Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ الإمام أحمد بن حنبل وروي عن صالح ابن الإمام أحمد قال : رأى أبي هذا النسب في كتاب لي ، فقال : وما يصنع بهذا ؟ ولم يُنكر النسب(١). قالوا : وقدم به أبوه من مَرْو وهو حَمْل ، فوضعته أمُّه ببغداد في ربيع الأول من سنة أربع وستين ومئة ، وتوفي أبوه وهو ابنُ ثلاث سنين ، فكفلته أمُّه . قال صالح عن أبيه : فثقبَتْ أذنيّ وجعلَتْ فيها٢) لؤلؤتين ، فلمَّا كبِرْتُ دفعتهما إليَّ فبعتهما بثلاثين درهماً . وتوفي أبو عبد الله أحمد بن حَنْبل في يوم الجمعة الثاني عشر من ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين ومئتين (٣) ، وله من العمر سبع وسبعون سنة ، رحمه الله . وقد كان في حداثته(٤) يختلف إلى مجلس القاضي أبي يوسف ، ثم ترك ذلك وأقبلَ على سماع الحديث ، فكان أوّل طلبه الحديث وأوّل سماعه من مشايخه في سنة تسع وسبعين ومئة ، وله من العمر ست عشرة [ سنة]، وحجَّ أوّل حجة حجّها في سنة سبع وثمانين ومئة ، ثم في سنة إحدى وتسعين ؛ وفيها حجَّ الوليد بن مُسلم ، ثم في سنة ست وتسعين ، وجاور في سنة سبعٍ وتسعين ، ثم حجَّ في سنة ثمان وتسعين وجاور إلى سنة تسع وتسعين عند عبد الرزاق باليمن ، فكتب عنه هو ويحيى بن معين . وإسحاق بن رَاهَوَيْه . قال الإمام أحمد(٥): حججت خمس حجج ، منها ثلاث راجلاً ، أنفقتُ في إحدى هذه الحجج ثلاثين درهماً . قال : وقد ضللْتُ في بعض هذه الحجج عن الطريق وأنا ماشٍ ، فجعلت أقول: يا عبادَ الله دلّونا على الطريق ، فلم أزل أقولُ ذلك حتى وقفت (٦) على الطريق . قال : وخرجْتُ إلى الكوفة ، فكنتُ في بيتٍ تحت رأسي لَبِنَةٌ ، ولو كان عندي خمسون(٧) درهماً (١) ابن عساكر ( الجزء السابع / ٢٢١). (٢) في آ: فيه ، وفي سير أعلام النبلاء : فيهما ، وهو الصواب (ع). (٣) بعده في ابن عساكر : صلّى عليه محمد بن عبد الله بن طاهر ، أمير بغداد ، ودُفن بباب حرب . (٤) في ا: بدايته . تاريخ ابن عساكر ( الجزء السابق / ٢٢٩ - ٢٣٠ ) . (٥) (٦) في ب ، ظا: وقعت ، لم يكن من عادة الإمام أحمد ، أن ينادي عباد الله، وإنما ينادي الله فقط . قال رسول الله وهو: إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله (ع). (٧) في آ : تسعين ، وفي ط : تسعون . ١٦٢ الإمام أحمد بن حنبل كنت رحلت إلى جرير بن عبد الحميد إلى الريّ ، وخرج بعضُ أصحابنا ولم يُمكنِّي الخروج ؛ لأنَّه لم یکن عندي . وقال ابن أبي حاتم ، عن أبيه ، عن حَرْمَلة ، قال : سمعت الشافعي يقول : وعدني أحمدُ بن حَنْل أن يقدمَ علي مصر . قال ابن أبي حاتم : يشبه أن تكون خِفَّةُ ذاتِ اليد حالت بينه وبين الوفاء بالعدة . وقد طاف أحمد بن حنبل في البلاد والآفاق ، وسمع من مشايخ العصر ، وكانوا يجلُّونه ، ويحترمونه في حال سماعه منهم، وقد سرد شيخُنا في ((تهذيبه (١) أسماء شيوخه مرتبين على حروف المعجم ، وكذلك الرواة عنه . قال الحافظ أبو بكر البيهقي بعد أن ذكر جماعة من شيوخ الإمام أحمد : وقد أكثر أحمد بن حنبل في (((المسند)) وغيره الرواية عن الشافعي، وأخذ عنه جملةً من كلامه في أنساب قريش، وأخذ عنه من الفقه ما هو مشهور ، وحين توفي أحمد وجدوا في تركته رسالتي الشافعي القديمة والجديدة(٢). قلت : قد أفرد ما رواه الإمام أحمد عن الشافعيّ ، وهي أحاديث لا تبلغ عشرين حديثاً ؛ ومن أحسن ما رويناه عن الإمام أحمد (٣) ، عن الإمام الشافعي ، عن الإمام مالك بن أنس ، عن الزهريّ ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه، قال: قال رسولُ الله ◌َّهُ: ((نَسَمَةُ المُؤمِنِ طائرٌ يَعْلُق في شجر الجثّة حتى يرجعَه الله إلى جَسَدِه يوم يَبْعَثُهُ (٤) . وقد قال له الشافعي لما اجتمع به في الرحلة الثانية إلى بغداد بعد سنة تسعين ومئة ، وعمر أحمد إذ ذاك نيف وثلاثون سنة ؛ قال له : يا أبا عبد الله ، إذا صحَّ عندكم الحديثُ فأعلِمْني أذهب إليه ، حجازياً كان ، أو شامياً أو عراقياً ، أو يمنّاً . يعني أنه لا يقول بقول فقهاء الحجاز الذين لا يقبلون إلا رواية الحجازيين ، ويُنزلون أحاديث مَن سواهم منزلةَ أحاديث أهل الكتاب . وقول الشافعيّ له هذه المقالة تعظيمٌ لأحمدَ وإجلالٌ له ، وأنه عنده بهذه المثابة إذا صحَّح أو ضغَّف يرجع إليه في ذلك . وقد كان الإمام أحمد بهذه المثابة عند الأئمة والعلماء ، كما سيأتي ثناء الأئمة عليه ، واعترافهم له (١) تهذيب الكمال للحافظ المِزّي (٤٣٧/١ -٤٤٢). (٢) مناقب الشافعي للبيهقي (٤٨٦/١) وما بعدها . (٣) في مسنده (٤٥٥/٣) . رواه النسائي في الجنائز، باب أرواح المؤمنين (١٠٨/٤)، والإمام أحمد في مسنده (٣٨٦/٦)، وفي الموطأ (٤) (٢٤٠/١) في الجنائز، باب جامع الجنائز. ورواه أيضاً ابن ماجه رقم (٤٢٧١) في الزهد ، باب ذكر القبر والبلى ، وهو حديث صحيح . ١٦٣ الإمام أحمد بن حنبل بعلوّ المكانة وارتفاع المنزلة في العلم ، رحمهم الله . وقد بعُد صيتُه في زمانه ، واشتهر اسمُه في شبيبته في الآفاق . ثم حكى البيهقي كلام أحمد في الإيمان وأنه قول وعمل يزيد وينقص ، وكلامه في أنَّ القرآن كلامُ الله غيرُ مخلوق ، وإنكاره على من يقول: إنَّ لفظه بالقرآن مخلوق يريد به القرآن . قال: وفيها١) حكى أبو عمارة وأبو جعفر، أنبا٢) أحمد شيخنا السراج عن أحمد أنه قال : اللفظ محدَث، واستدلَّ بقوله: ﴿ مَّا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبُ عِيدٌ﴾ [ق: ١٨]. قال: فاللفظ كلام الآدميين. وروى غيرهما عن أحمد أنه قال : القرآن كيف ما تصرف غيرُ مخلوق ، وأمَّا أفعالنا فهي مخلوقة . قلت : وقد قرر البخاريُّ هذا المعنى في ((أفعال العباد)) وذكره أيضاً في الصحيح ، واستدلَّ بقوله *: ((زينوا القرآن بأصواتكم (٣)، ولهذا قال غيرُ واحد من الأئمة: الصوت صوت القاري ، والكلام كلام الباري . وقد قرر البيهقيّ ذلك أيضا٤ً) . ثم ذكر البيهقيُّ كلامَ الإمام أحمد في إثبات رؤية الله في الدَّار الآخرة ، واحتجَّ بحديث صُهيب الرومي في الرؤية (٥) وهي الزيادة ، وكلامه في نفي التشبيه ، وترك الخَوْض في الكلام ، والتمسّك بما ورد في الكتاب والسنة من الآثار عن النبي وَالز وأصحابه . (١) كذا في ط ، وفي ظا: وفيما . (٢) في ب ، ظا : حكاه . أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد (ص٣٣ و٣٤) وأبو داود رقم (١٤٦٨) في الصلاة ، باب استحباب الترتيل في (٣) القراءة، والنسائي (١٧٩/٢، ١٨٠) في الصلاة، باب تزيين القرآن بالصوت، والدارمي (٤٧٤/٢)، وأحمد (٢٨٣/٤، ٢٨٥، ٢٩٦، ٣٠٤)، وابن ماجه رقم (١٣٤٢) وصححه ابن حبان والحاكم ، وهو حديث صحيح من حديث البراء بن عازب (ع ) . قال الخطابي في قوله: ((زينوا القرآن بأصواتكم)) قد فسّره غير واحد من أئمة الحديث : زينوا أصواتكم بالقرآن ، وقالوا : هذا من باب المقلوب . (٤) زِيدَ في المطبوع عن البيهقي ما نصه : وروى البيهقي من طريق إسماعيل بن محمد بن إسماعيل السلمي ، عن أحمد أنه قال : من قال : القرآن محدث فهو كافر . ومن طريق أبي الحسن الميموني عن أحمد أنه أجاب الجهميّة حين احتجوا عليه بقوله تعالى: ﴿ مَا يَأْتِهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَِّّهِم ◌ُحْدَثٍ إلَّا أَسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء: ٢]. قال: يحتمل أن يكون تنزيله إلينا هو المحدث ، لا الذكر نفسه هو المحدث . وعن حنبل ، عن أحمد ، أنه قال: يحتمل أن يكون ذكر آخر غير القرآن ، وهو ذكر رسول الله وَله ، أو وعظه إياهم. (٥) رواه أحمد في مسنده (٣٣٢/٤ و١٥/٦)، ومسلم في صحيحه رقم (١٨١): ((إذا دخل أهل الجنة الجنة ، قال : يقول الله تبارك وتعالى : تريدون شيئاً أزيدكم ؟ فيقولون : ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار ؟ قال : فيكشف الحجاب ، فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل)) . ١٦٤ فصل في ورعه وزهده وتقشفه وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو بكر بن عياش ، حدَّثنا عاصم ، عن زرّ ، عن عبد الله - وهو ابن مسعود - قال: ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوه سيئاً فهو عند الله سيىء(١). وقد رأى الصحابة جميعاً أن يستخلفوا أبا بكر ، رضي الله عنه، إسناد صحيح(٢) . قلت : وهذا الأثر فيه حكاية إجماع عن الصحابة في تقديم الصِّدِّيق ، رضي الله عنه . والأمر كما قاله ابنُ مسعود ، رضي الله عنه ، وقد نصَّ على ذلك غيرُ واحد من الأئمة . قال الإمام أحمد بن حنبل حين اجتاز بحمصَ ، وقد حُمل إلى المأمون في زمن المحنة ، ودخل عليه عمرو بن عثمان الحمصي ، فقال له : ما تقولُ في الخلافة ؟ فقال الإمام أحمد : أبو بكر ، ثم عمر ، ثم عثمان ، ثم علي ، ومن قدَّم علياً على عثمان فقد أزرى بأصحاب الشورى ، لأنهم قدَّموا عثمان رضي الله عنه(٣). فصل في ورعه وزهده وتقشفه رحمه الله ورضي عنه روى البيهقي من طريق المُزني ، عن الشافعي ، أنه قال للرشيد : إن اليمن تحتاج إلى قاضٍ ، فقال له : اختَرْ من نولَّه إياه. وأنَّ الشافعي قال لأحمد بن حنبل وهو يتردد إليه في جملة من يأخذ عنه(٤) ، فامتنع من ذلك شديداً ، وقال : إنِّي إنَّما أختلِفُ إليك للعلم ، أفتأمرني أن أليَ القضاء ؟ فاستحيا (٥) الشافعي(٥) . وروى أنه كان لا يصلي خلفَ عمِّه إسحاق بن حنبل ، ولا خلف بنيه ، ولا يكلِّمهم أيضاً ؛ لأنَّهم أخذوا جائزة السلطان . ومكث مرة ثلاثة أيام لم يحصل له ما يأكله ، حتى بعث إلى بعض أصحابه فاستقرض منه دقيقاً ، فعرف أهله حاجته إلى الطعام ، فعجَّلوا وعجنوا وخبزوا له سريعاً ، فقال : ما هذه العجلة ! كيف خبزتم سريعاً ؟ فقالوا : وجدنا تنُّور بيتٍ صالح(٦) مسجوراً ، فخبزنا لك فيه . فقال : ارفعوا ، ولم يأكل ، وأمر بسدّ بابه إلى دار صالح . (١) رواه أحمد في المسند (٣٧٩/١)، رقم (٣٦٠٠) وأبو داود الطيالسي صفحة (٣٣) ورواه البزار والطبراني وأبو نعيم في الحلية ، موقوفاً على ابن مسعود رضي الله عنه ، (ع ). هذا اجتهاده رحمه الله ، لكن عاصم بن أبي النجود حسن الحديث لا يرتقي حديثه إلى مراتب الصحيح ( بشار ) . (٢) (٣) ب ، ظا : عنهم . (٤) بعده في ط : ألا تقبل قضاء اليمن؟ . (٥) تاريخ ابن عساكر ( الجزء السابع / ٢٣٧ ) . زاد ابن عساكر في تاريخه ( الجزء السابع / ٢٦١ ) : ابنه . (٦) ١٦٥ فصل في ورعه وزهده وتقشفه قال البيهقي : لأن صالحاً أخذ جائزة المتوكل على الله . وقال عبد الله : مكث أبي بالعسكر عند الخليفة ستة عشر يوماً لم يأكل فيها إلا ربع مدّ سويقاً ، يفطر بعد كل ثلاث ليال على سُفَّة١ُ) منه حتى رجع إلى بيته ، ولم ترجع إليه نفسه إلا بعد ستة أشهر ، رأيت موقیه دخلا٢ً) في حدقتيه . قال البيهقي : وقد كان الخليفة يبعث من مائدته (٣) شيئاً كثيراً ، وكان أحمد لا يتناول من طعامه شيئاً . وبعث الخليفة المأمون مرة ذهباً ليقسم على أصحاب الحديث ، فما بقي منهم أحدٌ إلا أحمدَ بن حنبل ، فإنَّه أتَى . وقال سُلَيمان الشَّاذَكوني : حضرت أحمد وقد رهن سطلاً له عند فامِئُ(٤) باليمن ، فلمَّا جاءه بفكاكه أخرج إليه سطلين ، فقال : خذ متاعك ، فاشتبه عليه أيُّهما الذي له ، فقال له : أنت في حِلِّ منه ومن الفِكاك ، وتركه (٥) . وحكى عبد الله ، قال : كنا في زمن الواثق في ضِيقٍ شديد ، فكتب رجل إلى أبي : إنَّ عندي أربعة آلاف درهم ورثتها من أبي ، وليست صدقة ولا زكاة ، فإن رأيت أن تقبلها مني ؟ فامتنع من ذلك ، وكرَّر عليه فأبى ، فلمَّا كان بعد حين ذكرنا ذلك فقال : لو كنا قبلناها كانت قد ذهبت(٦) . وعرض عليه بعضُ التجار عشرة آلاف درهم ربحها من بضاعة جعلها باسمه ، فأبى عن أن يقبلها ، وقال : نحن في كفايةٍ ، وجزاكَ اللهُ عن قَصْدِك خيراً . وعرض عليه تاجر آخرُ ثلاثة آلاف دينار ، فامتنع من قبولها ، وقام وتركه . ونفِدَتْ نفقة أحمدَ وهو في اليمن فعرض عليه شيخُه عبدُ الرَّزَّاق ملءَ كفِّه دنانير ، فقال : نحن في كفاية ، ولم يقبلها . وسُرقت ثيابه وهو باليمن ، فجلس في بيته ، ورَدَّ عليه الباب ، وفقده أصحابه فجاؤوا إليه فسألوه فأخبرهم ، فعرضوا عليه ذهباً فلم يقبلْه ولم يأخذ منهم إلا ديناراً واحداً ؛ ليكتبَ لهم به ، فَكَتَبَ لهم بالأجر ، رحمه الله . (١) ((سُنَّة من سويق)): أي حبَّة وقبضة منه . في آ: دخلتا، وفي ظ: دخل . والمثبت من ب، ط. تاريخ ابن عساكر ( الجزء السابع / ٢٦٠). (٢) (٣) في آ : لمائدته . (( الفامِيّ)): بائع الفُوم، مغيّر عن فُومي. وهو بائع الحِمّص، لغة شامية . اللسان ( فوم). (٤) (٥) تاريخ ابن عساكر ( الجزء السابع / ٢٦١ )، سير أعلام النبلاء (١١/ ٢٠٣). (٦) في ط : ذهبت وأكلناها . ١٦٦ فصل في ورعه وزهده وتقشفه وقال أبو داود : كانت مجالس(١) أحمدَ مجالسَ الآخرة لا يذكر فيها شيء من أمر الدنيا ، ما رأيت أحمد بن حنبل ذكر الدنيا قطّ . وروى البيهقي عن الإمام أحمد أنه سئل عن التوكّل ، فقال : هو قطعُ الاستشرافِ باليأس من الناس ، فقيل : هل من حجَّةٍ على هذا؟ قال : نعم! إن إبراهيم لمَّا رُمِيَّ(٢) به من المنجنيق عَرَضَ له جبريل، فقال: هل لكَ من حاجة؟ قال: أمَّا إليك فل(٣)، قال: فَسَلْ من لك إليه الحاجة ؛ قال: أحَبُّ الأمْرَيْنِ إليَّ أحبُّهما إليه(٤) . وعن أبي جعفر محمد بن يعقوب الصفَّار ، قال : كنَّا مع أحمد بن حنبل بِسُنَّ مَن رأى ، فقلنا : ادعُ الله لنا ، فقال : اللهم ، إنَّك تعلم أنَّا نعلم أنك لنا على أكثر مما نحبُ ، فاجعلنا على ما تحبُّ دائماً ، ثم سكت . فقلنا : زِدْنا ، فقال : اللهم ، إنا نسألك بالقدرة التي قلت السماوات والأرض: ﴿اقْنِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَنْنَا طَابِعِينَ﴾ [ فصلت: ١١]. اللهم، وفقنا لمرضاتك، اللهم، إنَّا نعوذُ بكَ من الفقر إلا إليك ، ونعوذُ بك من الذلِّ إلا لك، اللهم، لا تكثر فنطغَى ولا تقلّ علينا فننسَى، وهَبْ لنا من رحمتك وسَعَةِ رزقك ما يكونُ بلاغاً في دنيا(٥) ، وغنىَ من فضلك . قال البيهقي : وفي حكاية أبي الفضل التَّميميّ ، عن أحمد : وكان دعاؤه في السجود : اللهم ، من كان من هذه الأئمة على غير الحقِّ وهو يظنُّ أنَّه على الحقِّ فَرُدَّه إلى الحقِّ ؛ ليكون من أهل الحقِّ. وكان يقول: اللهم، إن قبلت من عصاة أمَّةٍ محمّدٍ وَّرِ فداءً ، فاجعلني فداءً لهم . وقال صالح بن الإمام أحمد : كان أبي لا يدع أحداً يستقي له الماء للوضوء ، بل كان يلي ذلك بنفسه، فإذا خرج الدَّلْو ملء٦ً) ، قال : الحمدُ لله . فقلْتُ: يا أبة ، ما الفائدةُ في ذلك ؟ فقال: يا بنيَّ، أمَا سمعتَ قولَ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿ قُلْ أَرَءَ يْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوَرًا فَمَنَ بَأْتِيَكُمْ بِعَلٍَ مَّعِينٍ﴾ [ الملك: ٣٠]. والأخبار عنه في هذا الباب كثيرة جداً . وقد صنف أحمد في الزهد كتاباً حافلاً عظيماً لم يسبق إلى مثله ، ولم يلحقه أحدٌ فيه . والمظنون ، في أ، بك مجالسة أحمد مجالسة ، وأثبت ما جاء في ط . (١) (٢) في ط : رمي به في النار في المنجنيق . (٣) لقد ذكر هذا المعنى البغوي في تفسير سورة الأنبياء وضعفه، وروي مثله عن كعب الأحبار ، وهو من الإسرائيليات ، وليس له أصل في السنة بل هو مخالف ، لأن الدعاء مشروع، وفيه عبودية لله تعالى (ع ). (٤) تاريخ ابن عساكر ( الجزء السابع / ٢٦٧ ) (٥) في ط : دنيانا . أراد مَلآن فخفَّف . (٦) ١٦٧ فصل في ورعه وزهده وتقشفه بل المقطوعُ به : أنَّه يأخذ بما أمكنه من ذلك رحمه الله ، وأكرم مثواه ، وجعل جنَّات الفردوس منقلبه ومأواه . وقال إسماعيل بن إسحاق السّاج : قال لي أحمد بن حنبل : هل تستطيع أن تريني الحارث المُحَاسبي إذا جاء منزلك ؟ فقلت : نعم! وفرحت بذلك ، ثم ذهبت إلى الحارث ، فقلت له : إني أحبُّ أن تحضر الليلة أنت وأصحابك. فقال: إنهم كثير فأحضر لهم التمر والكُسْبَ(١). فلما كان بين العشاءين جاؤوا، وكان الإمام أحمد قد سبقهم ، فجلس في غرفةٍ ٢) ، فلمَّا صلَّوا العشاء لم يصلُّوا بعدها شيئاً ، حتَّى جاؤوا فجلسوا بين يدي الحارث سكوتا٣ً) كأنَّما على رؤوسهم الطير ، حتى كان قريبا٤ً) من نصف الليل ، ثم سأله رجل عن مسألةٍ ، فشرع الحارث يتكلم فيما يتعلَّق بالزهد والوعظ ، فجعل هذا يبكي ، وهذا يئنُّ، وهذا يَزْعَقُ . قال : فصعِدت الغرفة ، فإذا الإمام أحمد بن حنبل يبكي ، حتَّى كاد يغشى عليه ، ثم لم يزالوا كذلك حتَّى الصباح . فلمَّا أراد الانصراف قلتُ : كيف رأيتَ هؤلاء يا أبا عبد الله ؟ فقال : ما رأيت أحداً يتكلّمُ في الزُّهد مثل هذا الرجل ، وما رأيت مثلَ هؤلاء ، ومع هذا فلا أرى لك أن تجتمعَ بهم . قال البيهقي : يحتمل أنه كره له صحبتهم ؛ لأن الحارث بن أسد ، وإن كان زاهداً ، لكنه كان عنده شيء من علم الكلام ، وكان أحمد يكره ذلك . أو لعله كره له أن يصحبهم ولا يدرك شأوهم ، والله أعلم. قلت : بل إنَّما كره ذلك لأن في كلام بعض هؤلاء من التقشُّف الذي لم يرد به الشرعُ والتدقيق والتنقي(٥) والمحاسبة البليغة ما لم يأت به أمرٌ ، ولهذا لمَّا وقف أبو زرعة الرازي على كتاب الحارث بن أسد المسمَّى بـ ((الرعاية))، قال : هذا بدعة ؛ ثم قال للرجل الذي جاء به: عليك بما كان عليه مالكٌ والثوريُّ والأوزاعيّ والليث بن سعد، وَدَعْ هذا، فإنَّه بِدْعَةٌ . وقال إبراهيم الحربي : سمعت أحمد يقول : إن أحببت أن يدومَ الله لك على ما تحبُّ فدُمْ له على ما يحبُّ . كان يقول : الصَّبرُ على الفقر مرتبةٌ لا ينالها إلا الأكابر . وكان يقول : الفقر أشرفُ من الغنى، فإنَّ الصبر عليه أعظم مرارةً ، وانزعاجه أعظمُ حالاً من الشكر(٦) . (١) ((الكُسْب)): عصارة الدهن، وتُفل بزور القطن والكتان والسمسم بعد عصرها . (٢) بعدها في ط : بحيث يراهم ويسمع كلامهم ولا يرونه . (٣) بعدها في ط : مطرقي الرؤوس . في آ، ب : قريب ، وأثبت ما جاء في ظا ، ط . (٤) (( التنقير عن الأمر)» : البحث عنه . (٥) (٦) بعده في ط : وقال : لا أعدل بفضل الفقر شيئاً . ١٦٨ ذكر ما جاء في محنة أحمد بن حنبل وكان يقول: على العبد أن يقبلَ الرِّزقَ بعد اليأس، ولا يقبله إذا تقدَّمه طمع(١). وكان يحب التقلُّل طلبا٢ً) لخفَّة الحساب . وقال إبراهيم : قال رجل لأحمد : هذا العلم تعلَّمْتَه لله ؟ فقال: هذا شرطٌ شديدٌ، ولكن حُبِّبَ إليَّ شيءٌ فجمعته (٣) . وروى البيهقيُّ: أنَّ رجلاً جاء إلى أحمد، فقال: إنَّ أُمِّيَ زَمِنَةٌ(٤) مُقْعَدَةٌ منذ عشرين سنة ، وقد بعثتني إليك لتدعو اللهَ لها . فكأنَّه غضب من ذلك ، وقال : نحن أحوجُ أن تدعوَ هي لنا ، ثم دعا الله عزَّ وجلَّ لها . فرجع الرجل إلى أمّه فدقَّ الباب فخرجت إليه على رجليها ، وقالت : قد وهبني اللهُ العافية(٥) . وروى : أن سائلاً سأل ، فأعطاه الإمام أحمدُ قطعةً ، فقام رجلٌ إلى السائل ، فقال : هَبني هذه القطعةَ حتَّى أعطيك ◌ِوَضَها ، ما يساوي درهماً ، فأبى، فرقَّاه إلى خمسين ، وهو يأْبَى ، وقال : إنِّي أرجو من بركتها ما ترجوه أنتَ من بركتها ٦) . قال البيهقي رحمه الله : باب ذكر ما جاء في محنة أبي عبد الله أحمد بن حنبل ، رحمه الله في أيام المأمون ثم المعتصم ثم الواثق بسبب القرآن ، وما أصابَه من الحبس الطويل ، والضَّرْب الشَّديد ، والتهديد بالقتل بسوء العذاب وأليم العقاب ، وقلة مبالاته بما كان منهم من ذلك إليه ، وصبره عليه ، وتمسّكه بما كان عليه من الدِّين القويم والصراط المستقيم ، وكان رحمه الله قد سمع ما ورد في مثل حاله من الآيات المتلوّة ، والآثار(٧) المأثورة ، وبلغه ما أوصي به في المنام واليقظة فرضي وسلَّم إيماناً واحتساباً ، وفاز بخير الدُّنيا ونعيم الآخرة ، هنَّاه الله بما آتاه من ذلك ببلوغ أعلى منازل أهل البلاء في الله من أولياء الله ، وألحق به محبيه فيما نال من كرامة الله تعالى إن شاء اللهُ من غير بلية ، وبالله التوفيق والعِضْمة . في ط : طمع أو استشراف . (١) في أ: لطلب خفة الحساب ، وفي ط : من الدنيا لأجل خفة الحساب ، والمثبت من ب . (٢) بعده في ط : وفي رواية أنه قال : أما لله فعزيز ، ولكن حُبب إليَّ شيءٍ فجمعته . (٣) (٤) أي مبتلاة بعلة دائمة . الحلية (١٨٦/٩)، وتاريخ ابن عساكر (الجزء السابع/ ٢٥٩)، وصفة الصفوة (٣٤٩/٢). (٥) (٦) تاريخ ابن عساكر ( الجزء السابع / ٢٥٨ ) . في ط : والأخبار . .