Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
أحداث سنة ٦٠٤ هـ
متاخمة ) لبلاد كشلي خان خوفاً عليها أن يملكها ، ثم إِن جنكيز خان خرج على كشلي خان ، فاشتغل
بمحاربته عن محاربة خوارزم شاه، ثم إِنه (١) وقع من الأمور الغريبة ما سنذكره إن شاء الله تعالى .
وفيها كثرت غارات الفرنج من طرابلس على نواحي حمص ، فضعف صاحبها أسد الدين شيركوه عن
مقاومتهم ، فبعث إليه الظاهر صاحب حلب عسكراً قوَّاه بهم على الفرنج ، وخرج [ الملك ] العادل من
الديار المصرية(٢) في العساكر الإسلامية ، وأرسل إِلى جيوش الجزيرة [ العمرية ] فوافوه على عكا
فحاصرها ، بسبب أَنَّ القبارصة أخذو(٣) من أسطول المسلمين قطعا٤ً) فيها جماعة من المسلمين ، فطلب
صاحب عكًّا الأمان والصلح على أن يردّ الأسارى، فأجابه إِلى ذلك، وسار العادل فنزل على بُخَيْرة
قَدَس(٥) قريباً من حمص ، ثم سار إِلى بلاد طرابلس ، فأقام اثني عشر يوماً يقتل ويأسر ويغنم ، [ وخرَّب
بعض تلك البلدان الأَطْرائِلُسِيَّة ] حتى جنح الفرنج إِلى المهادنة ، ثم عاد إلى دمشق .
وفيها : ملك صاحب أَذْرَبِيجَان الأمير نصرة٦ً) الدين أبو بكر بن البهلول مدينة مراغةً(١) لخلوّها عن
ملك قاهر ، فإِنْ(٨) ملكها مات وقام بالملك(٩) ((بعده )) ولد له صغير ، فدبَر أمره خادم له .
وفي غرةً "(١) ذي القعدة شهد محيي الدين أبو محمد يوسف بن ( الشيخ أبي الفرج ) عبد الرحمن بن
الجوزيُ(١١) عند قاضي القضاة أبي القاسم بن الدامغاني(١٢) ، فقبله وولاء حسبة جانبي بغداد ، وخلع
عليه خلعة سنية سوداء بطرحة كحلية ، وبعد عشرة أيام جلس للوعظ مكان أبيه أبي الفرج بباب بَدْر
(١) عن ط وحدها .
(٢) ط : من مصر .
(٣) ط : لأن القبارصة أخذوا .
(٤) أ، ب: من أسطول الديار المصرية قطعاً.
(٥) بُحَيْرة قَدَس : بفتح القاف ، والدال المهملة، وسين مهملة أيضاً: قرب حمص ، طولها اثنا عشر ميلاً في عرض
أربعة أميال : وهي بين حمص وجبل لبنان تنصبّ إِليها مياه تلك الجبال ، وقد نسبت إِلى بلد بجانبها اسمه قَدَس .
معجم البلدان (١/ ٣٥٢، ٣١١/٤).
(٦) ط : نصير الدين.
(٧) مراغة : أعظم وأشهر مدن أَذْربيجان . وتقع اليوم على سبعين ميلاً جنوب تبريز على نهر صافي . معجم البلدان
(١٩٣/٥) وبلدان الخلافة الشرقية ( ١٩٨).
(٨) ط : لأن .
(٩) أ، ب : وقام في الملك.
(١٠) في ب : وفي عشر . وهو تحريف .
(١١) سترد ترجمة - محيي الدين ابن الجوزي - في وفيات سنة ٦٥٦ من هذا الجزء.
(١٢) سترد ترجمة - ابن الدامغاني - في سنة ٦١٥ .

٢٢
وفيات سنة ٦٠٤ هـ
الشريف(١) ، وحضر عنده خلق كثير . وبعد أربعة أيام من يومئذ درَّس بمشهد أبي حنيفة ضياء الدين
أحمد بن مسعود التُّركستاني(٢) الحنفي، (وحضر عنده الأعيان والأكابر .
وفي رمضان منها وصلت الرسل من الخليفة) إِلى العادل بالخلع، فلبس هو وولداه المعظّم والأشرف،
ووزيره صفي الدين بن شكر (٣) ، وغير واحد من الأمراء ، [ الخلع السنية الخليفية ] ودخلوا [إِلى ] القلعة
( وقت ) صلاة الظهر من باب الحديد ، وقرأ التقليد الوزير وهو قائم ، وكان ( يوماً) مشهوداً .
وفيها : درس [ الشيخ ] شرف الدين (٤) عبد الله بن زين القضاة عبد الرحمن [ بن سلطان ] بالمدرسة
الرواحية(٥) بدمشق .
وفيها : انتقل الشيخ [ ابن](٦) الخَيِّر البغدادي من الحنبلية إِلى مذهب الشافعية(٧) ، ودرَّس بمدرسة
أم الخليفة ، وحضر عنده الأكابر [والعلماء ] من سائر المذاهب .
وممن توفي فيها من الأعيان(٨) :
الأمير [ الكبير ] بنيامين (٩) بن عبد الله أحد أمراء الخليفة الناصر، وكان من سادات الأمراء، [ ديناً
وأ عقلاً ونزاهة وعفة (١٠) ، سقاه بعض الكتّاب من النصارى سُمَّاً فمات [ رحمه الله ].
وكان اسم الذي سقاه ابن ساوا [ فلما اطّلع الخليفة على الحال سلَّم ابن ساوا }(١١) إِلى غلمان بنيامين
فشفع فيه ابن مهدي الوزير وقال : إِن النصارى قد بذلوا فيه خمسين ألف دينار ، فكتب الخليفة على رأس
الورقة (١٢): [ من البسيط ]
(١) ط: ((بباب درب الشريف))، وهو تحريف، وما هنا من أ، ب.
(٢) اللفظة كثيرة التصحيف في أصولنا ، وسترد ترجمته في سنة ٦١٠
(٣) سترد ترجمته في وفيات سنة ٦٢٢ .
(٤) سترد ترجمة - شرف الدين بن سلطان - في وفيات ٦١٥.
(٥) منادمة الأطلال (ص ٢٠) وقد ذكر بدران أنها صارت داراً للسكن .
(٦) ط : الخير بن البغدادي. وفي أ، ب : الخير البغدادي. وهو أبو إسحاق وأبو محمد إبراهيم بن محمود بن سالم بن
مهدي البغدادي الأزجي الحنبلي المشهور بابن الخَيِّر الشيخ الإمام المقرىء الفقيه المحدث مسند بغداد توفي سنة
٦٤٨ . ترجمته في سير أعلام النبلاء ( ٢٣/ ٢٣٥) وفيه ذكرٌ لأسماء مصادره الأخرى.
(٧) ب : مذهب الشافعي .
(٨) ط : وفيها توفي من الأعيان .
(٩) أ : بيامينٍ . وب : بيامشن.
(١٠) ط : عقلا وعفة ونزاهة.
(١١) مكانهما في ط : فسلّمه الخليفة.
(١٢) البيت في ذيل الروضتين (٦١).

