Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ وفيات سنة ٣٣٢هـ المعروف بابن عُقْدة ؛ لقّب أبوه بذلك من أجل تعقيده في التصريف والنحو ، وكان عقدةُ ورعاً ناسكاً ، وكان أبو العباس بن عقدة من الحفاظ الكبار . سمع الحديث الكثير ، ورحل فسمع من خلائق من المشايخ . وسمع منه الطبراني ، والدَّارَقُطْني ، وابنُ الجِعابي ، وابن عَدِي ، وابن المظفَّر ، وابن شاهين . قال الدَّارَ قُطْني : أجمعَ أهلُ الكوفة أنه لم يُرَ من زمنِ ابنِ مسعود إلى زمان ابنِ عُقْدة أحفظُ منه . ويقال إنه كان يحفظُ نحواً من ستمئة ألف حديث ؛ منها ثلاثمئة ألف في فضائل أهل البيت ، بما فيها من الصِّحاح والضِّعاف ، وكانت كُتُبُه ستمئة حِمْل جمل ، وكان يُنسبُ مع هذا كلِّه إلى التشيع . فقال الدَّارَ قُطني : كان رجلَ سوء ، ونسبه ابنُ عدي إلى أنه كان يسوِّي النسخ لأشياخٍ ويأمرهم بروايتها . وقال الخطيب: حدَّثني عليٌّ بنُ محمد بن نَصْر ، قال : سمعت حمزة بن يوسف [يقول ] : سمعت أبا عمر بن حيويه يقول : كان ابنُ عُقْدَةَ يجلس في جامع برائى (١) يملي مثالب الصَّحابة - أو قال : الشيخين - فتركتُ حديثه ، لا أحدث عنه بشيء(٢) . قلتُ : وقد حَرَّرْتُ الكلامَ فيه بما فيه كفاية في كتابي ((التكميل))، ولله الحمد والمنة . وكانت وفاته في ذي القَعْدة منها . أحمد بن عامر(٣) بن بِشْر بن حامد المَرَوْرُوذِيّ(٤) : نسبةً إلى مَرْو الرُّوذ ، والرُّوذ : النهر . الفقيه الشافعي تلميذ الشيخ أبي إسحاق المروزي - نسبةً إلى مرو الشَّاهِجان ؛ وهي أعظم من تلك - شرح مختصر المُزني، وله كتاب (( الجامع في المذهب))، وصنَّفَ في أُصول الفِقْه، وكان إماماً لا يُشقُّ غبارُه . (٣٩٥/٧ -٣٩٦) مرآة الجنان (٣١١/٢) لسان الميزان (٢٦٣/١ -٢٦٦) النجوم الزاهرة (٢٨١/٣) طبقات الحفاظ = (٣٤٨ -٣٤٩) شذرات الذهب (٣٣٢/٢). (١) انظر أحداث سنة (٣١٣هـ). (٢) تاریخ بغداد (٢٢/٥) . في أغلب المصادر : أحمد بن بشر بن عامر ، وهو الصواب ، فقد نص على ذلك تلميذه أبو حيان في البصائر (٣) والذخائر (مج ٢١٧/٣) وقال السبكي في طبقاته : وعكس الشيخ أبو إسحق ، فقال : ابن عامر بن بشر. (٤) الفهرست (٣٠١) طبقات العبادي (٧٦) طبقات الفقهاء للشيرازي (١١٤) معجم البلدان (١١٢/٥) وفيات الأعيان (٦٩/١ - ٧٠) سير أعلام النبلاء (١٦٦/١٦ - ١٦٧) العبر (٣٢٦/٢) الوافي بالوفيات (٢٦٥/٦) ومرآة الجنان (٣٧٥/٢) طبقات الشافعية للسبكي (١٢/٣ - ١٣) طبقات ابن هداية الله (٨٦ - ٨٧) شذرات الذهب (٤٠/٣) وقد ذكره أبو حيان في كتابه البصائر والذخائر (مج١٧٤/١، ٣٠٤ _ ٣٠٥، ٥٥١، ومج٢/ ٤٧٤ - ٤٧٥، مج ٢١٧/٣، ٦٦٦) . ١٦٢ أحداث سنة ٣٣٣هـ توفي في هذه السنة (١) رحمه الله، والله تعالى أعلم بالصَّواب ، وإليه المرجع والمآب. ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمئة فيها رجع الخليفة المتقي إلى بغداد ، وخُلع من الخِلافة وسُمِلَت عيناه . كان المتقي - وهو مقيم بالمَوْصل - قد أرسل إلى الإخشيذ محمد بن طُغْج ؛ صاحب الديار المصرية والبلاد الشامية [ أن يأتيه }٢) ، فأقبل إليه وقدم عليه في المنتصف من المحرّم من هذه السنة ، وخضع للخليفة غايةَ الخضوع ، وكان يقوم بين يديه كما يقوم الغِلْمان ، ويمشي والخليفةُ راكب ، ثم عَرَضَ عليه أن يصيرَ معه إلى الدِّيار المصرية أو يقيم ببلاد الشام ، فأبى عليه ذلك ، فأشار عليه بالمقام بمكانه الذي هو فيه ، ولا يذهب إلى توزون ببغداد ، وحذَّره من توزون ومكره وخديعته ، فلم يقبل ، وكذلك أشار على وزيره(٣) أبي الحسين بن مُقْلة فلم يسمع . فأهدى إلى الخليفة هدايا كثيرة فاخرة ، وكذلك إلى الأمراء والكبراء والوزير ، ثم كرّ راجعاً إلى بلاده ، وقد اجتاز بحلب ، فانحاز عنها صاحبها أبو عبد الله بن سعيد بن حمدان . وكان ابن مقاتل بها ، فأرسله إلى الديار المصرية نائباً عنه حتى يعود إليها . وأما الخليفة فإنه ركب من الرَّقة في دِجْلة إلى بغداد ، وأرسل إلى توزون ، فاستوثق منه ما كان حلف من الأيمان ، فأكَّدها وقرَّرها ، فلما اقترب منها خرج إليه توزون ومعه العساكر ، فلما رأى الخليفة قبَّل الأرض بين يديه ، وأظهر له أنه قد وَفَى له بما كان حلف عليه ، وأنزله في مضربه ، ثم جاء ، فاحتاط على من معه من الكبراء ، وأمر بسَمْلٍ عيني الخليفة ، فَسُملتْ عيناه ، فصاح صيحةٌ عظيمة سمعها الحُرَم ، فضجَّتِ الأصواتُ بالبكاء ، فأمر توزون بضرب الدَّبادب حتى لا تسمع أصوات الحُرَم ، ثم انحدر من فوره إلى بغداد ، فبايع المستكفي بالله ، فكانت خلافة المتقي الله ثلاث سنين وخمسة أشهر وعشرين يوماً ، وقيل : وأحد عشر شهراً . وستأتي ترجمته عندذ كر وفاته(٤) . (١) هكذا قال، متابعاً شيخه الذهبي في تاريخ الإسلام، فقد ذكره في وفيات هذه السنة وسماه: (( أحمد بن عامر بن بشر)) أيضاً (٦٥٤/٧)، وهو وهم في اسمه وفي سنة وفاته، فاسمه الصحيح هو ((أحمد بن بشر بن عامر))، ووفاته في سنة ٣٦٢، وقد ذكره الذهبي على الصواب في وفيات السنة المذكورة من تاريخه (١٩٩/٨)، وكتبه في (((السير)) على الصواب أيضاً ، وإنما يحدث مثل هذا بسبب اختلاف الموارد. (٢) ما بين حاصرتين من ( ط). (٣) في (ط ): وكذلك أشار عليه وزيره، وهو تحريف ، وأبو الحسين بن مقلة ، وهو ابن أبي علي بن مقلة الوزير المشهور . (٤) انظر حوادث سنة (٣٥٧هـ) . ١٦٣ خلافة المستكفي بالله أبي القاسم - موت القائم الفاطمي وولاية ولده المنصور خلافةُ المستكفي بالله أبي القاسم عبد الله بن المكتفي بن المعتضد لما رجع توزون إلى بغداد وقد خلع المتقي لله وسمله ، استدعى بعبد الله بن المكتفي ، فبايعه على الخلافة ، ولقب بالمسكتفي بالله ، وذلك في العَشْر الأواخر من صفر من هذه السنة ، وجلس توزون بين يديه ، وخلع عليه المستكفي خِلْعة سنية ، وكان المستكفي مليحَ الشكل ، رَبْعَةً، حسنَ الجِسْم والوجه ، أبيضَ اللون مشرباً ، أكحل ، أقنى الأنف ، خفيفَ العارضين ، وعمره يوم بويع بالخلافة إحدى وأربعون سنة . وأُحضر المتقي بين يديه ، وبايعه ، وأخذ منه البُزْدة والقضيب ، واستوزر أبا الفرج محمد بن علي السَّامري ، ولم يكن إليه من الأمر شيء ، وإنما الذي يتولى الأمور ابن شيرزاد ، وحُبس المتقي بالسجن . وطلب المستكفي أبا القاسم الفَضْل بن المقتدر ، وهو