Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ أحداث سنة ٣١١ هـ وذلك لما بعث إليه الخليفة جُنداً من قِبَلِه فرَّ(١) وترك البلد يبابا٢ً)، فإنَّا لله وإنّا إليه راجعون. وفي هذه السنة عَزَلَ المقتدر عن الوزارة حامدَ بنَ العَبَّاسِ وعليَّ بنَ عيسى، ورَدَّ إلى الوزارة أبا الحسن بن الفُرَات الولاية الثالثة، وسَلَّمَ إليه حامداً وعليَّ بن عيسى، فأما حامدٌ فإن المُحَسِّن بن الوزير ضَمِنه من المقتدر بخمسمئة ألف ألف دينار ، وتسلَّمه ، فعاقبه بأنواع العقوبات ، وأخذ منه أموالاً جزيلة لا تحصى كثرةً(٣) ، ثم أرسل به مع موكلين عليه إلى واسط ؛ ليحتاطوا على أمواله هناك وحواصله ، وأمرهم أن يسقوه سمّاً في الطريق ، فسقوه ذلك في بَيْضٍ مشويّ كان قد طلبه منهم ، فمات في رمضان من هذه السّنة . وأما عليُّ بنُ عيسى فإنه صودر بثلاثمئة ألف دينار ، وصودر قَوْمٌ آخرون من الكُتَّاب ، فكان جُمْلة ما أُخذ من هؤلاء مع ما كان صودرت به القَهْرَمانة من الذَّهب شيئاً كثيراً جداً آلاف ألف من الدنَّانير ، وغير ذلك(٤). وأشار الوزير ابنُ الفُرَات على الخليفة المقتدر بالله أن يُبْعدَ عنه مُؤْنس الخادم ، ويأمره بالذهاب إلى الشَّام - وكان قد قَدِمَ من بلاد الرُّومُ(٥)، وقد فتح شيئاً كثيراً من (٦) بُلْدانهم، وغَنِمَ مغانمَ كثيرة جداً - فسأل أن يُنْظَر (٧) إلى سَلْخ رمضان، وكان(٨) قد أعْلَمَ الخليفة بما يعتمده ابنُ الوزير من تعذيبِ الناس ومصادرتهم الأموال ، فأجاب الخليفةُ الوزير إلى إبعاد مؤنس الخادم ، فأخرجه إلى الشام . وفيها كَثُرُ الجَرَاد، وأفسد كثيراً من الغَلَأَّت . وفيها في رمضانها أمر (٩) بِرَدِّ بقية المواريث إلى ذوي الأرحام . وفيها في النصف من رمضانها أُخْرِقَ على باب العامَّة صورة ماني(١٠) ، وأربعة أعدال من كُتُب الزَّنادقةُ (١) ، فسقطَ منها ذهبٌ كثير كانت محلاةً به . (١) في (ط ) : فر هارباً. (٢) في ( ط ) خاوياً . (٣) في ( ط ) : لا تحصى ولا تعد كثرة . (٤) فى ( ط ): وغير ذلك من الأثاث والأملاك والدواب والآنية من الذهب والفضة. (٥) في ( ط ) : من الجهاد. (٦) في ( ط ) : حصون الروم وبلدانهم . (٧) في (ط ): فأجابه إلى ذلك فسأل مؤنس الخليفة أن ينظر ... (٨) في (ط ) : وكان مؤنس. (٩) في ( ط ) : الخليفة. (١٠) انظر عن المانوية كتاب الملل والنحل (٢٤٤/١ - ٢٤٩). (١١) في (ط ): فيها ما كان صنفه الحلاج وغيره. ٦٢ وفيات سنة ٣١١هـ وفيها اتخذ أبو الحسن بنُ الفُرَات الوزير مارسْتاناً في دَرْب المُفَضَّلُ(١)، [ وكان ]٢) يُنْفِقِ عليه من ماله في کلِّ شهر مئتي دينار . وممن توفي فيها من الأعيان : الخلَّل أحمد بن محمد بن هارون(٣)، أبو بكر الخلال: صاحب كتاب (( الجامع لعلوم الإمام أحمد (٤)، ولم يُصنَّفْ في مذهب الإمام أحمد مثل هذا الكتاب . وقد سمع الحديث من الحسن بن عَرَفة ، وسَعْدان بن نَصْر ، وغيرهما . وكانت وفاته في يوم الجمعة قبل الصَّلاة ليومين مضيا من ربيع الأول منها . أبو محمد الجَرِيْريّ(٥): أحد أئمة الصُّوفية. أحمد بن محمد بن الحسين، أبو محمد الجَرِيْرِيُ(٦)، أحد كبار الصُّوفية . صحب سَرِياً السَّقَطي، وكان الجُنَيَّد يُكْرِمُه ويحترمه . ولما حضرت الجنيدَ الوفاة أوصى أن يجالس الجريري . وقد اشتبه على الجريري هذا شأن الحلاج فكان ممن أجْمَلَ القَوْلَ فيه ، على أن الجريري هذا مذكور بالصَّلاح والدِّيانة وحُسْنِ الأدب مع الله عزَّ وجلَّ . الزَّجَّاح صاحب معاني القُرْآنُ(٧) إبراهيم بن السَّريّ(٨) بن سهل، أبو إسحاق الزَّجَّاج. (١) في الأصول الخطية و( ط ) الفضل، وهو تحريف، انظر معجم البلدان (٤٤٨/٢). (٢) ما بين حاصرتين من (ط ). تاريخ بغداد (١١٢/٥ -١١٣) طبقات الشيرازي (١٧١) طبقات الحنابلة (١٢/٢ _ ١٥) المنتظم (١٧٤/٦) سير أعلام (٣) النبلاء (١٤/ ٢٩٧ - ٢٩٨). انظر تاريخ التراث العربي لسزكين (مج ٢٣٣/٣/١ - ٢٣٤) . (٤) طبقات الصوفية (٢٥٩ - ٢٦٤) حلية الأولياء (٣٤٧/١٠ - ٣٤٨) تاريخ بغداد (٤٣٠/٤ - ٤٣٤) الرسالة القشيرية (٢٣) المنتظم (١٧٤/٦ - ١٧٦) سير أعلام النبلاء (١٤ / ٤٦٧) الوافي بالوفيات (٣٧٨/٧) طبقات الأولياء (٧٠ _ ٧٥) . (٥) (٦) في الأصول الخطية: الحريري - بالحاء المهملة - وهو تصحيف. وقد ضبط في المشتبه (١/ ١٥٠) بفتح الجيم، وفي الكامل لابن الأثير (١٤٥/٨) وطبقات الأولياء (٧١) بضمها ، نسبة إلى جرير بن عباد . (٧) تهذيب اللغة للأزهري (٢٧/١) طبقات النحويين واللغويين (١٢١ - ١٢٢) تاريخ بغداد (٨٩/٦ - ٩٣) الأنساب (٢٥٧/٦ - ٢٥٨) نزهة الألباء (١٦٧ - ١٦٩) المنتظم (١٧٦ - ١٨٠) معجم الأدباء (١٣٠/١ - ١٥١) إنباه الرواة (١٥٩/١ -١٦٦) وفيات الأعيان (٤٩/١ - ٥٠) سير أعلام النبلاء (٣٦٠/١٤) (٨) في وفيات الأعيان والسير : إبراهيم بن محمد بن السري . ٦٣ وفيات سنة ٣١١هـ كان فاضلاً ديِّناً، حَسَنَ الاعتقاد، وله المصنَّفات الحسنة، منها: كتاب (( معاني القرآن))، وغيره من المصنفات العديدة المفيدة ، وقد كان أول أمره يخرِطُ الزُّجاج، فأحبَّ عِلْمَ النَّحْو ، فذهب إلى المُبَرِّد، فكان يُعْطي المبرد كلَّ يوم دِرْهماً ، ثم استغنى الزَّجَّاجِ وكَثُرَ ماله ، ولم يقطع عن المبرد ذلك الدِّرهم حتى مات المبرِّد . وقد كان الزجَّاج مؤدِّباً للقاسم بن عُبيد الله(١) ، فلما ولي الوزارة كان الناس يأتونه بالرِّقاع ليقدِّمها إلى الوزير ، فَحَصَلَ له بسبب ذلك ما يزيد على أربعين ألف دينار . وكانت وفاته في جمادى الأولى من هذه السنة . وعنه أخذ أبو علي الفارسي النَّحْوي، وأبو القاسمُ(٢) عبد الرحمن بن إسحاق الزَّجَّاجي [ نُسب إليه ]٣) لأخذه عنه، وهو صاحب كتاب ((الجُمل)) في النحو . بدر مولى المُعْتَضِد(٤)، وهو بدر الحَمَامِي(٥) : ويقال له بدر الكبير ، كان في آخر وقتٍ على نيابة فارس ، وولي منْ بَعْدِهِ ولده محمد . حامد بن العَبَّاس(٦): استوزره (٧) المقتدر(٨) في سنة ست(٩) وثلاثمئة، وكان كثير المال والغِلْمان، كثير النفقات ، كريماً سخياً ، كثير المروءة . له حكايات تدُلُّ على بَذْله وإعطائه الأموال