Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
أحداث سنة ٥٤٣ هـ
وفيها : حاصرت الفرنج ، وهم في سبعين ألف مقاتل ومعهم ملك الألمان في خلق لا يعلمهم إلا الله
عز وجل ، دمشق، وعليها مجير الدين آبق بن محمد بن بوري بن طُغْتِكين، وأتابكه (١) معين الدين أُن(٢)
مدبّر المملكة ، وذلك يوم السبت سادس ربيع الأول . فخرج إليهم أهلها في مئة ألف(٣) وثلاثين ألفاً ،
فاقتتلوا معهم قتالاً عظيماً(٤) ، وقتل من المسلمين(٥) في أول يوم نحو المئتين(٦)، ومن الفرنج خلق كثير
لا يُحْصَوْن، واستمرّت(٧) الحرب مدة، وأُخرج مصحف عثمان إلى وسط صحن(٨) الجامع. واجتمع
الناس (٩) يدعون الله عز وجل، والنساء والأطفال مُكَشَّفُو١٠) الرؤوس ، يدعون ويتباكون ، والرماد
مفروش في البلد . فاستغاث أُن(١١) بالملك نور الدين محمود صاحب حلب وبأخيه سيف الدين غازي
صاحب الموصل ، فقصداه سريعاً في نحو من سبعين ألفاً ممن انضاف إليهم من الملوك وغيرهم ، فلما
سمعت الفرنج، قبّحهم الله، بقدوم الجيشُ(١٢) نحوهم أجلَوْا١٣) عن البلد ، فلحقهم الجيش ، فقتلوا
منهم خلقاً كثيراً وجمّاً غفيراً ، وقتلوا فيمن قتلوا منهم قسيساً معهم اسمه إلياس ، وهو الذي أغراهم
بدمشق ، وذلك أنه افترى مناماً عن المسيح (١٤) أنه وعده بفتح دمشق، فقُتل لعنه الله، وقد كادوا١٥)
يأخذون البلد، ولكن حماها الله تعالى (١٦) بحوله وقوته، قال تعالى: ﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم
بِبَعْضِ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥١]، وقال: ﴿ وَلَوْلَا
دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضِ لَّذِمَتْ صَوَمِعُ وَبِيَعُ وَصَلَوَتٌ وَمَسَجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرً﴾ [ الحج: ٤٠].
(١) آ، ب : وأتابك .
(٢) ط : وهو . ب : أبيه وهو . وكلاهما تصحيف .
(٣) ليس في آ .
(٤) ط : شديداً .
بعدها في آ : الحرب .
(٥)
(٦) ط : نحو من مئتي رجل.
(٧) ط : واستمر .
(٨) آ، ب : الصحن.
(٩) ط : الناس حوله .
(١٠) آ: مَلتقي ، ب ، ط : مكشفي ، وما هنا تتطلبه اللغة.
(١١) ط : ارتق ، تصحيف .
(١٢) ا : الجيوش .
(١٣) ط : تحولوا .
(١٤) آ، ب : الشيخ .
(١٥) آ، ب : وقد كانوا كادوا .
(١٦) آ : حماه الله تعالى.

١٢٢
أحداث سنة ٥٤٣هـ
ومدينة دمشق لا سبيل للأعداء من الكفرة عليها، لأنها المحلّة التي أخبر رسول الله وَ ل عنها أنها معقل
الإسلام عند الملاحم والفتن ، وبها ينزل عيسى ابن مريم ، عليه السلام .
وقد كانت الفرنج قتلوا خلقاً كثيراً من أهل دمشق ، وممن قتلوا الفقيه الكبير الملقب حجة الدين شيخ
المالكية بها أبو الحجاج يوسف بن دوناس(٢) الفِنْدَلاوي بأرض النيرب ، ودفن بمقابر باب الصغير . وقد
صالح مجير الدين الفرنج عن دمشق ببانياس ، فرحلوا عنها ، وتسلّموا بانياس .
وفيها : وقعُ(٣) بين السلطان مسعود وأمرائه ، ففارقوه وقصدوا بغداد ، فاقتتلوا مع العامة ، فقتلوا
منهم٤) خلقاً كثيراً من الصغار والكبار ، ثم إنهم(٥) اجتمعوا قبالة التاج، وقبّلوا الأرض ، واعتذروا إلى
الخليفة مما وقع ، وساروا نحو النَّهروان ، فتفرقوا في البلاد ، ونهبوا أهلها ، فغلت الأسعار بالعراق
بسبب ذلك .
وفيها : ولي(٦) قضاء القضاة ببغداد أبو الحسن علي بن أحمد بن علي بن الدامغاني بعد وفاة
الزَّينبي .
وفيها : ملك سُوري بن الحُسينُ(١) ملك الغور مدينة غزنة ، فذهب صاحبها بهرام شاه بن مسعود بن
(١) روى أحمد في مسنده (١٩٧/٥) وأبو داود في الملاحم ، باب في المعقل من الملاحم رقم (٤٢٩٨) والحاكم في
المستدرك (٤٨٦/٤) من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه أنه سمع رسول الله وَّل يقول: ((يوم الملحمة الكبرى
فسطاط المسلمين بأرض يقال لها الغوطة فيها مدينة يقال لها دمشق ، خير منازل المسلمين يومئذ )) وصححه الحاكم
ووافقه الذهبي وهو كما قالا . والفُسطاط ، بضم الفاء وكسرها : المدينة التي فيها مجتمع الناس . وروى الحاكم في
المستدرك (٥٤٨/٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله اليه:
((إذا وقعت الملاحم ، خرج بعث من الموالي من دمشق ، هم أكرم العرب فرساً وأجوده سلاحاً ، يؤيد الله بهم
الدين)). وهو حديث حسن. وروى مسلم في صحيحه رقم ( ٢٩٣٧) من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه
أن رسول الله وَ طر قال: ((ينزل المسيح بن مريم عند المنارة البيضاء شرقي دمشق )) وهو جزء من حديث طويل ،
ورواه الطبراني من حديث أوس بن أوس الثقفي رضي الله عنه أن رسول الله وَ الر قال: ((ينزل عيسى بن مريم عند
المنارة البيضاء في دمشق)) وهو حديث صحيح بالذي قبله وانظر ((مجمع الزوائد» (٢٠٥/٨). اهـ (ع ).
(٢) ب والعبر (٤/ ١٢٠): دوباس. في ط ومعجم البلدان: (فِندلاو) والنجوم (٢٨٢/٥): دُرْناس. وفي وفيات
الأعيان: درباس، وما هنا عن آ وهو يوافق ما في مرآة الزمان (٨/ ٢٠٠) واللباب (٤٤٢/٢) والروضتين
(٥٣/١) وتذكرة الحفاظ (١٢٩٧/٢) ومرآة الجنان (٢٨٠/٣).
(٣) كذا في الأصول، وعبارة المنتظم ( ١٣١/١٠): ووصلت الأخبار من معسكر السلطان أن الأمراء قد تغيرت على
السلطان مسعود .
(٤) آ، ب : كثيراً منهم .
(٥)
لیس في ط .
(٦) عن ط وحدها .
(٧) ط : سولي بن الحسين، وما هنا عند ابن الأثير (٢٢/٩) وخط الذهبي في تاريخ الإسلام (٧٥٥/١١).

