(٩) ط : وحاولوا .

١٦٧
وفيات سنة ٦٢٤ هـ
صبراً على عذب الهوى وعذابهِ وأخو الهوى أبداً يلامُ ويعذَرُ(١)
أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن حمدان(٢) الطببي المعروف بالصائن .
أحد المعيدين بالنظامية ، ودرس بالثقتية(٣) وكان عارفاً بالمذهب والفرائض والحساب ، صنف
شرحاً (( للتنبيه)) . ذكره ابن الساعي.
أبو النجم محمد بن القاسم بن هبة الله التكريتي(٤) الفقيه الشافعي .
تفقه على أبي القاسم بن فضلان(٥) ثم أعاد بالنظامية ودرس بغيرها٦) ، وكان يشغل كلَّ يوم عشرين
درساً ، ليس له دأب إِلا الإشغال وتلاوة القرآن ليلاً ونهاراً ، وكان بارعاً كثير العلوم ، قد أتقن المذهب
والخلاف ، وكان يفتي في مسألة الطلاق الثلاث بواحدة ، فتغيظ عليه قاضي القضاة أبو القاسم عبد الله بن
الحسين الدامغاني(٧) ، فلم يسمع منه ، ثم أُخرج إلى تكريت فأقام بها ، ثم استدعي إلى بغداد ، فعاد إلى
الإشغال وأعاده قاضي القضاة نصر بن عبد الرزاق(٨) إِلى إِعادته بالنظامية، وعاد إلى ما كان عليه من
الإشغال والفتوى والوجاهة إلى أن توفي في هذه السنة رحمه الله تعالى .
وهذا ذكره ابن الساعي .
(١) ط : ونعذر .
(٢) أ، ب: بن حمدون. قال بشار: وترجمته في تاريخ الإسلام (١٣ / ٧٧٢).
(٣) ط: ((الثقفية)) وهو تحريف ، وهي المدرسة الثقتية ببغداد ، منسوبة إلى ثقة الدولة أبي الحسن علي بن محمد ابن
الإبري الدريني المتوفى سنة ٥٤٩ ، وكان وكيلا للخليفة المقتفي لأمر الله ، وكانت تحت دار الخلافة على دجلة ،
وهو زوج العالمة المحدثة شهدة بنت الإبري ( بشار ) .
(٤) ترجمته في المختار من تاريخ ابن الجزري (١٣٩) وتاريخ الإسلام (١٣ / ٧٨٣).
(٥) هو يحيى الواثق بن علي بن الفضل بن هبة الله بن بركة البغدادي أبو القاسم بن فضلان ، شيخ الشافعية . سمع أبا
غالب ابن البناء ، وإِسماعيل بن السمرقندي . درَّس بمدرسة دار الذهب ، وتلا بالروايات ومات سنة ٥٩٥هـ . سير
أعلام النبلاء ( ٢١ / ٢٥٧) وفيه قائمة طيبة بمصادر ترجمته .
(٦) أ، ب : في غيرها . قال بشار : هي المدرسة القيصرية ، وكانت بالقرب من مدرسة الشيخ أبي النجيب السهروردي
( انظر بحثنا في كتاب حضارة العراق ١٠٠/٨ - ١٠١) (بشار).
(٧) تقدمت ترجمة الدامغاني في وفيات سنة ٦١٥ هـ .
(٨) هو نصر بن عبد الرزاق بن عبد القادر الجيلاني الأزجي الحنبلي جمع الأربعين لنفسه ، درَّس بمدرسة جده، وتكلّم
في الوعظ، وألّف في التصوف، وولي القضاء. توفي سنة ٦٣٣ هـ. سير أعلام النبلاء (٣٩٦/٢٢ - ٣٩٩) وفيه
قائمة بمصادره .

١٦٨
أحداث سنة ٦٢٥ هـ
ثم دخلت سنة خمس وعشرين وستمئة
فيها : كانت حروبٌ كثيرةٌ بين جلال الدين والتتر(١)، كسروهُ غيرَ مرةٍ ، ثم بعد ذلك كلّه كسرهم
كسرةً عظيمةً، وقتل منهم خلقاً وأُمماً لا يُحْصَوْن [ كثرة]، وكان هؤلاء النتر قد انفردوا وعَصَوْا على
جنكيز خان فكتب جنكيز خان(٢) إِلى جلال الدين يقول له : إِن هؤلاء ليسوا منَّا ونحن أبعدناهم ، ولكن
سترى منَّا ما لا قبل لك به .
وفيها : قدمت طائفةٌ كبيرةٌ من الفرنج من ناحية صقلية فنزلوا عكًا وصُور وحملوا على مدينة صَيْدا
فانتزعوها من أيدي المؤمنين ، وعبروها٣) وقويت شوكتهم ، وجاء الانبرور فملك جزيرة قبرس(٤) ثم
سار فنزل عكا فخاف المسلمون من شره وبالله المستعان .
وركب الملك الكامل محمد بن العادل صاحب مصر إلى بيت المقدس الشريف (٥) فدخله ، ثم سار
إلى نابلس فخاف الناصر داود بن المعظم من عمه الكامل ، فكتب إِلى عمه الأشرف فقدم عليه جريدة ،
وكتب إلى أخيه الكامل يستعطفه ويكفُّه عن ابن أخيه ، فأجابه الكامل بأني إنما جئت لحفظ بيت المقدس
وصونه عن الفرنج الذين يريدون أخذه ، وحاشا لله أن أحاصر أخي أو ابن أخي ، وبعد أن جئت أنت إِلى
الشام فأنت تحفظها وأنا راجع إلى الديار المصرية ، فخشي الأشرف وأهل دمشق(٦) إِن رجع الكامل أن
تمتد(٧) أطماع الفرنج إِلى بيت المقدس ، فركب الأشرف إِلى أخيه الكامل فتبَطه عن الرجوع ، وأقاما
جميعاً هنالك جزاهما الله خيراً، يحفظان بيت المقدس(٨) عن الفرنج لعنهم الله. واجتمع إِلى الملك
[ العادل ] جماعة من ملوكهم، كأخيه الأشرف وأخيهما الشهاب غازي بن العادل وأخيهم الصالح
إِسماعيل بن العادل ، وصاحب حمص أسد الدين شيركوه بن ناصر الدين [ محمد بن شيركوه ] ،
(١) أ، ب : التتار .
