Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
وفيات سنة ٤٤٥ هـ
وَبِالهِجْرَانِ طِيبَ النَّوْ م مِنْ عَيْنِيَّ قَدْ سَلَبُو(١)
وَمَاطَلَّبُوا سِوى قَتْلِي فَهَانَ عَلَيَّ مَا طَلَبُوا
إسماعيل بن علي بن الحسين بن محمد بن زَنْجُوَيهُ(٢) أبو سعدُ(٣) الرازي ، المعروف بالسَّمَّان ، شيخ
المعتزلة .
سمع الحديث الكثير ، وكتب عن أربعة آلاف شيخ(٤)، وكان عالماً بارعاً فاضلاً مع اعتزاله . ومن
كلامه : من لم يكتب الحديث لم يتغرغر بحلاوة الإسلام ، وكان حنفيّ المذهب عالماً بالخلاف
والفرائض، والحساب، وأسماء الرجال ، وقد ترجمه ابن عساكر في ((تاريخه(٥) فأطنب في شكره
والثناء عليه .
عمر ابن الشيخ أبي طالب المكّ محمد بن عليّ بن عطية (٦) .
سمع أباه وابن شاهين ، وكان صدوقاً يُكْنَى بأبي حفص(٧) .
محمد بن أحمد بن عثمان بن الفرج بن الأزهر(٨) أبو طالب ، المعروف بالسّواديّ ، وهو أخو
أبي القاسم الأزهري .
توفي عن نيّف وثمانين سنة .
محمد بن محمد بن أبي تمّامُ(٩) أبو تمام الزَّيْنِيّ، نقيب النُّقباء .
[ قام ببغداد بعد أبيه ] مكانه في النِّقابة .
(١) في ( ط ) والكامل :
طيب النوم قد سلبوا
وبالهجران من عيني
(٢) الجواهر المضية (٤٢٤/١)، سير أعلام النبلاء (١٨/ ٥٥)، النجوم الزاهرة (٥١/٥)، طبقات المفسرين
للداوودي (١٠٩/١)، شذرات الذهب (٢٧٣/٣)، تهذيب تاريخ دمشق (٣٨/٣) .
(٣) تحرفت في ( ط ) إلى : سعيد .
الذي في تاريخ دمشق لابن عساكر وتاريخ الإسلام للذهبي : ثلاثة آلاف وستمئة شيخ ، وفي رواية : ثلاثة آلاف
(٤)
شيخ ، فلم يقل أحد أنه كتب عن أربعة آلاف شيخ ( بشار ) .
(٥)
تاريخ دمشق (٢٢/٩ - ٢٣) .
(٦)
المنتظم (١٥٩/٨).
في (ط): ((جعفر)) خطأ، وما أثبتناه يعضده ما في تاريخ الخطيب (١٤٨/١٣ بتحقيقنا)، والمنتظم ، وخط
(٧)
الذهبي في تاريخ الإسلام (٩/ ٦٧١) (بشار).
تاريخ الخطيب (١٦٢/٢ ط. د.بشار)، سؤالات السلفي لخميس الحوزي، رقم (٥)، المنتظم (١٥٩/٨)،
(٨)
تاريخ الإسلام (٦٧١/٩).
(٩) المنتظم (١٥٩/٨)، الكامل في التاريخ (٩/ ٥٩٦) .

١٢٢
أحداث سنة ٤٤٦ هـ ووفياتها
ثم دخلت سنة ست وأربعين وأربعمئة
فيها : غزا الملك طُغْرُلبك بلاد الروم بعد أخذه بلاد أذربيجان ، فغنم من بلاد الروم ، وسبى ، وعمل
أشياء حسنة ، ثمّ عاد سالماً إلى أذربيجان فأقام بها سنة .
وفيها : أخذ قريش بن بدران الأنبار ، وخطب بها وبالموصل للسلطان طُغْرُلْبَك ، وأخرج منها نواب
البساسيري .
وفيها : دخل أبو الحارث المظفّر البساسيري إلى بغداد مع بني خفاجة منصرفه من الوقعة ، وظهرت
منه آثار النفرة للخلافة ، فراسله الخليفة ليطيّب(١) نفسه ، وخرج في ذي الحجّة إلى الأنبار فأخذها ، وكان
معه دُبَيَس بن علي بن مَزْيَد ، وخرب أماكن ، وحرّق غيرها ، ثمّ أذن له [ الخليفة ] في الدخول إلى بيت
النَّوبة ليخلع عليه ، فجاء إلى أن حاذى بيت النوبة [ فقبَّل الأرض ] فخدم وانصرف ، ولم يعبر فقويت
الوحشة .
ولم يحجّ أحد من العراق في هذه السّنة أيضاً ، والله أعلم .
وممن توفي فيها من الأعيان :
الحسين بن جعفر بن محمّد بن داود(٢) أبو عبد الله السَّلَماسي .
سمع ابن شاهين وابن حَيّويه والدار قطني ، وكان ثقة أميناً مشهوراً باصطناع المعروف ، وفعل الخير ،
وافتقاد الفقراء ، وكثرة الصدقة ، وكان قد أريد على الشهادة فأبى ذلك ، وكان له في كلّ شهرٍ عشرة دنانير
نفقة لأهله .
عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن أبو عبد الله الأصْبَهَاني(٣) ، المعروف بابن اللّان.
أحد تلاميذ الشيخ أبي حامد الإسفراييني، وولي قضاء إيذَجُ(٤) ، وكان يصلّ بالنّاس التراويح ، ثمّ
يقوم بعدهم [ فيصلي ] إلى [ أن يطلع ] الفجر، فربّما انقضى الشهر عنه ، ولم يضطجع إلى الأرض ،
رحمه الله تعالى .
في ( ب) و( ط ) : لتطيب .
(١)
المنتظم (١٦١/٨) والسَّلماسي: نسبةً إلى سلماس، وهي من بلاد أذربيجان. الأنساب ( ٧/ ١٠٧ ).
(٢)
(٣)
تاريخ بغداد (١٤٤/١٠)، المنتظم (١٦٢/٨)، الكامل في التاريخ (٦٠٤/٩)، سير أعلام النبلاء
(٦٥٣/١٧)، طبقات السبكي (٧٢/٥)، النجوم الزاهرة (٣٨/٥)، شذرات الذهب (٢٧٤/٣).
(٤) كورة وبلد بين خوزستان وأصبهان، وهي من أجل مدن هذه الكورة. معجم البلدان (٢٨٨/١).

١٢٣
أحداث سنة ٤٤٧ هــ ــ ملك طغرلبك السلجوقي في بغداد
[ ثم دخلت سنة سبع وأربعين وأربعمئة (١)
فيها : ملك طُغْرُلْتَك السّلجوقي بغداد ، وهو أول ملوك السلجوقية لبلاد العراق ، وآخر مُلْكِ بني
بويه .
وفيها : تأكَّدت الوحشة بين البساسيري وبين الخليفة ، واشتكت الأتراك منه ، وأطلق رئيس الرؤساء
عبارته فيه ، وذكر قبيح أفعاله ، وأنَّه كاتب المصريين بالطّاعة ، وخلع ما كان عليه من بيعة العباسيين ،
وقال الخليفة : ليس إلّ إهلاكه .
ملكُ طُغْرُلْبَك السّلجوقي في بغداد ودخوله إليها في رمضان (٢)
قال الخطيب(٣): كان أرسلان التركي المعروف بالبساسيري ، قد عظم أمره ، واستفحل ، لعدم
أقرانه من متقدمي الأتراك ، واستولى على البلاد ، وطار اسمه ، وتهيّبته أمراء العرب والعجم ، ودُعي له
على كثير من المنابر العراقيّة والأهواز ونواحيها ، وجبى الأموال ، ولم يكن الخليفة القائم بأمر الله يقطع
أمراً دونَه ، ثمّ صحّ عند الخليفة سوء عقيدته ، وشهد عنده جماعة من الأتراك ، عرّفهم وهو بواسط عزمه
على نهب دار الخلافة والقبض على الخليفة ، فكاتب الخليفة أبا طالب محمد بن ميكائيل بن سُلْجوق بن
نعاق الملقب ◌ُغْرُلْبَك ، يستنهضه على المسير إلى العراق ، فانفضّ أكثر من كان مع البساسيري ، وعادوا
إلى بغداد ، ثمّ أجمع رأيهم على قصد دار البساسيري وهي في الجانب الغربي(٤) فأحرقوها ، وهدموا
أبنيتها . ووصل طُغْرُلْبَك إلى بغداد في رمضان سنة سبعٍ وأربعين ، وقد تلقَّاه إلى أثناء الطريق الأمراء
والوزراء والحجّاب ، فدخل بغداد في أُبَّهةٍ عظيمةٍ جدّاً، وخُطِبَ له بها ، ثمّ بعده للملك الرحيم ، ثم
قُطِعَت خطبة الملك الرحيم في أواخر شهر رمضان، ورفع إلى قلعة السِّيروان معتقلاً ، فكان آخر ملوك بني
بُويه ، وكانت مدة [ ولايتهم قريب المئة وعشر سنين، وكان مدة ] ولايته لبغداد ستّ سنين وعشرة أيّام.
وطُغْرُ لْبَك أوّل ملوك السَّلجوقيّة ، ونزل طُغْرُلْبَك دار المملكة بعد الفراغ من عمارتها ، ونزل أصحابه
على دور الأتراك ، وكان معه ثمانية أفيلة ، ووقعت فتنة بين الأتراك والعامة ، ونُهب الجانب الشرقي
بكماله ، وجرت خطوب ، وخبطة عظيمة .
(١) زيادة من (ب) و(ط)، وفي (أ) تقديم وتأخير مخلّ بتسلسل الأحداث دون نقص فيها.
(٢) العنوان ساقط من ( ب) و( ط ) .
(٣) تاريخه ٤٨/١١ فما بعدها (ط. د. بشار).
(٤) في (أ): الشرقي ، وما أثبت موافق لما في تاريخ الخطيب الذي ينقل منه المصنف وهي كذلك في المنتظم
والكامل .