١٢٣
وفيات سنة ٥٤٣هـ
إبراهيم ، من أولاد سبكتكين إلى الهند فاستجاش ملكها١) ، فجاء بجيوش عظيمة ، فاقتلع غزنة من يد
سُوري وأخذه أسيراً فصلبه ، وقد كان كريماً جواداً كثير الصدقات .
وممن توفي فيها من الأعيان :
إبراهيم بن محمد بن نبهانُ(٢) بن محرز الغنوي الرَّقِّي(٣): سمع الحديث ، وتفقّه بالشاشي
والغزالي ، وكتب شيئاً كثيراً من مصنّفاته ، وقرأها عليه وصحبه كثيراً . وكان حسناً مهيباً كثير الصمت بهي
السمت . توفي في ذي الحجة [ من هذه السنة ]٤) ، وقد جاوز الثمانين .
شاهنشاه بن أيوب بن شادي(٥) :
استشهد مع نور الدين . وهو والد الست عذراء (٦) واقفة العذراوية ، وتقي الدين عمر واقف التقوية
وغير ذلك .
علي بن الحسين [ بن محمد بن علي الزَّينبي(٧) ، أبو القاسم الأكمل بن أبي طالب نور الهدى بن أبي
الحسن (٨) نظام الحضرتين ابن نقيب النقباء أبي القاسم ابن القاضي أبي تمام العباسي : قاضي القضاة
ببغداد والعراق وغير ذلك .
سمع الحديث ، وكان فقيهاً رئيساً وقوراً حسن الهيئة والسمت ، قليل الكلام ، سافر مع الخليفة
الراشد إلى الموصل ، وجرت له فصول ، ثم عاد إلى بغداد ، فمات بها في هذه السنة ، وقد جاوز
الستين ، وكانت جنازته حافلة ، رحمه الله [ رحمة واسعة ]٩) .
(١) ط : إلى فرغانة فاستغاث بملكها .
(٢) ط : نهار .
(٣) ترجمته في المنتظم (١٣٤/١٠) والعبر (١١٩/٤) وتاريخ الإسلام (٨٢٢/١١)، ومرآة الجنان (٢٧٩/٣)
وكنيته فيها : أبو إسحاق . وفي المنتظم : قال المصنف : ورأيته وله سمت وصمت ووقار وخشوع .
(٤) مكانهما في ط : منها .
(٥) ترجمته في الخريدة - مقدمة قسم الشام (١١٣) ومرآة الزمان (٣٧٢/٨) ووفيات الأعيان (٢/ ٤٥٢) ومرآة
الجنان ( ٣/ ٢٨٠) وترويح القلوب (٤٨).
(٦) ط : عذار، وهو تصحيف وتسرد ترجمتها في حوادث سنة ٥٩٣ من هذا الجزء .
(٧) ترجمته في تاريخ دمشق لابن القلانسي (٤٧١) وابن الأثير، وتلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب
(ج ٤ / ق٢٤٥/٣ - ٢٤٦) والعبر (١١٩/٤) وتاريخ الإسلام (٨٣١/١١).
(٨) ليس في آ.
(٩) عن آوحدها .

١٢٤
أحداث سنة ٥٤٤ هـ
أبو الحجاج [ يوسف بن دوناس (١) الفِنْدَلاوي (٢) شيخ المالكية بدمشق :
قتل يوم السبت سادس ربيع الأول ، قريباً من الربوة في أرض النيرب ، هو والشيخ عبد الرحمن
الحلحولي(٣)، أحد الزهاد، قتلا معاً، رحمهما الله تعالى آمين (٤) .
ثم دخلت سنة أربع وأربعين وخمسمئة
فيها : كانت وفاة القاضي عياض بن موسى بن عياض بن عمرون(٥) بن موسى بن عياض بن محمد بن
موسى بن عياض اليحصبي السَّبتي قاضيها .
أحد مشايخ العلماء المالكية، وصاحب المصنَّفات الكثيرة المفيدة الشهيرة (٦)، منها: ((الشفا )(٧)،
و (( شرح(٨) مسلم))، و((مشارق الأنوار)(٩) وغير ذلك(١٠) . وله شعر حسن . وكان إماماً في علوم
كثيرة ، كالفقه واللغة والحديث والأدب وأيام الناس . ولد سنة ست وستين وأربعمئة . وتوفي في يوم
الجمعة في جمادى الآخرة ، وقيل : في رمضان ، من هذه السنة ، بمدينة سبتة ، رحمه الله .
وفيها : غزا الملك نور الدين محمود بن زنكي صاحب حلب بلادَ الفرنج ، فقتل منهم خلقاً [ كثيراً
(١) ط : أبو الحجاج يوسف بن درباس.
(٢) ترجمته في معجم البلدان (فندلاو) ومرآة الزمان (٨/ ٢٠٠) واللباب (٤٤٢/٢) والروضتين (٥٣/١) ووفيات
الأعيان (٢/ ٤٥٢) وتذكرة الحفاظ (١٢٩٧/٢) والعبر (١٢٠/٤) ومرآة الجنان (٢٨٠/٣) والنجوم
(٢٨٢/٥) .
تاريخ دمشق لابن القلانسي (٤٦٤) والروضتين (٥٣/١).
(٣)
(٤) ليست عبارة الترحم في ب .
(٥) كذا في ب وهو كذلك في ترجمة القاضي عياض لابنه محمد ومثله في الديباج المذهب (٤٦/٢) وفي آ: عمر ،
وفي ط : عمرو ، وكذا في مصادر ترجمته وخط الذهبي في تاريخ الإسلام (٨٦٠/١١) وسير أعلام النبلاء
(٢٠ / ٢١٣) .
(٦) ليس في ط .
(٧) اسمه : الشفا بتعريف حقوق المصطفى .
(٨) اسمه : الإكمال في شرح كتاب مسلم ، كمل به كتاب : المعلم في شرح مسلم ، للمازري .
(٩) اسمه : مشارق الأنوار على صحاح الآثار ، وهو كتاب مفيد جداً في تفسير غريب الحديث المختص بالصحاح الثلاثة
وهي الموطأ والبخاري ومسلم . وفيات الأعيان .
(١٠) وله أيضاً كتاب : ترتيب المدارك وتقريب المسالك في ذكر فقهاء مذهب مالك، وكتاب : العقيدة ، وكتاب : شرح
حديث أم زرع ، وكتاب : جامع التواريخ .

١٢٥
أحداث سنة ٥٤٤هـ
وجماً غفيراً (١)، فكان(٢) فيمن(٣) قتل البرنس ملك(٤) أنطاكية، وفتح شيئاً كثيراً من قلاعهم ، ولله
الحمد والمنة . وكان قد استنجد بمعين الدين أنر أتابك دمشق ، فأرسل إليه بفريق من جيشه صحبة الأمير
مجاهد الدين بزان بن مامينُ(٥) نائب صرخد فأبلوا بلاءً حسناً . وقد قال الشعراء(٦) في هذه الغزوة
أشعاراً كثيرة ، منهم ابن القيسراني وغيره ، وقد سردها الشيخ شهاب الدين أبو شامة في
((الروضتين (٧) .
وفي يوم الأربعاء ثالث ربيع الآخر استوزر للخلافة أبو المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة ولقب عون
الدين ، وخلع عليه .
وفي رجب قصد ملكشاه بن محمود بغدادَ ومعه خلق من الأمراء ، منهم علي بن دُبَيْس وجماعة من
التركمان وغيرهم ، وطلبوا من الخليفة أن يُخطب له ، فامتنع من ذلك ، وتكررت المكاتبات ، وأرسل
الخليفة إلى السلطان مسعود يستحثّه في القدوم ، فتمادى عليه ، وضاق النطاق ، واتسع الخرق على
الراقعُ(٨). وكتب الملك سنجر إلى ابن أخيه مسعود يتوعده إن لم يسرع المشي إلى الخليفة . فما جاء إلا
في أواخر السنة ، فانقشعت تلك الشرور كلها ، وتبدَّلت سروراً أجمعها .
وفي هذه السنة زلزلت الأرض زلزالاً شديداً ، وتموّجت الأرض عشر مرات ، وتقطّع جبل بحلوان ،
وانهدم الرباط البهروزي(٩)، وهلك خلق كثير بالبرسام (١) ، لا يتكلم المرضى به حتى يموتوا .
وفيها : مات سيف الدين غازي بن زنكي ، صاحب الموصل ، وملك بعده أخوه قطب الدين مودود
ابن زنكي ، وتزوج بامرأة أخيه التي لم يدخل بها الخاتون بنت تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق صاحب
(١) عن آوحدها .
(٢) ط : وكان .
(٣) ا: ممن .
(٤) ط : صاحب .
(٥) في ط : مروان بن ماس ، وفي الروضتين : نران بن مامين ، وفي الوفيات (١/ ٢٤١) : بزان ، وما هنا من تاريخ
ابن القلانسي وخط الذهبي في تاريخ الإسلام (١١/ ٧٥٩).
(٦) من هؤلاء الشعراء أحمد بن منير الطرابلسي ومطلع قصيدته التي تقع في اثنين وستين بيتاً :
وعلا الهدى وتبلجت قسماته
أقوى الضلال وأقفرت عرصاته
(٧) الروضتين (٥٨/١ - ٦٢).
(٨) المثل فى معجم الأمثال العربية (تأليف رياض عبد الحميد مراد) - طبع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في
الرياض (٢٨/٢ ) (ع ) .
(٩) ط: النهر جوري، والخبر في المنتظم (١٣٨/١٠).
(١٠) البرسام - بالكسر - فارسي معرب ، معناه: ورم الصدر ، لأنّ بِرْ معناه بالفارسية : الصدر ، وسام معناه : الورم.
قاموس الأطباء (٢/ ٥٤) والقاموس المحيط ( البرسام).