الذي ولي الخلافة بعد ذلك ، ولقّب المطيع لق(١)؛ فاختفى منه ولم يظهر مدة خلافة المستكفي ، فأمر المستكفي بهدم داره التي عند دِجْلة. موت القائم الفاطمي وولاية ولده المنصور وفي رمضان من هذه السنة - والصحيح في شوال من التي بعدها٢) - توفي القائم بأمر الله أبو القاسم بن المهدي ، وقد عهد بالأمر من بعده لولده المنصور إسماعيل ، فكتم موت أبيه مُدَّة حتى أتقن(٣) أمره ثم أظهره . وقد كان أبو يزيد الخارجي قد حاربهم في هذه السنة ، وأخذ منهم مُدُناً كباراً ، وكسروه مراراً متعددة ، ثم يثور عليهم ، ويجمع الرِّجال ويقاتلهم بمن قدر عليه ، فانتدب المنصور لقتال أبي يزيد بنفسه ، وركب في الجيوش ، وجرت بينهما حروبٌ يطول ذكرُها ، وقد بسطها ابن الأثير في (( كامله )(٤) . وقد انهزم في بعض الأحيان جيش المنصور عنه ولم يبق إلا في عشرين نفساً ، فقاتل بنفسه قتالًاً عظيماً ، فهزم أبا يزيد بعدما كاد يقتله ، وثبت المنصور ثباتاً عظيماً ، فعظُم في أعين الناس ، وزادت حرمته وهيبتُه ، واستنقذ بلاد القيروان منه ، وما زال يحاربه المنصور حتى ظفر به وقتله ، ولما جيء برأسه سَجدَ شكراً لله عزَّ وجلَّ . وكان أبو يزيد هذا قبيحَ الشكل ، أعرجَ ، قصيراً ، خارجياً شديداً ، يرى تكفير أهل المِلَّة ، قبحه الله في الدنيا والآخرة . (١) سيأتي ذلك في حوادث سنة (٣٣٤هـ) . (٢) انظر حوادث سنة (٣٣٤هـ). (٣) في (ب) و ( ظا) : استقر، وفي ( ط ) : اتفق . (٤) انظر الكامل (٤٢٢/٨ - ٤٤١). ١٦٤ أحداث سنة ٣٣٤ هـ وفي ذي الحجَّة من هذه السنة قُتِلَ أبو الحسين البريدي، وصُلِبَ، ثم أحرق ؛ وذلك لأنه قَدِمَ بغداد ، يستنجد بتوزون وأبي جعفر بن شيرزاد على ابن أخيه ، فوعده النَّصْر ، ثم شرع يفسد ما بين توزون وابن شيرزاد ، فعلم بذلك ابنُ شيرزاد ، فأمر بسجنه وضربه ، وأحضر له بعض الفقهاء فُتيا عليها خطوط الفقهاء بإباحة دمه ، فاستظهر عليه بذلك ، وأمر بقتله وصلبه ، ثم أحرقه ، وانقضت أيام البريديِّين ، وزالت دولتهم ، لا جمع الله بهم شملاً . وفي هذه السنة أخرج المستكفي بالله القاهر من دار الخلافة - الذي كان خليفة ثم سملت عيناه - وأنزله بدار ابن طاهر، وقد افتقر، ولم يبق له من اللِّباس سوى بطن جُبَّهُ(١) يلتفُّ بها، وفي رِجْله قبقابٌ من خشب . وفي هذه السنة ركب معزُّ الدولة في رجب منها إلى واسط ليحاصرها فبلغ خبره إلى توزون ، فركب هو والمستكفي بالله ، فلما سمع بهم معز الدولة رجع عنها إلى بلاده ، وتسلمها الخليفة ، وضمنها أبو القاسم بن أبي عبد الله ، فضمَّنه توزون ، ثم رجع هو والخليفة إلى بغداد في شوال من هذه السنة . وفي هذه السنة ركب سيفُ الدولة عليُّ بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان إلى حلب ، فتسلمها من يأنس المؤنسي ، ثم سار إلى حمص ليأخذها ، فجاءته جيوش الإخشيذ محمد بن طُغْج مع مولاه كافور ، ( فاقتتلوا(٢) ، فانهزم كافور الإخشيذي ، واستولى سيف الدولة على حمص ، ثم ركب إلى دمشق فحاصرها فلم يفتحها أهلها له ، فرجع عنها ، وقصده الإخشيذ بجيوش كثيفة، فالتقيا (٢) بقنَّسرين ، فلم يظفر أحد منهما بالآخر ، ورجع سيف الدولة إلى الجزيرة ، ثم عاد إلى حلب ، فاستقر ملكُه بها ، فقصدته الروم في جحافل عظيمة ، فالتقى (٣) معهم ، فظفر بهم ، فقتل منهم خلقاً كثيراً . ثم دخلت سنة أربع وثلاثين وثلاثمئة في المحرم منها زاد الخليفة في لقبه إمام الحق ، وكتب ذلك على سكَّة المعاملة ، وقاله الخطباء على المنابر أيام الجُمَع . وفي المحرم من هذه السنة مات توزون التُّركي في داره ببغداد ، وكانت إمارته سنتين وأربعة أشهر وعشرة أيام . وكان ابن شيرزاد كاتبه ، وكان بهيت لتخليص المال ، فلما بلغه الخبر أراد أن يعقد البيعة (١) أي بطانة، وفي الكامل (٤٤٢/٨) بقطن جبة . (٢) ما بين القوسين ساقط من (ط ). (٣) في النسخ الخطية : فالتقيا ، والمثبت من ( ط ). ١٦٥ ذكر أول دولة بني بُوَيْه - ذكر القبض على الخليفة المُستكفي وخَلْعه الناصر الدولة بن حمدان ، فاضطربت الأجناد ، وعقدت الرياسة لنفسه ، ودخل بغداد في مستهل صفر ، وخرج إليه الأجناد كلُّهم ، وحلفوا له ، وحلف له الخليفة والقضاة والأعيان ، ودخل على الخليفة فخاطبه بأمير الأمراء . وزاد في أرزاق الأجناد ، وبعث إلى ناصر الدولة يطالبه بالخَرَاج ، فبعث إليه بخمسمئة ألف دِرْهم، وبطعام ففرَّقه في الناس ، وأمَرَ ونهى، وولَّى وعزل ، وقطع ووصل ، وفرح بنفسه ثلاثة أشهر وعشرين يوماً . ثم جاءت الأخبار بأن معزَّ الدولة بن بُوَيه قد أقبل في الجيوش قاصداً بغداد ، فاختفى ابن شيرزاد والخليفة أيضاً ، وخرج أكثر الأتراك قاصدين إلى الموصل ليكونوا مع ناصر الدولة بن حمدان . ذکر أول دولة بني بُوَيْه وحکمهم ببغداد أقبل معز الدولة أبو الحسين أحمد بن بويه في جحافل [ عظيمة من الجيوش قاصداً بغداد }(١) ، فلما اقترب من بغداد بعث إليه الخليفة المستكفي بالله الهدايا والإنزالات ، وقال للرسول : أخبره أنّ مسرورٌ به ، وأني إنما اختفيت من شرِّ الأتراك الذين انصرفوا إلى الموصل. وبعث إليه بالخِلَع والتحف . ودخل معز الدولة بن بويه بغداد في حادي عشر جمادى الأولى من هذه السنة ، فنزل بباب الشمَّاسية ، ودخل من الغد إلى الخليفة فبايعه ، وخلع عليه المستكفي ولقبه بمعز الدولة ، ولقب أخاه أبا الحسن علياً بعماد الدولة ، وأخاه أبا علي الحسن بركن الدولة ، وكتب ألقابهم على الدراهم والدنانير . ونزل معز الدولة بدار مُؤْنس الخادم ، ونزل أصحابه من الدَّيلم بدور الناس ، فلقي الناس من ذلك كلفةً شديدة ، وأمَّن معز الدولة ابنَ شيرزاد ، فلما ظهر استكتبه على الخَرَاج ، ورتب للخليفة بسبب نفقاته خمسة آلاف [ درهم ](١) في كل يوم ، واستقرت الأمورُ على هذا النظام . ذكر القَبْض على الخليفة المُستكفي وخَلْعِهِ لما كان اليوم الثاني والعشرين من جمادى الآخرة حضر معز الدولة إلى الحضرة ، فجلس على سرير بين يدي الخليفة ، وجاء رجلان من الدَّيْلَم ، فمدا أيديهما إلى الخليفة ، فأنزلاه عن كرسيه ، وسحباه ، فتحزَّبت (٢) عِمَامتهُ في حَلْقه، ونهض معز الدولة ، واضطربت دار الخلافة حتى خلص إلى الحريم ، وتفاقم الحال ، وسيق الخليفة ماشياً إلى دار معز الدولة ، فاعتقل بها ، وأحضر أبو القاسم بن المقتدر