(٢) أ، ب : ابن جنكيز خان .
أ ، ب : من أيدي المسلمين وغزوها .
(٣)
(٤) في ط: ((ملك)) ولا يصح، لأن الانبرور ( الامبراطور) هو ملك الألمان ، وكان قبل مجيئه قد استولى على
قبرس ، فلا يوصف بأنه ملك قبرس حسب ، ثم تأمل قوله بعد ذلك: (( ثم سار فنزل عكا ))، وهو يدل على أنه ملك
قبرس أولًا ، ثم ملك عكا ، وهو الصواب ( بشار ) .
(٥) عن ط وحدها .
(٦) ب : وأهل الشام.
(٧) أ : أن يميل . وب : أن ميل .
(٨) ط : يحوطان جناب القدس .

١٦٩
أحداث سنة ٦٢٦ هـ
وغيرهم ، واتفقوا كلهم على نزع الناصر داود عن ملك دمشق وتسليمها إلى الأشرف موسى لأجل حفظ
الشام من الفرنج وسيأتي تنفيذ ذلك في السنة المستقبلة إِن شاء الله تعالى .
وفيها : عزل الصدر البكري(١) عن حسبة دمشق ومشيخة الشيوخ وولي فيها اثنان غيره .
وقال [ الشيخ شهاب الدين ٢٤) أبو شامةُ(٣): وفي أوائل رجب توفي الشيخ الفقيه الصالح(٤)
أبو الحسن علي بن المراكشي المقيم بالمدرسة المالكية ، ودفن بالمقبرة التي وقفها الرئيس(٥) خليل بن
زویزان قبلي مقابر الصوفية ، وكان أول من دفن بها رحمه الله تعالى .
ثم دخلت سنة ست وعشرين وستمئة
استُهِلَّتْ هذه السنة وملوكُ بني أيوب مفترقون مختلفون ، قد صاروا أحزاباً وفرقاً ، وقد اجتمع
ملوكُهم إِلى الكامل محمد صاحب مصر ، وهو مقيم بنواحي القدس الشريف ، فقويت نفوس الفرنج
لعنهم الله بكثرتهم بمن وفد إِليهم من البحر ، وبموت المعظم واختلاف مَنْ بعده من الملوك ، فطلبوا من
المسلمين أن يردُوا إِليهم ما كان الناصر صلاح الدين أخذ منهم ، فوقعت المصالحة بينهم وبين الملوك
[ على ] أن يردُّوا لهم بيت المقدس وحده، وتبقى بأيديهم بقية البلاد، فتسلمو(٦) القدس الشريف ،
وكان المعظم قد هدم أسواره ، فعظم ذلك على المسلمين جداً وحصل وهن شديد وإِرجاف عظيم ، فإِنَّا لله
وإنا إليه راجعون .
ثم قدم الملك الكامل فحاصر دمشق وضيَّق على أهلها فقطع(٧) الأنهار ، ونهبت الحواصل(٨) وغلت
الأسعار ، ولم يزل الجنود حولها حتى أخرج منها ابن أخيه صلاح الدين الملك الناصر داود بن المعظم ،
على أن يقيم ملكاً بمدينة الكرك والشوبك ونابلس وقرايا من (٩) الغور والبلقاء ويكون الأمير عز الدين أيبك
أستاذ دار المعظم صاحب صرخد ، ثم تقايض الأشرف وأخاه الكامل ، فأخذ الأشرف دمشق ، وأعطى
(١) ط: التكريتي، خطأ، وما هنا هو الموافق لما في ذيل الروضتين (١٥٤) الذي ينقل منه المؤلف.
(٢) ط : قال أبو شامة .
ذيل الروضتين ( ١٥٣).
(٣)
(٤) ط : الصالح الفقيه .
(٥) ط : الزين .
(٦) أ، ب : أن يردوا عليهم بيت المقدس ويتسلموا القدس.
(٧) أ، ب : وقطع.
(٨) أ، ب : الحواضر .
(٩) ط: ((براما)) وهو تحريف بيِّن، وما هنا من ب، وهو الذي في ذيل الروضتين (١٥٥) (بشار).

١٧٠
وفيات سنة ٦٢٦ هـ
أخاه حرادُ(١) والرُها والرقة ورأس العين وسروج ، ثم سار الكامل فحاصر حماة وكان صاحبها الملك
المنصور بن تقي الدين عمر(٢) قد توفي وعهد بالأمر من بعده إِلى أكبر ولده المظفر محمد(٣) ، وهو زوج
بنت الكامل ، فاستحوذ على حماة أخوه صلاح الدين قلج أرسلان فحاصره الكامل حتى أنزله من قلعتها
وسلمها إِلى أخيه المظفر محمد ، ثم سار فتسلم البلاد التي قايض بها عن دمشق من أخيه الملك الأشرف
كما ذكرنا .
وكان الناس بدمشق قد اشتغلوا بعلم الأوائل في أيام الملك الناصر داود ، وكان يعاني ذلك وربما٤)
نسبه بعضهم إلى نوع من الانحلال فالله أعلم ، فنادى الملك الأشرف بالبلدان أن لا يشتغل الناس بذلك
وأن يشتغلوا بعلم التفسير والحديث والفقه .
وكان سيف الدين الآمدي مدرساً بالعزيزية فعزله عنها وبقي ملازماً منزله حتى مات في سنة إِحدى
وثلاثين كما سيأتي
٠
وفيها : كان الناصر داود قد أضاف إِلى قاضي القضاة شمس الدين بن الخُوَتِي(٥) القاضي محيي
الدين(٦) يحيى بن محمد بن علي بن الزكي ، فحكم أياماً بالشباك ، شرقي باب الكلاسة ، ثم صار الحكم
بداره ، مشاركاً لابن الخُوتِي(٧)
وممن توفي فيها من الأعيان :
الملك المسعود(٨) أقسيس بن الكامل صاحبُ اليمن .
