Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
فصل في وفاة الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي
وكان الجامع دائراً فولّى نظره القاضي كمال الدين محمد بن عبد الله الشهرزوري الموصلي(١) الذي
قدم به فولاه قضاء القضاة بدمشق ، فأصلح أموره ، وفتح المشاهد الأربعة ، وقد كانت حواصل الجامع
بها من حين احترقت في سنة إحدى وستين وأربعمئة ، وأضاف إِلى أوقاف [ الجامع المعلومة
الأوقاف]٢) التي لا يعرف واقفوها، ولا يعرف شروطهم فيها، وجعلها قلماً واحداً، وسمّاه(٣): مال
المصالح ، ورتب عليه لذوي الحاجات والفقراء والمساكين والأرامل والأيتام وما أشبه ذلك وشاكله .
وقد كان الملك نور الدين رحمه الله حسن الخطّ ، كثير المطالعة للكتب الدينية ، متَّبعاً للآثار النبويّة ،
محافظاً على الصلوات في الجماعات(٤) ، كثير التلاوة ، محباً لفعل الخيرات ، عفيف البطن والفرج ،
مقتصداً في الإنفاق على نفسه وأهله وعياله في المطعم والملبس ، حتى قيل : إِنه كان أدنى الفقراء في
زمانه أعلى نفقة منه ، من غير اكتناز ولا استئثار بالدنيا ، ولم تسمع منه كلمة فحش قط ، في غضب ولا
رضا ، صموتاً وقوراً .
قال ابن الأثير(٥): لم يكن [ في ملوك الإسلام ]٦) بعد عمر بن عبد العزيز مثل ملك نور الدين ولا
أكثر تحرّياً للعدل والإنصاف منه .
كان قد استفتى العلماء في مقدار ما يحلّ له من بيت المال فكان يتناوله ولا يزيد عليه شيئاً ، ولو مات
جوعاً .
وكانت (٧) له دكاكين بحمص قد اشتراها مما يخصّه من المغانم ، فكان يقتات منها ، فزاد كراها
لامرأته على نفقتها حين استقلّتها عليها .
وكان يكثر اللعب بالكرة ، فعاتبه بعض(٨) الصالحين في ذلك فقال: إنما الأعمال بالنيات ، وإِنما
أريد بذلك تمرين الخيل وتعليمها٩) على الكرّ والفر ، ونحن لا نترك الجهاد .
وكان لا يلبس الحرير ، ويأكل من كسب يده بسيفه ورمحه ، رحمه الله .
(١) سترد ترجمته في وفيات سنة ٥٧٢ من هذا الكتاب .
(٢) ليس في ب .
(٣)
في ب ، ط : وسمي .
في ب : الصلوات والجماعات .
(٤)
الخبر في الكامل لابن الأثير (١٢٥/٩) بخلاف في الرواية .
(٥)
(٦)
عن أ وحدها .
في ط : وزاد امرأته من كراها على نفقتها عليها ، الخبر بصيغة أخرى في الكامل لابن الأثير (٩/ ١٢٥).
(٧)
(٨) في ط : رجل من كبار الصالحين .
(٩) العبارة في ط : تمرين الخيل على الكر والفر وتعليمها ذلك.

٢٤٢
فصل في وفاة الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي
وركب يوماً مع بعض أصحابه ، والشمس في ظهورهما وظلهما ١) بين أيديهما لا يدركانه ، ثم رجعا
فصار الظلّ وراءهما، فساق (٢) الملك نور الدين [ فرسه سوقاً عنيفاً ]٣)، وجعل يلتفت وراءه وظلُّه
يتبعه ، ثم قال(٤) لصاحبه : أتدري ما شبَّهت هذا الذي نحن فيه ؟ قد شبهت ما نحن فيه بالدنیا تهرب ممن
يطلبها ، وتطلب من يهرب منها ، وقد أنشد بعضهم في هذا المعنى: [ من الرمل ]°)
مَثَلُ الرّزْقِ الّذِي تَطْلبُهُ مَثَلُ الظُّلِّ الَّذِي يَمْشِي مَعَكْ
فَإِذَا وَلَّيْتَ عَنْهُ تَبِعَكْ
أَنْتَ لَا تُذْرِكُهُ مُتَّبِعا٦ً)
وكان فقيهاً على مذهب أبي حنيفة ، وسمع الحديث وأسمعه ، وكان يكثر(٧) الصلاة بالليل من وقت
السحر إِلى أن يركب ، [ فكان كما قيل ٨): [من الكامل !٩)
جَمَعَ الشَّجَاعَةَ والخُشُوعَ لِرَبِّه١٠ٍ) ما أَحْسَنَ الشُّجْعَانُ(١) في المِحْرَابِ
وكذلك كانت زوجته عصمة الدين (١٢) خاتون بنت الأتابك معين الدين أُنر تكثر القيام الليل ، فنامت
ذات ليلة عن وردها ، فأصبحت وهي غضبى ، فسألها نور الدين عن أمرها ، فذكرت ما حصل لها من
النوم الذي قطعها عن وردها١٣) ، فأمر نور الدين بضرب طبلخانة في القلعة وقت السحر ليوقظها وأمثالها
من النوم(١٤) لقيام الليل، وأعطى الضارب على الطبلخانة أجراً جزيلاً وجراية كثيرة: [ من البسيط (١٥)
فَأَلْبَسَ اللهُ هاتيكَ العِظامَ وَإِنْ بَلَيْنَ تَحْتَ الثَّرِى عَفْواً وغُفْرانا
مَثْوَى قُبُورِهِمُ رُوحاً وَرَيْحانا
سَقَى ثَرِىّ أَوْدَعُوهُ رَحْمَةً مَلَأَتْ
(١) في ط : والظل .
في ط : ثم ساق نور الدين .
(٢)
(٣) عن ط وحدها .
في ط : فقال .
(٤ )
البيتان في الروضتين (٦/١).
(٥)
في ط : مستعجلاً .
(٦)
(٧)
في ط : كثير .
عن مختصر أبي الفداء ( ٥٥/٣ ) .
(٨)
(٩) البيت في الروضتين (٦/١) ومختصر أبي الفداء وكامل ابن الأثير (١٢٥/٩).
(١٠) في ط : لديه ، وهي من تصحيفات ط .
(١١) كذا في ط : الشجعان ، وفي الأصل: المحراب والبيت في مختصر أبي الفداء وكامل ابن الأثير .
(١٢) سترد ترجمتها في وفيات سنة ٥٨١ من هذا الجزء.
(١٣) عبارة ط : فذكرت نومها الذي فوت عليها وردها.
(١٤) في ط : لتوقظ النائم ذلك الوقت .
(١٥) البيتان في الروضتين (١/ ٤).