٢٣
وفيات سنة ٦٠٤ هـ
إنَّ الأُسودَ أُسودَ الغابِ هِمَّتُها يومَ الكريهةِ في المسْلوبِ لا السَّلَبِ
فتسلّمه غلمان بنيامين فقتلوه وحرّقوه ، وقبض الخليفة بعد ذلك على الوزير ابن مهدي١) كما
تقدم .
حنبل بن عبد الله(٢) بن الفرج بن سعادة الرَّصافي(٣) الحنبلي ، المُكَبِّر بجامع المهدي .
راوي مسند أحمد عن ابن الحُصَيْ(٤) عن ابن المُذْهبُ(٥) عن ابنُآ) مالك عن عبد الله عن أبيه ، عُمِّر
تسعين سنة وخرج من بغداد فأسمعه بإربل، واستقدمه ملوك دمشق إِليها فسمع الناس علي(٧) ((المسند ))،
وكان المعظّم يكرمه ويأكل عنده على السماط من الطيبات ، فتصيبه التُّخَمة كثيراً ، لأنه كان فقيراً ضيِّق
الحال٨)، خشن العيش ببغداد ، وكان الكندي إِذا دخل على المعظّم يسأل عن حنبل فيقول ( المعظّم )
هو متخومٌ ، فيقول : أطعمه العَدَس، فيضحك المعظم، ثم أعطاه ( المعظم ) مالاً جزيلاً وردّه إِلى بغداد
فتوفي بها [ في هذه السنة ] ، وكان مولده سنة عشر وخمسمئة ، وكان معه ابن طبرزد ، فتأخرت وفاته عنه
إِلى سنة سبع وستمئة .
عبد الرحمن بن عيسى (٩) بن أبي الحسن البُزُوري١٠ّ) الواعظ البغدادي .
أ : ابن مهدي الوزير .
(١)
ترجمة - الرصافي الحنبلي - في تاريخ ابن الأثير (١١٦/١٢) والتكملة لوفيات النقلة (١٢٥/٢) وذيل الروضتين
(٢)
(٦٢) وتاريخ الإسلام (٩٢/١٣ - ٩٣) وسير أعلام النبلاء (٤٣١/٢٣) والعبر (١٠/٥) والنجوم الزاهرة
(١٩٥/٦) وشذرات الذهب (٢٤/٧).
(٣) أ : الوصافي . وهو تحريف . قال المنذري : والرصافة التي نسب إليها هي رصافة بغداد . التكملة لوفيات النقلة
(١٢٦/٢) .
تقدمت ترجمة - ابن الحصين - في سنة ٥٢٥ .
(٤)
ترجمة - ابن المذهب - في وفيات سنة ٤٤٤ .
(٥)
ط : عن أبي مالك . وفي ب : عن مالك .
(٦)
ط : بها عليه .
(٧)
(٩)
ط : كان فقيراً ضيق الأمعاء من قلة الأكل خشن العيش .
(٨)
ترجمة ابن البزوري في إكمال الإكمال لابن نقطة (٤٠١/١) وتاريخ ابن الدبيئي ( الورقة ١٢٣ من مجلد باريس
٥٩٢٢) ومرآة الزمان (٥٣٧/٨) والتكملة لوفيات النقلة (١٣٧/٢) وذيل الروضتين (٦٢) والجامع المختصر
لابن الساعي (٢٤٩/٩) وتاريخ الإسلام (٩٧/١٣) والمختصر المحتاج إليه (٢٠٨/٢) وذيل طبقات الحنابلة
لابن رجب ( ٤١/٢) وشذرات الذهب (١٧/٥) وغيرها (بشار).
(١٠) ط : المروزي وهو تحريف؛ والبزوري: بضم الباء الموحدة، والزاي ، والراء ، بعد الواو : هذه النسبة إلى البزور
قيده ابن نقطة في إكمال الإكمال (١/ ٤٠١ ).

٢٤
وفيات سنة ٦٠٤ هـ
سمع من أبي الوقت(١) وغيره ، واشتغل على ابن الجوزي (٢) في الوعظ(٣)، ثم حدَّثته نفسه بمضاهاته
وشمخت(٤) نفسه ، واجتمع عليه طائفة من أهل باب البصرة٥) ، ( ثم ) تزوج في آخر عمره وقد قارب
السبعين ، فاغتسل في يوم بارد فانتفخ ذكره فمات في هذه السنة .
الأمير زين الدين قراجا الصَّلاحي(٦) صاحب صرخد .
كانت له دار عند باب الصغير عند قناة الزلاقة ، وتربته بالسفح في قبة على جادة الطريق عند تربة
( ابن ) تميرك ، وأقر العادل ولده يعقوب(٧) على صرخد .
عبد العزيز الطبيب(٨).
توفي فجأة ، وهو والد سعد الدين الطبيب الأشرفي، وفيه يقول ابن عنين(٩): [ من الطويل !١٠)
فُرَادَىُ(١١) ولا خَلْفَ الخَطيبِ جَمَاعَةٌ وَمَوْتٌ ولا عَبْدُ العزيزِ طَبِيبُ
وفيها توفي :
العفيف بن الدرجي(١٢) إِمام مقصورة الحنفية الغربية بجامع دمشق(١٣).
(١) ط : من ابن أبي الوقت، وهو خطأ. وأبو الوقت هو عبد الأول بن عيسى، تقدمت ترجمته في وفيات سنة ٥٥٣ من
الجزء السابق .
(٢) تقدمت ترجمة - أبي الفرج بن الجوزي - في وفيات ٥٩٧ من الجزء السابق.
(٣)
ط : بالوعظ .
أ : وسمحت . تحريف .
(٤)
ط : باب النصيرة ، وفي ب : من أهل البصرة ؛ وكلاهما خطأ والصحيح ما أثبتاه عن النسخة ( أ ) يؤيد ذلك ما ورد
(٥)
في مصادر ترجمته ، وهي محلة سنية معروفة .
ترجمة ؛ فراجا الصلاحي - في ذيل الروضتين (٦٢) ومفرج الكروب ١٧٥/٣ وتاريخ الإسلام (١٠١/١٣).
(٦)
ذكره أبو شامة في ذيله ( ٦٢-٦٣) فقال : وصل ابنه ناصر الدين يعقوب من قلعة صرخد إلى خدمة السلطان العادل ،
(٧)
وهو على القدس ، فأكرمه وأنعم عليه بما كان بيد أبيه ، ثم توفي في سنة أربع مئة عشرة وستمئة وعمره إِحدى
وعشرون سنة وثلاثة أشهر .
ترجمة - عبد العزيز الطبيب - في ذيل الروضتين ( ٦٢ ).
(٨)
سترد ترجمة - ابن عنين - في وفيات سنة ٦٣٠ .
(٩)
(١٠) ديوان ابن عنين (٢٤٣) وذيل الروضتين (٦٣).
(١١) في ط والديوان: فراري. وهو تحريف، وما هنا عن النسختين أ، ب وذيل الروضتين، وقد كتب محقق الديوان
الأستاذ خليل مردم بك معلقاً على رواية ذيل الروضتين هذه بخطه - وهو الصواب - .
(١٢) ترجمة - العفيف بن الدرجي - في ذيل الروضتين (٦٤). قال بشار: هو عفيف الدين عبد الرحيم بن إبراهيم بن
يحيى ، أبو محمد ابن الدرجي القرشي الدمشقي ، ترجمه الزكي المنذري في التكملة ( ٢/ ١٢٧ ) والذهبي في تاريخ
الإسلام (١٣ / ٩٧ ).
(١٣) ط : بجامع بني أمية .

٢٥
أحداث سنة ٦٠٥ هـ
أبو ( محمد ) جعفر(١) ( بن محمد ) بن محمود هبة الله بن أحمد بن يوسف الإِزبلي ، كان فاضلاً في
علوم كثيرة في الفقه على مذهب الشافعي ، والحساب والفرائض والهندسة والأدب والنحو ، وما يتعلق
بعلوم القرآن العزيز وغير ذلك . ومن شعره [ الحسن الجيّد قوله ] ( من البسيط)
وفي الخطوبِ إِذا فَكَّرتَ مُعْتَبَرُ
لا يدفعُ المرءُ ما يأتي بهِ القدَرُ
رَأَيٌ وحزمٌ ولا خوفٌ ولا حَذَرُ
فليسَ يُنْجي من الأقدارِ إِن نَزَلت
تجزع لشيءٍ فعُقْبَى صبرٍكَ الظَّفَرُ
فاستعملِ الصبرَ في كلِّ الأمورِ ولا
صَرْف الزَّمَان ووَالَى (٢) بَعْدَهُ يسرُ
كَمْ مَسَّنا مرةً عُسْرٌ فَصَرَّفهُ
ييأسُ منه إِلا عصبةٌ كَفَروا
لا ييئسِ المرءُ من رَوْحِ الإلهِ فما
وأن يوميهِ ذا أمنٌ وذا خَطَرُ
إِني لأعلمُ أن الدهرَ ذو دولٍ
ثم دخلت سنة خمس وستمئة
في [ المحرم منها تكامل (٣) بناء دار الضيافة ببغداد(٤) التي أنشأها الناصر لدين الله بالجانب الغربي
منها للحُجَّاج والمارَّة لهم الضيافة ما داموا نازلين بها ، فإِذا عزمُ(٥) أحدهم السفر منها زُوّد وكُسِي وأُعْطِي
بعد ذلك [ كله ] ديناراً [ للسفر ] ، جزاه الله خيراً.
وفيها : عاد أبو الخطاب ابن دحية الكلبي(٦) من رحلته العراقية فاجتاز بالشام فاجتمع في مجلس
الوزير صفي الدين بن شكرُ) هو والشيخ تاج الدين أبو اليمن [ زيد بن الحسن بن زيد ] الكِنْديُ(٨) شيخ
اللغة والحديث ، فأورد ابن دحية في كلامه حديث الشفاعة حتى انتهى إلى قول إِبراهيم عليه السلام ((إِنَّما
كنتُ خليلاً من وراءَ وراءَ )) بفتح اللفظتين ، فقال الكِنْدي من وراءُ وراءُ ( بضمهما ) ، فقال ابن دحية
للوزير ابن شكر : من هذا ؟ فقال : هذا [ الشيخ ] أبو اليمن الكندي ، فنال منه ابن دحية ، وكان جريئاً ،
(١) أ : أبو محمد بن جعفر .
(٢) فصرّفه الإله عنا وولي؛ ولا يستقيم بها الوزن .
ط : في محرمها كمل .
(٣)
(٤)
عن ط وحدها .
(٥)
ط : فإذا أراد .
سترد ترجمة - ابن دحية الكلبي - في وفيات سنة ٦٣٣ من هذا الجزء .
(٦)
(٧)
سترد ترجمة - ابن شكر - في وفيات ٦٢٢ .
سترد ترجمة - الكندي - في وفيات سنة ٦١٣ .
(٨)

