Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
أحداث سنة ٤٧٩ هـ
ولم أحجزِ الجاني وأمنعْ جَورَه١ُ) غداةَ أنادي للفخارِ وأنتمي
فلا نهضت بي همّةٌ عربيةٌ إلى المجدِ ترقى بي ذرا كلِّ مخدمُ(٢)
هِبةُ الله بن أحمد بن السَّيْبي(٣) مؤدّب الخليفة المقتدي بأمر الله، سمع الحديث ، وتوفي في محرم
هذه السنة وقد جاوز الثمانين ، وله شعر جيد ، فمنه قوله :
لِما جاءَ فيها عن المصطفى
رجوتُ الثمانينَ من خالقي
وزادَ ثلاثاً بها أزْدَفا
فَلَّغَنِيها فشكراً لَهُ
لينجزَهُ فهو أهلُ الوَفا
وإني(٤) لمنتظرٌ وَعْدَهُ
ثم دخلت سنة تسع وسبعين وأربعمئة٥)
وفيها : كانت الوقعة بين تتش صاحب دمشق وبين سليمان بن قتلمش صاحب حلب وأنطاكية وتلك
الناحية ، فانهزم أصحاب سليمان ، وقتل هو نفسه بخنجر كانت معه ، فسار السلطان ملك شاه من أصبهان
إلى حلب فملكها ، وملك ما بين ذلك من البلاد التي مرّ بها ، هي حرّان ، والرُّها ، وقلعة جعبر ، وكان
جعبر شيخاً كبيراً قد عمي ، وله ولدان ، وكان قطّاع الطريق يلجؤون إليها فيتحصّنون بها ، [ فراسل
السلطان سابق بن جعبر في تسليمها ، فامتنع عليه ، فنصب عليه المجانيق والعرّادات ففتحها ، وأمر بقتل
سابق ، فقالت زوجته : لا تقتله حتى تقتلني معه ، فألقاه من رأسها فتكسر ، ثمّ أمر بتوسيطه بعد
ذلك (٦) . فألقت زوجته نفسها وراءه فسَلِمت ، فلامها بعض الناس في ذلك ، فقالت : كرهت أن يصل
إليّ التركي ، فيبقى ذلك عاراً عليّ ، فاستحسن منها ذلك . واستناب السلطان على حلب قسيم الدولة
آقسنقر التركي ، وهو جد نور الدين الشهيد ، واستناب على الرحبة ، وحرّان ، والرقّة ، وسروج ،
والخابور محمد بن شرف الدولة مسلم ، وزوجه بأخته زليخا خاتون ، وعزل فخر الدولة بن جَهير عن ديار
(١) في ( ب) والكامل : ولم أجر الجاني وأمنع حوزه.
(٢) في ( ب ) و( ط ) : محرم.
(٣) الإكمال (٥١٤/٤)، الأنساب (٢١٦/٧)، المنتظم (٢٥/٩)، الكامل في التاريخ (١٤٦/١٠)، توضيح
المشتبه (٢٣/٥) .
والسِّيبي بكسر المهملة ، وسكون المثناة تحت ، تليها موحدة . نسبة إلى بلد السِّيب ، وهو على الفرات بقرب
الحلة .
(٤) في المنتظم : وهاأنا .
(٥) في ( ب ) تصحيح للعنوان السابق وهو سنة إحدى وسبعين . وهذا الخطأ في العنوان بدأ من أول هذا الجزء مع
مسايرة الأحداث والتراجم لنسخة ( أ ) و( ط ) .
(٦) زيادة من ( ب ) و( ط ) .

٢٢٢
أحداث سنة ٤٧٩ هـ
بَكَر ، وسلّمها إلى العميد أبي علي البلخي ، وخلع على سيف الدولة صَدقة بن دبيس الأسدي ، وأقرّه
على عمل أبيه ، ودخل بغداد في ذي القعدة من هذه السنة ، وهي أول دخلة دخلها ، فزار المشاهد
والقبور ، ودخل على الخليفة فقبّل يده ، ووضعها على عينيه ، وخلع عليه الخليفة خلعَة سنّة ، وفوّض
إليه أمور الناس ، واستعرض الخليفة أمراءه ، ونظام الملك واقف بين يدي الخليفة يعرّفه بالأمراء واحداً
[ بعد واحد ] باسمه ، وكمِّ جيشه وإقطاعه ، ثم خرج السلطان فنزل بمدرسة النظامية [ ولم يكن رآها قبل
ذلك ] فاستحسنها ، إلا أنّه استصغرها، واستحسن أهلها [ ومن بها، وحمد الله ، وسأل الله أن يجعل
ذلك خالصاً لوجهه الكريم }١) ، ونزل بخزانة كتبها ، وأملى جزءاً من مسموعاته ، فسمعه المحدثون
منه ، وورد الشيخ أبو القاسم علي بن أبي الحسين الحسيني الدَّبوسي(٢) إلى بغداد في تجمّل عظيم ، فرتّبه
مدرساً بالنظامية بعد أبي سَعْد(٣) المتولّي .
[وفي ربيع الآخر فرغت المنارة بجامع القصر وأذِّن فيها٤)] .
وفي هذه السنة : كانت زلازل [ هائلة ] بالعراق والجزيرة والشام فهدمت شيئاً كثيراً من العمران
[وخرج أكثر الناس إلى الصحراء ثمّ عادوا ] .
وحجّ بالناس الأمير خمارتكين الجستاني(٥) ، وقطعت خطبة المصريين من مكة والمدينة ، وقلعت
الصفائح التي على باب الكعبة التي عليها ذكر [ الخليفة ] المصري وجدّد غيرها عليها [وكتب عليها ] اسم
المقتدي .
قال ابن الجوزي(٦) : وظهر رجل بين السندية وواسط . يقطع الطريق وهو مقطوع اليد اليسرى ،
يسرع بفتح الأقفال في أسرع مدّة ، ويغوص دجلة في غوصتين ، ويقفز القفزة خمسة وعشرين ذراعاً ،
ويتسلّق الحيطان الملس ولا يقدر عليه أحد ، وخرج من العراق سالماً .
قال : وفيها توفي فقير يسأل الناس في جامع المنصور ، فوجد في مرقعته ستمئة دينار مغربيّة .
قال : وفيها : عمل سيف الدولة صدقة ، سماطاً للسلطان [ جلال الدولة أبي الفتح ] ملكشاه،
(١) زيادة من ( ب) و( ط ) .
(٢) هو الشيخ أبو القاسم ، علي بن المظفر بن حمزة بن زيد الدَّبوسي. سترد ترجمته مع وفيات سنة ٤٨٢ من هذا
الجزء .
في بعض النسخ: ((سعيد))، خطأ، وما هنا من ( ط)، وتقدمت ترجمته قبل قليل (بشار ).
(٣)
(٤)
زيادة من ( ب ) و( ط ) .
في (ط): ((الحسناني))، وقد تقدم قبل قليل التعليق على هذه النسبة (بشار).
(٥)
(٦) بعد هذا في (ط): ((أي صحاحاً كباراً من أحسن الذهب)) ، وهي من إضافة بعض النساخ أو القراء ، وإنما ينقل
المؤلف من المنتظم وليس فيه ذلك ( بشار ) .

