Indexed OCR Text

Pages 41-60

وفيها توفي من مشايخ الحديث :
الحسن بن موسى الأشْيَبُ(١)
وأبو علي الحنفي (٢)
وحفص بن عبد الله ، قاضي نيسابور(٣) .
وعثمان بن عُمر بن فارس (٤) .
ويَعْلِى بن عُبَيَد الطَّافِسي(٥) .
[ ثم دخلت ] سنة عشر ومثتين
في صفر منها دخل نَصْر بن شَبَث إلى بغداد ، بعثه عبد الله بن طاهر من الرقة ، فدخلها ولم يتلقَّاه أحدٌ
من الجند ، بل دخل وحدَه ، فأنزل في مدينة أبي جعفر ، ثم حوّل إلى موضعٍ آخر .
وفي هذا الشهر ظفر المأمونُ بجماعةٍ من كبراء مَن كان بايع إبراهيمَ بنَ المهدِيّ ، فعاقبهم وحبسهم في
المطبق .
ظهور إبراهيم بن المهدي بعد اختفائه : لمَّا كان ليلة الأحد لثلاث عشرة بقيت من ربيع الآخر منها ،
اجتاز إبراهيم بن المهديّ - وله مدّة ست سنين وشهور مختفٍ من المأمون ، وهو متنقّبٌ في زي امرأة ،
ومعه امرأتان - في بعض الدروب في أثناء الليل ، فقام الحارسُ ، فقال : إلى أين هذه الساعة ؟ ومن أين ؟
ثم أراد أن يمسكهنَّ ، فأعطاه إبراهيمُ خاتماً كان في يده من ياقوت ، فلمَّا نظر إليه الحارس استراب ،
وقال : إنَّما هذا خاتم رجلٍ كبير الشأن ، فذهب بهنَّ إلى متولي الليل ، فأمرهُنَّ أن يُسفرن عن وجوههن ،
فتمنَّع إبراهيمُ ، فكشفوا عن وجهه فإذا هو هو ، فعرفه ، فذهب به إلى صاحب الجسر ، فسأَّمه إليه ،
(١) الحسن بن موسى البغدادي، الأشيب ، أبو علي. حافظ ، ثقة، قاضي الموصل ، سير أعلام النبلاء
(٥٥٩/٩) .
هو عُبيد الله بن عبد المجيد ، الإمام الصدوق ، أخو أبي بكر الحنفي ، سير أعلام النبلاء (٩/ ٤٨٧) .
(٢)
(٣)
حفص بن عبد الله بن راشد السُّلمي ، أبو عمرو النيسابوري، قاضيها ، صدوق. تقريب التهذيب (١٨٦/١).
عثمان بن عمر بن فارس العَبْديّ ، البصري . أصله من بُخارى. ثقة . كان يحيى بن سعيد لا يرضاه . تقريب
(٤)
التهذيب (٢/ ١٣).
(٥) يَعْلَى بن عُبيد بن أبي أميَّة، أبو يوسف الطَّنافِسيّ الكوفيّ. الحافظ، الثقة. سير أعلام النبلاء (٤٧٦/٩).

٤٢
أحداث سنة ٢١٠ هـ
فرفعه الآخر إلى نائب(١) المأمون، فأصبح في دار الخلافة ونقابُه على رأسه، والمِلْحَفَةُ(٢) في صدره ،
ليراه الناسُ، وليعلموا كيفَ أَخِذ. فأمر المأمون بالاحتفاظ به والاحتراسِ عليه مدَّةً ، ثم أطلقه ورضي
عنه٣) .
هذا وقد صلب جماعة ممن كان سجنهم بسببه ، لكنَّهم أرادوا الفَتْكَ بالموكّلين بالسجن ، ويهربون
منه ، فصلَبَ منهم أربعةً .
وقد ذكروا : أنَّ إبراهيم بن المهدي لمَّا أُوقف بين يدي المأمون شرع في تأنيبه ، فترقَّق له عنُّه إبراهيمُ
كثيراً، وقال : يا أميرَ المؤمنين! إنْ تعاقبْ فبحقِّك، وإن تعفُ فبفضلِكَ . فقال : بل أعفو يا إبراهيمُ !
إنَّ القدرة تذهب بالحفيظ(٤) ، والندم توبة ، وبينهما عفو الله عزَّ وجلَّ ، وهو أكبر ما تسأله ، فكبّر
إبراهيمُ وسجَدَ شكراً لله عزَّ وجلَّ .
وقد امتدح إبراهيمُ بنُ المهدي ابن أخيه المأمون بقصيدة بالَغَ فيها ، فلمَّا سمعها المأمونُ ، قال :
أقولُ كما قال يوسف لإخوته: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَّ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّحِمِينَ﴾
[ يوسف : ٩٢ ] .
وذكر الحافظ ابنُ عساكر(٥) : أنَّ المأمون لمَّا عفا عنه أَمَرَه أن يغنّيه شيئاً ، فقال: إنِّي تركته . فأَمَرَه ،
فأخَذَ العُودَ في حجره ، وقال :
خربَتْ منازلُهُ ودورة
هذا مقام مشرَّدٍ
كذِباً فعاقَبَهُ أميرُهْ
نمَّتْ عليه عداتُهُ
ثم عاد فقال(٦) :
ذهبْتُ مِن الدُّنيا وقد ذهبَتْ مِنِّي لَوى الذَّهْرُ بي عنها ووَلَّى بها عَنِّي
فإنْ أبكِ نفسِي أَبْكِ نَفْساً عَزِيزةً وإِنْ أحتقِرْها أحتقِرْها على رَصٍْ(٧)
في ط والطبري : باب المأمون .
(١)
((المِلْحَفة)»: الملاءة التي تلتحف بها المرأة.
(٢)
تاريخ الطبري (٦٠٣/٨) .
(٣)
((الحفيظة)» : الغضب .
(٤)
تاريخ ابن عساكر (٢/ ٢٦٢أ).
(٥)
الأول والثاني في الأغاني (١٣٦/١٠)، وأشعار أولاد الخلفاء (ص٢٢).
(٦)
في ط: على ضفن . وفي الأغاني: وأشعار أولاد الخلفاء : وإن احتسِبْها أحتسِبْها على ضَنِّ .
(٧)

٤٣
أحداث سنة ٢١٠ هـ
فإنِّي بربِّي مُوقِنٌ حَسَنُ الظنّ(٢)
وإِنِّي وإنْ كنتُ المسيء(١) بِعَيْنِهِ
عليَّ فعادَ العفوُ مَنَّاً على مَنٍّ
عَدَوْتُ على نفسي فعادَ بعفوِهِ
فقال المأمون : أحسنتَ يا أميرَ المؤمنين حقّاً . فرمَى العودَ من حجره ووثَبَ قائماً فزعاً من هذا
الكلام ، فقال له المأمون : اقعد واسكن ، مرحباً بك ، لم يكن ذلك لشيءٍ تتوهّمه ، ووالله لا رأيتَ(٣)
طولَ أيامي شيئاً تكرهه وتغتُّ به . ثم أمر له بردِّ جميع ما كان له من الأموال والضياع والدُّور، فردَّت
إليه، وأمر له بعشرة آلاف دينار وخلَع عليه، وخرج من عنده مكرَّماً معظّماً.
عرس بُورانُ(٤) : وفي رمضان منها بنى المأمونُ ببوران بنت الحسن بن سهل ، وقيل : إنه خرج من
بغداد في رمضان إلى معسكر الحسن بن سهل بفَم الصِّلْح(٥)، وكان [ الحسن ] قد عوفي من مرضه ذلك،
فنزل المأمون عنده بمن معه من وجوه الأمراء والرؤساء وأكابر بني هاشم ، فدخل ببوران في شؤَّال من هذه
السنة في ليلةٍ عظيمة ، وقد أشعلت بين يديه شموع العنبر ، ونُثر على رأسه الدُّ والجوهر ، فوق حصر
منسوجة بالذهب الأحمر . وقد كان عددُ الجوهر منه ألفَ درّةٍ ، فأمر به فجمع في صينيته التي كان فيها من
الذهب ، فقالوا : يا أميرَ المؤمنين ، إنَّما نثرناه لتلتقطه الجواري ، فقال : لا أنا أعوّض من ذلك ، فجمع
ذلك كله .
فلمَّا جاءت العروسُ ومعها جَدّتها(٦) ، وزُبيدة أمّ الأمين - من جملة من جاء معها - فأُجلست إلى
جانبه ، فصبَّ في حِجْرها ذلك الجوهرَ ، وقال : هذا نِحْلةٌ منّي لك ، وسلي حاجتك ، فأطرقت حياءً .
فقالت جدَّتُها : تكلمي وسلي من سيدك ما أمرك به . فقالت : يا أمير المؤمنين ، أسألك أنْ ترضَى عن
عمِّك إبراهيمَ بنِ المهدي . وأن تردّه إلى منزلته التي كان فيها قبل ذلك . فقال : نعم ! قالت : وأمّ جَعفر
- تعني : زُبيدة - تأذن لها في الحجّ. قال: نعم! فخلعت عليها زبيدة بذلتها٧) الأميرية ، وأطلقت لها
قرية مقوّرة .
وأمَّا والدُ العروس الحسنُ بن سهل فإنَّه كتب أسماء قُراه(٨) وضياعه وأملاكه في رقاع ونثرها على
(٢)
(١) في ا، ظا: المسمّى وأثبت ما جاء في ب ، ط .
في الأصول المخطوطة: فإني بربي تعالى جدّه حسن الظن ، وهو تحريف .
(٣)
ابن عساكر: لا رأيت مني .
(٤)
ترجم لها المؤلف في حوادث سنة ٢٧١هـ .
((فمُ الصِّلْح)) نهر كبير فوق واسط، وفيه كانت دار الحسن بن سهل وزير المأمون . ( ياقوت ) .
(٥)
(٦)
في أ، ب: جدّته ، وأثبت ما جاء في ظا والطبري .
في الطبري: البَدَنة الأموية، ولعله الصواب. و((البَدَنة)): الثوب يُشق فتلبسه المرأة من غير جيب ولا كَمَّيْن.
(٧)
في الأصول: قراياه ، وأثبت ما جاء في ط . وجمع القرية: القرى، على غير قياس.
(٨)

