Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
أحداث سنة ٤٩٢ هـ
وأخذوا من حول الصخرة اثنين وأربعين قنديلاً من فضة ، زنة كلِّ قنديل ثلاثة آلاف وستمئة [ درهم] .
[ وأخذوا] تنُّوراً من فضة زنته أربعون رِطلاً بالشامي ، وثلاثة وعشرين قنديلاً من ذهب ، وذهب الناس
على وجوههم هاربين من الشام إلى العراق مستغيثين على الفرنج إلى الخليفة والسلطان ، ومنهم القاضي
بدمشق أبو سعد الهَرَوي ، فلما سمع الناس ببغداد هذا الأمر الفظيع هالهم ذلك ، وتباكوا ، وقد نظم
أبو سعد الهروي كلاماً قرىء في الديوان وعلى المنابر ، فجهش الناس بالبكاء ، وقد ندب الخليفة الفقهاء
إلى الخروج ، ليحرِّضوا الملوك على الجهاد ، فخرج ابن عقيل وغير واحد من أعيان الفقهاء فساروا في
الناس فلم يفد ذلك شيئاً ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون ، فقال في ذلك أبو المظفَّر الأبِيوَزدي :
فلم يَبْقَ من(٢) عُرضةٌ للمراجِم
مزجنا دماءً(١) بالدُّموع السواجمٍ
إذا الحربُ شبَّتْ نارُها بالصوارِم
وقائعَ يُلْحِقْنَ الذُّرا بالمناسم
على هَفَواتٍ أَيْقَظَتْ كلَّ نائم
ظهورَ المذاكي أو بطونَ القَشاعم
تجرُّونَ ذيلَ الخفضِ فعلَ المُسالِم
يظلُّ لها الولدانُ شيبَ القَوادم
ليسلَمَ يقرَعْ بعدها سنَّ نادم
سَتُغْمَدُ منهمْ في الكِلَى والجماجم
يُنادي بأعلى الصوتِ يا آل هاشم
رماحَهُمُ والدينُ واهي الدّعائم
ولا يحسبونَ العارَ ضربةَ لازمٍ
ويُغضي على ذلِّ حماةً(٥) الأعاجم
عن الدِّينِ ذادوا غيرةً للمحارمِ
فهلا أتوهُ رغبةً في المغانم(٦)
وشؤُّ سلاحِ المرءِ دمعٌ يُقيضه(٣)
فإِيهاً بَني الإسلامِ إِنَّ وراءَكُم
وكيفَ تنامُ العينُ ملءَ جفونِها
وإخوانُكُمْ بالشّام يُضْحِي مَقيلُهم
تسومُهُمُ الرُّومُ الهوانَ وأنتُمُ
وبينَ اختلاسِ الضربِ والطعن وقعةٌ
وتلكَ حروبٌ من يَغِبْ عن غِمارِها
سللنَ بأيدي المشركينَ قواضباً
يكادُ لهنَّ المستجير بِطَيبةٍ
أرى أُمَّتي لا يُشرِعونَ إلى العِدا
ويجتنبونَ النارَ خوفاً من الرَّدى
أيرضى صَناديدُ الأعارِبِ(٤) بالأذَى
فَلَيْتَهُمُ إذْ لم يذودُوا حَميَّةٌ
وإنْ زَهِدوا في الأجر إذ هَمَس الوغى
(١) في ( ط) : دمانا .
(٢) في ( ب ) : منها .
في ( ط ) : بريقه .
(٣)
(٤) في ( ط ) : الأعاريب.
(٥)
في ( ط ) : كماة .
(٦) القصيدة في ديوان الأبيوردي (٢/ ١٥٦).

٢٦٢
وفيات سنة ٤٩٢ هـ
وفيها : كان ابتداء أمر السلطان محمد بن ملك شاه ، وهو أخو السلطان سنجر لأبيه وأمّه ، واستفحل
أمره إلى أن صار من أمره أن خطب له ببغداد في ذي الحجّة من هذه السّنة .
وفيها : سار إلى الريّ فوجد زُبيدة خاتون أم أخيه بركياروق فأمر بخنقها ، وكان عمرها إذ ذاك ثنتين
وأربعين سنة .
وفي ذي الحجّة من هذه السنة كانت له مع بركياروق خمس وقَعات هائلة .
وفي هذه السنة غلت الأسعار ببغداد ، حتى مات كثير من الناس جوعاً ، وأصابهم وباءٌ شديد حتى
عجزوا عن دفن الموتى لكثرتهم .
وممن توفي فيها من الأعيان :
السلطان إبراهيم بن السلطان مسعود(١) ابن السلطان محمود بن سُبُكْتِكِينُ(٢) ، صاحب غزنة ،
وأطراف الهند ، وغير ذلك .
كانت له حرمة تامة ، وأُبَّهةٌ عظيمة جداً ، حكى إلْكيا الهرّاسيّ حين بعثه السلطان بركياروق إليه في
رسالته عمّا شاهده عنده من أمور السلطنة ، في ملبسه ومجلسه ، وما عنده [ من الأموال ] من السعادة
الدنيويّة [ قال: رأيت] شيئاً عجيباً، وقد وعظه بحديث: ((لَمناديل سعد بن معاذ في الجنّة أحسن من
هذا(٣) فبكى . قال : وكان لا يبني لنفسه منزلًا حتى يبني قبله مسجداً ، أو مدرسةً ، أو رباطاً ، توفي
رحمه الله تعالى في رجب من هذه السنة ، وقد جاوز التسعين ، ومدّة ملكه ثنتان وأربعون سنة .
عبد الباقي بن يُوسف بن علي بن صالحُ(٤) أبو تراب المَرَاغي(٥) .
(١) في (ط): ((إبراهيم ابن السلطان محمود بن مسعود))، وهو خطأ جد ظاهر ( بشار).
(٢) المنتظم (١٠٩/٩)، الكامل في التاريخ (١٦٧/١٠)، سير أعلام النبلاء (١٨ / ٥٨٠)، ووفاته في سنة إحدى
وثمانين ، حيث تابع فيه ابن الأثير ، لكنه ذكره في وفيات هذه السنة من تاريخ الإسلام (١٠/ ٧١٧) ، النجوم
الزاهرة ( ١٦٤/٥) .
(٣) الحديث ، أخرجه البخاري رقم (٣٢٤٩) في بدء الخلق ، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة ، ورقم
(٣٨٠٢) في مناقب الأنصار، باب مناقب سعد بن معاذ رضي الله عنه وفي اللباس رقم (٥٨٣٦) وفي الأيمان
والنذور رقم (٦٦٤٠)، ومسلم ( ٢٤٦٨) في فضائل الصحابة ، باب من فضائل سعد بن معاذ رضي الله عنه من
حديث البراء بن عازب رضي الله عنه (ع ) .
(٤) المنتظم (١١٠/٩)، طبقات السبكي (٩٦/٥)، سير أعلام النبلاء (١٩/ ١٧٠)، النجوم الزاهرة
( ١٦٤/٥) .
(٥) في الأصل: الداعي، وفي ( ط): البراعي. وما أثبته من مصادر ترجمته، وتوضيح المشتبه (٤٢٥/١) ونسبة
إلى : مراغة : بلدة مشهورة عظيمة ، أعظم وأشهر بلاد أذربيجان . معجم البلدان ( ٩٣/٥ ) ٢

