Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
وفيات سنة ٢٧٢ هـ
آلاف، ودخل الرّيّ، فأخذ من أهلها مئة ألف ألف دينار، وفرَّق عمَّاله في نواحي الرَّيّ(١).
وفيها : وقع بين أبي العباس بن الموفّق وبين صاحب ثغر طَرَسوس وهو بازمار(٢) الخادم فثار أهلُ
طَرَسوس على أبي العباس ، فأخرجوه عنهم ، فرجع إلى بغداد .
وفيها : دخل حمدان بن حمدون ، وهارون الشاري ، مدينة الموصل ، وصلَّى بهم الشاري في
جامعها الأعظم .
وفيها : عاثت بنو شيبان في أرض الموصل ، وسعَوا في الأرض فساداً .
وفيها : تحرّكت بقيّة الزَّنج في أرض البصرة، ونادوا: يا أنكلاي(٣) ، يا منصور ، ـ وكان أنكلاي
ابن صاحب الزَّنج - وسليمان بن جامع ، وأبان بن علي المهلّبيّ ، وجماعة من وجوه أمرائهم ، في جيش
الموفَّق، فبعث إليهم ، فقُتلوا، وحُمِلَت رؤوسهم إليه ، وصُلبت أبدانهم ببغداد ، وسكنت الشرور .
وفيها : صلَح أمر المدينة النبوية وتراجع الناس إليها ، ولله الحمد .
وفيها : جرت حروبٌ كثيرة ببلاد الأندلس ، وتسلّمت الروم من المسلمين بلدين عظيمين من
الأندلس ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
وفيها : قدم صاعد بن مخلد الكاتب من فارس إلى واسط ، فأمر الموفَّقُ القوَّاد أن يتلقَّوه ، فدخل في
أُبَّهة عظيمة ، ولكن ظهر منه تِيهُ وعجب شديد ، فأمر الموفَّق عمَّا قريب بالقبض عليه وعلى أهله وأمواله
وحواصله ، واستكتب مكانه أبا الصقر إسماعيل بن بُلبل .
وحجَّ بالناس فيها هارون بن محمد بن إسحاق العباسي ، أمير الحج منذ دهر .
وممن توفي فيها من الأعيان :
إبراهيم بن الوليد الجَشَّاش (٤) .
وأحمد بن عبد الجبّار بن محمد بن عُطارد العُطَارديّ التَّميميُ(٥) ، راوي السيرة عن يونس بن بُكَير ،
عن محمد بن إسحاق بن يسار وغير ذلك .
(١) ابن الأثير (٤١٨/٧).
(٢) في ط والطبري : يازمان .
(٣)
في ب ، ظا : يا أنكالي .
في ط: (( بن الحسحاس)» وفي الكامل (( بن الخشخاش)) وكلاهما خطأ، وما أثبتناه من كتب المشتبه ومنها توضيح
(٤)
ابن ناصر الدين (٣٦١/٢) وهو إبراهيم بن الوليد بن أيوب أبو إسحاق الجشاش . سمع أبا نعيم والقعنبي وغيرهم
كان ثقة. تنظر ترجمته في تاريخ بغداد للخطيب (١٩٩/٦) والمنتظم (٨٥/٥)، وابن الأثير (٧/ ٤٢١).
(٥) أبو عمرو الكوفي ، الشيخ المعمّر المحدِّث، ضعيف ، وسماعه للسيرة صحيح . مات بالكوفة وله خمس وتسعون
سنة . سير أعلام النبلاء (١٣ /٥٥)، تقريب التهذيب (١٩/١).

٣٠٢
وأبو عُثْبةَ الحِجازيّ(١)
وسليمان بن سَيْق (٢).
وسليمان بن وَهْب الوزير (٣) ، في حبس الموفَّق .
وشعيب بن بكَّار(٤) ، يَروي عن أبي عاصم النبيل .
ومحمد بن صالح بن عبد الرحمن الأَنماطي، ويلقب بكَيْلَجةُ(٥) ، وهو من تلاميذ يحيى بن معين .
ومحمد بن عبد الوهاب الفرَّاء(٦) .
ومحمد بن عُبَيد الله، ابن المُنَادي(٧) .
ومحمد بن عَوْف الحمصي (٨)
وأبو مَعْشَر المنجِّمُ(٩) : واسمه جعفر بن محمد بن عمر البلخيّ ، أستاذ عصره في صناعة التنجيم ،
(١) هو أحمد بن الفرج بن سليمان، أبو عُتْبَة الكِندي الحمصي ، الملقب بالحجازي المؤذن . كانت له رحلة وعناية
بالحديث، وعُمِّر دهراً، واحتيج إليه . وهو وسط ليس بالحجة . سير أعلام النبلاء (١٢/ ٥٨٤)، العبر
(٤٩/٢) .
(٢) سليمان بن سَيْف بن يحيى بن درهم ، أبو داود الحَرَّاني، الطائي مولاهم، محدِّث حرَّان وشيخها . روى عنه
النسائي كثيراً، وقال : ثقة. سير أعلام النبلاء (١٤٧/١٣)، العبر (٥٠/٢).
(٣) أبو أيوب الحارثي، وزير، من كبار الكتّاب، من بيت كتابة وإنشاءٍ في الشام والعراق. كتب للمأمون وهو حَدَث ،
وولي الوزارة للمهتدي بالله ، ثم للمعتمد على الله ، ونقم عليه الموفّق بالله ، فحبسه ، فمات في حبسه . له (( ديوان
رسائل )). وفيات الأعيان (٤١٥/٢)، سير أعلام النبلاء (١٣/ ١٢٧).
(٤)
الكامل لابن الأثير (٤٢١/٧)، وفي أ، ط : شعبة .
في الأصول والمطبوع: ((ويلقب بمكحلة))، وصححت من مصادر الترجمة . وهو أبو بكر الأنماطي البغدادي ،
محدّث جوال ، حافظ متقن ثقة . توفي بمكة وكيلجة لقب . لقبه إياه يحيى بن معين .
(٥)
تاريخ بغداد (٢٠٣/٤)، سير أعلام النبلاء (١٢ /٦٠٦)، العبر (٥٠/٢).
(٦) محمد بن عبد الوهاب بن حبيب بن مهران ، العَبْدي الفرَّاء النيسابوري، ويعرف أيضاً بحَمَك ، أبو أحمد . العلامة
الحافظ الأديب . كان وجه مشايخ نيسابور عقلاً وعلماً وجلالة وحشمة . قال الحاكم : كان يفتي في الفقه والحديث
والعربية، ويرجع إليه فيها. مات عن نيّف وتسعين سنة. سير أعلام النبلاء (١٢ /٦٠٦)، العبر (٥٠/٢).
(٧)
محمد بن عبيد الله بن يزيد ، أبو جعفر ، ابن المنادي البغدادي ، المحدث الثقة . مات وله مئة سنة وسنة وأربعة
أشهر . سير أعلام النبلاء (١٢ / ٥٥٥)، العبر (٢/ ٥٠).
(٨) أبو جعفر الطائي، محدِّث حمص، حافظ مجوِّد، من أئمة الحديث. سير أعلام النبلاء (٦١٣/١٢)، العبر
(٥٠/٢) .
(٩) الفهرست (٢٧٧/١)، وفيات الأعيان (٣٥٨/١)، سير أعلام النبلاء (١٦١/١٣)، شذرات الذهب (١٦١/٢) ،
الأعلام للزركلي (٢/ ١٢٧) .