٢٢٣
وفيات سنة ٤٧٩هـ
اشتمل على ألف رأس من الغنم ، ومئة من الجمال والخيل ، وعشرين ألف دجاجة ، ودخله [ عشرون ]
ألف منّ من السكر [وجعل عليه ] من أصناف الطيور والوحوش من السكر شيء كثير ، فتناول السلطان
[ بيده منه ] شيئاً يسيراً، ثمَّ أشار فانتهب عن آخره ، ثمّ انتقل من ذلك المكان إلى سرادق عظيم له لم ير
مثله من الحرير ، وفيه خمسمئة قطعة من فضة وذهب وألوان من تماثيل الندّ والمسك والعنبر وغير ذلك ،
فمدّ فيه سماطاً خاصاً ، فأكل السلطان حينئذ ، وحمل إليه عشرين ألف دينار ، وقدم له ذلك السرادق
بكماله فانصرف .
وممن توفي فيها من الأعيان :
الأمير جَعْبَر بن سابق القُشيريّ(١) الملقب بسابق الدين .
كان قد تملك قلعة جعبر مدة طويلة فنسبت إليه [ وإنما كان يقال لها قبل ذلك الدُّوسرية ، نسبة إلى
غلام النعمان بن المنذر ، ثمّ إن هذا الأمير كبر وعمي ]٢) . وكان له ولدان يقطعان الطريق فاجتاز
السلطان ملكشاه بن ألْب آرْسَلان السلجوقي وهو ذاهب إلى حلب فاستنزله منها ، وقتله ، وأخذها منهم .
الأمير ختلغ(٣) أمير الحاج .
[ كان مُقْطَعاً للكوفة ] ، وله وقَعات مع العرب ، أعربت عن شجاعته ، وأرعبت قلوبهم وشرّدتهم في
البلاد شذر مذر ، وقد كان حسن السيرة ، محافظاً على الصلوات ، كثير التلاوة ، وله آثار حسنة في طريق
مكّة ، في إصلاح المصانع والأماكن التي يحتاج إليها [ الحجاج وغيرهم [ وله ] مدرسة على الحنفية
بمشهد يونس بالكوفة ، وبنى مسجداً بالجانب الغربي من بغداد على دجلة بمشرعة الكرخ ، وكانت وفاته
[ في جمادى الأولى ] من هذه السنة ، رحمه الله تعالى . ولما بلغ نظام الملك وفاته قال : مات ألف
رجل .
علي بن فَضَّالِ المُجَاشعيّ(٤) أبو علي(٥) النحوي المغربي .
(١) المنتظم (٣١/٩)، الكامل في التاريخ (١٤٩/١٠)، وفيات الأعيان (٣٦٣/١)، معجم البلدان (٢/ ١٤٢)،
سير أعلام النبلاء ( ١٨ / ٥٥٢) .
(٢) زيادة من ( ب) و( ط ).
(٣) المنتظم (٣٣/٩)، الكامل في التاريخ (١٦٣/١٠)، وفيه اسمه: قتلغ: ووفاته في سنة ٤٨٠ .
(٤) المنتظم (٣٣/٩)، الكامل في التاريخ (١٥٩/١٠)، سير أعلام النبلاء (٥٢٨/١٨)، النجوم الزاهرة
(١٢٤/٥) .
والمجاشعي : بضم الميم وفتح الجيم وسكون الألف وكسر الشين المعجمة والعين المهملة ، نسبة إلى مجاشع بن
دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة من تميم . وقد تحرفت في ( ط ) إلى : المشاجعي .
(٥) كذا كنيته في الأصل و(ط)، وفي المنتظم والكامل وغيرهما: ((أبو الحسن))، وهو الصواب.

٢٢٤
أحداث سنة ٤٨٠ هـ
له المصنّفات الدالّة على علمه وغزارة فهمه ، [ وأسند الحديث ، توفي في ربيع الأول من هذه السنة
ودفن بباب أبرز ١٣) ، رحمه الله .
علي بن أحمد التُّستَري(٢) كان مقدّم أهل البصرة في المال [ والجاه ] وله مراكب تعمل في البحر ، قرأ
القرآن ، وسمع الحديث ، وتفرّد برواية ((سنن)) أبي داود، وكانت وفاته في رجب من هذه السنة .
يحيى بن (الحسين (٣) إسماعيل الحسيني (٤)
كان فقيهاً على مذهب زيد بن علي بن الحسين ، وعنده معرفة بالأصول والحديث .
ثم استهلّت سنة ثمانين وأربعمئة
في المحرم منها نقل جهاز [ ابنة ] السلطان ملكشاه إلى دار الخلافة المكرمة على مئة وثلاثين جملاً
مجلّلة بالديباج الرومي عليها أواني الذهب والفضّة، وعلى أربع وسبعين بغلاً مجلّلة بأنواع الديباج الملكي
[وأجراسها وقلائدها من الذهب والفضّة] وكان على ستة منها اثنا عشر صندوقاً من فضة فيها [أنواع من ]
الجواهر والحليّ ، وبين يدي البغال ثلاث وثلاثون فرساً عليها مراكب الذهب مرصعة بأنواع الجواهر ،
ومَهْد عظيم مجلّل بالديباج الملكي عليه صفائح الذهب مرصع بالجواهر ، [ وبعث الخليفة لتلقِّيهم الوزير
أبا شجاع ، وبين يديه نحو من ثلاثمئة موكبّة غير المشاعل لخدمة الست خاتون امرأة السلطان ، تركان
خاتون(٥) حماة الخليفة ، وسألها أن تحمل الوديعة الشريفة إلى دار الخلافة ، فأجابت إلى ذلك ، فحضر
الوزير نظام الملك وأعيان الأمراء }٦) وبين أيديهم من الشموع والمشاعل ما لا يحصى [ وجاءت نساء
الأمراء ، كل واحدة في جماعتها وجواريها ] ثمّ جاءت الخاتون ابنة السلطان زوجة الخليفة بعد الجميع في
محفّة مجلّلة، وعليها من الذَّهب والجواهر ما لا يُحصى قيمته (٧)، [ وقد أحاط بالمحفّة مئتا جارية تركية
(١) زيادة من ( ب) و( ط ).
(٢) المنتظم (٣٣/٩)، الكامل في التاريخ (١٥٩/١٠)، سير أعلام النبلاء (٤٨١/١٨)، شذرات الذهب
(٣/ ٣٦٣) .
والتُّسْتَري : بضم التاء وسكون السين وفتح التاء وكسر الراء ، نسبة إلى تستر : أعظم مدينة بخوزستان ، وهي تعريب
شوشتر . معجم البلدان (٢٩/٢) . وقد تحرفت هذه النسبة في (أ) إلى : القشيري ، وفي الكامل إلى :
الشيري .
(٣) ما بين الحاصرتين إضافة من المنتظم وتاريخ الإسلام لابد منها .
(٤)
المنتظم (٣٥/٩)، تاريخ الإسلام (٤٥١/١٠).
(٥)
في ( ب ) : تركان شاه .
زيادة من ( ب ) و( ط ) .
(٦)
(٧) من قوله: وجاءت نساء الأمراء . . إلى هنا ساقط من ( ب) وما بعدها زيادة من ( ب) و( ط ).

٢٢٥
وفيات سنة ٤٨٠هـ
بالمراكب المزيَّنة العجيبة مما يبهرن الأبصار ] ، فدخلت دار الخلافة على هذه الصفة ، وكانت ليلة
مشهودة هائلة جداً. [ وقد زُيّن الحريم الطاهري وأشعلت فيه الشموع }(١) فلما كان من الغد أحضر
الخليفة أمراء السلطان ، ومدّ سماطاً لم يُرَ مثله عمَّ الحاضرين والغائبين ، وخلع على الخاتون زوجة
السلطان [ أم العروس ] وكان يوماً مشهوداً. [ وكان السلطان متغيباً في الصيد ثمّ قدم بعد أيام ، وكان
الدخول بها في أول السنة}٢) ، فولدت من الخليفة [في ذي القعدة ] ولداً ذكراً زيَّنت له بغداد(٣).
وفي هذه السنة : ولد للسلطان ملكشاه ولد سماه : محموداً ، وهو الذي ملك بعده .
وفيها : جعل السلطان ولده أبا شجاع أحمد وليّاً للعهد من بعده ، ولقّبه ملك الملوك ، عضد
الدولة ، تاج الملّة ، عدة أمير المؤمنين ، وخطب له بذلك على منابر بغداد وغيرها ، ونثر الذهب على
الخطباء عند ذكر اسمه .
وفيها : شرع في بناء التاجية بباب أبرز [ وعملت بستان وغرست النخيل والفواكه هنالك ] وعمل سور
بأمر السلطان ملكشاه .
وحجّ بالناس في هذه السنة نجم الدولة خمارتكين .
وممن توفي في هذه السنة :
إسماعيل بن عبد الله(٤) بن موسى بن سعيد(٥) أبو القاسم النيسابوري ، رحل في طلب الحديث إلى
الآفاق حتى جاوز ما وراء النهر ، وكان له حظ وافر في علم الأدب ومعرفة العربيّة ، توفي بنيسابور في
[ جمادى الأولى ] من هذه السنة.
طاهر بن الحسين البَنْدَنِيْجي(٦) أبو الوفاء ، الشاعر المبرّز ، له قصيدتان في مدح نظام الملك إحداهما
معجمة ، والأخرى غير منقوطة أولها :
لامُوا ولو علمُوا ما اللّومُ ما لامُوا وَرَدّ لومهُمُ هَمٌّ وآلامُ
وكانت وفاته ببلده في رمضان عن نيف وسبعين سنة ، رحمه الله تعالى .
(١) زيادة من ( ب) و( ط ) .
(٢) زيادة من ( ب) و(ط ).
ذكر ابن الأثير (١٠ /١٦٢) : أن الخليفة سماه جعفراً ، وكناه أبا الفضل.
(٣)
في (ط): ((إبراهيم)) غلط محض، والتصويب من بعض النسخ ومصادر ترجمته كافة (بشار).
(٤)
(٥) المنتظم (٣٩/٩)، الكامل في التاريخ (١٦٣/١٠)، تاريخ الإسلام (٤٥٣/١٠).
(٦) المنتظم (٣٩/٩)، الكامل في التاريخ (١٠/ ١٦٣).