١٢٤
أحداث سنة ٤٤٧ هـ ـ ملك طغرلبك السلجوقي في بغداد
وأمّا البساسيري فإنه فرَّ من الخليفة إلى ناحية بلاد الرَّحبة(١) ، وكتب إلى صاحب مصر بأنه على إقامة
الدعوة له بالعراق ، فأرسل إليه بولاية الرّحبة ، ونيابته بها ، ليكون على أهبة التمكّن من الأمر الذي
يحاوله ، قبَّحهما الله تعالى .
وفي يوم الثلاثاء عاشر(٢) ذي القعدة قُلِّد أبو عبد الله محمد بن علي الدَّامَغَاني (٣) قضاء القضاة وخُلِع
عليه ، وذلك بعد موت أبي عبد الله الحسين بن علي بن ماكولا ، ثمّ خلع [ الخليفة ] على الملك طُغْرُلْبك
بعد [ دخوله بغداد ] بيوم، ورجع إلى داره وبين يديه الدّبادب (٤) والبوقات(٥).
وفي هذا الشهر توفي ذخيرة الدين أبو العباس محمد بن أمير المؤمنين القائم بأمر الله ، وهو ولي عهد
أبيه ، فعظمت الرزيّة به ، وجلس رئيس الرؤساء للعزاء ، وجاء النّاس وقد أمروا بتخريق ثيابهم ، ونشر
عمائمهم ، والتحفّي ، وقُطعت الدبادب أيام العزاء به بدار الخلافة ، ودار الملك ، حزناً على وليّ عهد
الخلافة .
وفي هذه السنة : استولى أبو كامل علي بن محمد الصُّلَيحي(٦) الهمذاني على أكثر أعمال اليمن ،
وخطب فيها للفاطميين ، وقطع خطبة العباسيين .
وفيها : كثر فساد الغز ونهبهم [ دواب الناس ] فساورهم العوام ، واقتتلوا ، ونهبتهم العامة حتى بيع
الثور بخمسة قراريط ، والحمار بقيراطين إلى خمسة قراريط .
وفيها : اشتدّ الغلاء بمكّة ، وعدمت الأقوات ؛ فأرسل الله عليهم جراداً ملأ الأرض ، فتعوضوا به عن
الطعام ، ولم يحج أحد من أهل العراق في هذه السنة .
وفيها : غلت الأسعار بنواحي الأهواز حتى بيع الكُهُ(٧) في مدينة شيراز بألف دينار ، ووقعت الفتنة
بين الروافض والسنّة على العادة ، واقتتلوا قتالاً شديداً مستمراً . ولا يمكن للدولة أن تحجز بين
الفريقين ؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون .
(١) ((الرحبة)): مدينة أحدثها مالك بن طوق التغلبي في خلافة المأمون ، بينها وبين دمشق ثمانية أيام، وإلى بغداد مئة
فرسخ ، وإلى الرقة نيف وعشرون فرسخاً ، وهي بين الرقة وبغداد على شاطىء الفرات . معجم البلدان
(٣٤/٣) .
(٢) في ( ب ) : اليوم الثاني عشر ، خطأ ، فهو لا يوافق الحساب.
(٣)
سترد ترجمته في وفيات سنة ثمان وسبعين وأربعمئة .
(٤)
جمع دبداب : وهو الطبل .
جمع بوق : وهو أداة مجوفة ينفخ فيها ويزمر .
(٦) سترد ترجمته وافية مع وفيات سنة ثلاث وسبعين وأربعمئة .
(٥)
((الكُرّ)): مكيال العراق، وهو ستون قفيزاً، أو أربعون أردبًّاً. وفي المنتظم (٨/ ١٦٣): الكرّ من الحنطة.
(٧)

١٢٥
وفيات سنة ٤٤٧ هـ
وفيها : وقعت الفتنة بين الأشاعرة والحنابلة . وكان جانب الحنابلة قويّاً بحيث لم يمكّن كثيراً من
الأشاعرة شهود [ الجمعة و] الجماعات، قاله ابن الجوزي في ((المنتظم)(١) .
وممن توفي فيها من الأعيان :
الحسين(٢) بن علي بن جعفر بن علَّكان(٣) بن محمد بن دُلف بن أبي دُلف العجلي (٤) قاضي القضاة ،
أبو عبد الله ، المعروف بابن ماكولا ، الشّافعي .
أصله جَرْباذَقان(٥) ، وولي القضاء بالبصرة ، ثم ولاه القادر بالله قضاء القضاة ببغداد سنة عشرين
وأربعمئة ، وأقرّه ابنه القائم بأمر الله إلى أن مات في هذه السنة عن تسع وسبعين سنة ، وله في القضاء سبع
وعشرون سنة ، وكان صيّناً ، ديّناً ، لا يقبل من أحد هديّة ، ولا من الخليفة ، وكان يذكر أنّه سمع من
أبي عبد الله بن مَنْده ، وله شعر حسن فمنه :
فَمَا أغْنَى المَشِيْبُ مَعَ التَّصَابِ(٦)
تَصَابَى بُرْهَةٌ مِنْ بَعْدِ شَيْبٍ
فلمْ ينفعْهُ تَسْوِيْدُ الخِضَابِ
وَسَوَّدَ عَارِضَيْهِ بِلَوْنِ خَضْبٍ(٧)
فَمَا زَادُوا سِوَى فَرْطِ اجْتِنَابِ
وَأَبْدَى لِلأحبَّةِ كُلَّ لُطْفٍ
على أيّامٍ رَيْعانِ الشَّبابِ
سلامُ الله عَوْداً بَعْدَ بَدْءٍ
تَوَلَّى غَيْرَ مَذْمُومٍ وَأَبْقَى بِقَلْبِي حَسْرَةٌ تَحْتَ الحِجَابِ(٨)
علي بن المُحَسِّن بن علي بن محمد بن أبي الفهم أبو القاسم التَّنُوخي (٩) .
قال ابن الجوزي : وتَنُوْخُ هذه اسم لعدّة قبائل اجتمعوا بالبحرين ، وتحالفوا على التناصر والتآزر
(١) المنتظم (١٦٣/٨)، ومن قوله: وفيها غلت الأسعار ... إلى هنا ساقط من ( ب).
(٢) في (ط): (( الحسن))، محرف.
(٣) في (ط): ((علي))، وهو جائز أيضاً، لكن سيأتي في ترجمة ابن أخيه علي أنه سماه هناك ((علكان)) ( وفيات سنة
٤٧٥) (بشار).
(٤) تاريخ بغداد (٨٠/٨)، المنتظم (١٦٧/٨)، الكامل في التاريخ (٦١٥/٩)، شذرات الذهب (٢٧٥/٣).
(٥) بلدة قريبة من همذان بينها وبين الكرخ وأصبهان. معجم البلدان ( ١١٨/١).
(٦)
في المنتظم ( ١٦٧/٨) : فما أغنى مع الشيب التصابي .
(٧)
في المنتظم (١٦٧/٨) : خضر .
(٨) في ( ط ) :
بقلبي حسرة ثمّ اكتئاب
تولى عزمه يوماً وأبقى
(٩) تاريخ بغداد (١٢ / ١١٥)، المنتظم (١٦٨/٨)، الكامل في التاريخ (٦١٥/٩)، وفيات الأعيان (١٦٢/٤)،
سير أعلام النبلاء (٦٤٩/١٧)، النجوم الزاهرة (٥٨/٥)، شذرات الذهب (٢٧٦/٣).