٢٦
أحداث سنة ٦٠٥ هـ
فقال الكندي : هو من كلب ، ينبح كما ينبح الكلب (١) . قال [ الشيخ شهاب الدين ] أبو شامة: وكلتا
الروايتين محكيَّتان(٢) ، وحكي فيهما الجرّ أيضاً .
وفيها : عاد فخر الدين ابن تيمية(٣) خطيب حرّان(٤) من الحج إِلى بغداد وجلس بباب بدر للوعظ ،
مكان محيي الدين يوسف بن [ الشيخ أبي الفرج ](٥)، فقال في كلامه ذلك(٦): [من البسيط ]
وابنَ اللَّبونِ إِذا ما لُزَّ فِي قَرَنٍ (٧) لم يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ البُزْلِ الفَنَاعِيسِ
كأنه يُعَرِّض بالمُحْيي ابن الجوزي(٨) يوسف ، لكونه شاباً ابنَ خمس وعشرين سنة والله أعلم .
وفي يوم الجمعة تاسع محرم دخل مملوك أفرنجي من باب مقصورة جامع دمشق وهو سكران وفي يده
سيف مسلول ، والناس جلوس ينتظرون صلاة الفجر ، فمال على الناس يضربهم بسيفه [ ذلك ] فقتل اثنين
أو ثلاثة ، وضرب المنبر بسيفه فانكسر سيفه فأخذ وأودع المارستان ، وشنق في يومه ذلك على جسر
اللَّادين(٩) .
وفيها : عاد الشيخ شهاب الدين السُّهْرَ وَردي(١٠) من دمشق بهدايا الملك العادل فتلقاه الجيش ومعه
أموال كثيرة لنفسه أيضاً(١١) ، وكان قبل ذلك فقيراً زاهداً، فلما عاد مُنع من الوعظ وأخذت منه الربط التي
[ كان ] يباشرها، وؤُكِّل إِلى ما بيده من الأموال ، فشرع في تفريقها على الفقراء والمساكين ، فاستغنى
منه خلق كثير [ من الفقراء وغيرهم] ، فقال المحيي ابن الجوزي في مجلس(١٢) وعظه [ ما معناه ]:
لا حاجة بالرجل [ أن ] يأخذ أموالاً من غير حقها ويصرفها إلى من يستحقها(١٣) ، وكان تركها أولى به من
تناولها ، ( وإِنما أراد أن ترتفع منزلته ببذلها . أو يعود إلى حاله كما كان ، ولو ترك على ما كان يباشره لما
(١) ن : من كلب فنج .
(٢) وكلتا اللفظتين - محلية - وفي أ: وكلا.
(٣) سترد ترجمة - فخر الدين ابن تيمية - في سنة ٦٢٢ .
(٤) ط : من حران .
(٥) مكان الحاصرتين في ط : ابن الجوزي .
(٦) البيت لجرير في ديوانه ٢٥٠ .
ب : إِذا ما أبرّني قرب ، وهو تصحيف وتحريف .
(٨) ط : يعرض بابن الجوزي . وسترد ترجمته في وفيات سنة ٦٥٦ .
(٧)
(٩) قال أبو شامة في ذيله (٦٤): (ولم يكن على الجسر ذلك الزمان هذه العمارة بل كان على حافته الشرقية درابزين
يُدَلّى المشنوق فيه إِلى الطريق المسلوكة بجيرون فيراه الناس من الطريق كما يرون المارة بالجسر المذكور .
(١٠) ب: الشهرزوري؛ وهو تحريف، وسترد ترجمة - السهروردي - في وفيات سنة ٦٣٠ من هذا الجزء.
(١١) ط : أيضاً لنفسه.
(١٢) أ، ب : في مجلسه.
(١٣) بعدها في ط وحدها ولو ترك على ما كان .

٢٧
أحداث سنة ٦٠٥ هـ
بذلها) ، فليحذر العبد الدنيا فإِنها خَدَّاعة غَزَّارة تسرق٢) فحول العلماء والعباد [ فضلاً عن العوام
والقُوَّاد ] ، وقد وقع ابن الجوزي فيما بعد فيما وقع فيه السُّهْرَ وَزْدي وأعظم .
وفيها : قصدت الفرنج حمص وعبروا على العاصي بجسر أعدّوه في بلادهم . فلما أحسَّ بهم
العساكر المنصورة ، ركبوا) في آثارهم فهربوا منهم فقتلوا خلقاً كثيراً منهم وغنم المسلمون منهم غنيمة
جيدة ( ولله الحمد ) .
وفيها : قتل صاحب الجزيرة ، وكان من أسوأ الناس سيرةً وأخبثهُ) سريرةً ، وهو الملك سنجر
شاه٥) بن غازي بن مودود بن زنكي بن آقسنقر الأتابكي ، ابن عمِّ نور الدين صاحب الموصل ، وكان الذي
تولَّى قتله ولدهُ غازي ، توصَّل إِليه حتى دخل عليه وهو في الخلاء سكران ، فضربه بسكِّينٍ أربعَ عشرةَ
ضربةً ، ثم ذبحه ، وذلك كله ليأخذ الملك من بعده ، فحرمه الله ذلك؟) ، فبويع بالملك لأخيه محمود ،
وأخذ غازي هذا [ العاق لوالده (٧) فقتله من يومه، فسلبه الله الملك والحياة ، ولكن أراح الله المسلمين
من ظلم أبيه وغشمه ، وفسقه ، قال الله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِ بَعْضَ الظَّلِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾
[ الأنعام : ١٢٩ ].
وممن توفي فيها أيضا٨ً) :
أبو الفتح محمد بن أحمد بن بختيار(٩) بن علي بن محمد بن إِبراهيم بن جعفر الواسطي المعروف بابن
المَنْدائي(١).
ط : ويعود على حاله كما كان مباشرة لما بذلها .
(١)
ط : غرارة تسترق .
(٢)
ط : بجسر عودة من عرف بهم العساكر ركبوا .
(٣)
(٤)
ب : وأردأ سريرة .
ترجمة - الملك سنجر - في ذيل الروضتين ( ٦٧) ومختصر أبي الفداء (١١٧/٣) والعبر (١٢/٥) وسير أعلام
النبلاء (٢١/ ٥٠٧) وشذرات الذهب - بتحقيق الأستاذ محمود الأرناؤوط (٢٩/٧).
(٥)
(٦)
ط : فحرمه الله إِياه .
بين الحاصرتين في ط : القاتل .
(٧)
(٨)
ط : وفيها توفي من الأعيان .
(٩)
ترجمة - ابن المندائي - في كامل ابن الأثير (١١٨/١٢) والتكملة لوفيات النقلة (١٥٧/٢) والعبر (١٤/٥)
وتاريخ الإسلام (١٢٠/١٣ - ١٢١) وسير أعلام النبلاء (٤٣٨/٢١) والوافي بالوفيات (١١٦/٢) وغاية النهاية
(٥٦/٢) والنجوم الزاهرة (١٩٦/٦) وشذرات الذهب (٣٣/٧).
(١٠) أ، ب : السنداني ؛ تحريف.