٢٢٦
وفيات سنة ٤٨٠ هـ
محمد بن أمير المؤمنين المقتدي بأمر الله(١) عَرَض له جدري فمات وله تسع سنين ، فحزن والده
والناس ، [ وجلسوا للعزاء فأرسل إليهم ] يقول : إنّ لنا في رسول الله أسوة حسنة حين توفي ابنه إبراهيم .
وقال الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦ ] ثم [ عزم ] على الناس
فانصرفوا إلى منازلهم .
محمد بن محمد بن زيد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن
أبي طالب(٢) ، أبو الحسن الحسيني ، الملقب بالمرتضى ذي الشرفين .
ولد سنة خمس وأربعمئة ببغداد ونشأ بها ، وسمع الحديث الكثير ، وقرأ بنفسه على الشيوخ ،
وصحب الحافظ أبا بكر الخطيب ، فصارت له معرفة جيدة بالحديث ، وسمع عليه الخطيب شيئاً من
مرويّاته ، ثمّ انتقل إلى سمرقند ، وأملى الحديث بأصبهان [وغيرها ] ، وكان يرجع إلى عقلٍ كاملٍ ،
وفضلٍ ومروءةٍ ، وكانت له أموالٌ جزيلةٌ ، وأملاك متَّسعةٌ، ونعمةٌ وافرةٌ . يقال: إنَّه ملك أربعين قرية ،
وكان كثير الصدقات [ والبرّ والصلة ] للعلماء والفقراء ، وبلغت زكاة ماله الصامت عشرة آلاف دينار غير
زكاة العشور ، وكان له بستان ليس لملك مثله ، فطلبه منه ملك ما وراء النهر واسمه الخضر بن إبراهيم ،
عارية ليتنزّه فيه ، فأبى عليه وقال : أعيره إيّاه ليشرب فيه الخمر بعدما كان مأوى أهل العلم والدين
والحديث ، فأعرض عنه [ السلطان ] وحقد عليه، ثمّ استدعاه إليه ليستشيره في بعض الأمور على
العادة ، فلما حصل عنده ، قبض عليه ، وسجنه في قلعته ، واستحوذ على جميع أملاكه وأمواله
وحواصله ، فكان يقول : ما تحققت صحّة نسبي إلا بهذه المصادرة ، فإنّي رُبِّيتُ في النَّعيم ، فكنت
أقول : إن مثلي لا بُدَّ أن يُبتلى . ثم منعوه الطعام والشراب حتى مات رحمه الله في القلعة ، فأخرجوه
فدفنوه هناك ، فقبره يزار ، أكرم الله مثواه .
محمد بن هلال بن المُحَسِّن(٣) بن إبراهيم(٤) أبو الحسن الصابىء ، الملقب بغَرْسِ النعمة .
سمع أباه وأبا علي بن شاذان ، وكانت له صدقة [ كثيرة ] ومعروف ، وقد ذيّل على تاريخ أبيه الذي
ذيّله على تاريخ ثابت بن سنان الذي ذيّله على تاريخ ابن جرير الطبري . وقد أنشأ داراً ببغداد ، وقف فيها
أربعة آلاف مجلّد في فنون من العلم ، وترك حين مات سبعين ألف دينار ، ودفن بمشهد علي رضي الله عنه
ورحمه .
(١) المنتظم (٤٠/٩).
(٢) المنتظم (٩/ ٤٠)، سير أعلام النبلاء (١٨ / ٥٢٠)، الوافي بالوفيات (١٤٣/١)، شذرات الذهب (٣٦٥/٣).
(٣) في (ط): ((الحسن))، وهو تحريف جد ظاهر، فهم معروفون مشهورون (بشار).
(٤)
المنتظم (٤٢/٩)، الكامل في التاريخ (١٦٣/١٠)، وفيات الأعيان (١٦٧/٢)، سير أعلام النبلاء
(٤٨١/١٨)، شذرات الذهب (٢٧٩/٣).

٢٢٧
أحداث سنة ٤٨١ هـ
هبة الله بن علي بن محمد بن أحمد بن المُجْلي(١) أبو نصر .
جمع خطباً ووعظاً ، وسمع الحديث على خلق من المشايخ ، وتوفي شاباً قبل أوان الرواية ، رحمه
الله .
أبو بكر بن عمر أمير الملثمين(٢).
كان في أرض غانة (٣) اتفق له من الناموس ما لم يتفق لغيره من الملوك ، وكان يركب معه إذا سار لقتال
العدوّ خمسمئة ألف مقاتل ، كلّ يعتقد طاعته ، وكان يقيم الحدود ، ويحفظ محارم الإسلام [ ويحوط
الدين ] ويسير في الناس سيرة شرعية مع صحّة معتقده [ ودينه ] وموالاة الدولة العباسية ، أصابته نشَّابة في
بعض حروبه ، فجاءته في حلقه فقتلته في هذه السنة .
فاطمة بنت علي المؤذِّبة الكاتبةُ(٤) وتُعرف ببنت الأقرع .
سمعت الحديث من أبي عمر بن مَهدي وغيره ، وكانت تكتب الخطّ المنسوب على طريقة ابن
البواب(٥) ، ويكتب الناس عليها ، وبخطّها كانت الهدنة من الديوان إلى ملك الروم ، وكتبت مرة إلى
عميد الملك الكُنْدُري رقعة فأعطاها ألف دينار ، توفيت في [ المحرم ] ببغداد في هذه السنة ودفنت بباب
أبرز .
ثم دخلت سنة إحدى وثمانين وأربعمئة
فيها : كانت فتن عظيمة ببغداد بين الروافض والسنة ، وجرت خطوب كثيرة .
وفي [ ربيع الأول ] أخرجت الأتراك من حريم الخلافة ، وهذا فيه قوة للخلافة .
وفيها : ملك مسعود بن الملك المؤيد بن إبراهيم بن مسعود بن محمود بن سُبُكْتِكِين بلاد غزنة بعد
أبيه .
(١) المنتظم (٤٣/٩)، توضيح المشتبه (٥٩/٨)، شذرات الذهب (٣٩٢/٣)، مع من توفي سنة ثمان وثمانين
وأربعمئة .
(٢) المنتظم (٤٣/٩)، الكامل في التاريخ (٦١٨/٩ - ٦٢٢)، وفيات الأعيان (١١٣/٧)، سير أعلام النبلاء
(١٨/ ٤٢٥) وفيه وفاته سنة اثنتين وستين وأربعمئة، وإنما تابع المؤلف ابن الجوزي في المنتظم .
(٣) في (ط): ((فرغانة)) وهو غلط فاحش، والصواب ما أثبتناه، وهي بلد معروف بإفريقية. (بشار).
(٤) المنتظم (٤٠/٩)، الكامل في التاريخ (١٦٣/١٠)، سير أعلام النبلاء (١٨/ ٤٨٠) وفيها اسمها : بنت
الحسن بن علي البغدادي ، وإنما تابع المؤلف ابن الجوزي ، وهو كثير الأوهام .
(٥) هو علي بن هلال ابن البواب، تعانى الكتابة ، ففاق الأولين والآخرين فيها . وردت ترجمته مع وفيات سنة ٤١٣ .

٢٢٨
وفيات سنة ٤٨١ هـ ـ أحداث سنة ٤٨٢ هـ
وفيها : فتح ملكشاه مدينة سمرقند ، وحج بالناس الأمير خمارتكين ، وممن حجّ فيها الوزير
أبو شجاع واستناب ولده أبا منصور وطِراد بن محمد[ الزَّيْنبي ].
وممن توفي فيها من الأعيان :
أحمد بن السلطان ملكشاه(١) كان ولي عهد أبيه ، توفي وعمره إحدى عشرة سنة ، فمكث الناس في
العزاء سبعة أيام [ لم يركب أحد فرساً ] ، والنساء ينحن في الأسواق عليه ، [ وسوّد أهل البلاد التي لأبيه
أبوابهم ] .
عبد الله بن محمد بن علي بن محمد بن علي بن جعفر(٢) [ أبو إسماعيل ] ، الأنصاري الهرويّ ، روى
الحديث وصنّف ، وكان كثير السّهر باللّيل، وكانت وفاته بهراة في ذي الحجة عن ست وثمانين سنة .
ثم دخلت سنة ثنتين وثمانين وأربعمئة
في المحرم درّس أبو بكر الشاشي في المدرسة التاجيّة بباب أبرز ، وكان قد أنشأها الصاحب تاج
الملك(٣) أبو الغنائم على الشافعيّة.
وفيها : كانت فتنة عظيمة بين الروافض والسنّة ، ورفعوا المصاحف وجرت حروب طويلة وقتل خلق
كثير . نقل ابن الجوزي في ((المنتظم)(٤) من خطّ ابن عقيل : أنّه قتل في هذه الفتنة قريب من مئتي رجل ،
قال: وسبّ أهل الكرخ الصحابة وأزواج رسول الله وَله، وارتفعوا إلى سبِّ رسول الله بَّاه ـ فلعنة الله على
أهل الكرخ الذين فعلوا ذلك - وإنما حكيت هذا ليعلم الواقف عليه ما في طوايا الروافض من الخبث
والبغض لدين الإسلام وأهله والعداوة الكافية في قلوبهم لله ولرسوله ولشريعته .
وفيها : ملك السلطان ملكشاه ما وراء النهر وطائفة كثيرة من تلك الناحية بعد حروب عظيمة ووقعات
هائلة .
وفيها : استولى جيش المصريين على عدة من بلاد الشام .
[ وفيها : عمرت منارة جامع حلب .
(١) الكامل في التاريخ (٦٩/١٠).
(٢) المنتظم (٤٤/٩)، الكامل في التاريخ (١٦٨/١٠). قال بشار: قصَّر في ترجمته لمتابعته ابن الجوزي ، وسقط
عند ابن الجوزي من نسبه قبل جعفر: (( أحمد))، وله في تاريخ الإسلام ترجمة رائقة (٤٨٩/١٠ - ٤٩٥).
(٣) في ( ب) و( ط ) : الدين .
(٤) (٤٨/٩ ) .