الجزيلة ، ومع هذا كان يجمع شيئاً كثيراً، وجد له في مِطْهَرَةٍ (١) ألوف من الذهب ، كان في كلِّ يوم إذا دخل إليها ألقى فيها ألف دينار ، فلما امتلأت طمَّها ، فلما صودر دَلَّ عليها ، فاسْتُخْرج منها مال جزيل جداً . ومن أكبر مناقبه أنه كان من أكبر السُّعاة في الحسين بن منصور الحلاج حتى قتل كما ذكرنا قبل هذا(١). (١) سلفت ترجمته في وفيات سنة (٢٩١ هـ) من هذا الكتاب . (٢) في ( ط ) ابن القاسم ، وهو تحريف . (٣) ما بين حاصرتين من (ط). تاريخ بغداد (١٠٥/٧ - ١٠٧) الأنساب (٢٠٨/٤) المنتظم (١٨٠/٦) اللباب (٣١٥/١) النجوم الزاهرة (٢٠٥/٣). (٤) (٥) بالتخفيف ، نسبة إلى الحمام ، تقال لمن يطيره ويرسله إلى البلاد، وكان بدر هذا منهم. الأنساب (٢٠٨/٤). (٦) ذيول تاريخ الطبري (٢١٣ - ٢١٥) نشوار المحاضرة (٢٢/١ - ٢٤) وغيرها، المنتظم (١٨٠/٦ - ١٨٤) الكامل لابن الأثير (١٠/٨ -١٢، و١٣٩ -١٤١) سير أعلام النبلاء (٣٥٦/١٤-٣٥٩). (٧) في ( ط ) : الوزير ، استوزره . . (٨) في (ح ) المعتضد ، وهو تحريف. (٩) في ( ظا) و( ب) تسع، وهو تحريف. (١٠) في ( ط ) مطمورة. (١١) سلفت ترجمة الحلاج في وفيات سنة (٣٠٩هـ). ٦٤ وفيات سنة ٣١١هـ ثم كانت وفاة الوزير حامد بن العَبَّاس في رمضان من هذه السنة مسموماً . عمر بن محمد بن بُجَيْرِ البُجَيْرِيُ(١)، صاحب ((الصَّحيح)(٢) ابن خُزَيْمةُ(٣) محمد بن إسحاق بن خُزيمة بن المغيرة بن صالح بن بكر السُّلَمي ؛ مولى مجشر(٤) بن مُزَاحم ، الإمام أبو بكر بن خُزَيمة ، الملقَّب بإمام الأئمة . كان من أوعية العلم وبحوره ، وممن طاف البُلْدان ، ورَحَلَ إلى الآفاق في طلب العلم وسماع الحديث، وكتب الكثير وصنَّف وجمع، وله كتاب ((الصَّحيح )) من أنفع الكتب وأجلُّها ، وهو من المجتهدين في دين الإسلام، حكى الشيخ أبو إسحاق الشِّيْرَازي في (( طبقات الشافعية)) عنه أنه قال : ما قلَّدْتُ أحداً[ في مسألة ] منذ بلغت ست عشرة سنة(٥). وقد ذكرنا له ترجمة مطوّلة في كتابنا ((طبقات الشافعية)) . بما فيه كفاية ، والله أعلم . وهو الذي قام يصلي حين وقعت القرعة عليه ، ليسترزق الله في صلاته ، حين أرمل(٦) هو ومحمد بن نصر ، ومحمد بن جرير ، ومحمد بن هارون الرُّوياني ، وقد أوردها ابن الجوزي من طريقين في ترجمته(٧)، وذلك ببلد مصر في دولة أحمد بن طولون، فرزقهم الله على يديه (٨). وقد ذكرنا [ ذلك }(٩) في ترجمة الحسن بن سُفيان(١٠) ، فالله أعلم . وممن توفي في هذه السنة : محمد بن زكريا الطبيب(١) ؛ صاحب المصنَّف الكبير (١٢) في هذا الشأن. (١) في ( ط ) بحتر البحتري ، وهو تصحيف. (٢) الأنساب (٨٩/٢ - ٩٠) تذكرة الحفاظ (٧١٩/٢ - ٧٢٠) سير أعلام النبلاء (٤٠٢/١٤ - ٤٠٤). (٣) تاريخ جرجان (٤١٣) طبقات الشيرازي (١٠٥ - ١٠٦) المنتظم (١٨٤/٦ - ١٨٦) سير أعلام النبلاء (١٤ /٣٦٥ - ٣٨٢) تذكرة الحفاظ (٧٢٠/٢ - ٧٣١). (٤) في (ط ) محسن ، وهو تحريف ، وكذلك في باقي النسخ الخطية . (٥). طبقات الفقهاء الشيرازي (١٠٦) وما بين حاصرتين منه . (٦) على هامش (ح) يقال: أرمل: إذا فني زاده، ومنه ((ابن سبيل مرمل))، وانظر اللسان (رمل ). (٧) المنتظم (١٨٥/٦ - ١٨٦). (٨) انظر سنة (٣١٠هـ) . (٩) ما بين حاصرتين من ( ط ). (١٠) سلفت ترجمته في وفيات سنة (٣٠٣هـ). (١١) ترجمته في تاريخ الحكماء للقفطي (٢٧١ - ٢٧٧) عيون الأنباء (٤١٤ - ٤٢٧) وفيات الأعيان (١٥٧/٢ - ١٦١) سير أعلام النبلاء (١٤/ ٣٥٤ - ٣٥٥). (١٢) هو الحاوي وهو مشهور . ٦٥ أحداث سنة ٣١٢ هـ ثم دخلت سنة ثنتي عشرة وثلاثمئة في المحرّم من هذه السنة اعترض القِرْمِطِي أبو طاهر سليمان(١) بن أبي سعيد الجَنَّابي - لعنه الله ، ولعن أباه - الحجيج وهم راجعون من بيت الله الحرام ، قد أدَّوا فَرْضَ الله عليهم ، فقطع عليهم الطريق ، فقاتلوه دفعاً عن أموالهم وأنفسهم وحريمهم ، فَقَتلَ منهم خلقاً كثيراً لا يعلمهم إلا الله عزَّ وجلَّ ، وأسر من نسائهم وأبنائهم ما اختاره ، واصْطَفَى من أموالهم ما أراد ، فكان مبلغ ما أخذه من الأموال ما يقاوم ألف ألف دينار ، ومن الأمتعة والمتاجر نحو ذلك ، وترك بقية الناس بعدما أخذ جِمَالهم وزادهم وأموالهم ونساءهم ، وتركهم على بعد الديار في البرية بلا زادٍ ولا ماء ولا محمل . وقد حاجف(٢) عن الناس نائبُ الكوفة أبو الهيجاء عبد الله بن حَمْدان فقهره وأسره ، فإنَّا لله وإنا إليه راجعون ، وكان عِدَّة منْ مع القِرْمِطِي ثمانمئة مقاتل ، وعمره إذ ذاك سبع عشرة سنة ، قصفه (٣) الله . ولما انتهى خبرُهم إلى بغداد قام نساؤهم وأهاليهم في النِّياحة، ونَشَرْنَ شعورهن، ولَطَمْنَ خدودَهُنّ(٤) في الأزِقَّة ، وانضاف إليهن نساء الذين نُكبوا على يدي الوزير ابن الفرات ، فكان ببغداد يوم مشهود بسبب ذلك في غاية الفظاعة والشَّنَاعة ، ولما سأل الخليفة عن الخبر ذُكِرَ له أن هذه نسوة الحجيج ومعهن نساء الذين صادرهم ابنُ الفُرَات ، وجاءت يد(٥) الحاجب نصر القشوري على الوزير فقال : يا أمير المؤمنين ، إنما استوى هذا للقِرْمِطِي (٦) بسبب إبعادك المظفر مؤنس الخادم ، فَطَمِعَ هؤلاء في الأطراف ، وما أشار عليك بإبعاده إلا ابنُ الفُرَات ، وبعث الخليفة المقتدر إلى الوزير ابن الفرات يقول له : إن الناس يتكلمون فيك لِنُصْحكَ إياي . وأرسل يطيِّب قلبه ، فركب هو وولده إلى الخليفة فدخلا عليه ، فأكرمهما ، وطيِّب قلوبهما ، وخرجا مِنْ عنده ، فنالهما أذىّ كثير مِنْ نصر الحاجب وغيره من كبار الأمراء ، وجلس الوزير في دَسْته ، فحكم بين النَّاس على عادته ، وبات ليلته تلك مفكِّراً في أمره ، وأصبح كذلك وهو ينشد : فأصْبَحَ لا يَدْري وإنْ كان حازِماً أَقُدَّامُهُ خيرٌ لهُ أم وراؤه في (ح) و(ظا) و(ب) و(ط ) ، الحسين ، وهو تحريف. (١) في ( ط ) جاحف، وهو تصحيف، وحاجف: أي دافع . اللسان (حجف ). (٢) (٣) في ( ط ) قصمه . (٤) في ( ح ) و( ظا) : وجوههن . (٥) في ( ط ) : على يد . (٦) في ( ط ) : إنما استولى هذا القرمطي على ما استولى عليه .. ٦٦ أحداث سنة ٣١٢هـ ثم جاءه في ذلك اليوم أميران من جهة الخليفة المقتدر ، فدخلا عليه داره