٢٤٣
فصل في وفاة الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي
وذكر ابن الأثير(١) أن الملك نور الدين بينما هو يوماً يلعب بالكرة ، إِذ رأى رجلاً يحدّث آخر ،
ويومىء إِليه ، فبعث الحاجب ليسأله ما شأنه ، فإِذا هو رجل معه رسول من جهة الحاكم ، وهو يزعم أن له
على الملك حقاً يريد أن يحاكمه عند القاضي ، فلما أعلمه الحاجب بذلك ألقى الجوكان(٢) من يده ،
وأقبل مع خصمه إلى القاضي(٣) كمال الدين الشهرزوري، وقد أرسل إليه من أثناء الطريق ألَّ تعاملني إِلا
معاملة الخصوم ، فحين وصلا وقف نور الدين مع خصمه بين يدي القاضي حتى انفصلت الحكومة ، ولم
يثبت للرجل على نور الدين حق ، بل ثبت الحق للسلطان على الرجل ، فلما تبين ذلك قال السلطان : إِنما
جئت معه لئلا يتخلف أحد عن الحضور إِلى الشرع إِذا دعي إِليه ، فإِنما نحن شحنكية بين يديه ، وأنا أعلم
أنه لا حق له عندي ، ومع هذا أشهدكم أني قد ملَّكته ذلك ، ووهبته له .
وأرسل(٤) القاضي تاج الدين رسولاً من جهته يقال له : سويد ليحضر الملك نور الدین إِلى مجلس
الحكم لسماع دعوى من رجل عليه ، فبلّغ سويد الرسالة إِلى الحاجب ، فدخل عليه ، وهو يضحك
ويقول : ليقم المولى إِلى القاضي لسماع دعوى ، وكأنه يهزأ [ بذلك ، فقال له الملك: وما بك تهزأ }(٥)
بذلك؟ ثم قال: ائتوني بفرسي، فنهض وهو يقول: ﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوَاْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُرَ بَنَهُ
أَنْ يَقُولُواْسَمِعْنَا وَأَطَعْنًا﴾ [ النور: ٥١]، وذهب إِلى الحاكم، وكان يوماً مطيراً كثير الوحل ، رحمه الله تعالى.
قال ابن الأثير(٦): وهو أول من ابتنى داراً للعدل(٧)، فكان يجلس فيها في الأسبوع يومين(٨)،
وقيل : أربعة ، وقيل : خمسة ، ويحضر القاضي والفقهاء من سائر المذاهب ، ولا يحجبه يومئذ حاجب
ولا غيره(٩) ، بل يصل إِليه القوي والضعيف ، فكان١٠) يكلم الناس ويستفهمهم ويخاطبهم بنفسه ،
فيكشف المظالم ، وينصف المظلوم من الظالم .
(١) الخبر برواية أخرى في ابن الأثير (١٢٥/٩) والروضتين (٧/١) وثمة خلافات كثيرة بين النسخ أعرضت عن ذكرها
لكثرتها .
(٢)
الجوكان : مضرب الكرة .
(٣)
من قوله : فلما أعلمه .. إلى هنا ساقط من ب.
(٤)
ليس الخبر في ب ولا في ط .
(٥)
(٦) ابن الأثير (١٢٥/٩) والروضتين (٨/١).
(٧)
في ب : دار العدل .
(٨) في ب ، ط : مرتين ، وبعدها في ط : وقيل : أربع مرات وقيل : خمس .
(٩) ليست في أ .
(١٠) عن ط وحدها .
في الأصل: يتهزى .. تتهزى ، والخبر في الروضتين (٧/١، ١٥).

٢٤٤
فصل في وفاة الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي
قال(١) : وكان سبب ذلك أن أسد الدين شير کوه بن شاذي کان قد عظم شأنه عند نور الدین حتى صار
كأنه شريكه (٢) في المملكة، واقتنى الأملاك (٣) والأموال والمزارع والقرى . وكان ربما ظلم نوابُه جيرانَهم
في الأراضي(٤) ، وكان القاضي كمال الدين ينصف كل من استعداه(٥) على جميع الأمراء إِلا أسد الدين
هذا ، فما كان يهجم عليه ، فلما ابتنى نور الدين دار العدل تقدم أسد الدين إلى نوابه ألا يَدَعُوا لأحد عنده
ظلامة ، وإِن كانت عظيمة (٦) ، فإِن زوال ماله عنده أحب إليه من أن يراه نور الدين بعين ظالم أو يوقفه مع
خصم(٧) من العامة ، ففعلوا ذلك ، فلما جلس نور الدين بدار العدل مدة متطاولة ، ولم ير أحداً
يستعدي(٨) على أسد الدين ، فسأل القاضي عن ذلك ، فأعلمه بصورة الحال ، فسجد نور الدين عند ذلك
شكراً لله ، وقال : الحمد لله الذي أصحابنا٩) ينصفون من أنفسهم .
وأما شجاعته فكان يقال : إِنه لم ير على ظهر الفرس أحسن ولا أثبت منه . وكان يحسن اللعب
بالكرة ، وربما ضربها ثم يسوق وراءها ويأخذها من الهواء بيده ، ثم يرميها إِلى آخر الميدان ، ولم يُرَ
جوكانه يعلو على رأسه ، ولا يرى الجوكان في يده ، لأنّ الكم ساتر لها ، ولكنه استهانة بلعب الكرة .
وكان شجاعاً ، صبوراً في الحرب ، يضرب به المثل في ذلك .
وكان يقول : قد تعرّضت للشهادة غير مرة، فلم يتّفق لي ذلك(١٠) ، فقال له يوماً الفقيه قطب الدين
النيسابوري(١١) : بالله يا مولانا السلطان لا تخاطر بنفسك، فإِنك لو قُتلت قتل جميع من معك وأُخذت
البلاد١٢) ، فقال : اسكت يا قطب الدين ، فإِن قولك إِساءة أدب مع الله ومن هو محمود ؟ من كان يحفظ
(١٣) . رحمه الله .
الدين قبلي غير الله الذي لا إله إلا هو ؟ قال : فبكى من حضر
(١) ليست في ط .
(٢) أ، ب : شريك .
بعدها في أ : والأولاد .
(٣)
(٤)
بعدها في ط : والأملاك العدل .
(٥)
في أ : استدعاه .
أ ، ب : وإِن كان عظيماً .
(٦)
(٧) ب : خصمه .
(٨) أ : يستدعي على نور الدين.
(٩) ليست في ب .
(١٠) بعدها في ط: ولو كان فيّ خير ولي عند الله قيمة لرزقنيها والأعمال بالنية. والخبر في الروضتين (٨/١).
(١١) هو مسعود بن محمد وسترد ترجمته في وفيات سنة ٥٧٨ من هذا الجزء .
(١٢) بعدها في ط : وفسد حال المسلمين .
(١٣) ط : من كان حاضراً .

٢٤٥
فصل في وفاة الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي
وقد أسر بنفسه في بعض الغزوات بعض ملوك الفرنج ، فاستشار الأمراء فيه : هل يقتله أو يأخذ منه ما
يبذل له من المال في الفداء ، وكان قد بذل له في فداء نفسه مالاً كثيراً ، فاختلفوا عليه ، ثم حسن في رأيه
إِطلاقه وأخذ الفداء [ منه، فبعث إلى بلده من خلاصته مَنْ يأتيه بما افتدى به نفسه ، فجاء به سريعاً ،
فأطلقه نور الدین، فحین وصل إِلى بلاده مات ذلك الملك ببلده (١) ، فأعجب ذلك نور الدين وأصحابه.
وابتنى(٢) نور الدين من ذلك المال البيمارستان الذي(٣) بدمشق، [ وهو أحسن ما بني من
البيمار ستانات (٤) ، ومن شرطه أنه [وقف °) على الفقراء والمساكين ، وإِذا لم يوجد بعض الأدوية
التي يعزّ وجودها إِلا فيه [ فلا يمنع منه الأغنياء، ومن جاء إِليه مستوصفاً (٦) فلا يمنع من شرابه ، ولهذا
جاء إِليه نور الدين وشرب من شرابه . رحمه الله .
قلت : ويقول بعض الناس : إِنه لم تخمد منه النار منذ بُي إِلى زماننا هذا ، فالله أعلم .
وقد بنى الخانات الكثيرة في الطرقات(٧) والأبراج ، ورتّب الخفراء في الأماكن المخوفة ، وجعل فيها
الحمام الهوادي التي تطلعه(٨) على الأخبار في أسرع مدة .
وبنى الربط الخانقاهات .
وكان يجمع الفقهاء عنده والمشايخ والصوفية للزيارة٩) ، ويكرمهم ويعظّمهم، وكان يحب الصالحين.
وقد نال بعض الأمراء مرة عنده من بعض العلماء، وهو قطب الدين النيسابوريٌ(١٠) ، فقال له نور الدين:
ويحك إِن كان ما تقول حقاً فله من الحسنات(١١) الكثيرة ما ليس عندك مما يكفِّر عنه سيئات ما ذكرت إِن
كنت صادقاً ، على أني والله لا أصدقك، وإِن عدت ذكرته أو أحداً غيره عندي بسوءٍ لأؤدبنَّك(١٢)، قال :
فکفّ عنه ، ولم يذكره بعد ذلك .
في أوب : فحين جهز بعث الفداء مات ببلده .
(١)
(٢) في ط : وبنى .
(٣) بعده في أ : بني .
ط : وليس له في البلاد نظير .
(٤)
عن الروضتين ( ٩/١).
(٥)
(٦) عن ط وحدها .
(٧) أ : الطرق .
(٨) أ : يطالع ، وب : تطالع .
ليست في ط .
(٩)
(١٠) سترد ترجمته في وفيات سنة ٥٧٨ من هذا الجزء.
(١١) ب : الحسنات الكبيرة .
(١٢) ط : لأؤذينّك.