وقد ملك مكةَ سنة تسعَ عشرةَ فأحسن بها المعدلة ، ونفى الزيدية منها ، وأمنت الطرقاتُ والحجاجُ ،
ولكنّه كان مسرفاً على نفسه ، فيه عسف وظلم أيضاً . وكانت وفاته بمكةً ودفن بباب المعلى .
(١) عن ط وحدها .
(٢) تقدمت ترجمته في وفيات سنة ٦١٧ هـ .
(٣) في كل الأصول ، وسترد ترجمة الملك المظفر في وفيات سنة ٦٩١ هـ ومرآة الزمان (٨/ ٤٣٤).
(٤) ط : وقديماً .
(٥) ط : ابن الخولي . وهو تحريف ، وسترد ترجمة ابن الخويي في وفيات سنة ٦٩٣هـ .
(٦) بعدها في أ، ب : أبا المعالي. وهي كنية جده ، أما محيي الدين فكنيته أبو الفضل ، وسترد ترجمته في وفيات سنة
٦٦٨ هـ .
(٧) ب : ابن الجويني ، وط : ابن الخولي ؛ وكلاهما تحريف .
(٨) ترجمة - الملك المسعود - في الكامل لابن الأثير (٣٥١/٩) ومرآة الزمان (٤٣٥/٨) وذيل الروضتين (١٥٨)
ووفيات الأعيان (٨٢/٥) وتاريخ الإسلام (٨٢٨/١٣) والوافي بالوفيات (٣١٥/٩) والنجوم الزاهرة
(٢٦٢/٦) وشذرات الذهب (٢١٠/٧).

١٧١
وفيات سنة ٦٢٦ هـ
محمد السَّبْتَي النَّجَارُ(١)
كان يعدُّهُ بعضهم من الأبدال ، قال أبو شامة٢ٌ) : وهو الذي بنى المسجد غربي دار الركوة عن يسار
المارّ في الشارع من ماله ، ودفن بالجبل . وكانت جنازته مشهودة رحمه الله تعالى .
[ العبادي الشاعر ] أبو الحسن علي بن سالم بن يزبك بن محمد بن مقلد العبادي الشاعر من الحديثة ،
قدِم بغدادمراراً وامتدح المستنصر(٣) وغيره ، وكان فاضلاً شاعراً يكثر التغزُّل.
ثم البغدادي المنجنيقي
(٤)
أبو يوسف يعقوب بن صابر الحَرَّاني
كان فاضلاً في فنه ، وشاعراً مطبقاً ، لطيف الشعر حسن المعاني ، وقد(٥) أورد له ابن الساعي قطعة
صالحة، ومن أحسن ما أورد له قصيدة فيها تعزية عظيمة لجميع الناس(٦) وهي: [ قوله ][ من الخفيف ]
هَلْ لمِنْ يَرْتَجي البقاءَ خلودٌ وسوى اللهِ كلُّ شيءٍ يبيدُ
عاشَ طويلاً للتراب(٧) يعودُ
صارَ فيه آباؤهمْ والجدودُ
تَهمُ الخلدُ والثَّوَى والخُلُودُ ؟
ــداء) لهذا معاندٌ وحسودُ؟
ــكِ والعالمونَ طُرّاً فقيدُ
تِ ولم يغنِ عمره٩) الممدودُ
أم تُرَى أينَ صالحٌ وثمودُ ؟
ـتَ اللهِ فهو المُعَظِّمُ المقصودُ
والذي كانَ من ترابٍ وإِنْ
فمصيرُ الأنامِ طُرّاً إِلى ما
أينَ حوَّاءُ أينَ آدمُ إِذ فا
أينَ هابيلُ أينَ قابيلُ إِذ عَـ
أينَ نوعٌ ومَنْ نَجَا معهُ بالفُلْ
أسلمتهُ الأيامُ كالطِّفْلِ للمو
أينَ عادٌ ؟ بَلْ أينَ جَنَّةُ عادٍ
أينَ إِبراهيمُ الذي شادَ بيـ
(١) ذيل الروضتين ( ١٥٧).
(٢) أ، ب : دار الوكالة ؛ وما هنا كما في ذيل الروضتين .
(٣) ط : المستظهر ، خطأ، لأنه توفي سنة ٥١٢ . ولا يمكن أن يكون قد اجتمع بهذا الشاعر.
(٤) ترجمة - المنجنيقي - في تكملة المنذري (٢٤٢/٣) ووفيات الأعيان (٣٥/٧ - ٣٨) والمستفاد من تاريخ بغداد
(٤٤٠) وتاريخ الإسلام (٨٢٦/١٣) وسير أعلام النبلاء (٣٠٩/٢٢ - ٣١٠) وشذرات الذهب (٢١١/٧ -
٢١٢) .
(٥) ط : قد ، بلا واو .
(٦) أ، ب : لجميع المسلمين .
(٧) أ، ب : إِلى التراب . ولا يستقيم بها الوزن .
(٨) أ: إذ عدا، وط : إِذا .
(٩) أ : عزه .