١٢٦
أحداث سنة ٥٤٤ هـ
ماردين ، فولدت له أولاداً ، كلهم ملكوا الموصل، وكانت هذه الخاتون (١) تضع خمارها بحضرة (٢)
خمسة عشر ملكاً .
وفيها سار الملك نور الدين محمود ٣) إلى سنجار ففتحها ، فجهز إليه أخوه قطب الدين مودود جيشاً
ليرده عنها ، ثم اصطلحا ، فعوّضه عنها الرحبة وحمص ، واستمرت سنجار لقطب الدين ، وعاد نور
الدين إلى بلده . وغزا في هذه السنة الفرنج(٤) فقتل منهم خلقاً ، وأسر البرنس صاحب أنطاكية . فمدحه
الشعراء ، منهم الفتح القيسراني بقصيدة طنَّانة يقول في أولها٥): [من البسيط ]٦)
وَذِي المَكارمُ لا ما قالتِ الكُبُ
هُذِي العَزائِمُ لا ما تَدَّعي (٧) القُضُبُ
تعثَّرتْ خَلْفَها الأشعارُ والخُطبُ
وهذِهِ الهِمَمُ اللَّتِي مَتَى خَطَبَتْ
براحةٍ للمساعي دُونَها٨) تَعَبُ
صافحتَ يابْنَ عمادِ الدِّينِ ذِروَتَها
حتى بنى (٩) قُبَّةً أوتادُها الشُّهبُ
ما زالَ جدُّكَ يبني كُلَّ شاهقةٍ
وفيها : فتح نور الدين حصن أفامية ، وهو قريب من حماة .
وفيها : مات صاحب مصر الحافظ (١) لدين الله عبد المجيد بن أبي القاسم محمد بن المستنصر ،
فقام بالأمر من بعده ولده الظافر(١١) إسماعيل . وقد كان أحمد بن الأفضل بن أمير الجيوش قد استحوذ
على الحافظ، [وخطب بمصر للقائم آخر الزمان، وأذّن ١٢٣) بحيّ على خير العمل . والحافظ هذا هو
الذي وضع طبل القولنج الذي إذا ضربه من به القولنج يخرج منه القولنج والرِّيح الذي به ١٣).
(١) ط : المرأة .
(٢) ب ، ط : بين .
(٣) ليس في ط .
ط : ثم غزا فيها الفرنج .
(٤)
آ : في آخرها . تصحيف .
(٥)
الأبيات مطلع قصيدة تقع في اثنين وخمسين بيتاً وردت في الروضتين (٥٨/١ - ٦٠).
(٦)
(٧) ط : تنعق .
(٨) آ : تعبها .
(٩) في الروضتين : ابتنى.
(١٠) ترجمته وأخباره عند ابن الأثير (٢٤/٩ - ٢٥) والروضتين (٦٥/١) ووفيات الأعيان (٢٣٥/٣ -٢٣٧) والعبر
( ٤ / ١٢٢ ) .
(١١) أخباره وترجمته عند ابن الأثير (٤٣/٩ - ٤٤) والروضتين (٩٧/١ - ٩٨) ووفيات الأعيان (٢٣٧/١ - ٢٣٧)
والعبر (١٣٦/٤).
(١٢) ط : وخطب له بمصر ثلاثاً، ثم أخر الأمر أذن .
(١٣) آ: وللحافظ وضع قليل القولنج الذي كان من ضربه يخرج خروج .

١٢٧
وفيات سنة ٥٤٤هـ
الأمير نظر الخادم ، فمرض بالكوفة ، فرجع واستخلف على الحجاج مولاه
(١)
وخرج بالحجیج
قايماز(٢) . وحين وصوله إلى بغداد ، توفي رحمه الله بعد أيام ، فطمِعت العرب في الحجاجُ(٣) ، فوقفوا
لهم في الطريق وهم راجعون ، فضعف قايماز عن مقاومتهم ، فأخذ لنفسه أماناً ، وهرب وأسلم إليهم
الحجيج ، فقتلوا أكثرهم ، وأخذوا أموال الناس ، وقلّ مَنْ سلم فيمن نجا ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
وفيها : مات معين الدين أن(٤) أتابك العساكر بدمشق . وكان أحد ممالك ◌ُغتِكين ، ثم كان بعد ذلك
أتابك الملوك٥) بدمشق. وهو والد الست عصمة (٦) الدين خاتون زوجة الملك نور الدين ، وهو (٧) واقف
المدرسة المعينية داخل باب الفرج، وقبره في قبة قبلي(٨) الشامية البرانية بمحلّة العُوَيْنة عند دار البطيخ .
ولما مات معين الدين قويت شوكة الوزير الرئيس مؤيد الدولة علي بن الصوفي وأخيه زين الدولة
حيدرة ، ووقعت بينهما وبين الملك مجير الدين أبق(٩) وحشة، اقتضت أنهما جَنَّدا١) من العامة
والغوغاء ما يقاومه (١١) فاقتتلوا ، فقتل خلقٌ من الفريقين . ثم وقع الصلح بعد ذلك ، وامتدحه الشعراء .
وممن توفي فيها [ من الأعيان (١٢) :
أحمد بن نظام الملك الحسن بن علي(١٣) ، أبو نصر الوزير للمسترشد وللسلطان محمود :
وقد سمع الحديث . وكان من خيار الوزراء ، رحمه الله .
أحمد بن [محمد بن ١٤٣) الحسين الأَرَّجاني (١٥) ، قاضي تُسْتَر :
(١) ط : بالحجاج الأمير قطز .
(٢) ط : قيماز .
(٣) آ: وطمعت العرب في الحجيج.
(٤) ترجمته وأخباره في ابن الأثير (٢٦/٩) ووفيات الأعيان (٢٩٧/١ و١٠٨٤/٥) والعبر (١٢١/٤)، وتاريخ
الإسلام (١١/ ٨٥٢).
(٥) آ : المسلمون .
سترد ترجمتها في هذا الجزء . وفيات سنة ٥٨١ .
(٦)
(٧) عن ط وحدها .
(٨) ط : قتلى . تصحيف.
(٩) ط : أرتق . تحريف .
(١٠) ا، ب : أن حشداً.
(١١) آ : تقاومانه .
(١٢) ليس في ب.
(١٣) ترجمته في المنتظم (١٣٨/١٠ -١٣٩) وابن الأثير (٢٦/٩) وتاريخ الإسلام (٨٤٤/١١).
(١٤) ليس في ب .
(١٥) ترجمته في المنتظم (١٣٩/١٠) ومعجم البلدان (أرجان) وابن الأثير (٢٦/٩) ووفيات الأعيان (١٥١/١ _=