فبويع بالخلافة ، وسُمِلَتْ عينا المستكفي ، وأودع السِّجْنَ ، فلم يزل به (١) ما بين حاصرتين من (ط). (٢) أي اشتدت عليه أو ضغطته . القاموس المحيط ( حزب). ١٦٦ خلافة المطيع الله مسجوناً حتى كانت وفاته في سنة ثمانٍ وثلاثين كما سيأتي بيانه ، وذكر ترجمته هناك(١). خلافة المطبع لله لما قدم معزُّ الدولة بغداد ، وقبض على المستكفي ، وسُمِلَتْ عيناه ، استدعي بأبي القاسم الفَضْل ابن المقتدر بالله ، وقد كان مختفياً من المستكفي وهو يحثُّ على طلبه ويجتهد ، فلم يقدر عليه ، ويقال : إنه اجتمع بمعز الدولة سراً ، فحرَّضه على المستكفي حتى كان من أمره ما كان ، فأحضر أبو القاسم بن المقتدر فبويع بالخلافة ، ولقب بالمطيع لله ، وبايعه الأمراء والأعيان ومعز الدولة والعامة ، وضعف أمر الخلافة جداً حتى لم يبق للخليفة أمرٌ ولا نهي ولا وزير أيضاً ، وإنما يكون له كاتب على إقطاعه فقط ، وإنما مورد أمور المملكة ومصدرها راجعٌ إلى معز الدولة ، وإنما كان ذلك لأن بني بويه ومن معهم من الدَّيْلم فيهم تشيّعُ(٢) شديد، وكانوا يَرَوْن أن بني العباس قد غصبوا الأمر من العلويين، حتى عزم معز الدولة على تحويل الخلافة عنهم إلى العلويين ، واستشار أصحابه في ذلك ، فكلُّهم أشار عليه بذلك ، إلا رجلاً من أصحابه ، كان سديد الرأي فيهم ، فإنه قال له : لا أرى لك هذا . قال : ولِمَ ذاك ؟ قال : لأنَّ هذا خليفة ترى أنت وأصحابك أنه غير صحيح الإمارة ، فمتى أمرت بقتله قتلَه أصحابك ، ولو ولّيت رجلاً من العلويين لكنت أنت وأصحابك تعتقدون صحة ولايته فلو أمر بقتلك لقتلك أصحابك . فلما فهم ذلك صرَفَه عن رأيه الأول، [وترك ما كان عزم عليه ]٣) للدُّنيا لا لله عزَّ وجلَّ. ثم نشِبت الحربُ بين ناصر الدولة بن حمدان وبين معز الدولة بن بُوَيْه ، فركب ناصر الدولة بعدما خرج معزُّ الدولة والخليفة المطيع إلى عُكْبرا ، فدخل بغداد ، فأخذ الجانب الشَّرْقي ، ثم الغربي ، وضَعُفَ أمر معز الدولة والديالمة الذين معه ، ثم مكر به معز الدولة وخدعه حتى استظهر عليه وانتصر أصحابه ، فنهبوا بغداد وما قدروا عليه من أموال التجار وغيرهم ، فكان قيمة ما أخذ أصحابُ معز الدولة من الناس عشرة آلاف ألف دينار ، ثم وقع الصُّلْح بين ناصر الدولة ومعز الدولة ، ورجع ابن حمدان إلى بلده المَوْصل ، واستقر معزُّ الدولة بمدينة السلام بغداد . ثم شرع في استعمال الشُّعاة ليبلِّغوا أخاه ركنَ الدولة أخبارَه ، فغوي العامة في ذلك ، وعلَّموا أبناءهم ذلك ، حتى كان من الناس من يقطع نيفاً وثلاثين فرسخاً في يوم . وأعجبه المصارعون والملاكمون ، وغير ذلك من أرباب هذه الصِّناعات التي لا يُنْتفع بها إلا قليلا٤ً) (١) انظر وفيات سنة (٣٣٨هـ). (٢) في ( ط ) : تعسف ، وهو تحريف. (٣) ما بين حاصرتين من ( ط ) . (٤) في ( ط ) : التي لا ينتفع بها إلا كل قليل العقل ، فاسد المروة ، وتعلموا السباحة ونحوها . ١٦٧ خلافة المطيع الله كالسِّباحة ونحوها ، وكان يضرب الطبول بين يديه ، ويصارع بين الرجال ، والكوسات (١) تدق حول سور (٢) المكان الذي هو فيه ، وهذه رعونة شديدة ، وسخافة عقل منه وممن يوافقه على ذلك ، ثم احتاج معز الدولة إلى صرف أموال في أرزاق الأجناد ، فأقطعهم البلاد عِوَضاً عن أرزاقهم ، فأدَّى ذلك إلى تخريبها ، وتَرْك عمارتها إلا الأراضي التي بأيدي أصحاب الجاهات . وفي هذه السنة وقع غلاءٌ شديد ببغداد حتى أكلوا الميتة والكلاب والسَّنانير ، وكان من النَّاس من يسرق الأولاد فيشويهم ويأكلهم ، وكثر الموت في الناس حتى كان لا يدفن أحدٌ أحداً ، بل يتركون على الطُّرُقات فتأكل كثيراً منهم الكلاب ، وأبيعت الدُّور والعقار بالخبز ، وانتجع الناس البصرة ، فكان منهم منْ يموت في الطريق ، ومن وصل منهم مات بعد مدَّة . وفيها كانت وفاة القائم بأمر الله أبي القاسم محمد بن عبيد الله المهدي(٣) ، وولي الأمر من بعده ولده المنصور إسماعيل ، وكان حازمَ الرأي شديداً شجاعاً كما ذكرنا ذلك في السنة الماضية (٤) ، وكانت وفاته في شوال من هذه السنة على الضَّحيح . وفيها توفي الإخشيذ محمد بن طُغْجٍ : صاحب الدِّيار المِصْرية والبلاد الشَّامية ، كانت وفاته بدمشق ، وله من العمر بضع وستون سنة، وأقيم ولده أنُوجُور(٥) - وكان صغيراً - وأقيم كافور الإخشيدي أتابك(٦)، وكان يدبّر الممالك بالبلاد كلِّها، واستحوذ على الأمور كلها ، وسار إلى مِصْر، فقصدَ سيف الدولة بنُ حمدان دمشق ، فأخذها من أصحاب الإخشيذ ، ففرح بها فرحاً شديداً ، واجتمع بمحمد بن محمد [ أبي (٧) نصر الفارابي التُّزكي الفيلسوف بها. وركب سيف الدولة يوماً مع الشّريف العقيقي(٨) في بعض نواحي دمشق ، فنظر سيف الدولة إلى الغوطة فأعجبته وقال : ينبغي أن تكون هذه كلها لديوان الشُّلْطان - كأنَّه يعرِّض بأخذها من مُلاَّكها - فأوعز ذلك العقيقي(٨) إلى أهل دمشق، فكتبوا إلى كافور هي صنوجات من نحاس شبه الترس الصغير ، يدق بأحدها على الآخر بإيقاع مخصوص. صبح الأعشى (٩/٤). (١) (٢) انظر المنتظم (٣٤١/٦). (٣) الحلة السيراء (٢٨٥/١ - ٢٩١) الكامل لابن الأثير (٢٨٤/٨) وما بعدها، البيان المغرب (٢٠٨/١) وما بعدها ، وفيات الأعيان (١٩/٥ - ٢٠) المختصر في أخبار البشر (٢/ ٨٠، ٩٥) سير أعلام النبلاء (١٥٢/١٥ - ١٥٦) العبر (٢/ ٢٤٠) الوافي بالوفيات (٤/٤) مرآة الجنان (٣١٧/٢) تاريخ ابن خلدون (٤٠/٤ - ٤٣) اتعاظ الحنفا (١٠٧ - ١٢٠) النجوم الزاهرة (٢٨٧/٣) شذرات الذهب (٣٣٧/٢ -٣٣٨). (٤) انظر حوادث سنة (٣٣٣هـ) . (٥) ذكر ابن خلكان في وفياته (٩٩/٤) أن معناه بالعربي محمود . يعني مربي أولاد الملوك ، وهي مركبة من كلمتين: أنا: الأب، وبك: الأمير. انظر وفيات الأعيان (١/ ٣٦٥). (٦) (٧) في النسخ الخطية و( ط ) ابن، وهو تحريف، وفيات سنة (٣٣٩ هـ). (٨) في (ط ) العقيلي ، وهو تحريف ، في وفيات سنة (٣٦٧هـ). ١٦٨ وفيات سنة ٣٣٤هـ الإخشيذي يستنجدونه ، فأقبل إليهم في جيوش كثيفة ، فأجلى عنهم سيفَ الدولة ، وطرده عن حلب أيضاً ، واستناب عليها ، ثم كرّ راجعاً، فاستناب على دمشق بدراً الإخشيذي - ويعرف بيُدَيْر - فلما صار كافور إلى الدِّيار المصرية رجع سيفُ الدولة إلى حلب ، فأخذها كما كانت أولًا له ، ولم يبقَ له في دمشق شيء . وكافور(١) هذا هو الذي هجاه المتنبي