٢٦٣
أحداث سنة ٤٩٣ هـ
ولد سنة إحدى وأربعمئة وتفقّه على القاضي أبي الطيِّب الطبري ، وسمع الحديث عليه وعلى غيره من
المشايخ ببلدان شتّى ، ثمّ أقام بنيسابور ، وكان يحفظ شيئاً كثيراً من مسائل الخلاف نحواً من أربعة آلاف
مسألة بأدلّتها والمناظرة عليها ، وغير ذلك من الحكايات والملح والآداب . وكان صبوراً متقلّلاً [ من
الدنيا ] على طريقة السَّلف ، جاءه منشور بقضاء همذان فقال : أنا منتظر منشوراً من الله [ عزّ وجلّ ] على
يدي ملك الموت بالقدوم عليه ، والله لجلوس ساعة في هذا المسجد على راحة القلب أحب إليّ من ملك
العراقين، وتعليم مسألة لطالب أحبّ إليّ من الثقلين(١). حكاه ابن الجوزي في ((المنتظم ( ٢) ، توفي
في ذي القعدة من هذه السنة عن ثلاث وتسعين سنة .
أبو القاسم بن إمام الحرمين(٣) قتله بعض الباطنية بنيسابور ، رحمه الله ورحم أباه بمنّه وكرمه .
ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين وأربعمئة
في صفر منها دخل السلطان بركياروق إلى بغداد [ ونزل بدار الملك ] وأعيدت له الخطبة ببغداد ،
وقطعت خطبة أخيه محمد بن ملكشاه ، وبعث إليه الخليفة الهدية الهائلة ، وفرح به العوام والنساء ،
ولكنه في ضيق من أمر أخيه محمد ، لإقبال الدولة عليه ، واجتماعهم إليه ، وقلّة ما معه من الأموال ،
ومطالبة الجند له بأرزاقهم [ فعزم على مصادرة الوزير ابن جَهير ، فالتجأ إلى الخليفة فمنعه من ذلك ، ثمّ
اتفق الحال على المصالحة عنه ]٤) وأخذ من الوزير ابن جَهير مئة ألف دينار وستين ألف دينار ، ثمّ التقى
هو وأخوه السلطان محمد بمكان قريب من همذان فهزمه أخوه محمد ، ونجا بنفسه في خمسين فارساً ،
وقُتل في هذه الوقعة سعد الدولة كوهرائين الخادم . وكان قديم الهجرة في الدولة ، وقد ولي شحنة
بغداد ، وكان حليماً حسن السيرة ، ولم يتعمد ظلماً ، [ ولم ير خادم ما رأى من الحشمة ، والحرمة ،
وكثرة الخدم °) وقد كان يكثر الصلاة باللّيل ، ولا يجلس إلا على وضوء ، ولم يمرض مدة حياته ولم
يصدع قطّ . ولما جرى ما جرى من هذه الوقعة ضعف أمر السلطان بركياروق ، ثمّ تراجع إليه جيشه ،
وانضاف إليه الأمير داذحبشي (٦) في عشرين ألفاً، فالتقى مع أخيه سنجر فهزمه سنجر أيضاً [وهرب في
(١) جاء بعد هذا في (ط ) تتمة لهذا الكلام ، وليس من النص ، بدليل أن المؤلف نص على أن هذا النص حكاه ابن
الجوزي في المنتظم ، وليس من ذلك شيء في المنتظم ( بشار ) .
(٢) المنتظم (١١١/٩) .
(٣)
الكامل في التاريخ ( ١٠/ ٢٩١) .
(٥) زيادة من ( ب) و( ط ) .
(٤)
زيادة من ( ب ) و( ط ) .
(٦) في (ط): ((داود بن حبش))، محرف، وما هنا يعضده ما في الكامل لابن الأثير (٢٩٦/٩) (بشار).

٢٦٤
وفيات سنة ٤٩٣ هـ
شرذمة قليلة ] وأسر [ الأمير ] داذ المذكور في هذه الوقعة فقتله الأمير بزغش ، أحد أمراء سنجر فتقهقر
حاله ، وتفرّقت عنه رجاله ، وقطعت خطبته من بغداد في [ رابع عشر من ] رجب وأعيدت خطبة السلطان
محمد .
وفي رمضان قبض على الوزير عميد الدولة بن جَهير ، وعلى أخويه : زعيم الرؤساء أبي القاسم ،
وأبي البركات الملقّب بالكافي ، وأخذت منه أموال كثيرة ، وحُبس بدار الخلافة حتى مات في شوال من
هذه السنة ، وفي الليلة السابعة والعشرين منه قتل [ الأمير بلكابك سرمز ] شحنة أصبهان ، ضربه باطني
بسكِّين في خاصرته [وقد كان يتحرّز منهم كثيراً، وكان يدَّرع تحت ثيابه سوى هذه اللّيلة (١) ومات من
أولاده في هذه اللّيلة جماعة ، فخرج من داره خمس جنائز من صبيحتها .
وفي هذه السنة أقبل ملك الفرنج في ثلاثمئة ألف مقاتل فالتقى مع كمشتكين الملقَّب بالدانشمند(٢)
طايلو ، أتابك الجيوش بدمشق [ الذي يقال له أمين الدولة ، وواقف الأمينيّة (٣) بدمشق وببصرى ،
لا التي ببعلبَكَّ، فهزم الإفرنج وقتل منهم خلقاً كثيراً ، بحيث لم ينج منهم سوى ثلاثة آلاف وأكثرهم
جرحى ، وذلك في ذي القعدة من هذه السنة ، ولحقهم إلى ملطية ، فملكها ، وأسر ملكها [ ولله
الحمد ] .
وحجّ بالناس الأمير التونتاش التركي ، وكان شافعيّ المذهب .
وممن توفي فيها من الأعيان :
عبد الرزاق الصّوفي الغزنوي
(٤)
شيخ رباط عَتّاب ، حجّ مرات على التجريد ، ومات في هذه السنة وله نحو مئة سنة ، ولم يترك
كفناً ، وقد قالت له امرأته وهو في الاحتضار : إنّك ستفضح اليوم [ قال : لم؟ قالت له : لأنه ] لا يوجد
لك كفن ، فقال لها : لو تركتُ كفناً لافتضحت . رحمه الله تعالى ، وعكسه أبو الحسن البسطامي شيخ
رباط ابن المحلبان ، كان لا يلبس إلا صوفاً شتاءً وصيفاً ، ويظهر الزهد ، وحين توفي وجد له أربعة آلاف
دينار مدفونة ، فتعجب الناس من تفاوت حاليهما ، واتفاق موتهما في هذه السنة رحم الله الأول ، وسامح
الثاني .
(١) زيادة من ( ب) و(ط ).
(٢) في ( ط ) : أنشمندا .
(٣) زيادة من ( ب) و( ط ) .
(٤) المنتظم (١١٦/٩)، الكامل في التاريخ (٣٠٢/١٠).

٢٦٥
أحداث سنة ٤٩٤ هـ
الوزير عميد الدولة ابن جَهْيرُ(١) محمد بن أبي نصر محمد بن محمد بن جَهير ، الوزير الكبير ،
أبو منصور ، الملقب عميد الدولة .
أحد رؤساء الوزراء ، وسادات الكبراء ، خدم ثلاثة من الخلفاء ، ووزر لاثنين منهم ، وكان حليماً
قليل العَجَلة ، إلا أنَّه كان يُتكلّم فيه بسبب الكِبْر ، وقد ولي الوزارة مرات ، يُعزل ثمّ يُعاد ، ثمّ كان آخرها
هذه المرّة ، حُبِس بدار الخلافة فلم يخرج من السجن ، إلا ميتاً في شوال من هذه السنة .
ابن جَزْلَةً(٢) يحيى بن عيسى بن جزلة، الطبيب، صاحب ((المنهاج(٣) في الطب .
كان نصرانياً ، وكان يتردّد إلى الشيخ أبي علي بن الوليد المعتزلي(٤) يشتغل عليه في المنطق ، فكان
يدعوه إلى الإسلام ، ويوضّح له الدّلالات ، حتى أسلم وحسن إسلامه ، حتى استخلفه أبو عبد الله
الدامغاني قاضي القضاة في كتب السجلات ، ثمّ كان يطبِّب الناس بعد ذلك بلا أجر ، وربّما ركّب لهم
الأدوية من ماله تبرّعاً ، وقد أوصى بكتبه أن تكون وقفاً في مشهد الإمام أبي حنيفة ، رحمه الله .
ثم دخلت سنة أربع وتسعين وأربعمئة
فيها : عَظُم الخطب بأصبهان ونواحيها بالباطنيّة ، فقتل السلطان منهم خلقاً كثيراً ، وأبيحت دماؤهم
وأموالهم للعامّة [ ونودي فيهم: إن كلّ من قدرتم عليه منهم فاقتلوه وخذوا ماله (٥) وكانوا قد استحوذوا
على قِلاعٍ كثيرة ، وأوّل قلعةٍ ملكوها في سنة ثلاث وثمانين ، وكان الذي ملكها الحسن بن الصبّاح أحد
دعاتهم ، وكان قد دخل مصر وتعلّم من الزنادقة الذين كانوا بها ، ثمّ صار إلى تلك النواحي ببلاد
أصبهان ، فكان لا يدعو إلا غبيّاً [ جاهلاً] لا يعرف يمينه من شماله ، ثمّ يطعمه العسل بالجوز
والشونيز ، حتى يحترق مزاجه ، ويفسد دماغه ، ثمّ يذكر له شيئاً من أخبار أهل البيت ، ويكذب له من
كذبات الرّوافض الضُّلال ، أنَّهم ظُلِموا ، ومُنِعوا حقَّهم [ الذي أوجبه لهم الله ورسوله ] ثم يقول له : فإذا
كانت الخوارج تقاتل مع بني أميّة لعلي ، فأنت أحق أن تقاتل في نصرة إمامك علي بن أبي طالب ، ولا
(١) المنتظم (١١٨/٩)، الكامل في التاريخ (٢٩٨/١٠)، سير أعلام النبلاء (١٧٥/١٩)، الوافي بالوفيات
(١٢٢/١)، النجوم الزاهرة (١٦٥/٥).
(٢) المنتظم (١١٩/٩)، الكامل في التاريخ (٣٠٢/١٠)، عيون الأنباء (٣٤٣)، وفيات الأعيان (٦/ ٢٦٧)،
سير أعلام النبلاء (١٩ /١٨٨)، النجوم الزاهرة ( ١٦٦/٥).
(٣) قال ابن خلكان في هذا الكتاب: رتبه على الحروف ، وجمع فيه أسماء الحشائش والعقاقير والأدوية وغير ذلك شيئاً
كثيراً .
(٤) في (ط): ((المغربي))، وهو تحريف.
(٥) زيادة من (ب) و(ط ).