١٧٢
وفيات سنة ٦٢٦ هـ
حسدوا يوسفاً أخاهمْ فکادو
وسليمانُ في النبوَّةِ والملكِ
فَغَدَوا بعدَ ما أُطِيعَ له (٢) الخل
وابنُ عمرانَ بعدَ آياتهِ التسـ
والمسیحُ ابنُ مریم وهو روح اللـ
وقضى سيدُ النبيّينَ والها
وبنوهُ وآلهُ الطاهرون الـ
ونجومُ السماءِ مُنْتَشِراتٌ
ولنارٍ الدنيا التي توقد الصخـ
وكذا للثَّرى غداةَ يؤمُ النـ
هذه الأمّهاتُ نارٌ وتربٌ
سوفَ تفنى(٥) كما فنينا فلا
لا الشقيُّ الغويُّ من نُوَبِ الأَيِّـ
ومتى سَلَّتِ المنايا سيوفاً
وممن [ توفي فيها ] ٦) :
هُ وماتَ الحاسد١ُ) والمحسودُ
قضى مثل ما قَضَى داودُ
ــق وهذا لهُ أُلينَ الحديدُ(٣)
ـعٍ وشقّ الخضمّ فهو صَعيدُ
ــهِ كادتْ تَقْضي عليهِ اليهودُ
دي إِلى الحقِّ أحمدُ المحمودُ
ـزّهِرُ صَلَّى عليهمُ المعبودُ
بعدَ حينٍ وللهواءِ ركودُ
ـرَ خمودٌ وللمياه(٤) جمودُ
ــاسَ منها تزلزلٌ وهمودُ
وهواءٌ رطبٌ وماءٌ برودُ
يبقى من الخلقِ والدٌ ووليدُ
ـامٍ ينجو ولا السعيدُ الرشيدُ
فالموالي حصيدُها والعبيدُ
أبو الفتوح نصر بن علي البغدادي الفقيه الشافعي ، ويلقب بثعلب ، اشتغل في المذهب والخلاف ومن
شعره قوله : [ من البسيط ]
جِسْمِي مَعِي غَيْرَ أَنَّ الرُّوحَ عندكمُ فالجِسْمُ في غُرْبٍ والرُّوحُ فِي وَطَنِ
فَليعجبِ النَّاسُ منّي أَنَّ لي بَدناً لا رُوحَ فيهِ ولي رُوحٌ بِلاَ بَدَنِ
أبو الفضل جبرائيل (٧) بن منصور بن هبة الله بن جبريل بن الحسن بن غالب بن يحيى بن موسى بن
(١) ب : فكادوهم ومات الحسود المحسود .
(٢) ط : أطيع لذا .
(٣) أ، ب : وهذا ألين له الحديد .
ط : ولله . ولا يستوي بها الوزن .
(٤)
(٥) ط : يفنى.
(٦) عن ط وحدها .
(٧) أ، ب: جبريل. وترجمته في تاريخ الإسلام (١٣/ ٨١٠) نقلا من ابن الساعي.

١٧٣
وفيات سنة ٦٢٦ هـ
يحيى بن الحسن بن غالب بن الحسن بن عمرو بن الحسن بن النعمان بن المنذر المعروف بابن زطينا
البغدادي كاتب الديوان بها .
أسلم - وكان نصرانياً - فحسن إِسلامه ، وكان من أفصح الناس وأبلغهم موعظة .
ومن ذلك قوله : خيرُ أوقاتك ساعةٌ صَفَتْ لله ، وخلصت(١) من الفكرة لغيره والرجاء لسواه (٢) . وما
دمتَ في خدمة السلطانِ فلا تَغْتَرَّ بالزمان . اكفف كفَّكَ، واصرف طرفكَ ، وأكثر صومكَ ، وأقلل نومكَ
يُؤَمَّنْكَ . واشكر ربَّكَ يُحمدْ أمرُكَ .
وقال : زادُ المسافر مُقَدَّم٣ُ) على رحيله ، فأعدَّ الزادَ تبلغْ بالمعاد المرادَ .
وقال : إِلى متى تَتَمادَى في الغفلةِ كأَنَّكَ قد أَمِنْتَ عواقبَ المهلة ، عُمْرُ اللَّهْوِ مضى ، وعمرُ الشبيبة
انقضى ، وما حصلت من ربك على ثقة بالرضا ، وقد انتهى بك الأمرُ إِلى سنِّ التخاذلِ وزمنِ التكاسلِ،
وما حظيت بطائل .
وقال : روحك تخضع ، وعينك لا تدمع ، وقلبك [ لا ] يخشع، ونفسك تجشع، وتظلمٌ(٤) نفسك
وأنت لها تتوجَّع ، وتظهر الزهد في الدنيا وفي المال(٥) تطمع ، وتطلب ما ليس لك بحق وما [ قد ] وجب
عليك من الحق لا تدفع(٦)، وترومُ فضلَ ربِّك وللماعون تمنع ، وتعيب (٧) نفسك الأمَّارَة وهي عن اللهوِ
لا ترجع ، وتوقظ الغافلين بإنذارك وتتناوم عن سهمك (٨) وتهجع، وتخصّ غيرَك بخيرك ونفسَكَ الفقيرةَ
لا تنفع، وتحومُ على الحقِّ وأنت بالباطل مولَعُ(٩)، وتتعثَّر في المضائق وطرقٌ(١٠) النجاة مهيع ،
وتَتَهَجَّمُ على الذنوب وفي المجرمين تشفع [وتركن إِلى دار السلامة وأنت بالعطب مُرَوَّع - وتحرص على
زيادة الاكتساب وحسابك في كفّ غيرك يوضع ] وتُظهر القناعة بالقليل وبالكثير لا تشبع ، وتعمر الدار
الفانيةَ ودارُكَ الباقيةُ خرابٌ بلقع ، وتستوطنُ في منزلِ رحيلٍ كأَنَّك إِلى ربك لا ترجع ، وتظرُّ أَنَّك بلا
رقيبٍ وأعمالك إِلى المراقِب تُرْفَع ، تُقْدم على الكبائر وعن الصغائر تتوزّع ، وتُؤمِّل الغفرانَ وأنت عن
(١) أ : وجلت ، ب : فعلت .
(٢) ب : بسواه .
(٣) ط : يقدم .
(٤) أ، ب : ونفسك لا تشبع وبظلم.
(٥) ط : الحال .
(٦) أ، ب : يدفع بالياء وبدون لا .
(٧) أ : وتعتب ، ويعتب .
(٨) أ، ب : فهمك.
(٩) أ، ب : تتولع وتبعثر.
(١٠) أ، ب : وطريق.