٣٠٣
أحداث سنة ٢٧٣ هـ
وله فيه التصانيف المشهورة، كـ ((المدخل)(١) و ((الزِّيج)(٢)، و ((الألوف)(٣) وغيرها ؛ ويتكلَّم على
ما يتعلق بالتيسير وكذلك بالأحكام .
قال ابن خلكان(٤) : وله إصابات عجيبة . ثم حكى: أنَّ بعض الملوك تطلّب رجلاً، فذهب ذلك
الرجل فاختفى ، وخاف من أبي مَعْشر المنجّم ، أن يدلَّ عليه الملكَ بصنعته ، فعمَدَ إلى طَسْت ، فملأه
دماً ، ووضع أسفله هاوناً ، وجلس على ذلك الهاون . فاستدعى الملك أبا مَعْشَر ، فضرب رمله ،
وحرَّر(٥) أمره ، ثم قال : هذا عجيبٌ ، أجدُ هذا الرجل جالساً على جبلٍ من ذهب في وسط بحر من دمٍ ،
ولكن ليس هذا في الدنيا . ثم أعاد الضرْبَ فوجده كذلك ، فتعجّب الملك أيضاً ، ونادى في البلد بأمان
المذكور ، فظهر ، فلمَّا مثل بين يدي الملك سأله أين اختفى ؟ فأخبره بأمره ، فتعجَّب الناس من ذلك .
قلت : والظاهر أنَّ الذي ينسب إلى جعفر بن محمد الصادق من علم الزجر ، والطرق ، واختلاج
الأعضاء ، ونحو ذلك ، إنما هو منسوب إلى جعفر بن محمد هذا ، وليس بالصادق ، والله أعلم .
ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين ومثتين
فيها وقع بين إسحاق بن كنداجيق نائب الموصل والجزيرة ، وبين صاحب ابن أبي الساج نائب
قِنَّسرين وغيرها ، بعدما كانا متّفقين ، وكاتب ابن أبي الساج خُمَارَوَيْه صاحب مصر ، وخطب له ببلاده ،
وقدم خُمَارَوَيْه إلى الشام ، فاجتمع به ابنُ أبي الساج ، ثم سار إلى إسحاق بن كنداجيق ، فتواقعا ، فانهزم
ابن كنداجيق ، وهرب إلى قلعة ماردين ، فحاصره بها .
ثم ظهر أمر ابن أبي الساج ، واستحوذ على الموصل وبلاد الجزيرة ، وخطب بها لخُمَارَوَيْه ،
واستفحل أمره جداً .
وفيها : قبض الموفَّق على لؤلؤ غلام أحمد بن طولون ، وصادره بأربعمئة ألف دينار ، وسجنه ؛
فكان يقول : ليس لي ذَنْبٌ إلا كثرة مالي . ثم أخرج بعد ذلك من السجن وهو فقير ذليل ، فعاد إلى الديار
المصرية في أيام هارون بن خُمَارَوَيْهِ ، ومعه غلامٌ واحد . وهذا جزاء كفر نعمة سيِّده عليه .
وفيها : عدا أولاد ملك الروم على أبيهم فقتلوه ، وتملَّك بعده أحد أولاده .
في الأعلام : المدخل الكبير ، وهو مخطوط ، ترجم إلى اللاتينية ونشر بها .
(١)
((الزِّيج)) : كتاب يُعرف منه سير الكواكب ومنه يستخرج التقويم .
(٢)
في الأعلام : الألوف في بيوت العبادات ، وهو مطبوع مع ترجمة إنكليزية .
(٣)
وفيات الأعيان (٣٥٨/١) .
(٤)
(٥) فياً: وحرَّر رمله ، وفي ط : وحرره.

٣٠٤
وفيات سنة ٢٧٣ هـ
وفيها : كانت وفاة :
محمد بن عبد الرحمن بن الحكم الأمويّ(١) : صاحب الأندلس عن خمس وستين سنة . وكانت
ولايته أربعاً وثلاثين سنة وأحد عشر شهراً . وكان أبيض مُشرباً بحمرة ، رَبعة ، أوقص ، يخضب بالحنَّاء
والكتَم ، وكان عاقلاً لبيباً ، وكان يدرك الأشياء المشتبهة . وخلّف ثلاثة وثلاثين ذكراً.
وقام بالأمر بعده ولدُه المنذور ، فأحسن إلى الناس وأحبّوه .
وفيها كانت وفاة :
خلف بن أحمد بن خالد : الذي كان أمير خراسان في حبس المعتمد على الله . وهذا الرجل هو الذي
أخرج البخاري من بخارى ، فدعا عليه ، فلم يفلح بعدها ، ولم يبقَ في الإمرة إلا أقلّ من شهرٍ ، حتى
احتيط عليه وعلى أمواله وحواصله ، وأركب حماراً ونودي عليه في بلده ، ثم سجن ، فمات فيه في هذه
السنة ؛ وهذا جزاء مَنْ تعرَّض لأهل السنة وأئمة الحديث .
وممن توفي فيها أيضاً من الأعيان :
إسحاق بن سيَّار(٢).
وحنبل بن إسحاق (٣) ، ابن عم الإمام أحمد بن حنبل ، وأحد الرواة المشهورين عنه ، على أنه قد
أنّهم في بعض ما يرويه ويحكيه ، والله أعلم .
وأبو أُمِنَّة الطَّرَسُوسي(٤).
والفتحُ(٥) بن شُخْرُف، أحد مشايخ الصوفية، ذوي الأحوال والكرامات والمقامات والكلمات
النافعات .
(١) الكامل لابن الأثير (٤٢٤/٧)، البيان المغرب (١٤١/٢)، سير أعلام النبلاء (١٧١/١٣)، الوافي بالوفيات
(٢٢٤/٣)، شذرات الذهب (١٦٤/٢).
(٢) إسحاق بن سيَّار بن محمد، أبو يعقوب النَّصيبي، محدِّث نَصيبين، حافظ ، ثقة .
سير أعلام النبلاء (١٩٤/١٣)، العبر (٥١/٢).
(٣)
أبو علي الشيباني ، حافظ ، محدّث ، صدوق ، مصنف . قال الخطيب : كان ثقة ثبتاً . وقال الذهبي : له مسائل
كثيرة عن أحمد، ويتفرَّد، ويغرب. من أبناء الثمانين. سير أعلام النبلاء (١٣/ ٥١)، العبر (٥١/٢).
(٤) هو محمد بن إبراهيم بن مسلم البغدادي ، الطرسوسي ، نزيل طرسوس ، ومحدِّثها ، وصاحب المسند
والتصانيف . حافظ مجوِّد رخّال. سير أعلام النبلاء (٩١/١٣)، العبر (٥١/٢).
(٥) في آ، ب، ط: ((أبو الفتح)). وهو الفتح بن شُخرف بن داود بن مزاحم، أبو نصر الكشي. قال أحمد بن
حنبل : ما أخرجت خراسان مثل فتح بن شخرف . كان رجلاً صالحاً زاهداً ، ذا أخلاق حسنة .
المنتظم (٨٩/٥)، صفة الصفوة (٤٠٢/٢)، مختصر ابن عساكر (٢٥٧/٢٠)، تاريخ بغداد (١٢ /٣٨٤).

٣٠٥
وفيات سنة ٢٧٣ هـ
ووهم ابنُ الأثير في قوله في كامله (١) : إن أبا داود صاحبَ السُّنن ، توفي هذه السنة ، بل في سنة
خمس وسبعين كما سيأتي .
وابن ماجه القزويني (٢): صاحب السُّنن، وهو أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القَزويني ، مولى
ربيعة، صاحب كتاب ((السُّنن)) المشهورة، وهي دالَّة على علمه وتبخُّره واطِّلاعه واتّباعه للسنة النبوية في
الأصول والفروع ؛ ويشتمل على اثنين وثلاثين كتاباً ؛ وألف (٣) وخمسمئة باب . ويحتوي على أربعة
آلاف حدیث کلها جیاد سوی الیسیر .
وقد حُكي عن أبي زُرعة الرَّازي أنه انتقد منها بضعةَ عشرَ حديثاً ؛ ربّما يقال : إنها موضوعة أو منكرة
جدا٤ً) .
وله تفسير حافل ، وتاريخ كامل من لدن الصحابة إلى عصره .
قال أبو يَعلى الخليل بن عبد الله الخليلي القزوينيّ : أبو عبد الله ، محمد بن يزيد ويُعرف بمَاجَه ،
مولى ربيعة، عالم بهذا الشأن، صاحب التصانيف، في ((التاريخ)) و ((السُّنن))، ارتحل إلى العراقين(٥) ،
ومصر والشام ، ثم ذكر طرفاً من مشايخه ؛ وقد ترجمناهم في كتابنا (( التكميل)) ، ولله الحمد والمنة .
قال : وقد روى عنه الكبار القدماء : ابن سيبويه ، ومحمد بن عيسى الصفَّار ، وإسحاق بن محمد ،
وعلي بن إبراهيم بن سلمة القَطَّان ، وجدي أحمد بن إبراهيم ، وسليمان بن يزيد .
وقال غيره(٦) : كانت وفاته يوم الإثنين ، ودُفِنَ يوم الثلاثاء لثمانٍ بقين من رمضان سنة ثلاث وسبعين
ومئتين عن أربع وستين سنة . وصلَّى عليه أخوه أبو بكر ، وتولَّى دَفْنَه مع أخيه أبي عبد الله وابنه عبد الله بن
محمد بن يزيد ، رحمه الله .
(١) الكامل لابن الأثير (٤٢٥/٧).
(٢) المنتظم (٩٠/٥)، وفيات الأعيان (٢٧٩/٤)، سير أعلام النبلاء (٢٧٧/١٣)، تذكرة الحفاظ (٦٣٦/٢)،
شذرات الذهب (٢/ ١٦٤).
(٣)
في الأصول : وأربعاً .
روى الذهبي في سير أعلام النبلاء (٢٧٨/١٣) عن ابن ماجه، قال: عرضت هذه السُّنن على أبي زرعة الرازي ،
(٤)
فنظر فيه ، وقال : أظنُّ إن وقع هذا في أيدي الناس تعطّلت هذه الجوامع ، أو أكثرها . ثم قال : لعل لا يكون فيه
تمام ثلاثين حديثاً ، مما في إسناده ضعف ، أو نحو ذا .
قال الذهبي : قد كان ابن ماجه حافظاً ناقداً صادقاً ، واسع العلم ، وإنَّما غضَّ من رتبة سننه ما في الكتابِ من
المناكير ، وقليل من الموضوعات . وقول أبي زُرعة - إن صَحَّ - فإنما عنى بثلاثين حديثاً الأحاديث المطَّرحة
السَّاقطة، وأمَّا الأحاديث التي لا تقوم بها حجَّة، فكثيرة ، لعلها نحو الألف .
(٦) هو الحافظ محمد بن طاهر، كما في سير أعلام النبلاء (٢٧٩/١٣).
(٥)
في آ : العراق .