٢٦٦
أحداث سنة ٤٩٤ هـ
يزال يسقيه من [ العسل ] وأمثاله حتى يستجيب له ، ويصير أطوع له من أبيه وأمّه. ويُظهر له أشياء كثيرة
من المخرقة والنيرنجيات والحيل التي لا تروج إلا على الجهّال ، حتى التفّ عليه بشر كثير وجمّ غفير ،
وقد بعث إليه الملك ملك شاه يتهدَّده ويتوعّده وينهاه ( عن بعثة الفداويّة إلى العلماء ) [ وبعث إليه بفتاوى
العلماء ] فلما قرأ الكتاب بحضرة الرسول قال لمن حضره من الشباب : إني أريد أن أرسل منكم رسولًاً
إلى مولاه ، فاشرأبَّت وجوه الحاضرين منهم ، ثمّ قال لشاب منهم : اقتل نفسك ، فأخرج سكّيناً فضرب
بها غلصمته ، فسقط ميتاً ، وقال لآخر منهم : ألْقِ نفسك من هذا الموضع ، فرمى بنفسه من رأس القلعة
إلى أسفل خندقها فتقطّعه ، فقال الرسول [ السلطان ] : هذا الجواب ، فمنها امتنع السلطان من مراسلته ،
هكذا أورده ابن الجوزي(١) ، وسيأتي : أن الملك صلاح الدين [ يوسف بن أيوب ] فاتح بيت المقدس
جرى له مع سنال (٢) صاحب قلاع الألموت (٣) مثل هذا .
وفي شهر رمضان أمر الخليفة المستظهر بالله بفتح جامع القصر ، وأن يُبيَّضَ ، وأن يُصلّى فيه
التراويح ، وأن يُجهر بالبسملة ، وأن يُمنع النِّساء من الخروج ليلاً للفرجة .
وفي أول هذه السَّنة دخل السلطان بركياروق إلى بغداد ، ثمّ لحقه أخواه محمد وسنجر ، فدخلاها
وهو مريض ، فعبرا إلى الجانب الغربي ، فقطعت خطبته ، وخُطبَ لهما بها ، وهرب بركياروق إلى
واسط ، ونهب جيشه ما اجتازوا من البلاد والأراضي ، فنهاه بعض العلماء عن ذلك ووعظه فلم يُفد
شيئاً .
وفي هذه السنة ملكت الفرنج قلاعاً كثيرة منها: قيساريّةُ(٤)، وسَرُوجُ(٥) ، وسار ملك الفرنج - وهو
الذي أخذ بيت المقدس - كندبري(٦) إلى عكا فحاصرها ، فجاءه سهم في عنقه فمات من فوره . ألا لعنة
الله عليه وعلى أجناده .
(١) المنتظم (٩/ ١٢١).
(٢) من هنا حتى قوله: ثم دخلت سنة خمس وتسعين . ساقط من (ب)، وسنان هذا هو مقدم الإسماعيلية ، كان بينه
وبين صلاح الدين حروب ومراسلات منذ سنة سبعين وخمسمئة وما بعدها .
(٣)
في الأصل : الأكوب ، وفي ( ط ) : الإيوان . وكلاهما خطأ ، وما أثبته من الكامل في التاريخ .
(٤) قيسارية: مدينة كبيرة عظيمة في بلاد الروم ، وهي كرسي مُلْك بني سلجوق ملوك الروم أولاد قليج أرسلان. معجم
البلدان ( ٤/ ٤٢١ ) .
(٥) ((سَرُوج)): بلدة قريبة من حرّان من ديار مضر، تم فتحها صلحاً سنة ١٧ في أيام عمر رضي الله عنه . معجم البلدان
(٢١٦/٣) .
(٦) هكذا في النسح ، ویکتب : « کندفري » و « کندهري » وهو کودفري دي بویون ( بشار ) .

٢٦٧
وفيات سنة ٤٩٤ هـ
وممن توفي فيها من الأعيان :
أحمد بن محمد بن عبد الواحد بن الصبَّاعُ(١) أبو منصور .
سمع الحديث وتفقّه على أبي الطيب الطَّبري ، ثمّ على ابن عمه أبي نصر الصّاغ ، وكان فقيهاً ،
فاضلاً ، كثير الصلاة ، يصوم الدهر ، وقد ولي القضاء بربع الكرخ ، والحسبة بالجانب الغربي ، رحمه
الله تعالى .
عبد الله بن الحسن بن أبي منصور(٢) أبو محمد الطََّسي.
رحل إليه العلماء ، وجمع ، وصنّف ، وكان أحد الحفاظ المكثرين ، ثقة ، صدوقاً ، عارفاً
بالحديث ، ورعاً ، حسن الخلق ، رحمه الله .
عبد الرحمن بن أحمد بن محمد(٣) أبو محمد الزَّاز(٤) السرخسي .
نزل مرو ، وسمع الحديث ، وأملى ، ورحل إليه العلماء ، وكان حافظاً لمذهب الشافعي متديّناً
ورعاً ، رحمه الله .
عُزَيزي بن عبد الملك بن منصور(٥) أبو المعالي الجِيْلي، القاضي، الملقّب: شَيْذَل(٦).
كان شافعياً في الفروع ، أشعرياً في الأصول . وكان حاكماً بباب الأزج ، وكان بينه وبين أهل
باب الأزج من الحنابلة شنآن كبير ، سمع رجلاً ينادي على حمار له ضائع ، فقال : يدخل باب الأزج
ويأخذ بيده من شاء ، وقال يوماً للنقيب طِراد الزَّيْنَبي: لو حلف إنسان أنّه لا يرى إنساناً ، فرأى أهل
باب الأزج لم يحنث ، فقال له الشريف : من عاشر قوماً أربعين يوماً فهو منهم ، لهذا لمّا مات فرحوا
(١) المنتظم (١٢٥/٩)، الكامل في التاريخ (٣٢٦/١٠)، طبقات السبكي (٣٤/٣).
(٢) المنظم (١٢٥/٩)، منتخب السياق (الترجمة ٩٦٠)، تاريخ الإسلام (١٠/ ٧٥٣).
(٣) المنتظم (١٢٥/٩)، معجم البلدان (٢٠٩/٣)، طبقات السبكي (١٠١/٥)، سير أعلام النبلاء (١٩/ ١٥٤)
وكنيته فيه : أبو الفرج ، شذرات الذهب ( ٣/ ٤٠٠).
(٤) في الأصل: البزار، وفي ( ط): الرَّزاز، وما أثبت من مصادر الترجمة، والأنساب (٢١٩/٦) وفيه: الزاز،
بالألف بين الزايين المنقوطين ، هو اسم لبعض أجداد المنتسب إليه .
(٥) المنتظم (١٢٦/٩)، الكامل في التاريخ (٣٢٦/١٠)، وفيات الأعيان (٢٥٩/٣)، طبقات السبكي
(٢٣٥/٥)، سير أعلام النبلاء (١٧٤/١٩)، نزهة الألباب في الألقاب (٤١١/١)، شذرات الذهب
( ٤٠١/٣ ) .
(٦) قال ابن خلّكان (٢٦٠/٣): وشيذلة، بفتح الشين المعجمة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الذال المعجمة
واللام وبعدها هاء ساكنة ، وهو لقب عليه ، ولا أعرف معناه مع كثرة كشفي عنه .