٢٤٦
فصل في وفاة الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي
وابتنى بدمشق داراً لسماع الحديث وإِسماعه .
قال ابن الأثير : وهو أول من بنى دار حديث(١).
وقد كان مهيباً وقوراً ، شديد الهيبة في قلوب الأمراء(٢) ، لا یتجاسر أحد أن يجلس بین یدیه إِلا
بإِذنه (٣) ، ولم يكن أحد من الأمراء يجلس بلا إِذن سوى الأمير نجم الدين أيوب(٤) . وأما أسد الدين
شيركوه(٥) ومجد الدين بن الداية (٦) نائب حلب والأكابر(٧) وغيرهم فكانوا يقفون بين يديه ، ومع هذا كان
إِذا دخل أحد من الفقهاء أو الفقراء قام له ومشى خطوات ، وأجلسه معه على سجادته ، وشرع يحادثه في
وقار وسكون ، وإذا أعطى أحداً منهم شيئاً يقول: هؤلاء جند الله وبدعائهم نُنْصر على الأعداء ، ولهم في
بيت المال حقٌّ أضعاف ما أعطيهمُ(٨) ، فإِذا رضوا منا ببعض حقهم فلهم المنة علينا .
وقد سمع عليه جزء حديث، وفيه : ( فخرج رسول الله وَّه متقلدا٩ً) السيف(١٠) فجعل يتعجب من
تغيير عادات الناس [ لما ثبت عنه عليه السلام ١١٢)، وكيف يربط١٢) الأجناد والأمراء السيوف على (١٣)
أوساطهم، ولا١٤) يفعلون كما فعل رسول الله وَ له. ثم أمر الجند بأن لا يحملوا السيوف إِلا متقلّديها،
(١) في هذا القول نظر ، ولعمي العلامة الدكتور ناجي معروف طيب الله ثراه مقالة عنوانها : دور حديث قبل النورية
( بشار ) .
(٢) أ : أمرائه .
أ : بإذن .
(٣)
(٤) تقدمت ترجمته في وفيات سنة ٥٦٨ .
(٥) تقدمت ترجمته في وفيات سنة ٥٦٤ .
(٦) مجد الدين أبو بكر بن الداية : هو رضيع نور الدين . كان من أعظم الأمراء منزلة عنده ، وكانت حلب وحارم وجعبر
من إِقطاعه. توفي سنة ٥٦٥هـ. ابن الأثير (١٠٨/٩) والروضتين (١/ ١٨٠) ومختصر أبي الفداء (٤٩/٣).
(٧) وغيرهما من الأكابر .
(٨) أ، ب: أضعاف هذا، الروضتين (١٠/١).
(٩) أ، ب: وهو متقلد، الروضتين (١١/١).
(١٠) هو جزء من حديث طويل رواه البخاري (١١٤/٦) في الجهاد، باب إِذا فزعوا بالليل، والترمذي رقم (١٦٨٦)
في الجهاد، باب ما جاء في الخروج عند الفزع، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان النبي وَلّ أحسن
الناس ، وأجود الناس، وأشجع الناس ، قال: وقد فزع أهل المدينة، سمعوا صوتاً ، قال: فتلقاهم رسول الله وَلاي
على فرس لأبي طلحة عُزي ( وهو متقلَد سيفه) فقال: ((لم تراعوا، لم تراعوا)) فقال النبي وَطير: ((وجدته بحراً))
يعني : الفرس ، والمعنى : ينبغي لأمير العسكر أن يكشف الخبر بنفسه أو بمن يندبه لذلك .
(١١) عن ط وحدها .
(١٢) أ : ربط .
(١٣) أ: في .
(١٤) أ : ولا يفعلون هكذا .

٢٤٧
فصل في وفاة الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي
وخرج(١) في اليوم الثاني إِلى الموكب ، وهو متقلد السيف ، وجميع الجيش كذلك ، يريد بذلك(٢)
الاقتداء برسول الله وَ له .
وقصّ عليه وزيره موفّق الدين خالد بن محمد [ بن نصر بن صفير، بن (٣) القيسراني الشاعر أَنَّه رأى
في منامه أَنَّه يغسل ثياب الملك نور الدين ، فأمره أن يكتب مناشير بوضع المكوس(٤) والضرائب عن
البلاد . وقال له : هذا تأويل(٥) رؤياك .
وكتب إِلى الناس ليكون (٦) منهم في حلّ مما كان أخذ منهم، ويقول لهم: إِنما صُرف في قتال
أعدائكم من الكفرة ، قبَّحهم(٧) الله ولعنهم ، والذبّ عن بلادكم ونسائكم وأولادكم . وکتب بذلك إِلى
سائر ممالكه وبلدان سلطانه ، وأمر الوعّاظ أن يستحلّوا له من التجار(٨).
وكان يقول في سجوده : اللهمّ ارحم العشّار المكّاس(٩) .
وقيل : إِن برهان الدين البلخي أنكر على الملك نور الدين استعانته في الحروب (١٠) بأموال
المكوس . وقال له مرة : كيف تُنْصَرون وفي عساكركم الخمور والطبول والزمور ؟ !! .
ويقال : إِن سبب وضعه المكوس عن الناس (١١) أن الواعظ أبا عثمان المنتجب بن أبي محمد
الواسطي ، وكان من الصالحين الكبار ، وكان هذا الرجل ليس له شيء ، ولا يقبل من أحد شيئاً ، إِنما
كانت له جبة يلبسها إِذا خرج إِلى مجلس وعظه ، وكان يجتمع في مجلس وعظه الألوف من الناس ، أنشد
نور الدين أبياتاً تتضمن ما هو متلبّس به في ملكه ، وفيها تخويف وتحذير شديد له: [ من الكامل !١٣)
يَوْمَ القِيَامَةِ والسَّماءُ تَمُورُ
مَثِّلْ وُقُوفَكَ أَيُّها المَغْرُورُ
إِنْ قِيلَ نُورُ الدِّينِ رُحْتَ مُسَلّماً فَاحْذَرْ بِأَنْ تَبْقَى وَمَالَكَ نُورُ
(١) ط : ثم خرج .
(٢) أ : ب : يريد به .
(٣) ليس في ب .
(٤) أ، ب : المكوسات .
(٥) أ: تفسير، والخبر في الروضتين (١/ ١١).
(٦) أ: يستعجل، ب: يستجعل، الروضتين (١/ ١١).
(٧) ب : لعنهم الله وليست الجملة الدعائية في ط .
(٨) أ، ب : يستحلوا من التجار لنور الدين.
(٩) ط: ارحم المكاس العشار الظالم محمود الكلب . الروضتين (١/ ١١).
(١٠) ط : حروب الكفار .
(١١) ط : البلاد.
(١٢) الأبيات في الروضتين (١٢/١).