إلى بين حُرَمِه ، وأخرجوه مكشوفاً رَأْسُه في غاية الذَّلَّة والإهانة (١)، فأركبوه في حَرَّاقة٢ُ) إلى الجانب الآخر ، وفَهِمَ النَّاس ذلك ، فرجموا ابنَ الفُرَات بالآجُرّ ، وتعطلتِ الجوامع ، وسخمتٍ(٣) العامَّةُ المحاريب، ولم يُصَلِّ الجمعةَ النَّاسُ فيها ، وأُخذ خطُّه بألفي ألف دينار، وأخذ خط ابنه بثلاثة آلاف ألف دينار ، وسلِّما إلى نازُوك ؛ أمير الشُّرْطة ، فاعتقلا حيناً، وخلَّص منهما الأموال ، فلما قَدِمَ مؤنس الخادم سُلِّم إليه الوزير ابن الفرات ، فأهانه غاية الإهانة بالضَّرْب والتقريع له ولولده المحسن المجرم الذي ليس بمحسن ، ثم قتلا بعد ذلك ، فكانت وزارته هذه الثالثة عشرة أشهر وأياماً . واستُوزرَ أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبيد الله(٤) بن يحيى بن خاقان ، وذلك في تاسع ربيع الأول من هذه السنة . وكان الخليفة قد أرسل إلى مؤنس الخادم ليحضر ، فدخل بغداد في تجمُّلٍ عظيم ، وسُلِّم إليه ابن الفرات كما ذكرنا، فعاقبه ، وَشَفَعُ(٥) إلى الخاقاني في أن يُرْسِلَ إلى علي بن عيسى - وكان قد صار إلى صنعاء من اليمن مطروداً - فعاد إلى مكة ، وبَعَثَ إليه الوزير أن ينظر في أمر الشَّام ومِصْر . وأمر الخليفة مؤنساً الخادم بالمسير إلى ناحية الكوفة لأجل القرامطة ، وأنفق على خروجه إلى هنالك ألف ألف دينار . وأطلق القِرْمطي منْ كان في أسْرِهِ من الحجيج ، وكانوا ألفي رجل وخمسمئة امرأة ، وأطلق أبا الهيجاء نائبَ الكوفة معهم أيضاً ، وكتب إلى الخليفة يطلب منه البَصْرة والأهواز ، فلم يجب إلى ذلك . وركب المُظَفَّر مؤنس الخادم في جحافل إلى بلاد الكوفة ، فسكن أمْرُها ، ثم انحدر إلى واسط خوفاً عليها من القرامطة ، واستناب على الكوفة ياقوت الخادم ، فتمهدت الأمور ، وانصلحت . وفي هذه السنة ظهر رجلٌ بين الكوفة وبغداد فادَّعى أنه محمد بن إسماعيل بن جعفر(٦) بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، وصدَّقه على ذلك طائفة من الأعراب والطّغام، والتقُّوا عليه ، في ( ط ) : وهو في غاية الذل والصغار، والإهانة والعار ، فأركبوه. (١) (٢) نوع من السفن . (٣) في ( ط ) وخربت . في النسخ الخطية و( ط ) عبد الله بن محمد بن يحيى ، وهو وهم . (٤) (٥) أي طلب . اللسان ( شفع ) . (٦) في ( ط ) محمد ، وهو تحريف . ٦٧ وفيات سنة ٣١٢هـ وقويت شوكته في شوال ، فأرسل إليه الوزير جيشاً ، فقاتلوه فهزموه ، وقتلوا خَلْقاً من أصحابه ، وتفرّق بقيتهم . وهذا المدَّعي المذكور هو رئيس الإسماعيلية وأولهم . وظفر نازُوك نائب (١) الشُّرْطة بثلاثة من أصحاب الحلاج، وهم: حَيْدَرة ، والشَّعْراني ، وابن منصور ، فطالبهم بالرجوع [ عن اعتقادهم فيه ]٢) فلم يرجعوا ، فضرب أعناقهم ، وصلبهم في الجانب الشَّرْقي . ولم يحجَّ أحد في هذه السنة من أهل العراق لكثرة خوف الناس من القرامطة ، لعنهم الله . وممن توفي في هذه السنة من الأعيان : إبراهيم بن خَمْش(٣) أبو إسحاق الزَّاهد النيسابوري . كان يعِظُ النَّاس، فكان منْ جُمْلة كلامه الحَسَن قوله : يضحك القَضاء منَ الحَذَر ، ويضحك الأجَل من الأمَلَ، ويضحك التَّقْدير من التَّدْبير، وتضحك القِسْمة من الجَهْد والعَنَاء . علي بن محمد بن الفُرَات (٤) أبو الحسن الوزير: ولاه المقتدر الوزَارة ، ثم عزله، ثم ولَّه، ثم عزله، ثم ولَّه، ثم قتله في هذه السَّنة [وقتل ولده ]٥) ، وكان ذا مالٍ جزيل جداً: ملك عشرة آلاف ألف دينار ، وكان يدخله من ضياعه كل سنة ألف ألف دينار ، وكان ينفق على خمسة آلاف من العلماء والغُبَّاد ، يجري عليهم الأرزاق في كلِّ شهر - أثابه الله - وكان فيه كفاية ونهضة ومعرفة بالوزارة والحساب ، يقال : إنه نظر يوماً في ألف كتاب ، ووقّع على ألف رُقْعة، فتعجَّب منْ حَضَرَه منْ ذلك ، وكانت فيه مروءة وكرم ، وحُسْن سيرة في ولاياته ، غير المرة الثالثة ، فإنه ظلم وغَشَم وصادر النَّاس عن أموالهم(٦)، فأخذه الله أخْذَ عزيزٍ مُقْتدر(٧) . وقد كان فيه كَرَمٌ وسَعَة في النَّفَقة ؛ ذُكِرَ عنده ذات ليلة أهلُ الحديث والصُّوفية وأهل الأدب والشعراء والفقراء ، فأطْلَقَ من ماله لكلِّ طائفة عشرين ألفاً . وكتب رجلٌ على لسانه إلى نائب مِصْر كتاباً فيه الوصية به إليه ، فلما وقف عليه المكتوب إليه استراب به وقال : ما هذا خطه . وأرسل به إلى الوزير ، فلما وقف عليه الوزير عرف أنه كذب وزور ، فاستشار (١) في ( ط ) صاحب . (٢) ما بين حاصرتين من ( ط). (٣) في (ط) خميس، وهو تصحيف. وترجمته في المنتظم (٦/ ١٩٠) وتبصير المنتبه (٥٣٨/٢). (٤) تحفة الأمراء للصابي (٨، ٢٦٥). المنتظم (٦/ ١٩٠ - ١٩٢) إعتاب الكتاب (١٨٠) وفيات الأعيان (٤٢١/٣ - ٤٢٩) . (٥) ما بين حاصرتين من ( ط). (٦) كذا، وفي ( ط) : وأخذ أموالهم. (٧) في ( ط ) فأخذه الله أخذ القرى وهي ظالمة ، أخذ عزيز مقتدر . ٦٨ وفيات سنة ٣١٢هـ الحاضرين عنده في الذي زوَّر عليه ، فقال بعضهم : ينبغي أن تقطعَ يده . وقال غيره : تقطع إبهامه . وقال الآخر : يُضْرب ضرباً عنيفاً . فقال الوزير : أو خير من ذلك ؟ فأخذ الكتاب ، وكتب عليه : نعم ، هذا خَطِّي ، وهو من أخَصِّ أصحابي ، فلا تترك شيئاً مما تقدِرُ عليه في الإحسان إلا وَصَلْتَه به . فلما عاد الكتاب أحسنَ نائبُ مصر إلى ذلك الرجل (١)، ووصله بنحو من عشرين ألف دينار(٢). واستدعى ابنُ الفُرات يوماً ببعض الكُتَّاب فقال له : ويحك ، إن نيتي فيك سيئة ، وإني في كل وقت أريد أن أقبضَ عليك وأصادِرَ مالك ، فرأيت في المنام من ليالٍ أني قد أمرت بالقبض عليك ، فجعلتَ تمتنع مني ، فأمَرْتُ أن تُقاتل ، فجعلوا كلما ضربوك بشيء من سِهام أو غيرها من السلاح تتقي الضَّرْب برغيف في يدك ، فلا يصل إليك بسببه شيء ، فأعْلِمْني ما قصة هذا الرَّغيف ؟ فقال : أيها الوزير ، إن أمي - منذ كنت صغيراً - كانت تضع في كلِّ ليلة تحت وسادتي رغيفاً ، ثم تصبح فتتصدَّق به عني ، ولم يزل ذلك دَأْبُها حتى ماتت ، ففعلته بعدها ، فأنا أبيِّت في كلِّ ليلةٍ تحت وسادتي رغيفاً ، ثم أصبح فأتصدَّق به . فَعَجِبَ الوزير منْ ذلك، وقال: والله لا ينالك مني سوء أبداً، ولقد حَسُنَتْ نيتي فيك ، وأحببتك(٣). وقد أطال ابن خَلِّكان ترجمته ، وذكر بعض ما أوردنا(٤) . محمد بن محمد بن سليمان(٥) بن الحارث بن عبد الرحمن : أبو بكر ، الأزْدِي ، الوَاسطي ، المعروف بالباغندي . سَمِعَ محمد بن عبد الله بن نُمَيْر ، وابن أبي شَيْبة ، وشَيْبان بن فَرُوخِ، وعليَّ بن المَدِيني، وخَلْقاً من أهل الشَّام ومصر والكوفة والبَصْرة وبغداد . ورحل إلى الأمصار البعيدة ، وعُنِيَ بهذا الشأن ، واشتغل فيه فَأَفْرَط ، حتى قيل : إنه كان ربما يَسْرُدُ بعضَ الأحاديث بأسانيدها في الصَّلاة ٦) وهو لا يشعر، فَيُسَبَّعُ به حتى يتذكر أنه في الصَّلاة ، وكان يقول : أنا أُجيب في ثلاثمئة ألف مسألةٍ من الحديث(٧). (١) في (ط ) : إحساناً بالغاً. (٢) نشوار المحاضرة (١/ ٥٧ - ٥٩). (٣) نشوار المحاضرة (٢٧٣/٣). ترجمته في وفيات الأعيان (٤٢١/٣ -٤٢٩). (٤) تاريخ بغداد (٢٠٩/٣ - ٢١٣) الأنساب (٤٥/٢) المنتظم (١٩٣/٦ -١٩٤) تذكرة الحفاظ (٧٣٦/٢ - ٧٣٧) سير (٥) أعلام النبلاء (١٤ / ٣٨٣ - ٣٨٨). (٦) في ( ط ) في الصلاة والنوم . تاريخ بغداد (٢١٠/٣) المنتظم (١٩٣/٦). (٧) ٦٩ أحداث سنة ٣١٣هـ وقد رأى رسولَ الله وَّ في المنام فقال له : يا رسول الله، أيما أثْبَتُ في الحديث منصور أو الأعْمش ؟ فقال له : منصور(١) . وقد كان يعاب بالتَّدْليس حتى قال الدَّارَ قُطْني : هو كثير التدليس ، يحدِّث بما لم يسمع ، وربما سرق بعضَ الأحاديث . ثم دخلت سنة ثلاث عشرة وثلاثمئة قال ابن الجَوْزي : لليلة بقيت من المُحَرَّم انقضَّ كوكبٌ من ناحية الجنوب إلى الشمال قبل مغيب الشمس ، فأضاءتِ الدُّنيا منه ، وسُمِعَ له صوت كصوت الرَّعد الشَّديد(٢). وفي صفر [ منها ]٣) بلغ الخليفة المقتدر بالله أن جماعةً من الرَّافضة يجتمعون في مسجد براثى فينالون من الصَّحَابة ولا يصلُّون الجمعة ، ويكاتبون القَرَامطة ، ويَدْعُون إلى محمد بن إسماعيل الذي ظهر بين الكوفة وبغداد ، ويدَّعون أنه المهدي ، ويتبرؤون من المقتدر وممن يتبعه . فأمر بالاحتياط عليهم ، واستفتى العلماء في المَسْجد المذكور ، فأفتوا بأنه مسجد ضِرَار، يهدم كما هدم مسجد الضِّرَار(٤) ، فضرب منْ قَدَرَ عليه منهم الضَّرْب المُبَرِّح ، ونودي عليهم ، وأمر الخليفة بهدم المسجد المذكور كما أفتى بذلك العلماء ، فهدمه نازوك ، وأمر الوزير الخاقاني فجعل مكانه مقبرة ، فدفِنَ فيه جماعةٌ من الموتى . وخرج النَّاس للحجِّ في ذي القَعْدة ، فاعترضهم أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الجَنَّابي القِرْمِطي لعنهما الله، فرجع أكثر الناس إلى بُلْدانهم، ولم يمكنهم الحج عامهم هذا ، ويقال : إن بعضهم سأل منه الأمان ليذهبوا فأمنهم ، وقد قاتله جُنْدُ الخليفة ، فلم يفد ذلك فيه شيئاً لتمرده وشدَّة بأس من معه ، وانزعج أهل بغداد من ذلك ، وترخّل أهل الجانب الغربي إلى الجانب الشَّرقي خوفاً من القرامطة ، ودخل القِرْمِطِي إلى الكوفة ، فأقام بها ستة [ أيام °) يأخذ من أموالها٦) ما يختاره . تاريخ بغداد (٢١١/٣). (١) (٢) المنتظم (١٩٥/٦). ما بين حاصرتين من ( ط ) . (٣) (٤) مسجد الضرار بناه قوم من المنافقين، وفيه نزلت الآية الكريمة ﴿ وَالَّذِينَ أَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُغْرًا وَتَغْرِبِقَّا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنِى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ [ التوبة: ١٠٧]. وسيرد خبر عن مسجد براثى في أحداث سنة (٣٢٩هـ). في النسخ الخطية: سنة، وهي تصحيف. وفي (ط ) شهراً، والمثبت وما بين حاصرتين من الكامل (١٥٦/٨). (٥) (٦) في ( ط) : ونسائها. ٧٠ وفيات سنة ٣١٣هـ قال ابن الجوزي : وكثر الرُّطب في هذه السنة ببغداد حتى بيع كل ثمانية أرطال بحبَّة ، وعمل منه تمر وحُملَ إلى البَصْرةُ(١) . وعزل المقتدر وزيرَه الخاقانيّ بعد(٢) سنة وستة أشهر ويومين، وولَّى مكانه أبا العبَّاسُ(٣) أحمد بن عبيد الله بن أحمد بن الخَصِيب (٤) الخَصِيبي ؛ لأجل مالٍ بذله من جهة زوجة المحسن(٥) بن الفُرَات، وكان ذلك المال سبعمئة ألف دينار ، فأقرّ(٦) الخصيبيُّ عليَّ بنَ عيسى على الإشراف على ديار مِصْر وبلاد الشَّام ، وهو مقيم بمكة يسير إليهما في بعض الأوقات ، فيعمل ما ينبغي عمله من ذلك ، ثم يرجع إلى مكة شرفها الله . ذكر من توفي فيها من الأعيان : علي بن عبد الحميد(٧) بن عبد الله بن سليمان : أبو الحسن ، الغَضَائري . سمع القَواريري ، وعباساً العَنْبَري ، وكان من العُبَّاد الثقات . قال : جئت يوماً إلى سَرِيِّ السَّقَطي ، فدققت عليه بابه ، فخرج إليَّ، ووضع يده على عِضَادتيٍّ الباب(٨) وهو يقول: اللهم اشغل منْ شَغَلَني عنك بك. قال: فنالتني بركة هذه الدَّعْوة ، فحججتُ على قدميَّ من حلب إلى مكة أربعين سنة ذاهباً وآيباً؟) . أبو العبَّاس السَّرَّاج الحافظ ١) محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مِهِرَان بن عبد الله: الثَّقفي مولاهم، أبو العبَّاس السَّرَّاج ؛ أحد الأئمة الثَّقات الحُفَّاظ . مولده سنة ثمان عشرة ومئتين . (١) المنتظم (١٩٦/٦). (٢) في ( ط ) : بعد أن ولاه. في النسخ الخطية و( ط ) أبا القاسم ، وهو تحريف ، وستأتي كنيته على الصحيح ، ترجمته في سير أعلام النبلاء (٣) (١٥/ ٢٩٢ - ٢٩٣). في ( ط ) الخطيب ، وهو تحريف . (٤) (٥) في ( ط ) الحسين ، وهو تحريف . في ( ط ) فأمر ، وهو تصحيف. (٦) (٧) تاريخ بغداد (٢٩/١٢ -٣٠) الأنساب (١٥٥/٩) المنتظم (١٩٨/٦) سير أعلام النبلاء (٤٣٢/١٤ -٤٣٣). (٨) هما الخشبتان المنصوبتان عن يمين الداخل منه وشماله . اللسان ( عضد ) . تاريخ بغداد (٣٠/١٢). (٩) (١٠) تاريخ بغداد (٢٤٨/١ - ٢٥٢) الأنساب (٦٥/٧ - ٦٦، ١٣٤/٣ - ١٣٥) المنتظم (١٩٩/٦ - ٢٠٠) تذكرة الحفاظ (٧٣١/٢ - ٧٣٥) سير أعلام النبلاء (٣٨٨/١٤ -٣٩٨). ٧١ أحداث سنة ٣١٤ هـ وسمع قتيبة ، وإسحاق بن رَاهُويه ، وخلقاً كثيراً من أهل خُراسان وبغداد والكوفة والبصرة والحجاز . وقد حدث عنه البخاري