٢٦٨
وفيات سنة ٤٩٤ هـ
بموته كثيراً ، رحمه الله تعالی .
محمد بن أحمد بن عبد الباقي بن الحسن بن محمد بن طَوْقُ(١) أبو الفضائل الرَّبَعي الموصلي .
تفقَّه على الشيخ أبي إسحاق الشِّيرازي ، وسمع الحديث من القاضي أبي الطيِّب الطَّري ، وكان ثقةً
صالحاً ، كتب الكثير .
محمد بن الحسن (٢) أبو عبد الله الرّاذاني(٣)
نزل أوانا ، وكان مقرئاً ، فقيهاً ، صالحاً ، له أحوال ، وكرامات ، ومكاشفات ، أخذ عن القاضي
أبي يعلى بن الفرّاء الحديث وغيره .
قال ابن الجوزي : بلغني أنَّ ابناً صغيراً له طلب منه غزالاً وألحّ عليه ، فقال : يا بنيّ غداً تأتيك
غزال ، فلمّا كان الغد ، أتت غزال ، فجعلت تنطح الباب بقرنيها حتى يفتحه ، فقال له أبوه : يا بنيّ !
أتتك الغزال ، رحمه الله تعالى .
محمد بن علي بن عُبيد الله بن [أحمد ] بن صالح بن سُلَيمان بن وَدْعالُ(٤) أبو نصر الموصلي
القاضي .
قدم بغداد سنة ثلاث وتسعين ، وحدّث عن عمّه بالأربعين الوَدْعانيّة ، وقد سرقها عمه أبو الفتح بن
ودعان من زيد بن رِفاعة الهاشمي ، فركّب لها أسانيد إلى من بعد زيد بن رِفاعة وهي موضوعة كلُّها ، وإن
كان في بعضها معانٍ صحيحة(٥) ، والله أعلم .
محمد بن منصور(٦) أبو سعد المُستوفي ، شرف المُلْك الخُوارزمي .
جليل القدر ، وكان متعصّباً لأصحاب أبي حنيفة ، ووقف لهم مدرسة بمرو ، ووقف فيها كتباً
(١) المنتظم (١٢٦/٩)، الكامل في التاريخ (٣٢٦/١٠)، الوافي بالوفيات (١٠٥/٢)، توضيح المشتبه
(٥٧١/٢ ) .
(٢) المنتظم (١٢٧/٩)، معجم البلدان ( ١٢/٣)، أنساب السمعاني (٣٦/٦)، وتوضيح المشتبه (٨٨/٤).
(٣) نسبة إلى راذان: كورة بسواد بغداد تشتمل على قرى كثيرة. معجم البلدان ( ٣/ ١٢).
(٤) المنتظم (١٢٧/٩)، الكامل في التاريخ (٣٢٧/١٠)، سير أعلام النبلاء (١٦٤/١٩)، الوافي بالوفيات
( ٤/ ١٤١ ) .
(٥) قال ابن حجر في لسان الميزان : ( ٣٠٦/٥): وقد سئل المزي عن الأربعين الودعانية ، فقال: لا يصح منها على
هذا النسق بهذه الأسانيد شيء ، وإنما يصح منها ألفاظ يسيرة بأسانيد معروفة يحتاج في تتبعها إلى فراغ ، وهي مع
ذلك مسروقة .
(٦) المنتظم (١٢٨/٩)، الكامل في التاريخ (٣٢٦/١٠)، سير أعلام النبلاء (١٨٨/١٩)، النجوم الزاهرة
( ١٦٧/٥) .

٢٦٩
أحداث سنة ٤٩٥ هـ
كثيرة ، وبنى مدرسة ببغداد عند باب الطاق ، وبنى القبّة على قبر أبي حنيفة ، وبنى أربطة في المفاوز ،
وعمل خيراً كثيراً ، وكان من أطيب الناس مأكلاً ومشرباً، وأحسنهم ملبساً ، وأكثرهم مالاً، ثمّ ترك
العمالة بعد هذا كلّه ، وأقبل على العبادة والاشتغال بنفسه إلى أن مات ، رحمه الله تعالى.
محمد بن منصور القشيري (١) المعروف بعميد خراسان .
قدم بغداد أيام طُغْرُلْبَك ، وحدّث عن أبي حفص عمر بن أحمد بن مسرور ، كان كثير الرغبة في
الخير ، وقف بمرو مدرسة على أبي بكر بن أبي المظفّر السمعاني وذرّيته [ قال ابن الجوزي ] : وهم
يتولّونها إلى الآن ، وبنى بنيسابور مدرسة وفيها تربته ، وكانت وفاته في شوال من هذه السنة ، رحمه الله .
نصر بن أحمد بن عبد الله بن البَطِر(٢) أبو الخطّاب [ الخطّابي] البزّاز القارىء.
ولد سنة ثمان وتسعين وثلاثمئة ، وسمع الكثير ، وتفرّد عن ابن زِرقويه وغيره ، وطال عمره ، ورُحل
إليه من الآفاق ، وكان رحمه الله تعالى صحيح السماع .
ثم دخلت سنة خمس وتسعين وأربعمئة
في ثالث المحرم [ منها ] قُبض على أبي الحسن علي بن محمد المعروف بـ : إلكيا الهَرَّاسي، وعُزل
عن تدريس النظاميّة ، وذلك لأنّه رماه بعضهم عند السلطان بأنَّه باطني ، فشهد له جماعة من العلماء - منهم
ابن عقيل - ببراءته من ذلك ، وجاءت الرسالة من دار الخلافة [ يوم الثلاثاء ] بخلاصه.
[ وفي يوم الثلاثاء الحادي عشر من المحرم }٣) جلس الخليفة المستظهر بالله بدار الخلافة ، وجاء
الملكان الأخوان محمد وسنجر ابنا السلطان ملك شاه فقبّلا الأرض ، فخلع عليهما الخلع السلطانيّة :
على محمد سيفاً وطوقاً وسواراً ولواءً وأفراساً من مراكبه ، ولسنجر دون ذلك ، وولّى الخليفة السلطان
محمد المُلْكَ ، واستنابه في جميع ما يتعلّق بأمر الخلافة [ دون ما أغلق عليه الخليفة بابه (٤) ثم خرج
السلطان محمد [ في تاسع عشر من الشهر ] فأرجف الناس بقدوم بركياروق ، ثمّ اصطلحوا على أمور ،
فرکب السلطان محمد ، فالتقوا ، وجرت حروب كثيرة ، وانهزم محمّد ، وجری علیه مکروه شدید ، كما
سيأتي بيانه .
(١) المنتظم (١٢٨/٩).
(٢) الأنساب (١٣٣/٩)، المنتظم (١٢٩/٩)، معجم البلدان (١٩٢/٤)، الكامل في التاريخ (٣٢٧/١٠)،
سير أعلام النبلاء (٤٦/١٩)، شذرات الذهب (٤٠٢/٣).
(٣) زيادة من (ب) و(ط ).
(٤) زيادة من ( ب ) و( ط ) .

٢٧٠
وفيات سنة ٤٩٥ هـ ـ أحداث سنة ٤٩٦ هـ
وفي رجب قبل القاضي أبو الحسن بن الدامغاني شهادة أبي الحسين ، وأبي حازم ابني القاضي
أبي يعلى بن الفرّاء .
وفيها : قدم عيسى بن عبد الله الغزنوي [ القونوي ] فوعظ الناس وكان شافعيّاً، أشعرياً، فوقعت فتنة
بين الحنابلة والأشعريّة [ ببغداد ] .
وفيها : وقع حريق عظيم ببغداد ، وحجّ بالناس حُميد العُمري صاحب سيف الدولة صدقة بن
منصور بن دُبيس صاحب الحلّة .
وممن توفي فيها من الأعيان :
أبو القاسم صاحب مصر(١) الملَّقب بالمستعلي ، كانت وفاته في ذي الحجّة من هذه السنة ، وقام
بالأمر من بعده ابنه أبو علي ، وله تسع سنين (٢) ، ولقّب : الآمر بأحكام الله .
محمد بن هبة الله(٣) أبو نصر الضرير [ القاضي البَنْدَنيجي ] ، الفقيه الشافعي.
أخذ عن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي ، ثمّ جاوز بمكة أربعين سنة يفتي ويدرِّس ، ويروي الحديث ،
كان من نوادر الزَّمان ، ومن شعره :
وقد مرَّ إخواني(٥) وأهْلُ موذَّتي
عدمتُكِ نفسي ما تملِّي تطالبي(٤)
وأتركُ عزمي حينَ تَعرِضُ شهوتي
أعاهدُ ربِّي ثمّ أنقضُ عَهْدَهُ
من الزَّاد أبكي أمْ لطول مسافتي(٦)
وزادي قليلٌ ما أراه مُبلِّغي
ثم دخلت سنة ست وتسعين وأربعمئة
فيها حاصر السلطان بركياروق أخاه محمداً بأصبهان ، فضاقت على أهلها الأرزاق ، واشتدّ الغلاء
عندهم جدّاً ، وأخذ السلطان محمد أهلها بالمصادرة ، والحصار حولهم من خارج البلد ، فاجتمع عليهم
(١) المنتظم (١٣٣/٩)، الكامل في التاريخ (٢٣٧/١٠)، وما بعدها، وفيات الأعيان (١٧٨/١) تاريخ الإسلام
(٦٨١/١٠ و٧٦٥)، سير أعلام النبلاء (١٩٦/١٥)، شذرات الذهب (٤٠٢/٣).
(٢) تاريخ الإسلام والسير والوفيات : خمس سنين .
(٣) الأنساب (٣١٤/٢)، المنتظم (١٣٣/٩)، الكامل في التاريخ (٣٥٢/١٠)، طبقات السبكي (٢٠٧/٤)،
سير أعلام النبلاء ( ١٩٦/١٩) ، الوافي بالوفيات (١٥٦/٥).
(٤)
في ( ط ) والمنتظم : بطالتي .
(٥) في ( ط ) : أصحابي .
(٦) في ( ط ) : لبعد مسافتي.