١٢٨
وفيات سنة ٥٤٤هـ
[ روى الحديث ]١)، وكان له شعر حسن رائق، يبتكر(٢) معاني حسنة، فمن ذلك قوله : [ من
الطويل ]٣)
أخا ثقةٍ عند اعتراضِ الشدائدِ
وَلَمَّا بَلَوْتُ النَّاسَ أطلبُ منهمُ(٤)
وناديتُ في الأحياءِ هل من مساعدٍ
تطمَّعْتُ في حالَيْ رخاءٍ وشدّةٍ
ولم أر فيما سرّني غيرَ حاسدٍ
فلم أر فيما ساءني غيْرَ شامتٍ
ورحتُ فلا ألوي على غير واحدٍ(٥)
فطلّقتُ وُدَّ العالمينَ جميعهم
وأوردتُما قلبي أمرَّ المواردِ
تَمَتَّعْتُما يا ناظِريّ بنظرةٍ
من البغي سَعْيُ اثنين في قتلٍ واحدٍ
أَعينيَّ كُفَّا عن فؤادي فإنَّه
القاضي (٦) عياض بن موسى السبتي (٧): صاحب التصانيف المفيدة. ومن شعره قوله: [ من البسيط ]
كطائرٍ خانه ريشُ الجناحَيْن
اللهُ يعلمُ أني منذُ لم أَرَكُمْ
فإنَّ بُعدَكم عني جَنَى حَيْنِي
ولو قدرتُ رکبتُ البحر نحو گُم
وقد ترجمه ابن خلكان(٨) ترجمة حسنة جدا٩ً) .
عيسى بن هبة الله بن عيسى، أبو عبد الله النقاش (١٠)
سمع الحديث . ومولده سنة سبع وخمسين وأربعمئة .
١٥٥) والعبر (١٢١/٤) وتذكرة الحفاظ (١٣٠٦/٤) ومرآة الجنان (٢٨١/٣).
=
(١) ليس في آ.
(٢) ط : يتضمن .
(٣) الأبيات في المنتظم (١٣٩/١٠ - ١٤٠).
ط : عندهم .
(٤)
البيت عن ط وحدها .
(٥)
ليست الترجمة في أ .
(٦)
(٧) ترجمته في إنباه الرواة (٣٦٣/٢) ووفيات الأعيان (٤٨٣/٣ - ٤٨٥) والعبر (١٢٢/٤) وتذكرة الحفاظ
(٤ / ١٣٠٤) ومرآة الجنان (٢٨٢/٣).
(٨) وفيات الأعيان (٤٨٣/٣ - ٤٨٥).
(٩) ليس في ط .
(١٠) ترجمته في المنتظم (١٤١/١٠) وابن الأثير (٢٧/٩) وتاريخ الإسلام (٨٦٢/١١) وفوات الوفيات (١٦٥/٣ -
١٦٦ ) .

١٢٩
وفيات سنة ٥٤٤هـ
قال ابن الجوزي(١): وكان ظريفاً خفيف الروح . له نوادر حسنة ، قد رأى الناس ، وعاشر
الأكياس ، وكان يحضر مجلسي ويكاتبني وأكاتبه . كتبت إليه مرة فعّمته في الكتاب(٢) ، فكتب إليّ :
[ مخلع البسيط ]
قد زِدْتَني في الخطابِ حتَّى خشيتُ نقصاً من الزيادة (٣)
فاجعل خِطابي خطابَ مثلي ولا تُغَيّزْ عَلَيَّ عَادَة٤ً)
وله ٥) : [من المتقارب ]
نشاطاً فذلكَ موتٌّ خفي
إذا وَجَدَ الشيخُ في نفسِهِ
له لهَبٌ قبلَ أن ينطفي
ألستَ تَرَى أنّ ضوءَ السراجِ
غازي بن [ زنكي بن ]٦) آقسنقر(٧) الملك سيف الدين صاحب الموصل : وهو أخو نور الدين محمود
صاحب حلب ، ثم دمشق ، [ فيما بعد (٨) ، وقد كان سيف الدين هذا من خيار الملوك وأحسنهم سيرة ،
وأجودهم سريرة ، وأصبحهم صورة ، شجاعاً كريماً ، يذبح كل يوم لجيشه مئة من الغنم ، ولمماليكه
ثلاثين رأساً ، وفي يوم العيد ألف رأس ، سوى البقر والدجاج. وهو أول من حُمِلَ على رأسه سنجق من
ملوك الأطراف ، وأمر الجند ألا يركبوا إلا بسيف ودبوس . وبنى مدرسة بالموصل ، ورباطاً للصوفية .
وامتدحه الحيص بيص(٩) فأعطاه ألف دينار عيناً ، وخلعة . ولما توفي بالحمى في جمادى الآخرة من هذه
السنة ، دفن في مدرسته المذكورة ، وله من العمر أربعون سنة وكانت مدة ملكه بعد أبيه ثلاث سنين
وخمسین یوماً ، رحمه الله .
نظر الخادمُ"(١) أمير الحاج مدةً عشرين سنة وأكثر. وسمع الحديث ، وقرأ على ابن الزاغوني ،
(١) المنتظم (١٠/ ١٤١) .
(٢) آ : الكتابة .
(٣) البيت ورد نثراً في ط .
(٤)
لم يرد هذا البيت في غيراً .
ب : ومن شعره . والبيتان في فوات الوفيات .
(٥)
ترجمته في تاريخ ابن القلانسي (٤٧٦) والروضتين (٦٥/١) وابن الأثير (٢٣/٩ -٢٤) ومرآة الزمان (٢٠٣/٨)
(٦)
ووفيات الأعيان (٤/٤ - ٩٥ والعبر (١٣٥/٤) ومرآة الجنان (٢٨٣/٣ - ٢٨٤).
(٧) عن آوحدها .
(٨) عن ط وحدها .
(٩) سترد ترجمته في حوادث سنة ٥٧٤ من هذا الجزء .
(١٠) ترجمته في المنتظم (١٤١/١٠ _ ١٤٢) وابن الأثير (٢٧/٩) وتاريخ الإسلام (١١/ ٨٧٠) وعند ابن الجوزي:
نظر بن عبد الله الجيوشي ، أبو الحسن الخادم .

١٣٠
أحداث سنة ٥٤٥هـ
وكان يحب العلم والصدقة ، وكان الحاج معه في غاية الدَّعة والراحة والأمن ، وذلك لشجاعته ووجاهته
عند الخلفاء والملوك والأمراء . [ وكانت وفاته بعد رجوعه ]١) من (٢) طريق الحجاز ليلة الثلاثاء الحادي
عشر من ذي القعدة ، ودفن بالرّصافة .
ثم دخلت سنة خمس وأربعين خمسمئة
فيها : فتح نور الدين محمود حصن أفامية ، وهو من أحصن القلاع ، [ وأمتع البقاع ]٣) . وقيل :
فتحه(٤) في السنة(٥) التي قبلها .
وفيها : قصد دمشق ليأخذها ، فلم يتفق له أخذها٦) ، فخلع على ملكها مجير الدين أبق(٧) وعلى
وزيره الرئيس ابن الصوفي ، وتقررت الخطبة(٨) له بها بعد الخليفة والسلطان ، وكذلك السِّكة.
وفيها : فتح نور الدين حصن عزاز(٩) ، وأسر ابن ملكها ابن جوسلين ، ففرح المسلمون بذلك كافة ،
ثم أُسر بعده والده جوسلين الملك الإفرنجي(١٠)، [ فكانت الفرحة أعظم، وفتح بعد أسره من بلاده شيئاً
كثيراً من الحصون ، ولله الحمد والمنة ، وبه التوفيق والعصمة }(١) .
وفي المحرم منها حضر يوسف الدمشقي تدريس النظامية ، وخلع عليه، وحضر عنده ١٢) الأعيان
ولمَّا لم يكن ذلك بإذن الخليفة بل بمرسوم السلطان ، وابن نظام الملك ، منع من ذلك ، فلزم بيته ، ولم
يعد إلى المدرسة بالكلية ، وولي بعده الشيخ أبو النجيب بإذن الخليفة ومرسوم السلطان .
(١) مكانهما في ط : توفي .
(٢) آ : من أسنا .
(٣) ليس في ط .
عن ط وحدها .
(٤)
(٥)
ليس في ط .
(٦) ط : ذلك .
(٧) ط : ارتق .
(٨) آ، ب : وتقرر الحال على الخطبة له.
(٩) ط : اعزاز . وهي لغة فيها.
(١٠) ط : الفرنجي.
(١١) ط : فتزايدت الفرحة بذلك، وفتح بلاداً كثيرة من بلاده .
(١٢) ليس في ب .