ومُسْلم - وهما أكبر منه ، وأقدم ميلاداً ووفاة - وله مصنَّفات كثيرة نافعة جداً ، وكان يُعدُّ من مجابي الدَّعوة . وقد رأى في منامه كأنه يَرْقَى في سُلَّم، فَصَعدَ فيه تسعاً وتسعين درجةً ، فما أوَّلها على أحد إلا قال له : تعيش تسعاً وتسعين سنة ، فكان كذلك . وقد ولد له ابنه أبو عمرو وعمره ثلاث وثمانون سنة . قال الحاكم : فَسَمِعْتُ أبا عمرو يقول : فكنت إذا دخلت المسجد على أبي والناس عنده يقول لهم : هذا عملته في ليلة ، ولي من العمر ثلاث وثمانون سنة . ثم دخلت سنة أربع عشرة وثلاثمئة [ فيها (١) كتب ملك الرُّوم - وهو الدُّمُسْتُق، لعنه الله ـ إلى أهل السَّوَاحل أن يحملوا إليه الخَرَاج وإلا قاتلهم ، فأَبَوْا عليه، فركب إليهمُ(٢) في أول هذه السَّنة، فعاث في الأرض فساداً، ودخل مَلَطْيَةٍ، فَقَتلَ منْ أهلها كثيراً ، وأسر ، وأقام بها ستة عشر يوماً ، وجاء أهلها إلى بغداد يستنجدون الخليفة عليه . ووقع ببغداد حريقٌ في مكانين ، مات بسببهما خَلْقٌ كثير ، واحترق في أحدهما ألف دار ودُّان . وجاءتِ الكُتُب بموت الدُّمُسْتُق ملك النَّصَارى لعنه الله فقرئت الكتب على المنابر بذلك . وجاءت الكتب من مكة أن أهلها في غاية الانزعاج بسبب اقتراب القِرْمِطي إليهم ، وقصده إياهم ، فرحلوا منها إلى الطائف وتلك النواحي . وهبَّت ريح عظيمة بنَصِيبين اقتلعت الأشجار وهدمت البيوت . قال ابن الجَوْزِي : وفي يوم الأحد لثمانٍ مضين من شَوَّال منها - وهو سابع كانون الأوَّل - سقط ببغداد ثَلْجٌ عظيم جداً، وحصل بسببه بردٌ شديد، بحيث أتلف كثيراً من النخيل والأشجار ، وجَمَدتِ الأدمان حتى الأشربة ، وماء الوَرد والخَلّ ، والخُلْجان الكبار ، ودِجْلة ، وعقد بعضُ مشايخ الحدیث مجلس التحديث على متن دِجْلة من فوق الجَمْد ، وكتب عنه الحديث هنالك، ثم انكسر البرد بمطرٍ وَقَعَ فأزال ذلك كلّه، ولله الحمد(٣). (١) ما بين حاصرتين من (ط ) . (٢) في ( ط ) : في جنوده . (٣) المنتظم (٢٠١/٦ - ٢٠٢) . ٧٢ وفيات سنة ٣١٤هـ وقدم الحُجَّاح من خراسان إلى بغداد ، فاعتذر إليهم مؤنس الخادم بأن القرامطة قد قصدوا حجاج مكة ، فرجعوا ، ولم يتهيأ الحَجُّ تلك السنة من ناحية العِراق بالكلِّية . وفي ذي القَعْدَة عَزَلَ الخليفة وزيرَه أبا العَبَّاس الخَصِيبي بعد سنة وشهرين ، وأمر بالقَبْض عليه وحَبْسه؛ وذلك لإهماله أمر الوزارة ، والنظر في المصالح ؛ وذلك لاشتغاله بالخَمْر في كلِّ ليلة ، فيصبح مخموراً لا عقل له ، وقد وكل الأمور إلى نوابه ، فخانوه وعملوا مصالحهم ، وولَّى مكانه أبا القاسم عبيد الله بن محمد الكَلْوَذاني نيابةً عن عليٍّ بن عيسى ، حتى يَقْدَمَ ، ثم أرسل في طلب عليٍّ بن عيسى وهو في دمشق ، فقدم بغداد في أَبهة عظيمة ، فنظر في المصالح العامة والخاصة ، وَرَدَّ الأمورَ إلى السَّداد ، وتمهدت القواعد ، واستدعى بالخَصيبي فتهدَّده ولامَه وناقَشَه على ما كان يعتمده ويفعله في خاصَّة نفسه (١) وفي الأمور العامة، وذلك بحَضْرَة القُضَاة والأعيان، ثم رَدَّه إلى السجن . وفيها أخذ نَصْر بن أحمد السَّاماني الملقَّب بالسَّعيد(٢) بلاد الرّي وسكنها إلى سنة ست عشرة [ وثلاثمئة ]٣) . وفيها غزتِ الصَّائفة من بلاد طَرَسُوس بلاد الرُّوم ، فغنموا وسَلِموا . ولم يحجَّ ركب العراق خوفاً من القرامطة لعنهم الله . وممن توفي فيها من الأعيان : سَعْد الُّوبي(٤) صاحب باب النُّوبي(٥) من دار الخلافة ببغداد . توفي في صفر من هذه السنة ، وأقيم أخوه مقامه في حِفْظ هذا الباب الذي صار يُنْسب بعده إليه . ومحمد بن محمد الباهلي (٦) . ومحمد بن عمر بن لُبَابة القُرْطُبيِ(٧). - (١) في (ط ) : من معاصي الله عز وجل. في النسخ الخطية : السعد، وهو تصحيف . وسترد ترجمته في أحداث سنة (٣٣١هـ). (٢) (٣) ما بين حاصرتين من (ط). (٤) المنتظم (٢٠٣/٦) . كان على الجانب الشرقي من بغداد، وفيه العتبة التي كانت تقبلها الملوك والرسل. صبح الأعشى (٤/ ٣٣١). (٥) (٦) كان محدثاً ثقة زاهداً. ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٤ / ٢٩٥). (٧) في (ط ) القرمطي ، وهو تحريف شنيع، وكان ابن لبابة شيخ المالكية في عصره ، انتهت إليه الإمامة في المذهب . ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٤ /٤٩٥). ٧٣ أحداث سنة ٣١٥ هـ ونَصْر بن القاسم ، الفَرَائضي الحَنَفي ، أبو الليث(١) . سمع القَوَاريري ، وكان ثِقَةٌ ، عالماً بالفرائض على مذهب أبي حنيفة ، مُقْرِئ٢ً) جليلاً . ثم دخلت سنة خمس عشرة وثلاثمئة في صفر منها كان قدوم عليٍّ بن عيسى الوزير من دمشق إلى بغداد ، وقد تلقاه الناس إلى أثناء الطريق ؛ فمنهم من كان قد لقيه إلى الأنبار ، ومنهم دون ذلك . وحين دخل إلى الخليفة المقتدر خاطبه(٣) المقتدر فأحسن مخاطبته ، وانصرف إلى منزله ، فبعث(٤) وراءه بالفُرُش والقُماش وعشرين ألف دينار ، واستدعاه من الغد ، فخلع عليه ، فأنشد وهو في الخِلْعة : ما النَّاس إلا مع الدُّنيا وصاحبها فكيفما انَقَلَبَتْ يوماً به انقلبوا يوماً عليه بما لا يشتهي وَثَبُوا يُعَظِّمون أخا الدُّنيا فإن وَثَبَتْ وجاءتِ الكتب بأن الرُّوم قد دخلوا سُمَيْسَاط(٥) ، وأخذوا جميع ما فيها ، ونصبوا فيها خيمة الملك وضربوا النَّاقوس في الجامع بها ، فأمر الخليفة مؤنساً الخادم بالتجهيز للمسير إليهم ، وخلع عليه خِلْعة سنية ، ثم جاءتٍ الكتب بأن المسلمين وثبوا على الرُّوم ، فقتلوا منهم خَلْقاً كثيراً ، وغنموا غنائم كثيرة جداً ، ولله الحمد . ولما تجهّز مُؤْنس للمسير جاءه بعضُ الخدم ، فأعلمه أن الخليفة يريد أن يقبض عليه إذا دخل الوداعه، وقد حُضِرَت [ له ]٦) زُبْيَةٌ في (٧) دار الخلافة مغطاة ليتردى فيها ، فأحجم عن الذهاب . وجاءت الأمراء إليه من كل جانب ، ليكونوا معه على الخليفة ، فبعث إليه المقتدر برقعة بخطّه يحلف له فيها أن هذا الأمر الذي بلغه ليس بصحيح ؛ فطابت نفسه ، وركب إلى دار الخلافة في غِلْمانٍ قلائل ، فلما دخل على الخليفة خاطبه مخاطبةً عظيمة ، وحلف له أنه طيِّبُ القلب عليه ، وله