ومدحه أيضاً . وممن توفي فيها من الأعيان : الخِرَقي (٢) : صاحب المختصر المشهور في الفقه . عمر بن الحسين بن عبد الله ، أبو القاسم ، الخِرَقي ، صاحب المختصر في الفقه ، على مذهب الإمام أحمد . وقد شَرَحه القاضي أبو يعلى بن الفَرَّاء ، والشيخ موفق الدين بن قُدامة المَقْدِسِي(٣). وقد كان الخرقي هذا من سادات الفقهاء والعُبَّاد ، كثيرَ الفضائل والعبادة ، خرج من بغداد لما كثر السبّ بها [ للصحابة (٤) ، وأودع كتبه ببغداد ، فاحترقت الدار التي هي فيها ، وعَدِمت مصنفاته ، وقصد دمشق ، فأقام بها حتى مات في هذه السنة ، وقبره بباب الصغير يزار ، قريباً من قبور الشُّهداء ، وفي مصنفه هذا المختصر في كتاب الحج : ويأتي الحجرَ الأسودَ فيقبِّله إن كان هناك . وإنما قال ذلك لأن تصنيفه لهذا الكتاب كان حال [ كون غ°) الحجر الأسود بأيدي القرامطة حين أخذوه من مكانه في سنة سبع عشرة وثلاثمئة كما ذكرنا٦) ، ولم يردوه إلى سنة تسع وثلاثين وثلاثمئة كما سيأتي بيانه في موضعه(٧) . قال الخطيب : قال لي القاضي أبو يعلى : كانت له مصنفاتٌ كثيرة ، وتخريجات على المذهب لم تظهر ، لأنه خرج عن مدينة السلام لما ظهر سبُّ الصحابة وأودع كتبه ، فاحترقت الدار التي هي فيها ، واحترقت الكتب فيها ، ولم تكن قد انتشرت لبُعْده عن البلد (٨). . ثم روى الخطيب من طريقه (٩) عن أبي الفضل عبد السميع الهاشمي عن الفتح بن شخرف ، قال : (١) انظر ترجمته في وفيات سنة (٣٥٧هـ). (٢) تاريخ بغداد (٢٣٤/١١ -٢٣٥) طبقات الفقهاء للشيرازي (١٧٢) طبقات الحنابلة (٧٥/٢ -١١٨) الأنساب (٩٢/٥) تاريخ ابن غساكر (١٣٥٢/١٢) المنتظم (٣٤٦/٦) وفيات الأعيان (٤٤١/٣) سير أعلام النبلاء (٣٦٣/١٥ - ٣٦٤) العبر (٢٣٨/٢ -٢٣٩) شذرات الذهب (٣٣٦/٢ - ٣٣٧). (٣) هو كتاب ((المغني))، وهو مطبوع، مشهور، متداول. ما بين حاصرتين من ( ط ) . (٤) ما بين حاصرتين من ( ب ) و( ظا). (٥) انظر حوادث سنة (٣١٧هـ) . (٦) انظر حوادث سنة (٣٣٩هـ) . (٧) تاريخ بغداد (٢٣٤/١١) وانظر طبقات الحنابلة (٧٥/٢). (٨) أي من طريق الخرقي . (٩) ١٦٩ وفيات سنة ٣٣٤هـ رأيتُ أميرَ المؤمنين عليَّ بن أبي طالب في المنام ، فقال لي : ما أحسنَ تواضعَ الأغنياء للفقراء ، وأحسن من ذلك تيه الفقراء على الأغنياء . قال : ورفع لي كفَّه ، فإذا فيها مكتوب : وعن قليلٍ تصيرُ مَيْتا قد كنتَ مَيْتاً فَصِرْتَ حيّاً وَدَعْ بدارِ الفَناءِ بيتا١) فابنِ بدارِ البَقَاءِ بَيْتاً قال ابن بطَّة : مات الخِرَقي بدمشق سنة أربعٍ وثلاثين وثلاثمئة، وزرتُ قبره(٢) . محمد بن عيسى(٣) : أبو عبد الله بن أبي موسى ، الفقيه الحنفي ، أحد أئمة العراقيِّين في زمانه. وولي القضاء ببغداد للمتقي ثم للمستكفي ، وكان ثقةً فاضلاً ، كبست اللصوص داره يظنون أنه ذو مالٍ ، فضربه بعضُهم ضربةً أثخنته ، فهرب منهم إلى السطوح ، فألقى نفسه من شِدَّة الفزع إلى الأرض ، فمات رحمه الله ، وذلك في ربيع الأول من هذه السنة . محمد بن محمد بن عبد الله(٤) : أبو الفَضْل السلمي الوزير الفقيه المحدث الشاعر . سمع الكثير ، وجمع وصنف ، وكان يصوم الإثنين والخميس ، ولا يدع صلاة الليل والتصنيف ، وكان يسأل الله الشهادة كثيراً . فولي الوزارة للسُّلْطان ، فقصده الأجناد يطالبونه بأرزاقهم ، واجتمع منهم ببابه خَلْق كثير ، فاستدعى بحلاق ، فحلق رأسه ، وتنوَّر ، وتطيب ، ولبس كفنه ، وقام يصلِّي ، فدخلوا عليه فقتلوه - رحمه الله - وهو ساجد ، في ربيع الآخر من هذه السنة ، والله تعالى أعلم . الإخشِيذ محمد بن طُغْجُ(٥) بن جُفّ: أبو بكر ، الملقب بالإخشيذ ، ومعناه ملك الملوك ؛ لقبه بذلك الرَّاضي، لأنه كان ملك فَرْغانة (٦) ، وكل من ملكها كان يسمى الإخشيذ، كما أن من ملك أُشْرُوسَنَة يسمى الأفشين ، ومن ملك خُوارزم يسمى خُوارزم شاه ، ومن ملك جُرْجان يسمى صُول ، ومن ملك انظر تاريخ بغداد (٢٣٤/١١) . (١) (٢) المصدر السالف (٢٣٥/١١). (٣) المنتظم (٣٤٦/٦) . المنتظم (٣٤٦/٦ - ٣٤٧) . (٤) في النسخ الخطية و( ط)، والمنتظم (٣٤٧/٦): محمد بن عبد الله بن طغج، وهو وهم، وطغج يعني (٥) عبد الرحمن ، انظر وفيات الأعيان ، (٥٦/٥) وترجمة الإخشيذ في ولاة مصر (٢٩٩) تاريخ ابن عساكر (س) (٢٤٣/١٥ ب - ١٢٤٤) المنتظم (٣٤٧/٦) وفيات الأعيان (٥٦/٥ -٦٣) سير أعلام النبلاء (٣٦٥/١٥ -٣٦٦) العبر (٢٣٩/٢ - ٢٤٠) الوافي بالوفيات (١٧١/٣ -١٧٢) مرآة الجنان (٣١٤/٢ -٣١٦) النجوم الزاهرة (٢٣٥/٣ -٢٣٧) شذرات الذهب (٢٣٧/٢) . (٦) العبارة غير مستقيمة، والأصح منها عبارة ابن خلكان (٥٦/٥): أصله من أولاد ملوك فرغانة . وفي المنتظم (٣٤٧/٦) : لأنه فرغاني. ١٧٠ وفيات سنة ٣٣٤هـ أَذْربيجان يسمى أصبهيذ، ومن ملك طَبَرِسْتان يسمى رسلال(١). قاله ابن الجوزي في ((منتظمه (٢). قال السُّهَيْلي : وكانت العرب تسمي من ملك الشَّام مع الجزيرة كافراً قيصر ، ومن ملك الفُرس يسمى كسرى ، ومن ملك اليَمن يسمَّى تُبَع، ومن ملك الحبشة يسمَّى النَّجاشي، ومن ملك الهند يسمى بطليموس ، ومن ملك مصر كافراً فِرْعون، ومن ملك الإسكندرية المقوقس(٣). وذكر غير ذلك . وكانت وفاته بدمشق ، ونقل إلى بيت المقدس ، فدفن هناك ، رحمه الله . أبو بكر الشِّبْلي(٤): أحد مشايخ الصُّوفية ، اختلفوا في اسمه على أقوالٍ ، فقيل: دُلَف بن جَحْدر ، وقيل : ابن جعفر بن يونس(٥) . أصله من قريةٍ يقال لها شِبْلية من بلاد أُشْرُوسَنَة من خراسان ، وولد بسامرًا ، وكان أبوه حاجب الحُجَّاب للموقَّقَ(٦)، وكان خاله نائب إسكندرية، وكانت توبة الشِّبْلي على يدي خير النَّتَّاج(٧)، سمعه يعظ ، فوقع كلامه في قلبه ، فتاب من فوره [ وقد كان مالكي المذهب ، وكتب الحديث الكثير ، ثم أقبل على العبادة والمجاهدة ، وترك ذلك كله ، وغسل كتبه ، وقد ترك له أبوه شيئاً كثيراً من الذهب والضياع ، فأنفقها كلها على الصوفية والمحتاجين . قال الشبلي : رأيت باليمن دار الإمارة ، والناس عكوف على بابها ، فأشرف لهم الملك من طاقة ، وأومأ إليهم بيده للسلام ، فسجدوا له ؛ ثم رأيته بعد بالشام قد اشترى لحماً بدرهم ، وأمسكه بيده . فقلت : أنت ذلك الرجل ؟ فقال : نعم . ومن رأى ذلك ورأى هذا فلا يحقُن الدنيا ؟! ورأى الشبلي حجاماً يحجم بعض الصوفية ، فلما فرغ ناوله الشبلي أربعين ديناراً في صرة ، فردّها عليه ، وقال : إني إنما عملت ما عملت مع الله ، لا أنقض عهدي مع الله من أجل هذه الدنانير ، فصك الشبلي وجهه ، وقال : كل إنسان خير من الشبلي حتى الحجام . (١) في المنتظم (٦/ ٣٤٧) ((سالار)). (٢) انظر المصدر السالف . (٣). انظر الروض الأُنْف (١/ ١١٤). (٤) طبقات الصوفية (٣٣٧ - ٣٤٨) حلية الأولياء (٣٦٦/١٠٠ - ٣٧٥) تاريخ بغداد (٣٨٩/١٤ - ٣٩٧) الرسالة القشيرية (٢٥ -٢٦) الأنساب (٢٨٢/٧ - ٢٨٤) المنتظم (٣٤٧/٦ -٣٤٩) وفيات الأعيان (٢٧٣/٢ -٢٧٦) سير أعلام النبلاء (٣٦٧/١٥ -٣٦٩) العبر (٢٤٠/٢ -٢٤١) مرآة الجنان (٣١٧/٢ -٣١٩) الديباج المذهب: (١١٦ - ١١٧) طبقات الأولياء (٢٠٤ - ٢١٣) النجوم الزاهرة (٢٨٩/٣ - ٢٩٠) شذرات الذهب (٣٣٨/٢). (٥) انظر طبقات الصوفية (٣٣٧). (٦) في سير أعلام النبلاء (١٥ / ٣٦٧): كان أبوه من كبار حجاب الخلافة ، وولي هو حجابة أبي أحمد الموفق . قلت : ترجمة الموفق سلفت في وفيات سنة (٢٧٨ هـ). (٧) انظر وفيات سنة (٣٢٢هـ) . ١٧١ وفيات سنة ٣٣٤هـ ورأى الشبلي رجلاً راكباً ، فقال الناس : هذا مسخرة الأمير . فتقدم الشبلي إليه فقبل فخذه ، فترجل الرجل من دابته وقال : يا سيدي ، لعلك لم تعرفني ! فقال : بلى ، أنت الذي يأكل الدنيا بما يساويها ، وأنت خير ممن يأكل الدنيا بالدين ١٤) . ثم صحب الفقراء والمشايخ ، ثم كان بعد ذلك من أئمة القوم . قال الجُنَيْد : الشّبلي تاج هؤلاء . وقال الخطيب : أخبرنا عليُّ بن محمود الزَّوْزني قال : سمعت عليّ بن المثنى التَّميمي يقول: دخلت على الشِّبْلي في داره وهو يهيج ويقول : ـرُ مِنْ عادتُهُ القُرْبُ على بُعْدِكَ لا يَصْبِ ـك منْ تَيَّمَهُ الحُبُّ ولا يقوى على حَجْبـ فقد يُبْصِرُكَ القَلْبُ فإنْ لم تَرَكَ العينُ وقد ذكر له أحوال وكرامات ، [ فذكر الحافظ ابن عساكر قال : قلت لراهب : لمن احتبست نفسك ؟ قال : للمسيح . فقلت : لِمَ أفردته بالعبادة دون الله ؟ فقال : لأنه مكث أربعين يوماً لا يأكل ولا يشرب . فقلت : عدَّها علي . فمكثت تحت صومعته أربعين يوماً لا آكل ولا أشرب ، فنزل إليَّ فقال : ما دينك ؟ فقلت : محمدي . فأسلم ، فجئت به إلى دمشق ، فجمعوا له مالاً ، وتركته مع الصوفية . قال : وأُخذنا مرة ، فجعل القطاع يعرضون على أميرهم تلك الأموال ، ويأكلون بما فيها من السكر واللوز وهو لا يأكل ، فقلت : لم لا تأكل مع أصحابك ؟ فقال : إني صائم . فقلت : تقتل الرجال ، وتأخذ الأموال وأنت صائم! فقال : يا شيخ ، اجعل للصلح موضعاً . فلما كان بعد مدة رأيته متعلقاً بأستار الكعبة ، وهو كالشن(٢) البالي من العبادة ، فقلت : أنت ذاك الرجل ؟! فقال : ذاك الصوم هو الذي بلغ بي إلى هنا }٣) . وقد ذكرنا٤) أنه ممن اشتبه عليه أمر الحلاج ، نُسب إليه من الأقوال من غير تأمل لما تحتها ، مما كان الحلاج يحاوله من الإلحاد والاتحاد . ولما حضرته الوفاة قال لخادمه : قد كان عليَّ دِرْهم من مظلمةٍ ، فتصدقت عن صاحبه بألوف ، ومع هذا ما على قلبي شغل أعظم منه ، ثم أمر بأن يوضئه فوضأه ، وترك تخليل لحيته ، [ فرفع (١) ما بين حاصرتين ليس في (ح) و(ط )، والمثبت من (ب) و(ظا). (٢) الشن: القِرْبة الخَلَق الصغيرة، جمعها : شنان. القاموس المحيط ( شنن ). (٣) ما بين حاصرتين من (ح) و(ط )، والمثبت من (ب) و( ظا). (٤) انظر حوادث سنة (٣٠٩ هـ). ١٧٢ أحداث سنة ٣٣٥هـ يده - وكان قد اعتقل لسانه - (١) فجعل يخلل لحية نفسه ، ثم مات ، رحمه الله. وذكره القاضي ابن خلكان في ((الوفيات))، وحكى عنه أنه دخل يوماً على الجنيد ، فوقف بين يديه ، وصفَّق بيديه وأنشد : وَرَموني بالصَّدِّ والصَّدُّ صَعْبُ عَوَّدوني الوصالَ والوصلُ عَذْبُ فَرْطُ حِبِّي لهم وما ذاكَ ذنبُ زَعَمُوا حينَ أزمعوا أنَّ ذنبي ما جزا منْ يُحِبُّ إلا يُحَبُّ(٢) لا وحَقّ الخضوعِ عندَ التَّلاقي وذَكَرَ عنه أنه قال : رأيتُ مجنوناً على باب جامع الرّصافة يوم جمعة عُريانَ وهو يقول : أنا مجنون الله أنا مجنون الله ، فقلت : ألا تستتر وتدخل ، فتصلي مع الناس ؟ فأنشأ يقول : يقولونَ زُرْنا واقْضِ واجِبَ حَقّنا وقدْ أسْقَطتْ حالي حُقُوقَهُمُ عَنِّي إذا أبصَرُوا حالي ولم يأنفُوا لها ولم يأنفُوا منها أنِفْتُ لهم مِنِّي (٣) وذكر الخطيب في (( تاريخه )) عنه أنه أنشد لنفسه : مَضَتِ الشَّبيبةُ والحبيبةُ فانبرى دَمْعانٍ في الأجفانِ يَزْدحمانِ ما أنصفتني الحادثاتُ رَمَيْنني بمُوَذَّعينٍ وليسَ لي قَلْباِ(٤) وكانت وفاته رحمه الله ليلة الجمعة لليلتين بقيتا من هذه السنة ، وله سبع وثمانون سنة ، ودفن في مقبرة الخيزران ، رحمه الله . ثم دخلت سنة خمس وثلاثين وثلاثمئة في هذه السَّنة استقرّ أمر الخليفة المطيع الله في دار الخلافة ، واصطلح معز الدولة بن بُوَيْه وناصر الدولة بن حمدان على ذلك ، ثم حاربَ ناصرُ الدولة تكِين التُّزكي ، فاقتتلا مَرَّاتٍ متعدِّدة ، ثم ظَفِرَ ناصر الدولة بتكين ، فسمله بين يديه ، واستقر أمره بالمَوصل والجزيرة . وفيها استحوذ ركن الدولة بن بويه على الرّي ، وانتزعها من الخُرَاسانية ، فاتسعت مملكة بني بويه (١) ما بين حاصرتين من (ظا) و(ط). (٢) انظر وفيات الأعيان (٢/ ٢٧٣) . المصدر السالف (٢٧٦/٢) وقد ترجم المصنف لهذا المجنون في وفيات سنة (٥٣١هـ) ، وساق له هذين البيتين . (٣) تاريخ بغداد (٣١٥/٦ -٣١٦). (٤) ١٧٣ وفيات سنة ٣٣٥هـ جداً ، فإنه صار بأيديهم أعمال الرّي والجبل وأصْبَهان وفارس والأهواز والعراق ، ويُحمل إليهم ضمان المَوْصل وديار مُضَر وربيعة من الجزيرة . ثم اقتتل جيش مُعزِّ الدولة وجيش أبي القاسم بن البريدي ، فهزم أصحابَ البريدي ، وأسر من أعيانهم جماعةٌ كثيرة . وفيها وقع الفداء بين الرُّوم والمسلمين على يد نَصْر الثَّملي أمير الثغور لسيفِ الدولة بن حَمْدان ، فكان عِدَّة الأسارى نحواً من ألفين وخمسمئة مسلم ، ولله الحمد والمنَّة . وممن توفي فيها من الأعيان : الحسن بن حَمُّويه بن الحسين (١) : القاضي الإسْتِرَاباذي. روى الكثير وحدَّث، وكان له مجلسٌ للإملاء ، وحكم ببلده مُدَّةٌ طويلة ، وكان من المتهجدين بالأسحار ، ويُضرب به المثل في مروءته ووجاهته ، وقد مات فجأة على صَدْر جاريته عند إنزاله ، رحمه الله . عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الله(٢): أبو