٢٢٩
وفيات سنة ٤٨٢ هـ
وفيها : أرسلت الخاتون بنت السلطان امرأة الخليفة تشكو إلى أبيها إعراض الخليفة عنها ، فبعث
إليها أبوها الطواشي صواب والأمير مران ليرجعاها إليه ، فأجاب الخليفة إلى ذلك ، وبعث معها بالنقيب
وجماعة من أعيان الأمراء ، وخرج ابن الخليفة أبوالفضل والوزير فشيّعاها إلى النهروان ، وذلك في ربيع
الأول ، فلما وصلت إلى أبيها توفيت في شوال من هذه السنة بأصبهان ، فعمل عزاؤها ببغداد سبعة أيام ،
وأرسل الخليفة إلى السلطان أميرين لتعزيته فيها }(١) .
وحجّ بالناس في هذه السنة خمارتكين .
وممن توفي فيها من الأعيان :
عبد الصمد بن أحمد بن علي المعروف بظاهر(٢) النيسابوري الحافظ .
رحل وسمع الكثير ، وخرّج ، عاجله الموت في هذه السنة بهمَذان وهو شاب ، رحمه الله تعالى .
علي بن أبي يعلى بن زيد(٣) أبو القاسم الدبوسيّ ، مدرس النظامية بعد المتولي .
وقد سمع شيئاً من الحديث ، وكان فقيهاً ماهراً ، وجدلياً باهراً .
عاصم بن الحَسَنُ(٤) بن محمد بن علي بن عاصم بن مهرانُ(٥) أبو الحسين العاصِميّ .
وهو من أهل الكَرْخ ، سكن باب الشعير. [ ولد ] سنة سبع وتسعين [ وثلاثمئة ] وكان من أهل
الفضل والأدب ، وسمع الحديث من الخطيب وغيره ، وكان ثقة حافظاً ، ومن شعره الجيد قوله :
ودّعتُهم والركبُ مُعتَرضُ
لَهفي على قومٍ بكاظمةٍ
لي مقلةً ترنُو وتغتمضُ
لم تترك العبراتُ مذ بعدوا
جار وقلبي حشوهُ مَرضُ
رحلوا فدمعي واكفٌ هطلٌ(٦)
عنّي ومالي عنهم عِوَضُ
وتعوّضوا لاذقتُ فقدهمُ
(١) زيادة من ( ب) و( ط ) .
(٢) المنتظم (٥٠/٩)، تاريخ الإسلام (٥٠٨/١٠_٥٠٩)، ووقع في (ط): ((طاهر)) بالطاء ، المهملة وهو
تصحيف .
(٣) المنتظم (٥٠/٩)، الكامل في التاريخ (١٨١/١٠)، طبقات السبكي (٢٩٦/٥)، سير أعلام النبلاء
(١٩/ ٩١)، النجوم الزاهرة (١٢٩/٥).
(٤) في بعض النسخ: ((الحسين))، وما هنا من ( ط ) ويعضده ما جاء في مصادر ترجمته كافة . وقد ترجمه الذهبي
ومن تابعه في وفيات سنة ( ٥٨٣) كما في السير وتاريخ الإسلام (١٠/ ٥٢١).
(٥) المنتظم (٥١/٩)، الكامل في التاريخ (١٨٠/١٠)، سير أعلام النبلاء (٥٩٨/١٨)، النجوم الزاهرة
(١٢٨/٥)، شذرات الذهب (٣٦٨/٣).
(٦) في (ب) و(ط ) والمنتظم : رحلوا فطرفي دمعه هطل .

٢٣٠
أحداث سنة ٤٨٣ هـ
أقرضتُهم قلبي على ثقةٍ منهم فما ردُّوا الذي اقترضوا
محمد بن أحمد بن حامد بن مُبيد(١) أبو جعفر البخاري ، المتكلّم ، المعتزلي ، أقام ببغداد ، ويعرف
بقاضي حلب .
وكان حنفي المذهب في الفروع ، معتزلياً في الأصول ، مات ببغداد في هذه السنة ، ودفن بباب
حرب .
محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل الأصفهاني (٢) المعروف [ بابن ] سَمْكُويةٌ(٣).
أحد الحفّاظ الجوّالين الرحّالين ، سمع الكثير ، وجمع الكتب ، وأقام بهراة ، وكان رجلاً صالحاً ،
كثير العبادة ، توفي رحمه الله بنيسابور في ذي الحجّة من هذه السنة .
ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين وأربعمئة
في المحرم ورد [ إلى ] الفقيه أبي عبد الله الطبري منشور نظام المُلْك بتدريس النظاميّة ببغداد ، فدرّس
بها ، ثمّ في ربيع الأول ورد الفقيه أبو محمد عبد الوهاب الشيرازي بمنشور آخر منه بتدريسها ، فاتفق
الحال على أن يدرِّس هذا يوماً وهذا يوماً .
وفي جمادى الأولى دهم أهلَ البصرة رجل اسمه تِلْيا٤) كان ينظر في النجوم ، فاستغوى خلقاً من
أهلها ، وزعم أنَّه المهدي ، وأحرق من البصرة شيئاً كثيراً ، من ذلك دار كانت أول دار كتبٍ وقفت في
الإسلام [ لم يُرَ في الإسلام مثلها ] وأتلف شيئاً كثيراً من الدواليب والمصانع وغير ذلك .
وفيها : خلع على أبي القاسم علي بن طِراد الزَّينبي بنقابة العباسيين بعد أبيه .
وفيها : استفتي على معلمي الصبيان أن يمنعوا من المساجد صيانة لها [ فأفتوا بمنعهم ] ولم يستثن
منهم سوى رجل كان فقيهاً شافعياً ، يدري كيف تصان المساجد ، واستدلّ المفتي بقوله عليه السلام :
(( سدّوا كلّ خوخة إلا خوخة أبي بكر (٥) .
(١) المنتظم (٥٢/٩)، سير أعلام النبلاء (٥٨٦/١٨).
(٢) المنتظم (٥٢/٩)، سير أعلام النبلاء (١٦/١٩)، الوافي بالوفيات (٨٨/٢)، شذرات الذهب (٣٦٧/٣).
(٣) في (ط ) إلى : مسلرفة .
(٤) في (ط): ((بليا)) مصحف، وما هنا يعضده ما في الكامل لابن الأثير (١٨٣/١٠ و١٨٤)، وسيأتي على
الصواب في حوادث السنة الآتية ( بشار ) .
(٥) الحديث رواه البخاري ( ٤٦٧) في الصلاة: باب الخوخة والممر في المسجد، وأحمد في المسند (١/ ٢٧٠)،
كلاهما بسندهما عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ، والخوخة : الفتحة والمنفذ .

٢٣١
وفيات سنة ٤٨٣ هـ ـ أحداث سنة ٤٨٤ هـ
وحجّ بالناس فيها خمارتكين على العادة .
وممن توفي فيها من الأعيان :
الوزير أبو نصر بن جَهِير بن محمد بن محمد بن جهير(١) عميد الملك(٢).
أحد مشاهير الوزراء ، وزر للقائم ، ثمّ لولده المقتدي ، ثمّ عزله السلطان ملكشاه ، وولاء ولده فخر
الدولة ديار بكر وغيرها ، مات بالموصل في هذه السنة وهي البلدة التي ولد بها .
[ وفيها : كان مقتل صاحب اليمن الصُّلَيحي وقد تقدم ذكره }(٣).
ثم دخلت سنة أربع وثمانين وأربعمئة
في المحرم منها كتب المنجّم الذي أحرق البصرة إلى أهل واسط يدعوهم إلى طاعته ، ويذكر في
كتابه : أنّه المهديّ ، صاحب الزمان ، الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، ويهدي الخلق إلى
الحقّ ، فإن أطعتم أمنتم من العذاب ، وإن عدلتم عن الحقّ خُسِفَ بكم ، فآمنوا بالله وبالإمام المهدي .
وفيها : ألْزِم أهل الذمّة [ بلبس ] الغيار وشدّ الزنّار، وكذلك نساؤهم في الحمّامات وغيرها .
وفي جمادى الأولى قدم الشيخ أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي من أصبهان إلى بغداد على
تدريس النظاميّة بها ، ولقّبه نظام الملك : زين الدين ، شرف الأئمة .
قال ابن الجوزي(٤) : كان كلامه معسولًا ، وذكاؤه شديداً .
وفي رمضان منها عزل الوزير أبو شجاع عن وزارة الخلافة فأنشد عند عزله متمثلاً :
تولاها وليسَ له عدوٌّ وفارقَها وليسَ له صديقُ
ثم جاء كتاب نظام المُلْك بأن يخرج من بغداد ، فخرج [ منها إلى عدة أماكن ، فلم تطب له ] فعزم
على الحجّ [ ثم طابت نفس النظام عليه فبعث عليه يسأله أن يكون عديله في ذلك }6) وناب ابن
(١) أورد المصنف هذه الترجمة تبعاً لابن الجوزي في المنتظم ولابن الأثير في الكامل دون تحقيق في سنة الوفاة ،
والصحيح أن ابن جهير قد توفي في سنة ثلاث وتسعين وأربعمئة ، وسترد ترجمته ثمة .
(٢) في ( ط ) : عميد الدولة .
(٣) زيادة من ( ب) و( ط ) وهي خطأ؛ إذ وردت ترجمة الصليحي مع وفيات سنة ثلاث وسبعين وأربعمئة من هذا
الجزء .
(٤) المنتظم (٩/ ٥٥) .
(٥) زيادة من ( ب ) و(ط ) .