١٢٦
أحداث سنة ٤٤٨ هـ
فسموا تنوخاً . ولد بالبصرة سنة خمس وستين(١) وثلاثمئة ، وسمع الحديث سنة سبعين ، وقبلت شهادته
عند الحكام في حداثته ، وتولّى القضاء بالمدائن وغيرها ، وكان صدوقاً محتاطاً ، إلا أنّه كان يميل إلى
الاعتزال والرفض .
ثم دخلت سنة ثمان وأربعين وأربعمئة
في يوم الخميس لثمان بقين من المحرم ، عُقد عقد الخليفة على خديجة بنت أخي السلطان
◌ُغْرُلْبَك، وقيل : امرأة أخيه داود ، وتُلَقَّب أرسلان خاتون على صداق مئة ألف دينار ، وحضر هذا العقد
عميد الملك الكندريّ وزير طُغْرُلْبَك ، ونقيب العلويين ، ونقيب الهاشميين ، وقاضي القضاة الدامغاني ،
وأقضى القضاة الماوردي ، ورئيس الرؤساء ابن المسلمة ، وهو الذي خطب الخطبة ، وقبل الخليفة العقد
بنفسه ، فلمّا كان شعبان ذهب رئيس الرؤساء إلى الملك طُغْرُلْبَك وقال : أمير المؤمنين يقول ذلك : قال
الله تعالى: ﴿﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَىَ أَهْلِهَا﴾ [ النساء: ٥٨]. وقد أذن في نقل الوديعة الكريمة
إلى داره العزيزة ، فقال : السمع والطاعة ، فذهبت أمّ الخليفة إلى دار المملكة لاستدعاء العروس فجاءت
معها ، وفي خدمتها الوزير عميد الملك ، فدخلوا دار الخلافة ، وشافه [ الوزير ] الخليفةَ عن عَمِّها يسأل
معاملتها باللطف والإحسان . فلما دخلت عليه قبّلت الأرض بين يديه مراراً ، فأدناها إليه وأجلسها إلى
جانبه ، وأفاض عليها خلعة سنّة وتاجاً من جوهر ، وأعطاها من الغد مئة ثوب ديباج ، وقضباناً من
ذهب ، وطاسة ذهب قد رُصّع فيها الجوهر، والياقوت، والفيروزج، وأقطعها في كلِّ سنة [ من ضياعه ]
من عمل الفرات [ ما يغلّ ] اثني عشر ألف دينار .
وفي هذه السنة : أمر السلطان طُغْرُلْبَك ببناء دار الملك العضديّة ، فخربت محال كثيرة في عمارتها ،
ونهبت العامة أخشاباً كثيرة بسببها من دور الأتراك ، والجانب الغربي ، وباعوه على الخبازين
[ والطباخين ] وغيرهم.
وفيها : وقع غلاء شديد [ على الناس ] ، وخوف ، ونهب كثير ببغداد ، ثمّ عقب ذلك فناء عظيم
بحيث دفن كثير من الناس بغير غسل ولا تكفين ، وغلت الأشربة ، وما يحتاج إليه المرضى كثيراً ،
[ واعترى الناس موت كثير] واغبرَّ الجوّ، وفسد الهواء، وكثر الذباب . قال ابن الجوزي في
((منتظمه)(٢) : وعمّ هذا الوباء والغلاء مكّة ، والحجاز ، وديار بكر ، والموصل ، وبلاد الروم ،
وخراسان ، والجبال ، والدنيا كلّها ، هذا لفظه .
(١) في ( ط ) : خمس وخمسين ، خطأ.
(٢) (( المنتظم (١٧١/٨).

١٢٧
أحداث سنة ٤٤٨ هـ
قال : وورد كتاب من مصر : أن ثلاثة من اللصوص نقبوا بعض الدور فوجدوا عند الصّباح موتى ،
أحدهم على باب النقب، والثاني على رأس الدرجة، والثالث على الثياب المكوَّرة [ ليأخذها فلم يمهل ].
وفيها أمر رئيس الرؤساء بأن تنصب أعلام سود في الكرخ ، فانزعج أهله لذلك ، وكان كثير الأذيّة
للرافضة ، وإنما كان يدافع عنهم عميد الملك الكُنْدَريّ وزير الملك طُغْرُلْبَك.
وفيها : هبّت ريح شديدة ، وارتفعت سحابة ترابيّة فأظلمت الدنيا ، واحتاج الناس في الأسواق إلى
السُّرُج في النهار .
قال ابن الجوزي في ((المنتظم (١): وفيها : في العشر الثاني من جمادى الآخرة ، ظهر وقت السحر
نجم له ذؤابة بيضاء ، طولها في رأي العين نحو من عشرة أذرع ، في عرض نحو الذراع ، ولبث على هذه
الحال إلى النصف من رجب ثم اضمحلّ ، وكانوا يقولون : إنه طلع مثل هذا بمصر فملكت ، وكذلك
بغداد ، لما طلع فيها هذا ملكت ، وخطب بها للمصريين .
وفيها : أُلزم الروافض بترك الأذان بحيّ على خير العمل ، وأمروا أن يناديَ المؤذن في الصبح بعد
الحيعلتين الصلاة خير من النوم مرّتين ، وأزيل ما كان على أبواب مساجدهم ومشاهدهم من كتابة : محمّد
وعليّ خير البشر ، ودخل المنشدون من باب البصرة إلى الكرخ ، فأنشدوا [ القصائد ] بفضائل الصحابة
في مدائح لهم ، وذلك أن النَّوء الأوّل [ للرافضة ] اضمحلّ، حيث كانت بنو بويه تقوّيهمُ(٢) وتنصرهم ،
فزالوا وبادوا ، وأذهب الله دولتهم ، وجاء الله بقوم آخرين من الأتراك السّلجوقيّة يحبّون السنّة ، ويوالون
أهلها ، ويعترفون برِفعة قدرها، ويرفعون محلّها [ والله المحمود أبداً على طول المدى ٣٤) ، وأمر رئيس
الرؤساء وزير الخلافة الوالي بقتل أبي عبد الله بن الجلاب شيخ البزازين(٤) بباب الطاق ، لما كان يتظاهر به
من الغلوّ في الرفض ، فقتل ، وصلب على باب دكانه . وهرب أبو جعفر الطوسي ، ونهبت داره [ ولله
الحمد والمنة 1°)
وفيها : جاء البساسيري قبّحه الله تعالى إلى الموصل ، ومعه نور الدولة دُبَيْس في جيش كثيف ،
فاقتتل مع صاحبها قريش ، ونصره قتلمش ابن عم طُغْرُلْبَك ، وهو جد ملوك الروم ، فهزمهما
البساسيري ، وأخذ البلد قهراً ، فخطب بها للمصريين الفاطميين ، وأخرج كاتبه من السجن . وكان قد
أظهر الإسلام ، ظناً منه أن ذلك ينفعه ، فقتل .
المنتظم ( ٨/ ١٧١ ).
(١)
(٢)
في ( ب ) : تقربهم .
زيادة من ( ب ) و( ط ) .
(٣)
في ( ط ) : الروافض .
(٤)
(٥) زيادة من ( ب ) .

١٢٨
وفيات سنة ٤٤٨ هـ
وكذلك خُطب للمصريين في هذه السنة بالكوفة وواسط وغيرهما من البلاد . وعزم الملك طُغْرُ لْبَك
على المسير إلى الموصل لمناجزة البساسيري ، فنهاه الخليفة عن الخروج ، وذلك لضيق الحال ، وغلاء
الأسعار ، فلم يقبل ، وخرج بجيشه قاصداً الموصل في جحفل عظيم ، ومعه الفيلة والمنجنيقات ، وكان
جيشه لكثرتهم ينهبون القرى ، وربّما سطَوا على بعض الحريم ، فكتب الخليفة إلى السلطان ينهاه عن
ذلك، فبعث يعتذر لكثرة من معه، واتفق أنّه رأى رسول الله وَ ل في المنام، فسلّم عليه، فأعرض عنه
[ فقال : يا رسول الله، لأيّ شيء تعرض عني ] فقال له: يحكّمك الله في البلاد فلم لا ترفق بخلقه ، ولا
تخاف من جلال الله عزّ وجلّ ، فاستيقظ مذعوراً ، وأمر وزيره أن ينادي في الجيش بالعدل ، وأن لا يظلم
أحدٌ أحداً ، ولما اقترب من الموصل فتح دونها بلاداً ، ثمّ فتحها وسلّمها إلى أخيه داود ، ثمّ سار منها إلى
بلاد بكر(١) ففتح أماكن كثيرة هنالك .
وفيها : ظهرت دولة الملثّمين ببلاد المغرب ، وأظهروا إعزاز الدين ، وكلمة الحقّ ، واستولوا على
بلاد كثيرة بالمغرب ، منها : سِجِلْماسة ، وأعمالها ، والسوس ، وقتلوا خلقاً كثيراً من أهلها ، وأول
ملوك الملثمين رجل يقال له : أبو بكر بن عمر وقد أقام بِسِجِلْماسة إلى أن توفي سنة ثنتين وستين كما
سيأتي بيانه ، وولي بعده أبو نصر يوسف بن تاشفين ، وتلقّب بأمير المؤمنين ، وقوي أمره ، وعلا قدره
ببلاد المغرب .
وفيها : أُلْزم الذمّة بلبس الغيار ببغداد عن أمر السلطان طُغْرُلْبَك.
وفيها : ولد لذخيرة الدين بعد موته من جارية له ولد ذكر ، وهو أبو القاسم عبد الله المقتدي بأمر الله.
وفيها : كان الغلاء والفناء مستمرّين [ على الناس ] ببغداد ، وغيرها من البلاد ، على ما كان عليه
الأمر في السنة الماضية [ فإنا لله وإنا إليه راجعون }٢)، ولم يحجّ أحد من أهل العراق في هذه السّنة .
وممن توفي فيها من الأعيان :
علي بن أحمد (٣) بن علي بن سَلَّك (٤) أبو الحسن المؤدب ، المعروف
في الكامل في التاريخ (٩/ ٦٣٠): ديار بكر .
(١)
(٢)
زيادة من ( ب ) .
تاريخ بغداد (٣٣٤/١١)، المنتظم (١٧٤/٨)، الكامل في التاريخ (٦٣٢/٩)، سير أعلام النبلاء
(٣)
(١٨/ ٥٤)، النجوم الزاهرة ( ٣٧٨/٣).
(٤) في بعض النسخ ((بلبل))، وهو تحريف، وما أثبتناه من (ط )، وهو الموافق لما في مصادر ترجمته، وسَلك
ضبطه ابن خلكان بفتح السين المهملة وتشديد اللام ( وفيات ٣١٦/٣) ، وبه أخذ الذهبي في كتبه ( تاريخ الإسلام
٧١١/٩) ووقع فيه من غلط الطبع بتشديد اللام وكسرها فيصحح والسير ) وذكر ابن خلكان أنه وجده في موضع آخر
بكسر السين وسكون اللام . وضبطه ابن حجر في التبصير بفتح السين وسكون اللام ، فلعله وهم ( بشار ) .