٣٠٦
أحداث سنة ٢٧٤ هـ ـ وفيات سنة ٢٧٤ هـ
ثم دخلت سنة أربع وسبعين ومثتين
فيها نشبت(١) الحرب بين أبي أحمد الموفّق وبين عمرو بن الليث بفارس ، فقصده أبو أحمد ، فهرب
منه عمرو من بلدٍ إلى بلدٍ ، وهو يتبعه ، ثم لم يقع بينهما قتال ولا مواجهة ، وقد تحيَّز إلى أبي أحمد
الموفَّق مقدَّمُ جيشٍ عمرو بن الليث ، وهو أبو طلحة شركب الجمَّال ، ثم أراد العَود ، فقبض عليه
أبو أحمد ، وأباح ماله لولده أبي العباس المعتضد ، وذلك بالقرب من شِيراز .
وفيها : غزا بازمار الخادم ، نائب طَرَسُوس ، بلاد الروم ، فأوغل فيها ، فقتل وغنم وسلم .
وفيها : دخل صدِّيق الفرغانيّ سامُرًا ، فنهب دور التجّار بها، وكرَّ راجعاً. وقد كان هذا الرجل ممن
يحرس الطرقات ، فترك ذلك وأقبل يقطع الطرقات ، وضعف الجند بسامُرًا عن مقاومته .
وممن توفي فيها من الأعيان :
إبراهيم بن أحمد بن يحيى الأصم: أبو إسحاق ، قال ابنُ الجوزي في (( المنتظم (٢) : كان حافظاً
فاضلاً ، روى عن حرملة وغيره . وتوفي في جمادى الآخرة من هذه السنة .
إسحاق بن إبراهيم بن زياد: أبو يعقوب المقرىء . عن هُدبة . وعنه ابن مخلد(٣) . توفي في ربيع
الأول منها .
أيوب بن سليمان(٤) : ابن داود الصفدي . عن آدم بن أبي إياس ، وأبي اليمان ، وعليّ بن الجَعْد .
وعنه ابن صاعد ، وابن السماك ، وكان ثقة ، توفي في رمضان منها .
الحسن بن مُكْرَمُ(٥) : ابن حسان أبو علي البزَّاز .
سمع عفَّاناً ، وأبا النَّصْر(٦) ، ويزيد بن هارون ، وغيرهم.
وعنه المَحَاملي ، وابن مخلد ، والنَّجَّاد .
(١)
في أ: شبت .
(٢)
المنتظم (٩٢/٥).
المنتظم (٩٢/٥) وفيه : عن هدية بن خالد ، روى عنه ابن خالد .
(٣)
(٤)
المنتظم (٩٣/٥) .
المنتظم (٩٣/٥)، تاريخ بغداد (٤٣٢/٧)، سير أعلام النبلاء (١٣ /١٩٢).
(٥)
(٦) هما عفان بن مسلم ، وهاشم بن القاسم ، أبو النّضر.

٣٠٧
وفيات سنة ٢٧٤ هـ
وكان ثقة . وتوفي في رمضان منها عن ثلاث(١) وتسعين سنة.
خلف بن محمد(٢) : ابن عيسى، أبو الحسين الواسطيّ ، الملقب بكُرْدُوس ، روى عن يزيد بن
هارون وغيره . وعنه المَحَاملي ، وابن مخلد .
قال ابن أبي حاتم(٣) : صدوق .
وقال الدَّارَ قُطْنِيُّ(٤) : ثقة .
توفي في ذي الحجة منها ، وقد نيَّف على الثمانين .
عبد الله بن رَوْح(٥) بن عبد الله: أبو محمد المدائني المعروف بِعَبْدوس .
روى عن شَبَابة ، ويزيد بن هارون .
وعنه المَحَاملي ، وابن السماك ، وأبو بكر الشافعيّ .
وكان من الثقات . توفي في جمادى الآخرة من هذه السنة .
عبد الله بن أبي سعد(٦): أبو محمد الورّاق(٧) ، أصله من بَلْخ ، وسكن بغداد .
روى عن سُرَيج بن يونس ، وعفَّان ، وعليّ بن الجَعْد ، وغيرهم.
وعنه ابنُ أبي الدنيا ، والبغويّ ، والمَحَاملي .
وكان ثقة ، صاحب أخبار وآداب وملح . وتوفي بواسط في جمادى الآخرة منها عن سبع وسبعين
سنة .
محمد بن إسماعيل(٨) : ابن زياد أبو عبد الله ، وقيل : أبو بكر الدولابيّ . سمع أبا النَّضْر ، وأبا
اليمان ، وأبا مسهر . وعنه أبو الحسين بن المنادي ، ومحمد بن مَخْلد ، وابن السَّمَّاك . وكان ثقة .
(١)
في ب ، ظا ، ط : ثلاث وسبعين .
المنتظم (٩٣/٥)، تاريخ بغداد (٣٣٠/٨)، تهذيب الكمال (٢٩٤/٨)، سير أعلام النبلاء (١٩٩/١٣).
(٢)
(٣)
الجرح والتعديل (٧/ الترجمة ٩٩٧) .
سؤالات البرقاني للدارقطني (١٣١)، وتاريخ بغداد (٣٣٠/٨).
(٤)
تاريخ بغداد (٤٥٤/٩)، المنتظم (٩٣/٥)، سير أعلام النبلاء (٥/١٣).
(٥)
المنتظم (٩٣/٥)، تاريخ بغداد (٢٥/١٠).
(٦)
زاد في تاريخ بغداد : وهو عبد الله بن عمرو بن عبد الرحمن بن بشر بن هلال الأنصاري .
(٧)
(٨) المنتظم (٩٤/٥)، تاريخ بغداد (٣٨/٢).

٣٠٨
أحداث سنة ٢٧٥ هـ
ثم دخلت سنة خمس وسبعين ومثتين
في المحرم منها وقع الخُلْف بين ابن أبي الساج وبين خُمَارَوَيه ، واقتتلا عند ثَنِيَّة العُقاب (١) شرقي
دمشق ، فغُلِبَ ابن أبي الساج وانهزم ، وكانت حواصله بحمص ، فبعث خُمَارَوَيْه مَنْ سبقه إليها
فأخذها ، ومنع منه حمصَ ، فذهب إلى حلب ، فتبعه(٢) خُمَارَوَيْه، فسار إلى الرَّقَّة ، فاتبعه ، فذهب إلى
الموصل ، ثم انهزم منها خوفاً من خُمَارَوَيْه ، ووصل خُمَارَوَيْهِ إلى بَلَد ، واتخذ له بها سريراً طويل
القوائم ، فكان يجلس عليه في الفرات .
وعند ذلك طمع(٣) فيه إسحاق بن كنداجيق ، فسار وراءه ليظفر منه بشيء فلم يقدر ، وقد التقيا في
بعض الأيام فصبر ابنُ أبي الساج صبراً عظيماً ، فسلِمَ ، وانصرف إلى أبي أحمد ببغداد ، فأكرمه وخلع
عليه واستصحبه معه إلى الجبل ، ورجع إسحاق بن كنداج إلى ديار بكر ومضر من الجزيرة .
وفي هذه السنة ، في شؤَّال منها ، سجَن أبو أحمد الموفَّق ابنَه أبا العباس المعتضد في دار الإمارة .
وكان سبب ذلك أنه أمره بالمسير إلى بعض الوجوه ، فامتنع أن يسير إلا إلى الشام التي كان عمه
المعتمد ولاه إياها ، فغضب عليه ، وأمر بسجنه ، فثارت الأمراء واختبطت بغداد ، وركب الموفَّق إلى
الميدان(٤)، وقال للناس : أتظنون أنكم أشفق على ولدي مني ؟ فسكن الناس عند ذلك وتراجعوا إلى
منازلهم ، ثم أفرج عنه ، ولله الحمد والمنة .
وفي هذه السنة سار رافع(٥) إلى محمد بن زيد، أخي الحسن بن زيد العلوي، فأخذ منه مدينة
جُرجان ، فهرب منه إلى إستراباذ ، فحصره بها سنتين ، فغلا بها السعر حتَّى بيع الملح بها وزن الدرهم
بدرهمين ، فهرب محمد بن زيد منها ليلاً إلى سارية ، فأخذ منه رافع بلاداً كثيرة بعد ذلك في مدة
متطاولة(٦) .
وفي المحرّم منها أو في صفر كانت وفاة المنذر بن محمد بن عبد الرحمن [ الأموي ]٧) ، صاحب
الأندلس ، عن ست وأربعين سنة . وكانت ولايته سنةً وأحدَ عشر شهراً ، وعشرة أيام .
(١) (( ثنيّة العقاب)): ثنية مشرفة على غوطة دمشق، يطؤها القاصد من دمشق إلى حمص.
في ط: ((فمنعه))، وما أثبتناه من ب، ظا، وابن الأثير (٤٢٩/٧).
(٢)
(٣)
أي طمع في ابن أبي الساج . وتفصيل ذلك في الكامل لابن الأثير (٧/ ٤٣٠).
(٤)
في أ، ط : بغداد .
هو رافع بن هَرْئَمة .
(٥)
الكامل لابن الأثير (٤٣٤/٧) .
(٦)
زيادة من ط وابن الأثير .
(٧)