٢٣٢
أحداث سنة ٤٨٤ هـ
الموصلايا في الوزارة (١) ، وقد كان أسلم قبل هذه المباشرة ، في أول هذه السنة .
وفي رمضان منها دخل السلطان ملكشاه بغداد ومعه الوزير نظام المُلْك ، وقد خرج لتلقّيه قاضي
القضاة أبو بكر الشاشي وابن الموصلايا المسلماني ، وجاءت ملوك الأطراف للسلام عليه ، منهم أخوه
تاج الدولة تتش صاحب دمشق ، وأتابكه قسيم الدولة آقسنقر صاحب حلب .
وفي ذي القعدة خرج ملك شاه وابنه وابن ابنته من الخليفة في خلق كثير إلى الكوفة .
وفيها : استُوزر أبو منصور بن جَهير ، وهي النوبة الثانية لوزارته للمقتدي ، وخلع عليه ، وركب إليه
نظام المُلْك ، فهنّأه في داره [ بباب العامة ] .
وفي ذي الحجة عمل السلطان الميلاد في دجلة . وأشعلت نيران عظيمة ، وأوقدت شموع كثيرة
[ وجمعت المطربات في السميريات ] وكانت ليلة مشهودة [ عجيبة ] جداً، وقد نظم الشعراء فيها شعراً،
فلما أصبح النهار من هذه الليلة ، جيء [ بالخبيث المنجم الذي حرق البصرة ] الداعية المدّعي أنّ المهدي
تِلْيا المنجم محمولاً على جمل ببغداد [ وجعل ] يسبّ الناس والناس يلعنونه، وعلى رأسه طُرطُورٌ بودع،
والدرّة تأخذه من كلّ جانب [ فطافوا به بغداد ] ، ثمّ صُلِب بعد ذلك .
وفيها : أمر السلطان ملك شاه جلال الدولة بعمارة جامعه المنسوب إليه بظاهر السور .
وفي هذه السنة : ملك أمير المؤمنين يوسف بن تاشفين صاحب بلاد المغرب كثيراً من الأندلس(٢)،
وأسر صاحبها المعتمد بن عباد وسجنه وأهله بأغمات(٣)، وقد كان المعتمد هذا موصوفاً بالكرم ،
والأدب والعلم ، والحلم وحسن السيرة والعشرة ، والإحسان إلى الرعيّة والرفق بهم ، فحزن الناس
عليه ، [ وقال في مصابه الشعراء فأكثروا ]٤) .
وفيها : ملكت الفرنج [ مدينة ]، صِقلِّية من بلاد المغرب ، ومات(٥) ملكهم ، فقام من بعده ولده ،
فسار في الناس سيرة ملوك المسلمين وأحسن إليهم وكأنه منهم [ لما ظهر منه من الإحسان إلى
المسلمين ] .
(١) ابن الموصلايا، وهو أبو سعد العلاء بن الحسن بن وهب بن موصلايا الكاتب ، أسلم في هذه السنة حيث ألزم
الخليفة أهل الذمة بلبس الغيار ، ولبس ما شرط عليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه . الكامل في
التاريخ (١٠/ ١٨٦) .
(٢) الخبر بتمامه في الكامل لابن الأثير (١٠/ ١٨٧ - ١٩٣).
(٣) ((أغمات)): ناحية في بلاد البربر من أرض المغرب قرب مراكش. معجم البلدان (٢٢٥/١).
(٤) زيادة من ( ب) و( ط ).
(٥) خبر امتلاك الفرنج جزيرة صقلية في الكامل لابن الأثير (١٩٣/١٠ - ١٩٨).

٢٣٣
وفيات سنة ٤٨٤ هـ
وفيها : كانت زلازل كثيرة بالشام وغيرها ، فهدَّمت بنياناً كثيراً ، وكان من جملة ذلك تسعون برجاً
من سور أنطاكية ، وهلك تحت الهدم خلق كثير . وحجّ بالناس فيها خمارتكين .
وممن توفي فيها من الأعيان :
عبد الرحمن بن أحمد بن عَلَّك(١) أبو طاهر .
ولد بأصبهان ، وتفقّه بسمرقند ، وهو الذي كان سبب فتحها على يدي السلطان ملك شاه ، وكان من
رؤساء الشافعيّة ، وقد سمع الحديث الكثير .
قال عبد الوهّاب بن مَنْده : لم نرَ فقيهاً في وقتنا أنصف منه ولا أعلم ، وكان فصيح اللَّهجة ، كثير
المروءة ، غزير النعمة ، وكانت وفاته ببغداد ، فمشى الرؤساء والوزراء في جنازته ، غير أن نظام المُلْك
ركب واعتذر بكبر السنّ ، ودفن إلى جانب الشيخ أبي إسحاق الشيرازي ، وكان يوماً مشهوداً ، وجاء
السلطان ملك شاه إلى التربة . [ قال ابن عقيل : جلست بكرة العزاء إلى جانب نظام المُلْك ، والملوك
قيام بين يديه ، اجترأت على ذلك بالعلم ، حكاه ابن الجوزي ( ٢) .
محمد بن أحمد بن علي(٣) أبو نصر المَرْوزيّ .
كان إماماً في القراءات ، وله فيها المصنّفات ، وسافر في ذلك كثيراً ، واتفق أنّه غرق في البحر في
بعض أسفاره ، فبينما الموج يرفعه ويضعه ، إذ نظر إلى الشمس قد زالت ، فنوى الوضوء وانغمس في
الماء ثمّ صعد ، فإذا خشبة ، فركبها وصلّى عليها ، ورزقه الله السلامة ببركة الصلاة . [ وامتثاله للأمر ،
واجتهاده على العمل ] وعاش بعد ذلك دهراً ، وتوفي في هذه السنة ، وله نيّف وتسعون سنة ، رحمه
الله .
محمد بن عبد الله بن الحسين(٤) أبو بكر الناصحي ، الفقيه الحنفي المناظر ، المتكلّم ، المعتزلي .
وقد ولي القضاء بنيسابور ، ثمّ عزل عنها لجنايته ، وكلامه ، وأخذه الرشا ، وولي قضاء الريّ ، وقد
سمع الحديث ، وكان من أكابر العلماء ، توفي في رجب .
(١) المنتظم (٥٨/٩)، الكامل في التاريخ (٢٠/١٠)، تاريخ الإسلام (٥٣٢/١٠).
(٢)
المنتظم (٥٩/٩).
(٣) المنتظم (٦٠/٩)، معرفة القراء الكبار (٣٥٤/١)، سير أعلام النبلاء (٦٠٠/١٨)، الوافي بالوفيات
(٨٨/٢)، النجوم الزاهرة (١٣٣/٥)، شذرات الذهب (٣٧٢/٣).
(٤) المنتظم (٦٠/٩)، الكامل في التاريخ (٦٣٠/١٠)، سير أعلام النبلاء (١٩/١٩)، الوافي بالوفيات
(٣٣٨/٣)، شذرات الذهب (٣٧٢/٣).