٢٧١
وفيات سنة ٤٩٦ هـ
الخوف والجوع ، والنقص من الأموال ، والأنفس ، والثمرات ، ثمّ خرج السلطان محمد من أصبهان
هارباً فأرسل أخوه في إثره مملوكه إياز ، فلم يتمكن من القبض عليه ، ونجا بنفسه سالماً .
[ قال ابن الجوزي(١): وفي صفر منها : زِيد في ألقاب قاضي القضاة أبي الحسن بن الدَّامغاني: تاج
الإسلام ]٢) .
وفي ربيع الأول قُطِعت الخطبة للسلاطين ببغداد ، واقتصر على [ ذكر الخليفة فيها ] والدُّعاء له [ ثم
التقى الأخوان بركياروق ومحمد ، فانهزم محمد أيضاً ثمّ اصطلحا ]٣) .
وفيها : ملك الملك دقاق بن تتش بن ملك شاه صاحب دمشق مدينة الرحبة .
وفيها : قتل أبو المظفّر الخُجَنْدي(٤) ، الواعظ بالريّ ، وكان من كبار العلماء في المذهب الشافعي ،
كان محدِّثاً فقيهاً، مدرِّساً ، قتله رافضيٍّ علَوي في الفتنة، [وكان عالماً فاضلاً }٥) كان نظام المُلْكِ
يزوره ويعظّمه .
وحجّ بالناس خمارتكين .
وممن توفي فيها من الأعيان :
أحمد بن علي [ بن عبيد الله ] بن سِوَار(٦) أبو طاهر المقرىء ، صاحب المصنَّات في علوم
القراءات .
كان ثقةً ثبتاً مأموناً ، عالماً بهذا الشأن ، وقد جاوز الثمانين ، رحمه الله تعالى .
أبو المعالي(٧) أحدُ الصُّلحاء الزهّاد ذوي الكرامات والمكاشفات ، وكان كثير العبادات متقلّلاً من
الدنيا ، لا يلبس صيفاً ولا شتاءً إلا قميصاً واحداً ، فإذا اشتدّ البرد وضع على كتفه مئزراً ، وذكر أنّه أصابه
(١) المنتظم (١٣٤/٩).
(٢) زيادة من ( ب) و( ط ) .
(٣) زيادة من ( ب) و( ط ).
(٤) المنتظم (٩/ ١٣٧)، الكامل في التاريخ (٣٦٦/١٠).
و((الخجندي)) : نسبة إلى خجندة ، بضم أوله وفتح ثانيه ونون ثم دال مهملة: بلدة مشهورة بما وراء النهر على
شاطىء سيحون . معجم البلدان ( ٢/ ٣٤٧).
(٥) زيادة من ( ب) و( ط ).
(٦) المنتظم (١٣٥/٩)، معرفة القراء الكبار (٣٦٢/١)، سير أعلام النبلاء (٢٢٥/١٩)، الوافي بالوفيات
(٢٠٤/٧)، النجوم الزاهرة (١٨٧/٥)، شذرات الذهب (٤٠٣/٣).
و((سوار))، بكسر أوله وفتح الواو المخففة وبعد الألف راء وكذا ضبطه في توضيح المشتبه (٢٠٤/٥).
(٧) المنتظم (١٣٦/٩)، الكامل في التاريخ (٣٦٧/١٠).

٢٧٢
أحداث سنة ٤٩٧ هـ
فاقة شديدة في شهر رمضان ، فعزم على الذهاب إلى أحد الأصحاب ليستقرض منه شيئاً ، قال : فبينما أنا
أريده إذا بطائر قد سقط على كتفي وقال : يا أبا المعالي ! أنا الملك الفلاني ، لا تمض إليه ، نحن نأتيك
به. [ قال: فبكّر إليَّ الرجل](١) رواه ابن الجوزي في منتظمه [ من طرق عدة ] . كانت وفاته في هذه
السنة ، ودفن قريباً من قبر أحمد .
السيدة بنت القائم بأمر الله أمير المؤمنين(٢) التي تزوجها طُغْرُلْبَك، توفيت في هذه السنة ودفنت
بالرصافة ، وكانت كثيرة الصدقة والإيثار ، [ وجلس لعزائها في بيت النوبة الوزير ﴾٣).
ثم دخلت سنة سبع وتسعين وأربعمئة
فيها : قصد الفرنج لعنهم الله الشام ، فقابلهم المسلمون فقتلوا [ من الفرنج ] اثني عشر ألفاً، وردّ الله
الذين كفروا بغيظهم ، لم ينالوا خيراً ، وقد أسر في هذه الوقعة بردويل صاحب الرها .
وفي هذه السنة : سقطت منارة واسط [ وقد كانت من أحسن المنائر وكان أهل }٤) البلد يفتخرون بها
وبقبّة الحجّاج ، [ فلما سقطت سُمع لأهل البلد بكاءٌ وعويل لم يُسمع بمثله ، ومع هذا لم يهلك بسببها
أحد ٥) ، وكان بناؤها في سنة أربع وثلاثمئة في زمن المقتدر .
وفي هذه السنة : تأكّد الصلح بين السلطانين الأخوين محمد وبركياروق ، واقتسما البلاد فقطعت
الخطبة ببغداد لمحمد ، واستمرت للملك بركياروق [ وبعث إليه بالخلع وإلى الأمير إياز ] .
وفي هذه السنة : أخذت الفرنج مدينة عكا وغيرها من السواحل .
[ وفيها : استولى الأمير سيف الدولة صدقة بن منصور صاحب الحلّة على مدينة واسط }٦).
وفيها : توفي الملك دُقاق بن تتش صاحب دمشق ، فأقام مملوكه طغتكين ، ولداً له صغيراً مكانه ،
وأخذ البيعة له ، وصار هو أتابكه ، فدبّر الملك بدمشق مدّة .
وفيها : عزل السلطان سنجر وزيره أبا الفتح الطُّغْرائي ، ونفاه إلى غزنة .
(١) زيادة من ( ب) و( ط ).
(٢)
المنتظم (٣٧/٩).
(٣) زيادة من ( ب) و( ط ).
زيادة من ( ب ) و( ط ) .
(٤)
(٥) زيادة من ( ب ) .
(٦) زيادة من ( ب) و( ط ).

٢٧٣
وفيات سنة ٤٩٧ هـ
وفيها : ولي أبو نصر نظام الحضريين ديوان الإنشاء ، بعد وفاة خاله أبي سعيد العلاء بن الحسن ابن
المُوصِلايا .
وفيها : قُتِل الطبيب الماهر الحاذق أبو نعيمُ(١)، وكانت له إصابات عجيبة جداً .
وحجّ بالناس في هذه السنة الأمير خمارتكين .
وممن توفي فيها من الأعيان :
أردشير بن منصور(٢) أبو الحسن العبّادي(٣) الواعظ ، قدم بغداد [ فوعظ بها ] فأحبته العامة في سنة
ست وثمانين ، [ وكانت له أحوال جيدة فيما يظهر ، والله أعلم (٤) .
إسماعيل بن محمد بن عثمان بن أحمد(٥) أبو الفرج القومساني(٦) ، من أهل همذان .
سمع من أبيه وجدّه وجماعة ، وكان حافظاً ، حسن المعرفة بالرِّجال والمتون [ وأنواع الفنون ] ثقة
مأموناً ، رحمه الله تعالى .
العلاء بن الحسين بن وهب بن المُوصلايا٧) سعد الدولة ، كاتب الإنشاء ببغداد .
كان نصرانياً فأسلم في سنة أربع وثمانين ، ومكث في الرئاسة مدّة طويلة ، نحواً من خمس وستين
سنة ، وكان فصيح العبارة ، كثير الصدقة توفي في هذه السنة عن عمر طويل ، رحمه الله تعالى .
محمد بن أحمد بن عمر(٨) أبو عمر النَّهاوندي ، قاضي البصرة مدة طويلة ، وكان فقيهاً عالماً ، سمع
الحديث من أبي الحسن الماوردي وغيره ، مولده في سنة [ سبع وقيل: تسع ] وأربعمئة .
(١) الكامل في التاريخ (٣٧٨/١٠).
(٢)
في تاريخ الإسلام (٧٨٧/١٠): ((أردشير بن أبي منصور)).
(٣)
المنتظم (٩/ ١٤٠)، توضيح المشتبه (١/ ١٩٤).
(٤)
زيادة من ( ب ) و( ط ) .
(٥) في (ط): ((إسماعيل بن محمد بن أحمد بن عثمان))، والصواب ما أثبتناه موافق لما في المنتظم. وفي كتب
الذهبي: ((إسماعيل بن محمد بن عثمان)) فتأكد أن ((أحمد بن عثمان)) مقلوب ( بشار).
(٦) المنتظم (٩/ ١٤٠)، معجم البلدان (٤١٤/٤)، سير أعلام النبلاء (١٥٥/١٩)، تاريخ الإسلام
( ١٠ /٧٨٨) .
(٧) المنتظم (١٤١/٩)، الكامل في التاريخ (٣٧٧/١٠)، وفيات الأعيان (٤٨٠/٣)، سير أعلام النبلاء
(١٩٨/١٩)، النجوم الزاهرة (١٨٩/٥).
(٨) المنتظم (١٤١/٩).