٣٠٩
وفيات سنة ٢٧٥ هـ
وكان أسمر طويلاً ، بوجهه أثر جُدَري ، جواداً ممدّحاً ، يحبّ الشعراء ويصلهم بمال كثير ، وخلّف
من الأولاد ستة ذكور .
وقام بالأمر من بعده أخوه عبد الله بن محمد ، فامتلأت بلاد الأندلس في أيامه فتناً وشروراً حتَّى
هلك ، كما سيأتي .
وممن توفي فيها من الأعيان :
أبو بكر أحمد بن محمد بن الحجّاجُ(١) المَرُّوذي : صاحب الإمام أحمد . وكان من الأئمة الأذكياء ،
كان أحمد يقدّمه على جميع أصحابه ، ويأنس به ، ويبعثه في الحاجة ، فيقول : قل ما شئت .
وهو الذي أغمض الإمام أحمد ، وكان فيمن غسّله أيضاً .
وقد نقل عن أحمد مسائل كثيرة ، وحصلت رفعة عظيمة [ بعده ]٢) ؛ تتبعه إلى سامُرًا حين أراد الغزو
خمسون ألفاً .
أحمد بن محمد بن غالب (٣) : ابن خالد بن مِرْداس ، أبو عبد الله الباهليّ البصريّ ، المعروف بغُلام
خلیل ، وقد سكن بغداد .
روى عن سليمان بن داود الشَّاذَكُوني ، وشَيْبان بن فروخ ، وقُرَّة بن حبيب ، وغيرهم .
وعنه ابن السَّمَّاك ، وابن مَخْلَد ، وغيرهما .
وقد أنكر عليه أبو حاتم وغيره أحاديثَ رواها منكرة عن شيوخ مجهولين .
قال أبو حاتم(٤) : ولم يكن ممن يفتعل الأحاديث ، كان رجلاً صالحاً .
وكذَّبه أبو داود(٥) وغيرُ واحد .
وروى ابن عَدِيّ عنه أنه اعترف بوضع الحديث ليرقِّقَ به قلوبَ الناس(٦).
(١) المنتظم (٩٤/٥)، الكامل لابن الأثير (٤٣٥/٧)، العبر (٥٤/٢).
(٢) من ب ، ظا .
الجرح والتعديل (٧٣/٢)، كتاب المجروحين والضعفاء (١/ ١٥٠)، تاريخ بغداد (٧٨/٥)، المنتظم (٩٥/٥)،
(٣)
سير أعلام النبلاء (١٣ / ٢٨٢) .
(٤)
الجرح والتعديل (٧٣/٢) .
في سير أعلام النبلاء (٢٨٣/١٣): وروي عن أبي داود السِّجستاني أنه قال: ذاك دجَّال بغداد، نظرت في أربعمئة
(٥)
حديث له ، عُرِضَتْ عليَّ ، كلّها كذب ، متونها وأسانيدها .
(٦) الكامل في الضعفاء (١٩٨/١)، وتاريخ بغداد (٧٩/٥).

٣١٠
وفيات سنة ٢٧٥ هـ
وقد كان عابداً زاهداً يقتات الباقلاء الصرف . وحين مات أغلقت(١) أسواق بغداد ، وحضر الناس
للصلاة عليه ، ثم حُمِلَ في زورق (٢) إلى البصرة ، فدفن بها ، وكان ذلك في رجب من هذه السنة (٣).
وأحمد بن مُلاعب(٤) . روَى عن يحيى بن معين وغيره . وكان ثقة ديناً عالماً فاضلاً ، انتشر به علمٌ
كثير .
وأبو سعيد الحسن بن الحسين بن عبد الله السُّكَّريّ ، النَّحوي ، اللغوي ، صاحب التصانيف(٥) .
وإسحاق بن إبراهيم بن هانىء ، أبو يعقوب النَّيْسابوري(٦) ، كان من أخِصَّاء أصحاب الإمام أحمد ،
وعنده اختفى في زمن المحنة .
وعبد الله بن يعقوب بن إسحاق التَّميميّ العطَّار الموصليّ. قال ابن الأثير(٧): وكان كثير الحديث
معدّلًا عند الحُكَّام .
ويحيى بن أبي طالب(٨).
وأبو داود السِّجستاني(٩) : صاحب السنن ، وهو سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شَدَّاد بن
عمرو بن عمران ، أبو داود السِّجِسْتاني ، أحد الأئمة الراحلين الجوَّالين في الآفاق والأقاليم . جمع
وصنَّفَ وخرَج وألَّف وسمع الكثير عن مشايخ البلدان في الشام ومصر والجزيرة والعراق وخراسان وغير
ذلك. وله: (( السُّنَن)) المشهورة المتداولة بين العلماء، التي قال فيها أبو حامد الغزالي: يكفي المجتهدَ
معرفتُها من الأحاديث النبوية .
في ب ، ظا : غلقت .
(١)
(٢)
في تاريخ بغداد وغيره : تابوت .
تاريخ بغداد (٨٠/٥)، سير أعلام النبلاء (٢٨٥/١٣).
(٣)
أبو الفضل المخرّمي. المحدِّث، الحافظ ، ثقة. تاريخ بغداد (١٦٨/٥)، تذكرة الحفاط (٥٩٥/٢)، سير أعلام
(٤)
النبلاء (١٣ / ٤٢).
(٥) قال الخطيب البغدادي : كان ثقة ديّناً فاضلاً ، يقرىء القرآن ، وانتشر عنه شيء كثير من كتب الأدب . كان عجباً في
معرفة أشعار العرب ، ألف لجماعة منهم دواوين .
تاريخ بغداد (٢٩٦/٧)، المنتظم (٩٧/٥)، معجم الأدباء (٩٤/٨)، سير أعلام النبلاء (١٢٩/١٣).
(٦)
المنتظم (٩٦/٥)، سير أعلام النبلاء (١٩/١٣).
(٧)
الكامل (٤٣٥/٧) .
هو يحيى بن جعفر بن عبد الله بن الزِّبرقان، أبو بكر البغدادي ، المحدِّث . صحح الدار قطني حديثه .
(٨)
تاريخ بغداد (٢٢٠/١٤)، سير أعلام النبلاء (٦١٩/١٢).
(٩) تاريخ بغداد (٥٥/٩)، طبقات الحنابلة (١٥٩/١)، المنتظم (٩٧/٥)، وفيات الأعيان (٢/ ٤٠٤)، تذكرة الحفاظ
(٥٩١/٢)، طبقات السبكي (٢٩٣/٢)، شذرات الذهب (١٦٧/٢٢)، سير أعلام النبلاء (١٣ /٢٠٣).