٤٤
وفيات سنة ٢١٠ هـ ـ أحداث سنة ٢١١ هـ - وفيات سنة ٢١١هـ
الأمراء ووجوه الناس ، فمن وقعت في يده منها رقعة بعث إلى القرية التي فيها نوابه، فتسلَّمها١) ملكاً
خالصاً . وأنفق على المأمون ، ومن معه من الجيشِ في مدة مقامه عنده سبعة عشر يوماً ما يعادل خمسين
ألفَ ألفِ درهمٍ .
ولمَّا أراد المأمونُ الانصراف من عنده أطلق له عشرة آلاف ألف درهم ، وأقطعه البلده التي هو نازل
بها ، وهو إقليم فم الصِّلْح ، مضافاً إلى ما بيده من الإقطاعات . ورجع المأمون إلى بغداد في أواخر شوال
من هذه السنة .
وفي هذه السنة ركبَ عبدُ الله بن طاهر إلى الديار المصرية فاستنقذها بأمر المأمون من يدي
عُبَيْد(٢) الله بن السَّرِي بن الحكم المتغلب بها٣) ، واستعادها منه بعد حروب يطول ذكرها٤) .
وفيها : توفي من الأعيان :
أبو عمرو الشَّيْياني اللغوي، واسمُه إسحاق بن مِرار(٥).
ومَروان بن محمد الطَّاطَرِ(٦).
ويحيى بن إسحاق (٧) .
ثم دخلت سنة إحدى عشرة ومثتين
وفيها توفي من الأعيان :
أبو الجوَّاب(٨).
في أ، ب: فسلموها ، وأثبت ما جاء في ظا.
(١)
في الأصول: عبد الله ، وصححت من الطبري .
(٢)
(٣)
في ط: عليها .
(٤)
تاريخ الطبري (٨/ ٦١٠-٦١٧) .
في ظا، ب: نزار . وهو إسحاق بن مرار الشيباني بالولاء ، أبو عمرو . أديب ، لغوي . من رمادة الكوفة ، سكن
بغداد ومات بها . واختلف في سنة وفاته ، فقيل: سنة ٢٠٦، وقيل: سنة ٢١٠ . وقيل: سنة ٢١٣ هـ. وفيات
(٥)
الأعيان (٦٥/١)، والأعلام (٢٩٦/١).
(٦) مروان بن محمد بن حسّان، أبو بكر، ويقال: أبو عبد الرحمن الأسدّي الدمشقي الطَّاطريّ. الإمام القدوة،
الحافظ . ثقة . سير أعلام النبلاء (٩/ ٥١٠).
(٧) يحيى بن إسحاق، أبو زكريا السَّيْلَحِيني. و((السَّالِحِين)): من قرى العراق. صدوق . سير أعلام النبلاء
(٥٠٥/٩) .
(٨) هو أخوَصُ بن جَوَّابِ الضَّبِّيُّ، أبو الجَوَّاب الكوفيُّ. صدوق. تهذيب الكمال (٢٨٨/٢).

٤٥
وفيات سنة ٢١١هـ
وطَلْقُ بنُ غَنَّامُ(١) .
وعبد الرزاق بن همَّام الصَّنْعاني صاحب ((المصنّف)) و((المسند)(٢).
١
١
وعبد الله بن صالح العِجليّ(٣) .
وأبو العتاهية الشاهر المُفْلِقِ المشهور(٤): واسمه إسماعيل بن القاسم بن سُويد بن كيسان ، أصلُه من
الحجاز ، وسكن بغداد ، وكان يبيع الجرار أولاً، ثم حظي عند الخلفاء(٥) ، لا سيما المهدي. وقد كان
مع هذا يتعشّق جارية للمهدي اسمها عُتْبةُ ، وقد طلبها من الخليفة غير مرة ، فإذا سمح بها لا تريده
الجاريةُ ، وتقول للخليفة : أتعطيني لرجلٍ دميم الخلق كان يبيع الجِرار؟ فكان يُكثر التغزّل فيها ، وشاع
أمره واشتهر بها ، وكان المهديُّ يفهم ذلك . وقد اتفق في بعض الأحيان أن استدعى الخليفة المهدي
الشعراء إلى مجلسه فاجتمعوا ، وكان فيهم بشار بن برد الأعمى ، فسمع صوتَ أبي العتاهية ، فقال
لجليسه : أثَمَّ هاهنا أبو العتاهية ؟ [ قال: نعم ]٦) . فانطلق ينشده قصيدته فيها التي أولها٧):
ألا ما لِسَيِّدَتي ما لَها أدَلَّتْ فأحْمِلَ إذلالَها
فقال بشار لجليسه : ما رأيتُ أجسَرَ من هذا ، حتى انتهى أبو العتاهية إلى قوله :
أَتَتْهُ الخِلافَةُ مُنْقَادَةً إليهِ تُجَرِّرُ أَذْيَالَها
وَلَمْ يَكُ يَضْلُحُ إلا لَها
فَلَمْ تَكُ تَصْلُحُ إلا لَهُ
لَزُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزَالَها
ولو رامَها أحَدٌ غَيْرُهُ
لَمَا قَبِلَ اللهُ أعمْالَها
وَلَوْ لَمْ تُطِعْهُ بَنَاتُ القُلُوبِ
فقال بشارٌ لجليسه : انظر ويحك! أطارَ الخليفةُ عن فراشه؟ قال: فوالله ما خَرَجَ أحدٌ من الشعراء
يومئذٍ بجائزةٍ غيره .
(١) طَلْق بن غَنَّام بن طَلْق بن معاوية، المحدِّث الحافظ. ثقة، صدوق. سير أعلام النبلاء (٢٤٠/١٠).
(٢) عبد الرزاق بن همَّام بن نافع الحِمْيري، أبو بكر الصَّنعاني. الحافظ الكبير، عالم اليمن . من حفاظ الحديث
الثقات . مصنف ، شهير ، كان يتشيع . سير أعلام النبلاء (٩/ ٥٦٣-٥٨٠) ومصادر ترجمته فيه .
(٣) عبد الله بن صالح بن مسلم بن صالح ، أبو أحمد العِجلي ، الكوفي . صدوق . نزل بغداد ، وأقرأ بها القرآن. سير
أعلام النبلاء (١٠/ ٤٠٣) .
(٤) له ترجمة في الشعر والشعراء (٢/ ٤٩١ - ٧٩٥)، الأغاني (١/٤ - ١١٢)، تاريخ بغداد (٦/ ٢٥٠ - ٢٦٠)، وفيات
الأعيان (٢١٩/١ -٢٢٦)، سير أعلام النبلاء (١٠ /١٩٥) وغير ذلك.
(٥)
في أ: الخليفة .
(٦) زيادة من ظا، ب ، ط .
ديوان أبي العتاهية (٦٠٩)، ووفيات الأعيان (٢٢١/١ -٢٢٢).
(٧)