١٧٤
أحداث سنة ٦٢٧ هـ
الذنوب لا تُقلع ، وترى الأهوالَ محيطةً بك وأنت في ميدان اللهو ترتع ، وتستقبحُ أفعال(١) الجُهَّال وبابَ
الجهل تقرع ، وقد آن لك أن تأنف من التعنيف وعن الدنايا٢) تترفع، وقد سار المخِقُّون وتخلفت(٣)
فماذا تتوقّع .
وقد أورد٤) ابن الساعي له شعراً حسناً ، فمنه [ قوله ] [ من السريع ]
إِن سهرتْ عينا(٥) في طاعةٍ فذاكَ خيرٌ لكَ من نومٍ
فاستدركِ الفائتَ في اليومِ
أمسكَ قدْ فاتَ بِعِلاَّتِهِ
وقوله (٦) : [ من الخفيف ]
سُبلَ الرشدِ مستحقٌّ للعبادَهْ
إِن ربَّا هَداكَ بعدَ ضَلالٍ
وَاسْتَدِمْ فَضْلَهُ بطولِ الزهادَهُ
فَتَعَبَّدْ لهُ تَجِدْ منهُ عتقا
وله [ [ من مخلع البسيط ]
إِذا تَعَفَّفْتَ عَنْ حَرام عوَّضتَ بالطّيبِ الحلالْ
فاقنعْ تجدْ في الحرام حلاًّ فضلاً من اللهِ ذي الجلالْ }٧)
ثم دخلت سنة سبع وعشرين وستمئة
فيها : كانت وقعةٌ عظيمةٌ بين الأشرف موسى بن العادل وبين جلال الدين بن خوارزم شاه(٨) ، وكان
سببها أن جلال الدين كان قد أخذ مدينة خلاط في الماضي وخربها وشرّد أهلها ، وحاربه علاء(٩) الدين
كيقُباذ ملك الروم وأرسل إلى الأشرف يستحثه على القدوم عليه ولو جريدة وحده ، فقدم الأشرف في
طائفة كبيرة من عسكر دمشق ، وانضاف إِليهم عسكر بلاد الجزيرة ومن تَبَقى١٠) من عسكر خلاط ،
(١) أ، ب : مقال.
(٢) أ : من التعسف وعن الرزايا .
(٣) أ، ب : وقد تخلفت .
(٤) أ، ب : وقد أورد له ابن الساعي.
(٥) أ، ب : عندك .
(٦) ط : وله .
(٧) عن ط وحدها .
(٨) أ، ب : خوارزم شاه الخوارزمي .
(٩) أ، ب: عماد الدين؛ خطأ. وسترد ترجمة كيقباذ في وفيات سنة ٦٣٤ هـ وسير أعلام النبلاء (٢٤/٢٣).
(١٠) أ، ب : بقي.

١٧٥
وفيات سنة ٦٢٧ هـ
فكانو(١) خمسة آلاف مقاتل [ صليبة]، معهم العدَّة الكاملة، والخيول الهائلة، فالتقوا مع جلال الدين
بأذربيجان وهو في عشرين ألف مقاتل ، فلم يقم لهم ساعة واحدة ، ولا صبر ، فتقهقر(٢) وانهزم
واتبعوه(٣) على الأثر ، ولم يزالوا في طلبه إِلى مدينة خُوَيْ ، وعاد الأشرف إلى مدينة خلاط فوجدها خاويةً
على عروشها ، فمهّدها وأطّدها، ثم تصالح [ هو ] وجلال الدين وعاد إلى مستقر ملكه [ بدمشق ]
حرسها الله [ تعالى وإِياه ] .
وفيها : تسلَّم الأشرفُ قلعةَ بعلبك من الملك الأمجد بهرام شاه بعد حصار طويل ، ثم استخلف على
دمشق أخاه الصالح إسماعيل ، ثم سار إِلى الشرق (٤) بسبب أن جلال الدين الخوارزمي استحوذ على بلاد
خلاط وقتل من أهلها خلقاً كثيراً ونهب أموالًا كثيرة ، فالتقى معه الأشرف(٥) واقتتلوا قتالاً عظيماً فهزمه
الأشرف هزيمةً منكرةً ، وهلك من الخوارزمية خلقٌ كثيرٌ ، ودَقَّتِ البشائر في البلاد فرحاً بنصرة الأشرف
على الخوارزمية ، فإِنَّهم كانوا لا يفتحون بلداً إِلا قتلوا من فيه ونهبوا أموالهم٦) ، فكسرهم الله تعالى .
وقد كان الأشرف رأى النبي ◌َلّ، في المنام قبل الوقعة وهو يقول له : يا موسى أنت منصور عليهم
ولما فرغ (٧) من كسرتهم عاد إلى بلاد خلاط فرمم شعثها وأصلح ما كان فسد منها(٨)
ولم يحجَّ أحد من أهل الشام في هذه السنة ولا في التي قبلها ، وكذا فيما قبلها أيضاً ، فهذه ثلاث
سنين لم يَسِرْ من الشام أحد حاتٌ إِلى الحجاز(٩) .
وفيها : أخذتِ الفرنجُ جزيرة ميورقة وقتلوا بها خلقاً وأسروا آخرين ، فقدموا بهم إِلى الساحل
فاستقبلهم المسلمون فأخبروا بما جرى عليهم من الفرنج .
وممن توفي فيها من الأعيان :
زين الأمناء الشيخ الصالح١٠) أبو البركات ، الحسن بن محمد بن الحسن بن هبة الله
(١) أ : وكانوا .
(٢) أ، ب : بل تقهقر .
(٣) أ، ب : واتبعوه هم .
(٤) ب : المشرق. وط : الأشرف . والأخيرة محرفة .
(٥) أ، ب : الأشرف رأساً هائلاً واقتتلوا .
(٦) أ، ب : وأمواله .
(٧) أ ، ب : تفرغ .
(٨) قال بشار : هذه الفقرة وأكثر التي قبلها تكرار لما سبق .
(٩) ط : أحد إلى الحج .