٣١١
وفيات سنة ٢٧٥ هـ
حدث عنه جماعة ؛ منهم : ابنه أبو بكر عبد الله ، وأبو عبد الرحمن النَّسائي ، وأحمد بن سلمان
النَّجَّاد ، وهو آخر من روى عنه في الدنيا .
سكن البصرة ، وقدم بغداد غيرَ مرة، وحدَّث بكتابه (( السُّنن)) بها ، ويقال: إنه صنَّفَه بها١) وعرضه
على الإمام أحمد ، فاستجاده واستحسنه .
وقال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي(٢): حدَّثني أبو بكر محمد بن علي بن إبراهيم القارىء
الدِّينوريّ بلفظه ، قال : سمعت أبا الحسين محمد بن عبد الله بن الحسن الفَرَضي ، قال : سمعت
أبا بكر بن دَاسَة يقول ، سمعت أبا داود يقول :
كتبت عن رسول الله وَله خمسمئة ألف حديثٍ، انتخبتُ منها ما ضمَّنتُه الكتاب يعني ((السُّنَن))،
جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمئة حديث (٣)، ذكرت الصَّحيح، وما يشبهُهُ ويقاربُه ، ويكفي الإنسانَ لدينه
من ذلك أربعةُ أحاديث (٤) ، أحدها: قولُه عليه الصلاة والسلام: ((الأعمالُ بالنيّاتِ (٥) . الثاني : قوله:
(( مِنْ حُسْنِ إسلام المرءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيه)(٦). والثالث: قوله: (( لا يكونُ المؤمِنُ مؤمِناً حتَّى يَرْضَى
لأَخِيه ما يَرْضى لِنَفْسِهِ )(٧). الرَّابع: قوله: ((الحَلالُ بيِّن والحرامُ بيِّن وبين ذلك أمورٌ مشتبهاتٌ (٨).
في ب ، ظا : صنفه قديماً .
(١)
تاريخ بغداد (٥٧/٩).
(٢)
عددها في المطبوع برواية اللؤلؤي (٥٢٧٤) .
(٣)
علق الذهبي على ذلك بقوله : يكفي الإنسان لدينه ، ممنوع ، بل يحتاج المسلم إلى عدد كثير من السُّنن الصحيحة
(٤)
مع القرآن . سير أعلام النبلاء (٢١٠/١٣).
(٥) رواه أحمد في المسند (٢٥/١ و٤٣)، والبخاري في صحيحه (٧/١ و١٥)، في بدء الوحي وفي الإيمان ، باب
ما جاء أن الأعمال بالنية، وفي فضائل أصحاب النبي وَّر، ومسلم رقم (١٩٠٧) في الإمارة، باب قوله مَثيقول: إنما
الأعمال بالنية ، وأبو داود رقم (٢٢٠١) في الطلاق، والترمذي رقم (١٦٤٧)، والنسائي (٥٩/١ و٦٠)، وابن
ماجه رقم (٤٢٢٧) كلهم من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وهو من الأحاديث التي عليها مدار الإسلام .
(٦) رواه الترمذي رقم (٢٣١٧) في الزهد ، وابن ماجه رقم (٣٩٧٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، ورواه مالك
في ((الموطأ)) في كتاب حسن الخلق (٩٠٣/٢)، والترمذي رقم (٢٣١٨) من حديث علي بن الحسين مرسلاً ، وهو
ضعيف من هذا الوجه ، لكن روي الحديث عن عدد من الصحابة كما في الجامع الصغير فيتحسن الحديث ، وهو
أصل عظيم من أصول الأدب في الإسلام .
(٧) أقول : لم أقف عليه بهذا اللفظ في سنن أبي داود، وقد ساقه ابن الأثير في جامع الأصول الذي حققته (١/ ١٩٠)
والحافظ المزي في تهذيب الكمال المخطوط (٥٣١/١) والذهبي في سير أعلام النبلاء (٢١٠/١٣)، في معرض
خبر نسبوه إلى أبي بكر بن داسة .
والمحفوظ ما رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه بلفظ :
لا يؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحب لنفسه .
(٨) رواه البخاري في الإيمان، رقم (٥٢)، ومسلم رقم (١٥٩٩) في المساقاة، وأبو داود رقم (٣٣٣٠)، والترمذي =

٣١٢
وفيات سنة ٢٧٥ هـ
وحدثت عن عبد العزيز بن جعفر الحنبليّ ، أن أبا بكر الخلال قال : أبو داود سليمانُ بن الأشعث
السّجِسْتاني الإمام المقدَّم في زمانه ، رجلٌ لم يسبقه إلى معرفة تخريج العلوم وبصره بمواضعه أحدٌ من أهل
زمانه، رجل وَرٌِ مقدَّم، وقد سمع منه أحمد بن حنبل حديثاً واحداً ، كان أبو داود يذكره(١) .
وكان إبراهيم الأصبهاني ، وأبو بكر بن صدَقَة يرفعون من قدره ، ويذكرونه بما لا يذكرون أحداً في
زمانه مثله (٢) .
.قلت : الحديثُ الذي كتبه عنه وسمعه منه الإمامُ أحمد ، هو ما رواه [ أبو داود ]٣) من حديث
حمّاد بن سَلَمة، عن أبي العُشَراء(٤) الدَّارمي، عن أبيه: أنَّ رسولَ الله وَّهُ سُئل عن العَتِيرَةِ ،
فحَسَّنها٥) .
وقال إبراهيم الحَرْبِيّ وغيرُه: ألينَ لأبي داود الحديث، كما ألينَ لداود الحديدٌ(٦). وقال غيرهً(٧):
كان أحدَ حفَّاظ الإسلام للحديث وعلله وسَنَده ، في أعلى درجة النُّسْك والعفاف والصلاح والورع ، من
فرسان الحديث .
وقال غيره : كان ابن مسعود يُشَبَّه بالنبيِّ نَّهِ فِي هَدْيِهِ وَدَلِّه وسَمْته، وكان عَلْقَمَةُ يشبهه ، [ وكان
إبراهيم يشبهه ]٨) ، وكان منصور يشبهه ، وكان سفيان الثوري يشبهه ، وكان وكيعٌ يشبهه ، وكان أحمد
يشبهه ، وكان أبو داود يشبه أحمد بن حنبل(٩) .
رقم (١٢٠٥)، وابن ماجه رقم (٣٩٨٤) في الفتن، والدارمي (٢٤٥/٢)، وأحمد في المسند (٢٦٧/٤ و٢٦٩)
=
كلهم من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما . وللشوكاني رسالة في شرح هذا الحديث سماها كشف الشبهات
عن المشتبهات مطبوعة وجديرة بأن تحقق وتخرج في ثوب جديد . سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢١١).
تاريخ بغداد (٥٧/٩)، سير أعلام النبلاء (٢١١/١٣).
(١)
زيادة من ط .
(٢)
(٣)
زيادة من ط .
في الأصول العشر ، وأثبت ما جاء في سير أعلام النبلاء ، وتاريخ بغداد ، وكتب التراجم .
(٤)
(٥) قال الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء (٢١١/١٣) عن هذا الحديث: هذا حديث منكر، تُكلم في
عبد الرحمن بن قيس - وهو الراوي عن حماد بن سلمة - وإنما المحفوظ عن حماد بهذا السند حديث (( أما تكون
الذّكاة إلا من اللَّبَّة)). أقول: وقد أخرجه بهذا اللفظ أبو داود رقم (٢٨٢٥) والترمذي رقم (١٤٨١) وابن ماجه رقم
(٣١٨٤) ، وأبو العشراء مجهول .
سير أعلام النبلاء (١٣ / ٢١٢).
(٦)
هو أحمد بن محمد بن ياسين الهروي . ورد ذلك في سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢١١)، ومختصر تاريخ ابن عساكر
(٧)
(١١٠/١٠) .
(٨) زيادة من ظا، ط ، وهو إبراهيم النخعي، وباقي الفقرة من (ب). وهي ناقصة في نسخة (آ).
(٩) سير أعلام النبلاء (٢١٦/١٣).