٢٤٨
فصل في وفاة الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي
أَنَّهَيْتَ عَنْ شُرْبِ الخُمُورِ وَأَنْتَ مِنْ(١) كَأُسِ المَظَالِمِ طَافِحٌ مَخْمُورُ
عَطَّْتَ كاساتِ المُدامِ تَعَفُّفاً وَعَلَيْكَ كاساتُ الحَرامِ تَدُورُ
فَرْداً وَجَاءَكَ مُنكِرٌ ونَكِيرُ
يَوْمِ الحِسَابِ مُسَخَّبُ(٣) مَجْرُورُ
ضِيَقِ اللُّحوِ(٤) مُوَسَّدٌ مَقْبُورُ
يَوْماً وَلَا قَالَ الأَنَامُ أَسِيرُ
فِي عَالَمِ المَوْتَى وَأَنْتَ حَقِيرُ
قَلِقِاً وَمَا لَكَ فِي الأَنَامِ مُجِيرُ
عَافِ الخَرابِ(٥) وجِسْمُكَ المَعْمُورُ
أَبَداً وَأَنْتَ مُبَّدٌ(٦) مَهْجُورُ
يَوْمَ المَعَادِ لَعَلَّكَ(٧) المَعْذُورُ ]٨)
مَاذَا تَقُولُ إِذَا نُقِلْتَ (٢) إِلى البِلا
وَتَعَلَّقَتْ فِيكَ الخُصومُ وَأَنْتَ فِي
وَتَفَرَّقَتْ عَنْكَ الجُنُودُ وَأَنْتَ فِي
وَوِدْتَ أَنَّكَ ما وَلِيتَ وِلايَةٌ
وَبَقِيتَ بَعْدَ العِزِّ رَهْنَ حُفَيْرَةٍ
وَحُشِرْتَ عُرياناً حَزيناً باكياً
أَرَضِيتَ أَنْ تَحْيَا وَقَلْبُكَ دَارِسٌ
أَرَضِيتَ أَنْ يَحْظَى سِواكَ بِقُرْبِهِ
[ مَهِّدْ لِنَفْسِكَ حُجَّةً تَنْجُو بِها
فلما سمع الملك(٩) نور الدين [ هذه الأبيات }١) بكى بكاءً شديداً، وأمر بوضع المكوس
والضرائب في سائر البلاد، رحمه الله(١١)
وكتب إليه عمر المُلاَّ من الموصل ، وكان قد أمر الولاة والأمراء بها ألا يفصلوا بها أمراً حتى يُعلموه ،
فما أمرهم به من شيء امتثلوه ، وكان من الصالحين الزاهدين ، وكان نور الدين يستقرض منه في كل شهر
رمضان ما يفطر عليه ، وكان يرسل إليه بفتيت ورقاق ، فيفطر عليه جميع رمضان .
كتب (١٢) إِليه الشيخ عمر الملا هذا: إِن المفسدين قد كثروا ويحتاج إِلى سياسة ، ومثل هذا لا يجيء
(١) في الأصول : في ، وما هنا عن الروضتين.
(٢) أ، ب : انقلبت.
(٣) ط : مسلسل .
(٤) ط : ضيق القبور .
(٥) أ : التراب .
(٦) ط : معذب .
(٧) ط : ويوم تبدو العور .
(٨) ليس في ب .
(٩) ليس في ط .
(١٠) عن ط وحدها .
(١١) عن ب وحدها .
(١٢) ط: فكتب، والخبر في الروضتين (١٣/١).

٢٤٩
فصل في وفاة الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي
إلا بقتلٍ وصلب وضرب ، وإِذا أخذ مال رجل(١) في البرية من يجيء فيشهد له ؟! فكتب الملك نور الدين
على ظهر الكتاب : إِن الله خلق الخلق ، وشرع لهم شريعة ، وهو أعلم بما يصلحهم ، ولو علم أن في
الشريعة زيادة في المصلحة لشرعها لنا ، فلا حاجة إلى الزيادة على ما شرعه (٢) الله تعالى ، فمن زاد فقد
زعم أن الشريعة ناقصة فهو يكمِّلها بزيادته ، وهذا من الجرأة على الله وعلى ما شرعه ، والعقول المظلمة
لا تهتدي ، والله سبحانه يهدينا وإياك إِلى صراط مستقيم . فلما وصل الكتاب إلى الشيخ عمر الملا جمع
الناس بالموصل . وأقرأهم(٣) الكتاب، وجعل يقول : انظروا إِلى كتاب الزاهد إِلى الملك ، وكتاب
الملك إِلى الزاهد .
وجاء إِليه أخو الشيخ أبي البيان يستعديه على رجل أنه(٤) يسبّه ويرميه بأنه مراءٍ متنامس ، وجعل يبالغ
في شكايته(٥) منه، فقال له السلطان: أليس الله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَهِلُونَ قَالُواْ سَلَمًا ﴾
[ الفرقان: ٦٣] وقال: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِلِينَ﴾ [ الأعراف: ١٩٩ ] فسكت الشيخ ولم يحر جواباً.
وقد كان نور الدين يعتقده ويعتقد أخاه أبا البيان(٦) ، وأتاه زائراً مرات ، ووقف عليه وقفاً .
وقال الفقيه أبو الفتح الأشتري (٧) ، معيد النظامية ببغداد ، وكان قد جمع سيرة مختصرة لنور الدين
قال : وكان يحافظ على الصلوات في أوقاتها في جماعة بتمام شروطها وأركانها وركوعها وسجودها(٨)
وكان كثير الصلاة بالليل والابتهال(٩) في الدعاء والتضرع إلى الله عز وجل في أموره كلها .
قال : وبلغنا عن جماعة من الصوفية ممن يعتمد على قولهم أنهم دخلوا بلاد القدس للزيارة أيام
الفرنج ، فسمعوا الكفار يقولون: ابن القسيم١٣ُ) - يعنون : نور الدين - له مع الله سر فإِنه ما يظفر
وينصر(١١) علينا بكثرة جنده وجيشه، وإِنما يظفر علينا وينصر بالدعاء وصلاة الليل ، فإِنه يصلي بالليل
(١) ط : أخذ إِنسان، وب: وإذا اتخذنا إِنسان .
(٢) أ : شرع .
(٣) ط : وقرأ عليهم .
(٤) ط : أنه سبَّه ورماه بأَنَّه يرائي وأنه وأنه .
ط : الشكاية عليه .
(٥)
هو نبا بن محمد المعروف بابن الحوراني ، تقدمت ترجمته في وفيات سنة ٥٥١ من هذا الجزء .
(٦)
(٧) اللفظة مصحفة في الأصلين وط. وفي الروضتين (١/ ١٣): بنجه بن أبي الحسن بن بنجه الأشتري .
(٨) ط : بتمام شروطها والقيام بأركانها والطمأنينة في ركوعها وسجودها .
(٩) ط : كثير الابتهال .
(١٠) ط : القسيم ابن القسيم .
(١١) عن ط وحدها .

٢٥٠
فصل في وفاة الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي
ويرفع يده إِلى الله ويدعو(١) ، فإِنه (٢) سبحانه وتعالى يستجيب له دعاءه ويعطيه سؤله وما يردّ يده خائبة
فيظفر علينا . قال : فهذا كلام الكفار في حقه [ رحمه الله ]٣) .
وحكى(٤) الشيخ شهاب الدين أبو شامة : أن الملك نور الدين وقف بستان الميدان سوى الغيضة التي
قبليه(٥) ، نصفه على تطبيب جامع دمشق ، والنصف الآخر يُقْسَّم أحد عشر جزءاً: جزءان على تطييب
المدرسة التي أنشأها للحنفية ، والتسعة (٦) أجزاء الباقية على تطييب المساجد التسعة وهي :
١ - مسجد الصالحين بجبل قاسيون(٧).
٢ - وجامع القلعة.
٣ - ومسجد عطية (٨) .
٤ - ومسجد ابن لبيد بالفسقار .
٥ - ومسجد الرَّماحين (٩) .
٦ - [ والمسجد ]١٠) المعلَّق [ بسوق الصاغة].
( ١٢)
٧ - ومسجد العباسي
(١١) بالصالحية
٨ - ومسجد دار البطيخ المعلَّق .
٩ - والمسجد الذي جدده نور الدين جوار بيعة اليهود .
لكل من هذه المساجد جزء من أحد عشر جزءاً من النصف(١٣) .
(١) ليس في ب .
(٢) أ : فالله .
(٣) ليس في ط .
الروضتين (١/ ١٧ ) .
(٤)
في الروضتين : تليه .
(٥)
ط : والثمانية ، وهو خطأ .
(٦)
ط : قيسون . خطأ .
(٧)
في الروضتين : مسجد ابن عطية داخل باب الجابية .
(٨)
(٩) في الروضتين : مسجد سوق الرماحين .
(١٠) عن الروضتين فقط.
(١١) ط : العباس.
(١٢) أ: بالصاغة .
(١٣) ط : جزء من إحدى عشر جزء من النصف ، وهذا من أخطاء ط.