٢٣٤
أحداث سنة ٤٨٥ هـ
أرتق بن أكسب (١) التركماني (٢) جدّ الملوك الأرتقيّة الذين هم اليوم ملوك ماردين ، كان شهماً
شجاعاً ، عالي الهمّة ، تغلّب على بلاد كثيرة ، وقد ترجمه ابن خلّكان ، وأرّخ وفاته في هذه السنة .
ثم دخلت سنة خمس وثمانين وأربعمئة
فيها : أمر السلطان ملك شاه ببناء [ سور ] سوق المدينة المعروفة بطُغْرُلْبَك، إلى جانب دار الملك،
وجدّد خاناتها وأسواقها ، ودورها ، وأمر بتجديد الجامع الذي تمّ على يد هارون الخادم في سنة أربع
وعشرين وخمسمئة ، ووقف على نصب قبلته بنفسه ، ومنجّمه إبراهيم حاضر ، ونقلت إليه أخشاب جامع
سامراء ، وشرع نظام المُلْك في بناء دار هائلة له أيضاً [ وكذلك تاج الملوك أبو الغنائم ، شرع في بناء دار
هائلة أيضاً }٣) ، واستوطنوا البلد فطابت لهم بغداد .
وفي جمادى الأولى وقع حريق عظيم ببغداد في أماكن شتّى ، فما أطفىء حتى هلك للناس شيء
كثير ، فما عمروا بقدر ما حرق وما غرموا .
وفي ربيع الأول خرج السلطان إلى أصبهان ، ومعه ولد الخليفة أبو الفضل جعفر ، [ فبينما هو في
الطريق يوم عاشوراء عدا صبيّ من الدّيلم على الوزير نظام الملك بعد أن أفطر ، فضربه بسكين فقضى عليه
بعد ساعة ، وأخذ الصبيّ الدّيلمي فقتل ، وكان من كبار الوزراء وخيار الأمراء ، وسنذكر شيئاً من سيرته
عند ذكر ترجمته }٤) .
ثمّ عاد إلى بغداد في رمضان بنيّة غير صالحة ، فلقاه الله في نفسه ما يتمناه لأعدائه ، وذلك أنّه لما
استقرّ ركابه ببغداد وجاء الناس للسلام عليه والتهنئة بقدومه [ وأرسل إليه الخليفة يهنئه °) فبعث إلى
الخليفة يقول له : لا بدّ أن تترك لي بغداد ، وتتحول إلى أيّ بلاد شئت ؛ فأرسل إليه الخليفة يستنظره
شهراً ، فقال : ولا ساعة واحدة ، فأرسل يتوسّل إليه في إنظاره عشرة أيام ، فأجاب إلى ذلك بعد تمنّع
شديد [ فما استتم الأجل حتى ]٦) خرج السلطان يوم عيد الفطر إلى الصيد ، فأصابته حمّى شديدة ،
فافتصد ، فما قام منها حتى مات قبل العشرة أيام ، ولله الحمد ، فاستحوذت زوجته زبيدة خاتون على
فى (ط): ((ألب)) محرف، وما أثبتناه يعضده ما في مصادر ترجمته وتراجم الأراتقة (بشار).
(١)
(٢) وفيات الأعيان ١/ ١٩١، تاريخ الإسلام (٥٣٠/١٠)، العبر (١٤٨/٥)، النجوم الزاهرة (٣١٤/٦).
(٣)
زيادة من ( ب ) و( ط ) .
زيادة من ( ب ) و( ط ) .
(٤)
زيادة من ( ب ) و( ط ) .
(٥)
(٦) زيادة من ( ب) و( ط ).

٢٣٥
وفيات سنة ٤٨٥ هـ
الجيش ، وضبطت [ الأموال ] والأحوال جيداً، وأرسلت إلى الخليفة تسأل منه أن يكون ولدها محمود
ملكاً بعد أبيه ، وأن يخطب له على المنابر ، فأجابها إلى ذلك .
[ وأرسل إليه بالخلع ، وبعث يعزِّيها ويهنئها مع وزيره عميد الدولة ابن جَهير }(١) وكان عمر الملك
محمود [ يومئذ ] خمس سنين ، ثمّ سارت به نحو أصبهان لتوطّد له الملك ، فدخلوها فتمّ لهم مرادهم ،
وخُطِبَ له في جميع البلدان حتى في الحرمين ، واستُوزر له تاج الملك أبو الغنائم المرزبان بن
[خسرو]، وأرسلت أم الملك محمود تسأل له من الخليفة أن يجعل ولايات العمال إليه [ فامتنع
الخليفة ، ووافقه الغزالي ] وقال : هذا لا يسيغه الشرع [ وأفتى العلماء بجواز ذلك منهم المتطيب بن
محمد الحنفي ، فلم يعمل إلا بقول الغزالي .
وانحاز أكثر جيش السلطان إلى ابنه الآخر بركياروق فبايعوه وخطبوا له بالريّ [ وانفردت الخاتون
وولدها ومعهم شرذمة قليلة من الجيش والخاصكية (٢) فأنفقت الخاتون ثلاثين ألف ألف دينار لقتال
بركياروق بن ملك شاه فالتقوا في ذي الحجة ، فكانت الخاتون هي المنهزمة ، ومعها ولدها ، وقد ثبت
في ((صحيح البخاري)٣): (( لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة )).
وفيها : جاء بَرَدٌ شديد بالبصرة وزن البرَدة الواحدة منه خمسة أرطال إلى ثلاثة عشر رطلاً ، فأتلفت
شيئاً كثيراً من الأشجار ، وجاء ريح عاصف قاصف فألقى عشرات الألوف من النخيل أيضاً
: وَمَآ أَصَبَكُمْ مِّن مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَبْدِيَكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ﴾ [ الشورى: ٣٠] .
[ وفي ذي القعدة اعترضت بنو خفاجة للحجيج ، فقاتلهم من في الحجيج من الجند مع الأمير
خمارتكين فهزموهم ، ونهبت أموال الأعراب ، فلِلَّه الحمد والمنّة ] .
وفي هذه السنة : ملك تاج الدولة تتش صاحب دمشق مدينة حمص ، وقلعة عَرْقَة ، وقلعة أفامية ،
معه قسيم الدولة آقسنقر ، [ وكان السلطان قد جهز سريّة إلى اليمن صحبة سعد الدولة كوهرائين ، وأمير
آخر من التركمان ، فدخلاها وأساءا فيها السيرة ، فتوفي سعد الدولة كوهرائين يوم دخوله إليها في مدينة
عدن ، ولله الحمد والمنّة (٤) .
وممن توفي فيها من الأعيان :
جعفر بن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن(٥) أبو الفضل التميمي المعروف
(١) زيادة من ( ب) و( ط ).
(٢) زيادة من ( ب) و( ط ) .
برقم ( ٤٤٢٥) في المغازي، باب كتاب النبي ◌َلّ إلى كسرى وقيصر.
(٣)
(٤) زيادة من ( ب) و( ط ).
المنتظم (٦٤/٩)، سير أعلام النبلاء (١٣١/١٩)، الوافي بالوفيات (١٦٧/١١)، شذرات الذهب =
(٥)

٢٣٦
وفيات سنة ٤٨٥ هـ
بالحَكَّا(١) المكّي .
رحل في طلب الحديث إلى الشام والعراق وأصبهان ، وغير ذلك من البلاد ، وسمع الكثير [ وخرّج
الأجزاء ] ، وكان حافظاً، متقناً ، ثقة، ضابطاً، صدوقاً، [ أديباً ] ، خيّراً ، وكان يراسل صاحب
مكة ، وكان من ذوي الهيئات والمروءات ، قارب الثمانين ، رحمه الله .
نظام المُلْك الوزير(٢) هو الحسن بن علي بن إسحاق بن العبّاس ، أبو علي الوزير .
وزير الملك ألب آرسلان ، وولده ملك شاه ثلاثين سنة . وكان من خيار الوزراء ، ولد بطوس سنة
ثمان وأربعمئة ، وكان أبوه ممن يخدم أصحاب محمود بن سُبُكْتِكين [ وكان من الدَّهاقين ]٣) فاشتغل
ولده هذا فقرأ القرآن [ وله إحدى عشرة سنة ] وأشغله بعلم القراءات ، والتفقّه على مذهب الشافعي ،
وسماع الحديث واللّغة والنحو، وكان عالي الهمّة [ فحصّل من ذلك طرفاً صالحاً ] ثمّ ترقى في المراتب
حتى وزر [ للسلطان ألب آرْسَلان بن داود بن ميكائيل بن سُلجوق ، ثمّ من بعده لملك شاه تسعاً وعشرين
سنة ، لم ينكب في شيءٍ منها ٤) . وبنى المدارس النظاميات(٥) في بغداد ونيسابور وغيرهما، وكان
مجلسه عامراً بالفقهاء والعلماء ، بحيث يقضي معهم عامة أوقاته ، فقيل له : هؤلاء قد شغلوك عن كثير
من المصالح ، فقال : هؤلاء جمال الدنيا والآخرة ، ولو أجلستهم على رأسي ما استكثرت ذلك ، وكان
إذا دخل عليه أبو القاسم القشيري ، وأبو المعالي الجُويني ، قام لهما وأجلسهما في المسند ، فإذا دخل
عليه أبو علي الفَارمَذي(٦) قام وأجلسه مكانه ، وجلس بين يديه ، فعوتب في ذلك ، فقال: إنهما إذا دخلا
عليّ فقالا : أنت وأنت [ يطروني ويعظّموني ويقولون فيّ ما ليس فيّ، فازداد بهما ما هو مركوز في نفس
البشر ] وإذا دخل أبو علي الفارمَذيّ ذكّرني عيوبي وظلمي فأنكسر وأرجع عن كثير من الذي أنا فيه . وكان
(٣٧٣/٣) وثمة خلاف في أسماء ابائه .
=
(١) تحرفت في (أ) إلى : الكمال.
المنتظم (٦٤/٩)، الكامل في التاريخ (٢٠٤/١٠)، وفيات الأعيان (١٢٨/٢)، تاريخ الإسلام
(٢)
(٥٤١/١٠)، سير أعلام النبلاء (٩٤/١٩)، الوافي بالوفيات (١٢٣/١٢)، طبقات السبكي (٣٠٩/٤)،
النجوم الزاهرة (١٣٦/٥)، شذرات الذهب (٣٧٣/٣).
(٣) زيادة من (ب) و(ط). و((الدهاقين)) ج. دهقان: رئيس الإقليم، وزعيم فلاحي العجم. وأيضاً: من له مال
وعقار ، وأصلها بالفارسية دهكان ، بالكاف .
(٤) زيادة من ( ب) و( ط ).
ذكر السبكي في طبقاته تسع مدارس غير المدرسة الكبرى في بغداد ، والتي شرع في عمارتها سنة سبع وخمسين
(٥)
وأربعمئة ، ودرّس فيها كبار العلماء .
(٦) هو الإمام الكبير شيخ الصوفية الفضل بن محمد الفارمذي الخراساني ، الواعظ ، توفي سنة سبع وسبعين وأربعمئة ،
ترجمته في السير (٥٦٥/١٨)، شذرات الذهب (٣٥٥/٣).