٢٧٤
أحداث سنة ٤٩٨ هـ ووفياتها
ثم دخلت سنة ثمان وتسعين وأربعمئة
فيها : توفي السلطان بركياروق ، وعهد إلى ولده الصغير ملك شاه ، وعمره أربع سنين ونصف ،
وخُطب له ببغداد ، ولُقِّب جلال الدولة [ ونُثر عند ذكره الدنانير والدراهم }١) وجعل أتابكه الأمير إياز ،
ثم جاء السلطان محمد بن ملك شاه إلى بغداد فخرج إليه [ أهل ] الدولة لتلقّيه وصالحوه ، وكان الذي
[ أخذ البيعة ] في الصلح إلكيا الهرّاسي، مدرّس النِّظامية، وخُطب له بالجانب الغربي ولابن أخيه
بالجانب الشرقي ، ثم قُتل الأمير إياز . [ ومضى ابن جهير في الموكب فخلع على السلطان محمد وقصد
دار وزيره سعد الملك وحمل إليه من دار الخليفة الدست والدواة والخلع (٢) . [ وحضر الوزير سعد
المُلك(٣) عند إلكيا الهرَّاسي في درس النِّظامية ليرغِّب الناس في العلم.
وفي ثامن رجب منها أزيل الغيار عن أهل الذمّة الذين كانوا ألزموه في سنة أربع وثمانين وأربعمئة ولا
يعرف ما سبب ذلك ]٤) .
وفيها : كانت حروب كثيرة بين المصريين والفرنج ، فقتلوا من الفرنج خلقاً كثيراً ، [ ثم أديل عليهم
الفرنج فقتلوا منهم خلقاً أيضاً }٥) .
وممن توفي في هذه السنة من الأعيان :
السلطان بركياروق (٦) [ ابن مَلِك شاه، ركن الدين(٧) السَّلجوقي .
جرت له خطوب طويلة وحروب هائلة ]٨) خُطب له ببغداد ست مرات ، وعُزل عنها ستَّ مرات ،
(١) زيادة من ( ب) و( ط ).
(٢) في (ب) و(ط): (( ثم قتل الأمير إياز وحملت إليه الخلع والدولة ( كذا) والدست)). وهو نص مضطرب لابد
أنه سقط منه شيء ، ولما كان المؤلف ينقل من المنتظم فقد نقلنا ما بين الحاصرتين منه لأن هذا هو المقصود ، إذ
بعد قتل إياز خلع على السلطان وحملت إلى وزيره سعد الملك الخلع والدواة والدست ، وهي آلات الوزارة
( المنتظم ٩/ ١٤٣ ) (بشار).
في (ط): ((سعد الدولة)) وما أثبتناه يعضده ما في المنتظم وغيره ( بشار).
(٣)
زيادة من ( ب ) و( ط ) .
(٤)
(٥) زيادة من ( ب) و( ط ).
(٦) المنتظم (١٤٤/٩)، أخبار الدولة السلجوقية (٧٥)، الكامل في التاريخ (٣٨٠/١٠)، وفيات الأعيان
(٢٦٨/١)، سير أعلام النبلاء (١٩٥/١٩)، الوافي بالوفيات (١٢١/١٠)، النجوم الزاهرة (١٩١/٥)،
شذرات الذهب ( ٣/ ٤٠٧ ) .
(٧) في (ط): ((ركن الدولة)) خطأ، وما أثبتناه يتفق مع ما في مصادر ترجمته (بشار).
(٨) زيادة من (ب) و( ط ).

٢٧٥
وفيات سنة ٤٩٨ هـ
[ ثمّ تنقطع الخطبة له ثمّ تُعاد ] وكان عمره يوم مات أربعاً وعشرين سنة [ وشهوراً] وقام بعده ولده ملك
شاه ، فلم يتمّ أمره بسبب منازعة عمّه محمد له .
عيسى بن عبد الله بن القاسمُ(١) أبو المؤيد(٢) الغَزْنَويُ(٣)، وكان واعظاً كاتباً شاعراً ، ورد بغداد فوعظ
بها ، فتفق على أهلها ، وكان أشعريّ المذهب ، متعصِّباً له ، خرج من بغداد قاصداً بلده ، فتوفي
بأسفرایین .
محمد بن أحمد بن إبراهيم بن سِلفَة الأصبهاني(٤) أبو أحمد ، كان شيخاً عفيفاً ثقة ، سمع الكثير وهو
والد الحافظ أبي طاهر السَّلَفي ، رحمه الله تعالى .
الحافظ أبو علي الجيّاني(٥) الحسين بن محمد بن أحمد الغسَاني الأندلسي.
مصنّف (( تقييد المهمَل على ألفاظ الصحيحين)(٦)، وهو كتاب مفيد كثير النَّفْع . وكان حسن
الخط ، عالماً باللّغة، والشعر ، والأدب ، وكان يُسمع في جامع قرطبة ، توفي ليلة الجمعة لثنتي عشرة
ليلة خلت من شعبان هذه السنة عن إحدى وسبعين سنة ، رحمه الله .
محمد بن علي بن الحسن بن أبي الصَّقْر(٧) أبو الحسن الواسطيّ .
سمع الحديث ، وتفقّه بالشيخ أبي إسحاق الشّيرازي ، وقرأ الأدب ، وقال الشعر [ من ذلك قوله ] :
مَنْ قالَ لي جاهٌ ولي حِشمةٌ ولي قَبولٌ عندَ مولانا
(١) المنتظم (١٤٥/٩)، الكامل في التاريخ (٣٩٧/١٠)، تاريخ الإسلام (٨٠٧/١٠).
في ( ط): ((أبو الوليد)) وهو تحريف، وما أثبتناه هو الذي في مصادر ترجمته كافة ( بشار).
(٢)
(٣)
في ( أ) : الغزي ، وما أثبتناه من مصادر الترجمة .
المنتظم (١٤٥/٩)، توضيح المشتبه (١٣١/٥).
(٤)
(٥) الصلة لابن بشكوال (١٤٢/١)، وفيات الأعيان (٢/ ١٨٠)، سير أعلام النبلاء (١٤٨/١٩)، النجوم الزاهرة
(١٩٢/٥)، شذرات الذهب (٤٠٨/٣).
قال ابن خلكان : والجَيّاني ، بفتح الجيم وتشديد الياء المثناة من تحتها وبعد الألف نون ، هذه النسبة إلى جيّان،
وهي مدينة كبيرة بالأندلس .
وقال ابن بشكوال : ويعرف بالجيّاني ، وليس منها ، إنما نزلها أبوه في الفتنة البربرية حوالي سنة ٤٠٠ ، وأصلهم من
الزهراء .
(٦) قيد الجيّاني رحمه الله في هذا الكتاب المهمل ، وميّز المشكل بين الأسماء والكنى والأنساب لمن ذكر اسمه في
صحيحي البخاري ومسلم ، وقد طبع .
(٧) المنتظم (١٤٥/٩)، الكامل في التاريخ (٣٩٦/١٠)، وفيات الأعيان (٤٥٠/٤)، طبقات
السبكي (١٩١/٤)، سير أعلام النبلاء (٢٣٨/١٩)، الوافي بالوفيات (١٤٢/٤)، النجوم الزاهرة
(١٩١/٥).