١٢٩
وفيات سنة ٤٤٨ هـ
بالغالي (١)، صاحب ((الأمالي)(٢)، وفالة: قرية قريبة من أيْذَجُ(٣).
أقام بالبصرة مدّة ، وسمع بها من أبي عُمر(٤) بن عبد الواحد الهاشمي وغيره ، وقدم بغداد
فاستوطنها ، وكان ثقة في نفسه ، كثير الفضائل ، ومن شعره [ الحسن ]°) .
غيرَ الّذِينَ عَهدتُ مِن علمائِها
لما تبدّلت المحاسن(٦) أوجهاً
كانوا وُلاةَ صُدُورِهَا وفنائِها
وَرأيتُها محفوفةٌ بسوى الأُلى
والعينُ قد شَرِقَتْ بجاري مائِها
أَنْشَدْتُ بَيْتاً سائِراً مُتَقدِّماً
وأرى نساءَ الحيّ غيرَ نسائِها
أمّا الخيامُ فإنّها كخيامِهِمْ
ومن شعره أيضاً قوله :
بليدٍ تَسمَّى بالفقيهِ المدرِّسِ
تصدّرَ للتدريسِ كلُّ مهوَّسٍ
ببيتٍ قدیمِ شاعَ في كلِّ مَجْلِسٍ
فحقَّ لأهلِ العلمِ أنْ يتمثّلوا
كُلاهَا، وَحتى سامَها كلٌّ مُفْلِس
لقدْ هزَلتْ حتى بداً من هُزَالها
محمد بن عبد الواحد ، ابن الصبّاغ الفقيه الشافعي .
وليس هذا بصاحب (( الشامل)(٧) . ذاك متأخر ، وكان هذا من تلاميذ الشيخ أبي حامد الإسفراييني ،
وكانت له حلقة للفتوى بجامع المدينة ، وشهد عند قاضي القضاة ابن الدَّامغاني الحنفي فقبله ، وقد سمع
الحديث من ابن شاهين وغيره ، وكان ثقة جليل المقدار ، رحمه الله تعالى .
هلال بن المحسّن بن إبراهيم بن هلال(٨) أبو الحُسين(٩) الكاتب الصابىء ، صاحب التاريخ ، وجدّه
أبو إسحاق الصابىء ، صاحب الرسائل ، وأبوه كان صابئياً أيضاً ، وأسلم هلال هذا وحسن إسلامه ، وقد
(١) ((الفالي)): نسبة إلى فالة، بلدة قريبة من أيذج من بلاد خوزستان. معجم البلدان (٢٣٢/٤).
(٢) لم تذكر المصادر أن للفالي كتاب ((الأمالي)) إنما هو لأبي علي، إسماعيل بن القاسم المتوفى سنة ٣٥٦هـ،
ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٦ /٤٥)، ومصادر ترجمته ثمَّة .
(٣) معجم البلدان (٤/ ٢٣٢).
في (ط): ((من عمر)) خطأ.
(٤)
(٥) تاريخ بغداد (٣٦٢/٢)، سير أعلام النبلاء (٢٢/١٨)، الوافي بالوفيات (٦٣/٤)، طبقات السبكي
(٤ /١٨٨ ).
في المنتظم وفي ( ط ) : المجالس .
(٦)
(٧) صاحب كتاب الشامل : أبو نصر ابن الصباغ .
تاريخ بغداد (٧٦/١٤)، المنتظم (١٧٦/٨)، وفيات الأعيان (١٠١/٦)، شذرات الذهب (٢٧٨/٣).
(٨)
(٩) في (ط): ((أبو الخير)) وهو تحريف ، وما أثبتناه من مصادر ترجمته وهو بخط الذهبي في تاريخ الإسلام
(٧١٩/٩) (بشار).

١٣٠
أحداث سنة ٤٤٩ هـ
كان سمع في حال كفره من جماعة المشايخ ، وذلك أنَّه كان يتردد إليهم يطلب العلم والأدب ، فلمّا أسلم
نفعه ذلك، وكان [ ذلك ] سبب إسلامه على ما ذكره ابن الجوزي في ((منتظمه)( ١)، بسنده [ مطولاً ] أنه
رأى رسول الله وَ ﴿ في المنام مراراً يدعوه إلى الله عزّ وجلّ ، ويأمره بالدخول في الإسلام ، ويقول له :
أنت رجل عاقل ، فَلِمَ تدَع دين الإسلام الذي قامت عليه الدلائل ؟ وأراه آيات في المنام شاهدها في
اليقظة ، فمن ذلك أنه قال له : إنّ امرأتك حامل [ بولد ] ذكر ، فسمّه محمّداً ، [ فولدت ذكراً ، فسماه
محمداً ] ، وكنّاه أبا الحسن ، في أشياء كثيرة سردها ابن الجوزي مطوّلة ، فأسلم وحسن إسلامه ، وكان
صدوقاً ، رحمه الله تعالى . توفي في هذه السنة وله تسعون سنة ، منها في الإسلام نيف وأربعون سنة ،
تغمده الله برحمته .
ثم دخلت سنة تسع وأربعين وأربعمئة
فيها : كان الغلاء والفناء مستمرّين ببغداد وغيرها من البلاد ، بحيث خلت [ أكثر ] الدور ، وسُدّت
على أهلها [ أبوابها بما فيها وأهلها ] فيها موتى ، وصار المارّ في الطريق لا يلقى إلَّ الواحد بعد الواحد،
وأكل الناس الجِيف والميتات من قلّة الطعام ، ووجد مع امرأة فخذ كلب قد اخضرّ ، وأروح . وشوى
رجل صَبِيَّة في الأنُّون (٢) وأكلها ، فقتل ، و[ قيل ] سقط طائر ميت من سطح ، فاحتوشه خمسة أنفس
فاقتسموه ، وأكلوه .
وورد كتاب من بخارى أنّه مات في يوم واحد منها ومن معاملتها ، ثمانية عشر ألف إنسان ، وأحصي
من مات في هذا الوباء إلى يوم كتابة هذا الكتاب - يعني الوارد من بخارى - بألف ألف وستمئة ألف
وخمسون ألفاً ، والناس يمرّون في هذه البلاد فلا يرون إلا أسواقاً فارغة وطرقات خالية ، وأبواباً مغلقة ،
حكاه ابن الجوزي(٣) قال : وجاء الخبر من أذربيجان وتلك البلاد بالوباء العظيم ، وأنّه لم يسلم إلا العدد
القليل ، قال : ووقع وباء بالأهواز وأعمالها ، وبواسط ، والنيل ، والكوفة ، وطبق الأرض ، وكان أكثر
سبب ذلك الجوع حتى كان الفقراء يشوون الكلاب ، وينبشون القبور ، ويشوون الموتى ويأكلونهم ،
وليس للناس شغل في الليل والنهار إلا غسل الأموات وتجهيزهم ودفنهم ، وقد كانت تحفر الحفيرة فيدفن
فيها العشرون ، والثلاثون ، وكان الإنسان يكون قاعداً فينشقّ قلبه عن دم المهجة فيخرج إلى الفم(٤) منه
قطرة فيموت ، وتاب الناس ، وتصدّقوا بأكثر أموالهم [ فلم يجدوا أحداً يقبل منهم ، وكان الفقير تعرض
(١) المنتظم (٨/ ١٧٧).
(٢)
((الأَتُّون)) : الموقد الكبير ، كموقد الحمّام .
(٣) المنتظم ( ٨/ ١٧٧).
(٤) في ( أ) : القلب .