٢٨
أحداث سنة ٦٠٦ هـ
آخر من روى مسند الإمام أحمد(١) عن ابن الحصين(٢)، وكان من بيت فقه وقضاءٍ وديانة، وكان ثقةً
عدلاً متورّعاً في النقل ، ومما أنشده من حفظه : [ من الطويل ]
ولَوْ أَنَّ لَيْلَى مَطْلَعُ الشمسِ دُونَها وكنتُ(٣) وَرَاءَ الشَّمْسِ حينَ تَغِيبُ
لَحَدَّثْتُ نَفْسِي(٤) بِانْتِظَارِي نَوَالَها وَقَالَ المُنَّى لي: إِنَّهَا لَقَرِيبُ
قاضي قضاة الديار المصرية(٥) صدر الدين عبد الملك بن عيسى بن دِرباس الماراني(٦) الكردي والله
أعلم .
ثم دخلت سنة ست وستمئة
في المحرم وصل نجمُ الدين خليل (٧) شيخُ الحنفيَّة من دمشق إلى بغداد في الرسلية عن العادل ، ومعه
هدايا كثيرة ، وتناظر هو وشيخ النظامية مجد الدين يحيى بن الرَّبيع في مسألة وجوب الزكاة في مال اليتيم
والمجنون ، وأخذ الحنفي يستدل على (٨) عدم وجوبها، فاعترض عليه الشافعي فأجا(٩) كل منهما في
الذي أورده ، ثم خلع على الحنفي وأصحابه ( بسبب ) الرسالة ، وكانت المناظرة بحضرة نائب الوزير ابن
شكر(١٠) .
وفي يوم السبت خامس جمادى الآخرة وصل الجمال يونس بن بدران (١١) المصري رئيس الشافعية
(١) ط : المسند .
(٢) ط : أحمدبن الحصين ؛ وهو خطأ. وقد تقدمت ترجمته في وفيات سنة ٥٢٥ من الجزء السابق.
(٣) ط : وكانت من . ولا يستقيم الوزن بها.
ب : الحديث نفسها . ولا يستقيم بها الوزن .
(٤)
قاضي القضاة لمصر .
(٥)
(٦) أ، ط : المارداني وهو تحريف . قال الذهبي: وبنو ماران إِقامتهم بالمروح تحت الموصل . سير أعلام النبلاء
(٤٧٥/٢١). ترجمة - ابن درباس - في التكملة لوفيات النقلة (١٥٦/٢) وتاريخ الإسلام (١١٥/١٣) وسير
أعلام النبلاء (٤٧٤/٢١) والعبر (١٣/٥) والنجوم الزاهرة (١٩٦/٦) وحسن المحاضرة (١٩٠/١).
(٧) هو الخليل بن علي بن الحسين بن علي الملقب نجم الدين ، قاضي العسكر الحموي ولي قضاء العسكر للملك العادل
أبي بكر بن أيوب بعد الست مئة ، وقد قدم دمشق ودرّس فيها . وتوفي سنة ٦٤١ ودفن في قاسيون . تاريخ الإسلام
(١٤/ ٣٨٠) والجواهر المضية (١٨٠/٢) والدارس (٢٢٣/١ -٢٢٤) والطبقات السنية (٢/ ٢٢٠).
(٨) أ : يستدل في .
(٩) أ، ب : وجاء .
(١٠) سترد ترجمة - ابن شكر - في سنة ٦٢٢ .
(١١) سترد ترجمة - ابن بدران - في سنة ٦٢٣.

٢٩
وفيات سنة ٦٠٦ هـ
بدمشق إلى بغداد في الرسلية عن العادل ، فتلقاه الجيش مع حاجب الحجَّاب ، ودخل معه ابن أخي
صاحب إِربل مظفر الدين كُوكُبُري(١) ، والرسالة تتضمن الاعتذار عن صاحب إِربل والسؤال في الرضا
عنه ، فأجيب إلى ذلك .
وفيها : ملك العادل الخابور ونصيبين، وحاصر مدينة سنجار مدةً ، فلم يتمكن منها٢) ثم صالح
صاحبها ورجع عنها .
وممن توفي فيها من المشاهير والأعيان (٣) :
أبو المكارم أسعد(٤) بن الخطير أبي سعيد مهذب بن مِيْنا°) بن زكريا [ الأسعد بن مَمَّاتي (٦) بن أبي
قدامة بن أبي مَلِيح المصري الكاتب الشاعر .
أسلم في الدولة الصلاحية وتولَّى نظر الدواوين بمصر مدة .
قال ابن خلِّكان(٧): وله فضائل عديدة، ومصنَّفات(٨)، ونظم سيرة صلاح الدين و((كليلة ودمنة))،
وله (( ديوان)) شعر. ولما تَوَلَّى الوزير ابن شكر(٩) هرب منه إِلى حلب فمات بها وله ثنتان وستون
( سنة ) .
فمن شعره في ثقيل زاره بدمشق(١٠) : [ من الهزج ]
حكى نَهْرَيْنِ مع١١) في الأر ضِ مَن يحكيهما أبدا
(١) ط : كوكري. وسترد ترجمته في وفيات ٦٣٠ .
(٢) ط : فلم يظفر بها .
(٣) ط : وفيها توفي من الأعيان .
(٤) ترجمة - القاضي الأسعد - في خريدة القصر - شعراء مصر - (١٠/١) ومعجم الأدباء (٦/ ١٠٠) وإِنباه الرواة
للقفطي (٢٣١/١) والتكملة لوفيات النقلة (٢/ ١٨٠) وسير أعلام النبلاء (٤٨٥/٢١) ووفيات الأعيان
(٢١٠/١) والنجوم الزاهرة (١٧٨/٦) وحسن المحاضرة (٢٤٢/١) وشذرات الذهب (٣٨/٧).
(٥) أ : ابن سينا ، وب : ابن مسنيا . والضبط عن الشذرات.
(٦) عن ط وحدها .
(٧) وفيات الأعيان (٢١٠/١).
(٨) في الوفيات : وفيه فضائل وله مصنفات عديدة .
(٩) سترد ترجمة - ابن شكر - في وفيات سنة ٦٢٢ .
(١٠) البيتان في معجم الأدباء ووفيات الأعيان وشذرات الذهب .
(١١) ط: وما في الأرض. ولا يستقيم الوزن بها.

٣٠
وفيات سنة ٦٠٦ هـ
وفيّ) أخلاقهِ بَرَدَىّ)
حكى في ( خَلقهِ )) تَوْرَىُ))
أبو يعقوب يوسف بن إسماعيل(٥) بن عبد الرحمن بن عبد السلام اللَّمْغَاني(٦)
أحد الأعيان من الحنفية ببغداد ، سمع الحديث ودرَّس بجامع السلطان ، وكان معتزلياً في الأصول ،
بارعاً في الفروع ، اشتغل ( على ) أبيه وعمه ، وأتقن الخلاف ، وعلم المناظرة ، وقارب التسعين ،
( رحمه الله ) .
أبو عبد الله (٧) محمد بن [ محمد بن ] الحسين(٨)، المعروف بابن الخراساني ، المحدِّث الناسخ.
كتب كثيراً من الحديث وجمع خطباً له ولغيره ، وخطّه جيد مشهور ، [ رحمه الله ] .
أبو المواهب مَعْتُوق بن منيع٩ُ) بن مواهب الخطيب البغدادي .
قرأ النحو واللغة على ابن الخشاب ، وجمع خطباً كان يخطب منها ، وكان شيخاً فاضلاً [أديباً ] له
ديوان شعر ، فمنه قوله : [ من الوافر ]
يُعادي نفسَهُ سِرّاً وَجَهْرَا
ولا ترجُو الصَّداقةَ من عَدُوٍ
فلو أَجْدَتْ مودّتُهُ انتفاعاً لكانَ النفعُ منهُ إِليهِ أجرا
ابن خَرُوفٌ( ١٠) ((شارح سيبويه))، علي بن محمد بن يوسف (١١) أبو الحسن ابن خَرُوف الأندلسي
النحوي .
أ : أخلاقه . ولا يستقيم بها الوزن .
(١)
(٢)
تَوْرَى أحد فروع نهر بردى الذي يقطع دمشق من غربها إلى شرقها .
ط : أراد وفي ، أ : زاد في أخلاقه برداً . وكلاهما لا يستقيم الوزن بهما .
(٣)
(٤)
في الشذرات : وفي ألفاظه بردى .
ترجمة - اللمغاني - في التكملة لوفيات النقلة (١٧٩/٢) والجواهر المضية (٦٢٠/٣).
(٥)
قال المنذري : اللمغاني : منسوب إِلى لَمْغان : بفتح اللام ، وسكون الميم ، وفتح الغين المعجمة وهي من جبال غزنة .
(٦)
ترجمة - ابن الخراساني - في التكملة لوفيات النقلة (٢/ ١٨٢) والوافي بالوفيات (٩٤٥/١).
(٧)
(٨)
ط : الحسن ؛ تحريف .
(٩)
ترجمة - معتوق - في التكملة لوفيات النقلة (٢/ ١٨٥) وتاريخ الإسلام (١٤٩/١٣ - ١٥٠).
(١٠) ترجمة - ابن خروف - في معجم الأدباء (١٥/ ٧٥) ووفيات الأعيان (٣٣٥/٣) والمختصر لأبى الفداء (١٢١/٣)
وسير أعلام النبلاء (٢٦/٢٢) وفوات الوفيات (٨٤/٣) ومرآة الجنان (٢١/٤) وبغية الوعاة (٢٠٣/٢) ونفح
الطيب (١٨/٢ -١٩) ومعجم كحالة (٢٢١/٧).
(١١) قال بشار : هكذا سماه المؤلف وقبله ياقوت في معجم الأدباء، ولا يصح ذلك فهذا اسم لابن خروف الشاعر الذي
هاجر من الأندلس وسكن حلب . أما هذا فاسمه : علي بن محمد بن علي بن محمد ، كما ذكره ابن الأبار في
التكملة (٢٢٦/٣ من طبعة الهراس) والذهبي في تاريخ الإسلام (٢٢٠/١٣) وغيرهما.