٢٧٦
أحداث سنة ٤٩٩ هـ ووفياتها
ولم يَعُدْ ذاك بنفعِ على صديقِهِ لا كانَ مَنْ كانا
ثم دخلت سنة تسع وتسعين وأربعمئة
في المحرّم منها ادّعى رجل النبوَّة بنواحي نَهاوند ، وسمّى أربعة من أصحابه [ بأسماء الخلفاء
الأربعة ] : أبا بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلياً ، فاتَّبعه على ضلالته هذه خلق من الجهلة الرَّعاع ، وباعوا
أملاكهم ، ورفعوا أثمانها إليه ، وكان كريماً يعطي مَنْ قَصَدَه ما عنده ، ثمّ إنَّه قُتل بتلك الناحية لعنه الله ،
ورام رجل من ولد ألْب آرْسَلان بتلك الناحية الملك ، فلم يتمّ له أمره ، فقبض عليه في أقلّ من شهرين ،
فكانوا يقولون : ادّعى رجل النبوّة ، وآخر الملك ، فما كان بأسرع من زوال [ دولتهما (١).
[ وفي رجب منها زادت دجلة زيادة عظيمة فأتلفت شيئاً كثيراً من الغلات ، وغرقت دور كثيرة
ببغداد (٢) .
وفيها : كسر طغتكين أتابك العساكر بدمشق الفرنج ، [ وعاد مؤيّداً منصوراً إلى دمشق ، وزيّنت البلد
زينةً عجيبةً مليحة ، سروراً بكسره الفرنج ٣٤) .
وفي رمضان منها حاصر الملك رضوان بن تتش صاحب حلب مدينة نصيبين .
وفيها : وَرَدَ بغدادَ ملكٌ من ملوك الملثّمين ، وصحبته رجل يقال له : الفقيه ، فوعظ النّاس وهو في
جامع القصر ، وهو ملثّم ، ثمّ عاد إلى مصر ، وله حروب كثيرة مع الفرنج استُشهد في بعضها .
وحجّ بالناس من العراق رجل من أقرباء سيف الدولة صدقة .
وممن توفي فيها من الأعيان :
سهل بن أحمد بن علي الأرْغِياني(٤) أبو الفتح الحاكم .
سمع الحديث من البَيْهقي وغيره ، وعلَّق عن القاضي حسين طريقته ، وشكره في ذلك ، وكان قد
(١) زيادة من ( ب ) .
(٢) زيادة من ( ب) و( ط ).
(٣) زيادة من ( ب) و( ط ).
(٤) المنتظم (١٤٦/٩)، الكامل في التاريخ (٤١٥/١٠)، طبقات السبكي (١٦٩/٣)، وفيات الأعيان
(٤٣٣/٢)، توضيح المشتبه (٣٠٣/١).
قال ابن خلكان : الأرغياني ، بفتح الهمزة وسكون الراء وكسر الغين المعجمة وفتح الياء المثناة من تحتها وبعد
الألف نون ، هذه النسبة إلى : أزغيان ، وهي اسم ناحية من نواحي نيسابور بها عدّة قرى .
وقد ذكره ابن ناصر الدين في التوضيح في نسبة : الباني ، وقال : نسبة إلى قرية من قرى أرغيان .

٢٧٧
وفيات سنة ٤٩٩ هـ
تفقّه أولًا على الشيخ أبي علي السِّنْجِي ، وعلَّق عن إمام الحرمين في الأصول ، وناظر بحضرته
فاستجاده ، وولّي قضاء بلدة مدة طويلة ، ثم ترك ذلك كلّه، وأقبل على التعبّد [وتلاوة القرآن ].
قال ابن خلِّكان(١): وبنى للصوفية رباطاً من ماله، ولزم التعبّد إلى أن مات [ في مستهل المحرم من
هذه السنة }٢) .
محمد بن أحمد بن علي بن عبد الرزّاق(٣) أبو منصور الخيّاط(٤).
أحد القرّاء والصُّلحاء ، ختم ألوفاً من الختمات ، وختم عليه ألوف من الناس ، وسمع الحديث
الكثير ، وحين توفي اجتمع العالم في جنازته اجتماعاً لم يعهد مثله في جنازة [ ولم يعهد له نظير ] بتلك
الأزمان ، وكان عمره يوم توفي سبعاً وتسعين سنة ، رحمه الله [ وقد رثاه الشعراء ] وقد رآه بعضهم في
المنام فقال : ما فعل بك ربّك ؟ فقال : غفر لي بتعليمي الصّبيان الفاتحة .
محمد بن عُبيد الله بن الحسن بن الحسين(٥) أبو الفرج البَصْري ، قاضيها .
سمع أبا الطَّيب الطَّبري والماوردي وغيرهما ، ورحل في طلب الحديث ، وكان عابداً خاشعاً عند
الذِّكر ، رحمه الله تعالى .
31
(٦)
أمير العرب بحديثة عانة .
مُهارش بن مُجلي
وهو الذي أودع عنده الخليفة القائم بأمر الله حين كانت فتنة البساسيري(٧) ببغداد [ فأكرم الخليفة حين
ورد عليه، ثم جازاه الخليفة الجزاء الأوفى ٨) وكان الأمير مُهارش كثير الصلاة والصَّدقة ، توفي في هذه
السنة عن ثمانين سنة .
(١) وفيات الأعيان (٢ /٤٣٤).
(٢) زيادة من ( ب) و( ط ).
(٣) الكامل في التاريخ (٤١٥/١٠)، معرفة القراء الكبار (١/ ٣٧٠)، سير أعلام النبلاء (٢٢٢/١٩).
(٤)
تحرفت في ( ط ) إلى : الحناط .
(٦) المنتظم (١٤٨/٩)، الكامل في التاريخ (٤١٦/١٠)، وفيات الأعيان (٢٦٩/٥)، سير أعلام النبلاء
المنتظم (١٤٧/٩)، الكامل في التاريخ (٤١٥/١٠) .
(٥)
(٢٢٤/١٩)، النجوم الزاهرة (١٩٣/٥).
(٧) تقدم الكلام على فتنة البساسيري ، وإخراجه الخليفة القائم بأمر الله من بغداد ، ثم رجوعه وقتل رأس الفتنة ، وذلك
في أحداث سنة خمسين وإحدى وخمسين وأربعمئة من هذا الجزء .
(٨) زيادة من ( ب) و( ط ).

٢٧٨
أحداث سنة ٥٠٠هـ
ثم استهلّت سنة خمسمئة من الهجرة النبوية
قال أبو داود في ((سننه)): [ حدثنا موسى بن سهل }١) حدّثنا حجّاج بن إبراهيم، حدّثنا [ ابن ]
وهب ، حدّثني معاوية بن صالح ، عن عبد الرحمن بن جبير ، عن أبيه ، عن أبي ثعلبة الخشني قال : قال
رسول الله وَجر: ((لن يَعجِزَ اللهُ هذه الأمة من نصف يوم)). حدّثنا عمرو بن عثمان(٢)، حدّثنا
أبو المغيرة، حدَّثني صفوان، عن شُريح بن عُبَيد، عن سعد بن أبي وقاص، عن النبي وَّ: أنه
قال(٣): ((إني لأرجو أن لا تعجز أمتي عند ربِّها أن يؤخّرها نصف يوم)) . قيل لسعد: وكم نصف يوم ؟
قال : خمسمئة سنة (٤) . وهذا من دلائل النبوّة ، وذكر هذه المدة لا ينفي زيادة عليها ، كما هو الواقع ،
لأنّه وَّلِّ ذكر شيئاً من أشراط الساعة لا بدّ من وقوعها، كما أخبر سواءً بسواءٍ ، وسيأتي ذِكرها فيما بعد
زماننا ، وبالله التوفيق [ وبالله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله ] .
ومما وقع في هذه السنة من الحوادث :
أنّ السلطان محمد بن ملك شاه حاصر في هذه السنة قلاعاً كثيرة من حصون الباطنية ، فافتتح منها
أماكن كثيرة ، وقتل منهم خلقاً كثيراً ، وجمعاً كبيراً ، وجمّاً غفيراً ، وكان من جملة ما افتتح من ذلك قلعة
حصينة كان أبوه قد بناها بالقرب من أصبهان ، في رأس جبل منيع [ هناك ، وكان سبب بنائه أنّه كان مرّة
في بعض صيوده فهرب منه كلب ، فاتبعه إلى رأس الجبل فوجده ، وكان معه رجل من رسل الروم ، فقال
الرومي : لو كان هذا الجبل ببلادنا لاتّخذنا عليه قلعة ، فحدا هذا الكلام السلطان إلى أن ابتنى في رأسه
قلعة (٥) . وكان قد صرف بالبناء ألف ألف دينار ومئتي ألف دينار ، فاستحوذ عليها بعد ذلك رجل من
، فتعب المسلمون بسببها ، وحاصرها السلطان محمد
(٦)
الباطنية يقال له : أحمد بن عبد الله بن عَطاش
سنة حتى افتتحها ، وسلخ هذا الرجل ، وحشا جلده تِبناً ، وقطع رأسه فطيف به في الأقاليم ، ثمّ نقض
هذه القلعة حجراً حجراً ، [ وألقت امرأته نفسها من أعلى القلعة فتلفت ، وهلك ما كان معها من الجواهر
(١) في (ط): ((قال أبو داود في سننه: حدثنا حجاج بن إبراهيم .. إلخ)) وهذا لا يصح لأن حجاجاً ليس من شيوخ
أبي داود ، والصواب ما أثبتناه بين حاصرتين من سنن أبي داود ( ٤٣٤٩) ، وهو موسى بن سهل بن قادم ،
أبو عمران الرملي المتوفى سنة ٢٦٢ على الصحيح (بشار) .
(٢)
سنن أبي داود ( ٤٣٥٠ ) ( بشار ) .
(٣)
في سنن أبي داود: أن النبي وَلَقو قال:
(٤) مأخوذ من قوله تعالى: ﴿ وَإِنَ يَوْمًّا عِندَ رَبِّكَ كَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾، وقوله سبحانه: ﴿يُدَبِرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَآءِ
إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِ يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ ( بشار) .
(٥) زيادة من ( ب) و( ط ) .
(٦) في ( ط ) : عطاء. خطأ.