٢٣٧
وفيات سنة ٤٨٥هـ
محافظاً على الصلوات في أول الوقت [ لا يشغله بعد الأذان شغل عنها (١) ويواظب على صوم الإثنين
والخميس ، وله [ الأوقاف الدارّة ] والصدقات البارَّة .
وكان يعظّم الصوفيّة تعظيماً زائداً ، فعوتب في ذلك فقال : إني كنت أخدم بعض الأمراء فجاء بي يوماً
إنسان فقال : اخدم من ينفعك خدمته ، إلى متى تخدم من تأكله الكلاب غداً ، فلم أفهم ما يقول . فاتفق
أن ذلك الأمير سكر تلك الليلة ، وخرج في أثناء الليل وهو ثمل ، وكانت له كلاب تفترس الغرباء باللّیل ،
فلم تعرفه فمزّقته ، فأصبح وقد أكلته الكلاب ، قال : فأنا أطلب مثل ذلك الشيخ .
وقد سمع الحديث في أماكن شتى ببغداد وغيرها ، وكان يقول : ( إني لأعلم ] أني لست بأهلٍ
للرواية، ولكن أحب أن أربط في قطار نَقَلَةِ حديث رسول الله وَله .
وقال أيضاً : رأيت [ ليلة ] في المنام إبليس فقلت له : ويحك! خلقك الله وأمرك بالسجود له
مشافهةً ، فأبيت ، وأنا لم يأمرني بالسجود له مشافهة ، وأنا أسجد له في كلِّ يوم مرات ، وأنشأ يقول :
مِنْ لمْ يكُنْ للوِصَالِ أهْلاً فكُلُّ إحسانِه ذُنُوبُ
[ وقد أجلسه المقتدي مرة بين يديه وقال له : يا حسن ، رضي الله عنك برضا أمير المؤمنين عنك .
وقد ملك ألوفاً من الترك (٢) ، وكان له بنون كثيرة ، وَزَرَ منهم خمسة ، وزر ابنه أحمد للسلطان
محمد بن ملك شاه ، ولأمير المؤمنين المسترشد بالله . وخرج نظام المُلْك مع السلطان من أصبهان قاصداً
بغداد ، في مستهلّ رمضان من هذه السنة ، فلما كان اليوم العاشر اجتاز في بعض طريقه بقرية بالقرب من
نَهاوند ، [ وهو يسايره في محفّة ] فقال: قد قتل هاهنا خلق من الصحابة زمن عمر رضي الله عنه ، فطوبى
لمن يكون عندهم ، فاتفق أنّه لما أفطر جاءه صبيّ في هيئة مستغيث ومعه قصّة ، فلما انتهى إليه ضربة
بسكّين في فؤاده وهرب ، فعثر بطنب الخيمة ، فأُخذ فقتل ، ومكث نظام المُلْك ساعة ، وجاءه السلطان
يعوده ، فمات وهو عنده رحمه الله [ وقد اثُّهم السلطان في أمره أنّه هو الذي مالاً عليه ، فلم تطل مدته بعده
سوى خمسة وثلاثين يوماً فكان في ذلك عبرةً لأولي الألباب . [ وكان قد عزم على إخراج الخليفة أيضاً من
بغداد ، فما تمّ له ما عزم عليه ، ولما بلغ أهل بغداد موت النظام حزنوا عليه ، وجلس الوزير والرؤساء
للعزاء ثلاثة أيام ] ورثاه الشعراء بقصائد ، منهم مقاتل بن عطيّة :
كانَ الوزيرُ نظامُ المُلْكِ لؤلؤةً يتيمةً صاغَها الرحمنُ من شَرَفٍ
فردَّها غَيْرةً منهُ إلى الصَّدَفِ
عزَّتْ فلم تعرِفِ الأيامُ قيمتها
(١) زيادة من ( ب) و( ط ).
(٢) زيادة من ( ب) و(ط). والعبارة في الوفيات (٤/ ١٢٨).

٢٣٨
وفيات سنة ٤٨٥ هـ
وأثنى عليه غير واحد ، حتى ابن عقيل وابن الجوزي وغيرهما١) ، رحمه الله .
عبد الباقي بن محمد بن الحسين بن داود بن ناقيا٢ً) أبو القاسم الشاعر ، من أهل الحريم الطاهريّ .
ولد سنة عشر وأربعمئة ، وكان أديباً ، شاعراً ، ماهراً ، غير أنّه رماه بعضهم برأي الأوائل ، وأنكر أن
يكون في السماء نهر من ماءٍ ، أو نهر من لبن ، أو نهر من خمر ، أو نهر من عسل ، يعني في الجنة ، وما
يسقط من ذلك قطرة إلا هذا الذي يخرّب ويهدّم السقوف ، وهذا الكلام كفر من قائله لعنه الله ، نقله ابن
الجوزي في (( المنتظم)) ، وحكى بعضهم أنّه وجد في كفّه مكتوباً حين مات هذين البيتين :
نزلت بجارٍ لا يُخيِّبُ ضَيْفَهُ أَرَجِّي نجاتي من عذابِ جَهَنَّمٍ
بإنعامِه والله أكرمُ مُنْعمٍ
وإنّي على خوفي من اللهِ واثقٌ
مالك بن أحمد بن علي بن إبراهيم (٣) أبو عبد الله البانياسيّ الشاميّ.
[ وقد كان له اسم آخر سمّته به أمّه: علي، أبو الحسن ، فغلب عليه ما سمّاه به أبوه به ] ، وسمع
الحديث على مشايخ كثيرة ، وكان آخر من حدّث عن أبي الحسن بن الصَّلْت ، هلك في سوق
الرّيحانيين(٤) ، وله ثمانون سنة ، وكان ثقة عند المحدِّثين .
السلطان ملك شاه٥) جلال الدين والدولة ، أبو الفتح ملك شاه بن أبي شجاع ألْب آرْسَلان بن داود بن
ميكائيل بن سُلجوق بن تُقَاق التركي .
ملك من أقصى بلاد الترك إلى أقصى بلاد اليمن ، وراسله الملوك من سائر الأقاليم والأقطار ، حتى
ملك الروم ، والخزر ، واللان . وكانت دولته صارمة ، والطرقات في أيامه آمنة ، وكان مع عظمته يقف
للمسكين والمرأة والضعيف [ فيقضي حوائجهم] وعمّر العمارات الهائلة ، وبنى القناطر ، وأسقط
(١) نقل ابن الجوزي في المنتظم (٩/ ٦٧) نص كلام ابن عقيل من خطه : وأما النظام ، فإن سيرته بهرت العقول جوداً
وكرماً وحشمة وإحياءً لمعالم الدين ، فبنى المدارس ، ووقف عليها الوقوف ، ونعش العلم وأهله ، وعمر
الحرمين ، وعمر دور الكتب ، وابتاع الكتب ، فكانت سوق العلم في أيامه قائمة .. ، وما ظنك برجل كان الدهر في
خفارته ؛ لأنه قد أفاض من الإنعام ما أرضى الناس .
(٢) المنتظم (٦٨/٩)، الكامل في التاريخ (٢١٨/١٠)، الوافي بالوفيات (١٦/١٨)، وضبط ناقيا، بالنون وبعد
الألف الأولى قاف وياء آخر الحروف . وقد تحرفت في الأصل و( ط ) إلى : باقيا ، بالباء .
(٣) المنتظم (٦٩/٩)، سير أعلام النبلاء (٥٢٦/١٨)، النجوم الزاهرة (١٣٧/٥)، شذرات الذهب
( ٣٧٦/٣) .
(٤) يعني حين احتراق هذا السوق في تاسع جمادى الآخرة ، كما ذكر تلميذه أبو علي بن سكرة ( تاريخ الإسلام
١٠/ ٥٥٢) (بشار ) .
(٥) المنتظم (٦٩/٩)، أخبار الدولة السلجوقية (٥٥)، الكامل في التاريخ (٢١٠/١٠ - ٢١٤)، الوفيات
(٢٨٣/٥) سير أعلام النبلاء (٥٤/١٩)، النجوم الزاهرة (١٣٤/٥)، شذرات الذهب (٣٧٦/٣).