٢٥١
فصل في وفاة الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي
ومناقبه ومآثره ومحاسنه كثيرة جداً ، وقد ذكرنا نبذة من ذلك يستدلّ بها على ما عداها .
وقد ذكر الشيخ شهاب الدين في أول الروضتين(١) كثيراً من محاسنه ، وذكر ما مدح به من
القصائد(٢) .
وذكر(٣) أنه لما فتح الملك صلاح الدين الديار المصرية (٤) هَمَّ بعزله عنها واستنابة غيره فيها ، غير
مرة ، ولكن يعوقه عن ذلك القدر ، ويصدّه قتال الفرنج واقتراب أجله وفراغُ(٥) عمره . فلما كان في هذه
السنة - أعني سنة تسع وستين وخمسمئة - وهي آخر مدته، قد صمم(٦) على الديار المصرية ، وأرسل إِلى
عساكر بلاد الموصل وغيرها ليكونوا ببلاد الشام حفظاً لها من الفرنج في غيبته ، ويركب هو في جمهور
جيشه(٧) إِلى مصر. وقد خاف منه الملك صلاح الدين خوفاً شديد٨ً) . فلما كان يوم عيد الفطر من هذه
السنة ركب إِلى الميدان الأخضر القبلي وصلّى الخطيب فيه صلاة عيد الفطر ، وكان ذلك يوم(٩) الأحد ،
ورمى القبقُ(١٠) في الميدان الأخضر الشمالي، والقدر يقول له: هذا آخر أعياد١١)، ومدّ في ذلك اليوم
سماطاً حافلاً ، وأمر بانتهابه [على العادة (١٢) وطهّر ولده الملك الصالح إسماعيل (١٣) في هذا اليوم،
وزيّنت(١٤) له البلد ، وضربت البشائر للعيد والختان .
وركب يوم الإثنين في الموكب على العادة ، ثم لعب بالكرة في يومه(١٥) ذلك ، فحصل له غيظ من
بعض الأمراء ، ولم يكن ذلك من سجيته ، فبادر إِلى القلعة ، وهو كذلك في غاية الغضب ، وحصل له
(١) الروضتين (٥/١ - ٢٤).
(٢) بعدها في أوحدها : وقد أوردنا في عيون دولته طرفاً صالحاً من عدله وقصده الصالح .
(٣)
الروضتين (٢٢٨/١).
ط : وذكر أنه لما فتح أسد الدين الديار المصرية ثم مات ثم تولى صلاح الدين .
(٤)
(٥)
استدركت لفظة ( عمره ) فوق السطر في ب ، ولذلك سقطت من أ .
(٦) ط : أضمر على الدخول إلى الديار المصرية وصمم عليه .
(٧) ط : جمهور الجيش .
(٨) ليس في أ.
(٩) ط : نهار .
(١٠) ط : العتق .
(١١) أ: الأعياد ومدّ يوم العيد. وهي رواية ب ولكن بخلاف بسيط وهو: يوم الأحد .
(١٢) ليس في ط .
(١٣) سترد أخباره ووفاته في سنة ٥٧٧ من هذا الجزء .
(١٤) أ : وزين له البلد وضرب .
(١٥) ط : في ذلك اليوم .

٢٥٢
فصل في وفاة الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي
انزعاج(١) ، ودخل في حيّز(٢) سوء المزاج، واشتغل بنفسه وأوجاعه(٣) ، وتنكرت عليه جميع حواسه
وطباعه ، واحتبس أسبوعاً عن الناس ، والناس في شغل عنه بما هم فيه من اللعب والانشراح بالزينة التي
قد نصبوها٤) ، فهذا يجود بروحه ، وهذا يروح بجوده(٥)، وانعكست تلك (٦) الأفراح بالأتراح ، ونسخ
الجد ذلك المزاح ، وحصلت للملك خوانيق في حلقه منعته من أداء النطق ، وهذا شأن أوجاع الحلق ،
وقد كان أُشير عليه بالفصد ، [ فلم يقبل ، وبالمبادرة إِلى المعالجة ]٧) فلم يفعل ، وكان أمر الله قدراً
مقدوراً ، وكان ذلك في الكتاب مسطوراً .
فلما كان يوم الأربعاء الحادي عشر من شوال من هذه السنة قُبض إلى رحمة الله تعالى عن ثمانٍ
وخمسين سنة [ مكث منها ]٨) في الملك ثمانٍ وعشرين سنة رحمه الله . وصلّي عليه بجامع القلعة
بدمشق (٩)، [ ودفن بها }١٠)، حتى (١١) حُوّل إلى [ تربة بنيت له بباب المدرسة }١٢) التي أنشأها للحنفية
على الدرب ، رحمه الله ، وبلَّ بالرحمة ثراه ، وجعل الجنة مأواه .
وقد رثاه الشعراء بمراثٍ كثيرة، قد أوردها أبو شامة في (( الروضتين (١٣) ، وما أحسن ما قال
العمال١٤) : [من المتقارب ]
عَجِبْتُ مِنَ المَوْتِ لَمَّ(١٥) أَتَى إِلَى مَلِكِ في سَجَايَا مَلَكْ
وَكَيْفَ ثَوَى الفَلَكُ المُسْتَدِي رُ فِي الأَرْضِ وَالأَرْضُ وَسْطَ فَلَكْ
(١) ط : وانزعج ودخل .
(٢) في أ : حيرة .
(٣) أ: وإِزعاجه .
(٤) ط : في الزينة التي نصبوها .
ط : يجود بموجوده سروراً بذلك .
(٥)
(٦) ليس في ب .
(٧) ليس في أ .
(٨) مكانهما في أ : وله .
(٩) عن ط وحدها .
(١٠) عن أوحدها .
(١١) ط : ثم .
(١٢) مكانهما في ط : تربته .
(١٣) الروضتين (٢٢٧/١ - ٢٣١).
(١٤) البيتان في ديوان العماد الأصفهاني (٣٢٠) والروضتين (٢٢٨/١).
(١٥) الديوان والروضتين : كيف .