عنده الصفاء الذي يعرفه . (١) تاريخ بغداد (٢٩٥/١٣) الأنساب (٢٥٩/٩) اللباب (٢٠٢/٢) المنتظم (٢٠٤/٦) سير أعلام النبلاء (٤٦٥/١٤ - ٤٦٦) . (٢) في ( ط ) مقرباً، وهو تصحيف. (٣) في ( ط ) : الخليفة . في ( ط ) : الخليفة . (٤) قلعة في بر الشام على الفرات في ناحية بلاد الروم ، بين قلعة الروم وملطية . وفيات الأعيان (٤٢١/٣). (٥) (٦) ما بين حاصرتين من ( ط ) . (٧) في (ط ) وقد حضرت له ريبة ، وهو تحريف . والزُّبْية : حفرة تغطى فوهتها، إذا وطئها الأسد وقع فيها . المعجم الوسيط (٣٩٠/١). ٧٤ ظهور الدَّيْلَم وخرج من بين يديه معظّماً مكرماً ، وركب العَبَّاس بن المقتدر ، والوزير علي بن عيسى ونصر الحاجب في خدمته لتوديعه ، وكبراء الأمراء بين يديه مثل الحجبة ، وكان خروجه يوماً مشهوداً ، قاصداً بلاد الثغور لقتال الزُّوم ظفَّره الله بهم ، وأيده ونصره . وفي جمادى الأولى [ منها }(١) قُبضَ على رجل خنَّاق قد قتل خَلْقاً من النساء ، لأنه ادَّعى أنه يعرف العطف والتنجيم ، فقصده النساء لذلك، فإذا انفرد بالمرأة قام إليها٢) فخنقها بِوَتَر - وأعانته امرأته على ذلك - ثم حفر لها في داره فدفنها ، فإذا امتلأت تلك الدَّار(٣) انتقل عنها إلى غيرها ، ولما ظهر عليه وجد في داره(٤) سبع عشرة امرأة قد خنقهن ، ثم تتبعت الدور التي سكنها ، فوجدوا قد قتل شيئاً كثيراً من النساء ، فَضُربَ ألف سَوْطِ ، ثم صلب حياً حتى مات ، قبحه الله . ظهور الدَّيْلَم وفي هذه السنة كان ظهور الدَّيْلم ببلاد الرَّي، فكان فيهم ملك غَلَبَ على أمرهم يقال له مَرَداوِيجُ(٥) ، يجلس على سريرٍ من ذهب ، وبين يديه سرير من فضَّة ، ويقول : أنا سليمان بن داود ، وقد سار في أهل الزّي وقزوين وأصبهان سيرة قبيحة جداً ؛ كان يقتل النساء والصِّبيان في المهود ، ويأخذ أموال النَّاس ، وهو في غاية الجبروت والشدة والجرأة على محارم الله عزَّ وجلَّ ، فقتلته الأتراك ، وأراح الله المسلمين من شَرِّه ، ولله الحمد والمنة . وفي هذه السنة كانت وقعة عظيمة بين يوسف بن أبي السَّاج وبين أبي طاهر القِرْمطي عند الكوفة ؛ سبقه إليها أبو طاهر فحال بينه وبينها ، فكتب إليه يوسف بن أبي الساج : اسمع وأطع وإلا فاستعد للقتال يوم السبت تاسع شوَّال من هذه السنة فقال: هلم. [ فسار إليه ]٦)، فلما تراءى الجمعان استقلَّ يوسف بن أبي السَّاج - وكان معه عشرون ألفاً - جيشَ القرامطة ، وكان معه ألف فارس(٧) وخمسمئة راجلٍ . فقال [ يوسف ]٨): وما قيمة هؤلاء الكلاب؟ وأمَرَ الكاتبَ أن يكتب بالفتح قبل اللقاء إلى الخليفة ، فلما اقتتلوا ثبت القرامطة ثباتاً عظيماً ، ونزل أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الجَنَّابي لعنه الله ، (١) ما بين حاصرتين من (ط). في ( ط ) : قام إليها ففعل معها الفاحشة ، وخنقها . (٢) (٣) في ( ط ) : من القتلى . (٤) في ( ط ) : التي هو فيها . أخيراً . (٥) انظر خبره في أحداث سنة (٣٢٣هـ) . ما بين حاصرتين من ( ط ) . (٦) (٧) في (ب) و(ظ) ألفا فارس، وما أثبتناه موافق لما في تاريخ الإسلام (٧/ ٢١٢). (٨) ما بين حاصرتين من ( ط). ٧٥ وفيات سنة ٣١٥هـ فحرَّض أصحابه ، وحمل بهم حملة صادقةٌ ، فهزموا جُنْدَ الخليفة ، وأسروا يوسفَ بن أبي السَّاج [ أمير الجيش (١)، وقتلوا خَلْقاً كثيراً من جند الخليفة ، واستحوذوا على الكوفة ، وجاءتِ الأخبار بذلك إلى بغداد ، وشاع بين الناس بأن القِرْمِطِي يريد أن يقصد بغداد ليأخذها ، فانزعج المسلمون لذلك ، وظنوا صدقه ، فاجتمع الوزير بالخليفة وقال : يا أمير المؤمنين ، إن الأموال إنما تدَّخر لتكون عوناً على قتال أعداء الله ، وإن هذا الأمر لم يقع بعد زمن الصحابة أفظع منه ، قد قطع هذا الكافر طريق الحج على الناس ، وفتك في المسلمين مرة بعد مرة ، وإن بيت المال ليس فيه شيء ، فاتقِ الله يا أمير المؤمنين وخاطبِ السيدة - يعني أَمَّه - فإن كان عندها مالٌ قد ادخرته لشدَّة ، فهذا وقته . فدخل على أُمِّه ، فكانت هي التي ابتدأته بذلك ، وبذلت له خمسمئة ألف دينار ، وكان في بيت المال مثلها ، فسأَّمها الخليفة إلى الوزير ليصرفها في تنفيذ الجيوش نحو القرامطة، فَجَّهَزَ الوزير جيشاً أربعين ألفاً مع أميرٍ يقال له بُلَيق(٢)، [ فسار نحوهم ، فلما سمعوا به (٣) أخذوا عليه الطرقات ، وكان يريد دخول بغداد ، ثم التقوا معه ، فلم يلبث جيش الخليفة أن انهزم ، فإنَّا لله وإنّا إليه راجعون . وكان يوسف بن أبي السَّاج [ معهم }٤) مقيّداً في خيمة ، فجعل ينظر إلى محل الوقعة ، فلما رجع القِرْمِطي قال : أردت أن تهرب ؟ ثم أمر به فضربت عنقه . ورجع القرمطي من ناحية بغداد إلى الأنبار . ثم انصرف إلى هِيت ، فأكثر أهل بغداد الصَّدقة ، وكذلك الخليفة وأمه والوزير شكراً له عزَّ وجلَّ على صرفه عنهم هذا الخبيث ، ولله الحمد والمنة . وفي هذه السنة بعث المهديُّ - المُدَّعي أنه فاطمي الذي ظهر ببلاد المغرب - ولدَه أبا القاسم في جيش(٥) ، فانهزم جيشه ، وقُتِلَ من أصحابه خَلْقٌ كثير . وفيها اختطَّ المهدي المذكور مدينته المُحمَّدية (٦) . وفيها حاصر عبد الرحمن بن الدَّاخل الأموي(٧) مدينة طُلَيْطُلة، وكانوا مسلمين ، لكنهم نقضوا ما كانوا عاهدوه عليه ، ففتحها قهراً ، وقتل خَلْقاً من أهلها . وممن توفي فيها من الأعيان : ابن الجصَّاص الجَوْهَريّ(٨) الحسين بن عبد الله بن الجَصَّاص ، الجَوْهَري : أبو عبد الله البَغْدادي. (١) ما بين حاصرتين من ( ط). (٢) سيرد خبر مقتله على يد القاهر بالله في أحداث سنة (٣٢١هـ). وقد رسم اسمه في بعض كتب التاريخ: ((يلبق)). (٣) ما بين حاصرتين من ( ط). ما بين حاصرتين من ( ط ) . (٤) (٥) (٦) في ( ط ) : إلى بلاد منها . معجم البلدان (٥/ ٦٤ - ٦٥) وفيه : أن ابنه القاسم هو الذي اختطها ، وسماها المحمدية باسمه. (٧) في ( ط) : ابن الداخل إلى بلاد المغرب الأموي ... وسترد ترجمة عبد الرحمن في وفيات سنة (٣٥٠هـ) . (٨) نشوار المحاضرة (٢٦/١، ٢٩، ٣٦، ٣٧، ٣١٢/٢) الأنساب: (٢٦٠/٣) المنتظم (٢١١/٦ -٢١٤) اللباب= ٧٦ وفيات سنة ٣١٥هـ كان ذا