٣١٣
أحداث سنة ٢٧٦ هـ
وقال محمد بن بكر بن عبد الرزاق : كان لأبي داود كُمِّ واسعٌ، وكُمٌّ ضيقٌ، فقيل له : ما هذا
يرحمك الله ؟ فقال: هذا الواسع للكتب، والآخر لا يُحتاج إليه (١).
وقد كان مولد أبي داود في سنة ثنتين ومئتين ، وتوفي بالبصرة يوم الجمعة لأربع عشرة بقيت من شؤَال
سنة خمس وسبعين ومئتين عن ثلاث وسبعين سنة ، ودفن إلى جانب قبر سفيان الثوري . وقد ذكرنا
ترجمته في كتابنا (( التكميل)) وذكرنا ثناء الأئمة عليه .
ومحمد بن إسحاق بن إبراهيم (٢): أبو العَنْبَس الصَّيمريّ(٣) الشاعر ، كان مجيداً في شعره ديِّناً ، كثيرَ
الملح، وكان هجَّاءً ، ومن جيد شعره قوله(٤) :
بَعْدَ موتِ الطَّبِيبِ والعُوَّادِ
كم مريضٍ قَدْ عاشَ مِنْ بَعْدِ يأْسٍ
ويَحِلُّ القَضَاءُ بالصَّيَّادِ
قد يُصَادُ القطا فينجو سليماً
ثم دخلت سنة ست وسبعين ومثتين
في المحرم منها أعيد عمرو بن الليث إلى شرطة بغداد ، وكُتِبَ اسمُه على الفرش والمقاعد والستور ،
ثم أسقط اسمه في شوال منها ، وعزل عن ذلك ، وولي عبيد الله بن [ بن عبد الله ]°) بن طاهر .
وفيها : ولَّى الموفَّقُ ابنَ أبي الساج نيابةَ أذْرَبيجان .
وفيها : قصد هارون الشاري الخارجي مدينة الموصل ، فنزل شرقيّ دجلتها ، فحاصرها ، فخرج إليه
أشراف أهلها ، فاستأمنوه فأمَّنَهم ، ورجع عنه .
وحجَّ بالناس في هذه السنة هارون بن محمد العباسي ، أمير الحرمين والطائف .
ولمَّا رجع حُجَّاج اليمن نزلوا في بعض الأماكن ، فجاءهم سَيْلٌ ولم يشعروا به حتى غرَّقهم كلَّهم ،
فلم يفلت منهم أحدٌ ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
(١) مختصر تاريخ ابن عساكر (١١١/١٠)، سير أعلام النبلاء (٢١٧/١٣).
(٢) نديم المتوكل والمعتمد العباسيين ، كان أديباً ظريفاً عارفاً بالنجوم ، وهو من أهل الكوفة ، وقبره فيها . ولي قضاء
الصيمرة فنسب إليها ، له مناظرة مع البحتري . وهجاه أكثر شعراء زمانه .
له ترجمة في تاريخ بغداد (٢٣٨/١)، ومعجم الأدباء (٨/١٨)، والأعلام للزركلي (٢٨/٦)، ومعجم البلدان
( صَيْمَرة) ، والمنتظم (٩٩/٥).
(٣)
في آ، ط : الضيمري .
البيتان في تاريخ بغداد (٢٣٨/١)، ومعجم الأدباء (٩/١٨)، ومعجم البلدان (٤٣٩/٣)، والمنتظم (٩٩/٥).
(٤)
(٥) من ب ، ظا .

٣١٤
وفيات سنة ٢٧٦ هـ
وذكر ابن الجوزي في ((منتظمه)(١)، وابن الأثير في ((كامله)(٢): أن في هذه السنة انفرج تلٌّ في
أرض البصرة يعرف بتل شقيق عن سبعة أقبر في مثل الحوض ، وفيها سبعة أبدانهم صحيحة ، وأكفانهم
يفوح منها ريح المسك، أحدهم شاب له جُمّة، وعلى شفتيه بلل كأنه قد شرب ماءً ، وكأن عينيه مكخلتان،
وبه ضربة في خاصرته . وأراد بعض من حضره أن يأخذ من شعره شيئاً ، فإذا هو قويّ كشعر الحيّ .
وممن توفي فيها من الأعيان :
أحمد بن حازم بن أبي غَرَزَة ٣) ، الحافظ ، صاحب المسند المشهور ، له حديث كثير ورواية عالية .
بَقِيُ بنُ مَخْلَد(٤): أبو عبد الرحمن الأندلسي، الحافظ الكبير، [ صاحب]°) ((المُسْنَد)) المبوَّب
على الفقه ؛ روى فيه عن ألف وستمئة صحابي ، وقد فضَّله ابنُ حزم على مسند الإمام أحمد ، وعندي في
ذلك نظر ، والظاهر أن مسند أحمد أجود منه وأجمع ؛ [ فإنه ليس هو ببلادهم ، ولا وقع لهم روايته ، ولو
اطلع عليه ووقف على ما فيه ، لما فضّل عليه مسنداً من المسندات ، اللهم إلا أن يكون بَقِيّ قد سمع من
أحمد جميع المسند وزاد عليه ، كما قد يسَّرَ الله من الزيادات التي ألحقناها بمسند الإمام أحمد ، ولله
الحمد والمنة أبداً (٦) .
وقد رحل بَقِيّ إلى العراق ، فسمع من الإمام أحمد وغيره من أئمة الحديث بالعراق وغيرها يزيدون
على المئتين بأربعة وثلاثين شيخاً ، وله تصانيف أخر .
وكان مع ذلك رجلاً صالحاً عابداً زاهداً، مجابَ الدعوة ؛ ذكر القشيريُّ : أنَّ امرأة جاءته ، فقالت :
إنَّ ابني أسرته الإفرنج ، وإنِّي لا أنام الليل من شوقي إليه ، ولي دُوَيرة أريدُ أن أبيعها لأستفكَّه(٧) ؛ فإن
رأيت أن تشير إلى أحدٍ يأخذها لأسعى في فكاكه بثمنها ، فليس لي ليل ولا نهار ، [ ولا نوم }٨) ولا
صبر ، ولا قرار . فقال : نعم ، انصرفي حتى ننظر في ذلك ، إن شاء الله .
(١) المنتظم (١٠٠/٥).
الكامل لابن الأثير (٧/ ٤٣٧)، وهو في تاريخ الطبري أيضاً (١٦/١٠).
(٢)
أبو عمرو الغفاري الكوفي ، كان حافظاً متقناً ، ذكره ابن حبان في الثقات. سير أعلام النبلاء (٢٣٩/١٣)، العبر
(٣)
(٥٥/٢) .
معجم الأدباء (٧٥/٧)، المنتظم (١٠٠/٥)، تذكرة الحفاظ (٦٢٩/٢)، سير أعلام النبلاء (٢٨٥/١٣)، شذرات
(٤)
الذهب (١٦٩/٢).
من ب ، ظا .
(٥)
ما بين قوسين زيادة من ب ، ظا .
(٦)
في ب ، ظا : لأن أستفكه بها .
(٧)
زيادة من ب ، ظا .
(٨)

٣١٥
وفيات سنة ٢٧٦ هـ
وأطرق الشيخ وحرَّك شفتيه يدعو الله عزَّ وجلَّ لولدها بالخلاص ، فذهبت ، فما كان إلا عن قليلٍ
حتَّى جاءت ، وابنُها معها ، فقالت : اسمعْ خبره ، يرحمك الله ! فقال : كيف كان أمرك ؟ فقال : إنِّي
كنت فيمن يخدُمُ الملك ونحن في القيود ، فبينا أنا ذات يوم أمشي إذ سقط القيدُ من رجلي ، فأقبل عليّ
الموكّل بنا ، فشتمني ، وقال : فككتَ القيد من رجليك (١) ؟ فقلت : لا والله ، ولكنه سقط ولم أشعر ،
فجاؤوا بالحداد فأعادوه ، وشدّ مسماره وأيّد ، ثم قمت فسقط أيضاً ، فأعادوه وأكَّدُوه ، فسقط أيضاً ،
فسألوا رهبانهم ، فقالوا : له والدة ؟ فقلت : نعم ، فقالوا : إنَّه قد استجيب دعاؤها له ، أطلقوه ،
فأطلقوني ، وخَفَروني حتَّى وصلت إلى بلاد الإسلام . فسأله بَقيُّ عن الساعة التي سقط القيد من رجليه ،
فإذا هي الساعة التي دعا الله له فيها ٢) .
صاعد بن مَخْلَد(٣) : الكاتب ، كان كثير الصدقة والصلاة ، وقد أثنى عليه أبو الفرج بن الجوزي في
((منتظمه )(٤)، وتكلم فيه ابن الأثير في (( كامله )(٥) . وذكر أنه كان فيه تيه وحمق ، وقد يمكن الجمع بين
القولين وهاتين الصفتين .
ابن قتيبة(٦) : عبد الله بن مسلم بن قُتَيبة ، أبو محمد الدِّينَوَريّ ، ثم البغدادي ، أحد العلماء والأدباء
والحفاظ الأذكياء . روى عن إسحاق بن راهَوَيْه ، وغير واحد ، وله التصانيف المفيدة المشهورة الأنيقة ،
كغريب القرآن ، ومشكله ، والمعارف ، وأدب الكاتب ، وعيون الأخبار ، وغير ذلك .
وكان ثقة جليلاً نبيلاً ، وكان أهل [ العلم ]٧) يتَهمون من لم يكن في منزله من تصنيف ابن قتيبة
شيء .
وكان سبب وفاته أنه أكل لقمة من هريسةٍ ، فإذا هي حارّة ، فصاح صيحة شديدة ، ثم أغمي عليه إلى
وقت الظهر ، فأفاق ، ثم لم يزل يتشهَّد إلى أن مات وقت السحر ، أوَّل ليلة من رجب من هذه السنة ،
وقيل : إنه توفي في سنة سبعين ومئتين ، والصحيح في هذه السنة .
(١) في ا: رجلك .
(٢) معجم الأدباء (٧/ ٨٤)، المنتظم (١٠٠/٥)، سير أعلام النبلاء (٢٩٠/١٣).
(٣) تاريخ الطبري ( انظر الفهرس)، والكامل لابن الأثير (انظر الفهرس)، والمنتظم (١٠١/٥)، سير أعلام النبلاء
(٣٢٦/١٣) .
(٤) المنتظم (١٠١/٥)
(٥)
الكامل لابن الأثير (٤١٩/٧).
(٦) تقدمت ترجمته في حوادث سنة ٢٧٠ هـ. وسقطت هنا في ب، ظا، غير أن نسخة ب أوردت اسمه فقط عبد الله بن
مسلم بن قتيبة .
(٧) زيادة من ط .