(١٠) ترجمة - زين الأمناء ابن عساكر ـ في مرآة الزمان (٤٣٨/٨ - ٤٣٩) وتكملة المنذري (٢٥٨/٣ - ٢٥٩) وذيل
الروضتين (١٥٨) والعبر (١٠٨/٥) وتاريخ الإسلام (٨٣٣/١٣) وسير أعلام النبلاء (٢٨٤/٢٢ - ٢٨٧) =

١٧٦
أحداث سنة ٦٢٨ هـ
زين الأمناء (١) ، ابن عساكر الدمشقي الشافعي .
سمع على عَمَّيْهِ الحافظ أبي القاسم والصائن وغير واحد ، وعُمِّر وتَفَرَّدَ بالرواية وجاوز الثمانين بنحو
من ثلاث سنين ، وأُقعد في آخر عمره فكان يُحمل في محفَّةٍ إِلى الجامع وإِلى دار الحديث النورية لإسماع
الحديث ، وانتفع به الناس(٢) مدة طويلة، ولما توفي حضر الناسُ جنازتَه ودُفن عند أخيه الشيخ فخر
الدين بن عساكر(٣) بمقابر الصوفية رحمه الله تعالى .
الشيخ بيرمُ(٤) المارديني .
كان صالحاً منقطعاً محباً للعزلة عن الناس ، وكان مقيماً بالزاوية الغربية من الجامع ، وهي التي يقال
لها الغزالية ، وتعرف بزاوية الدولعي وبزاوية القطب النيسابوري ، وبزاوية الشيخ نصر(٥) المقدسي، قاله
الشيخ شهاب الدين أبو شامة (٦) ، وكان يوم جنازته مشهود(٧) ، ودفن بسفح قاسيون رحمه الله تعالى وعفا
عنه بمنه وكرمه .
ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وستمئة
استُهلَّت هذه السنة والملك(٨) الأشرف موسى بن العادل مقيم بالجزيرة ٩) مشغول فيها بإِصلاح ما كان
جلال الدین الخوارزمي قد أفسده من بلاده .
وقد قدمت التتار في هذه السنة إِلى الجزيرة ١٠) وديار بكر فعاثوا بالفساد يميناً وشمالاً ، فقتلوا ونهبوا
وسَبَوْا على عادتهم خذلهم الله تعالى .
وطبقات السبكي (٥٤/٥ _ ٥٥) والنجوم الزاهرة (٢٧٣/٦) وشذرات الذهب (٢١٧/٧).
=
(١) ط : أبو البركات بن الحسن بن محمد بن الحسن بن هبة الله بن زين الأمناء ؛ وهو خطأ .
(٢) أ، ب : وانتفع الناس به.
(٣) تقدمت ترجمة فخر الدين ابن عساكر في وفيات سنة ٦٢٠ هـ .
قيّده أبو شامة بقوله : بيرم : أوله باء معجمة بواحدة من تحتها ، وهي مفتوحة ، وبعدها ياء ساكنة معجمة باثنتين من
(٤)
تحتها ، وبعدها راء مفتوحة .
(٥) ط : أبي نصر. وهو نصر بن إبراهيم بن نصر المعروف بالفقيه نصر المقدسي توفي سنة ٤٩٠ هـ. ترجمته في سير
أعلام النبلاء (١٣٦/١٩) وفيه قائمة بمصادره .
ذيل الروضتين ( ١٥٩).
(٦)
(٧) أ : يوماً مشهوداً .
(٨) أ، ب : استهلت والملك.
(٩) أ : مقيم ببلاد الجزيرة .
(١٠) أ : إِلى الجزيرة فقتلوا .

١٧٧
أحداث سنة ٦٢٨ هـ
وفيها : رتب إِمام بمشهد أبي بكر من جامع دمشق ، وصُلِّيت فيه الصلواتُ الخمسُ .
وفيها : درس الشيخ تقي الدين بن الصلاح(١) الشهرزوري الشافعي في المدرسة [ الشامية ] الجوانية
المارستان فى جمادى الأولى منها .
فی جوار()
وفيها : درس الناصح [ ابن الحنبلي بالصاحبة ]٣) بسفح قاسيون التي أنشأتها الخاتون ربيعة (٤) بنت
أيوب أخت ست الشام .
وفيها : حبس الملك الأشرف الشيخ علي الحريري(٥) بقلعة عزتا.
وفيها : كان غلاء شديد بديار مصر وبلاد الشام وحلب والجزيرة بسبب قلة المياه السماوية
والأرضية، فكانت(٦) هذه السنة كما قال الله تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَىْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَلِ
وَاْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَتِّ وَبَشِّرِ الصَّبِينَ ﴿ الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ -١٥٦].
وذكر ابن الأثير (٧) كلاماً طويلاً مضمونهُ خروجُ طائفةٍ من التتار مرةً أخرى من بلاد ما وراء النهر ،
وكان سببُ قدومهم هذه السنة أَنَّ الإسماعيلية كتبوا إِليهم يخبرونهم بضعف أمر جلال الدين بن خوارزم
شاه ، وأنه قد عادى جميعَ الملوك حوله حتى الخليفة ، وأنه قد كسره الأشرف بن العادل مرتين ، وكان
جلال الدين قد ظهرت منه أفعال ناقصة تدلُّ على قلَّةِ عقله ، وذلك أنه توفي له غلام خصيّ يقال له قلج ،
وكان يحبّه ، فوجد عليه وجداً عظيماً بحيث إنه أمر الأمراء أن يمشوا بجنازته (٨) فمشوا فراسخ [ إِلى
تربته ] ، وأمر أهل البلد أن يخرجوا بحزنٍ وتعدادٍ عليه ، فتوانى بعضهم في ذلك ، فهمَّ بقتلهم حتى تشفَّع
فيهم بعضُ الأمراء ثم لم يسمح بدفن قلج فكان يحمل معه بمحفةٍ ، وكلما أحضر بين يديه طعام يقول
احملوا هذا إِلى قلج ، فقال له بعضهم : أيها الملك إِن قلج قد مات(٩)، فأمر بقتله فقتل(١٠) ، فكانوا بعد
ذلك يقولون : قبله وهو يقبل الأرض ، ويقول هو الآن أصلح مما كان - يعني أنه مريض وليس بميت -
(١) سترد ترجمة ابن الصلاح في وفيات سنة ٦٤٣ هـ.