١٣١
وفيات سنة ٥٤٥هـ
قال ابن الجوزي : وفي هذه السنة وقع باليمن(١) مطر كله دم حتى صبغ ثياب الناس.
وممن توفي فيها من الأعيان :
الحسن بن ذي النون بن أبي القاسم بن أبي الحسن ، أبو المفاخر النيسابوري (٢):
قدم بغداد ، فوعظ بها ، وجعل ينال من الأشعرية(٣) ، فأحبته الحنابلة ، ثم اختبروه فإذا هو معتزلي
ففتر سوقه ، وجرت بسببه فتنة ببغداد . وقد سمع منه ابن الجوزي(٤) شيئاً من شعره ، من ذلك : [ البسيط ]
وماتَ من بعدهم تلك الكراماتُ
ماتَ الكرامُ ومرّوا وانقضوا ومَضَوْا
وخلَّفونيَ في قومٍ ذوي سَفَهٍ لَوْ أبصروا طيفَ ضيفٍ في الكرى ماتوا
عبد الملك بن عبد الوهاب الحنبلي(٥) القاضي ، بهاء الدين :
كان يعرف مذهبَيْ (٦) أبي حنيفة وأحمد ، ويناظر عنهما ، ودفن مع أبيه وجده بقبور الشهداء .
عبد الملك بن أبي نصر بن عمر(٧) ، أبو المعالي الجيلي :
كان فقيهاً صالحاً ديّناً متعبّداً فقيراً ، ليس له بيت يسكنه ، وإنما يبيت بالمساجد المهجورة . وقد
خرج مع الحجيج فأقام بمكة يعبد ربه ، ويفيد العلم ، فكان أهلها يثنون عليه خيراً .
الفقيه (٨) أبو بكر بن العربي المالكي (٩): شارح الترمذي(١٠)
(١) ط : في هذه السنة وقع مطر باليمن .
(٢) ترجمته في المنتظم (١٤٣/١٠ - ١٤٤) وابن الأثير (٢٩/٩) وتاريخ الإسلام (١١/ ٨٧٢).
(٣) ط : الأشاعرة .
(٤) المنتظم ( ١٠ / ١٤٤) .
(٥) ترجمته في الروضتين (٧٧/١) وتاريخ الإسلام (٨٧٧/١١) وذيل ابن رجب (٢١٩/١) والمنهج الأحمد
(٣٠٤/٢) .
(٦) ط : مذهب .
(٧) ترجمته في المنتظم (١٠ /١٤٤ - ١٤٥) وتاريخ الإسلام (٨٧٨/١١).
(٨) لم ترد هذه الترجمة في ا.
(٩) ترجمته في برنامج شيوخ الرعيني (١١٧ - ١٢٠) ووفيات الأعيان (٢٩٦/٤ - ٢٩٧) والمغرب (٢٤٩/١) والعبر
(٤/ ١٢٥/ في وفيات سنة ٥٤٦) والوافي بالوفيات (٣٣٠/٣) ومرآة الجنان (٢٧٩/٣/ في وفيات سنة ٥٤٣ )
ونفح الطيب (٢٥/٢) واسمه فيها : محمد بن عبد الله بن محمد المعافري الإشبيلي المالكي المعروف بابن
العربي ، وهو غير ابن عربي المتصوف .
(١٠) ب: شارح الأحوذي، وهو جزء من اسم الكتاب : عارضة الأحوذي بشرح سنن الترمذي . وهو مطبوع .

١٣٢
أحداث سنة ٥٤٦ هـ
وكان فقيهاً عالماً ، وزاهداً عابداً ، وسمع الحديث بعد اشتغاله في الفقه ، وصحب الغزالي وأخذ
عنه ، وكان يتهمه برأي الفلاسفة ، ويقول دخل في أجوافهم فلم يخرج منها ، والله سبحانه أعلمُ (١).
ثم دخلت سنة ست وأربعين وخمسمئة
فيها : أغار جيش (٢) السلطان على بلاد الإسماعيلية ، فقتلوا خلقاً ، ورجعوا سالمين .
وفيها : حاصر نور الدين دمشق [ شهوراً، ثم ترحّل عنها إلى حلب ]٣) ، وكان الصلح على يدي
البرهان البلخي ، رحمه الله .
وفيها : اقتتل الفرنج وجيش نور الدين محمود ، فانهزم المسلمون ، وقُتل منهم خلق ، فإنا لله وإنا
إليه راجعون .
ولما وقع هذا الأمر شقّ ذلك على الملك نور الدين، وترك الترفّه، وهجر اللَّذه٤) ، حتى يأخذ
بالثأر . ثم إنّ أمراء التركمان ، ومعهم جماعة من أعوانهم(٥) ترصّدوا الملك جوسلين ، فلم يزالوا به حتى
أسروه في بعض متصيّداته ، فأرسل نور الدين ، فكبس التركمان ، وأخذ منهم جوسلين أسيراً . وكان من
أعيان(٦) الكفرة، [ وأعظم الفجرة ]٧)، لعنه الله. فأوقفه نور الدين بين يديه [ في أذل حال 11) ، ثم
سجنه . ثم سار نور الدين فملك بلاده كلَّها٩) .
وفي ذي الحجة جلس ابن العبادي في جامعُ "١) المنصور، وتكلم وعنده١١) جماعة من الأعيان ،
وكادت الحنابلة يُثيرون فتنةً ذلك اليوم ، لكونه غير حنبلي ، ولكنْ لطف الله وسلم .
(١) اختلف المؤرخون في وفاته، فذكر ابن بشكوال ( الصلة، الترجمة ١٢٩٧)، وعلي بن المفضل المقدسي في
وفيات النقلة ( كما نقل الذهبي ) ، وابن خلكان أنه توفي سنة ٥٤٣هـ ، وورقه ابن النجار في سنة ست ، وصحح
الذهبي وفاته في سنة ثلاث ( تاريخ الإسلام ٨٣٦/١١) (بشار).
(٢) ليس في ط .
(٣) آ : شهراً ثم رحل إلى مدينة مري .
(٤) آ، ب : وهجر اللذة والترفه .
(٥) آ، ب : وأغرى بهم جماعة من التركمان فترصدوا لملكهم .
(٦) أَ : أعتاء .
(٧) عن آوحدها .
(٨) عن ط وحدها .
(٩) ط : ثم سار نور الدين إلى بلاده فأخذها كلها بما فيها .
(١٠) آ، ب : بجامع.
(١١) أ، ب : عنده .