٣١٦
أحداث سنة ٢٧٧ هـ
عبد الملك بن محمد بن عبد الله أبو قلابة الرَّقَاشي(١): أحد الحفاظ، وكان يكنى بأبي محمد ، ولكن
غلب عليه لقب أبو قلابة .
سمع يزيد بن هارون ، ورَوْح بن عُيَادة ، وأبا داود الطيالسيّ ، وغيرهم .
وعنه ابن صاعد ، والمَحَامليّ ، والنَّجَّاد، وأبو بكر الشَّافعي ، وغيرهم .
وكان صدوقاً ، عابداً ، يصلِّي في كل يوم أربعمئة ركعة . وروى من حفظه ستين ألف حديث ، غلط
.في بعضها ، وعلى سبيل العمد . وكانت وفاته في شؤَّال من هذه السنة عن ستٍّ وثمانين سنة.
ومحمد بن أحمد بن أبي العَوَّامُ(٢) .
ومحمد بن إسماعيل الصائغ(٣) .
ويزيد بن عبد الصَّمد(٤).
وأبو الرَّدَّاد : عبد الله بن عبد السلام بن عبد الله بن الرَّدَّاد، المؤذن، صاحب ((المقياس)) [ بمصر ] ،
الذي هو مسلَّم إليه وإلى ذريته إلى يومنا هذا. قاله القاضي ابن خلكان في ((الوفيات (٥) .
ثم دخلت سنة سبع وسبعين ومثتين
فيها دعا بازمار نائب طَرَسُوسَ لِخمارويه ، وذلك لأنه هاداه بذهبٍ كثير وتُحف هائلة ؛ من حریٍ
وغير ذلك .
وفيها : قدِم قائد عظيم من أصحاب ثُمَارَوَيْه إلى بغداد .
وفيها : ولي المظالمَ ببغداد يوسفُ بن يعقوب ، ونودي في الناس : مَنْ كانت له مظلمة ولو عند
تاريخ بغداد (٤٢٥/١٠)، المنتظم (١٠٢/٥)، سير أعلام النبلاء (١٧٧/١٣)، شذرات الذهب (١٧٠/٢).
(١)
(٢) محمد بن أحمد بن يزيد بن أبي العَوَّام الرِّياحي، أبو بكر، وأبو جعفر. المحدِّث. صدوق.
المنتظم (١٠٣/٥)، سير أعلام النبلاء (١٣/ ٧).
محمد بن إسماعيل بن سالم ، أبو جعفر الصَّائغ ، القرشي ، العباسي ، مولى المهدي ، المحدّث ، شيخ الحرم
(٣)
المكي ، صدوق ، من أبناء التسعين . المنتظم (١٠٤/٥)، سير أعلام النبلاء (١٣/ ١٦١).
(٤)
هو يزيد بن محمد بن عبد الصَّمد الدمشقي، أبو القاسم ، المحدّث المتقن . كان ثقة بصيراً بالحديث . توفي
بدمشق . سير أعلام النبلاء (١٣ /١٥١)، العبر (٥٨/٢).
(٥) وفيات الأعيان (١١٢/٣)، والأعلام للزركلي (٩٨/٤).

٣١٧
وفيات سنة ٢٧٧ هـ
الأمير الناصر لدين الله أبي أحمد الموفَّق ، أو عند أحدٍ من الناس فليحضر . وسار في الناس سيرة حسنة ،
وأظهر صرامة لم يُرَ مثلها .
[وحجَّ بالناس هارون بن محمّد الهاشمي }(١).
وممن توفي فيها من الأعيان :
إبراهيم بن إسحاق بن أبي العَنْبَس(٢) ، أبو إسحاق الكوفي ، قاضي بغداد بعد ابن سَماعة ، سمع
يَعْلَى(٣) بن عبيد وغيره، وحدَّث عنه ابن أبي الدنيا وغيره . وتوفي عن ثلاث وتسعين سنة ، وكان ثقة
فاضلاً ديناً صالحاً .
أحمد بن عيسى (٤) : أبو سعيد الخرّاز ، أحد مشاهير الصوفية بالعبادة والمجاهدة والورع والمراقبة ،
وله تصانيف في ذلك ، وله كرامات وأحوال وصبر على الشدائد وضيق الحال .
روى عن إبراهيم بن بشَّار ، صاحب إبراهيم بن أدهم ، وغيره .
وعنه : عليّ بن محمد المصري ، وجماعة .
(٥)
ومن جيد كلامه قوله - رحمه الله -: إذا بكت أعينُ الخائفين فقد كاتبوا الله بدموعھم
.
وقوله - رحمه الله -: العافية تستر البَرَّ والفاجر، فإذا جاءت البلوى تبين عندها الرجال(٦)
وقوله : كلُّ باطنٍ يخالفه ظاهرٌ ، فهو باطلٌ(٧) .
وقوله : الاشتغال بوقتٍ ماضٍ تضييع وقت ثارٍ(٨) .
وقوله : ذنوب المقرّبين حسنات الأبرار(٩).
(١) زيادة من ب، ظا ..
(٢) في الأصول والمطبوع: ابن أبي العينين، وأثبت ما جاء في المصادر: تاريخ بغداد (٢٥/٦)، والمنتظم
(١٠٥/٥)، وسير أعلام النبلاء (١٩٨/١٣).
في آ، ط : معلى، وهو يعلى بن عبيد الطنافسي .
(٣)
طبقات الصوفية (٢٢٣ - ٢٢٨)، حلية الأولياء (٢٤٦/١٠)، تاريخ بغداد (٢٧٦/٤)، صفة الصفوة (٤٣٥/٢)،
(٤)
مختصر تاريخ ابن عساكر (٢٠٤/٣)، المنتظم (١٠٥/٥)، سير أعلام النبلاء (٤١٩/١٣)، شذرات الذهب
(٢/ ١٩٢) .
(٥)
المنتظم (١٠٥/٥)، صفة الصفوة (٢/ ٤٣٧).
المنتظم (١٠٥/٥)، صفة الصفوة (٢/ ٤٣٧).
(٦)
سير أعلام النبلاء (١٣/ ٤٢٠).
(٧)
مختصر تاريخ ابن عساكر (٢٠٥/٣).
(٨)
(٩) صفة الصفوة (٤٣٧/٢).

٣١٨
وفيات سنة ٢٧٧ هـ
وقوله : الرّضا قبل القضاء تفويض ، والرّضا مع القضاء تسليم(١) .
وقد روى البيهقيُّ بسنده إليه أنه سئل عن قوله عليه الصلاة والسلام: (( جُبِلَت القلوبُ على حُبِّ مَنْ
أحْسَنَ إليها))، فقال: يا عجباً لمن لم يَرَ محسناً غير الله كيف لا يميل بكليته إليه(٢)؟.
قلت : وهذا الحديث ليس بصحيح ، ولكن كلامه عليه حَسَنٌ(٣) .
وقال ابنه سعيد : طلبت من أبي دائقَ فضةٍ ، فقال: يا بنيّ ، اصبر ، فلو أحبَّ أبوك أن يركَبَ الملوكُ
إلى بابه ما تأبَوا عليه (٤) .
وروى الحافظ ابن عساكر(٥) عنه قال: أصابني(٦) مرّة جوع شديد، فهممت أن أسأل الله طعاماً، ثم
قلت : هذا ينافي التوكّل ، فهممت أن أسأله صبراً ، فهتف بي هاتف :
وَأنَّا لا نُضيِّعُ مَنْ أَتِانا
ويَزْعُمُ أنَّهُ مِنَّا قِرِيبٌ
كأنَّا لا نَرَاهُ ولا يَرانا
وَيَسَأْلُنا القِرى جهداً وصَبْراً
قال : فقمت ومشيت فراسخ بلا زادٍ .
وقال أبو سعيد الخرّاز : المحبُّ يتعلل إلى محبوبه بكل شيء ، ولا يتسلَّى عنه بشيء ، يتبع آثاره ولا
يدع استخباره ، ثم أنشد (٧):
فمالي بِنُعْمَى بَعْدَ مَكَّتِا عِلْمُ
أسائلُكُمْ عنها فَهَلْ مِنْ مخبّرٍ
وأيّ بلادِ اللهِ إِذْ ظَعَنُوا أَقُو(٨)
فلوْ كُنْتُ أدري أينَ خَيَّم أهلُها
ولو أصبحَتْ نُعْمَى ومِن دُونها النَّجْمُ
إذاً لسلَكنا مسلكَ الرِّيحِ خَلْفَها
(١) . مختصر تاريخ ابن عساكر (٢٠٨/٣).
(٢) صفة الصفوة (٢/ ٤٣٧).
(٣) رواه البيهقي في شعب الإيمان ، قال الحافظ السخاوي في المقاصد الحسنة صفحة (١٧٢) ورواه ابن الجوزي في
العلل المتناهية وهو باطل مرفوعاً وموقوفاً ، ورواه أبو نعيم في الحلية (٤/ ١٢١) ، وأبو الشيخ وابن حبان في روضة
العقلاء ، وآخرون كلهم من طريق إسماعيل بن أبان الخياط ، قال : بلغ الحسن بن عمارة أن الأعمش وقع فيه ،
فبعث إليه بكسوة ، فمدحه الأعمش ، فقيل للأعمش : ذممته ثم مدحته ، فقال : إن خيثمة حدثني عن ابن مسعودٍ
قال : جبلت القلوب على حب من أحسن إليها ، وهكذا رواه ابن عدي في الكامل (٢/ ٧٠١) . وإسماعيل بن أبان
الخياط متروك ، رمي بالوضع ، كما قال الحافظ في تقريب التهذيب .
(٤)
مختصر تاريخ ابن عساكر (٢٠٨/٣) .
مختصر تاريخ ابن عساكر (٢٠٨/٣).
(٥)
(٦)
في تاريخ ابن عساكر : كنت في البادية فنالني جوع ..
الأبيات في طبقات الصوفية ص٢٢٨، وحلية الأولياء (٢٤٨/١٠).
(٧)
(٨) ((ظعنو)): ساروا، و((أمّوا)): قصدوا.