(٢) ط : المدرسة الجوانية في جانب .. مختصر تنبيه الطالب ( ٤٨).
(٣) درس الناصر ابن الحنبلي بالصالحية ؛ وفيها تحريفان: تاريخ الصالحية (١٥٨).
(٤) ط : الخاتون ربيعة خاتون .
(٥) سترد ترجمة علي الحريري في وفيات سنة ٦٤٤ هـ.
(٦) أ : وكانت .
(٧) الكامل في التاريخ (٣٨٣/٩) .
(٨) أ، ب : في جنازته .
(٩) ب : قد مات قلج.
(١٠) أ، ب : فأمر بضرب عنقه.

١٧٨
أحداث سنة ٦٢٨ هـ
فيجد الملك بذلك راحة (١) من قلة عقله ودينه قبحه الله . فلما جاءت التتار اشتغل بهم وأمر بدفن قلج
وهرب من بين أيديهم وامتلأ قلبه خوفاً منهم ، وكان٢) كلما سار من قطر لحقوه إِليه وخربوا ما اجتازوا به
من الأقاليم والبلدان حتى انتهوا إِلى الجزيرة وجاوزوها إِلى سنجار وماردين وآمد ، يفسدون ما قدروا عليه
قتلاً ونهباً وأسرا٣ً) وتمزَّقَ شملُ جلال الدين وتفرَّق عنه جيشهُ، فصاروا شَذَرَ مَذَرَ ، وبُدِّلوا بالأمن
خوفاً ، وبالعزّ ذلّاً، وبالاجتماع تفريقاً ، فسبحان من بيده الملك لا إِله إِلا هو . وانقطع خبر جلال الدين
فلا يُذْرَى أين سلك ، ولا أين ذهب ، وتمكنت (٤) التتار من الناس في سائر البلاد لا يجدون من يمنعهم
ولا من يردعهم ، وألقى الله تعالى الوهنَ والضعفَ في قلوب الناس منهم ، كانوا كثيراً يقتلون الناس فيقول
المسلم : لا بالله، لا بالله، فكانوا يلعبون على الخيل(٥) ويغنون ويحاكون الناس لا بالله لا بالله، وهذه
طامة عظمى وداهية كبرى ، فإِنا لله وإنا إليه راجعون .
وحج الناس في هذه السنة من الشام وكان ممن حج(٦) فيها الشيخ تقي الدين أبو عمرو(٧) بن
الصلاح ، ثم لم يحج الناس بعد هذه السنة أيضاً لكثرة الحروب والخوف من التتار(٨) والفرنج ، فإنا لله
وإنا إليه راجعون .
وفيها : تكامل بناء المدرسة التي بسوق العجم ببغداد المنسوبة إِلى إِقبال الشرابي(٩) ، وحضر الدرس
بها ، وكان يوماً مشهوداً، اجتمعُ (١) فيه جميع المدرسين والمفتين ببغداد ، وعُمل بصحنها قبابُ الحلوى
فحُمل منها إلى جميع المدارس والربط ، ورُتِّبَ فيها خمسة وعشرونُ(١١) فقيهاً لهم الجوامك الدارّةُ في كل
[ شهر والطعام في كل ] يوم ، والحلوى في أوقات المواسم، والفواكه في زمانها، وخلع على المدرِّس
والمعيدين والفقهاء في ذلك اليومُ(١٢)، وكان وقت١٣ً) حسناً تقبل الله تعالى منه .
(١) أ، ب : راحة بذلك.
(٢) أ، ب : واملأ قلبه خوفاً منهم وجعل .
(٣) أ، ب : قتلاً وأسراً ونهباً .
(٤) أ : فتمكنت .
(٥) ب : على الحبل .
(٦) أ : ممن خرج .
(٧) ط : أبو عمر ؛ وهو خطأ .
(٨) أ، ب: التتر .
(٩) هي المدرسة الشرابية المشهورة، ولعمي العلامة الدكتور ناجي معروف طيب الله ثراه كتاب عنها، طبع ببغداد (بشار).
(١٠) أ، ب : واجتمع.
(١١) ط : خمسة وعشرين.
(١٢) أ، ب : يومئذ .
(١٣) هكذا في الأصول، ولعله الصواب: ((وقفاً)) ( بشار).

١٧٩
وفيات سنة ٦٢٨ هـ
وفيها : سار الأشرف (١) أبو العباس أحمد بن القاضي الفاضل في الرسلية عن الكامل محمد صاحب
مصر إلى الخليفة المستنصر بالله [ ببغداد ] ، فأكرم وأُعيد مُعَظّماً .
وفيها : دخل الملك المظفر أبو سعيد كُوكْبُري (٢) بن زين الدين صاحب إِربل إِلى بغداد ولم يكن
دخلها قطُ ، فتلقاه الموكب وشافهه الخليفة بالسلام مرتين في وقتین ، و کان ذلك شرفاً له غبطه به سائر
ملوك الآفاق ، وسألوا أن يهاجروا ليحصل لهم مثل ذلك ، فلم يمكنوا لحفظ الثغور ، ورجع إلى مملكته
مُعَظّماً مُكَرَّماً .
وممن توفي فيها من الأعيان :
ابن معطي(٣) النحوي، يحيى بن [عبد]٤) المعطي بن عبد النور النحوي صاحب ((الألفية)(٥)
وغيرها من المصنفات النحوية المفيدة ، ويلقب زين الدين .
أخذ عن الكندي وغيره ، ثم سافر إلى مصر فكانت وفاته بالقاهرة في مستهل ذي الحجة من هذه
السنة ، وشهد جنازته الشيخ شهاب الدين أبو شامة ، وكان قد رحل إلى مصر في هذه السنة ، وحكي أن
الملك الكامل شهد جنازته (٦) أيضاً ، وأنه دفن قريباً من قبر المزني بالقرافة في طريق الشافعي عن يسرة
المار رحمه الله .