٤٦
أحداث سنة ٢١٢ هـ
قال ابنُ خلكان (١) : اجتمع أبو العتاهية بأبي نواس - وكان في طبقته وطبقةٍ بشار بن برد - فقال
أبو العتاهية لأبي نواس : كم تعملُ في اليوم من الشعر؟ قال : بيتاً أو بيتين . فقال : لكنّ أعمَلُ المئة
والمثتين . فقال أبو نواس : لأنك تعملُ (٢) مثلَ قولك(٣):
يا عُثْبُ مالي ولَكِ يا لَيْتَنِي لَمْ أَرَكِ
ولو أردتُ مثلَ هذا الألفَ والألفين لقدرتُ عليه وأنا أعمل مثل قولي (٤) :
من كفِّ ذاتِ حِرٍ في زيِّ ذي ذَكَرٍ لها مُحِبَّانِ: لوطِيٍّ وَزَنَّاءُ
ولو أردتَ مثلَ هذا لأعجزكَ الذَّهْرَ .
قال ابنُ خلكان(٥): ومن لطيف شعر أبي العتاهية (٦):
وَلَقَدْ(٧) صَبَوْتُ إليكِ حتّى صارَ مِن فَرْطِ التَّصابي
يَجِدُ الجَلِيسُ إذا دَنا رِيحَ التَّصابي في ثيابي
قال ابن خلكان(٨): وأشعاره كثيرة ومولده سنة ثلاثين ومئة . وتوفي يوم الإثنين ثالث جمادى الآخرة
سنة إحدى عشرة ، وقيل : سنة ثلاث عشرة [ ومئتين ] ، وأوصى أن يكتب على قبره ببغداد(٩):
إنَّ عَيْشاً يكونُ آخرَهُ المَوْ تُ لَعَيْشٌ مُعَجَّلُ التَّنْغِيصِ
ثم دخلت سنة ثنتي عشرة ومثتين
فيها : وجَّه المأمونُ محمد بن حُميد الطوسيَّ على طريق الموصل لمحاربة بابك الخُرّميّ في أرض
أَذْرَبيجان ، فأخذ جماعة من المتغلبين فيها ، فبعث بهم إلى المأمون أسراء إلى بغداد .
وفي ربيع الأول من هذه السنة أظهر المأمون في الناس بدعتين فظيعتين ، إحداهما أطَمُّ من الأخرى ،
(١) وفيات الأعيان (١/ ٢٢٢).
(٢) قوله: لأنك تعمل، لم يرد في ظا، ب. وفي ط: لعلك تعمل. وما أثبته موافق لما جاء في وفيات الأعيان ونسخة (آ).
(٣) ديوانه (٥٩٥) .
وفيات الأعيان (١/ ٢٢٣).
(٤)
وفيات الأعيان (٢٢٣/١).
(٥)
(٦) ديوانه (٤٩٠) .
فى أ، ب : ولو . وأثبت ما جاء في ظا والديوان وابن خلكان .
(٧)
(٨) وفيات الأعيان (١/ ٢٢٢) .
(٩) البيت في هامش الديوان (ص١٩٩)، وابن خلكان (١/ ٢٢٢).

٤٧
وفيات سنة ٢١٢ هـ - أحداث سنة ٢١٣ هـ
وهي : القولُ بخلق القرآن، والأخرى: تفضيل عليّ بن أبي طالب على الناس بعد رسولِ الله ◌ِلَّه. وقد
أخطأ في كلٍّ من هذين المذهبين خطأ كبيراً ، وأثم إثماً عظيماً ، [ ومن العلماء من يكفّر من يقول بخلق
القرآن ، كما سيأتي ذلك في موضعه (١) .
وحَّ بالناس عبدُ الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس .
وفيها توفي من الأعيان :
أسد بن موسى ، الذي يقال له أسدُ السُّنّة(٢) .
والحسين بن خَفص(٣)
وأبو عاصم النَّبيل ، الضَّخَّاك بن مَخْلَ (٤) .
وأبو المُغيرة ، عبدُ القُدُّوس بن الحجّاج الشامي الحمصي(٥) .
ومحمد بن يوسف (٦) الفِريابيّ ، شيخ البخاري .
ثم دخلت سنة ثلاث عشرة ومئتين
فيها : ثار رجلان بمصر ، وهما : عبدُ السلام ، وابن جَليس ، فخلعا المأمون واستحوذا على الديار
المصرية ، وتابعها طائفة من القيسيّة واليمانية، فولَّى المأمون أخاه أبا إسحاق نيابة الشام [ ومصر (12) ،
(١) زيادة من ظا، ب.
هو أسد بن موسى بن إبراهيم بن الخليفة الوليد بن عبد الملك بن مروان ، القرشي ، الأموي ، أبو سعيد ، الحافظ
(٢)
الثقة ، ذو التصانيف . سير أعلام النبلاء (١٠ / ١٦٢) .
في ط: الحسن بن جعفر ، تحريف . وهو الحسين بن حفص بن الفضل بن يحيى بن ذكوان الهَمْداني ، أبو محمد
(٣)
الأصبهاني . الإمام الثقة الجليل الفقيه . كانت إليه رئاسة أصبهان وقضاؤها وأمر الفتاوى . سير أعلام النبلاء
(٣٥٦/١٠) .
(٤) الضَّخَّاك بن مَخْلَد بن الضَّخَّاك بن مسلم ، أبو عاصم النبيل الشيباني ، البصري . شيخ حفَّاظ الحديث في عصره.
صدوق . تهذيب التهذيب (٤/ ٤٥٠) .
(٥) عبد القُدُّوس بن الحجّاج الخَوْلاني الحمصي ، أبو المغيرة ، المحدّث الصادق ، مسند حمص . روى له جماعة .
سير أعلام النبلاء (١٠/ ٢٢٣) .
(٦)
في ا، ط: يونس . وهو محمد بن يوسف بن واقد الفريابيّ، أبو عبد الله الضّبِّي، الإمام الحافظ ، شيخ الإسلام ،
ثقة صدوق . سير أعلام النبلاء (١٠ / ١١٤) .
(٧) زيادة من ب ، ظا .

٤٨
وفيات سنة ٢١٣ هـ
وولَّى ابنَه العبَّاس نيابةَ الجزيرة والثغور والعواصم، وأطلق لكلِّ منهما ولعبد الله بن طاهر في ذلك اليوم
خمسمئة ألف دينار . فلم يُرَ يومٌ أكثر إطلاقاً منه ، أطلق فيه لهؤلاء الأمراء الثلاثة ألفَ ألف دينارٍ وخمسمئة
ألف دينار .
وفيها : ولَّى السند غسّان بن عباد .
وحجَّ بالناس فيها أميرُ السنة الماضية .
وفيها توفي من الأعيان :
عبد الله بن داود الخُرَيبي(١) .
وعبدُ الله بن يزيد المُقرىء البصريّ(٢) .
وعُبيد الله بن موسى العَبْسيّ(٣) .
وعمرو بن أبي سَلَمة الدِّمشقي (٤)
وحكى ابنُ خلكانُ(٥) في ((الوفيات)) عن بعضهم: أنَّ في هذه السنة توفي إبراهيم بن مَاهان المَوْصِلي
النَّدِيمُ(٦). وأبو العتاهيةُ(٧). وأبو عمرو الشيباني النحوي(٨)، في يوم واحدٍ ببغداد، ولكنه صحَّح أن
إبراهيم النَّديم توفي سنة ثمان وثمانين ومئة .
قال السُّهيلي : وفي هذه السنة تُوفي عبدُ الملك بن هشام راوي السيرة ، حكاه ابن خلِّكان(٩) عنه .
(١) عبد الله بن داود بن عامر ، أبو عبد الرحمن الهمداني ، الشعبي ، الكوفي ، ثم البصري . المشهور بالخُرَيبي لنزوله
محلَّة الخُرَيْبَة بالبصرة . إمام ، حافظ ، قدوة . كان ثقة عابداً ناسكاً . سير أعلام النبلاء (٩/ ٣٤٦).
(٢) في الأصول: ((المصري))، وأثبت ما جاء في المصادر. وهو: عبد الله بن يزيد بن عبد الرحمن الأهوازي الأصل ،
البصري ، ثم المكي . إمام كبير في الحديث ، ثقة ، مشهور في القراءات ، لقن القرآن سبعين سنة؛ أقرأ القرآن
بالبصرة ستاً وثلاثين سنة ، وبمكة خمساً وثلاثين سنة. سير أعلام النبلاء (١٦٦/١٠)، طبقات القراء (١/ ٤٦٣).
(٣) عُبيد الله بن موسى بن أبي المختار ، بأذام ، أبو محمد العَبْسيّ مولاهم ، الكوفي . الإمام الحافظ العابد ، أول من
صنّف المسند على ترتيب الصّحابة بالكوفة . ثقة ، صدوق . سير أعلام النبلاء (٩/ ٥٥٣) ..
(٤) عمرو بن أبي سَلَمة، أبو حفص التُّنيسي، من موالي بني هاشم ، الدمشقي، إمام ، صدوق . سير أعلام النبلاء
(٢١٣/١٠).
(٥) وفيات الأعيان (٤٣/١).
ترجم له المؤلف في حوادث سنة ١٨٨ .
(٦)
ذكره المؤلف في حوادث سنة ٢١١ .
(٧)
هو إسحاق بن مرار الشيباني ، أبو عمرو ، ذكره المؤلف فيمن توفي سنة ٢١٠هـ .
(٨)
(٩) وفيات الأعيان (١٧٧/٣).