(٧) ١٦٩ ذكر ما جاء في محنة أحمد بن حنبل قال الله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ* الَّمَ شَ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَّكُواْ أَن يَقُولُوَأْءَامَنَا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمّ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَذِبِينَ﴾ [ العنكبوت: ١ -٣]. وقال الله تعالى في وصية لقمان لابنه: ﴿يَنْبُنَّ أَقِمِ الضَلَوَةَ وَأَمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأَصْبِرْ عَلَى مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ اُلْأُمُورِ﴾ [ لقمان: ١٧]. في آي سواها في معنى ما كتبنا. وقد روى الإمام أحمد الممتحَنُ في (( مسنده (١) قائلاً فيه : حدثنا محمد بن جعفر ، عن شعبة ، عن عاصم بن بَهْدَلة [ قال]: سمعْتُ مُصْعَب بن سعد يحدِّثُ عن سعد، قال: سألتُ رسولَ اللهلَ له: أيُّ الناس أشدُّ بلاءً؟ فقال: ((الأنبياء ، ثم الأمْثَلُ فالأمثلُ، يُبتَلَى الرَّجُلُ على حسب دينه ، فإنْ كان رقيقَ الدِّين ابتُلِي على حسب ذلك ، وإن كان صُلْبَ الدِّين ابْتُلِيَ على حسب ذلك، وما يزال البلاءُ بالرَّجل حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة)). وقد رواه مسلم في ((صحيحه (٢) . وقال(٣) : حدثنا عبد الوهَّاب الثَّقفيّ، حدَّثنا أيُّوب، عن أبي قِلابَة، عن أنس ، قال : قال رسولُ الله ◌َِّ: ((ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فيه فقد وَجَدَ حلاوَةَ الإيمان: مَن كان اللهُ ورسُولُه أحبّ إليه مِمَّا سواهما ، وأن يُحبَّ المرءَ لا يُحِبُّه إلا الله، وأن يقذف في النار أحبُّ إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد أن أنقذَه الله منه)) . وأخرجاه في الصحيحين(٤) . وقال أبو القاسم البغوي : حدثنا أحمد بن حنبل ، حدَّثنا أبو المُغيرة ، حدثنا صفوان بن عمرو السّكْسَكِيّ ، حدّثنا عمرو بن قیس السَّكُوني ، حدَّثنا عاصم بن حميد ، قال: سمعت معاذ بن جبل يقول: (( إنكم لن تروا من الدنيا إلا بلاءً وفتنةً، ولن يزداد الأمر إلا شِدَّة، [ ولا الأنفس إلا شحاً (٥) )). (١) رواه أحمد في المسند (١٧٤/١)، وأخرجه أحمد أيضاً (١٧٢/١ و١٨٠ و١٨٥)، والدارمي (٣٢٠/٢) والترمذي (٢٣٩٨)، وابن ماجه رقم (٤٠٢٣) وغيرهم، من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ، وهو حديث صحيح . (٢) لم أقف عليه فى صحيحه ، ولا ذكر المزي أن مسلماً أخرجه ، كما في مسند مصعب بن سعد عن أبيه من تحفة الأشراف ٣/ ٢٨٥ حديث (٣٩٣٤) من طبعتنا ( بشار). (٣) أي أحمد ، وهو في مسنده (١٠٣/٣). رواه البخاري (٥٦/١)، في الإيمان، باب حلاوة الإيمان، وباب من كره أن يعود في الكفر، وفي الأدب ، باب (٤) الحب في الله ، وفي الإكراه ، باب من اختار القتل والضرب والهوان على الكفر . ورواه مسلم رقم (٤٣) في الإيمان، باب خصال الإيمان ، من حديث أنس رضي الله عنه . (٥) زيادة من ط . ١٧٠ ملخص الفتنة والمحنة وبه قال معاذ: ((لن تروا من الأئمة إلا غلظة، ولن تروا أمراً يهولكم(١) ويشتد عليكم إلا حضر بعده ما هو أشدُّ منه)). قال البغوي : سمعت أحمد يقول : اللهم رضينا [ يمدُّ بها صوته ]٢) . وروى البيهقيّ ، عن الربيع ، قال : بعثني الشافعيُّ بكتاب من مصرَ إلى أحمد بن حنبل ، فأتيته وقد انفتل من صلاة الفجر فدفعت إليه الكتاب ، فقال : أقرأته ؟ فقلت : لا ! فأخذه فقرأه فدمعت عيناه ، فقلت: يا أبا عبد الله، وما فيه؟ فقال: يَذْكرُ أنَّه رأى رسولَ الله وَلَه في المنام، فقال [ له ]: اكتب إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل واقرأ عليه منِّي السلام، ويقول : إنَّك ستمتَحَنُ ، وتُدْعَى إلى القول بخلق القرآن ، فلا تجبهم ، فسيرفع الله لك علماً إلى يوم القيامة . قال الرَّبيع : فقلت : البشارة . فخلع قميصه الذي يلي جلده فأعطانيه ، فلمَّا رجعت إلى الشافعيّ أخبرته ، فقال : إني لست أفجعك فيه ، ولكن بلَّه بالماء وأعطنيه حتى أتبرّك به . ذكر ملخص الفتنة والمحنة مجموعاً من كلام أئمة السُّنَّة رحمهم الله وأثابهم الجنة قد ذكرنا فيما تقدَّم : أنَّ المأمون كان قد اجتمع به واستحوذ عليه جماعة من المعتزلة فأزاغوه عن طريق الحقُّ إلى الباطل ، وزيَّنوا له القول بخلق القرآن ونفي الصِّفات عن الله عزَّ وجلَّ . قال الحافظ البيهقي : ولم يكن في الخلفاء قبله ؛ لا من بني أمية ولا من بني العباس خليفةٌ إلا على منهج السَّلف ، حتى وَلِيَ هو الخلافة ، فاجتمع به هؤلاء فحملوه على ذلك . قالوا : واتفق خروجُه إلى طَرَسُوسَ لغزو بلاد الروم ، فعنَّ له أن يكتب إلى نائب بغداد إسحاق بن إبراهيم بن مُصْعَب يأمره أن يدعوَ النَّاس إلى القول بخلق القرآن ، واتفق ذلك في آخر عمره ، قبل موته بشهورٍ ، من سنة ثماني عشرة ومئتين . فلمَّا وصل الكتاب - كما ذكرنا - استدعى جماعة من أئمة الحديث فدعاهم إلى ذلك فامتنعوا ، فتهدَّدهم بالضَّرْب وقَطْعِ الأرزاق ، فأجاب أكثرُهم مكرهين ، واستمرَّ على الامتناع في ذلك أحمد بن حنبل ، ومحمد بن نوح الجُنْدَيْسابوريّ، فحُملا على بعير وسيّرهما٣) إلى الخليفة عن أمره بذلك ، وهما (١) في ب ، ظا: يهولنكم . (٢) ما بين قوسين لم يرد في ا، ط . (٣) في ط : وسيرا . ١٧١ ذکر ضربه بین یدي المعتصم مقيَّدان متعادلان في محمل على بعيرٍ واحدٍ، فلمَّا كانوا ببلاد الرَّحْبَةُ(١) جاء رجلٌ من الأعراب من عبّادهم ، يقال له : جابر بن عامر ، فسلَّم على الإمام أحمد ، وقال له : يا هذا ، إنَّك وافدُ النَّاسِ ، فلا تكن مَشْؤُوماً عليهم ، وإنَّك رأسُ الناس اليومَ ، فإياك أن تجيبَ (٢) فيجيبوا ، وإن كنت تحبُّ الله فاصبر على ما أنت فيه ، فإنَّما بينك وبين الجنة أن تقتَلَ ، وإنَّك إنْ لم تقتلْ تمت ، وإنْ عِشْتَ عِشْتَ حَميداً . قال الإمام أحمد : فكان ذلك مما قوَّى عَزْمي على ما أنا فيه من الامتناع من ذلك . فلمَّا اقتربوا من جيش المأمون ، ونزلوا دونه بمرحلةٍ ، جاء خادم وهو يمسح دموعه بطرف قِيائه ، وهو يقول : يعزُّ عليَّ يا أبا عبد الله أنَّ المأمون قد سلَّ سيفاً لم يسلَّه قبل ذلك(٣)، وأنه يُقْسِمُ بقرابته من رسول الله ◌َ ﴿ لئن لم تجبه إلى القول بخلق القرآن ليقتلنَّك بذلك السيف. قال: فجثَى الإمام أحمد على ركبتيه ، ورَمَقَ بطَرْفه إلى السَّماء ، ثم قال : سيدي ! غرَّ هذا الفاجرَ حِلْمُك حتى تجرّا٤) على أوليائك بالضرب والقتل ، اللهم فإن يكن القرآنُ كلامك غيرَ مخلوقٍ فاكْفنا مؤونته . قال : فجاءهم الصَّريخ بموت المأمون في الثلث الأخير من الليل . قال الإمام أحمد : ففرحت بذلك، ثم جاء الخبر بأنَّ المعتصم قد ولِيَ الخلافة ، وقد انضمَّ إليه أحمد بن أبي دُواد ، وأنَّ الأمر شديدٌ ، فردُونا إلى بغداد في سفينةٍ مع بعض الأسارى ، ونالني منهم أذّى كثير ، وكان في رجليه القيودُ ، ومات صاحبُه محمد بن نوح في الطريق ، وصلَّى عليه أحمد ، فلمَّا رجع أحمد إلى بغداد دخلها وهو مريض ، وذلك في رمضان ، فأودع السجنَ نحواً من ثمانية وعشرين شهراً ، وقيل : نيفاً وثلاثين شهراً ، ثم أخرج إلى الضرب بين يدي المعتصم ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى ، وبه الثقة . وقد كان الإمام أحمد هو الذي يصلي في أهل السجن وعليه قيوده في رجليه . ذکرُ ضَزْبه رضي الله عنه بین یدي المعتصم لمَّا أحضره المعتصمُ من السجن زيد في قيوده ، قال أحمد : فلم أستطع أن أمشيَ بها ، فربطتها في التِّكَّة وحملتها بيدي ، ثم جاؤوني بدابّة فحُمِلْتُ عليها ، فكدت أن أسقطَ على وجهي من ثِقَلِ القيود ، وليس معي أحدٌ يمسكني، فسلَّم اللهُ حتَّى جئنا دار الخلافة ، فأدْخِلت في بيتٍ وأغْلِق عليَّ وليس عندي سراجٌ ، فأردت الوضوء ، فمددتُ يدي فإذا إناءٌ فيه ماء فتوضأْتُ منه ، ثم قمت ولا أعرف القِبلة ، فلمَّا أصبحت إذا أنا على القبلة ، ولله الحمد . هي رَحْبةُ مالك بن طَوْق ، وهي بين الرقة وبغداد على شاطىء الفرات . باقوت . (١) في ط : أن تجيبهم إلى ما يدعونك إليه ، فيجيبوا ، فتحمل أوزارهم يوم القيامة . (٢) (٣) بعده في ب ، ظا: وبسط نطعاً لم يبسطه قبل ذلك. (٤) في آ: تجبَّر . ١٧٢ ذکر ضربه بین یدي المعتصم قال : ثم دعيتُ فأدخلت على المعتصم ، فلمَّا نظر إليَّ وعنده ابن أبي دُوَاد ، قال : أليس قد زعمتم أنَّه حدَثُ السنِّ وهذا شيخٌ مكتهل ؟ فلمَّا دَنَوْتُ منه وسلَّمْتُ ، قال لي : ادنه ، فلم يزل يدنيني حتَّى قَرُبْتُ منه ، ثم قال : اجلس ! فجلست وقد أثقلني الحديد ، فمكثْتُ ساعةً ، ثم قلت : يا أميرَ المؤمنين ! إلام دَعَا إليه ابنُ عمِّكَ رسولُ اللهِوَيهِ؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله. قلْتُ: فإنِّي أشهدُ أن لا إله إلا الله. قال : ثم ذكرت له حديث ابن عباس في وَفْدِ عبد القيس(١)، ثم قلت: فهذا الذي دعا إليه رسولُ اللهِ وَله قال : ثم تكلّم ابنُ أبي دُوَاد بكلامٍ لم أفهمه ، وذلك لأني لم أتفقه كلامه ، ثم قال المعتصم : لولا أنك كنت في يدِ مَنْ كان قبلي لم أعرض لك ، ثم قال : يا عبد الرحمن ، ألم آمرك أن ترفع المحنة ؟ قال : فقلت : الله أكبرُ، هذا فرجٌ للمسلمين . ثم قال: ناظروه، يا عبدَ الرحمن ، كلمْه . فقال لي عبد الرحمن : ما تقولُ في القرآن ؟ فلم أجبه ، فقال المعتصم : أجبْه ، فقلت : ما تقولُ في العلم ؟ فسكت ، فقلتُ : القرآن من علم الله ، ومَنْ زَعَمَ أنَّ علم الله مخلوقٌ فقد كفر بالله ، فسكت ، فقالوا فيما بينهم : يا أميرَ المؤمنين ، أكْفَرك وأكفرنا ، فلم يلتفت إلى ذلك، فقال عبد الرحمن : كان اللهُ ولا قرآنَ ، فقلْتُ : أكان اللهُ ولا علمَ ؟ فسكت . فجعلوا يتكلمون من هاهنا وهاهنا ، فقلْتُ : يا أمير المؤمنين، أعطوني شيئاً من كتاب الله أو سُنَّةِ رسول الله وَّرِ حتى أقولَ به. فقال ابنُ أبي دُوَاد: وأنتَ لا تقولُ إلا بهذا وهذا؟ فقلْتُ : وهل يقوم الإسلام إلا بهما . وجرت بينهما مناظراتٌ طويلة ، واحتجوا عليه بقوله: ﴿مَا يَأْتِهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّيِّهِم تُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢]، ويقوله: ﴿اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [الرعد: ١٦]. وأجاب(٢) بما حاصله أنه عام مخصوص بقوله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥]. فقال ابن أبي دُوَاد : هو والله يا أمير المؤمنين ضالٌّ مضلٌّ مبتدئٌ ، وهؤلاء قضاتك والفقهاء فسلهم ، فقال لهم : ما تقولون فيه ؟ فأجابوا بمثل ما قال ابن أبي دُوَاد ، ثم أحضروه في اليوم الثاني ، فناظروه أيضاً ، ثم في اليوم الثالث فناظروه أيضاً ، وفي ذلك كله يعلو صوتُه وحجته عليهم . قال : فإذا سكتوا فتحَ الكلامَ عليهم ابنُ أبي دُوَاد ، وكان من أجهل الناس بالعلم والكلام ، وقد تنوَّعت بهم المسائل(٣) في المجادلة، ولا علمَ لهم بالنقل، فجعلوا يُنكرون الآثارَ ويَرُدُون الاحتجاجَ بها . (١) حديث وفد عبد القيس هذا، رواه البخاري في الإيمان، باب أداء الخمس (١/ ١٢٠ - ١٢٥) وهو عنده أيضاً في العلم ، باب تحريض النبي ( وفد عبد القيس على أن يحفظوا الإيمان ، وفي المغازي، باب وفد عبد القيس؛ وأخرجه مسلم في الإيمان ، باب الأمر بالإيمان بالله تعالى رقم (١٧) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما . (٢) في ب: وعنه في ذلك يحدث إنزاله، أو ذكر غير القرآن محدث، كما تقدم. ورشح هذا بقوله: ﴿صَّ وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ ﴾ [ص: ١]. يعني به القرآن، بخلاف النكرة، فإنه غير القرآن. (٣) في ب ، ظا : المسالك . ١٧٣ ذکر ضربه بین یدي المعتصم قال أحمد : وسمعت منهم مقالاتٍ لم أكن أظنُّ أنَّ أحداً يقولها . وقد تكلّم معي برغوث(١) بكلام طويل ذكر فيه الجسم وغيرَه بما لا فائدة فيه ، فقلْتُ : لا أدري ما تقولُ ، إلا أني أعلم أن الله أحدٌ صمَدٌ ، ليس كمثله شيء، فسكت عنه. وقد أوردت لهم حديث الرؤية ٢) في الدَّار الآخرة ، فحاولوا أن يضعفوا إسناده ويلفِّقوا عن بعض المحدِّثين كلاماً يتسلَّقون به إلى الطعن فيه، وهيهات، ﴿ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاؤُشُ مِن مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾(٣) [سبأ: ٥٢]، وفي غُبُون (٤) ذلك كلِّه يتلطّفُ به الخليفة، ويقولُ: يا أحمد ، أجبْني إلى هذا حتَّى أجعلَكَ من خاصَّتي وممن يطأ بساطي. فأقولُ: يا أميرَ المؤمنين ، يأتوني (٥) بآية من كتاب الله أو سنَّةٍ عن رسول الله ◌ِّلَ حتَّى أجيبهم إليها . واحتجَّ أحمد عليهم حين أنكروا الاحتجاج بالآثار ، بقوله تعالى حكاية عن إبراهيم: ﴿ يَّأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢]، وبقوله: ﴿وَكَلَّمَ اَللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [ النساء: ١٦٤]، وبقوله: ﴿ إِنَِّى أَنَا اللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّ أَنَ فَاعْبُدْنِ﴾ [طه: ١٤]، وبقوله: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ تَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] إلى غير ذلك من الآيات. فلمَّا لم يقمْ لهم معه حجة ، عدلوا إلى استعمال جاه الخليفة في ذلك ، فقالوا : يا أميرَ المؤمنين ، هذا كافرٌ ضالٌّ مضِلٌّ . وقال له إسحاق بن إبراهيم نائبُ بغداد : يا أميرَ المؤمنين ! ليس من تدبير الخلافة أن تخلِّيَ سبيله ويغلبَ خليفتين ، فعند ذلك حَمِيَ [ الخليفة]٦) واشتدَّ غضبُه، وكان ألينَهم عريكةً، وهو يظنُّ أنَّهم على شيء. قال أحمد : فعند ذلك قال لي : لَعنَكَ الله! طمعتُ فيك أن تجيبني. ثم قال: خذوه، خلِّعوه، اسحبوه . قال: فأُخْذْتُ وسُحِبْتُ وجيء بالعُقابين(٧) والسياط وأنا أنظر. وكان معي شَعْر من شَعْر النبيِ ◌ّهِ مصرورٌ في ثوبي، فجرَّدوني منه وصرْتُ بين العُقَابين ، فقلْتُ: (١) في ا، ط : ابن غوث، وأثبت ما جاء في ب ، ظا . وهو محمد بن عيسى الجهمي ، أبو عبد الله ، رأس البدعة ، وأحد من كان يناظر الإمام أحمد وقت المحنة . له عدد من المصنفات . قيل : توفي سنة ٢٤٠ أو ٢٤١ هـ. سير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٥٤). (٢) حديث الرؤية ، أي رؤية الله تعالى في الآخرة، رواه البخاري (٢/ ٢٧)، في الصلاة ، باب فضل صلاة العصر ، و(٤٣/٢) باب فضل الفجر، وفي التوحيد (٣٥٧/١٣) باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَؤْمَدٍ نَاضِرَةُ (ِيَ) إِلَى ◌َهَا نَاظِرَةٌ﴾؛ ومسلم رقم (٦٣٣) في المساجد ومواضع الصلاة ، باب فضل صلاتي الصبح والعصر، من حديث جرير بن عبد الله البجلي ، رضي الله عنه . (٣) ((التناوش)): التناول . وأراد: كيف لهم أن يتناولوا ما بعد عنهم من الإيمان وامتنع بعد أن كان مبذولًا لهم مقبولً منهم . (٤) كذا فى النسخ والمطبوع . والمستعمل : غضون ، يقال : جاء في غضون ذلك ، أي في أثنائه. (٥) في ا: تأمرني . (٦) زيادة من ب ، ظا . (٧) هما خشبتان يشبح بينهما الرجل ليجلد . ١٧٤ ذکر ضربه بین یدي المعتصم يا أميرَ المؤمنين، الله الله، إنَّ رسولَ الله ◌َ، قال: ((لا يَحِلُّ دَمُ امْرىءٍ مسلم يشهَدُ أنْ لا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث)) وتَلَوْتُ الحديثَ(١)، وأنَّ رسول اللهِّهِ، قال: ((أُمِرْتُ أنْ أقاتلَ النَّاسَ حتَّى يقولوا لا إلَه إلا الله، فإذا قالوها عَصَمُوا مِنِّي دماءهم وأموالهم)(٢) . ففِيمَ تستحلُّ دَمِي ولم آت شيئاً من هذا؟ يا أميرَ المؤمنين ، اذكرْ وقوفَكَ بين يدي الله تعالى كوقوفي بين يديك ؛ فكأنه أمسَكَ . ثم لم يزالوا يقولون له : يا أميرَ المؤمنين، إنَّه ضالٌ مضِلٌّ كافرٌ ، فأمر بي فأقمْتُ بين العُقَابين ، وجيء بالضرَّابين ومعهم السِّيَاط ، فجعَلَ أحدُهم يضربني سوطين ويقول له : شُدَّ، قَطَعَ الله يديك ! ويجيء الآخر فيضربني سوطين ، ثم الآخر كذلك ، فضربوني أسواطاً ، فأغمي عليَّ، وذهب عقلي مراراً ، فإذا سكَنَ الضَّرْبُ يعود عليَّ عقلي ، وقام المعتصم إليَّ يدعوني إلى قولهم ، فلم أجبْهُ ، وجعلوا يقولون : ويحك ! الخليفةُ على رأسك ، فلم أقبل ، وأعادوا الضرب ، ثم عاد إليّ فلم أجبْهُ، فأعاد الضرب ، ثم جاء إليَّ الثالثة ، فدعاني فلم أعقِلْ ما قال من شدَّة الضرب ، ثم أعادوا الضرب فذهب عقلي فلم أحس به ، وأرعبه ذلك من أمري ، وأمَرَ بي فأطلقت ، ولم أشعر إلَّ وأنا في بيت من حجرة ، وقد أطلقت الأقياد من رجلي ، وكان ذلك في اليوم الخامس والعشرين من رمضان من سنة إحدى وعشرين ومئتين . ثم أمر الخليفةُ بإطلاقه إلى أهله . وكان جملة ما ضُرب نيفاً وثلاثين سوطاً ، وقيل : ثمانين سوطاً ، لكن كان ضرباً مبرِّحاً شديداً جداً . وقد كان الإمام أحمد رجلاً طوالاً رقيقاً ، أسمرَ اللون ، كثيرَ التواضع ، رحمه الله ورضي عنه وأكرم مثواه . ولمَّا حُمِلَ من دار الخلافة إلى دار إسحاق بن إبراهيم وهو صائمٌ ، أتوه بسَويق وماءٍ ليفطر من الضعف ، فامتنع من ذلك وأتمَّ صومَه ، وحين حضرت صلاةُ الظهر صلَّى معهم ، فقال له ابنُ سَمَاعَةً القاضي: صليتَ في دمك! فقال له أحمد: قد صلَّى عمرُ وجُرْحُه يَثْعَبُ دَما٣ً) ، فسكتَ . (١) حديث: ((لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث .. )) رواه البخاري (١٢ / ١٧٦) في الديات ، ومسلم رقم (١٦٧٦) في القسامة ، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه . ورواه أبو داود رقم (٢١٥٩) في الفتن ، والنسائي (٧/ ٩٢) في تحريم الدم ، من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه ، وهو حديث صحيح . (٢) رواه البخاري (١/ ٧٠ و٧١) في الإيمان، ومسلم رقم (٢٢) في الإيمان ، من حديث ابن عمر ، ورواه البخاري (٢١١/٣) في الزكاة؛ ومسلم رقم (٢١) في الإيمان، من حديث أبي هريرة، والبخاري (١/ ٤١٧) في الصلاة ؛ والترمذي رقم (٢٦٠٨) في الإيمان، والنسائي (٧/ ٧٥) من حديث أنس رضي الله عنه. (٣) أخرجه مالك في ((الموطأ)) رقم (٧٩)، باب العمل فيمن غلبه الدم من جرح أو رعاف ، من طريق هشام بن عروة ، عن أبيه : أنَّ المِسْوَر بن مَخْرَمة أخبره أنه دخل على عمر بن الخطاب من الليلة التي طعن فيها ، فأيقظ عمر لصلاة الصبح ، فقال عمر: نعم ، ولا حَظّ في الإسلام لمن ترك الصلاة ، فصلَّى عمر وجرحه يَثْعَبُ دماً ، أي : يجري ويتفجر منه الدم ، وهو حديث صحيح . ١٧٥ ذکر ضربه بین یدي المعتصم ويُروى أنَّه لمَّا أقيم ليضربَ انقطعت تِكَّةُ سَراويله ، فخشي أن تسقط فتتكشّف عورتُه ، فحرّك شفتيه بدعاءٍ ، فعاد سراويله كما كان . ويُروى أنه قال : يا غياثَ المستغيثين ، يا إلّه العالمين، إن كنتَ تعلم أَنِّي قائمٌ لك بحقِّ فلا تهتِكْ لي عورةً(١) . ولمَّا رجع إلى منزله جاءه الجرائحيُّ(٢) فقطع لحماً ميتاً من جسده ، وجعلَ يداويه ، والنائبُ [ يبعث كثيراً (٣) في كلِّ وقتٍ يسأل عنه، وذلك أن المعتصم ندِمَ على ما كان منه إلى أحمد نَدَماً كثيراً ، وجعل يسأل النائبَ عنه ، والنائب يستعلم خبرَه ، فلمَّا عُوفي فرح المعتصم والمسلمون بذلك. ولمَّا شفاه الله بالعافية بقي مدّةً وإبهاماه يؤذيهما البردُ، وجعلَ كلَّ من سَعَى في أمره في حِلِّ إلا أهل البِدْعة، وكان يتلو في ذلك قولَه تعالى: ﴿وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ أَلَا تُحِبُونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [ النور : ٢٢ ] . ويقول : ماذا ينفعك أن يعذَّب أخوك المسلمُ بسببك؟ وقد قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُ عَلَى الَّهِ ﴾٤) [الشورى: ٤٠]. وينادي يوم القيامة: ليقم مَنْ أجرُه على الله فلا يقومُ إلَّ مَنْ عَفَا. وفي صحيح مسلم(٥) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله ◌ِّر: (( ثلاث أقسم عليهن : ما نقص مالٌ مِنْ صَدَقَةٍ ، وما زادَ اللهُ عبداً بعَفْوٍ إلا عِزّاً، ومَنْ تَوَاضَعَ لله رفعَهُ اللهُ)). (١) روي الخبر بأطول من هذا في سير أعلام النبلاء (١١ / ٢٥٥)، من طريق داود بن عرفة. وعلق الذهبي على ذلك بقوله : هذه حكاية منكرة ، أخاف أن يكون داود وضعها . (٢) ((الجرائحي)): الطبيب الذي يعالج الجراحة. (٣) زيادة من ب ، ظا . (٤) في سير أعلام النبلاء (١١/ ٢٥٧): عن عبد الله بن أحمد، قال: «سمعت أبي يقول : لقد جعلت الميّت في حِلِّ من ضربه إياي. ثم قال: مررت بهذه الآية: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُ عَلَى الَّهِ﴾ ، فنظرت في تفسيره ، فإذا هو ما أخبرنا هاشم بن القاسم ، أخبرنا المبارك بن فضالة ، قال : أخبرني من سمع الحسن ، يقول : إذا كان يوم القيامة جَثَت الأمم كُلُّها بين يدي الله ربِّ العالمين، ثم نُودي ألا يقوم إلا من أجرُهُ على الله ، فلا يقوم إلا مَنْ عَفَا في الدنيا . قال : فجعلت الميِّت في حِلِّ. ثم قال: وما على رجل ألا يعذّب الله بسببه أحداً)) . تاريخ ابن عساكر ( الجزء السابع / ٢٧٧٢ ) . (٥) لفظه في صحيح مسلم رقم (٢٥٨٨) في البر والصلة ، باب استحباب العفو والتواضع : عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله وَّير: ((ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله)). ورواه كذلك الترمذي رقم (٢٠٢٩) في