٢٧٩
أحداث سنة ٥٠٠هـ
النفيسة ، وكان الناس يتشاءمون بهذه القلعة . ويقولون : كان دليلها كلباً ، والمشير بها كافراً ،
والمتحصّن بها زِنديقاً }١).
وفيها : كانت حروب كثيرة بين بني خفاجة وبين بني عُبادة ، فقهرت عُبادة خفاجة ، وأخذت بثأرها
[ المتقدّم منها ] .
وفيها : استحوذ سيف الدولة صدقة بن منصور الأسدي على مدينة تكريت بعد قتال كثير .
[ وفيها : أرسل السلطان محمد الأمير جاولى سقاوو إلى الموصل وأقطعه إيّاها ، فذهب فانتزعها من
الأمير جكرمش بعدما قاتله وهزم أصحابه وأسره ، ثمّ قتله بعد ذلك ، وقد كان جكرمش من خيار الأمراء
سيرة وعدلاً وإحساناً ، ثمّ أقبل قلج أرسلان بن قتلمش فحاصر الموصل ، فانتزعها من جاولي ، فصار
جاولي إلى الرّحبة ، فأخذها ، ثمّ أقبل إلى قتال قلج فكسره ، وألقى قلج نفسه في نهر الخابور
فهلك ]٢)
.
وفيها : نشأت حروب كثيرة بين الروم والفرنج فاقتتلوا قتالاً عظيماً ، وقتل من الفريقين ألوف ، ثمّ
كانت الهزيمة بعد كلِّ حساب على الفرنج. [ والحمد لله ربِّ العالمين ]٣).
وفي يوم عاشوراء قتل فخر الملك بن نظام الملك ، وكان أكبر أولاده ، وهو وزير السلطان سنجر
بنيسابور ، وكان صائماً ، قتله باطني ، وكان قد رأى في تلك الليلة الحسين بن علي رضي الله عنهما ،
وهو يقول له : عجّل إلينا ، وأفطِر عندنا اللّيلة، فأصبح متعجّباً ، فنوى الصوم ذلك النهار ، وأشار عليه
بعض أصحابه أن لا يخرج ذلك اليوم من منزله ، فما خرج إلا في آخر النهار ، فرأى شاباً يتظلّم وبيده رقعة
فقال : ما شأنك؟ فناوله الرقعة ، فبينما هو يقرؤها إذا ضربه بخنجر في يده فقتله ، [ فأخذ الباطني فرُفِعَ
إلى السلطان فقرّره ، فأقرّ على جماعة من أصحاب الوزير أنَّهم أمروه بذلك ، وكان كاذباً ، فقتل ، وقتلوا
أيضاً }٤) .
[ وفي رابع عشر ] من صفر عزل الخليفة الوزير [ أبا القاسم علي ] بن جَهير، وخرّب داره التي كان
قد بناها أبوه ، [ من خراب ] بيوت الناس ، وكان في ذلك عبرة وموعظة لذوي البصائر [ والنُّهى ]
واستنيب في الوزارة القاضي أبو الحسن بن الدّامغاني [ ومعه آخر ]°).
(١) زيادة من ( ب) و( ط ).
(٢) زيادة من ( ب ) و( ط ).
(٣) زيادة من ( ب) و( ط ).
(٤) زيادة من ( ب) و( ط ).
(٥) زيادة من ( ب) و( ط ) .

٢٨٠
وفيات سنة ٥٠٠هـ
وحج بالناس في هذه السنة أمير تركمانى [ واسمه أليرن ] من جهة السلطان محمد بن ملك شاه .
وممن توفي فيها من الأعيان :
أحمد بن محمد بن المظفَّ(١) أبو المظفَّر الخَوَافي الفقيه الشافعي .
قال ابن خلِّكان : كان أنظر أهل زمانه ، تفقّه على إمام الحرمين ، وصار أوجه تلامذته ، ولي القضاء
بطوس ونواحيها ، فكان مشهوراً بين العلماء بحسن المناظرة وإفحام الخصوم . قال : والخَوَافي ، بفتح
الخاء والواو ، نسبة إلى خَوَاف ، ناحية من نواحي نيسابور ، رحمه الله تعالى .
جعفر بن أحمد بن الحسين بن أحمد السَّرَّاجُ ٢) أبو محمد القارىء [ البغدادي ].
ولد سنة ست عشرة وأربعمئة ٣) ، وقرأ القرآن بالروايات ، وسمع الكثير من الأحاديث النبويات من
المشايخ والشَّيخات ، في بلدان متباينات ، وقد خرّج له الحافظ أبو بكر الخطيب أجزاء من مسموعاته ،
وكان صحيح الثبت ، جيد الذهن ، أديباً ، شاعراً ، حسن النظم، نظم كتاب ((المبتدأ)(٤) وكتاب
(( التنبيه(٥) والخِرَقي(٦)، وغير ذلك)) وله كتاب ((مصارع العشّاق)) وغير ذلك، وكان حافظاً مبرِّزاً على
أقرانه من نُجباء أبناء زمانه ، سمع منه الحافظ السِّلَفي ، وكان يفتخر برؤيته ، ومن شعره قوله :
قلْ لِلَّذِينَ بجهلهمْ أضْحَوا يعيبونَ المحابز
أيدي بمجتمعِ الأساوز
والحاملينَ لَها من الـ
لمُ والصحائفُ والدفاترْ
لولا المحابرُ والمقا
-مبعوثِ من خيرِ العشائرْ
والحافظونُ شريعةَ الـ
والناقلونَ حديثَه
عن كابرٍ ثَبَّتٍ فَكَابِزْ
لٍ عساكراً تتلو عساكر
لرأيتَ مِن بَشعِ الضّلا
والهُ للمظلومِ ناصرْ
كلٌّ يقولُ بجهلهِ
(١) وفيات الأعيان (٩٦/١). سير أعلام النبلاء (٢٥١/١٩).
(٢) المنتظم (١٥١/٩)، الكامل في التاريخ (٤٣٩/١٠)، وفيات الأعيان (٣٥٧/١)، طبقات الإسنوي
(٤٥/٢)، سير أعلام النبلاء (٢٢٨/١٩)، النجوم الزاهرة (١٩٤/٥)، شذرات الذهب (٤١١/٣).
(٣) هذا ما ذكره ابن الجوزي في المنتظم، وأصح منه ما نقله الذهبي في تاريخ الإسلام (٨٢٥/١٠)، قال: (( وقال
السلفي : سألته عن مولده فقال: إما في آخر سنة سبع عشرة ، وإما في أول سنة ثمان عشرة وأربعمئة ببغداد ))
( بشار ) .
كتاب المبتدأ لوهب بن منبه .
(٤)
(٥) كتاب التنبيه في فروع الفقه الشافعي لإبراهيم بن علي الشيرازي ، ت ٤٧٤ هـ.
(٦) ((الخرقي)): هو عمر بن الحسين البغدادي ت ٣٣٤هـ صاحب المختصر في الفقه الذي نظمه المترجم.