٤٩
وفيات سنة ٢١٣هـ
والصحيح أنَّه توفي في سنة ثماني عشرة، كما نص عليه أبو سعيد بن يونس في ((تاريخ مصر(١).
والعَكَوَّك الشاعر(٢) : أبو الحسن علي بن جبلة بن المسلم بن عبد الرحمن ، الخراساني ، ويلقَّب
بالعَكَوَّك ؛ لقصره وسمنه ، وكان من الموالي ، وولد أعمى ، وقيل : بل أصابَه جدري وهو ابنُ سبع
سنين ، فعمي ، وكان أسودَ أبرصَ ، وكان شاعراً مطبقاً فصيحاً بليغاً ، وقد أثنى عليه في الشعر الجاحظُ
فمن بعده . قال الجاحظُ : ما رأيت بدوياً ولا حضرياً أحسنَ إنشاداً منه(٣). فمن ذلك قوله(٤):
بأبي مَنْ زارَني مُتَكِّماً خائفاً مِنْ كُلِّ شيءٍ جَزِعا
كَيْفَ يُخْفِي اللَّيْلُ بَدْراً طَلَعا
زائرٌ ثَمَّ عليهِ حُسْنُهُ
وَرَعَى السَّامرَ حتَّى هَجَعَهُ)
رَصَدَ الغَفْلَةَ حتَّى أمكَنَتْ
ثمَّ ما سَلَّم حتَّى وَدَّعا
رَكِبَّ الأهوالَ في زَوْرَتِه
وهو القائلُ في أبي دُلف القاسم بن عيسى العجلي يمتدحه (٦) :
إنَّما الدُّنيا أبُو دُلَفٍ بَيْنَ مَغْزَاهُ وَمُخْتَضَرِهِ
وَلَّتِ الدُّنيا عَلَى أَثَرِهِ
فإذا وَلَّى أَبُو دُلَفٍ
بين بَادِيهِ إلى حَضَرِهْ
كلُّ مَنْ في الأرض من عَرَبٍ
يَلْبَسُها٧) يَوْمَ مُفْتَخَرِهْ
مستعيرٌ منكَ مَكْرُمَةً
ولما بلغت المأمون هذه الأبياتُ - وهي في قصيدة طويلةٍ عارض فيها أبا نواس(٨) الحسنَ بن هانىء -
فتطلَّبه المأمونُ فهَرب منه كلَّ مهرب ، ثم أحضر بين يديه ، فقال له : ويحك! فضَّلْت القاسمَ بن عيسى
(١) انظر وفيات الأعيان (١٧٧/٣).
وهو: عبد الملك بن هشام بن أيوب ، أبو محمد الذُّهلي السَّدوسي ، العلامة النحوي الأخباري ، نزيل مصر .
هذب السيرة النبوية ، رواها عن ابن إسحاق ، وتعرف بسيرة ابن هشام .
(٢) ترجمته في الشعر والشعراء (٨٦٤ - ٨٦٨)، الأغاني (١٤/٢٠-٤٣)، تاريخ بغداد (٣٥٩/١١)، وفيات الأعيان
(٣٥٠/٣) سير أعلام النبلاء (١٩٢/١٠)، الأعلام للزركلي (٢٦٨/٤). و((العَكَوَّك)): القصير السمين مع
صلابة .
وفيات الأعيان (٣/ ٣٥٠)، سير أعلام النبلاء (١٩٢/١٠).
(٣)
(٤) وفيات الأعيان (٣/ ٣٥٠).
((السّمر)) المتسامرون. و((هجع)): نام.
(٥)
الأغاني (٢٠ / ١٥)، الشعر والشعراء (٨٦٤)، وفيات الأعيان (٣٥١/٣).
(٦)
في ط : يأتيها ، وفي رواية: يكتسيها .
(٧)
قصيدة أبي نواس في ديوانه (٣٠٨-٣١١)، وأخبار أبي نواس لابن منظور (١٣٤) وهي:
(٨)
أيها المُنْابُ عن عُفْرِهِ لستَ مِنْ لَيْلِي ولا سَمَرِه

٥٠
وفيات سنة ٢١٣ هـ
علينا . فقال : يا أمير المؤمنين ، أنتم أهلُ بيتٍ اصطفاكم اللهُ من بين عباده ، وآتاكم ملكاً عظيماً ، وإنَّما
مدحته(١) على أشكاله وأقرانه . فقال : والله ما أبقيت أحداً ولا تركت ، وقد أدخلتنا في الكلّ ، حيث
تقول :
. البيتين
كلُّ مِنْ في الأرضِ مِنْ عَرَبٍ
ومع هذا فلا أستحِلُّ قتلك بهذا ، ولكن بكُفْرِكَ وشِرْكِكَ ، حيثُ تقولُ في عبدٍ ذليل :
أنْتَ الذي تُنْزِلُ الأيّامَ مَنْزِلَها وَتَنْقُلُ الذَّهْرَ مِنْ حَالٍ إلى حالِ
وَمَا مَدَدْتُ مَدَى طَرْفٍ إلى أحَدٍ إلا قَضَيْتَ بأزْزَاقٍ وآجالٍ
ذاك اللهُ يفعلُه ، أخرجوا لِسانَه مِنْ قَفاه . فأخرَجُوا لسانه مِن قفاه ، فمات في هذه السنة ، سامحه
.
.
ال(٢)
ومن قوله يمتدح حُمَيْدَ بن عبد الحميد الطُوسيّ(٣) :
إنَّما الدُّنيا حُمَيدٌ وأيادِيهِ الجسام٤ُ)
فعلَى الدُّنيا السَّلامُ
فإذا وَلَّى حُمَيدٌ
وقوله٥) :
فقد أضحَوْا له فيها عِيالا
تكفَّلَ ساكِنِي الدُّنيا حُمَید
كأن أباه آدمَ كان أوْصَى إليه أن يَعُولَهُمُ فَعَالا
ولما مات حُمَيْد هذا في سنة عشر مع المأمون ، بِفَم الصِّلح ، قال العَكَوَّك يرثيه ، قصيدة ، منها
قوله٦) :
فأذَّبَنا ما أدَّب النَّاسَ قبلنا ولكنَّه لم يَبْقَ للصَّبر موضِعُ
في ط: فضَّلته .
(١)
الأبيات والخبر في الشعر والشعراء (٨٦٦)، وطبقات الشعراء لابن المعتز (١٧٢)، والأغانى (٤١/٢٠ -٤٢)،
(٢)
وسير أعلام النبلاء (١٩٣/١٠ - ١٩٤)، ووفيات الأعيان (٣٥٣/٣).
(٣)
الأغاني (٣٧/٢٠)، ووفيات الأعيان (٣٥٢/٣).
(٤)
في الأصول بغير إعجام ، وأثبت ما جاء في الأغاني .
(٥)
وفيات الأعيان (٣٥٣/٣).
الأغاني (٢٠/ ٢٧) من قصيدة مطولة مشهورة ، أولها:
(٦)
أللدهر تبكي أم على الدهر تجزع؟ وما صاحبُ الأيام إلا مفجّعُ
البيت والخبر في وفيات الأعيان (٧/ ٣٥٤).