وحج بالناس فيها قايمار(١) الأرجواني .
وممن توفي فيها [ من الأعيان ]٢):
الشيخ برهان الدين ، أبو الحسن علي(٣) البلخي ، شيخ الحنفية بدمشق :
درّس بالبلخية ، ثم بالخاتونية البرانية . وكان عالماً عامل٤ً) ، ورعاً زاهداً . ودفن بمقابر باب
الصغير .
ثم دخلت سنة سبع وأربعين وخمسمئة
فيها : توفي السلطان مسعود . وقام بالأمر من بعده ابن أخيه ملكشاه بن محمود . ثم جاء السلطان
محمد فأخذ الملك ، واستقر له . وقتل الأمير خاص بك ، وأخذ أمواله ، وألقاه للكلاب ، [ فاختبطت
بغداد ، واضطربت الأمور ، وتغيرت القواعد °) . وبلغ الخليفة أن واسط قد تخَّطت أيضاً ، فركب
إليها في الجيش في أُبَّهة عظيمة ، وأصلح شأنها ، وكرّ على الكوفة والحلة ، ثم عاد إلى بغداد [ مؤيداً
منصوراً (٦)، فزينت له البلد(٧) ، ولله الحمد .
وفيها : ملك عبد المؤمن صاحب بلا(٨) المغرب بجاية ، وهي بلاد بني حماد ، فكان آخر ملوكهم
يحيى بن عبد العزيز بن حماد . ثم بعث جيش٩ً) إلى صنهاجة فحاصرها وأخذ أموالها .
وفيها : كانت وقعة عظيمة ١٠) بين نور الدين محمود(١) وبين الفرنج ، فكسرهم وقتل منهم خلقا١ً)
كثيراً ، ولله الحمد والمنة .
(١) ط : قيماز .
(٢) ليس في ب .
(٣) ط : بن علي .
ب : عاملاً عالماً .
(٤)
ليس في ط .
(٥)
(٦) ليس في ط .
(٧) ا : بغداد .
(٨) عن آوحدها .
(٩) ط : ثم جهز عبد المؤمن جيشاً .
(١٠) عن ط وحدها .
(١١) ط : الشهيد .
(١٢) ليس في ب .

١٣٤
وفيات سنة ٥٤٧ هـ
وفيها : اقتتل السلطان سنجر وملك الغور علاء الدين الحسين بن الحُسين(١) أول ملوكهم ، فكسره
سنجر وأسره ، فلما أحضره بين يديه قال له : ماذا كنت تصنع بي لو أسرتني ، فأخرج قيداً من فضة ،
وقال : كنت أقيدك بهذا . فعفا عنه ، وأطلقه إلى بلاده ، فسار إلى غزنة فانتزعها من يد صاحبها بهرام شاه
السُّبكْتِكِيني ، واستخلف عليها أخاه سيف الدين ، فغدر به أهل البلد ، وسلموه إلى بهرام شاه فصلبه .
ومات بهرام شاه قريباً ، فسار إليها علاء الدين ، فهرب خسرو بن بهرام شاه عنها ، فدخلها علاء الدين ،
فنهبها ثلاثة أيام، وقتل [ من أهلها }٢) بشراً كثيراً، وسخَّر أهلها، فحملوا تراباً في مخالي(٣) إلى محلة
هناك ، بعيدة عن البلد ، فعمر من ذلك التراب قلعة معروفة إلى الآن ، وبذلك انقضت (٤) دولة بني
سبكتكين عن بلاد غزنة وغيرها . وكان ابتداء أمرهم في سنة ست وستين وثلاثمئة إلى سنة سبع وأربعين
وخمسمئة ، وكانوا من خيار الملوك ، وأكثرِهم جهاداً في الكفرة ، وأكثرهم أموالاً ونِساءً وعَدداً وعُدداً ،
وقد كسروا الأصنام ، وأبادوا الكفار ، وجمعوا من الأموال ما لم يجمع غيرهم من الملوك ، مع أن بلادهم
كانت من أطيب البلاد وأكثرهم ريفاً ومياهاً، ففني جميعه وزال عنهم ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَلِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِ الْمُلْكَ مَنْ
تَشَآءُ وَتَنِعُ الْمُلْكَ مِمَن تَشَاءُ وَتُعِزُ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُ مَن تَشَدٌَ بِيَدِكَ الْخَيْرٌ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [ آل عمران: ٢٦].
ثم ملك الغورُ الهند وخراسان ، واتسعت ممالكهم ، وعظم سلطانهم .
وحكى ابن الجوزي في (( المنتظم (٥) أنّ في هذه السنة باض ديك بيضة واحدة ، وباض بازي
بيضتين ، وباضت نعامة ليس لها ذكر ، وهذا شيء عجيب .
وممن توفي فيها من الأعيان :
المظفر بن أردشير ، أبو منصور العَبَّادي (٦) الواعظ :
سمع الحديث ، ودخل بغداد ، فأملى ووعظ ، وكانٌ(٧) يكتب ما يعظ الناس به ، فاجتمع له من ذلك
مجلدات .
(١) في بعض النسخ: ((الحسن))، وما هنا من ط وخط الذهبي في تاريخ الإسلام (١١ / ٧٦٥).
(٢) آ، ب : منها .
(٣) اللفظة مصحفة في ا. وفي ب: من محال إلى محلة. والخبر في ابن الأثير (٩/ ٣٣).
(٤) آ، ب : انتقضت .
(٥)
المنتظم ( ١٤٦/١٠).
(٦) ترجمته في الأنساب (العبادي) والمنتظم (١٠/ ١٥٠ - ١٥١) ومعجم البلدان (سنج) وابن الأثير (٩/ ٣٠)
ووفيات الأعيان (٢١٢/٥ - ٢١٣) وتلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب (ج ٤/ ق٣/ ٧٢٠ - ٧٢١)، وتاريخ
الإسلام (١١/ ٩١٧).
(٧) ط : وكان الناس يكتبون ما يعظ به .

١٣٥
وفيات سنة ٥٤٧هـ
قال ابن الجوزي(١): لا تكاد٢) تجد في المجلد منها خمس كلمات جيدة . [ وتكلم فيه وأطال الحط
عليه (٣) واستحسن من كلامه قوله ، وقد سقط مطر، وهو يعظ الناس، ففر(٤) الناس إلى ما تحت
الجدران فقال : لا تفرّوا من رشاش ماء رحمة ، قطر من سحاب نعمة ، ولكن فِرُّوا من شرار(٥) نار ،
اقتدح من زناد الغضب . توفي وقد جاوز الخمسين بقليل .
مسعود٦) السلطان بن ( محمد بن (٧) ملكشاه بن ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق التركي
السلجوقي صاحب العراق(٨) وغيرها :
حصل له من التمكُّن والسعادة شيء كثير لم يحصل لغيره ، وجرت له خطوب [ كثيرة ، وحروب (٩)
طويلة١٠)، وقد(١) أُسر في بعض تلك الحروب الخليفة المسترشد كما تقدم. [ وكانت وفاته (١٢) يوم
الأربعاء سلخ جمادى الآخرة [ من هذه السنة (١٣) .
يعقوب الخطاط الكاتب (١٤)
توفي بالنظامية، فجاء ديوان الحشرية (١٥) ليأخذوا١ً) ميراثه لبيت المال ، فمنعهم الفقهاء ، فجرت
فتنة عظيمة آل الحال إلى عزل مدرِّسها١٧) الشيخ أبي النجيب، وضربه تعزيراً بالديوان(١٨).
(١) المنتظم (١٠/ ١٥١) .
(٢) آ ، ب : لا یکاد .
(٣) ا : وأطال فيه الحث عليه .
(٤) ط : وقد ذهب الناس إلى تحت الجدران.
(٥)
ب ، ط : رشاش .
(٦) ترجمته وأخباره فى المنتظم (١٥١/١٠) وابن الأثير (٣١/٩ - ٣٢) والروضتين (٨٩/١) ووفيات الأعيان
(٢٠٠/٥ - ٢٠٢) والعبر (١٢٧/٤ -١٢٨) ومرآة الجنان (٢٨٥/٣).
(٧) ما بين الحاصرتين إضافة لا بد منها . ( بشار).
(٨) آ : صاحب ملك العراق .
(٩) ليس في ط .
(١٠) ب : خطوب طويلة وحروب كثيرة .
(١١) عن ط وحدها .
(١٢) ط : توفي.
(١٣) ط : منها .
(١٤) ترجمته في المنتظم (١٠/ ١٥٢) وابن الأثير (٣٧/٩) وتاريخ الإسلام (٩٢٠/١١).
(١٥) ط : الحشر .
(١٦) ا: ليأخذوا منه .
(١٧) ط : المدرس .
(١٨) ليست اللفظة الأخيرة في ط .