١٣١
أحداث سنة ٤٤٩ هـ
عليه الدنانير الكثيرة ، والدراهم والثياب فيقول : أنا أريد كسوة! أريد ما يسد جوعي فلا يجد ذلك ] ،
وأراقوا الخمور ، وكسروا المعازف ، وتصالحوا ، ولزموا المساجد لقراءة القرآن والعبادة ، وقلّ دار
يكون فيها خمر إلا ومات أهلُها كلّهم ، ودُخل على مريض له سبعة أيام في النزع ، فأشار بيده إلى مكان
فوجدوا فيه خابية من خمر ، فأراقوها ، فمات من فوره بسهولة ، ومات رجل في مسجد فوجد معه
خمسون ألف درهم [ فعرضت على الناس ] ، فلم يقبلها أحد ، فتركت في المسجد تسعة أيام لا يريدها
أحد [ فلما كان بعد ذلك ] ، دخل أربعة فأخذوها فماتوا عليها [ فلم يخرج من المسجد منهم أحد حيّ ،
بل ماتوا جميعاً ] .
وكان الشيخ أبو محمد عبد الجبّار بن محمد يشتغل عليه سبعمئة متفقّه ، فمات ، وماتوا كلّهم إلا
اثني عشر نفراً منهم .
ولمّا اصطلح دُبَيْس بن علي مع الملك ◌ُغْرُلْبَك ، رجع إلى بلاده فوجدها خراباً لقّة أهلها [ من
الطاعون ] ، فأرسل رسولاً منه إلى بعض النواحي فتلقّاه طائفة فقتلوه وشووه ، وأكلوه .
قال ابن الجوزي(١) : وفي يوم الأربعاء لسبع بقين من جمادى الآخرة احترقت قطيعة عيسى [ وسوق
الطعام ، والكنيس ، وأصحاب السقط ، وباب الشعير، وسوق العطارين ] ، وسوق العروس ،
والأنماط ، والخشابين ، والجزّارين ، والتمّارين ، والقطيعة ، وسوق محول ، ونهر الدجاج ، وسويقة
غالب ، والصفّارين ، والصبّاغين وغير ذلك من المواضع ، وهذه مصيبة أخرى إلى ما بالناس من [ الجوع
و] الغلاء والفناء ، [ ضعف الناس، حتى طغت النار فعملت عملها، فإنا لله وإنا إليه راجعون ] .
وفيها : كثر العيّارون ببغداد ، وأخذوا الأموال جهاراً ، وكبسوا الدور ليلاً ونهاراً ، وكبست دار
أبي جعفر الطّوسي متكلّم الشيعة ، وأحرقت كتبه ودفاتره التي كان يستعملها في بدعته ، ويدعو إليها أهل
نحلته .
وفيها : دخل الملك طُغْرُلْبَك بغداد عائداً إليها من الموصل ، وقد تسلَّمها واستعادها من
البساسيري ، وسلّمها إلى أخيه إبراهيم ينَّال ، فأحسن فيهم السِّيرة ، وحسنت منه العلانية والسريرة ،
فتلقّاه الأمراء والوزراء وكبار الدولة إلى أثناء الطريق ، وأحضر له رئيس الرؤساء خلعة من الخليفة فرجيّة (٢)
مجوهرة ، فلبسها ، وقبّل الأرض ، ثمّ بعد ذلك دخل دار الخلافة ، وقد ركب إليها فرساً من مراكب
الخليفة ، فلمّا دخل على الخليفة إذ هو على سرير طوله سبعة أذرع ، وعلى كتفه البردة [ النبويّة ] ، وبيده
القضيب ، فقبّل الأرض ، ثمّ أجلس الملك على سرير دون سرير الخليفة ، ثمّ قال الخليفة لرئيس
(١) المنتظم (٨/ ١٨١).
(٢) ((فرجيّة)): ثوب له فتحة من الأمام.

١٣٢
وفيات سنة ٤٤٩ هـ
الرؤساء ، قل له : أمير المؤمنين حامد لسعيك ، شاكر لفعلك ، آنس بقربك ، وقد ولاك جميع ما ولاء
الله تعالى من بلاده ، فاتق الله فيما ولاك ، واجتهد في عمارة البلاد ، وصلاح العباد ، ونشر العدل ،
وكف الظلم .
ففسّر له وزيره عميد الدولة ما قاله ، فقام ، وقبّل الأرض ، وقال : أنا خادم أمير المؤمنين وعبده ،
ومتصرّف عن أمره ونهيه ، ومتشرّف بما [ أهّلني له و] استخدمني فيه ، ومن الله أستمدّ المعونة
والتوفيق .
ثمّ أذن له الخليفة في أن ينهض للبس الخلع ، فقام إلى بيت في ذلك البهو ، فأفيض عليه سبع خلع ،
وتاج . ثمّ عاد فجلس على السرير ، بعدما قبّل يد الخليفة ، ورام تقبيل الأرض فلم يتمكن من التاج ،
فأخرج الخليفة سيفاً وقلّده إياه ، وخاطبه بملك الشرق والغرب ، وأحضر ثلاثة ألوية ، فعقد منها الخليفة
بيده لواءً يُقال له : لواء الحمد ، وأحضر العهد ، فسلّم إلى الملك ، ووضّاه الخليفة بتقوى الله تعالى
والقيام بالحقّ في ذلك العهد [ والعدل في الرعية ] ، وقرىء بين يدي الخليفة بحضرة الملك ، ثمّ نهض
فقبّل يد الخليفة ، ووضعها على عينيه، ثمّ خرج في أَبّهة عظيمة [ إلى داره ] ، وبين يديه الحجّاب
والجيش بكماله ، وجاء الناس للسلام عليه ، والتهنئة له ، وأرسل إلى الخليفة بتحف عظيمة ، منها
خمسون ألف دينار ، وخمسون غلاماً أتراكاً بمراكبهم وأسلحتهم ، ومناطقهم ، وخمسمئة ثوب أنواعاً ،
وأعطى رئيس الرؤساء خمسة آلاف دينار ، وخمسين قطعة قماش [ وغير ذلك ] .
وفيها : قبض صاحب مصر على وزيره أبي محمد الحسن بن عبد الرحمن البازوري(١)، وأخذ خطّه
بثلاثة آلاف ألف دينار ، وأحيط على ثمانين من أصحابه ، وقد كان هذا الوزير حنفيّاً يحسن إلى أهل العلم
وأهل الحرمين ، وقد كان الشيخ أبو يوسف القَزْويني يثني عليه ، ويمدحه .
وممن توفي في هذه السنة :
أحمد بن عبد الله بن سليمان(٢) بن محمد بن سليمان بن أحمد بن سليمان بن داود بن المطهّر بن
زياد بن ربيعةَ بنِ الحارثِ بن ربيعة بن أنور بن أسحم بن أرقم بن النعمان بن عديّ بن غطفان بن عمرو بن
بَريح بن جَذيمة بن تيم الله بن أسد بن وبرة بن ثعلبة بن علوان(٣) بن عمران بن الحاف بن قُضاعة ،
(١) في ( ط ) : البازري.
(٢) تاريخ بغداد (٢٤٠/٤)، المنتظم (١٨٤/٨)، معجم البلدان (١٥٦/٥)، الكامل في التاريخ (٦٣٦/٩)،
وفيات الأعيان (١١٣/١)، تاريخ الإسلام (٧٢١/٩ - ٧٣٢)، سير أعلام النبلاء (٢٣/١٨)، الوافي بالوفيات
(٩٤/٧)، النجوم الزاهرة (٦١/٥)، شذرات الذهب (٢٨٠/٣) وثمة اختلاف يسير في نسبته بين المصادر.
(٣) في ( ط ) : تغلب بن حلوان .