مالٍ عظيم وثروة متسعة جداً ، وكان أصل نعمته من بيت أحمد بن طولون ؛ كان قد جعله جوهرياً له يتسوق له ما يقع من نفائس الجواهر بمصر ، فاكتسب بسبب ذلك أموالاً جزيلة جداً . قال ابن الجَصَّاص : كنت يوماً بباب ابن طولون إذا خرجت القَهْرمانة وبيدها عِقْدٌ فيه مئة حبة من الجَوْهر ، تساوي كلُّ واحدةٍ ألفي دينار . فقالت : أريد أن تأخذ هذا فتخرطه حتى يكون أصغر من هذا الحجم ؛ فإن هذا نافر على ما يريدونه(١) . فأخذته منها ، وذهبت به إلى المنزل ، وحصلت جواهر أصغر منها تساوي عُشْر (٢) قيمة تلك الجواهر بكثير ، فدفعتها إليها ، وفزت أنا بذلك الذي جاءت به ، فكانت قيمته مئتي ألف دينار(٣) . وقد اتفق أنه صُودرَ في زمان المقتدر مصادرةً عظيمة ، أُخذ منه [ فيها ] ما يقاوم ستة عشر ألف ألف دينار ، ويقي معه من الأموال شيء كثير جداً . قال بعضهم : دخلت عليه وهو يتردّد في منزله كأنَّه مجنون ، فقلت: ما لك (٤) ؟ فقال: ويحك ، أُخذ مني كذا وكذا، فأنا أحس أن روحي ستخرج . فعذرته ، ثم أخذت في تسليته فقلت له : إن دارك وبساتينك وضياعك الباقية لك تساوي سبعمئة ألف دينار ، واصدقني ، كم بقي عندك من الجواهر والمتاع ؟ فإذا هو شيء يساوي ثلاثمئة ألف دينار فقلت(٥) : إنَّ هذا أمر لا يشاركك فيه أحدٌ من التجار ببغداد مع مالك من الوجاهة عند الدَّولة والنَّاس . قال : فسرِّيَ عنه، وتسلَّى عما فات عليه، وأكل ، وكان له ثلاثة أيام لم يأكل شيئا٦ً) . ولما خلص من مصادرة المقتدر بشفاعة أمه السيِّدة فيه حكى عن نفسه قال : نظرت في دار الخلافة إلى مئة خيشة(٧) ، فيه متاع رَثِّ مما حمل إليَّ من مصر، وهو عندهم بدار مَضِيعة ، وكان لي في حِمْلٍ منها ألف دينار موضوعة فيه من مصر لا يشعر بها أحد ، فاستوهبت ذلك من أُمّ المقتدر ، فكلَّمَتْ في ذلك ولدَها، فأطلقه لي، فتسلمته، فإذا الذَّهب لم يَنْقُصْ منه شيء(٨). (٢٢٨/١ -٢٢٩) وفيات الأعيان (٧٧/٣) سير أعلام النبلاء (٤٦٩/١٤ - ٤٧٣) فوات الوفيات (٣٧٢/١ - ٣٧٦) = الوافي بالوفيات (٣٨٦/١٢ -٣٩١). في ( ط ) : وأرادت خرطه وإتلافه. (١) (٢) في (ط) : تساوي أقل من عشر . (٣) نشوار المحاضرة (٣١٢/٢ -٣١٣). (٤) في ( ط ) : فقلت له : مالك هكذا .. في ( ط ) : غير ما بقي عنده من الذهب والفضة المصكوكة ، فقلت له . (٥) (٦) الخبر في المنتظم (٢١٣/٦ - ٢١٤). (٧) أي مئة عدل من الأعدال الخيش ، وهو ما يدعى بعامية أهل دمشق بالجنفاص. (٨) الفرج بعد الشدة (١١٢/٢ - ١١٣). ٧٧ وفيات سنة ٣١٥هـ وقد كان [ ابن الجصاص }١) مع ذلك مغفلاً شديدَ التغفيل في كلامه وأفعاله ، وقد ذكر عنه أشياء تدُلُّ على ذلك ، وقيل : إنه إنما كان يفعل ذلك ليظهر أنه مُغَفَّل ، وقيل : إنه كان يقول ذلك على سبيل البسط والدُّعابة ، والله تعالى أعلم . وفيها توفي : عبد الله بن محمد القَزْويني . وعلي بن سليمان بن الفَضْل(٢) أبو الحسن، الأخْفَش. روى عن المبرِّد ، وثعلب ، واليزيدي ، وغيرهم . وعنه : المَرْزُباني(٣) والمعافى وغيرهما . وكان ثِقَةً في نقله ، فقيراً في ذات يده ، توصَّل إلى أبي علي بن مُقْلة حتى كلَّم فيه الوزير عليَّ بن عيسى في أن يُرَتِّب له شيئاً ، فلم يجبه إلى ذلك ، وضاق به الحال حتى كان يأكل اللَّفْت النِّيء ، فمات فجأةً من كثرة أكله ، وذلك في شعبان من هذه السنة ، والله أعلم ، وهذا هو الأخفش الصَّغير . والأوسط هو سعيد بن مَسْعدة(٤) ؛ تلميذ سيبويه . وأما الأكبر فهو أبو الخَطَّاب عبد الحميد بن عبد المجيد(٥) ، من أهل هَجَر ؛ وهو شيخ سيبويه ، وأبي عُبَيْدة(٦) وغيرهما . وأبو بكر محمد بن السَّرِي السَّرَّاج النَّخوي(٧)، صاحب ((الأصول)) في النحو ، قاله ابن الأثير(٨). ومحمد بن المسيَّب الأرْغِياني (٩) . (١) ما بين حاصرتين من ( ط). (٢) في (ط ) المفضل، وهو تحريف وترجمته في طبقات النحويين واللغويين (١٢٥ - ١٢٧) الأنساب (١٥٤/١) نزهة الألباء (١٦٩) المنتظم (٢١٥/٢١٤/٦) معجم الأدباء (٢٤٦/١٣ - ٢٥٧) إنباه الرواة (٢٧٦/٢ - ٢٧٨) وفيات الأعيان (٣٠١/٣ - ٣٠٣) سير أعلام النبلاء (١٤/ ٤٨٠ - ٤٨٢). في النسخ الخطية و( ط ) الروياني، وهو تحريف، وسترد ترجمة المرزباني في وفيات سنة (٣٨٤هـ) . (٣) (٤) توفي سنة (٢١٥هـ)، ترجمته في إنباه الرواة (٣٦/٢ -٤٣). (٥) ترجمته في إنباه الرواة (١٥٧/٢ - ١٥٨). (٦) في ( ط ) أبي عبيد ، وهو تصحيف . ترجمته في سير أعلام النبلاء (٤٨٣/١٤ - ٤٨٤). (٧) (٨) الكامل لابن الأثير (٨/ ١٨٠) وفيه: وقيل : توفي سنة ست عشرة وثلاثمئة. (٩) ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٤ / ٤٢٢ -٤٢٦). ٧٨ أحداث سنة ٣١٦ هـ ثم دخلت سنة ست عشرة وثلاثمئة فيها عاث أبو طاهر القِرْمطي وهو سليمان بن أبي سعيد الجنَّابي - لعنه الله - في الأرض فساداً، حاصر الرَّحْبةُ(١) ، فدخلها قهراً، وقتل من أهلها خَلْقاً، وطلب منه أهل قَرْقِيسيا الأمان فأَمَّنهم ، وبعث سرايا إلى ما حَوْلها من الأعراب فقتل منهم خَلْقاً أيضاً ، حتى صاروا إذا سمعوا بذكره يهربون من سماع اسمه ، وقرَّر على الأعراب إتاوة (٢) يحملونها إلى هَجَر في كل سنة ، عن كل رأس ديناران . وعاث في نواحي المَوْصل وسِنْجار وتلك الدِّيار(٣)، وقتل وسبى (٤) ونهب ، فقصده مؤنس الخادم ، فلم يتواجها ، ثم رجع إلى بلده [ هَجَر ]°) فابتنى بها داراً سَمَّاها دار الهجرة، ودعا إلى المهدي الذي ببلاد المغرب باني(٦) المَهْدِيَّة ، وتفاقم أمره ، وكَثُرَ أتباعه ، وصاروا يَكْبِسُون القرية من أرض السواد ، فيقتلون أهلها وينهبون أموالها ، ورام في نفسه دخول الكوفة وأخْذَها فلم يقدر على ذلك ، وعصمها الله منه . ولما رأى الوزير عليٍّ بن عيسى ما يفعل هذا الهَجَري القِرْمِطي ببلاد الإسلام ، والخليفة وجيشه ضعفاء عن مقاومته ، استعفى من الوزارة ، وعزل نفسه عنها ، فسعى فيها أبو عليّ بن مُقْلة؛ الكاتب المشهور(٧) ، فوليها بسفارة نَصْر الحاجب وأبي عبد الله البريدي - بالباء الموحدة ، من البريد ، ويقال : اليزيدي ؛ لخدمة جدِّه يزيد بن منصور الحِمْيَريّ(٨) - ثم جهّز الخليفة جيشاً كثيفاً