٥١
أحداث سنة ٢١٤ هـ - وفيات سنة ٢١٤ هـ
وقال أبو العتاهية يرثي حُميداً هذا(١) :
وَقَبْرُكَ مَعْمُورُ الْجَوَانِبِ مُحْكَمُ
أبا غانِم أمَّا ذراكَ فَواسِعٌ
إذا كانَ فيهِ جِسْمُهُ يَتَهَدَّمُ
وما يَنْفَعُ المَقْبُورَ عُمْرانُ قَبْرِهِ
وقد أورد ابنُّ خلكان(٢) لِعَكَوَّك هذا أشعاراً جيدة تركناها اختصاراً .
ثم دخلت سنة أربع عشرة ومثتين
في يوم السبت لخمسٍ بقين من ربيع الأول منها التقى محمد بن حُمَيد وبابَك الخُرّمي ، لعنه الله ،
فقَتَلَ الخُرَّمِيُّ خلقاً كثيراً من جيشه ، وقتلَه أيضاً ، وانهزم بقيّةُ أصحاب ابنِ حُمَيْد ، فإنَّا لله وإنا إليه
راجعون . فبعث المأمون إسحاق بنَ إبراهيمَ ويحيى بن أكثم إلى عبد الله بن طاهر ، يخيّرانه بين
خراسان ، ونيابة الجبال وأذربيجان وأرمينية؛ لمحاربة(٣) بابك الخُرّمي، فاختار الإقامة بخراسان ،
لكثرة احتياجها إلى الضبط ، وللخوف من ظهور الخوارج بها .
وفيها : دخل أبو إسحاق بن الرشيد الدِّيارَ المصرية ، فافتتحها ، واستعادها إلى السمع والطاعة ،
وظفر بعبد السلام ، وبابن جليس فقتلهما .
وفيها : خرج رجلٌ يقال له : بلال الضَّبابيّ الشّاري ، فبعث إليه المأمون ابنَه العبّاسَ في جماعةٍ من
الأمراء ، فقتلوا بلالًا وعادوا سالمين .
وفيها : ولَّى المأمون عليَّ بن هشام الجَبَل، وقُمَّ ، وأصبهان ، وأذربيجان.
وفيها : حجَّ بالناس إسحاق بن العباس بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس.
وممن توفي فيها من الأعيان :
أحمدُ بن خالد الوَهْبِيُ(1)
وأحمد بن يوسف بن القاسم بن صَبيح(٥) : أبو جعفر الكاتب ، وَلي ديوان الرسائل للمأمون .
(١) ديوانه (ص٦٣٥)، ووفيات الأعيان (٣٥٤/٣).
(٢) وفيات الأعيان (٣/ ٣٥٠-٣٥٤).
في ط والطبري : ومحاربة بابك .
(٣)
(٤) هو أحمد بن خالد بن موسى ، الوَهْبي ، الكِنْديّ ، ويقال له: الذهبي أيضاً ، أبو سعيد . صدوق . رَاوي المغازي
عن ابن إسحاق، وكان مكثراً، حسن الحديث. العبر (٢٨٨/١)، وتهذيب الكمال (٢٩٩/١).
(٥) ترجمته في تاريخ بغداد (٢١٦/٥)، ومعجم الأدباء (٥/ ١٦١)، والنجوم الزاهرة (٢٠٦/٢)، وتاريخ ابن عساكر =

٥٢
وفيات سنة ٢١٤ هـ
ترجمه ابنُ عساكر وأورد من شعره قوله (١) :
ويُصْرَفُ الرِّزْقُ عن ذي الحيلةِ الذَّاهي
قد يُرْزَقُ المرءُ لا مِن حسن (٢) حيلتِهِ
إلا وقولي عليهِ الحمدُ للهِ
ما مَسَّني مِن غنى يوماً ولا عدمٍ
وله ٣):
إذا قلتَ في شيءٍ نَعَمْ فأتمَّهُ فإنَّ نَعَمْ دَيْنٌ على الحرِّ واجبُ
وإلا فَقُلْ: لا، فاسْتَرِخْ وأرخ بها لئلا يَقُولَ النَّاسُ إِنَّكَ كَاذِبُ
وله(٤) :
إذا المرءُ أفْشَى سِرَّهُ بلسانِهِ فَلامَ عَلَيْهِ غيرَهُ فهوَ أحْمَقُ
إذا ضَاقَ صَدْرُ المرءِ عن سِرِّ نَفْسِهِ فَصَدْرُ الَّذي اسْتَوْدَعْتَهُ السِّرَّ أَضْيَق
وحسين (٥) بن محمد المرُّوذيّ ، شيخُ الإمام أحمد .
وعبدُ الله بن عبد الحكم المصريّ(٦) .
ومعاوية بن عمرو (٧) .
أبو محمد عبد الله بن [عبد الحكم بن ]٨) أعْيَن بن لَيْث بن رافع المصريّ(٩): أحدُ من قرأ ((الموطأ))
على الإمام مالك ، وتفقَّه لمذهبه ، وكان معّماً ببلاد مصرَ ، له بها ثَروةٌ وأموالٌ وافرةٌ . وحين قدِمَ
الشافعيُّ مصرَ أعطاه ألف دينار ، وجمع له من أصحابه ألفي دينارٍ أخرى .
( نسخة كامبرج) (١/ ٩٧)، ومختصره لابن منظور (٣٣٠/٣-٣٣٢).
=
تاريخ ابن عساكر (٩٧/أ)، ومختصره (٣٣١/٣).
(١)
(٢)
لفظة حسن سقطت من آ .
تاريخ ابن عساكر (٩٧/أ) ومختصره (٣٣١/٣).
(٣)
(٤)
المصدر السابق .
في آ، ط: حسن . وهو حسين بن محمد بن بَهْرام التَّميمي المرُّوذي ، أبو أحمد المؤدِّب ، نزيل بغداد . إمام حافظ
(٥)
ثقة. روى له الجماعة . تهذيب الكمال (٦/ ٤٧١)، وسير أعلام النبلاء (٢١٦/١٠).
سيفرده بالترجمة بعد قليل ، ولعل الاسمين قد اختلطا عنده .
(٧) معاوية بن عمرو بن المهلب بن عمرو، أبو عمرو الأزديّ البغدادي . الإمام ، الحافظ ، الصادق . حدث عنه
(٦)
الجماعة . كان بطلاً مقداماً، معروفاً بالإقدام والرباط. العبر (٢٨٨/١)، سير أعلام النبلاء (١٠/ ٢١٤).
(٨) ما بين الحاصرتين سقط من ط ، ولا يصح إلا بها.
(٩) التاريخ الكبير (١٤٢/٥)، الجرح والتعديل (١٠٥/٥)، وفيات الأعيان (٣٤/٣)، العبر (٣٦٨/١)، سير أعلام
النبلاء (٢٢٠/١٠)، تهذيب التهذيب (٢٨٩/٥).

٥٣
أحداث سنة ٢١٥ هـ ـ وفيات سنة ٢١٥ هـ
وهو والد محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، الذي صحبَ الشافعيَّ .
ولمَّا توفي في هذه السنة دُفِن إلى جانب قبر الشافعي . وحين تُوفي ابنُه عبدُ الرحمن دُفِنَ إلى جانب
أبيه من القبله (١) .
قال ابنُ خلكال(٢) : فهي ثلاثةُ أقبرٍ ؛ الشافعيُّ شاميها ، وهما قبلتُه ، رحمهم الله .
ثم دخلت سنة خمس عشرة ومثتين
في أواخر المحرم من هذه السنة ركب المأمونُ في العساكر من بغدادَ قاصداً بلاد الروم لغزوهم .
واستخلف على بغداد وأعمالها إسحاق بن إبراهيم بن مصعب ، فلمَّا كان بتكريتَ تلقَّاه محمدُ بن عليّ بن
موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب من المدينة النبوية ، فأذِنَ له المأمونُ
في الدخول على ابنته أمّ الفضل بنت المأمون ؛ وكان معقودَ العقد عليها في حياة أبيه [ علي بن
موسى (٣) ، فدخل بها ، وأخذها معه إلى بلاد الحجاز .
وتلقّاه أخوه أبو إسحاق بن الرشيد من الديار المصرية قبل وصوله إلى الموصل .
وسار المأمون في جحافل كثيرةٍ إلى بلاد طَرَسُوسَ في جمادى الأولى منها ، وفتح حصنا٤ً) هناك
عَنْوَةً ، وأمر بهدمِهِ .
ثم رجع المأمون من بلاد الروم إلى دمشق، فنزلها، وعمَّر دَير مُؤَّار(٥) بسفح قاسيون ، وأقام بها مدَّة.
وحجَّ بالناس في هذه السنة عبدُ الله بنُ عبيد الله بن العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس .
وممن توفي فيها من الأعيان :
أبو زيد الأنصاريّ .
ومحمد بن عبد الله الأنصاريّ(٦) .
في آ: من القبلي .
(١)
(٢) وفيات الأعيان (٣٥/٣).
(٣) زيادة من ط .
(٤) في الكامل: حصن قُرَّة .
(٥) هذا الدير بالقرب من دمشق ، على تل مشرف على مزارع الزَّعفران، ورياض حسنة ، وبناؤه بالجصّ ، وأكثر فرشه
بالبلاط الملوّن ، وهو دير كبير ، وفيه رهبان كثيرة ، في هيكله صورة عجيبة دقيقة المعاني . ياقوت .
(٦) أبو عبد الله، قاضي البصرة وعالمها ومسندها. عاش سبعاً وتسعين سنة، وهو من كبار شيوخ البخاري. العبر (٣٦٨/١).