٣١
وفيات سنة ٦٠٦ هـ
شرح سيبويه، وقدّمه إلى صاحب المغرب فأعطاه ألف دينار ، وشرح ((جمل)) الزجاجي ، وكان يتنقَّل
في البلاد ولا يسكن إِلا في الخانات ، ولم يتزوج [ قط ] ولا تَسَرَّى(١)، وقد تَغَيَّر عقلُه في آخر عمره،
فكان يمشي في الأسواق مكشوف الرأس ، وكانت وفاته(٢) في هذه السنة (٣) عن خمس وثمانين سنة.
أبو علي يحيى بن الرَّبيعُ(٤) بن سليمان بن حَرّاز الواسطي البغدادي .
اشتغل بالنظامية على [ ابن ] فضلان وأعاد عنده ، وسار(٥) إِلى محمد بن يحيى فأخذ عنه طريقته في
الخلاف ، ثم عاد إلى بغداد ثم صار مدرساً بالنظامية وناظراً على أوقافها (٦) وقد سمع الحديث ، وكان
لديه علوم كثيرة ، ومعرفة حسنة بالمذهب ، وله تفسير في أربع مجلدات كان(٧) يدرِّس منه، واختصر
((تاريخ الخطيب)) و ((الذيل)) عليه لابن السمعاني. وقارب الثمانين ، [ رحمه الله ] .
ابن الأثير(٨) صاحب ((جامع الأصول)(٩) و((النهاية (١٠) المُبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم
ابن عبد الواحد مجد الدين أبو السَّعادات الشَّيباني الجَزَري الشافعي ، المعروف بابن الأثير .
(١) بعد هذا في ط ((ولذلك علة تغلب على طباع الأراذل)) ، ولا نعتقد أن هذا من كلام ابن كثير ولا رأيه ، فشيخه شيخ
الإسلام ابن تيمية لم يتزوج ، وكذلك غيره من كبار العلماء الأتقياء ، فضلاً عن أن هذه العبارة لم ترد في النسخ
الخطية ، لذا أرى أنها مقحمة .
(٢) ط : توفي .
(٣) في وفاته روايات كثيرة أوردها الذين ترجموا له كابن خلكان وغيره .
(٤) ترجمة - ابن حرّاز - في الكامل لابن الأثير (١٢/ ١٢٠) والتكملة لوفيات النقلة (١٨٩/٢) وذيل الروضتين (٦٩)
والعبر (٢٠/٥) وسير أعلام النبلاء ( (٤٨٦/٢١) وطبقات الإسنوي (٥٤٨/٢) وطبقات السبكي (١٦٥/٥)
وغاية النهاية ( ٢٢/ ٣٧٠) والنجوم الزاهرة (١٩٦/٦) وشذرات الذهب (٤٥/٧).
(٥) ط : وأعاد عنه وسافر .
(٦) أ : أوقاتها .
(٧) ب : وكان .
(٨) ترجمة - ابن الأثير - في معجم الأدباء (١٧/ ٧١) والكامل لابن الأثير (١٢/ ١٢٠) وإِنباه الرواة (٢٥٧/٣)
والتكملة لوفيات النقلة (١٩١/٢) وذيل الروضتين (٦٩) ووفيات الأعيان (١٤١/٤) والمختصر لأبي الفداء
(١١٨/٣) والعبر (١٩/٥) وسير أعلام النبلاء ((٤٨٨/٢١) وطبقات الإسنوي (١٣٠/١) وطبقات السبكي
(١٥٣/٥) والنجوم الزاهرة (١٩٨/٦) وبغية الوعاة (٢٧٤/٢) وشذرات الذهب (٤٢/٧).
(٩) طبع كتاب - جامع الأصول - طبعتين : الأولى في مطبعة أنصار السنة المحمدية بمصر بتحقيق الأستاذ الشيخ محمد
حامد الفقي رحمه الله ، والثانية بتحقيق الأستاذ الشيخ عبد القادر الأرناؤوط فسح الله في أجله . وأشرف الشيخ
عبد القادر أيضاً على طبع تتمة جامع الأصول ، وكنت أحد الذين منَّ الله عليهم بخدمة كتب رجال الحديث النبوي
الشريف فحققت الجزء الرابع منها .
(١٠) طبع كتاب - النهاية في غريب الحديث والأثر - في مصر بتحقيق الأستاذين طاهر الزاوي والدكتور محمود محمد
الطناحي سنة ١٩٦٣ م .

٣٢
وفيات سنة ٦٠٦ هـ
وهو أخو الوزير وزير الأفضل ضياء الدين(١) نصر الله، وأخو الحافظ عز الدين(١) أبي الحسن علي
صاحب (( الكامل في التاريخ)) .
ولد أبو السعادات المبارك (٣) في أحد(٤) الربيعين سنة أربع وأربعين وخمسمئة ، وسمع الحديث
الكثير ، وقرأ القرآن [ الكريم ] وأتقن علومه وأحرز علوماً جمة(٥)، وكان مقامه بالموصل ، وقد جمع في
سائر العلوم كتباً مفيدة، منها جامع الأصول الستة: ((الموطَّأ)) و((الصحيحين)) و (( سنن أبي داود))
و ((النَّسائي)) و((التِّرمذي))، ولم يذكر ((ابن ماجه)) فيها٦)، وله كتاب (( النهاية في غريب الحديث))
وله ((شرح مسند الشافعي)(٧) و((التفسير)) في أربع مجلدات ، وغير ذلك في فنون شتى .
وكان [ رحمه الله] معظّماً عند ملوك الموصل، فلما آل الملك إِلى نور الدين أرسلان(٨) شاه [ بن
مسعود بن مودود بن زنكي ] ، أرسل إليه مملوكه لؤلؤ [ يعرض إِليه ] أن يستوزره فأبى ، فركب السلطان
إِليه [ بنفسه ] فامتنع أيضاً وقال له ] : قد كبرت سني واشتهرت بنشر العلم ، ولا يصلح هذا الأمر إِلا
بشيء من العسف والظلم }٩) ، ولا يليق بي ذلك ، فأعفاه .
قال أبو السعادات : كنت أقرأ علم العربية على سعيد بن الدهان(١٠)، فكار (١١) يأمرني بصنعة الشعر
فكنت لا أقدر عليه ، فلما توفي الشيخ رأيته في بعض الليالي ، فأمرني بذلك ، فقلت له : ضع لي مثالاً
أعمل عليه ، فقال : [ من البسيط ]
حُبَّ العُل(١٢) مُدْمِناً إِن فاتَكَ الظَّفَرُ وخُدَّ خَدَّ الثَّرىُ(١٣) والليلُ معتكرُ
توفي ضياء الدين بن الأثير سنة ٦٣٧ . وفيات الأعيان (٤/ ٢٥).
(١)
توفي عز الدين بن الأثير سنة ٦٣٠، وسترد ترجمته في وفيات هذه السنة من كتابنا هذا.
(٢)
ط : أبو السعادات هذا .
(٣)
في الأصول جميعاً : إِحدى ؛ خطأ .
(٤)
ط : حررها وكان .
(٥)
(٦) ط : فيه .
منه نسخة مخطوطة في دار الكتب المصرية برقم (٣٠٦ حديث ) في أربع مجلدات ، ونسخة أخرى في مجلد واحد
(٧)
رقمها ( ٥٢٢١١٨٤).
سترد ترجمته في وفيات السنة التالية ( ٦٠٧ ).
(٨)
عن ط وحدها .
(٩)
(١٠) سعيد بن المبارك بن عبد الله، ابن الدهان: توفي سنة ٥٦٩. معجم الأدباء (٢١٩/١١).
(١١) ط : وكان .
(١٢) أ : الفلا ؛ وهو تحريف .
(١٣) ب : البرى .