٢٥٣
صفة نور الدین رحمه الله تعالی
وقال حسان الشاعر الملقب بالعرقلة في مدرسة نور الدين حين دُفن فيها ، رحمه الله تعالى (١): [ من
الوافر ]
وَمَدْرَسَةٍ سَتَدْرُسُ(٢) كُلُّ شَيْءٍ وَتَبْقَى في حِمَى عِلْمٍ وَنُسْكِ
بِنُورِ الدِّينِ مَحْمُودِ بْنِ زَنْكي
تَضَوَّعَ ذِكْرُهَا٣) شَرْقاً وغَرْباً
بغيرِ كنايةٍ وبغيرٍ شكٌّ
يقولُ وقولُهُ حَقٌّ وصِدقٌ
وَهَذِي فِي المَدَارِسِ بَيْتُ (٤) مُلكِ
دِمَشْقٌ فِي المَدَائِنِ بَيْتُ مُلْكِي
[ وقبره مشهورٌ بدمشق یزار ویخلّق شباكه فیطیب بریحه کل مارٌّ .
وإِنما يقول الناس نور الدين الشهيد ، لما حصل له في حلقه من الخوانيق ، وكذا كان يقال لأبيه
الشهيد ، ويلقب بالقسيم ، وكانت الفرنج يقولون له: ابن القسيم ]°) .
صفة نور الدين رحمه الله (٦) تعالى(٧)
كان طويل القامة ، أسمر اللون ، حلو العينين ، واسع الجبين ، حسن الصورة ، تركي الشكل ، ليس
له لحية إِلا في حنكه ، مهيباً متواضعاً، عليه جلالة ونور الإسلام، ويعظّم(٨) [ قواعد الشرع، رحمه
الله ]٩).
فصل
لما١) مات الملك نور الدين في شوال من هذه السنة - [أعني: سنة تسع وستين وخمسمئة ( ١١) -
(٢)
(١) الأبيات في ديوان عرقلة الكلبي (٧٠) والروضتين (٢٢٩/١) ومنادمة الأطلال (٢١٢).
في الأصول : ستدرس .
في أ : نورها .
(٣)
ط : بنت ملكي .
(٤)
ما بين الحاصرتين جاء في ط قبل الأبيات وبرواية مخالفة .
(٥)
ب : ورضي الله عنه .
(٦)
(٧) عن ط وحدها .
(٨) أ : وتعظيم .
(٩) ط : وعليه جلالة ونور يعظم الإسلام وقواعد الدين ويعظم الشرع .
(١٠) ط : فلما .
(١١) عن ب وحدها .

٢٥٤
صفة نور الدين رحمه الله تعالى
بويع من بعده بالملك لولده الملك(١) الصالح إسماعيل، وكان صغيراً، وجُعل أتابكه (٢) الأمير شمس
الدين بن مقدم(٣) ، فاختلف الأمراء ، وحارت الآراء ، وظهرت الشرور ، وكثرت الخمور ، وقد كانت
لا توجد في زمنه ، ولا أحد يجسر أن يتعاطى شيئاً منها ، وانتشرت(٤) الفواحش وظهرت ، حتى إِن ابن
أخيه سيف الدين غازي بن مودو(٥) صاحب الموصل لما تَحَقّق موتَ عمّهُ(٦)، وكان محظورا٧ً) منه ،
نادى مناديه بالبلد بالمسامحة في اللعب واللهو والشراب والمسكر والطرب ، ومع المنادي دفـ(٨) وقدح
ومزمار ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، [ وقد كان ابن أخيه هذا وغيره من الملوك والأمراء الذين له حكم
عليهم لا يستطيع أحد منهم أن يفعل شيئاً من المناكر والفواحش ، فلما مات مَرِج أمرهم وعاثوا في الأرض
فساداً }٩) .
وتحقق حينئذ قول الشاعر : [ من الطويل ]
أَلَا فَاسْقِي خَمْراً وَقُلْ لِي هِيَ الخَمْرُ وَلَا تَسْقِنِي سِرّاً وَقَدْ أَمْكَنَ الجَهْرُ
وطمعت الأعداء من كلّ جانب في المسلمين ، وعزم الفرنج على قصد دمشق ، وانتزاعها من أيدي
المسلمين ، فبرز إليهم ابن مقدم الأتابك ، فواقعهم ١٠) عند بانياس ، فضعف عن مقاومتهم عند بانياس ،
فهادنهم مدة، ودفع إِليهم أموالاً جزيلةُ (١)، عجّلها لهم، ولولا أَنَّه خوّفهم بقدوم الملك صلاح
الدين(١٢) لما هادنوه .
ولما بلغ ذلك السلطان الملك الناصر صلاح الدين بن أيوب صاحب الديار المصرية كتب إِلى
الأمراء ، وخاصة ابن المقدّم ، يلومهم على ما صنعوا من المهادنة ودفع الأموال إِلى الفرنج ، وهم أقل
وأذل ، وأفهمهم أنه عزم على قصد البلاد ليحفظها١٣) من الفرنج ، فردّوا إِليه كتاباً فيه [ غلظة وكلام
(١) ليس في ط .
(٢) أ : أتابك.
(٣) هو محمد بن عبد الملك، سترد ترجمته في وفيات سنة ٥٨٣ من هذا الجزء .
قبلها في ط : ولا من الفواحش .
(٤)
(٥) أ : شرف الدين، وهو تصحيف وسترد ترجمته في وفيات سنة ٥٧٦ من هذا الجزء .
(٦) ط : موته .
(٧) أ، ط : محصوراً .
(٨) أ: دن، وفي الروضتين (١/ ٢٣٢): وقيل أخذ المنادي على يده دناً وعليه قدح وزمر .
(٩) عن ط وحدها .
(١٠) أ، ب : فوافقهم .
(١١) أ : كثيرة .
(١٢) ط : الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب.
(١٣) ط ، ب : وأخبرهم أنه على عزم قصد البلاد.

٢٥٥
صفة نور الدين رحمه الله تعالى
فيه (١) بشاعة ، فلم يلتفت إليهم ، ومن شدة خوفهم منه كتبوا إِلى سيف الدين غازي صاحب الموصل ،
ليملّكوه عليهم، ليدفعو(٢) به الملك الناصر صاحب مصر ، فلم يفعل ، لأنه خاف أن يكون مكيدة منهم
له ، وذلك أنه كان(٣) قد هرب منه الطواشي سعد الدولة كمشتكين(٤) الذي كان(٥) قد جعله عنده الملك
نور الدين عيناً عليه ، وحافظا٦ً) له من تعاطي ما لا يليق [ من الفواحش والخمر واللعب واللهو ٧٣) ،
فلما سمع الخادم بموت أستاذه خاف أن يمسكه فهرب سرّاً ، فحين تحقّق(٨) غازي موت عمه بعث في إِثر
هذا الخادم ، ففاته فاستحوذ على حواصله . ودخل سعد [ الدولة حلب (٩) ، ثم سار إِلى دمشق ، فاتفق
مع الأمراء أن يأخذُ (١) ابن أستاذه، الملك الصالح إسماعيل إلى حلب فيربِيه هنالك (١١) ، وتكون دمشق
مسلمة إلى الأتابك شمس الدين ابن مقدم ، والقلعة إِلى الطواشي جمال الدين ريحان .
[ فلما سار الملك الصالح من دمشق خرج معه الأمراء والكبراء ١٢٣) إِلى حلب(١٣) ، وذلك في
الثالث والعشرين من ذي الحجة من هذه السنة ، وحين وصلوا حلب جلس الصبيّ على سرير
مملكتها١٤) ، واحتاطوا على بني الداية : شمس الدين علي بن الداية ، أخو مجد الدين الذي كان رضيع
نور الدين الشهيد وإخوته الثلاثة . وقد كان شمس الدين علي بن الداية يظن أن ابن نور الدين يسلّم إِليه
فيربِّيه ، لأنه أحق الناس بذلك ، فخيّبوا ظنه ، وسجنوه وإخوته في الجب . فكتب الملك صلاح الدين
إِلى الأمراء يلومهم على ما فعلوا من نقل الولد من دمشق إلى حلب ، ومن سجنهم لبني (١٥) الداية ، وقد
(١) أ : ويحفظها .
(٢) ط : ليدفع عنهم كيد الملك الناصر صلاح الدين صاحب مصر .
(٣)
ليس في ب .
سترد بعض أخباره في سنة ٥٧٣ من هذا الجزء .
(٤)
(٥)
ليس في ب .
(٦) أ : وحفظاً .
(٧) عن ط وحدها .
(٨) ط : فلما مات نور الدين ، ونادى في الموصل تلك المناداة القبيحة خاف منه الطواشي المذكور أن يمسكه فهرب منه
سراً ، فلما تحقق .
(٩) ليس في أ.
(١٠) ط : على أن يأخذوا ابن نور الدين.
(١١) بعدها في ط : مكان ربي والده .
(١٢) مكانهما في أ : فسار .
(١٣) أ : إِلى ذلك.
(١٤) أ : ملكها .
(١٥) ط : بني.