٥٤
وفيات سنة ٢١٥ هـ
ومحمد بن المبارك الصُّوريُّ(١)
وقَبِيصَةُ بنُ عُقْبَةُ(٢)
وعليُّ بن الحسن بن شقيق(٣)
ومكِّيّ بن إبراهيم(٤)
فأمَّا أبو زيد الأنصاري(٥) : فهو سعيدُ بنُ أوس بن ثابت البصريُّ اللغويُّ، أحدُ الثُّقات الأثبات ،
ويقال : إنه كان يَرَى ليلة القَدْر .
قال أبو عثمان المازنيُّ : رأيت الأصمعيَّ جاء إلى مجلس أبي زَيْد الأنصاريِّ، فقبَّلَ رأسَه ، وجلس
بين يديه ، وقال : رئيسنا وسيدنا منذ خمسين سنة (٦) .
قال القاضي ابنُ خلكان (٧): وله مصنفات كثيرة؛ منها: ((خلق الإنسان))، و((كتاب الإبل))،
و ((كتاب المياه))، وكتاب ((القوس والترس))، وغير ذلك.
وكانت وفاته في هذه السنة ، وقيل : في التي قبلها أو التي بعدها ، وقد جاوز التسعين ، وقيل : إنه
قارب المئة (٨) .
وقبلها في ا: وأبو سليمان الداراني ، وقد ترجم له المؤلف في حوادث سنة ٢٠٥ هـ .
=
(١) أبو عبد الله ، الحافظ ، صاحب سعيد بن عبد العزيز. فقيه ، مفتي دمشق . ثقة. خرّجوا له في الدواوين الستة.
العبر (٣٦٧/١)، وسير أعلام النبلاء (١٠/ ٣٩٠).
(٢) قَبيصة بن عقبة السُّوائي الكوفي العابد، أبو عامر. أحد الحفّاظ، كان يقال له: زاهد الكوفة، والرجل الصالح.
العبر (٢٩٠/١) ط. بيروت .
(٣) علي بن الحسن بن شقيق بن دينار بن مِشْعب، أبو عبد الرحمن العبدي مولاهم ، المروزي ، وكان جدّه شقيق
بصرياً، فقدِم خراسان . كان حافظاً ، كثير العلم ، من كبار الأئمة بخراسان. سير أعلام النبلاء (٣٤٩/١٠)،
والعبر (٣٦٨/١).
(٤) مَكّي بن إبراهيم بن بشير بن فَرْقد ، التّميمي ، الحنظليّ ، البَلْخي، أبو السَّكن ، الإمام الحافظ .، مسند خراسان ،
صدوق . سير أعلام النبلاء (٩/ ٥٤٩) .
(٥) تاريخ خليفة (٩٧)، الجرح والتعديل (٤/٤)، تاريخ بغداد (٧٧/٩)، نزهة الألباء (١٧٣)، معجم الأدباء
(٢١٢/١١)، وفيات الأعيان (٣٧٨/٢)، سير أعلام النبلاء (٤٩٤/٩)، طبقات القراء (٣٠٥/١)، شذرات
الذهب (٢/ ٣٤) .
(٦) في تاريخ بغداد (٩/ ٧٧)، وسير أعلام النبلاء (٤٩٥/٩): منذ ثلاثين سنة. وفي معجم الأدباء (٢١٦/١١): منذ
عشرين سنة ، وفي وفيات الأعيان (٣٧٩/٢): منذ خمسين سنة.
(٧) وفيات الأعيان (٣٧٩/٢).
(٨) بعدها في ط: وأما أبو سليمان فقد قدمنا ترجمته .

٥٥
أحداث سنة ٢١٦ هـ
ثم دخلت سنة ست عشرة ومئتين
في هذه السنة عدا ملك الروم ، وهو توفيل بن ميخائيل ، فقتل جماعة من المسلمين في أرض
طَرَسُوس نحواً من ألف وستمئة إنسان . ويقال : إنه كتب أيضاً إلى المأمون فبدأ بنفسه ، فلمَّا قرأ المأمون
ذلك نهض من فوره ، فركب في الجيوش إلى بلاد الروم عَوداً على بدءٍ ، وصحبته أخوه أبو إسحاق بن
الرشيد نائب الشام ومصر ، فافتتح بلداناً كثيرة ، صلحاً وعَنْوَةً ، وافتتح أخوه ثلاثين حصناً ، وبعث
المأمون يحيى بن أكثم في سَرِيَّة إلى طُوانه (١) فافتتح بلاداً كثيرة ، وأسر خلقاً من الذراري وغيرهم . وقتل
خلقاً من الروم ، وحَرَق حصوناً عدة ، ثم عاد سالماً مؤيداً منصوراً إلى العسكر . وأقام المأمون ببلاد
الروم من منتصف جمادى الآخرة إلى النصف من شعبان ، ثم عاد إلى دمشق . وقد وثب رجلٌ يقال له :
عَبْدُوس الفِهريّ في شعبان من هذه السنة ببلاد مصر ، فتغلب على نواب أبي إسحاق بن الرشيد ، وقويت
شوكته ، واتَّبَعه خلقٌ كثيرٌ منهم ، فركب المأمون من دمشق يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة خلت من ذي
الحجة منها إلى الديار المصرية ، فكان من أمره بها ما سنذكره .
وفي هذه السنة كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم نائب بغداد وماوالاها من البلاد ، يأمره أن يأمرَ
الناسَ بالتكبير عقب الصّلوات ، فكان أول شيء بُدىء به في جامع المدينة والرّصافة يوم الجمعة لأربعَ
عشرَة ليلة خلت من شهر رمضان من هذه السنة ، أنهم لمَّا قضوا الصَّلاةَ قام الناس قياماً ، فكبَّروا ثلاث
تكبيراتٍ ، ثم استمروا على ذلك بقيةَ الصّلوات .
وهذه بِدْعَة أحدثها المأمونُ بلا مستندٍ ولا دليلٍ ، ولا معتمدٍ ، فإنَّ هذا لم يفعله من قبله أحدٌ .
ولكن ثبت في الصحيح عن ابن عباس أنَّ رَفْعَ الصَّوت بالذكرِ كان على عهد رسول الله وَيهِ ، حين
ينصرفُ الناسُ من المكتوبةُ(٢) ، وقد استحبَّ هذا طائفةٌ من العلماء ، كابن حزم وغيره .
وقال أبو الحسن بن بَطَّال(٣) : المذاهبُ الأربعة وغيرهم على عدم استحباب ذلك .
((طَوَانة)): بلد بثغور المَصِّيصة، بين أنطاكية وبلاد الروم تقارب طرسوس . ياقوت.
(١)
(٢) روى البخاري في صحيحه (٢٦٩/٢) في الصلاة، باب الذكر بعد الصلاة، ومسلم رقم (٥٨٣) في المساجد
ومواضع الصلاة ، باب الذكر بعد الصلاة ، من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رفع الصوت بالذكر حين
ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله وَلي. أقول: ولكن لم يكن جماعياً، بل كان فردياً (ع).
(٣) هو علي بن خلف بن عبد الملك بن بَطَّال، أبو الحسن . من أهل قرطبة، عالم بالحديث . توفي سنة ٤٤٩هـ.
شذرات الذهب (٢٨٣/٣)، والأعلام للزركلي (٢٨٥/٤).