٣٣
وفيات سنة ٦٠٦ هـ
فقلتُ أنا :
فالعزُّ فِي صَهَواتِ اللَّيْلِ مركبُهُ(١) والمجدُ يُنتجهُ الإسْراءُ والسَّهَرُ
فقال [ لي ] : أحسنتَ ، ثم استيقظتُ فأتممت عليها نحواً من عشرين بيتاً . كانت وفاته في سلخ ذي
الحجة [ من هذه السنة ] عن ثنتين وستين سنة، [ رحمه الله ].
وقد ترجمه أخوه في (( الذيل)) فقال : كان عالماً في عدة علوم ، منها الفقه وعلم الأصولين(٢) والنحو
والحديث واللغة ، وله تصانيف (٣) مشهورة في التفسير والحديث(٤) والفقه والحساب وغريب الحديث ،
وله رسائل مدوّنة، وكان كاتباً مغلقا٥ً) يضرب به المثل، ذا دين متين، ولزوم(٦) طريقة مستقيمة (٧) رحمه
الله ، فلقد كان من محاسن الزمان .
قال ابن الأثير(٨) وفيها توفي :
المجد المطرزي (٩) النحوي الخوارزمي وكان إِماماً في النحو له فيه تصانيف حسنة .
قال أبو شامةٌ (١) . وفيها توفي :
الملك المغيث فتح الدين عمر بن الملك العادل، ودفن بتربةٌ (١) أخيه المعظّم بسفح قاسيون(١٢) .
والملك المؤيّد مسعود بن صلاح الدين بمدرسة رأس العين فحُمل إِلى حلب فدفن(١٣) بها .
(١) ط : مركزه .
(٢) ط : وعلم الأصول .
(٣) ط : وتصانيفه .
ط : في الحديث والتفسير .
(٤)
وط : وكان مغلقاً .
(٥)
(٦) ط : ولزم .
(٧) ب : طريق مستقيم .
(٨) الكامل في التاريخ (٣٠٢/٩).
(٩) هو ناصر بن عبد السيد بن علي، أبو الفتح المُطرِّزي، برهان الدين. توفي سنة ٦١٠ ترجمته في: معجم الأدباء
(٢١٢/١٩) وإنباه الرواة (٣٣٩/٣) والتكملة لوفيات النقلة (٢٧٩/٢) ووفيات الأعيان (٣٦٩/٥) وتاريخ
الإسلام (٢٥٣/١٣ - ٢٥٤) وسير أعلام النبلاء (٢٨/٢٢) والمستفاد من ذيل تاريخ بغداد (٤٠٤) وفوات
الوفيات (١٨٢/٤) والجواهر المضية (٥٢٨/٣) وتاج التراجم (٢٧٤) وبغية الوعاة (٣١١/٢).
(١٠) ذيل الروضتين (٦٧).
(١١) ط : في تربة .
(١٢) في ذيل أبي شامة : ودفن بسفح قاسيون بالتربة التي فيها أخو الملك المعظم .
(١٣) أ : ودفن .

٣٤
وفيات سنة ٦٠٦ هـ
وفيها : توفي(١) .
الفخر الرازي(٢) المتكلم صاحب ((التفسير)(٣) والتصانيف محمد٤) بن عمر بن الحسين بن
الحسن بن علي القرشي ( التيمي ) البكري ، أبو المعالي وأبو عبد الله(٥) المعروف بالفخر الرازي ، ويقال
له : ابن خطيب الري ، الفقيه الشافعي (٦)
أحد المشاهير بالتصانيف الكبار والصغار نحو من مئتي مصنف، فمن ذلك (٧) ((التفسير)) الحافل
و(( المطالب العالية))، و((المباحث الشرقية))، و((الأربعين))، ((شرح الإشارات))، وغيرها في علوم
الكلام ومذاهب الأوائل وأقوال الناس ، وله أصول الفقه والمحصول وغيره ، وصنف ترجمة الشافعي في
مجلد مفيد، وفيه غرائب لا يوافق عليها ، وينسب إليه أشياء عجيبة، وقد استقصيت ترجمته في (( طبقات
الشافعية)). وقد كان معظّماً عند ملوك خوارزم(٨) وغيرهم ، وبنيت له مدارس كثيرة في بلدان شتى ، وملك
من الذهب العين ثمانين ألف دينار ، وغير ذلك من الأمتعة والمراكب والأثاث والملابس ، وكان له خمسون
مملوكاً من الترك ، وقد كان يقعد في مجلس الوعظ فيحضر(٩) الملوك والوزراء والعلماء والأمراء والفقراء
والعامة [ والغوغاء ]، وكانت له عبادات(١٠) وأوراد ، وقد وقع بينه وبين الكرّامية في أوقات ، وكان
يبغضهم ويبغضونه ويبالغ في ذمّهم ويبالغون في الحطّ عليه (١١). وقد ذكرنا طرفاً من ذلك فيما تقدم ، وكان
مع غزارة علمه [ وتبحّره ] في فن الكلام يقول: من لزم١٢ُ) مذهب العجائز كان هو الفائز .
(١) عن ط وحدها .
(٢) ترجمة - الفخر الرازي - في تاريخ ابن الأثير (١٢ / ١٢٠) وأخبار العلماء بأخبار الحكماء للقفطي (١٩٠ - ١٩٢)
والتكملة لوفيات النقلة (١٨٦/٢ - ١٨٧) وذيل الروضتين (٦٨) وعيون الأنباء في طبقات الأطباء (٣/ ٤٥٠٣٤)
وتاريخ ابن العبري (٤١٨) ووفيات الأعيان (٢٤٨/٤ - ٢٥٢) والمختصر لأبي الفداء (١١٨/٣) وسير أعلام
النبلاء (٢١ / ٥٠٠) والعبر (١٨/٥) والوافي بالوفيات (٢٤٨/٤ - ٢٥٩) وطبقات السبكي (٣٣/٥ - ٤٠)
ولسان الميزان (٤٢٦/٤) والنجوم الزاهرة (١٩٧/٦ - ١٩٨) وشذرات الذهب (٧/ ٤٠) وله ترجمة رائقة في
تاريخ الإسلام (١٣٧/١٣ - ١٤٥).
(٣) ط : التسير .
ط : يعرف بابن خطيب الري واسمه محمد .
(٤)
(٥) أ : أبو عبد الله وأبو المعالي.
(٦) ط : أحد الفقهاء الشافعية .
(٧) ط : منها .
(٨) فى بعض النسخ: (( خوارزمية)) ولا يصح.
(٩) ط : وكان يحضر مجلس وعظه.
(١٠) ط : عبادات.
(١١) في بعض النسخ : عبارات .
(١٢) أ، ب : من ألزم بمذهب.

٣٥
وفيات سنة ٦٠٦ هـ
وقد ذكرت ( وصيته ) عند موته وأنه رجع عن مذهب الكلام فيها إلى طريقة السلف وتسليم ما ورد
على وجه المراد اللائق بجلال الله سبحانه(١)
وقال الشيخ شهاب الدين أبو شامة في ((الذيل)(٢) في ترجمته: وكان(٣) يعظ وينال من الكرّامية٤ُ)
وينالون منه سبّاً وتكفيراً ( بالكبائر ) ، وقيل إِنهم وضعوا عليه مَن سقاه السمُ(٥) فمات ففرحوا بموته ،
(٦)
و کانوا یرمونہ بالكبائر
قال(٧): وكانت وفاته في ذي الحجة ، ولا كلام في فضله ، [ وإِنما الشناعات عليه قائمة بأشياء:
منها أنه كان يقول ]^): قال محمد التازي(٩)، يعني العربي يريد به النبي(١٠) وَلّ، وقال محمد
الرازي يعني نفسه .
ومنها : أنه كان يقرر الشبهة من جهة الخصوم بعبارات كثيرة ويجيب عن ذلك(١) بأدنى إِشارة وغير
قال: وبلغني أنه خلَّف من الذهب العين ثمانين (١٢) ألف دينار غير(١٣) ما كان يملكه من الدواب
ذلك .
(١) ساقها الذهبي بتمامها في تاريخ الإسلام (١٤٣/١٣ - ١٤٥)، ونقلها منه التاج السبكي في الطبقات ( بشار).
(٢) ذيل الروضتين ( ٦٨).
ط : كان ، وما هنا عن ذيل الروضتين .
(٣)
ب : من الكرامات لون منه .
(٤)
أ ، ط : سمّاً .
(٥)
ط : يرمونه بالمعاصي مع المماليك وغيرهم .
(٦)
ب : وقال .
(٧)
(٨) مكانهما في ط : ولا فيما يتعاطاه ، وقد كان يصحب السلطان ويحب الدنيا ويتسع فيها اتساعاً زائداً ، وليس ذلك من
صفة العلماء ، ولهذا وأمثاله كثرت الشناعات عليه وقامت عليه شناعات عظيمة بسبب كلمات كان يقولها مثل قوله .
وكل هذا لا وجود له في ذيل الروضتين .
(٩) ب : الباري، ط: البادي . وفي حاشية ذيل الروضتين التعليقة التالية على لفظه ؛ - التازي - : بالزاي، كان العجم
يطلقونه على العرب، وهو يفيد معنى العربي عندهم ، فقول ابن كثير : البادي من البادية . تحريف ، على أن التازي
هو الذي يوازن الرازي . ز . قلت : والمقصود بحرف الزاي الشيخ محمد زاهد الكوثري رحمه الله . وأما التحريف
الذي أشار إليه فهو ليس من ابن كثير وإِنما من النساخ . ولا يفوتنا أن الكتاب - أقصد البداية والنهاية - غير محققة ولا
مقابلة على نسخ جيدة . ففي نسخة برلين التي تعرض طبعتنا عليها : - التازي - وهو موافق لما في ذيل الروضتين .
(١٠) بعدها في ط : نسبة إِلى البادية .
(١١) تختلف العبارة في ذيل الروضتين عما هنا، فلتراجع.
(١٢) في الأصول : مئتي ، وما هنا عن ذيل الروضتين ويؤيد هذه الرواية ما سيرد بعد أسطر من أن ولديه أخذ كل واحد
أربعين ألف دينار .
(١٣) في الذيل : خارصاً عما كان يملكه .