١٣٦
أحداث سنة ٥٤٨هـ
ثم دخلت سنة ثمان وأربعين وخمسمئة
فيها : وقعت الحرب بين السلطان سنجر وبين الأتراك [ ببلاد بلغ (١) ، فقتل الأتراك من جيشه خلقاً
كثيراً ، بحيث صارت القتلى مثل التلال العظيمة (٢) ، وأسروا السلطان سنجر وقتلوا من كان معه من الأمراء
صبراً ، ولما أحضروه [ قاموا بين يديه ]٣) وقبّلوا الأرض [ بين يديه }٤) ، وقالوا : نحن عبيدك ، وكانوا
عدة من الأمراء الكبار(٥) من مماليكهم، فأقام عندهم شهرين ، ثم جاؤوا معه (٦) ، فدخلوا مرو ، وهي
كرسيّ مملكة خراسان ، فسأله بعضهم أن يجعلها له إقطاعاً ، فقال سنجر : هذا لا يمكن ، هذه كرسيّ
المملكة ، فضحكوا منه ، وأضرط به (٧) بعضهم ، فنزل عن سرير المملكة . ودخل خانقاه ، وصار فقيراً
من جملة أهلها ، وتاب عن الملك ، واستحوذ أولئك الأتراك على البلاد ، فنهبوها ، وتركوها قاعاً
صفصفاً ، وأفسدوا في الأرض فساداً عريضاً ، وأقاموا سليمان شاه ملكاً ، فلم تطل أيامه(٨) حتى عزلوه ،
وولّوا ابنَ أخت سنجر الخاقان محمود بن محمد بن کوخان ، وتفرّقت الأمور ، واستحوذ كل إنسان منهم
على ناحية من تلك الممالك ، وصارت الدولة دولاً .
وفيها : كانت حروب كثيرة بين عبد المؤمن وبين العرب ببلاد المغرب .
وفيها : أخذت الفرنج مدينة عسقلان من السواحل (٩) .
وفيها : خرج الخليفة إلى واسط في جحفل فأصلح شأنها ، وعاد إلى بغداد .
وحج بالناس فيها قيماز الأرجواني .
وفيها : كانت وفاة الشاعرين القرينين الشهيرين المشبّهَيْن في الزمان الأخير ، بالفرزدق وجرير ،
(١) ليس في ط .
(٢) ا: فقتلوا من خلقه جيشاً كثيراً جداً، بحيث بقيت القتلى مثل السلال العظيمة .
(٣) عن ط وحدها .
(٤) ط : له .
(٥) آ : الكرام .
(٦) ط : ثم أخذوه .
(٧) ط : وضرطوا به . آ، ب: وأضرط له ، وكلاهما تصحيف . وأضرط به : عمل بفيه كالضراط ، وهزىء به.
( القاموس ) .
(٨) آ: مدته .
(٩) ط : ساحل غزة .

١٣٧
وفيات سنة ٥٤٨هـ
وهما : أبو الحسين (١) أحمد بن منير الجوني(٢) بحلب، وأبو عبد الله محمد بن نصر بن صغير ابن
القيسراني الحلبي (٣) بدمشق، رحمـ
وممن توفي فيها :
أحمد(٤) بن منير بن أحمد بن مُفْلح ، أبو الحسين الطرابلسي الشاعر الرفاء(٥) : قال الحافظ ابن
عساكر(٦): كان أبوه ينشد بأسواق طرابلس أشعار العوني(٧)، ويغنِّي. ونشأ أبو الحسين هذا، فقرأ
القرآن ، وتعلّم العربية والأدب ، وصار إلى مذهب الإمامية ، فكان رافضياً خبيثاً ، يكثر الهجو
والفحش ، وقد سجنه بوري بن طُغتِكين بدمشق على سوء طريقته (٨) . وأراد قطع لسانه ، فاستوهبه منه
الحاجب يوسف بن فيروز ، فوهبه له ونفاه .
وذكر ابن عساكر(٩) من أشعاره طرفاً، فمن ذلك قوله ١٠): [ من الكامل ]
في مَنْزِلٍ فالحَزْمُ أنْ يترخَّلا
وإذا الكريمُ رأى الخَمُولَ نزيلَهُ
طلبَ الكمالَ فحازَهُ مُتَقِّاك١١)
كالبَدْر لمّا أَنْ تضاءَلَ نورُهُ
أَمطرتَهُمْ عَسَلاَ جَنَوْا لك حَنْظَلا
وصل الهجيرَ بهجر قومٍ كُلَّما
ذنبُ الفضيلةِ عندهم أن تكملا
للهِ علمي بالزمانِ وأهلِهِ
(١) ط : أبو الحسن . وهو تصحيف .
(٢) كذا في ط ، وفي آ: الحوبي ، وفي ب : الحوفي.
(٣) هذه الترجمة لم ترد في غيرا .
(٤) ترجمته في تاريخ دمشق لابن القلانسي (٤٩٨) وفي الخريدة - قسم الشام - (٩٦/١) ومعجم الأدباء (١٩ / ٦٤)
ومرآة الزمان (٢١٣/٨) والروضتين (١٩/١) ووفيات الأعيان (٤٥٨/٤ - ٤٦١) والعبر (١٣٣/٤) ومرآة
الجنان ( ٢٨٧/٣) .
(٥) ترجمته في تاريخ دمشق لابن القلانسي (٤٩٨) ومختصر تاريخ دمشق لابن منظور (٣٠٦/٣ - ٣٠٧) وتهذيب
بدران (٢/ ٩٧) والخريدة - قسم الشام (٧٦/١) والروضتين (٩١/١ -٩٤) ووفيات الأعيان (١٥٦/١ - ١٦٠)
ومرآة الجنان ( ٣/ ٢٨٧ ).
(٦)
تاريخ دمشق (٣٣/٦).
في الأصل : ابن العربي ، وما هنا عن ابن عساكر . والعوني الشاعر كان رافضياً يسب الصحابة رضي الله عنهم في
(٧)
شعره . قيل إن عمر بن عبد العزيز أمر به فضرب بالمدينة فمات لأجل شعره . الأنساب ( ٤٠٢/ ب ) واللباب
(٣٦٥/٢).
(٨) جاءت هذه الترجمة في آقبل الخبر الأخير.
(٩) ابن منظور (٣٠٧/٣).
(١٠) الأبيات اثنا عشر في مختصر تاريخ دمشق وخمسة عشر عند ابن خلكان.
(١١) قبله في المصدرين السابقين:
لا ترضّ عن دنياك ما أدناك من دنسٍ وكن طيفاً حلا ثم انجلى