٥٦
وفيات سنة ٢١٦ هـ
قال النووي : وقد رُوي عن الشافعي أنَّه قال : إنما كان ذلك ليعلَم النَّاسُ أنَّ الذِّكرَ بعد الصَّلوات
مشروعٌ ، فلمَّا عُلم ذلك لم يبقَ للجهر معنىّ .
وهذا كما رُوي عن ابن عباس أنه كان يجهر بالفاتحة في صلاة الجنازة ، ليعلم الناس أنها سنة ، ولهذا
نظائر ، والله أعلم .
[وأما هذه البِدْعَةُ التي أمر بها المأمونُ فإنَّها بِدْعَةٌ محدثة لم يعملْ بها أحدٌ من السّلف.
وفيها : وَقَعَ بَرْدٌ شديدٌ جداً .
وفيها : حجَّ بالناس الذي حَجَّ بهم في العام الماضي ، وقيل : غيرُه، والله أعلم }(١) .
وممن توفي فيها من الأعيان :
حَبَّان بن هِلال(٢).
وعبد الملك بن قُرَيب الأصْمَعيّ ، صاحبُ اللغة والنحو والشعر وغير ذلك(٣).
ومحمد بن بكَّار بن هلال(٤) .
وهَوْذَة بنُ خَلِيفةُ(٥) .
وَزُبَيْدَة امرأة هارون الرشيد وابنةُ عمّه(٦): وهي أم جَعْفَر أمَةُ العزيز ، الملقَّبة زُبَيْدَة بنت جَعْفَر بن
المنصور ، أبي جعفر ، عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب ، القرشية
(١) ما بين قوسين زيادة من ط فقط ، ولم ترد في الأصول المعتمدة.
(٢) حَبَّان بن هِلال، الباهلي، أبو حبيب البصريّ. ثقة، ثبت ، حجة ، امتنع من التحديث قبل موته . تهذيب الكمال
(٣٢٨/٥) .
(٣) عبد الملك بن قُريب بن علي بن أصمع الباهلي ، أبو سعيد الأصمعي . أحد أئمة العلم باللغة والشعر والبلدان
والأخبار . كان كثير التطواف في البوادي ، يقتبس علومها ويتلقى أخبارها ، ويتحف بها الخلفاء ، فيكافأ عليها
بالعطايا الوافرة . وكان الأصمعي يقول: أحفظ ستة عشر ألف أرجوزة . وله تصانيف كثيرة .
أخبار النحويين البصريين ص٥٨، تاريخ بغداد (٤١٠/١٠)، تاريخ ابن عساكر (١٠/ ورقة ٢٣٩/ أ-٢٤٧/أ)،
وفيات الأعيان (٣/ ١٧٠)، سير أعلام النبلاء (١٠/ ١٧٥)، الأعلام للزركلي (٤/ ١٦٢).
(٤) كذا في الأصول والمطبوع . والصحيح: بلال . وهو محمد بن بكّار بن بلال العامليّ ، أبو عبد الله الدمشقي ،
القاضي . صدوق . مات في هذه السنة وله أربع وسبعون سنة .
انظر: سير أعلام النبلاء (١١ /١١٤)، وتقريب التهذيب (١٤٧/٢).
(٥) هَوْذة بن خليفة بن عبد الله الثقفي البَكْراوي ، أبو الأشهب البصري ، الأصمّ ، نزيل بغداد ، صدوق .
تقريب التهذيب (٣٢٢/٢) .
(٦) تاريخ بغداد (٤٣٣/١)، وفيات الأعيان (٣١٤/٢)، سير أعلام النبلاء (٢٤١/١٠)، النجوم الزاهرة (٢١٣/٢)،
الدر المنثور في طبقات ربات الخدور (٢١٥) .

٥٧
وفيات سنة ٢١٦ هـ
الهاشمية ، العباسية . امرأة هارون الرشيد ، وأحبُّ الناس إليه في زمانها ، مع ما كان معها من الحظايا
والزوجات ، كما ذكرنا في ترجمته (١) .
وإنما لقِّبت بزُبَيْدَة ؛ لأنَّ جدَّها أبا جعفر المنصور كان يلاعبها ، ويرقصها وهي صغيرة ، ويقول لها :
إنما أنت زُبْدَ زُبَيْدَة ، فغلب ذلك عليها ، فلا تعرف إلا به . وأصلُ اسمها أمة العزيز . وكانت من الجمال
والمال والخير والديانة على جانب ، ولها من الصدقات والأوقاف ووجوه القربات شيء كثير جداً .
وروى الخطيب البغدادي: أنها حجَّت فبلغت نفقتُها في ستين يوماً أربعةً وخمسين ألف ألف درهم(٢).
وأنَّها لمَّا هنَّأت المأمون بالخلافة حين دخل بغداد قالت له : لقد هنّأت نفسي بها عنك(٣) قبلَ أن
أراك ، ولئن كنتُ فقدْتُ ابناً خليفةً ، لقد عُوِّضت ابناً خليفةً لم ألده ، وما خسِرَ من اعْتَاضَ مثلك ، ولا
تُكلت أمّ ملأت يدَها منك، وأنا أسأل الله أجراً على ما أخَذ، وإمتاعاً بما عوَّض(٤). وذكر(٥) أنّها تُوفيت
ببغداد في جمادى الأولى سنة ست عشرة ومئتين .
ثم قال الخطيب : حدّثني الحسن(٦) بن محمد الخلال لفظاً، قال: وجدت(٧) بخط أبي الفتح
القواس ، [ قال ] : حدثنا صدقة بن هبيرة الموصلي ، حدثنا محمد بن عبد الله الواسطي ، قال : قال
عبدُ الله بن المبارك : رأيت زُبَيْدَة في المنام ، فقلت : ما فعل الله بكِ ؟ فقالت : غفَر لي في أوَّل معْوَلٍ
ضربت في طريق مكة . قلت : فما هذه الصُّفرة؟ قالت : دُفن بين ظهرانينا رجلٌ يقال له : بِشْر
المَرِيسي(٨) زفَرت عليه جهنّم زفرة، فاقشعزَّ لها جسدي، فهذه الصُّفْرة من تلك الزَّفرة(٩).
وذكر القاضي ابن خلكان أنه كان لها مئة جارية ، كلهن يحفظْن القرآن العظيم ، وَوِرْدُ كُلِّ واحدةٍ عُشْرُ
القرآن، وكان يُسمَعُ لهنَّ في القصر دويٌّ كدويّ النحل(١٠) .
(١) ترجم له المؤلف في حوادث سنة ١٩٣.
(٢)
تاریخ بغداد (١٤/ ٤٣٣).
(٣)
في ظا، ب: بك عنها .
تاريخ بغداد (١٤ / ٤٣٤) .
(٤)
(٥)
المصدر السابق .
في ا، ط: الحسين . وهو الحسن بن محمد بن الحسن بن علي الخلال ، أبو محمد ، فاضل ، من أهل بغداد ،
(٦)
توفي سنة ٤٣٩هـ . تاريخ بغداد (٤٢٥/٧).
في أ: وجدت أبا الفتح القواس .
(٧)
(٨) من كبار المعتزلة ، وسترد ترجمته في حوادث سنة ٢١٨ هـ.
(٩) تاريخ بغداد (١٤ / ٤٣٤).
(١٠) وفيات الأعيان (٢/ ٣١٤). وبعدها في ط ما نصه: وورد أنها رؤيت في المنام ، فسئلت عما كانت تصنعه من
المعروف والصدقات ، وما عملته في طريق الحج ، فقالت: ذهب ثواب ذلك كله إلى أهله ، وما نفعنا إلا ركعات =

٥٨
أحداث سنة ٢١٧ هـ ـ وفيات سنة ٢١٧هـ
ثم دخلت سنة سبع عشرة ومثتين
في المحرم منها دخل المأمونُ الديار المصرية ، ظفر بعَبْدُوس الفِهْري ، فأمر فضربتْ عنقه . ثم كرَّ
المأمون راجعاً إلى الشام .
وفي هذه السنة ركب المأمون إلى بلاد الروم أيضاً ، فحاصر لؤلؤة(١) مئةً يوم ، ثم ارتحل عنها
واستخلف على حصارها عُجَيفاً ، فخدعته الروم ، فأسروه ، فأقام في أيديهم ثمانية أيام ، ثم انفلت من
أيديهم ، واستمر محاصِراً لهم ، فجاء ملك الروم بنفسه فأحاط بجيشه من ورائه ، فبلغ المأمون فسار
إليه ، فلما أحسّ توفيل بقدومه انصرف هارباً من وجهه ، وبعث إليه الوزير ، الذي يقال له : الصنفل ،
فسأله الأمان والمصالحة والمهادنة ، لكنه بدأ بنفسه في كتابه إلى المأمون ، فردَّ عليه المأمون كتاباً بليغاً ،
مضمونُه التقريعُ والتوبيخ ، وإني إنَّما أقبلُ منك الدخول في الحنيفيّة ، وإلا فالسيفُ والقتل . والسلام
على من اتبع الهدى(٢).
وحجَّ بالناس فيها سليمان بن عبد الله بن سليمان بن علي .
وممن توفي فيها من الأعيان :
حَجَّاج بن مِنْهال(٣) .
وسُرَيْج بن النُّعمان(٤) .
وموسى بن داود الضبي
"َ = (٥)
كنت أركعهن في السحر . وفيها جرت حوادث وأمور يطول ذكرها .
=
(١) ((لؤلؤة)): قلعة قرب طَرَسوس . ياقوت.
راجع نص الرسالتين المتبادلتين بين توفيل والمأمون في تاريخ الطبري (٦٢٩/٨) .
(٢)
حجَّاج بن مِنهال البصريّ، أبو محمد الأنماطي . كان دلالا فى الأنماط . ثقة ، صاحب سنة . العبر
(٣)
(٣٧١/١) .
(٤) سُرَيْج بن النُّعمان الجوهريّ البغدادي الحافظ، كان ثقة مبرّزاً. تهذيب الكمال (٢١٨/١٠)، وسير أعلام النبلاء
(٢١٩/١٠) .
(٥) أبو عبد الله الكوفيّ الطّرسوسي، نزيل بغداد. كان مصنفاً مكثراً مأموناً ، وكان ثقة زاهداً صاحب حديث . ولي
قضاء طرسوس حتى مات. العبر (١/ ٣٧١)، سير أعلام النبلاء (١٣٦/١٠).