مع مؤنس الخادم ، فاقتتلوا مع القرامطة ، فقتلوا من القرامطة خَلْقاً كثيراً ، وأسروا منهم طائفةً كثيرةً من أشرافهم ، ودخلوا مع مؤنس الخادم إلى بغداد ، والأسارى بين يديه، وأعلام من أعلامهم بيض منكَّسة مكتوب عليها ﴿ وَثُرِيدُ أَنْ ثَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ فيِ الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَبِنَّةً وَنَجْعَلَهُمُ اُلْوَرِثِينَ﴾ [ القصص: ٥]. ففَرِحَ المسلمون بذلك فرحاً شديداً، وطابت أنْفُس أهل بغداد ، وانكسر شر القرامطة الذين كانوا قد نشؤوا وكثروا وأظهروا رؤوسهم بأرض العراق ، ونهبوا كثيراً من القرايا ، وفوضوا أمرهم إلى رجلٍ يقال له حريث بن مسعود - لا أسعده الله - ودعوا إلى المهدي الذي ظهر ببلاد المغرب وبنى المهدية جد الخلفاء الفاطميين ، وهم أدعياء فيما ذكروا (١) رحبة مالك بن طوق، وهي بين الرقة وبغداد على شاطىء الفرات أسفل من قرقيسيا. معجم البلدان (٣٤/٣). (٢) في ( ط ) إمارة ، وهو تحريف . في ( ط ) وعاث في نواحي الموصل فساداً ، وفي سنجار ونواحيها ، وخرب تلك الديار . (٣) (٤) في ( ط ) وسلب . (٥) ما بين حاصرتين من ( ط ) . (٦) في ( ط ) بمدينة ، وهو تحريف . سترد ترجمته في وفيات سنة (٣٢٨هـ) . (٧) في ( ط ) الجهيري ، وهو تحريف . ويزيد هذا هو خال المهدي العباسي ، كان مقدماً في دولة بني العباس ، ولي للمنصور البصرة واليمن، ومات سنة (١٦٥ هـ). الأعلام للزركلي (١٨٩/٨). (٨) ٧٩ وفيات سنة ٣١٦هـ لهم من النسب كما قد نص على ذلك غير واحد من أئمة العلماء كما سيأتي تفصيله وبيانه في موضعه إن شاء الله(١). وفي هذه السنة وقعت وحشة بين مؤنس الخادم وبين المقتدر ؛ وسبب ذلك أن نازوك أمير الشرطة وقع بينه وبين هارون بن غريب - وهو ابن خال المقتدر - فانتصر هارون على نازوك ، وشاع بين العامة أن هارون سيصير أمير الأمراء ، فبلغ ذلك مؤنس الخادم وهو بالرَّقَّة ، فأسرع الأوبة إلى بغداد ، واجتمع بالخليفة فتصالحا ، ثم إن الخليفة نقل هارون إلى دار الخلافة ، فقويت الوحشة بينهما ، وانضمَّ إلى مؤنس جماعةٌ من الأمراء ، وترددت الرسل بينهما ، وانقضت هذه السنة والأمر كذلك . وهذا كلُّه من ضعف الأمور واضطرابها ، وكثرة الفتن وانتشارها . وفيها كان مقتل الحسن(٢) بن القاسم الدَّاعي العلوي؛ صاحب الرَّي على يد صاحب الدَّيْلَم وسُلْطانهم يومئذٍ مَرداويج المجرم ، قبحه الله(٣). وممن توفي فيها من الأعيان : بُنان بن محمد بن حَمْدَان بن سعيد(٤) أبو الحسن : الزَّاهد ، ويعرف بالحَمَّال . روى الحديث عن الحسن بن عرفة ، وكان يضرب بزهده المثل ، وكانت له كرامات كثيرة . وله منزلة كبيرة عند النَّاس ، وكان لا يقبل من السُّلْطان شيئاً ، وقد أنكر يوماً على ابن طولون شيئاً من المنكرات ، وأمره بالمعروف ، فأَمَر به فألقي بين يدي الأسد ، فكان يشمّه ويحجم عنه ، فرفع من بين يديه ، وعظّمه النَّاس جداً أكثر ما كانوا يعظمونه ، وقد سأله بعضُ النَّاس : كيف كان حالك وأنت بين يدي الأسد ، فقال: لم يكن عليَّ بأس، وقد كنت أفكر في سُؤر السِّبَاع(٥) ، أهو طاهر أم نجس ؟ قالوا : وجاءه رجل فقال له : إن لي على رجلٍ مئة دينار ، وقد ذهبت الوثيقة ، وأنا أخشى أن ينكر ذلك الرجل ، فأسألك الدعاء(٦) فقال له : إني رجل قد كبرت (٧) . وأنا أحبُّ الحلواء ، فاذهب فاشترٍ لي (١) انظر ص (١١٣) من هذا الجزء. (٢) في ( ط ) الحسين ، وهو تصحيف . (٣) في (ح) ورد خبر مقتل الحسن في وفيات السنة السالفة، والمثبت من (ب) و(ظا) و(ط )، وعلى هذا أغلب كتب التاريخ . (٤) طبقات الصوفية (٢٩١ - ٢٩٤) حلية الأولياء (٣٢٤/١٠ - ٣٢٥) تاريخ بغداد (١٠٠/٧ - ١٠٢) المنتظم (٢١٧/٦) سير أعلام النبلاء (١٤ / ٤٨٨ - ٤٩٠). في ( ط ) : واختلاف العلماء فيه . (٥) (٦) في (ط ) بأن يرد الله عليَّ الوثيقة . (٧) في ( ط ) كبرت سني ورق عظمي. ٨٠ أحداث سنة ٣١٧ هـ منها رطلاً ، وأُتني به حتى أدعو لك . فذهب الرجل ، فاشترى ، ثم جاء ، ففتح الورقة ، فإذا حُجَّته بالمئة دينار . فقال له الشيخ: أهذه حُجَّتك؟ قال : نعم . قال : خذها وخذ الحلواء فأطعِمْها صبيانك(١). ولما توفي خرج أهل مصر في جنازته تعظيماً لشأنه ، وإكراماً له . ومحمد بن خُرَيمُ(٢)، ومحمد بن عقيل البَلْخي(٣)، وأبو بكر بن أبي داود السِّجِسْتاني الحافظ بن الحافظ(٤). وأبو عوانة يعقوب بن إسحاق(٥) بن إبراهيم، الإسْفَرَاييني(٦)، صاحب ((الصَّحيح)(٧) المخرَّج على مُسْلم . وقد كان من الحُفَّظ المكثرين ، والأئمة المشهورين . ونَصْر الحاجب للخليفة المقتدر بالله(٨)، وكان من خيار الأمراء ، دَيِّناً عاقلاً ، أنفق من ماله في حرب القرامطة مئة ألف دينار ، وخرج بنفسه مُخْتسباً ، فمات في أثناء الطّريق في هذه السنة . ثم دخلت سنة سبع عشرة وثلاثمئة فيها كان خلع المقتدر وتولية القاهر محمد بن المعتضد بالله أخي المقتدر بالله . في المحرم من هذه السنة اشتدت الوحشة بين مؤنس الخادم والخليفة ، فالتف الأمراء على مؤنس الخادم وتفاقم الحال ، وآل إلى أن اجتمعوا على خلع المقتدر بالله وتولية محمد بن المعتضد ، فبايعوه بالخلافة ، وسلَّموا عليه بها ، ولقبوه القاهر بالله ، وذلك ليلة السبت للنصف من المُحَرَّم من هذه السنة، وقُلِّد أبو علي بن مُقْلة٩ُ) وزارته ، ونُهبت دار المقتدر بالله وأُخذَ منها شيء كثير، ووجدَ (١) تاريخ بغداد (٧/ ١٠٢). ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٤ /٤٢٨ -٤٢٩). (٢) ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٤/ ٤١٥ - ٤١٦). (٣) ترجمته في المنتظم (٢١٨/٦ -٢١٩). (٤) تاريخ جرجان (٤٤٨) الأنساب (٢٣٥/١ - ٢٣٦) وفيات الأعيان (٣٩٣/٦ - ٣٩٤) سير أعلام النبلاء (١٤ / ٤١٧ - (٥) ٤٢١) . ضبطت في معجم البلدان (١/ ١٧٧) بالفتح . (٦) طبع منه الجزء الأول والثاني والرابع والخامس بدائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن في الهند . (٧) (٨) المنتظم (٢٢٠/٦) وأخباره مبثوثة في كتب تاريخ تلك الفترة. (٩) في ( ط ) علي بن مقلة ، وهو خطأ .