٢٥٦
وفيات سنة ٥٦٩هـ
كانو(١) من خيار الأمراء ، ورؤوس الكبراء(٢)، ولمَ لا يسلموا الولد إِلى مجد الدين ابن الداية الذي هو
أحظى الناس [ عند نور الدين رحمه الله (٣)، وعند الناس منهم. فكتبوا إِليه ، يسيئون الأدب عليه (٤)،
وكل ذلك مما يزيده حنقاً عليهم ، ويحرِّضه على القدوم بجيشه إِليهم ، ولكنه في هذا الوقت في شغل
شاغل ، لما دهمه ببلاده(٥) من الأمر الهائل ، كما سيأتي بيانه إِن شاء الله تعالى في أول السنة(٦) الآتية .
وممن توفي في هذه السنة من الأعيان والمشاهير :
أبو العلاء الهَمَذَاني(٧): الحسن بن الحسن بن أحمد بن محمد العطار ، أبو العلاء الهمذاني الحافظ
الكبير .
سمع الكثير ، ورحل إلى بلدان كثيرة ، واجتمع بالمشايخ ، وقدم بغداد ، وحصّل الكتب
الكثيرة (٨)، واشتغل بعلم القراءات واللغة، حتى صار وحيد (٩) زمانه في علمي الكتاب والسنة . وصنّف
الكتب الكثيرة المفيدة ، وكان على طريقة [ السلف، مرضيّ الطريقة (١٠) ، سخيّاً عابداً زاهداً، صحيح
الاعتقاد ، حسن السمت ، له ببلده المكانة والقبول التام . وكانت وفاته ليلة الخميس الحادي عشر من
جمادى الآخرة من هذه السنة ، وقد جاوز الثمانين بأربعة أشهر وأيام .
قال ابن الجوزي (١١): وقد بلغني أنه رؤي في المنام [ في مدينةٍ (١٢) جميع جدرانها كتب ، وحوله
كتب لا تحد١٣ّ) ، وهو مشتغل بمطالعتها ، فقيل له : ما هذا؟ فقال : سألت الله أن يشغلني بما كنت
أشتغل به في الدنيا فأعطاني (١٤) .
(١) ط : وهم .
(٢) أ : الأمراء .
(٣) ليس في ط .
(٤) أ، ب : عليه الأدب.
(٥) أ : دهم بلاده .
(٦) ب : هذه .
(٧) ترجمته في المنتظم (٢٤٨/١٠) ومعجم الأدباء (٥/٨) وابن الأثير (١٢٩/٩) وتاريخ الإسلام (٤٠٣/١٢ -
٤٠٦) والعبر - الكويت (٢٠٦/٤) وبيروت (٥٦/٣ - ٥٧).
(٨) ب : الكبيرة .
(٩) ط : أوحد .
(١٠) مكانهما في ط : حسنة .
(١١) المنتظم (٢٤٨/١٠).
(١٢) عن ط والمنتظم .
(١٣) ط : لا تعد ولا تحصى ، والخبر في المنتظم .
(١٤) بعدها في ط : وفيها توفي .

٢٥٧
وفيات سنة ٥٦٩هـ
الأهوازي(١) خازن كتب مشهد أبي حنيفة ببغداد : توفي فجأة في ربيع الأول من هذه السنة ، وكذلك
توفي أبوه وأخوه فجأة كما مات . رحمهم الله تعالى .
محمود بن زنكي بن آق سنقر السلطان الملك العادل نور الدين صاحب بلاد الشام وغيرها من البلدان
الكثيرة الواسعة (٢): [ كان مجاهداً في الفرنج ، آمراً بالمعروف ، ناهياً عن المنكر ، محباً للعلماء
والفقراء والصالحين ، مبغضاً للظلم ، صحيح الاعتقاد ، مؤثراً لأفعال الخير ، لا يجسر أحد أن يظلم
أحداً في زمانه . وكان قد قمع المناكر وأهلها ، ورفع العلم والشرع ، وكان مدمناً لقيام الليل ، يصوم
كثيراً ، ويمنع نفسه عن الشهوات . وكان يحب التيسير على المسلمين ، ويرسل البر إِلى العلماء والفقراء
والمساكين والأيتام والأرامل ، وليست الدنيا عنده بشيء ، رحمه الله ، وبلَّ ثراه بالرحمة
والرضوان ]٣) .
[ قال ابن الجوزي(٤): انتزع(٥) من أيدي الكفار نيّفاً وخمسين مدينة .. وقد كان يكاتبني(٦) ، رحمه
الله ]٧) .
قال(٨): ولما حضرته الوفاة أخذ العهد على الأمراء من بعده لولده ، يعني : الصالح إِسماعيل ،
وجدد العهد مع صاحب طرابلس أن لا يغير على الشام المدة التي كان مادَّه عليها ، وذلك أنه كان قد أسره
في بعض غزواته ، وأسر معه جماعة من أهل دولته ، فافتدى نفسه منه بثلاثمئة ألف دينار ، وخمسمئة
حصان، وخمسمئة زردية ٩)، ومثلها أتراسُ(١٠)، وقنطوريات(١١)، وخمسمئة أسير من المسلمين ،
وعاهده ألا يغير على المسلمين إلى سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام ، وأخذ منه رهائن على ذلك مئة
من أولاد أكابر الفرنج وبطارقتهم . فإِن نكث أراق دماءهم . وعزم على فتح بيت المقدس (١٢) ،
(١) في المنتظم (١٠ / ٢٤٨): ابن الأهوازي.
(٢) عن ط وحدها .
مكانهما في أ ، ب : قد تقدم ذكره في الحوادث رحمه الله .
(٣)
(٤)
المنتظم (٢٤٨/١٠ -٢٤٩).
(٥) ط : استرجع نور الدين محمود بن زنكي رحمه الله تعالى .
(٦) ط : وقد كان يكاتبني وأكاتبه ، وعبارة ابن الجوزي : وكاتبني مراراً.
(٧) ليس في ب .
(٨) المنتظم (٢٤٩/١٠) برواية مخالفة .
(٩) أ : ذروية، ط : وردية ، والخبر في المنتظم .
(١٠) ب، ط : برانس.
(١١) ((القنطوريات)): النساء من أصل تركي.
(١٢) بعدها في ط : شرفه الله .

٢٥٨
أحداث سنة ٥٧٠هـ
فوافته المنية في شوال من هذه السنة (١)، وكانت (٢) ولايته ثمان وعشرين سنة وأشهرا٣ً).
وهذا مقتضى ما ذكره ابن الجوزي (٤) .
الخضر بن نصر بن عقيل(٥) بن نصر الإربلي الفقيه الشافعي(٦) : أول من درس بإِربل في سنة ثلاث
وستين وخمسمئة . وكان فاضلاً ديّناً . انتفع الناس به(٧)، وكان قد اشتغل على إِلْكيا الهرّاسي(٨) وغيره
ببغداد . وقدم دمشق فأرّخه ابن عساكر في هذه السنة ، وترجمه القاضي ابن خلكان في (( الوفيات))
وقال : قبره يزار ، وقد زرته غير مرة ، [ رحمه الله ]٩) .
[ ملك الفرنج مري ١٣): [ وفي هذه السنة كانت وفاة }(١) ملك الفرنج مري، لعنه الله، وأظنه
ملك بلا(١٢) عسقلان ونحوها، وكان(١٣) قد قارب أن يملك الديار المصرية ، لولا فضل الله ورحمته
بعباده المؤمنين .
ثم دخلت سنة سبعين وخمسمئة
استهلت هذه السنة والسلطان الملك الناصر صلاح الدين بن أيوب قد عزم على الدخول إِلى بلا(١٤)
(١) بعدها في ط : والأعمال بالنيات ، فحصل له أجر ما نوى .
(٢) أ : فكانت .
(٣) بعدها في ط : وقد تقدم ذلك .
بعدها في ط : ومعناه .
(٤)
(٥)
ط ، ب : علي .
(٦) ترجمته في تاريخ دمشق (٣٤٨/٥) ووفيات الأعيان (٢٣٧/٢) وترجمه الذهبي في وفيات سنة ( ٥٦٧) تاريخ
الإسلام (١٢/ ٣٦٢).
ط : انتفع به الناس .
(٧)
(٨) تقدمت ترجمته في وفيات سنة ٥٠٤ .
(٩) مكانهما في ط : ورأيت الناس ينتابون قبره ويتبركون به ، وهذا الذي قاله ابن خلكان مماينكره أهل العلم عليه وعلى
أمثاله ممن يعظّم القبور .
(١٠) جاءت هذه الترجمة في أقبل ترجمة الخضر بن نصر، ترجمته في ابن الأثير (١٣٢/٩) والروضتين (٢٣٤/١)
وفيه كتاب فاضلي منه : هلك مري ملك الفرنج لعنه الله ، ونقله إلى عذاب كاسمه مُشْتَقّاً ، وأقدمه على نار تلظَّى
لا يصلاها إلا الأشقی .
(١١) ط : وفيها هلك .
(١٢) ليس في ط .
(١٣) ط : وقد كان.
(١٤) عن ط وحدها .