البر والصلة ، باب ما جاء في التواضع ، وأما باللفظ الذي ذكره المؤلف رحمه الله: ((ثلاث أقسم عليهن)) فقد رواه الترمذي رقم (٢٣٢٥)، وأحمد في المسند (٢٣٠/٤) من حديث أبي كبشة الأنماري بلفظ: (( ثلاثة أقسم عليهن وأحدثكم حديثاً فاحفظوه قال : ما نقص مال عبد من صدقة ، ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عنها إلا زادهُ الله عزاً، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر .. )) الحديث. وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح ، وهو كما قال . ١٧٦ ذكر ثناء الأئمة على الإمام أحمد وكان الذين ثبتوا على المحنة فلم يُجيبوا بالكلِّيّة أربعة (١) : أحمد بن حنبل ، وهو رئيسهم ومقدَّمهم . ومحمد بن نوح بن ميمون الجنديسابوريّ ، ومات في الطريق حين ذهب هو وأحمد إلى المأمون . ونُعَيم بن حمَّاد الخُزَاعي ، وقد مات في السجن . وكذلك أبو يعقوب البُوَيْطَيّ ، مات في سجن الواثق على القول بخَلْق القرآن ، لم يجبهم إليه ، وكان مثقلاً بالحديد ، وأوْصَى أن يدفن فيها . وأحمد بن نَصْر الخُزَاعيّ وقد ذكرنا كيفية مقتله (٢) رحمه الله في أيام الواثق . ذكر ثناء الأئمة على الإمام أحمد بن حنبل(٣) قال البُخاريّ : لمَّا ضُرب أحمدُ بن حنبل كنَّا بالبصرة ، فسمعت أبا الوليد الطيالسي يقول : لو كان هذا في بني إسرائيل لكان أحدوثةً . وقال إسماعيل بن الخليل : لو كان أحمد بن حنبل في بني إسرائيل لكان عجباً . وقال المزنيُّ : أحمد بن حنبل يوم المحنة ، وأبو بكر يومَ الرِّدَّة ، وعُمَرُ يومَ السَّقيفة ، وعثمانُ يومَ الدَّار ، وعليٌّ يومَ صفّين . وقال حَرْمَلَةُ : سمعت الشافعيَّ يقولُ: خرجت من العراق فما رأيت(٤) بها رجلاً أفضلَ ولا أعلمَ ولا أورعَ ولا أتقى من أحمد بن حنبل . وقال شيخه يحيى بن سعيد القطّان: ما قدِمَ عليَّ من بغداد أحدٌ أحبُّ إليَّ من أحمد بن حنبل . وقال قتيبة : مات سفيات الثوري ومات الورع ، ومات الشافعيُّ وماتت السُّنَنُ، ويموتُ أحمدُ بن حنبل وتظهر البِدَعُ . وفي رواية : قال قتيبة : إنَّ أحمد بن حنبل قام في الأمَّة مقام النُّوَّة . قال البيهقي : يعني في صبره على ما أصابَه من الأذى في ذات الله عزَّ وجلَّ . هم خمسة كما سيأتي . (١) في آ: قتله ، وسقط قوله : رحمه الله في أيام الواثق من ط . كما سقط قوله : وأحمد بن نصر .. في أيام الواثق من (٢) نسختي ب ، ظا، فيكون عدد من ثبت في المحنة على ذلك أربعة ، كما ذكر أولًاً . (٣) بعدها في ا : المعظم المبجّل . (٤) في ب ، ظا : خلفت بها ، وفي ط : تركت . ١٧٧ ذكر ثناء الأئمة على الإمام أحمد وقال أبو عمر بن النحاس وذكر أحمد يوماً، فقال: رحمه الله، في الدِّين ما كان أصبره(١) ، وبالصالحين ما [ كان ] ألحقه ، وبالماضين ما كان أشبهه ، عرضت له الدنيا فأباها ، والبدع فنفاها . وقال بشر بن الحارث الحافي بعدما ضُرب أحمد بن حنبل : أدخل الكير فخرج ذهباً أحمرَ . وقال الميموني : قال لي عليّ بن المديني بعدما امتحن أحمد وقبل أن يمتحن : يا ميموني ، ما قام أحدٌ في الإسلام ما قام أحمد بن حنبل . فعجبت من هذا عجباً شديداً ، وذهبتُ إلى أبي عُبيد القاسم بن سلام، فحكيت له مقالةَ عليّ بن المدينيّ، فقل: صدَقَ، إنَّ أبا بكر الصِّدّيق وجَدَ يومَ الرِّدَّة أنصاراً وأعواناً ، وإنَّ أحمد بن حنبل لم يجدْ أعواناً ولا أنصاراً . ثم أخذ أبو عبيد يُطري أحمد ، ويقول : لستُ أعلمُ في الإسلام مثلَه . وقال إسحاق بن رَاهَوَيْه : أحمد بن حنبل حجَّةٌ بين الله وبين عبيده في أرضه . وقال عليُّ بن المديني : إذا ابتليت بشيء فأفتاني أحمدُ بن حنبل لم أبال إذا لقيت ربِّي كيفَ كانَ. وقال علي أيضاً : اتخذت أحمدَ حَّةً فيما بيني وبين الله عزَّ وجلَّ . ثم قال : ومن يَقْوَى على ما يقوى عليه أبو عبد الله ؟. وقال يحيى بن معين : كان في أحمدَ بن حنبل خصالٌ ما رأيتها في عالم قطّ ، كان محدِّثاً ، وكان حافظاً ، وكان عالماً ، وكان ورِعاً ، وكان زاهداً ، وكان عاقلاً . وقال يحيى بن معين أيضاً : أراد النَّاس منَّا أن نكونَ مثلَ أحمد بن حنبل ، والله ما نقوى أن نكونَ مثلَ أحمد ، ولا في طريق أحمد . وقال [ محمد بن يحيى (٢) الذهليّ: اتخذت أحمد بن حنبل حجَّة فيما بيني وبين الله عزَّ وجل . وقال هلال بن الملك الرقيُّ(٣) : مَنَّ اللهُ على هذه الأمة بأربعة: بالشافعيِّ؛ فهم الأحاديثَ وفسَّرها للناس ، وبيَّن المجمل من المفسَّر(٤)، والخاصّ والعامّ، والناسخ من المنسوخ ؛ وبأبي عُبَيد عرف الغريب وفسّره ؛ وبيحيى بن معين ، نَفَى الكذِبَ من الأحاديث ؛ وبأحمد بن حنبل ، ثبت في المحنة ؛ لولا هؤلاء الأربعة لهلك الناس . وقال أبو بكر بن أبي داود : أحمد بن حنبل مقدَّم على كُلِّ من حمل بيده قلماً ومحبرة ، يعني : في عصره . (١) بعدها في ط : وعن الدنيا ما كان أصبره ، وفي الزهد ما كان أخبره . (٢) زيادة من ب ، ظا. وفي ا: وقال عن الذهلي. (٣) في ط : هلال بن المعلى الرقي . (٤) في ط : مجملها من مفصّلها . ١٧٨ ذكر ثناء الأئمة على الإمام أحمد وقال أبو بكر محمد بن رجاء(١) : ما رأيتُ مثلَ أحمد بن حنبل ، ولا رأيتُ من رأى مثله . وقال أبو زرعة الرازيُّ : ما أعرف في أصحابنا أسودَ الرأس أفقه منه . وروى البيهقيُّ عن الحاكم ، عن يحيى بن محمد العنبريّ ، قال : أنشدنا أبو عبد الله البوشنجيّ في أحمدَ بن حنبل رحمه الله(٢) : إنّ ابنَ حَنْبَلَ إنْ سألْتَ إمامُنا وبهِ الأئمةُ في الأنامِ تمسَّكُوا كانوا الخلائفَ بعدَهُ واستهلكوا خلَفَ النَّبيَّ محمّداً بَعْدَ الألى يَحذو المثالَ مثالُهُ المتمسِّكُ حَذْوَ الشِّراِ(٣) على الشِّراكِ وإنَّما وقد ثبت في الصحيح عن رسول الله وَ له: أنه قال: (( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحقِّ لا يضرُّهم مَنْ خَذَلَهم، ولا من خالَفَهُم، حتَّى يأتيَ أمْرُ الله وهم كذلك ))" . قال عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما : هم أهل الحديث . وروى البيهقيُّ، عن أبي سعد المالينيّ(٥)، عن ابن عديٍّ، عن أبي القاسم البَغويّ، عن أبي الرَّبيع الزهرانيّ ، عن حمَّاد بن زيد ، عن بقية بن الوليد ، عن معان بن رفاعة ، عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري ح . قال البغوي: وحدثني زياد بن أيوب ، حدثنا مبشر ، عن معان ، عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذريّ، قال: قال رسولُ اللهِ وَ له: ((يحمل هذا العلم من كُلِّ خلف عُدُولُه، ينفون عنه تحريفَ الغالين، وانْتِحَالَ المبطلين، وتأويلَ الجاهلين)(٦) . في ب ، ظا : محمد بن محمد بن رجاء . (١) تاريخ ابن عساكر ( الجزء السابع / ٢٨٠ ) . (٢) («الشَراك)»: سير النعل على ظهر القدم. (٣) رواه مسلم في صحيحه رقم (١٩٢٥) (١٧٠) في الإمارة، من حديث ثوبان رضي الله عنه بلفظ: ((لا تزال طائفة من (٤) أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك )) ورواه البخاري (٢٥٠/١٢٣) في الاعتصام، ومسلم رقم (١٠٣٧) (١٧٤) في الإمارة من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما بلفظ: ((لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس)) . (٥) في ط وبقية النسخ: أبو سعيد الماليني، وهو خطأ ، والصحيح أبو سعد الماليني ، وهو أحمد بن محمد الماليني الهروي المتوفى سنة (٤١٢) هـ (ع ) . (٦) هذا الحديث مشهور، رواه الخطيب البغدادي في ((شرف أصحاب الحديث)) صفحة (٢٩)، وابن وضاح في («البدع والنهي عنها)) صفحة (١)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (١٧/٢) والعقيلي في الضعفاء (٢٥٦/٤)، وابن عدي في الكامل (١/ ١٥٣).