٢٣٩
وفيات سنة ٤٨٥ هـ
المكوس والضرائب ، وحفر الأنهار الكبار ، وبنى مدرسة أبي حنيفة [ والسوق ، وبنى الجامع الذي يقال
له : جامع السلطان ببغداد }(١) وبنى الجوامع ، وبنى منارة القرون من صيوده بالكوفة ، ومثلها فيما وراء
النهر ، وضبط ما صاده بنفسه في صيوده ، فكان نحواً من عشرة آلاف صيد ، فتصدّق بعشرة آلاف درهم
وقال : إني خائف من الله تعالى أن أكون أزهقت نفسَ حيوان لغير مأكلة .
وقد كانت له أفعال حسنة ، وسيرة صالحة ، من ذلك : أن فلاحاً أنهى إليه أن غلماناً أخذوا له حمل
بطيخ ، وهو رأس ماله ، فقال : اليوم أردّ عليك حملك ، ثمّ قال لقيّمه : أريد أن تأتوني اليوم ببطيخ ،
ففتشوا فإذا في خيمة الحاجب بطيخ ، فحملوه إليه ، فاستدعى الحاجب فقال : من أين لك هذا البطيخ؟
قال : جاء به الغلمان ، فقال : أحضرهم ، فذهب فهزمهم ، فأرسل إليه فأحضره ، وسلَّمه للفلاح ،
وقال : خذ بيده فإنّه مملوكي ومملوك أبي ، وإياك أن تفارقه ، فردّ عليه حمله ، فخرج الفلاح بحمله ،
وفي يده الحاجب فاستنقذ [ الحاجب ] نفسه [ من الفلاح ] بثلاثمئة دينار. ولما توجّه لقتال أخيه تتش
اجتاز بطوس ، فدخل لزيارة قبر علي بن موسى الرِّضا ، ومعه نظام المُلْك ، فلما خرجا قال للنظام : بم
دعوت الله ؟ قال : دعوت الله أن يُظْفِرَكَ على أخيك ، فقال: لكني قلت : اللهمّ إن كان أخي أصْلَحَ مني
للمسلمين فظفِّره بي ، وإن كنتُ أصْلَحَ لهم فظفّرني به . وقد سار ملك شاه هذا بعسكره من أصبهان إلى
أنطاكية ، فما عرف أن أحداً من جيشه ظلم أحداً من رعيته ، [ وكانوا مئين ألوف ] .
واستعدى إليه تركماني : أنَّ رجلاً افتضّ بكارة ابنته ، وهو يريد أن يمكّنه من قتله ، فقال : يا هذا ،
إن ابنتك لو شاءت ما مكَّنته من نفسها ، فإن كنت لابدّ فاعلاً فاقتلها معه ، فسكت الرجل . ثمّ قال
الملك : أو خير من ذلك؟ قال : وما هو ؟ قال : أن تزوجها منه ، فزوّجها من ذلك الرجل ، وأنا أمْهرهما
من بيت [ المال ] كفايتهما، [ ففعل ].
وحكى له بعض الوعاظ أن كسرى اجتاز يوماً في بعض أسفاره بقرية منفرداً من جيشه فوقف على باب
دار فاستسقى ، فأخرجت إليه جارية إناءً فيه ماءُ قصب السكر بالثلج ، فشرب منه فأعجبه ، فقال : كيف
تصنعون هذا؟ فقالت : إنّه سهل علينا ، اعتصاره على أيدينا ، فطلب منها شربة أخرى ، فذهبت لتأتيه
بها ، فوقع في نفسه أن يأخذ هذا المكان منهم ويعوّضهم عنه غيره . فأبطأت عليه ، ثمّ خرجت وليس معها
شيء ، فقال : ما لكِ ؟ فقالت : كأن نيّة سلطاننا تغيّرت علينا ، فتعسّر عليّ اعتصاره ، وهي لا تعرف أنّه
السلطان . فقال اذهبي فإنّك الآن تقدرين ، وغيّر نيّته إلى غيرها ، فذهبت ، وجاءته بشربة أخرى سريعاً ،
فشربها وانصرف . فقال له السلطان ملك شاه : هذه تصلح لي ، ولكن قصّ على الرعيّة حكاية كسرى
الأخرى حين اجتاز ببستان فطلب من ناطوره عنقوداً من حصرم ، فإنّه قد أصابته صفراء [ في رأسه ]
(١) زيادة من ( ب) و( ط ).

٢٤٠
وفيات سنة ٤٨٥ هـ
وعطش ، فقال الناطور : إنّ السلطان لم يأخذ حقّه منه ، فلا أقدر أن أعطيك منه شيئاً ، قال : فعجب
الناس من ذكاء الملك ، وحسن استحضاره هذه في مقابلة تلك .
واستعداه رجلان من الفلاحين على الأمير خمارتكين : أنّه أخذ منهما مالً كثيراً، وكسر ثنيتهما ،
وقالا : سمعنا بعدلك في العالم ، فإن أنقذتنا منه كما أمرك الله ، وإلا استعدينا عليك الله يوم القيامة ،
وأخذا بركابه ، فنزل عن فرسه ، وقال : خذا بكمِّ فاسحباني إلى دار نظام المُلْك ، فهابا ذلك ، فعزم
عليهما ، ففعلا ما أمرهما به ، فلما بلغ النظام [ مجيء السلطان ] إليه خرج مسرعاً من خيمته ، فقال له
الملك : إني قلّدتك الأمر لتنصف المظلوم ممن ظلمه ، فكتب من فوره بعزل خمارتكين ، وحلّ إقطاعه .
وأن يرد إليهما أموالهما ، وأن يقلعا ثنيتيه إن قامت عليه البيّنة ، وأمر لهما الملك من عنده بمئة دينار .
وأسقط مرّة بعض المكوس ، فقال له رجل من المستوفين : يا سلطان العالم : إن هذا [ الذي
أسقطته ] يعدل ستمئة ألف دينار وأكثر ، فقال : ويحكّ! إنّ المال مال الله ، والعباد عبيده ، والبلاد
بلاده ، وإنّما [ أردت أن ] يبقى هذا لي [ عند الله ] ومن نازعني هذا ضربت عنقه.
وغنّته امرأة حسناء ، فطرب ، وتاقت نفسه إليها ، فهمّ بها ، فقالت : أيها الملك إني أغار على هذا
الوجه الجميل من النار ، وبين الحلال والحرام كلمة واحدة ، فاستدعى القاضي فزوّجه بها .
وقد ذكر ابن الجوزي (١) ، عن ابن عقيل : أنَّ السلطان ملك شاه ، كان قد فسدت عقيدته بسبب
معاشرته لبعض الباطنيّة ، ثمّ تنصّل من ذلك وراجع الحقّ .
وذكر ابن عقيل : أنَّ كتب له شيئاً في إثبات الصانع .
[ وقد ذكرنا أنّه لما رجع آخر مرة إلى بغداد فعزم على الخليفة أن يخرج منها ، فاستنظره عشرة أيام ،
فمرض السلطان : ومات قبل انقضاء العشرة أيام ]٢) .
وكانت وفاة السلطان في ليلة الجمعة النصف من شوال عن سبع وثلاثين سنة ونصف ، وكانت مدة
ملكه من ذلك تسع عشرة سنة ونصف ، ودفن بالشونيزية (٣) ، ولم يصلّ عليه أحد لكتمان الأمر ، وكان
مرضه بالحمّى ، وقيل: إنّه سُمّ ، والله أعلم .
المَرْزُبان بن خُسرو(٤) تاج المُلْك ، الوزير أبو الغنائم ، باني التاجية التي درّس بها أبو بكر الشَّاشي،
المنتظم (٩/ ٧٣) .
(١)
(٢) زيادة من ( ب) و( ط ).
في ( ط ) : الشونيزي ، وكلاهما صحيح ، وهي مقبرة سري السقطي الزاهد المشهور .
(٣)
المنتظم (٧٤/٩)، أخبار الدولة السلجوقية (٦٧)، الكامل في التاريخ (٢١٦/١٠)، وفيات الأعيان
(١٣١/٢)، سير أعلام النبلاء (١٠٠/١٩)، ووفاته فيه سنة ست وثمانين وأربعمئة .
(٤)