٣٦
وفيات سنة ٦٠٦ هـ
والثياب والعقار والآلات ، وخلّف ولدين أخذ كل واحد منهما أربعين ألف دينار ، وكان ابنه الأكبر قد
تجند وخدم السلطان محمد بن تكش(١) .
وقال ابن الأثير في (( الكامل)×٢): وفيها : توفي فخر الدين أبو الفضل (٣) محمد بن عمر بن خطيب
الري الفقيه الشافعي صاحب التصانيف المشهورة في الفقه والأصول [ وغيرها ] ، وكان إِمام الدنيا في
عصره ، بلغني أن مولده سنة ثلاث وأربعين وخمسمئة .
ومن شعره قوله : [ من الطويل ]
وَأَنْتَ الذي أَدْعُوكَ(٤) في السرِّ والجهرِ
إِلَيْكَ إِلَهَ الخَلْقِ وَجْهِي وَوُجْهَتِي
وَأَنْتَ مَعادي(٥) في حَيَاتِ وَفِي قَبْرِي
وأنتَ غِيائي عِنْدَ كُلِّ مُلِمَّةٍ
روى ذلك ابن الساعي(٦) عن ياقوت الحموي عن ابنٍ لفخر الدين عنه، وبه قال : أنشدنا [ من
الطويل ]
بِذِكْرٍ جَلالِ الواحدِ الأَحدِ الحَقِّ
تَتِمَّةُ أَبْوابِ السَّعَادَةِ لِلخَلْقِ
وَمُبْدِعِها بالعَدْلِ والقَصْدِ والصِّدْقِ
مُدَبِّرٍ كُلِّ الْمُمْكِنَاتِ بِأَسْرِهَا
وأَنْصَرَ هذا الدينَ فيِ الغَرْبِ والشَّرْقِ
أجلَّ جَلالُ اللهِ عن شِبْهِ خَلْقِهِ
هُوَ المُرْشِدُ المُغْوِي هوَ الْمُسْعِدُ المُشْقِي
إِلَهٌ عَظِيمُ الفَضْلِ والعَدْلِ والعُلاَ
ومما كان ينشده في بعض مصنفاته قوله(٧) : [ من الطويل ]
وأكثر سعي العالمين ضلالُ
نهاية إِقدام العقول عقال
وحاصِل دُنيانا أذىّ ووبالُ
وأرواحُنا في وَحْشةٍ من جُسومِنا
سوى أَنْ جمعنا فيهِ قيلَ وقالوا
ولم نَسْتَفِدْ من بَحْثنا طولَ عُمْرِنا
ثم يقول(٨): لقد اختبرت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فلم أجدها تروي غليلاً ولا تشفي
عليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، اقرأ في الإثبات ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى﴾ [ طه: ٥]
(١) أورده أبو شامة في وفيات سنة ٦٢٢ .
(٢) الكامل في التاريخ (٣٠٢/٩).
(٣) مكان الكنية في ط : الرازي.
(٤) ط : أدعوه .
(٥) ط : ملاذي .
(٦) ط : ذكره ابن الساعي.
(٧) الأبيات خمسة في وفيات الأعيان (٤/ ٢٥٠) وهي كما هنا في شذرات الذهب (٧/ ٤٢).
(٨) هذه قطعة من وصيته (بشار).

٣٧
أحداث سنة ٦٠٧ هـ
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاضرِ ١٠] وفي النفي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ
سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥].
ثم دخلت سنة سبع وستمئة
ذكر الشيخ [ شهاب الدين(١) في الذيل}٢) أن في هذه السنة تمالأت ملوك الجزيرة : صاحب
الموصل وصاحب سنجار وصاحب إِربل و[ معهم ابن أخيه ] الظاهر صاحب حلب وملك الروم أيضاً ،
على مخالفة العادل ومنابذته ومقاتلته واصطلام الملك من يده ، وأن تكون الخطبة [ في بلادهم بذلك ]
للملك كيخسرو بن قلج أرسلان صاحب الروم ، وأرسلوا إِلى الكرج ليقدموا لحصار خلاط ، [ وأخذها
من يد (٣) الملك الأوحد [ نجم الدين أيوب ] بن العادل ، ووعدهم النصر والمعاونة عليه.
قلت : وهذا بغي وعدوان ينهى الله عنه، فأقبلت الكرج في ملكهم٤) إِيواني فحاصروا خَلاط فضاق
بهم الأوحد ذرعاً وقال : هذا يوم عصيب ، فقدر الله تعالى أن في يوم الإثنين تاسع عشر ربيع الآخر اشتد
حصارهم للبلد وأقبل ملكهم إِيواني(٥) وهو راكب على جواده وهو سكران فسقط به جواده في بعض الحفر
التي قد أعدت مكيدة حول البلد ، فبادر إِليه رجال البلد فأخذوه أسيراً حقيراً ، فأسقط في أيدي الكرج ،
فلما أوقف بين يدي الأوحد أطلقه ومنَّ عليه [ وأكرمه ] وأحسن إِليه ، وفاداه على مئتي ألف دينار وألفي
أسير من المسلمين ، وتسليم إِحدى وعشرين قلعة متاخمة لبلاد الأوحد ، وأن يزوج ابنته من أخيه الأشرف
موسى ، وأن يكون عوناً له على من يحاربه (٦)، فأجابه إِلى ذلك كله وأُخذت الأيمانُ(٧) منه بذلك وبعث
الأوحد إِلى أبيه(٨) يستأذنه في ذلك كله والعادل(٩) نازل بظاهر حرّان في أشد حيرة (١) مما قد داهمه من
هذا الأمر الفظيع ، فبينما هو كذلك إِذ أتاه هذا الخبر والأمر الهائل [ والتدبير ] من الله العزيز الحكيم ،
في ط : أبو شامة .
(١)
(٢)
ذيل الروضتين ( ٧٥ ) .
ما بين الحاصرتين في ط : وفيها .
(٣)
(٤)
ط : بملكهم .
في ذيل الروضتين إيوائي . كذا في التاريخ المنصوري ( ٢١٩ و٢٢٠).
(٥)
(٦) أ، ب : حاربه .
(٧) ط : فأخذت منه الأيمان .
(٨) أ، ب: ابنه. وهو تحريف .
(٩) ط : وأبوه .
(١٠) ط : أشدّ حده .