٥٩
أحداث سنة ٢١٨ هـ
ثم دخلت سنة ثمان (١) عشرة ومثتين
في أول يوم من جمادى الأولى منها وجَّه المأمونُ ابنَه العبّاسَ إلى بلاد الروم لبناء الطُّوانة ، وتجديد
عمارتها . وبعث إلى سائر الأقاليم والآفاق في تجهيز الفَعَلَةُ(٢) من كلّ بلدٍ إليها ، من مصر والشام والعراق
وغير ذلك ، فاجتمع خلقٌ كثير لا يعلمهم إلا الله عزَّ وجلَّ. وأمره أن يجعلها ميلاً في ميلٍ ، وأن يجعل
سورَها ثلاثة فراسِخَ ، وأن يجعل لها ثلاثة أبواب ، عند كُلِّ بابٍ حِصْنٌ .
ذكر أوَّل المحنة (٣) :
في هذه السنة كتب المأمون إلى نائبه ببغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب يأمره أن يمتحن القضاة
والمحدّثين بالقول بخلق القرآن ، وأن يرسل إليه جماعة منهم إلى الرّقة. ونسخة كتاب المأمون إلى نائبه
مطولة ، قد سردها ابنُ جرير(٤) ؛ ومضمونها الاحتجاجُ على أنَّ القرآن محدث وليس بقديم ، وعنده أن
كلَّ محدث فهو مخلوق ، وهذا أمرٌ لا يوافقه عليه كثيرٌ من المتكلمين ولا المحدثين ، فإنَّ القائلين بأنه
تعالى تقوم به الأفعال الاختيارية ، لا يقولون بأنَّ فعله تعالى القائم بذاته المقدسة(٥) بعد أن لم يكن
مخلوق٦ً) ، بل يقولون : هو محدَثٌ وليس بمخلوق ، بل هو كلام الله تعالى القائم بذاته المقدسة ،
وما كان قائماً بالذات لا يكون مخلوقاً ، وقد قال الله تعالى: ﴿ مَا يَأْنِهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّيِّهِم مُحْدَثٍ ﴾
[ الأنبياء: ٢]٧). وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْتَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَئِكَةِ أَسْجُدُواْ لَّدَمَ ﴾ [ الأعراف: ١١].
فالأمر منه بالسجود صدرَ منه تعالى بعد خلقه آدم ، فالكلام القائم بالذات ليس بمخلوق ، وهذا له موضع
آخر .
وقد صنف البخاريُّ كتاباً في هذا المعنى سمَّاه ((خلق أفعال العباد )).
والمقصود أن الكتاب(٨) لمَّا ورد بغداد قُرىء على الناس. وقد عيَّن المأمونُ جماعةً من المحدّثين
في الأصول : ثماني عشرة بإثبات الياء ، كالاسم المنقوص المضاف . وأثبت ما جاء في ط .
(١)
(( الفَعَلَة)): صفة غالبة على عَمَلةِ الطين والحفر ونحوهما؛ لأنَّهم يفعلون . اللسان: فعل.
(٢)
(٣)
في ط : ذكر أوَّل المحنة والفتنة .
(٤)
تاريخ الطبري (٦٣١/٨) .
في ط : المقدسة مخلوق ، بل لم يكن مخلوقاً .
(٥)
(٦)
في ظا، ب : محدثاً .
وفي الأصول : من الرحمن محدث وهي الآية (٥) من سورة الشعراء . وقد أثبت ما جاء في ط .
(٧)
في ط : أن كتاب المأمون .
(٨)

٦٠
أحداث سنة ٢١٨ هـ
ليحضرهم إليه ؛ وهم : محمد بن سعد كاتب الواقديّ، وأبو مسلم، مستملي يزيد بن هارون(١) ،
ويحيى بن معين ، وأبو خيثمة زهير بن حرب ، وإسماعيل بن داود ، وإسماعيل بن أبي مسعود ،
وأحمد بن الدّورقيّ (٢) .
فبعث بهم إلى المأمون ، إلى الرقة ، فامتحنهم بالقول بخلق القرآن ، فأجابوه إلى ذلك ، وأظهروا
موافقتَه وهم كارهون . فردّهم إلى بغداد ، وأمرَ بإشهار أمرهم بين الفقهاء ، ففعل إسحاق بن إبراهيم
ذلك .
وأحضر خلقاً من مشايخ الحديث والفقهاء والقضاة وأئمة المساجد وغيرهم ، فدعاهم إلى ذلك عن
أمر المأمون ، وذكر لهم موافقة أولئك المحدّثين في ذلك ، فأجابوا بمثل جواب أولئك . ووقعت بين
الناس فتنةٌ عظيمةٌ ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون .
ثم كتب المأمون كتاباً ثانياً إلى إسحاق بن إبراهيم يستدلّ فيه على القول بخلق القرآن بشُبهٍ من الدلائل
لا تحقيق فيها ، ولا حاصلَ لها ، بل هي من المتشابهات ، وأورد من القرآن آياتٍ هي حجة عليه لا له ؛
أورده ابنُ جرير(٣) بطوله . وأمره(٤) أن يقرأ ذلك على أناس وأن يدعوهم إليه والقول به . فأحضر
إسحاق بن إبراهيم جماعةً من الأئمة ، وهم: أحمد بن حنبل ، وقُتَيِّبة ، وأبو حسّان الزِّياديُّ، وبشر بن
الوليد الكِندي ، وعليّ بن أبي مُقاتل، وسَعْدُويه الواسطيّ ، وعليّ بن الجَعْد، وإسحاق بن
أبي إسرائيل ، وابن الهِرْش، وابن عُلَيَّة الأكبر ، ويحيى بن عبد الرحمن(٥) العمري ، وشيخ آخر من
سلالة عمر ، كان قاضياً على الرقة ، وأبو نَصر التَّمَّار ، وأبو مَعْمَر القَطيعيّ ، ومحمد بن حاتم بن
ميمون ، ومحمد بن نوح الجنديسابوري المضروب ، وابن الفَرُّخان ، [ والنَّضْر بن شميل ، وأبو علي بن
عاصم، وأبو العوام الجزَّار(٦)، وابن شجاع (٧)، وعبد الرحمن بن إسحاق، وجماعة(٨).
فلمَّا دخلوا على إسحاق بن إبراهيم قرأ عليهم كتاب المأمون ، فلما فهموه قال لبشر بن الوليد :
ما تقولُ في القرآن ؟ فقال: هو كلام الله . قال : ليس عن هذا أسألك ، إنما أسألك أهو مخلوقٌ ؟ قال :
(١) في ط وأبو مسلم المستملي ، ويزيد بن هارون ، وهو تحريف.
(٢)
الطبري (٨/ ٦٣٤) .
(٣)
تاريخ الطبري (٦٣٢/٨).
(٤)
في ط : وأمر نائبه .
(٥)
في ط: ((عبد الحميد)) محرف .
تحرفت نسبته في النسخ التي بين أيدينا على وجوه مختلفة ، وما أثبتناه من كتب الرجال ، وهو فائد بن كيسان
(٦)
الباهلي أبو العوام الجزار (ع ) .
(٧) ما بين قوسين من ظا، ب . وابن شجاع: هو محمد بن شجاع المرُّوذي ، من رجال التهذيب.
(٨) تاريخ الطبري (٦٣٧/٨)، والكامل لابن الأثير (٤٢٣/٦).