١٣٣
وفيات سنة ٤٤٩ هـ
أبو العلاء المعرّي التَّنُوخي ، الشاعر المشهور بالزَّندقة ، اللُّغوي ، صاحب الدواوين والمصنّفات في
الشّعر واللغة .
ولد يوم الجمعة عند غروب الشمس لثلاث بقين من ربيع الأول سنة ثلاث وستين وثلاثمئة .
وأصابه جدريٌّ ، وله أربع أو ستّ أو سبع ، فذهب بصره ، وقال الشعر ، وله إحدى عشرة أو اثنتا
عشرة سنة ، ودخل بغداد سنة تسع وتسعين وثلاثمئة ، فأقام بها [ ستة أو ] سبعة أشهر ، ثمّ خرج منها
طريداً منهزماً ، لأنّه قال شعراً يدلّ على قلّة دينه ، وعلمه ، وعقله ، وهو قوله :
يدٌ بخَمس مِئِينٍ عسْجدٍ وُدَيَتْ ما بالُها قُطِعَتْ فِي رُبْعِ دينار(١)
تناقُضٌ ما لنا إلا الشُّكوتُ لَهُ وأن نَعُوذَ بمَولانا مِن النَّارِ
[ وهذا من إفكه ] .
يقول : اليد ديتها خمسمئة دينار ، فمالكم تقطعونها إذا سَرَقت ربع دينار ، وهذا من قلّة عقله وعَمی
بصيرته ، وذلك أنه إذا جُني عليها يناسب أن تكون ديتها كثيرة لينزجر الناس عن العدوان ، وأمّا إذا جنت
هي بالسرقة فيناسب أن تقلّ قيمتها [ وديتها ] لتنزجر عن أخذ الأموال ، وتُصان أموال الناس ، ولهذا قال
بعضهم : كانت ثمينة لمّا كانت أمينة ، فلما خانت هانت . ولما عزم الفقهاء على أخذه بهذا الكلام هرب
ورجع إلى بلده ، ولزم منزله ، فكان لا يخرج منه .
[ وكان يوماً عند الخليفة ، وكان الخليفة يكره المتنبِّي ويضع منه، وكان أبو العلاء يحب المتنبي
ويرفع من قدره ، ويمدحه ، فجرى ذكر المتنبي في ذلك المجلس ، فذمه الخليفة ، فقال أبو العلاء : لو
لم يكن للمتنبي إلا قصيدته التي أولها :
لك يا منازل في القلوب منازل
لكفاه ذلك . فغضب الخليفة ، وأمر به فسحب برجله على وجهه ، وقال : أخرجوا عني هذا الكلب .
وقال الخليفة : أتدرون ما أراد هذا الكلب من هذه القصيدة ؟ وذِكره لها ؟ أراد قول المتنبي فيها :
وإذا أتَتْكَ مذمتي من ناقص فهي الدليل عليّ أني كامل
وإلا فالمتنبي له قصائد أحسن من هذه ، وإنما أراد هذا ، وهذا من فرط ذكاء الخليفة حيث تنبّه
لهذا ] . ومكث خمساً وأربعين سنة من عمره ، لا يأكل لحماً ، ولا لبناً ، ولا بيضاً ، ولا شيئاً من حيوان
على طريقة البراهمة من الفلاسفة ، ويقال : إن راهباً اجتمع به في بعض الصوامع آواه اللّيل إليه ، فشكّكه
في دينه ، وكان يتقوَّت بالنبات وغيره ، وأكثر ما كان أكله العدس ، ويتحلَّى بالدبس والتين ، ولا يأكل
(١) تقدم البيت الثاني على الأول في ( ب) وكذلك في اللزوم (١/ ٥٤٤).

١٣٤
وفيات سنة ٤٤٩ هـ
بحضرة أحد ، يقول : أكْلُ الأعمى عورة . وكان في غاية الذكاء المفرط على ما ذكر ، وأمّا ما ينقل عنه
من الأشياء المكذوبة ، والخرافات المختلقة ، من أنّه وضع تحت سريره درهم فقال : إمّا أن تكون السماء
قد انخفضت مقدار درهم ، أو ارتفعت الأرض مثل ذلك [ أي أنه شعر بارتفاع سريره عن الأرض مقدار
ذلك الدرهم ]١) . فهذا ما لا أصل له ، وهو كذب عليه ، وكذلك يذكرون أنّه مرّ في بعض أسفاره بمكان
فطأطأ رأسه ، فقيل له في ذلك ، فقال : أما هاهنا شجرة؟ [ قالوا: لا ] فلم يوجد ، ثمّ نظروا فإذا أصل
شجرة كانت هناك قديماً قد اجتاز بها مرّة [ في الموضع الذي طأطأ رأسه فيه ، وقد قطعت ] ، فأمره من
كان معه بمطأطأة رأسه هناك [ لما جازوا تحتها ، فلمّا مرّ بها المرة الثانية طأطأ رأسه خوفاً من أن يصيبه
شيء منها ] ، فاستحضره في هذه المرة ، فهذا أيضاً لا يصحّ ، وهو كذب ، وكذلك ما شاكل هذا من
الكذب البحت ، ولكن كان ذكيّاً ولم يكن زكيّاً ، وله مصنفات كثيرة أكثرها في الشعر ، وفي بعض أشعاره
ما يدلّ على زندقةٍ وانحلالٍ [ من الدِّين ]، ومن الناس من يعتذر عنه، ويقول : [ إنّه إنما كان يقول ذلك
مُجوناً ولعباً ]، كان في الباطن مسلماً ، وإنما يقول ذلك بلسانه . قال ابن عقيل : وما الذي كان يلجئه
إلى أن يقول في دار الإسلام ما يكفّره به الناس ؟ والمنافقون مع قلّة علمهم ، وعقلهم ، ودينهم ، أجود
سياسة منه ، حافظوا على ستر قبائحهم في الدنيا ، وهو أظهر الكفر الذي تسلّط به عليه الناس
[ وزندقوه ] ، والله تعالى يعلم أنّ باطنه كظاهره .
قال ابن الجوزي (٢): وقد رأيت لأبي العلاء كتاباً سمّاه (( الفصول والغايات في معارضة السور
والآيات)(٣) على حروف المعجم في آخر كلماته ، وهو في غاية الرِّكّة والبرودة ، فسبحان من أعمى بصره
وبصيرته .
قال: وقد نظرتُ في كتابه المسمّى ((لزوم ما لا يلزم)). ثمّ أورد ابن الجوزي من أشعاره الدالة على
استهتاره أشياء كثيرة ، فمن ذلك قوله :
إذا كانَ لا يحظَى برزقِكَ عاقِلٌ وَتَرزقُ مَجنوناً وترزقُ أحمَقًا
رَأَى مِنْكَ ما لا يَشْتهي فَتَزِنْدَقا
فلا ذنْبَ يا ربَّ السماءِ علی امری؛
ومن ذلك أيضاً ، قوله :
وهيهات البريّةُ(٤) في ضلالٍ وقد نظَر اللبيبُ لما اعتراها
(١) زيادة من ( ب ) .
(٢) المنتظم (١٨٥/٨).
(٣) في حاشية ( أ) : رأيته بخط كاتبه في ثلاث مجلدات بمصر ، وهو موجود حال كتابة هذا المكان .
(٤) في ( ط ) : ألا إن البريَّة .

١٣٥
وفيات سنة ٤٤٩ هـ
تقدَّمَ صاحبُ التوراةِ موسى
فقالَ رجالُه : وَحِيٌّ أتاهُ
وما حجّي إلى أحجارٍ بيْتٍ
إذا رجعَ الحليمُ إلى حِجَاهُ
ومن ذلك أيضاً قوله :
هذت (٢) الحنيفةُ والنصارَى ما اهتدَتْ (٣)
اثْنَانِ أهلُ الأرضِ : ذُو عقْل بِلا
ومن ذلك أيضاً قوله :
ويهودُ جَارتْ والمَجُوسُ مُضَلَّلَهْ
دينٍ، وآخرُ دَيِّن(٤) لا عَقْلِ لَهْ
فلا تَحْسَبْ مَقَال الرُّسْلِ حَقّاً ولكنْ قولُ زُورٍ سطّروهُ
وكان النَّاسُ في عَيْشٍ رغيدٍ فَجَاؤُوا بالمُحالِ فَكَدَّرُوهُ
وقلت أنا في معارضة هذا :
فلا تَحسَبْ مقال الرُّسْلِ كِذْب٥ُ)
وكانَ الناسُ في جهلٍ عظيمٍ
ومن ذلك أيضاً قوله :
إِنَّ الشرائعَ ألقَتْ بَيْننا إحَناً
وهلْ أبيحَ نِساءُ الرومِ عن عُرْضٍ(٧)
ولكنْ قولُ حقِّ بلَّغُوه
فجاؤُوا بالبيانِ فَأذهبوه(٦)
وَأَوْرَثْنَا أفانينَ العَدَاواتِ
للعُربِ إلا بأحكامِ النُّوَّاتِ
[ من ذلك قوله :
وما حمدي لآدمَ أو بنيهِ وأشهدُ أنَّ كلَّهِمُ خسيس ]
ومن ذلك أيضاً قوله :
(١) في ( ط ) : كروس الحمر تشرف في ذراها .
في (ب) واللزوم (٢/ ٣٠١) : هفت .
(٢)
في ( ط ) : عفت الحنيفة والنصارى اهتدت .
(٣)
(٤)
في ( ط ) : ذو دين .
(٥)
في ( ط ) : زوراً .
في ( ط ) : فأوضحوه .
(٦)
في اللزوم (٢٢٨/١): وهل أبيحت نساء الروم عن عُرُض. وفي القاموس: ويضربون الناس عن عرض :
(٧)
لا يبالون من ضربوا .
وأوقَع في الخَسارِ من افتراها
وقالَ الناظِرونَ : بل افترَاهَا
كؤوسُ الخمْرِ تُشْرِبُ فِي ذُرَاهَا(١)
تَهَاونَ بالمذاهبِ وازْدَراهَا