، من حديث إبراهيم بن عبد الرحمن العذري، وقال العقيلي: ((وقد رواه قوم مرفوعاً من جهة لا تثبت)) . والمصنف على تضعيف هذا الحديث مرفوعاً، وهو الصواب إن شاء الله تعالى (بشار) .= ١٧٩ ذكر ما كان من أمر الإمام بعد المحنة وهذا الحديث مرسلٌ وإسنادُه فيه ضعف . والعجب أنَّ ابن عبد البر صحَّحه واحتجَّ به على عدالة كُلِّ مَن نسب إلى حَمْل العلم ، والإمام أحمد من أئمة أهل العلم ، رحمه الله وأكرمَ مثواه . ذكر ما كان من أمر الإمام أحمد بعد المِحْنة حين خرج من دار الخلافة بعد الضرب صار إلى منزله فَدُووي حتى برأ ، ولله الحمد والمنّة ، ولزم منزلَه فلا يخرج منه ، لا إلى جماعة ولا جمعة ، وامتنع من التحديث ، كانت غلّتُهُ مِن ملْكِ له في كلِّ شهر سبعة عشر درهماً ينفقها على عياله ويتقنّعُ(١) بذلك - رحمه الله - صابراً محتسباً. ولم يزَلْ كذلك مدَّة خلافة المعتصم ، وكذلك في أيام ابنه محمد الواثق ، فلما وليَ المتوكّلُ على الله جعفر بن المعتصم بالله استبشر الناس بولايته ، فإنَّه كان محبّاً للسُّنَّة وأهلها، ورفع المِحْنَة عن الناس ، وكتب إلى الآفاق ألا يتكلَّمَ أحدٌ في القَوْل بخلق القرآن ، ثم كتب إلى نائبه ببغداد ، وهو إسحاق بن إبراهيم ، أن يبعثَ بأحمد بن حنبل إليه ، فاستدعى بالإمام إليه فأكرمه إسحاق وعظّمه ، لما يعلم من إعظام الخليفة له وإجلاله ، وسأله فيما بينه وبينه عن القرآن ، فقال له الإمام أحمد : سؤال تعنّت أو استرشاد ؟ فقال : بل سؤال استرشاد . [ فقال: هو كلام الله منزلٌ غير مخلوق ]٢) ، فسكن إلى قوله في ذلك ، ثم جهَّزه إلى الخليفة بسُرَّ مَن رأى ، وسبقه إليه . وبلغه أن أحمد بن حنبل اجتاز بابنه(٣) محمد بن إسحاق فلم يأته ولم يسلِّم عليه ، فغضب إسحاقُ بن إبراهيم من ذلك وشكاه إلى الخليفة ، فقال المتوكّلُ: يُرَدُّ وإنْ كان قد وطِيء بساطي ، فرجع الإمام أحمد من الطريق إلى بغداد . وقد كان الإمام أحمد متكرّهاً لذلك ؛ ولكن لم يهنْ ذلك على كثيرٍ من الناس ؛ وإنَّما كان رجوعُه عن قول إسحاق بن إبراهيم الذي كان هو السبب في ضربه . ثم إنَّ رجلاً من المبتدعة، يقال له : ابن الثَّلْجِيّ(٤) ، وشَى إلى الخليفة شيئاً، وهو أنَّه يزعم وانظر ((العواصم والقواصم)) لمحمد بن إبراهيم الوزير اليماني (٣٠٨/١ - ٣١٣) فإنه جمع طرقه وشواهده ، وقد = يصل الحديث إلى درجة الحسن لغيره بطرقه وشواهده موقوفاً مرفوعاً. (ع ). (١) في ب ، ظا: يقتنع . ومعنى يتقنَّع : يتكلَّف القناعة . (٢) ما بين قوسين لم يرد في آ . (٣) في اَ : بنائبه . (٤) في ا، ط : ابن البلخي ، والمثبت من ( ب ، ظا). وهو محمد بن شجاع ، أبو عبد الله ، يعرف بابن الثَّلْجِي ، فقيه العراق ، وشيخ الحنفية ، صنف واشتغل ، ووصفه الذهبي بأنه كان صاحب تعبُّد وتهجُّد وتلاوة ، إلا أنّه كان يقف في مسألة القرآن ، فلا يقول : القرآن مخلوق أو غير مخلوق ، وقد ترك حديثه . توفي وهو ساجد سنة ٢٦٦ هـ عن خمس وثمانين سنة . ترجم في العبر (٣٣/٢)، وسير أعلام النبلاء (١١ /٢٦٧) و(٣٧٩/١٢)، وتهذيب التهذيب (٢٢٠/٩). ١٨٠ ذكر ما كان من أمر الإمام بعد المحنة أنَّ رجلاً من العلويين قد ضَوَى(١) إلى منزل أحمد بن حنبل وهو يبايع له الناس في الباطن . فأمر الخليفة نائبَ بغداد أن يكبس منزل الإمام أحمد من الليل ، فلم يشعروا إلا بالمشاعل قد أحاطَتْ بالدار من كُلِّ مكان حتَّى من فوق الأسطحة ، فوجدوا الإمام أحمد جالساً في داره مع عياله ، فسألوه عمَّا ذُكر عنه ، فقال: ليس عندي من هذا علمٌ ، وليس من هذا شيء ، وإِّي لأرَى طاعة أمير المؤمنين في السِّرِّ والعلانية ، وفي عُسْري ويُسْري، ومَنْشَطي (٢) ومَكْرَهي، وأثَرةٍ عليَّ، وإنِّي لأدعو الله له بالتَّسْديد والتَّوفيق ؛ في الليل والنهار ، في كلام كثير . قال: ففتّشوا منزله ، حتَّى مكان الكتب ، وبيوت النساء ، والأسطحة ، فلم يروا شيئا٣ً) . فلمَّا بلغ المتوكّلَ ذلك ، وعلم براءته مما نُسب إليه، علم أنهم يكذبون عليه كثيراً ، فبعث إليه يعقوب بن إبراهيم المعروف بقَوْصَرة - وهو أحد الحجبة - بعشرة آلاف درهم من الخليفة ، وقال : هو يقرأ عليك السلام ، ويقول : انتفق(٤) هذه، فامتنع من قبولها . فقال: يا أبا عبد الله ، إنِّي أخشى من رَدِّك إياها أن يقعَ وَحْشَةٌ بينك وبينه ، والمصلحةُ لك قبولها ، فوضَعَها عنده ثم ذهب ، فلمَّا كان من آخر الليل استدعى الإمام أحمد أهلَه وبني عمه وعياله ، وقال : لم أنَّمْ هذه الليلة ، فجلسوه وكتبوا أسماءَ جماعةٍ من المحتاجين من أهل الحديث وغيرهم من أهل بغداد والبصرة ، ثم أصبح ففرّقها في الناس ما بين الخمسين إلى المئة والمئتين ، فلم يُبق منها درهماً، وأعطى منها لأبي كُرَيْب(٥) ، وأبي سعيد الأشج، وتصدَّق بالكيس الذي(٦) كانت فيه، ولم يُعطِ منها لأهله شيئاً وهم في غاية الفقر والحاجة ، وجاء بني ابنه ، فقال : أعطني درهماً . فنظر أحمد إلى ابنه صالح ، فتناول صالح قطعةً فأعطاها الصبيّ ، فسكت أحمدُ ، رحمه الله . وبلغ الخليفةَ أنه تصدَّق بالجائزة كلِّها حتى لم يبق منها شيئاً ، وأنه قد تصدَّق بكيسها ، فقال عليّ بن الجَهْم : يا أميرَ المؤمنين ، إنه قد قبلها منك وتصدَّق بها عنك، وماذا يصنع أحمدُ بالمال ؟ إنما يكفيه رغيفٌ . فقال : صدقْتَ . فلمَّا مات إسحاق بن إبراهيم وابنُه محمد ، ولم يكن بينهما إلا القريب ، وتولَّى نيابةَ بغدادَ عبدُ الله بن إسحاق ، كتبَ المتوكّلُ إليه أن يحمل إليه الإمامَ أحمدَ ، فقال لأحمد في ذلك ، فقال : إني شيخٌ كبيرٌ (١) في ط : أوى . (٢) ((المَنْشَط)): ما يُخَفُّ إليه ويؤثر فعله. و((المَكْرَه)): ما يكرهه الإنسان ويشق عليه. ومن حديث عُبادة: بايعت رسول الله ◌َّه على المَنْشَط والمَكرَه، يعني المحبوب والمكروه، وهما مصدران. النهاية (١٦٨/٤). (٣) سير أعلام النبلاء (٢٦٥/١١ - ٢٦٧). في آ : انتفق من هذه . وفي ط : استنفق هذه ، والمثبت من ب ، ظا . (٤) (٥) في آ، ط : أيوب، والمثبت من ب، ظا. وهو محمد بن العلاء بن كُرَيب الهمداني الكوفي ، شيخ المحدثين . مات نحو سنة ٢٤٨ هـ. سير أعلام النبلاء (١١ / ٣٩٤). (٦) في النسخ: التي .