الدَّخْوَارِ الطَّبيب واقف الدَّخْواريةُ(٧) مُهَذَّب الدين عبد الرحيم بن علي بن حامد، المعروف بالدَّخْوار.
(١) هو القاضي الأشرف أحمد بن القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي المصري . مات سنة ٦٤٣ هـ . ترجمته في سير
أعلام النبلاء ( ٢٣/ ٢١١) .
(٢) سترد ترجمة کو کبري في وفيات سنة ٦٣٠ هـ .
(٣) ترجمة - ابن معطي - في معجم الأدباء (٣٥/٢٠ - ٣٦) وتكملة المنذري (٢٩٢/٣ - ٢٩٣) وذيل الروضتين
(١٦٠) ووفيات الأعيان (١٩٧/٦) ومختصر أبي الفداء (١٥٩/٣) وتاريخ الإسلام (٨٧٢/١٣) وسير أعلام
النبلاء (٣٢٤/٢٢) ومرآة الجنان (٦٦/٤) والجواهر المضية (٢١٤/٢) والنجوم الزاهرة (٢٧٧/٦) وبغية
الوعاة (٣٢٤/٢) وحسن المحاضرة (٢٥٥/١) وشذرات الذهب (٢٢٦/٧ - ٢٢٧) وفي هذه المصادر أنه توفي
سنة ٦٢٨ هـ إلا أن ابن كثير سيعيد ترجمته في وفيات سنة ٦٣٩ هـ.
(٤)
ليست في كل الأصول ، واستدركتها عن مصادره .
(٥)
اسمها : الدرة الألفية في علم العربية .
(٦)
ب : شهد الجنازة أيضاً .
(٧) ترجمة - الدخوار - فى مرآة الزمان (٤٤٤/٨ - ٤٤٥) وذيل الروضتين (١٥٩) وعيون الأنباء في طبقات الأطباء
(٢٣٩/٢ - ٢٤٦) وتاريخ الإسلام (٨٦٢/١٣) وسير أعلام النبلاء (٣١٦/٢٢) والعبر (١١٢/٥ - ١١٣)
والنجوم الزاهرة (٢٧٧/٦) والقلائد الجوهرية (٢٣١) والدارس (١٢٧/٢) وتنبيه الطالب (١٣٦) وفيه:
عبد المنعم ؛ وهو تحريف لا بد من تصحيحه ، وشذرات الذهب ( ٧/ ٢٢٤).

١٨٠
وفيات سنة ٦٢٨ هـ
شيخ الأطباء بدمشق ، وقد وقف دارَه بدربِ العميد بالقرب من الصاغة العتيقة على الأطباء بدمشق
[ المحروسة] مدرسة(١) لهم ، وكانت وفاته بصفر(٢) من هذه السنة ، ودفن بسفح قاسيون ، وعلى قبره
قبة على أعمدة في أصل الجبل شرقي الركنية ، وقد ابتلي بستة أمراض متعاكسة ، منها ريح اللقوة (٣) ،
وكان مولده سنة خمس وستين وخمسمئة وكان عمره ثلاثاً وستين سنة .
قال ابن الأثير(٤) : وفيها توفي :
القاضي أبو غنائم بن العديم(٥) الشيخ الصالح وكان من المجتهدين في العبادة والرياضة ، والعاملين
بعلمهم ، ولو قال قائل إِنه لم يكن في زمانه أعبد منه لكان صادقاً ، فرضي الله تعالى عنه وأرضاه ، فإِنه من
جماعة شيوخنا ، سمعنا عليه الحديث وانتفعنا برؤيته وكلامه .
قال : وفيها أيضاً في الثاني عشر من ربيع الأول توفي صديقنا :
أبو القاسم عبد المجيد(٦) بن العجمي الحلبي ، وهو وأهل (٧) بيته مقدمو السنة بحلب ، وكان رجلاً ذا
مروءة غزيرة ، وخلق حسن ، وحلم وافر ، ورئاسة كثيرة ، يحبّ إِطعام الطعام ، وأحب الناس إِليه من
يأكل من طعامه ويقبل برّه٨) ، وكان يلقى أضيافه بوجه منبسط ، ولا يقعد عن إيصال راحة وقضاء حاجة ،
فرحمه الله تعالى رحمة واسعة .
قلت: وهذا آخر ما وجد من (( الكامل في التاريخ)) للحافظ عز الدين أبي الحسن علي بن محمد بن
الأثير رحمه الله تعالى (٩) .
(١) قال العلموي : المدرسة الدخوارية بالصاغة العتيقة قرب الخضراء بدرب العميد قبلي الجامع .
(٢) أ، ب : في صفر .
(٣) قال الذهبي : ثم عرض له استرخاء وثقل اللسان ، فساس نفسه ، واستعمل المعاجين فعرضت له حمّى قوية زلزلت
قواه وأسكت أشهراً وذهبت عينه ثم مات .
الكامل في التاريخ ( ٩/ ٣٨٧) وفيه : ابن غنائم .
(٤)
(٥) ترجمة - ابن العديم - في الكامل في التاريخ (٣٨٧/٩) وتكملة المنذري (٢٧١/٣ - ٢٧٢) والجواهر المضية
(٢/ ١٤٠) واسمه في هذه المصادر: أبو غانم محمد بن هبة الله بن محمد بن أبي جرادة العقيلي الحلبي ابن
العديم .
(٦) أ، ب : عبد الحميد ؛ تحريف .
(٧) أ، ب : هو وأخيه .
(٨)
في الأصول : من أكل من طعامه ويقبل يده . وما هنا عن ابن الأثير مصدر المؤلف .
(٩) رحمك الله يابن الأثير وجمعني وإياك في مستقر رحمته وفرطنا على الحوض سيدنا محمد ◌ّلهر فلقد رافقتني في هذا
الكتاب هذه السنوات ، ثم فارقتني ، وهذه حال مَنْ يعمل بالحوليات يشعر أنه يفقد في كل فترة عالماً من الذين
رافقوه مدة من الزمن ثم اختطفهم الموت ، وبقي وحيداً .