١٣٦
وفيات سنة ٤٤٩ هـ
أفيقُوا، أفيقُوا يا غُواةُ فإنَّما دياناتُكُم مَكرٌ من القدماء(١)
ومن ذلك أيضاً قوله :
فاحْكُمْ إِلّهي بينَ ذاكَ وبَيْني
صرفُ الزَّمانِ مُفْرَّقِ الإلفَينِ
وبَعَثْتَ أنتَ لِقَبِضِها٣) مَلَكينٍ
ما كانَ أغناهَا عن الحالَيْنِ
أنهيْتَ(٢) عَنْ قَتْلِ النُّوسِ تَعمُّداً
وزَعمْتَ أنَّ لها مَعاداً ثانِياً
ومن ذلك أيضاً قوله :
ضَحِكْنا وكانَ الضَّحكُ منّا سَفاهةٌ وحَقَّ لسكّانِ البسيطةَ أنْ يَبْكُوا
زُجاجٌ ولكنْ لا يُعاد(٤) لنا سَبْكُ
تُحطّمِنَا الأيّامُ حتى كأنَّنا
ومن ذلك أيضاً قوله :
أمورٌ تَستخِفُّ بها حُلومٌ وما يَدْرِي الفَتى لِمِنِ النُّورُ
وإنجيلُ ابنِ مريمَ والزّبورُ
كتابُ محمّدٍ وكتابُ موسى
وقال :
قالتْ معاشرُ لم يبعثْ إلَهكمُ إلى البريّةِ عِيسَاهَا ولا مُوسى
وصيّرُوا دينَهُمْ في الناسِ نَامُوسا
وإنّما جَعلوا الرحمنَ مأكلةً
وذكر [ ابن الجوزي وغيره ] أشياء غير ذلك، [ من شعره ] وكل قطعة من هذه تدلّ على كفره ،
وانحلاله ، وزندقته ، وضلاله ، [ ويقال : إنه أوصى أن يكتب على قبره :
هذا جَناهُ أبي عَليَّ وما جَنَيْتُ على أحَد
معناه : أن أباه بتزوجه لأمِّه أوقعه في هذه الدّار ، حتى صار بسبب ذلك إلى ما إليه صار ، وهو لم
يجن على أحد بهذه الجناية ، وهذا كلّه كفر وإلحاد ، قبّحه الله ] .
وقد زعم بعضهم أنه أقلع عن هذا كلِّه ، وتاب منه ، وأنّه قال قصيدة يعتذر من هذا كلّه ، ويتنصّل
فيه ، وهي التي يقول فيها :
يا مَنْ يَرى مَدَّ البعوض جَناحَهَا في ظلمةِ اللَّيلِ البهيمِ الأَلْيَلِ
(١) في ( ط ) : مكراً من القدماء .
(٢) في ( ط ) : نهبت.
(٣)
في ( ط ) : تقبضها مع .
(٤) في ( ط): لا يعود له، وفي المنتظم (٨/ ١٨٧): زجاج لا يعاد لنا السبك.

١٣٧
وفيات سنة ٤٤٩ هـ
والمُّ في تلك العِظامِ النُّخَلِ
وتَرى منَاطَ عروقِها في نَحْرِهَا
ما كان مني في الزّمان الأوّل
امنُنْ عليَّ بتوبَةٍ تمحُو بها
وقد كانت وفاته في ربيع الأول من هذه السنة بمعرّة النعمان عن ستّ وثمانين سنة إلا أربعة عشر
يوماً ، وقد رثاه جماعة من أصحابه وتلامذته ، وأُنْشِدَتْ عند قبره ثمانون مرثاة حتى قال بعضهم في
رثائه :
إِنْ كُنْتَ لم تُرِقِ الدِّماءَ زهادةٌ فَلَقَدْ أَرَقْتَ اليومَ من جَفني دَما
قال ابن الجوزي(١): وهؤلاء [ الذين رثوه والذين اعتقدوه ] إمّا جهال بأمره ، أو ضلال على مذهبه
وطريقته ، وقد رأى بعضهم في المنام رجلاً ضريراً على عاتقيه حيّتان مدلَّتان إلى صدره رافعتان
رؤوسهما ، وهما ينهشان من لحمه وهو يستغيث ، وقائل يقول : هذا المعرّي الملحد .
وقد ذكره القاضي ابن خلِّكان في ((الوفيات)(٢) ، فرفع من نسبه [ على عادته في الشعراء ] كما
ذكرنا ، وذكر له من المصنفات كتباً كثيرة ، وذكر أن بعضهم وقف على المجلد الأول بعد المئة من كتابه
المسمى (( بالأيك والغصون)» وهو المعروف : بالهمز والردف . وأنه أخذ العربيّة عن أبيه ، واشتغل
بحلب على محمد بن عبد الله بن سعد النَّحوي ، وأخذ عنه أبو القاسم علي بن المحسِّن التَّنوخي ،
والخطيب أبو زكريا يحيى بن علي التِّبريزي، وذكر أنَّه مكث خمساً وأربعين سنة لا يأكل اللّحم على طريقة
الحكماء ، وأنَّه أوصى أن يكتب على قبره :
هذا جناهُ أبي عليَّ وما جَنَيْتُ على أحد
قال ابن خلِّكان : وهذا أيضاً يتعلّق باعتقاد الحكماء ، فإنَّهم يقولون : إيجاد الولد ، وإخراجه إلى
هذا الوجود جِناية عليه ، لأنّه يتعرّض للحوادث والآفات .
قلت : وهذا يدلّ على أنّه لم يتغيّر عن اعتقاد الحكماء إلى آخر وقت ، وأنّه لم يقلع عن ذلك كما ذكره
بعضهم ، والله أعلم [ بظواهر الأمور وبواطنها ] .
وذكر ابن خلِّكان ، أنَّه كانت عينه اليمنى ناتئة وعليها بياض ، واليسرى غائرة ، وكان نحيفاً . ثمّ أورد
من أشعاره الجيدة أبياتاً منها قوله :
لا تطلُبنَّ بآلةٍ لكَ رُتبةً قلمُ البليغ بغيرِ جدٍّ مِغْزَلُ
هذا لَهُ رُمحٌ وهذا أعْزلُ
سكَن السماكانِ السماءَ كلاهما
(١) المنتظم (١٨٨/٨).
(٢) وفيات الأعيان (١١٣/١-١١٦).

١٣٨
أحداث سنة ٤٥٠ هـ
الأستاذ أبو عثمان الصّابوني(١) إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد بن إسماعيل بن عامر بن عابد(٢)
النّيسابوري الحافظ ، الواعظ ، المفسِّر .
قَدِم دمشق وهو ذاهب إلى الحجِّ فسمع بها ، وذكّر الناس . وقد ترجمه ابن عساكر ترجمةً مطوّلةً
[ عظيمة ] ، وأورد له أشياء حسنة من أقواله وشعره ، فمن ذلك قوله :
إذا لم أصبْ أموَالَكُم ونوالَكُم ولم آمُلِ المعروفَ منكُم ولا البِرًّا
وكنتُم عَبيداً للَّذي أنا عبدُهُ فمن أجلِ مَاذا أتعِبُ البدنَ الحُرَّا
وروى ابن عساكر(٣) عن إمام الحرمين أنَّه قال: كنتُ أتردَّدُ وأنا بمكّة في المذاهب، فرأيت النبيَّ ◌َّه
وهو يقول: ((عليكَ باعتماد أبي عثمان الصَّابوني)).
ثم دخلت سنة خمسين وأربعمئة من الهجرة النبويَّة
فيها : كانت فتنة الخبيث البساسيري ، وهو أرسلان التركي ، قبّحه الله تعالى . وذلك أن إبراهيم
يَتَّال أخا الملك طُغْرُلْبَك ترك الموصل الذي كان استعمله أخوه عليها ، وعدل إلى ناحية بلاد الجبل ،
فاستدعاه أخوه ، وخلع عليه ، وأصلح أمره ، ففي غبون ذلك ركب البساسيري ومعه قُريش بن بدران أمير
العرب إلى الموصل ، فأخذها ، وأخرب قلعتها . فسار [ إليه ] الملك طُغْرُلْبَك سريعاً من بغداد إلى
الموصل فاستردَّها ، وهرب منه البساسيري [ وقريش ] خوفاً منه ، فتبعهما إلى نصيبين ، وفارقه أخوه
إبراهيم وعصا عليه وهرب إلى هَمَذان ، وذلك بإشارة البساسيري عليه ، فسار الملك طُغْرُلْبَك وراء أخيه
وترك عساكر وراءه فتفرّقوا وقلّ من لحقه منهم ، ورجعت زوجته الخاتون ووزيره الكندريّ إلى بغداد . ثمّ
جاء الخبر بأن أخاه قد استظهر عليه ، وأنّ طُغرُلْبَك محصور بهَمذان فانزعج الناس لذلك ، واضطربت
بغداد ، وأرجف الناس بأن البساسيري عازم على قصد بغداد ، وأنّه قد اقترب من الأنبار ، فقوي عزم
الكندريّ الوزير على المقام ببغداد ، فأرادت الخاتون أن تقبض عليه فتحوّل إلى الجانب الغربي ، فنهبت
داره ، وقطع الجسر الذي بين الجانبين ، وركبت الخاتون في جمهور الجيش وذهبت إلى هَمَذان لتنصر
زوجها ، وسار الكندريّ ومعه أنوشروان بن تومان وأمّه الخاتون المذكورة ، ومعهما بقية الجيش إلى بلاد
(١) الكامل في التاريخ (٦٣٨/٩)، تاريخ الإسلام (٧٣٤/٩)، سير أعلام النبلاء (١٨/ ٤٠)، الوافي بالوفيات
(١٤٣/٩)، طبقات السبكي (٢٧١/٤)، النجوم الزاهرة (٦٢/٥)، طبقات المفسرين للداوودي (١٠٧/١)،
شذرات الذهب ( ٢٨٢/٣) .
(٢) تحرف في (أ) إلى: عايز، وقد ضبطه في توضيح المشتبه (٦/ ٦٢): بموحدة مكسورة بعد الألف، ثم دال
مهملة .
(٣) تاريخ دمشق ٩/ ١٢ .