عبد الله الخُثُلِي ، سمع ابنَ أبي الدُّنيا وغيره . وحدث عنه : الدَّارَقُطْني وخَلْقٌ . وكان ثقة تَبْتاً حافظاً ، حدَّث من حفظه بخمسين ألف حديث(٣). عبد السّلام بن رَغْبان بن عبد السلامُ(٤) بن حبيب بن عبد الله بن رَغبان بن زيد بن تميم ، أبو محمد الكَلْبِي ، الملقَّب ديك الجن ، الماجن الشيعي . ويقال : إنه من موالي بني تميم ، وكانت له أشعار قوية ؛ خمارية وغير خمارية ، وقد استجاد أبو نواسٍ شِعْرَه في الخماريات(٥) . علي بن عيسى بن داود بن الجَرَّاح(٦) : أبو الحسن ، الوزير للمقتدر والقاهر . (١) المنتظم (٣٥٠/٦). تاريخ بغداد (٢٩٠/١٠ - ٢٩١) الإكمال (٢٢٠/٣) الأنساب: (٤٥/٥) المنتظم (٣٥١/٦) سير أعلام النبلاء (٢) (٤٣٦/١٥ - ٤٣٧) تذكرة الحفاظ (٣/ ٨٧٠ -٨٧١) طبقات الحفاظ (٣٥٦). (٣) انظر تاريخ بغداد (١٠ - ٢٩٠ - ٢٩١). الأغاني (١٤ - ٥١ - ٦٧) وفيات الأعيان (١٨٤/٣ - ١٨٨). سير أعلام النبلاء (١١/ ١٦٣ - ١٦٤). (٤) وهم ابن كثير في إيراد ترجمة ديك الجن في وفيات هذه السنة ، والصواب أنه توفي سنة (٢٣٥ هـ) أو سنة (٢٣٦هـ) (٥) انظر وفيات الأعيان (١٨٥/٣). (٦) إعتاب الكتاب (١٨٦ - ١٨٩) الفهرست (١٨٦) تحفة الأمراء (٢٨١ - ٣٦٤) تاريخ بغداد (١٢ /١٤ - ١٦) تاريخ ابن= ١٧٤ وفيات سنة ٣٣٥هـ ولد سنة خمسٍ وأربعين ومئتين ، وسمع الكثير ، وعنه : الطَّبراني وغيره ، وكان ثقة تَبْتاً فاضلاً عفيفاً، كثير التِّلاوة والصلاة والصيام ، يحب أهل العلم ويكثر مجالستهم ، وكان أصله من الفُرْس ، وكان من أكابر القائمين على الحلاَّج . وقد روي عنه أنه قال : ملكت سبعمئة ألف دينار أنفقت منها على وجوه الخير ستمئة ألف وثمانين ألفاً . ولما دخل مكة حين نُفِيَ من بغداد طاف بالبيت وبالصَّفَا والمَرْوة ، وكان حرٌّ شديد ، فجاء المنزل ، فألقى نفسه كالميت وقال : أشتهي على الله شربة ثلج . فقال له بعض أصحابه : إن هذا مما لا يتهيأ هاهنا . فقال : أعرف ، ولكني استروحت إلى المُنى ، فلما كان في أثناء النهار جاءت سحابةٌ فأمطرت ، ثم سقط بَرَدٌ شديد كثير ، فجمع له صاحبه ذاك من البَرَد شيئاً كثيراً ، وخبأه له ، وكان الوزير صائماً ، فلما أمسى جاء المسجد ، فأقبل إليه صاحبه بأنواع من الأشربة كلها بثلج ، فجعل يسقيه منْ حوله من الصُّوفية والمجاورين ، ولم يشرب هو شيئاً من ذلك . فلما رجع إلى منزله جئته بشيءٍ من ذلك الشراب كنّا قد خبأناه له ، وأقسمت عليه ليشربَنَّه ، فشربه بعد جهدٍ ، وقال: كنت أشتهي لو كنت تمنيت المغفرة (١) . رحمه الله وغفر له . ومن شعر الوزير أبي الحسن علي بن عيسى قوله : فَمَنْ كان عنِّي سائِلاً بِشَمَاتةٍ لما نَابني أو شَامِتاً غيرَ سائلٍ فقدْ أبْرَزَتْ مِنِّي الخُطُوبُ ابنَ حُرَّةٍ صَبُوراً على أهوال تلكَ الزَّلازِ (٢) وقد روى أبو القاسم علي بن المُحَسِّن التَّوخي(٣) عن أبيه عن جماعةٍ أنَّ عطاراً من أهل الكَرْخ كان مشهوراً بالسُّنَّة ، ركبه ستمئة دينار ديناً ، فغلق دّانه ، وانكسر عن كسبه ، ولزم منزله ، وأقبل على الدُّعاء والتضرع والصلاة ليالي كثيرة، فلما كان في بعض تلك الليالي رأى رسول الله وَّر في المنام وهو يقول له : اقصد عليَّ بن عيسى الوزير، فقد أمرته لك بأربعمئة دينار . فلما أصبح الرجل قَصَدَ باب الوزير ، فلم يَعْرِفْه أحدٌ ، فجلس لعل أحداً يستأذن له عليه حتى طال عليه المجلس وهمَّ بالانصراف ، ثم إنه قال لبعض الحَجِبة: قل للوزير إني رجلٌ رأيتُ رسول الله وََّ في المنام، وأنا أريد أنْ أَقُّصَّه على الوزير. فقال له الحاجب : وأنت الرائي ؟! إن الوزير قد أنفذ في طلبك رُسُلاً متعددة . ثم دخل ، فما كان بأسرع عساكر (س) (١٢ / ١٢٤٤ - ١٢٤٦) المنتظم (٦/ ٣٥١ _ ٣٥٥) معجم الأدباء (١٤ / ٦٨ - ٧٣) الكامل لابن الأثير = (١٧٤/٨، ١٨٣ و١٨٥ و٤٠٥ و٤٦٥) وما بعدها، الفخري (٢٣٦) العبر (٢٣٨/٢) سير أعلام النبلاء (٢٩٨/١٥ - ٣٠١) مرآة الجنان (٣١٦/٢ -٣١٧) النجوم الزاهرة (٢٨٨/٣ -٢٨٩) شذرات الذهب (٣٣٦/٢). تاريخ بغداد (١٢ / ١٤ _ ١٥). (١) (٢) انظر معجم الأدباء (١٤/ ٣٠٠). (٣) سترد ترجمته في وفيات سنة (٤٤٧ هـ) من هذا الكتاب . ١٧٥ وفيات سنة ٣٣٥هـ من أن أدخلني عليه ، فأقبل عليه الوزير يستعلمه عن اسمه وصنعته ومنزله . فذكر ذلك له ، فقال له الوزير : إني رأيت رسولَ الله وهو يأمرني بإعطائك أربعمئة دينار ، فأصبحتُ لا أدري لمن أسأل عنك وقد أرسلت في طلبك إلى الآن عِدَّة من الرُّسُل ، فجزاك الله خيراً في قصدك إياي . ثم أمر بإحضار ألف دينار فقال له : هذه أربعمئة لأمر رسول الله ، وستمئة هِبَةٌ من عندي . فقال الرجل : لا والله لا أزيد على ما أمرني به رسول الله وَ له، فإني أرجو الخير والبركة فيه. ثم أخذ منها أربعمئة دينار. فقال الوزير: هذا هو الصدق واليقين . فخرج الرجل ، فعرض على أرباب الديون أموالهم فقالوا : نحن نصبر عليك ثلاث سنين ، وافتح بهذا الذهب دكانك ودُمْ على كسبك . فأبى إلا أن يعطيهم من أموالهم الثلث ، فدفع إليهم مئتي دينار ، وفتح الدكان بالمئتين الأخرى ، فما حال الحول حتى كسب ألف دينار(١) . ولعلي بن عيسى الوزير أخبار كثيرة صالحة . وكانت وفاته في هذه السنة عن تسعين سنة . ويقال : في التي قبلها ، والله أعلم . محمد بن إسماعيل (٢) بن إسحاق بن بحر: أبو عبد الله الفارسي ، الفقيه الشَّافعي. كان ثقة ثَبْتاً فاضلاً، سمع أبا زُرعة الدِّمَشْقي وغيره، وعنه: الدَّارَقُطْني وغيره، وآخر منْ حدث عنه أبو عمر بن مهدي ، وكانت وفاته في شؤَّال من هذه السنة . هارون بن محمد (٣) بن هارون بن علي بن موسى بن عمرو بن جابر بن يزيد بن جابر بن عامر بن أسيد بن تَيْم بن صُبْح بن ذُهْل بن مالك [ بن بكر ]٤) بن سَعْد بن ضَبَّة أبو جعفر ؛ والد القاضي أبي عبد الله الحسين بن هارون(٥) . كان أسلافه ملوك عُمان في قديم الزمان ، ويزيد بن جابر أدركه الإسلام ، فأسلم وَحَسُنَ إسلامه ، وكان هارون هذا أول من انتقل من أهله من عُمان ، فنزل بغداد(٦) وحدَّث بها ، وروى عنه ابنه . وكان فاضلاً متضلعاً من كل فن ، وكانت داره مجمع العلماء في سائر الفنون ، ونفقاته دارَّة عليهم ، وكان له منزلة عالية ، ومهابة وافرة ببغداد ، وقد أثنى عليه الدَّارَقُطْني ثناء كثيراً، وقال : كان مبرِّزاً في النَّحْو واللغة والشعر ، ومعاني القرآن ، والكلام . (١) انظر نشوار المحاضرة (٢٤٣/٢ - ٢٤٥) والمنتظم (٣٥٣/٦ _٣٥٥). (٢) تاريخ بغداد (٥٠/٢) المنتظم (٣٥٥/٦) طبقات الشافعية للسبكي (١٢٠/٣). (٣) تاريخ بغداد (٣٣/١٤) المنتظم (٣٥٦/٦). ما بين حاصرتين من المنتظم (٣٥٦/٦) وانظر نسبه في تاريخ بغداد (١٤٦/٨). (٤) (٥) كان قد ولي قضاء الكرخ ، ثم أضيف إليه قضاء مدينة المنصور وقضاء الكوفة ، توفي سنة (٣٩٨هـ)، ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٧ / ٩٦ - ٩٧). (٦) وذلك سنة (٣٠٥هـ)، انظر تاريخ بغداد (١٤/ ٣٣). ١٧٦ أحداث سنة ٣٣٦هـ قال ابن الأثير : وممن توفي فيها : أبو بكر محمد بن [ يحيى بن ] بن عبد الله بن العبّاس بن [ محمد بن ] صُول الصُّولي: وكان عالماً بفنون الآداب والأخبار(١). وإنما ذكره ابنُ الجوزي في التي بعدها كما سيأتي (٢). أبو العبَّاس ابن القاص(٣) أحمد بن أبي أحمد الطَّبري: الفقيه الشافعي، تلميذ ابن سُرَيج، له ((كتاب التَّلْخيص)) و((كتاب المِفْتاح))، وهو مُخْتَصَر(٤)، شَرَحه أبو عبد الله الخَتَنُ(٥)، وأبو علي السِّنْجي(٦) أيضاً . وكان أبوه يقصُّ على الناس الأخبار والآثار ، وأما هو فتولى قضاء طَرَسُوس ، وكان يعظ الناس أيضاً ، فحصل له خشوع ، فسقط مغشياً عليه ، فمات في سنة خمس وثلاثين وثلاثمئة . ثم دخلت سنة ستّ وثلاثين وثلاثمئة فيها خرج معز الدولة والمطيع الله من بغداد إلى البَصْرة ، فاستنقذاها من يد أبي القاسم بن البَريدي ، وهرب هو وأكثر أصحابه ، واستولى معز الدولة على البصرة ، وبعث يتهدَّد القرامطة ويتوعدهم بأخذ بلادهم . وزاد في إقطاع الخليفة ضياعاً تعمل في السنة مئتي ألف دينار ، ثم سار معز الدولة لتلقي أخيه عماد الدولة بالأهواز ، فقبّل الأرض بين يدي أخيه ، وقام مائلاً أيضاً ، ويأمره بالجلوس فلا يفعل . ثم عاد إلى بغداد ، ورجع الخليفة إليها أيضاً ، وقد تمهدت أمور جيدة . (١) الكامل لابن الأثير (٤٦٨/٨) وما بين حاصرتين منه . (٢) الذي ذكر وفاته في هذه السنة هو طلحة بن محمد بن جعفر الشاهد ( كما في تاريخ الخطيب )، وترجمه الذهبي في وفيات هذه السنة من تاريخ الإسلام (٦٩٧/٧)، وفي ((سير أعلام النبلاء)) وغيرهما . أما الذي ذكر وفاته في سنة ست فهو التنوخي والمرزباني ( كما في تاريخ الخطيب ) وفي تابعهما ( بشار) . (٣) طبقات الفقهاء الشيرازي (١١) الأنساب (٢٤/١٠ - ٢٥) وفيات الأعيان (٦٨/١ -٦٩) سير أعلام النبلاء (١٥/ ٣٧١ - ٣٧٢) العبر (٢٤١/٢) الوافي بالوفيات (٢٢٧/٦) طبقات الشافعية للسبكي (٥٩/٣ - ٦٣) النجوم الزاهرة (٢٩٤/٣) طبقات ابن هداية الله (٦٥ -٦٦) شذرات الذهب (٣٣٩/٢). (٤) أي ((كتاب التلخيص)). (٥) في النسخ الخطية و( ط ) : الحسين ، وهو تحريف ، وأبو عبد الله الختن هو محمد بن الحسن بن إبراهيم ؛ ختن الإمام أبي بكر الإسماعيلي ، والختن في اللغة الصهر، انظر ترجمته في طبقات الشافعية للسبكي (١٣٦/٣ - ١٣٨) . (٦) هو الحسن بن محمد بن شعيب، ويقال : الحسين بن شعيب، توفي سنة (٤٣٢ هـ)، انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (٥٢٦/١٧ - ٥٢٧) وانظر وفيات الأعيان (٦٨/١). ١٧٧ وفيات سنة ٣٣٦هـ وفي هذه السنة استحوذ ركن الدولة على بلاد طَبَرِسْتان وجُرْجان ، وانتزعها من يد وَشْمَكير أخي مَرْدَاويج ملك الدَّيْلم ، فذهب وَشْمَكير إلى خُرَاسان يستنجد بصاحبها . وممن توفي فيها من الأعيان : أبو الحسين بن المُنادي(١) أحمد بن جعفر بن محمد بن عبيد الله بن يزيد: أبو الحسين بن المُنَادي ، سمع جدَّه ، وعباساً الدُّوري، ومحمد بن إسحاق الصَّاغاني. وكان ثقة أميناً حُجَّة صادقاً، صنَّف كثيراً وجمع علوماً جمة ، ولم يسمع الناس منها إلا اليسير ؛ وذلك لشراسة أخلاقه . وآخر من روى عنه محمد بن فارس الغُوري(٢) . ونقل ابنُ الجوزي عن أبي يوسف القَزويني أنه قال : صنَّف أبو الحسين بن المُنَادي في علوم القرآن أربعمئة كتاب ، ونيفاً وأربعين كتاباً ، ولا يوجد في كلامه حشو ، بل هو نقيُّ الكلام ، جمع بين الرِّواية والدِّرايةُ(٣) . وقال ابن الجَوْزي : ومن وَقَف على مصنَّفاته عَلِم فضيلته واطلاعه ، ووقف على فوائد لا توجد في غير كتبه (٤) . كانت وفاته في محرَّم هذه السنة عن ثمانين سنة . الصُّولي(٥) محمد بن يحيى بن عبد الله بن العَبَّاس بن محمد بن صُولٍ: أبو بكر الصُّولي . كان أحد العلماء بفنون الأدب ، حَسَنَ المعرفة بأخبار الملوك وأيام الخلفاء ، ومآثر الأشراف وطبقات الشعراء . (١) الفهرست (٥٨) تاريخ بغداد (٦٩/٤ - ٧٠) طبقات الفقهاء للشيرازي (١٧٣) طبقات الحنابلة (٣/٢ - ٦) المنتظم (٣٥٧/٦ - ٣٥٨) سير أعلام النبلاء (٣٦١/١٥ - ٣٦٣) تذكرة الحفاظ (٨٤٩/٣ - ٨٥٠) العبر (٢٤٢/٢) الوافي بالوفيات (٢٩٠/٦) مرآة الجنان (٣٢٥/٢) غاية النهاية (٤٤/١) النجوم الزاهرة (٢٩٥/٣) طبقات الحفاظ (٣٥١ - ٣٥٢) شذرات الذهب (٣٤٣/٢). في النسخ الخطية و( ط): اللغوي، وهو تحريف، انظر الأنساب (٩/ ١٩٠). (٢) المنتظم (٣٥٨/٦) . (٣) المصدر السالف . (٤) (٥) معجم الشعراء (٤٣١) الفهرست (٢١٥ - ٢١٦) تاريخ بغداد (٤٢٧/٣ - ٤٣٢) الأنساب (١١٠/٨ -١١١) نزهة الألباء (١٨٨ - ١٩٠) المنتظم (٣٥٩/٦ - ٣٦١) معجم الأدباء (١٠٩/١٩ - ١١١) إنباه الرواة (٢٣٣/٣ - ٢٣٦) وفيات الأعيان (٣٥٦/٤ - ٣٦١) سير أعلام النبلاء (٣٠١/١٥ - ٣٠٢) العبر (٢٤١/٢ - ٢٤٢) الوافي بالوفيات (١٩٠/٥ - ١٩٢) مرآة الجنان، (٣١٩/٢ - ٣٢٥) لسان الميزان (٤٢٧/٥ - ٤٢٨) النجوم الزاهرة (٢٩٦/٣) شذرات الذهب (٣٣٩/٢ -٣٤٢). ١٧٨ أحداث سنة ٣٣٧هـ روى عن أبي داودِ السِّجِسْتاني ، والمبرِّد ، وثعلب ، وأبي العَيْناء ، وغيرهم ، وكان واسع الرواية ، جيد الحفظ ، حاذقاً ، بتصنيف الكتب . وله كتب كثيرة هائلة ، ونادمَ جماعةً من الخلفاء ، وحظي عندهم ، وكان جدُّه صُول وأهله ملوكاً بجُرْجان ، ثم كان أولاده من أكابر الكُتَّاب ، وكان الصُّولي هذا جَيِّد الاعتقاد حسنَ الطريقة ، وله شِعْرٌ حسن، وقد روى عنه الدَّارَقُطْني وغيره من الحُفَّاظ. ومن شعره قولُه : أَحْبَيْتُ منْ أجلهِ منْ كان يشْبِهُهُ وكلُّ شيءٍ منَ المعشوقِ مَعْشُوقُ حتَّى حكيتُ بجسمي ما بمُقْلَتهِ كأنَّ سُقْمي من عينيهِ مَسْرُوقُ خرج الصُّولي من بغداد إلى البَصْرة لحاجةٍ لحقته ، فمات بها في هذه السنة . [ ابنة أبي الحسن المكي }(١): وفيها كانت وفاة ابنة الشيخ أبي الحسن الزَّاهد المكي. وكانت من العابدات النَّاسكات المقيمات بمكة ، وإنما كانت تقتات من كَسْب أبيها مما يكتسبه من عمل الخُوص في كلِّ سنة بثلاثين دِرْهماً يرسلها إليها ، فاتفق أن أرسلها مَرَّة مع بعض أصحابه ، فزاد عليها ذلك الرجل عشرين درهماً - يريد بذلك بِرَّها وزيادةً في نفقتها - فلما اختبرتها قالت : هل وضعت على هذه شيئاً ؟ اصدقني بحقِّ الذي حججت له . فقال : نعم . فقالت : ارجع بها ، فلا حاجة لي فيها ، ولولا أنك قصدتَ الخير لدعوت عليك ، فإنك أجعتني عامي هذا ، ولم يبق لي رِزْقٌ إلا من المزابل إلى قابل . فقلت : ألا تأخذي منها الثلاثين درهماً ؟ فقالت : إنها قد اختلطت بمالك ، ولا أدري ما هو . قال الرجل : فرجعت بها إلى أبيها ، فأبى أن يقبلها وقال : شققت يا هذا علي ، وضيَّقْتَ عليها ، ولكن اذهب ، فتصدَّق بها٢) . ثم دخلت سنة سبع وثلاثين وثلاثمئة فيها ركب معز الدولة من بغداد إلى المَوْصل ، فانهزم منه ناصر الدولة إلى نَصيبين ، فتملَّك معز الدولة بن بُوَيه المَوْصِل في رمضان من هذه السنة ، فعسف أهلها ، وأخذ أموالهم ، وكَثُرَ الدُّعاء عليه . ثم عزم على أخذ البلاد كلُّها من يد ناصر الدولة بن حَمْدان ، فجاءه خبر من أخيه ركن الدولة يستنجده على من قبله من الخراسانية ، فاحتاج إلى مصالحة ناصر الدولة على أن يحمل عما تحت يده من بلاد الجزيرة (١) ما بين حاصرتين زيادة من عندنا للإيضاح. وترجمتها في المنتظم (٦/ ٣٦١ - ٣٦٢). (٢) إلى هنا تنتهي مقابلتنا على نسخة ( ظا)، وهو ما استطعنا العثور عليه من هذه النسخة. ١٧٩ وفيات سنة ٣٣٧هـ والشَّام في كل سنة ثمانية آلاف [ ألف (١) دِرْهم ، وأن يخطب له ولأخويه عماد الدولة وركن الدولة على منابر بلاده كلها ، ففعل . وعاد معز الدولة إلى بغداد ، وبعث إلى أخيه ركن الدولة بجيشٍ هائل ، وأخذ له عهد الخليفة بولاية خُراسان . وفيها دخل سيف الدولة بن حمدان ؛ صاحب حلب إلى بلاد الرُّوم ، فلقيه جمع كثيف من الرُّوم ، فاقتتلوا قتالاً شديداً ، فانهزم سيف الدولة ، وأخذت الرُّوم مَرْعش، وأوقعوا بأهل طَرَسُوس بأساً شديداً ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . قال ابن الجوزي : وفي رمضان [ من هذه السنة ]٢) انتهت زيادة دِجْلة إلى أحد وعشرين ذراعاً وثلث ، فغرقت الضياع والدُّور التي عليها ، وأشرف الجانب الشرقي على الغرق ، وهمَّ الناس بالهرب منه(٣) . وممن توفي فيها من الأعيان : عبد الله بن محمد بن حَمْدُويه(٤) : ابن نُعيم بن الحكم ، أبو محمد البَيِّع ؛ وهو والد الحاكم أبي عبد الله النَّيْسابوري(٥) . أذَّن ثلاثاً وثلاثين سنة ، وغزا اثنتين وعشرين غزوة ، وأنفق على العلماء مئة ألف ، وكان يقوم الليل ، كثيرَ الصَّدقة ، أدرك عبد الله بن أحمد ، ومسلم بن الحَجَّاج ، وروى عن ابن خُزَيْمة وغيره ، وتوفي عن ثلاثٍ وتسعين سنة . قُدَامة الكاتب المشهور(٦) : هو قدامة بن جعفر بن قدامة ، أبو الفرج الكاتب . له مصنَّف في (( الخَراج وصناعة الكتابة )(٧) ، وبه يقتدي علماء هذا الشأن ، وقد سأل ثعلباً عن أشياء . محمد بن علي بن عمر(٨) : أبو علي المذكّر الواعظ بِنَيْسابور . (١) ما بين حاصرتين ليس في (ح) و(ب)، والمثبت من الكامل (٨/ ٤٧٧). (٢) ما بين حاصرتين من ( ب ) . (٣) انظر المنتظم (٣٦٢/٦). (٤) المنتظم (٦/ ٣٦٢)، وترجمه الذهبي في وفيات سنة تسع وثلاثين من تاريخ الإسلام نقلاً من تاريخ ولده الحاكم (٧٢٦/٧) ... (٥) سترد ترجمته في وفيات سنة (٤٠٥ هـ) من هذا الكتاب . المنتظم (٣٦٣/٦) معجم الأدباء (٢٠٣/٦ _ ٢٠٥) النجوم الزاهرة (٢٩٧/٣). (٦) (٧) وهو من الكتب النفيسة المطبوعة . (٨) المنتظم (٣٦٣/٦) ميزان الاعتدال (٦٥١/٣ -٦٥٢) لسان الميزان (٢٩٢/٥ - ٢٩٣). ١٨٠ أحداث سنة ٣٣٨هـ كان كثير التدليس عن المشايخ الذين لم يلقهم ، وتوفي في هذه السنة عن مئة وسبع سنين ، سامحه الله . محمد بن مظفر بن عبيد(١) : أبو النَّجا الفرضي الضرير ، الفقيه المالكي. له كتاب في الفِقْه على مذهب مالك ، وله مصنَّفَاتٌ في الفرائض قليلة النظير ، وكان أديباً فَهِماً فاضلاً حاذقاً ، رحمه الله . ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين وثلاثمئة في ربيع الأول منها وقعت [ فتنة (٢) بين الشّيعة وأهل السُّنَّة ، ونُهبت الكَرْخ . وفي جمادى الآخرة تقلَّد القاضي أبو السَّائب عُتْبة بن عبيد الله الهَمَذاني قضاء القضاة . وفيها خرج رجلٌ يقال له عِمْران بن شاهين كان قد استوجب بعض العقوبات ، فهرب من السُّلْطان إلى ناحية البطائح ، فكان يقتات ما يصيده من السمك والكُيور، والتفَّ عليه خَلْقٌ من الصَّيادين وقُطَّاع الطريق ، فقويت شوكته ، واستعمله أبو القاسم بن البَرِيدي على جباية بعض تلك النواحي ، وأرسل إليه معز الدولة بن بويه جيشاً مع وزيره أبي جعفر الصَّيْمري ، فَهُزِمَ الوزيرُ ، لكنه دهمه أمر اشتغل به عنه ، وذلك وفاة : عماد الدولة بن بُوَيْه(٣) وهو أبو الحسن عليّ بن بويه أكبر أولاد بويه ، وأول من تملّك منهم ، وكان عاقلاً حازماً ، جيّد السيرة ، رئيساً في نفسه . كان أول ظهوره في سنة ثنتين وعشرين وثلاثمئة كما ذكرنا٤) . فلما كان في هذا العام قويت عليه الأسقام ، وتواترت لديه الآلام ، فأحسَّ من نفسه بالهلاك ، ولم يعادل ما هو فيه من الملك ، وكثرة الأموال والرجال ، من الدَّيالم والأتراك ، ولم يحصلوا له الفكاك . ولم يكن له ولد ذكر(٥) ، فأرسل إلى أخيه ركن الدولة يستدعي إليه ولدَه عَضُدَ الدولة ، ليجعله (١) المنتظم (٣٦٣/٦). (٢) ما بين حاصرتين ليس في (ح)، والمثبت من ( ب). (٣) المنتظم (٣٦٥/٦) الكامل (٢٦٤/٨) وما بعدها، وفيات الأعيان (٣٩٩/٣ - ٤٠٠) العبر (٢٤٧/٢) سير أعلام النبلاء (٤٠٢/١٥ - ٤٠٣) مرآة الجنان (٣٢٦/٢ -٣٢٧) النجوم الزاهرة (٢٩٩/٣ - ٣٠٠) شذرات الذهب (٣٤٦/٢ - ٣٤٧) . (٤) انظر حوادث سنة (٣٢١هـ) . (٥) في ( ط ): ولم يفاده ولا دفع عنه أمر الله ما هو فيه من الأموال والملك وكثرة الرجال والأموال ، ولا رد عنه جيشه من الديالم والأتراك والأعجام ، مع كثرة العَدَد والعُدَد ، بل تخلوا عنه أحوج ما كان إليهم ، فسبحان الله الملك القادر القاهر العلام ، ولم یکن له ولد ذكر ..