١٣٨
أحداث سنة ٥٤٩هـ ـ ملك السلطان نور الدين الشهيد بدمشق
طُبعوا على لؤمِ الطباعِ فخيرهم إن قلتَ قال وإن سكتَّ تقوّلا
ثم روى ابن عساكر(١) بسنده: أنَّ بعضهم رآه بعد وفاته في المنام في شرّ خبيثة ، ورائحة قبيحة.
فقال : أتدري ما جرى عليَّ من هذه القصائد التي كنت أقولها ؟ إن لساني قد طال وثخن ، وصار مَذَّ
البصر ، كلما أنشدت قصيدة منها قد صارت كُلاَباً يتعلق في لساني . قال الرائي : وسمعت قارئاً يقرأ من
ج
فوق رأسه : ﴿ لَهُم مِّنِ فَوْقِهِمْ تُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْنِهِمْ تُظَلٌ﴾ [ الزمر: ١٦ ] فانتبهت مذعوراً.
علي بن السلَّار(٢) الملقب بالعادل ، وزير الظافر(٣) صاحب مصر:
وهو باني المدرسة بالإسكندرية للشافعية للحافظ أبي طاهر السِّلَفي، رحمه الله . وقد كان العادل هذا
ضد اسمه ، كان ظلوماً غشوماً حطوماً . وقد ترجمه ابن خلكان(٤) .
ثم دخلت سنة تسع وأربعين وخمسمئة
فيها : ركب الخليفة المقتفي في جيش كثيف إلى تكريت ، فحاصر قلعتها ، [ ولقي هناك ]°) جمعاً
من الأتراك والتركمان ، فأظفره الله(٦) بهم، [ وهزمهم له وأعلى كلمته عليهم ]٧) ، ثم عاد إلى بغداد
[ مؤيداً منصوراً ]٨).
[ ملك السلطان نور الدين الشهيد بدمشق ](٩)
وجاءت الأخبار بأن مصر قد قتل خليفتها الظافر ، ولم يبق منهم إلا صبيٌّ صغير ابن خمس(١٠) قد
(١) ابن منظور (٣٠٧/٣) وابن خلكان (١٥٩/١).
(٢) ترجمته وأخباره في الاعتبار لأسامة بن منقذ ( ١٨٧) وتاريخ ابن الأثير (٤١/٩) ومرآة الزمان (٢١٤/٨)
والروضتين (٩٠/١ - ٩١) ووفيات الأعيان (٤١٦/٣ - ٤١٩) والعبر (١٣١/٤) ومرآة الجنان (٢٨٨/٣ -
٢٨٩ ) .
(٣) ب : الظاهر . وهو تصحيف .
(٤) وفيات الأعيان (٤١٦/٣ - ٤١٩).
(٥) آ: والتقى جمعاً هنالك، ب: والتقى هنالك جمعاً.
(٦) ليس في ب .
(٧) ليس في ط .
(٨) ليس في ط .
(٩) عن ط وحدها .
(١٠) في وفيات الأعيان (٤٩٢/٣) : ابن خمس سنين وقيل: سنتان، وفي ط: ابن خمس شهور.

١٣٩
ملك السلطان نور الدين الشهيد بدمشق
وَلَّوْه عليهم ، ولقَّبوه الفائز ، فكتب الخليفة عهداً للملك نور الدين محمود بن زنكي بالولاية على البلاد
الشامية١) والديار المصرية ، وأرسله إليه (٢)
وفيها : هاجت ريح شديدة بعد العِشاء ، فيها نار ، فخاف الناس أن تكون الساعة . وزلزلت الأرض
وتغيّر ماء دِجلة إلى الحمرة . وظهر بأرض واسط في الأرض(٣) دم لا يعرف سببه .
وجاءت الأخبار عن الملك سَنْجر أنه في أسر الترك ، وهو في غاية الذل والإهانة٤) ، وأنه يبكي على
نفسه في كل وقت .
وفيها : انتزع الملك نورالدين محمود بن زنكي دمشق [ من ] يد ملكها مجير الدينُ(٥) أبق بن محمد
ابن بوري بن طُغْتِكين ، وذلك لسوء سيرته ، وضعف دولته ، ومحاصرة العامة له في القلعة غير مرة مع
وزيره الرئيس مؤيد الدولة علي بن الصوفي ، وتغلب الخادم عطاء على المملكة مع ظلمه وغشمه ، فكان
الناس يدعون الله ليلاً ونهاراً أن يبدلهم غيره بالملك نور الدين ، [ فأرسل بين يديه الأمير أسد الدين
شيركوه في ألف فارس ، في صفة طلب الصلح ، فلم يلتفت إليه مجير الدين ، ولا عدّه شيئاً ، ولا خرج
إليه أحد من أعيان أهل البلد ، فكتب إلى نور الدين بذلك وما جرى له ا) .
واتفق مع ذلك أن الفرنج أخذوا مدينة عسقلان ، فحزن(٧) الملك نور الدين على ذلك ، ولا يمكنه
الوصول إليهم ، لأن دمشق بينهم وبين(٨) ، ويخشى أن يحاصر دمشق بعسف فيبعث ملكها إلى الفرنج
فيخذلونه ٩) ، كما جرى غير مرة ، لأن الفرنج لا يختارولٌ (١) أن يملك نور الدين دمشق، لأنه يتقوَّىُ(١)
بها عليهم ، ولا يطيقونه أبداً. فركب الملك نور الدين في جيشه فنزل عيون الفاسرياً(١) من أرض
(١) ط : على بلاد الشام.
(٢) ا، ب : إليه .
(٣) ط : بالأرض.
(٤) ا : وجاءت الأخبار بأن الملك سنجر في أسر الترك في غاية الإهانة والذل.
(٥) ط : نور الدين ارتق . تصحيف .
جاء ما بينهما في ط بعد الفقرة التالية .
(٦)
(٧) أ، ب : فتحزن.
(٨) ط : بينه وبينهم .
(٩) ط : ويخشى أن يحاصروا دمشق فيشق على أهلها ويخاف أن يرسل مجير الدين إلى الفرنج فيخذلونه .
(١٠) ط : وذلك أن الفرنج لا يريدون .
(١١) ط : فيقوى بها.
(١٢) عيون الفاسريا: تقع في سفح جبل دوما من ضواحي دمشق. غوطة دمشق ( ٥٧ و٨٩).

١٤٠
وفيات سنة ٥٤٩هـ - أحداث سنة ٥٥٠هـ
دمشق ، ثم انتقل إلى قريب من الباب الشرقي ، ففتحها قهراً ، ودخل البلد من الباب الشرقي (١) ، بعد حصار
عشرة أيام ، وكان دخوله في يوم الأحد عاشر صفر من هذه السنة ، وتحصّن مجير الدين في القلعة ، فأنزله
منها ، وعوضه مدينة حمص . ودخل نور الدين القلعة ، واستقرّت يده على دمشق ولله الحمد ، فنادى في
البلد بالأمان والبشارة ٢)، ورفع(٣) عنهم المكوس، وقرئت التواقيع بذلك (٤) على المنبر(٥) ، ففرح
الناس(٦) بذلك، وأكثروا الدعاء له ، وكتب ملوك الفرنج إليه يهنئونه بدمشق ، ويتقربون إليه ويخضعون له .
وممن توفي [ فيها من الأعيان ]٧) :
الرئيس مؤيد الدولة علي بن الصوفي(٨) وزير دمشق لمجير الدين آبق :
وقد ثار على الملك غير مرة ، ويستفحل(٩) أمره ، ثم يقع الصلح بينهما ، كما تقدم .
وعطاء الخادمُ(١) أحد أمراء دمشق:
وقد تغلّب على الأمور أيامُ(١١) مجير الدين آبق المذكور، وكان ينوب ببعلبك (١٢) في بعض الأحيان.
وكان ظالماً غاشماً . وهو الذي ينسب إليه مسجد عطاء خارج باب شرقي ، والله
(١٣)
أعلم .
ثم دخلت سنة خمسين وخمسمئة
فيها: خرج الخليفة [ المقتفي لأمر الله (١٤) في تجمُّل عظيم إلى دقوقاء(١٥) ؛ فحاصرها ، فخرج إليه
(١) ليس في ا.
(٢) آ، ب : وأنه يبشر الناس بالخير .
(٣) ط : ثم وضع عنهم .
(٤) ط : وقرئت عليهم التواقيع.
(٥) ط : المنابر .
(٦) ليست اللفظة في ب ، وفي ا: المسلمون .
(٧) مكانهما في ب : في سنة تسع وأربعين وخمسمئة .
(٨) ترجمته وأخباره في الروضتين (١/ ٩٠ - ٩٥) والعبر (١٣٨/٤) ومرآة الجنان (٢٩٦/٣).
(٩) ط : استفحل .
(١٠) ترجمته وأخباره في الروضتين (٩٥/١ - ٩٦).
(١١) ط : بأمر .
(١٢) ب : في بعلبك، ط : على بعلبك.
(١٣) ليست الجملة الدعائية الأخيرة في غير ب.
(١٤) ليس في ط .
(١٥) في ط : دموقا . ودقوقاء مدينة بين إربل وبغداد ، وتعرف اليوم باسم داقوق وطاووق ، وهي مركز ناحية داقوق في =