١٣٩
أحداث سنة ٤٥٠ هـ
الأهواز ، وبقيت بغداد ليس بها أحد من المقاتلة . فعزم الخليفة على الترحّل عن بغداد إلى غيرها - وليته
فعل - ثمّ أحب داره والمقام مع أهله . فمكث اغتراراً ودَعةً فيها فلمّا خلا البلد من المقاتلة قيل للناس :
من أراد الخروج فليذهب حيث شاء ، فانزعج الناس ، وبكى الرجال والنساء والأطفال ، وعبر كثير من
الناس إلى الجانب الغربي وبلغت المعبرة ديناراً ودينارين لعدم الجسر .
قال ابن الجوزي(١) : وطار في تلك الليلة على دار الخليفة نحو عشر بومات مجتمعات يصحن صياحاً
مزعجاً ، وقيل لرئيس الرؤساء : من المصلحة أن الخليفة يرتحل من بغداد لعدم المقاتلة بها فلم يقبل ،
وشرعوا في استخدام طائفة من العوام ، ودُفِعَ إليهم السلاح [ الكثير ] من دار المملكة ، فلما كان يوم
الأحد الثامن من ذي القعدة من هذه السنة دخل البساسيري بغداد ومعه الرايات البيض المصريّة وعلى رأسه
أعلام مكتوب عليها [ اسم ] الإمام المستنصر بالله أبو تميم معد أمير المؤمنين ، فتلقّاه أهل الكرخ
الرافضة ، فتضرّعوا إليه ، وسألوه أن يختار عندهم ، فدخل الكرخ وخرج إلى مشرعة الزوايا فخيّم بها .
والناس في ضرّ ومجاعةٍ شديدة ، ونزل قُريش بن بدران في نحو مئتي فارس على مشرعة باب البصرة .
وكان البساسيري قد جمع العيّارين وأطمعهم في نهب دار الخلافة . ونهب أهل الكرخ دور السنّة بباب
البصرة ، ونهبت دار قاضي القضاة الدّامغاني ، وهلك أكثر السجلات والكتب الحكمية وبيعت
العطارين ، ونهبت دور المتعلقين [ بخدمة ] الخليفة، وأعادت الروافض الأذان بحيّ على خير العمل ،
وأُذّن به في سائر جوامع بغداد في الجمُعات والجماعات ، وخُطب للمستنصر العبيدي الذي يقال له :
الفاطمي ، على منابر بغداد وغيرها . وضربت له السكّة على الذهب والفضة ، وحوصرت دار الخلافة ،
فجاحف الوزير أبو القاسم بن المَسْلمة الملقب برئيس الرؤساء بمن معه من المستخدمين دونها ، فلم يفد
ذاك شيئاً ، فركب الخليفة بالسواد والبردة على كتفيه ، وعلى رأسه اللواء ، وبيده السيف مصلتاً ، وحوله
زمرة من الهاشميين (٢)، والجواري حاسرات وجوههن ، ناشرات شعورهن ، معهن المصاحف على
رؤوس الرِّماح ، وبين يديه الخدم بالسيوف المسلَّلة .
ثمّ إن الخليفة أخذ ذماماً من أمير العرب قُريش بن بدران لنفسه وأهله ووزيره ابن المَسْلَمة فَآمنه على
ذلك كلّه ، وأنزله في خيمته ، فلامه البساسيري على ذلك وقال : قد علمت ما كان وقع الاتفاق بيني
وبينك من أنّك لا تستبد برأي دوني ولا أنا دونك ، ومهما ملكنا فبيني وبينك . واستحضر البساسيري
أبا القاسم بن المسلمة فوبّخه [ توبيخاً مفضحاً ] ولامه لوماً شديداً ، ثمَّ ضربه ضرباً مبرّحاً ، واعتقله مُهاناً
عنده ، ونهبت العامة دار الخلافة ، فلا يحصى ما أخذوا منها من الجواهر والنفائس والديباج [ والذهب
(١) المنتظم (١٩١/٨) .
(٢) في ( ط ) : العباسيين.

١٤٠
أحداث سنة ٤٥٠ هـ
والفضة ] والثياب والأثاث [ والدواب ] وغير ذلك مما لا يحدّ ولا يوصف . ثمّ اتفق رأي البساسيري
وقريش بن بدران على تسيير الخليفة من بغداد وتسليمه إلى أمير حديثة عانه (١) ، وهو مُهارش بن مجلّي
البدوي ، وهو من بني عم قريش بن بدران . وكان رجلاً صالحاً [ فيه دين ومروءة ] ، فلمّا بلغ ذلك
الخليفة دخل على قريش أن لا يخرج من بغداد ، فلم يفد ذلك شيئاً ، وسيّروه مع أصحابهما في هودج إلى
حديثة عانة ، فكان عند مهارش أميرها حولاً كاملاً وليس معه أحد من أهله . فحكي عن الخليفة القائم بأمر
الله أنّه قال : لما كنت بحديثة عانة قمت ليلة إلى الصلاة فوجدت في قلبي حلاوة المناجاة ، ثمّ دعوت
الله تعالى ، بما سنح لي ، ثمّ قلت : اللهمّ أعدني إلى وطني ، واجمع بيني وبين أهلي وولدي ، ويسّر
اجتماعنا ، وأعدْ رَوض الأنس زاهراً ، وربع القرب عامراً ، فقد قلّ العزاء ، وبرح الخفاء . قال :
فسمعت قائلاً على شاطىء الفرات يقول : نعم ، نعم . فقلت : هذا رجل يخاطب آخر ، ثمّ أخذت في
السؤال والابتهال ، فسمعت ذلك الصائح يقول : إلى الحول ، إلى الحول . فعلمت أنَّه هاتف أنطقه الله
بما جرى الأمر عليه ، وكان كذلك . خرج من دار الخلافة في ذي القعدة من هذه السنة ورجع إليها في ذي
القعدة من السنة المقبلة . وقد قال الخليفة في مقامه بالحديثة شعراً يذكر فيه حاله ، فمنه قوله :
خَابتْ (٢) ظنُوني فيمنْ كنتُ آملُهُ ولم يجلُ(٣) ذِكرُ من واليتُ في خَلَدِي
فما أرى أحداً يحنو على أحد
تَعلّموا من صروفِ الدهرِ كلّھمُ
ومن ذلك أيضاً قوله :
ما لي مِنَ الأيام إلا موعدٌ فمتى أرى ظَفَراً بذاكَ الموعدِ
علّلت نفسي بالحديثِ إلى غدٍ
يومي يمرُّ وكلَّما قضَّيته
أحياء) بنفسٍ تستريحُ إلى المُنى وعلى مطامِعِها تروحُ وتغتَدِي
وأمّا البساسيري ، وما اعتمده في بغداد ؛ فإنَّه ركب يوم الأضحى ، وألبس الخطباء والمؤذِّنين
البياض ، وعليه هو وأصحابه كذلك ، وعلى رأسه الألوية المستنصرية والمطارد المصريّة ، وخطب
للمستنصر الفاطمي صاحب مصر . والروافض في غاية السرور ، والأذان في سائر بلاد العراق بحيّ على
خير العمل ، وانتقم البساسيري من أعيان أهل بغداد انتقاماً عظيماً ، وغرّق خلقاً ممن كان يعاديه ، وبسط
على آخرين الأرزاق والعطايا [ ممن كان يحبّه ويواليه ] وأظهر العدل.
(١) مدينة في أعلى حديثة على الفرات ، عامرة إلى اليوم .
(٢) في ( ط) : ساءت.
(٣)
في المنتظم (١٩٦/٨) : يخب .
(٤) في ( ط ) : أقبح.