٢٥٩
أحداث سنة ٥٧٠هـ
الشام ليحفظه من أيدي الفرنج المخذول(١) ، ولكنه دهمه أمر شغله عنه ، وذلك أن الفرنج قدموا إِلى
الساحل بالبلاد المصرية (٢) في أسطول لم يسمع بمثله ، في كثرة مراكبه (٣) ، وما فيه من آلات الحرب
والحصار، [ وكثرة الرجال ]٤) المقاتلة. من جملة ذلك: مئتا٥) شيني(٦)، في كل منها مئة وخمسون
مقاتلاً، وأربعمئة قطعة أخرى . وكان قدومهم من صِقِلَّةَ إِلى ظاهر إِسْكَنْدَرِيّة قبل رأس السنة بأربعة أيام ،
فنصبوا المنجنيقات والدبابات حول البلد ، وبرز إليهم أهلها فقاتلوهم دونها قتالاً شديداً ، واستمر القتال
أياماً ، وقتل من كلا الفريقين خلق كثير ، ثم اتفق أهل البلاد على تحريق ما نصبوه من المنجنيقات (٧)
والدبابات ففعلوا ذلك ، فأضعف ذلك قلوب الفرنج ، [ وفلَّ في أعضادهم ]٨) ، ثم كبسهم المسلمون
في منازلهم، فقتلوا٩) من أحبّوا وأرادوا ، وغنموا ما شاؤوا واختاروا ، وانهزم الكفارُ"(١) في كل وجه ،
ولم يكن لهم ملجأ إِلا البحر أو القتل أو الأسر ، واستحوذ المسلمون على أموالهم وأثقالهم وخيولهم وما
ضربوه من الخيام لنزولهم ، وبالجملة قتلوا خلقاً من الرجال ، وغنموا شيئاً كثيراً من الأموال ، وركب من
بقي منهم في الأسطول راجعين إِلى بلادهم خائبين ، لم يفوزوا بالمأمول .
ومما عوَّق الملك الناصر عن الشام أيضاً : أن رجلاً يعرف بالكنز ، وسماه بعضهم : عباس بن
شاذي ، وكان من مقدمي الديار المصرية ، ومن الدولة الفاطمية وإِنما هي العبيدية ، كان قد انتزح(١) إِلى
بلد يقال له: أُسْوَان، وجعل يجمع عليه (١٢) خلقاً من الرعاع من الحاضرة والعربان ، ويزعم لهم أنه
سيعيد الدولة الفاطمية ، ويدحض الأتابكة التركية ، فالتف عليه خلق كثير، وجم غفير . وقصد (١٣)
قوص وأعمالها ، وقتل طائفة من أمرائها ورجالها ، فجرد إِليه الملك صلاح الدين طائفة من الجيش
(١) ط : لأجل حفظه من الفرنج ولكن دهمه.
(٢) ط : الساحل المصري.
· ليس في ط .
(٣)
(٤)
ليس في ط .
ط : مئتي ، وهي من أخطاء ط .
(٥)
(( الشيني أو الشونة)) : نوع من السفن السريعة .
(٦)
(٧) ط : على حريق المجانيق .
(٨) عن ب وحدها .
(٩) ط : فقتلوا منهم جماعة وغنموا منهم ما أرادوا .
(١٠) ط : فانهزم الفرنج .
(١١) ط : استند .
(١٢) بعدها في ط : الناس فاجتمع عليه خلق كثير من الرعاع من الحاضرة والعربان والرعيان ، وكان يزعم إِليهم .
(١٣) ط : ثم قصدوا .

٢٦٠
أحداث سنة ٥٧٠هـ
المصري ، وقدّمُ(١) عليه أخاه الملك العادل سيف الدين أبا بكر الكردي ، فلما التقيا هزمه أبو بكر سَميُّ
المبايَع يوم السقيفة ، وبدَّد شمله ، وأسر أهله، وقتله كما جرى لمقدم بني حنيفة (٢) ، ولهذا جعل الله
دولة بني أيوب عالية منيفة .
فصل
لما تمهدت البلاد المصرية ، ولم يبق بها رأس من بقية الدولة العبيدية ، برز السلطان الملك الناصر
صلاح الدين في الجيوش التركية قاصداً إِلى البلاد الشامية ، وذلك حين مات سلطانها نور الدين محمود بن
زنكي ، وأُخيف سكانها، وتضعضعت أركانها ، واختلف (٣) حكامها، وفسد نقضها وإِبرامها، وقَصْدُهُ
[ رحمه الله ]٤) جمع شملها ، والإحسان إِلى أهلها ، وأمن سهلها وجبلها ، ونصرة الإسلام ، ودفع
الطعام، وإظهار القرآن، وإخفاء سائر الأديان، وخفض الصلبان(٥) ، ورضا الرحمن ، وإِرغام الشيطان.
فخرج(٦) من الديار المصرية إِلى البِرْكة(٧) في مستهلّ صفر ، وأقام هنالك حتى اجتمع إليه العسكر ،
وقد استناب على مصر أخاه سيف الدين أبا بكر ، ثم سار إِلى بِلْبِيس(٨) في الثالث عشر من ربيع الأول . ثم
ساق حتى اجتاز بمدينة بصرى ، فسار في خدمته صاحبها صديق بن جاولي .
فدخل مدينة دمشق في يوم الإثنين سلخ ربيع الأول ، ولم ينتطح فيها عنزان ، ولا اختلف عليه(٩)
سيفان . وذلك أن نائبها شمس الدين بن مقدم كان قد كتب إليه أولاً فأغلظ له في الكتاب ، فلما رأى أمره
متوجهاً جعل يكاتبه ويستحثّه على القدوم إلى دمشق ، ويعده بتسليم البلد . فلما رأى الجد لم يمكنه
المخالفة، فسلمه ١٠) البلد بلا مدافعة، فنزل السلطان أولًا في دار والده، وهي دار العقيقيّ(١١)،
(١) ط: وأمَّر عليهم.
(٢) يعني مسيلمة الكذاب .
(٣) أ، ب : واختلفت.
(٤) ليس في ط .
(٥) ط : وتكسير الصلبان في رضا الرحمن .
(٦) ط : فنزل .
(٧) واسمها بركة الحبش . قال ياقوت : هي أرض في وهدة من الأرض واسعة .. مشرفة على نيل مصر خلف القرافة.
معجم البلدان ( ١/ ٤٠١ ) .
بلبيس - بكسر البائين : مدينة بينها وبين فسطاط مصر عشرة فراسخ على طريق الشام . معجم البلدان .
(٨)
(٩) عن ط وحدها .
(١٠) ط : فسلم .
(١١) في ط : دار العقيلي، وهو خطأ. ودار العقيقي اشتراها نجم الدين أيوب والد صلاح الدين من تركته واتخذها داراً
له . منادمة الأطلال ( ١١٩ ).