٣١٩
وفيات سنة ٢٧٧ هـ
وكانت وفاته في هذه السنة ، وقيل : في سنة سبع وأربعين(١) ، وقيل : في سنة ست وثمانين والأول
أصح .
عيسى بن عبد الله بن سنان بن دَلَوَيْهُ(٢): أبو موسى الطَّيالسيّ، الحافظ ، يلقب زَغَاث (٣)، سمع
عقَّان وأبا نُعَيم ، وعنه أبو بكر الشافعي وغير واحد . وثقه الدَّارقطني . وكانت وفاته في شوال من هذه
السنة عن أربع وثمانين سنة .
أبو حاتم الرَّازيّ(٤) : محمد بن إدريس بن المُنْذر بن داود بن مِهْران، أبو حاتم الحَنْظَلي الرَّازي ،
أحد الأئمة الحفاظ الأثبات ، العارفين بعلل الحديث والجرح والتعديل ، وهو قرين أبي زُرْعَة الرَّازي ،
تغمدهما الله برحمته .
سمع الكثير ، وطاف الأقطار والأمصار ، وروى عن خلق من الكبار ، وحدَّث عنه : الرّبيع بن
سليمان ، ويونس بن عبد الأعلى ، وهما أكبر منه ، وقدم بغداد فحدَّث بها ، وروى عنه من أهلها إبراهيمُ
الحَرْبِي ، وابنُ أبي الدنيا ، والمَحَاملي ، وغيرهم .
قال لابنه عبد الرحمن(٥): يا بُنَّيَّ، مشَيْتُ على قدمي في طلب الحديث أكثر من ألف فَرْسَخ، وذكر
أنه لم يكن له شيء ينفق عليه في بعض الأحيان ، وأنَّه مكث ثلاثاً لا يأكل شيئاً حتى استقرضَ من بعض
أصحابه نصف دینار .
وقد أثنى عليه غيرُ واحد من العلماء والفقهاء .
وكان يتحدَّى مَنْ حضَر عنده من الحفّاظ وغيرهم ؛ فيقول : مَنْ أغْرَبَ عليَّ بحديثٍ واحدٍ صحيحٍ فله
عليَّ درهمٌ أتصدَّق به . قال : ومرادي أن أسمعَ ما ليس عندي ، فلم يأتِ أحد بشيء من ذلك ، وكان في
جملة من حضر ذلك أبو زُرْعَة الرازي(٦) . كانت وفاة أبي حاتم في شعبان من هذه السنة .
محمد بن الحسين بن موسى (٧) : ابن الحسن أبو جعفر الكوفي الخرّاز، المعروف بالحُنَيْني ، له
مسندٌ كبير .
(١) بعده عند ابن عساكر : وهو باطل .
(٢) تاريخ بغداد (١٧٠/١١)، تذكرة الحفاظ (٦١٠/٢)، سير أعلام النبلاء (١٢ /٦١٨)، طبقات الحفاظ (٢٧٢).
(٣)
في ب : رغاب ، وفي ظا : رعات .
الجرح والتعديل (٣٤٩/١)، تاريخ بغداد (٧٣/٢)، طبقات الحنابلة (٣٨٤/١)، المنتظم (١٠٧/٥)، تذكرة
(٤)
الحفاظ (٢/ ٥٦٧)، سير أعلام النبلاء (٢٤٧/١٣)، العبر (٥٨/٢)، شذرات الذهب (١٧١/٢).
(٥)
المنتظم (١٠٨/٥) .
(٦)
المنتظم (١٠٨/٥)، الجرح والتعديل (٣٥٥/١).
(٧) الجرح والتعديل (٧/ ٢٣٠)، تاريخ بغداد (٢٢٥/٢)، المنتظم (١٠٩/٥)، سير إعلام النبلاء (٢٤٣/١٣).

٣٢٠
وفيات سنة ٢٧٧ هـ
روى عن : عُبَيْد الله بن موسى، والقَعْنَبِيِّ، وأبي نُعَيْم ، وغيرهم . وعنه : ابن صَاعد ،
والمَحَاملي ، وابن السَّمَّاك . كان ثقة ، صدوقاً .
محمد بن سعدانٌ(١) ، أبو جعفر البَزَّاز ، سمع من أكثر من خمسمئة شيخ ، ولكن لم يحدِّث إلا
باليسير ، وتوفي في شعبان منها .
قال ابن الجوزي (٢) : وثمّ محمد بن سعدان البزاز، عن القَعْنَبي، وهو غير مشهور . ومحمد بن
سعدان ، النَّحوي ، مشهور ؛ توفي في سنة إحدى [ وثلاثين ]٣) ومئتين .
قال ابن الأثير في كامله(٤) : وتوفي فيها :
يعقوب بن سفيان بن جُوَانٌ(٥) ، الإمام الفسوي ، وكان يتشيع .
ويعقوب بن يوسف بن معقل الأمويّ ، مولاهم ، والد أبي العباس أحمد الأصم .
وعَريب ، المغنّية المأمونيّة ، قيل : إنَّها ابنة جعفر بن يحيى البرمكيّ ، فأما :
يعقوب بن سفيان بن جُوَانُ(٦) : فهو أبو يوسف بن أبي معاوية الفارسي الفَسَوي ، سمع الحديث
الكثير ، وروى عن أكثر من ألف شيخ من الثقات (٧)؛ منهم: هشام بن عمَّار، ودحيم ، وأبو الجماهر ،
وسليمان بن عبد الرحمن ، الدمشقيون ، وسعيد بن منصور ، وأبو عاصم ، ومكي بن إبراهيم ،
وسليمان بن حَرْب ، ومحمد بن كثير ، وعبيد الله بن موسى ، والقَعْنَبي .
روى عنه: النسائي في (( سننه))، وأبو بكر بن أبي داود ، والحسن بن سفيان ، وابن خراش ، وابن
خزيمة، وأبو عَوانة الإسفراييني، وخلق سواهم، وصنَّف كتاب ((التاريخ)) و (( المعرفة)) وغيره من
الكتب المفيدة النافعة .
وقد رحل في طلب الحديث إلى البلدان النائية ، وتغرَّب عن وطنه فى ذلك نحو ثلاثين سنة .
المنتظم (١٠٩/٥)، تاريخ بغداد (٣٢٥/٥) .
(١)
(٢)
المنتظم (١٠٩/٥).
من ب ، ظا، والمنتظم ومن ترجمته في تاريخ بغداد (٣٢٤/٥).
(٣)
(٤)
الكامل لابن الأثير (٧/ ٤٤٠).
(٥)
في ا، ط : حِران .
الجرح والتعديل (٢٠٨/٩)، تذكرة الحفاظ (٥٨٢/٢)، سير أعلام النبلاء (١٨٠/١٣)، العبر (٥٨/٢)، تهذيب
(٦)
الكمال ( لوحة ١٥٥٠)، تهذيب التهذيب (٣٨٥/١١)، شذرات الذهب (١٧١/٢).
(٧) علَّق الذهبي على ذلك في سير أعلام النبلاء ، فقال : ليس في مشيخته إلا نحو من ثلاثمئة شيخ ، فأين الباقي ؟ ثم
في المذكورين جماعة قد ضُعِّفوا .