٣٨
أحداث سنة ٦٠٧ هـ
ولم يكن في باله ولا في حسابه ، فكاد يذهل فرحاً وسروراً(١) وأجاز جميع ما فعله ولده ، وطارت الأخبار
بما وقع(٢) بين الملوك فخضعوا وذلوا عند ذلك ، وأرسل كل منهم يعتذر مما نسب إليه ويحيل على غيره ،
فقبل منهم اعتذاراتهم وصالحهم صلحاً أكيداً واستقبل الملك عصرا٣ً) جديداً [ولله الحمد ] ، وفي ملك
الكرج للأوحد بجميع ما شرطه(٤) عليه ، وتزوج الأشرف بابنته(٥) .
ومن غريب ما ذكره أبو شامة (٦) في هذه الكائنة أن قسيس الملك [ حَزّاءً ]٧) كان ينظر في النجوم فقال
للملك قبل ذلك بيوم : اعلم أنك تدخل غداً إِلى قلعة خلاط ولكن بزي غير زيّك(٨) أذانَ العصر ، فوافق
دخوله إِليها أسيراً [وقت ] أذان العصر.
ذكر(٩) وفاة صاحب الموصل نور الدين (١٠)
وأرسل الملك نور الدين [ أرسلان ] شاه بن عز الدينُ(١) مسعود بن قطب الدين مودود بن زنكي
صاحب الموصل يخطب ابنة السلطال١٢) الملك العادل ، وأرسل وكيله لقبول العقد على ثلاثين ألف
دينار ، فاتفق موت نور الدين ووكيله في أثناء الطريق ، فعقد العقد بعد وفاته رحمه الله .
وقد أثنى عليه ابن الأثير (١٣) في كامله كثيراً وشكر منه ومن عدله وشهامته [وتحرّيه ] وهو
(١) ط : الحكيم لا من حولهم ولا من قوتهم ولا كان في بالهم ، فكاد يذهل من شدة الفرح والسرور ثم أجاز جميع ما
شرطه ولده .
(٢) ب : بما وقوا .
(٣) أ، ب : غضبا.
(٤) ب : شارطه .
ط : ووفي ملك الكرج الأوحد بجميع ما شرطه عليه وتزوج الأشرف ابنته .
(٥)
ذيل الروضتين ( ٦٧ ) بخلاف في الرواية .
(٦)
حَزّاء : من حزا وحزى أي تكهّن وزجر . القاموس ( حزا وحزى ) .
(٧)
ط : غير ذلك .
(٨)
(٩) عن ط وحدها .
(١٠) ترجمة أرسلان شاه في تاريخ ابن الأثير (٣٠٣/٩ - ٣٠٤) ومرآة الزمان (٨/ ٥٤٦) والتكملة لوفيات النقلة
(٢١٠/٢) وذيل الروضتين (٧٠) وتاريخ ابن العبري (٢٢٩) ووفيات الأعيان (١٩٣/١) والمختصر لأبى الفداء
(١١١/٣) وسير أعلام النبلاء (٤٩٦/٢١) والعبر (١/٥ -٢) والنجوم الزاهرة (٢٠٠/٦) وشذرات الذهب
( ٤٦/٧ ) .
(١١) ط : أرسل الملك نور الدين شاه بن عز الدين.
(١٢) ط : ووكيله سائر .
(١٣) الكامل في التاريخ (٩/ ٣٠٣).

٣٩
أحداث سنة ٦٠٧ هـ
أعلم به من غيره ، وذكر أن مدة ملكه سبع عشرة سنة وأحد(١) عشر شهراً.
وأما أبو المظفر السبط فإِنه قال(٢): كان جباراً ظالماً بخيلاً سفاكاً للدماء فالله أعلم به (٣). وقام في
الملك(٤) [ من بعده ] ولده القاهر عز الدين(٥) مسعود٦) ، وجعل تدبير مملكته إِلى غلامه بدر الدين لؤلؤ
الذي صار الملك إليه فيما بعد ، [ كما سيأتي ] .
قال أبو شامة (٧): وفي سابع شَوّال شرع في عمارة المُصَلَّى، [ بظاهر دمشق المجاور لمسجد
النارنج(٨) برسم صلاة العيدين، وهدم حائطه القبلي ومنبره ليجدد (٩) وبُي له أربع جدر بشرفة ١٠) ،
وجُعل له أبواب صوناً لمكانه من الميتات (١١) ونزول القوافل ، وجُعل في قبلته محراب من حجارة ومنبر
من حجارة١٢) وعُقدت فوق ذلك قبة .
ثم في سنة ثلاث عشرة عُمل في قبلته رواقان ، وعُمل له منبرٌ من خشب ورُتُّب له خطيب راتب وإِمام
راتب (١٣) ، ومات العادل ولم يتم الرواق الثاني منه، وذلك كله على يدي الوزير صفي الدينُ(١٤) ابن
شكر .
قال : وفي ثاني شوال من هذه السنة(١٥) جُدِّدت أبوابُ الجامع الأموي من ناحية باب البريد بالنحاس
الأصفر ، ورُكبت في أماكنها .
وفي شوّال أيضاً شُرع في إِصلاح الفوَّارة والشاذروان والبركة ، وعمل عندها مسجد ، وجُعل له إِمامٌ
(١) ط : وإحدى عشر ؛ خطأ.
(٢) مرآة الزمان ( ٨/ ٥٤٦) .
عن ط وحدها .
(٣)
ط : بالملك .
(٤)
سترد ترجمة عز الدين في وفيات ٦١٥ .
(٥)
بعدها في أ ، ب : لأخيه عماد الدين زنكي وكان للأصغر بعض البلاد .
(٦)
(٧)
ذيل الروضتين (٧٦ ) بخلاف في الرواية .
(٨) مسجد الحجر ويعرف بمسجد النارنج قبلي المصلى من شرقيه وفي حاشية ثمار المقاصد : مسجد النارنج بباب
الصغير . الأعلاق الخطيرة (١٥٥)، ثمار المقاصد (١٢٨) الدارس في تاريخ المدارس (٣٦١/٢).
(٩) ما بين الحاصرتين مستدرك من ذيل الروضتين.
(١٠) ط : مشرفة.
(١١) ط : الميار .
(١٢) ط : محراباً من حجارة ومنبراً من حجارة .
(١٣) ط : له خطيب وإِمام راتبان .
(١٤) ط : وذلك كله على يد الوزير صفي ابن شكر.
(١٥) ط : منها .

٤٠
أحداث سنة ٦٠٧ هـ
راتبٌ ، وأوّل من تولّاه رجل يقال له النَّفيس المصري ، وكان يقال له بوق الجامع لطيب صوته إِذا قرأ على
الشيخ أبي منصور الضرير المصدر فيجتمع عليه الناس الكثيرون (١) .
وفي ذي الحجة من هذه السنة توجهت مراكب من عكا إِلى البحر إِلى ثغر دمياط .
وفيها : ملك قبرص المسمى إِليان - لعنه الله (٢) فدخل الثغر ليلاً وأغار(٣) على بعض البلاد فقتل
وسبى [وغنم ] وكرَّ راجعاً فركب مراكبه فلم يدركه الطلب ، وقد تقدمت له بمثلها٤) قبل هذه ، وهذا
شيء لم يتفق لغيره .
وفي هذه السنة(٥) عائت الفرنج بنواحي القدس [ الشريف ] فبرز إليهم الملك المعظم [ في
عساكره ] ، وجلس الشيخ شمس الدين أبو المظفر ابن قُزُغلي(٦) الحنفي وهو سبط [ الشيخ أبي الفرج ]
ابن الجوزي ابن ابنته رابعة ، وهو صاحب ((مرآة الزمان))، وكان فاضلاً في فنون(٧) كثيرة ، حسن الشكل
طيب الصوت ، وكان يتكلّم في الوعظ جيداً ، وتحبه العامة على صيت جده ، وقد رحل من بغداد فنزل
دمشق وأكرمه ملوكها ، وولي التدريس بها ، وكان يجلس كل يوم سبت عند باب مشهد علي [ بن
الحسين ]٨) زين العابدين إِلى السارية التي يجلس عندها الوعاظ في زماننا هذا ، فكان يكثر الجمع عنده
[ جداً]، حتى يكونوا من باب الناطفانيين (٩) إِلى باب المشهد إِلى باب الساعات(١٠) غير(١١) الوقوف،
فيحزر(١٢) جمعه في بعض الأيام بثلاثين ألفاً من الرجال والنساء ، وكان الناس يبيتون ليلة السبت بالجامع
في الصيف ويتركون البساتين والفرج ، يبيتون في قراءة ختمات وأذكار لتحصيل (١٣) الأماكن [ بميعاده ]
(١) أ، ب : الكثير .
(٢) جاءت الجملة الدعائية في ط في آخر الجملة.
(٣) ط : فأغار .
(٤) ط : ولم يدركه الطلب وقد تقدمت له مثلها .
ط : وفيها .
(٥)
سترد ترجمة سبط ابن الجوزي في وفيات ٦٥٤ .
(٦)
(٧)
ط : علوم .
(٨)
عن ط وحدها .
(٩) باب الناطفانيين أو الناطفيين ، ويعرف أيضاً بباب الفراديس وباب العمارة، وهو باب شمالي الجامع الأموي.
للأستاذ مطيع الحافظ ( ٢٣).
(١٠) باب الساعات : كان باب الزيادة القبلي هو الذي يعرف بباب الساعات إِلى جانبه ويطلق عليه أيضاً اسم باب جيرون
وباب اللبادين . الجامع الأموي ( ٢٢) .
(١١) ط : الجلوس غير الوقوف.
(١٢) ط : فحزر جمعه .
(١٣) ط : ليحصل لهم أماكن .