Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
وفيات سنة ١٢٤ هـ
جاءتْ ( أخرجه بهذا الإسناد واللفظ أبو نعيم في الحلية (٣٦٩/٣). والحديث مسنداً أخرجه البخاري
=
(٨٧٥/٢) (٢٣٤٣) في المظالم: باب النهبى بغير إذن صاحبه؛ ومسلم (٧٦/١) ( ٥٧) في الإيمان: باب
بيان نقصان الإيمان بالمعاصي . ) .
وعن ابن أخي ابنِ شهاب ، عن عمِّه قال : كان عمرُ بن عبد الخطاب يأمُرُ بروايةٍ قصيدةٍ لَبيد بن ربيعة التي يقول
فيها :
وبإذنِ اللهِ رَيْشي والعَجَلْ
إِنَّ تَقْوَى رَبِّنا خَيْرُ نَفَلْ
أحمدُ اللهَ فلا ندَّلَهُ
بيديهِ الخيرُ ما شاءَ فَعَلْ
ناعمَ البالِ ومنْ شاءَ أضَلْ
مِنْ هداهُ سُبُلَ الخيرِ اهتدَى
( الأبيات من قصيدة للبيد في ديوانه ص (١٣٩). )
وقال الزهري : دخلتُ على عُبيد الله بن عبدِ الله بن عُتبة مَنْزِله ، فإذا هو مغتاظٌ ينفُخ! فقلت : ما لي أراكَ
هكذا ؟! فقال : دخلتُ على أميرِكمْ آنفاً - يعني عمرَ بن عبدِ العزيز - ومعه عبد الله بن عمرو بن عثمان، فسلَّمْتُ
عليهما ، فلم يَرُدَّا عليَّ السلام ، فقلت :
فما حُشيَ الأقوامُ شرّاً من الكِبْرِ
لا تَعْجَبا أنْ تُؤْتَيا فتكلَّما
ومُسَّا تُرابَ الأرضِ منهُ خُلِقَتُما
وفيها المعادُ والمصيرُ إلى الحَشْرِ
فقلت : يرحمك الله، مِثْلُكَ في فقهِكَ وفضلِكَ وسنِّك تقولُ الشِّعر!؟ فقال: إنَّ المصدورَ إذا نفَثَ بَرَأ ( الخبر
والأبيات في التمهيد (١٣/٩) لابن عبد البر وزاد في الأبيات بيتين آخرين وهما :
للاقَيْتُهُ أو قال عنديَ في السرِّ
فلو شئتُ أنْ ألقَى عدوّاً وطاعناً
فإنْ أنا لم آمُرْ ولم أَنْه عنكما ضحكتُ له حتى يلجَّ وَيَسْتَشْرِي )
وجاء شيخٌ إلى الزُّهريِّ فقال: حدّثني . فقال: إنك لا تعرفُ اللغة . فقال الشيخ: لعلِّي أعرفُها . فقال: فما
تقولُ في قولِ الشاعر :
صَريع نَدَامَى يَرفَعُ الشَّرْبُ رأسَهُ وقد ماتَ منهُ كلُّ عُضْوِ ومِفْصَلٍ
ما المِفْصل؟ قال: اللسان. قال: عُدْ عليَّ أَحدِّثْكَ ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣٧٠/٣) وروايته: ((اغدُ
عليَّ أحدَّثْك)). ).
وكان الزُّهرِيُّ يتمثَّلُ كثيراً بهذا .
وكأنَّ ما قد كانَ لم يَكُ كانا
ذهب الشبابُ فلا يعودُ جُمانا
وكَفَى جُمانُ بِطَيِّها حَدَثَانا
فطويتُ كَفِّي يا جُمانُ على العصا
( الخبر والشعر في الحلية ( ٣٧٠/٣) وروايته: ((فطويت كفاً يا جمان على الغضا)).)
وكان نقشُ خاتم الزهري : محمدٌ يسألُ اللهَ العافية .
وقيل لابنِ أخي الزهري : هل كان عمُّك يتطيّب ؟ قال : كنتُ أشمُّ ريحَ المسكِ مِنْ سَوْطِ دابَّةِ الزهري .
وقال : استكثروا من شيءٍ لا تَمسُّه النار . قيل : وما هو ؟ قال : المعروف .
وامتدحه رجلٌ مرَّةً فأعطاهُ قميصَه ، فقيل له : أتُعطي على كلام الشيطان ؟ فقال : إنَّ من ابتغاءِ الخيرِ اتِّقاءَ الشرّ
( أخرجه أبو نعيم في الحلية ( ٣٧١/٣)، وروايته: ((إن من ابتغى الخير اتقى الشر)).).

٢٠٢
وفيات سنة ١٢٤ هـ
وممنْ تُوقِّي في خِلافةِ هشام بن عبد الملك كما أوردَهُ ابنُ عساكر :
بلال بن سعد(١) بن تميم السَّكوني أبو عمرو ، ويقال : أبو زُرعة ، إمامُ جامع دمشق أيامَ هشام ،
وقاصُ أهلِ الشام ؛ وكان من الزُّهاد الكِبَار، والعُبَّاد الصُّوَّام القُوَّام.
روَى عن أبيه، وكان أبوهُ له صُحْبَة ، وعن جابر ، وابنِ عمر ، وأبي الدرداء ، وغيرهم . وعنه
جماعةٌ ، منهم أبو عمرو الأوزاعي ، وكان الأوزاعي يكتبُ عنه ما يَقُولُه من الفوائدِ العظيمةِ من قَصَصِهِ
ووَعْظِهِ ، وقال : ما رأيتُ واعِظاً قَطٌّ مِثلَه .
وقال أيضاً : ما بلَغَني عن أحدٍ من العبادةِ ما بلَغَني عنه، كان يُصلِّي في اليوم والليلةِ ألفَ رَكْعَة ، قال
غيره - وهو الأصمعي - : كان إذا نَعَسَ في ليلِ الشتاء ألقَى نفسَهُ في ثيابِهِ في البِرْكة ، فعاتَبَهُ بعضُ أصحابِهِ
في ذلك فقال : إنَّ ماء البِرْكةِ أهوَنُ من صَديدٍ جهنم .
وقال الوليدُ بن مسلم : كان إذا كبّرَ في المِحراب سمعوا تكبيرَهُ من الأوْزاع ، قلت : وهي خارج بابِ
الفراديس، بِمَحلَّةِ سوق قُميلة اليوم، قال : وكنّا نتبيّنُ قراءتَهُ من عقَبَة الشيخ عند دار الضيافة (٢) . يعني
من عند دار الذهب داخل باب الفراديس .
وقال أحمد بن عبد الله العِجْلي - وهو شامي - تابعيٌّ ثِقَة .
وقال أبو زرعة الدمشقي : كان أحدَ العلماء ، وكان قاصّاً ، حسَنَ القَصَص ، وقد اتَّهمَهُ رجاءُ بن
وقال سفيان : سئل الزهريُّ عن الزاهد ، فقال: منْ لم يمنَع الحلالُ شُكْرَه ، ولم يغلبِ الحرامُ صبرَه .
=
وقال سفيان: قالوا للزهري: لو أنك الآن في آخرِ عُمركَ أقمتَ بالمدينة فغدَوْتَ ( في ( ق): ((فقعدت ...
ودرجت))، والمثبت من الحلية (٣٧١/٣).) إلى مسجدٍ رسولِ اللهِ وَله، ورُحْتَ وجلسنا إلى عمودٍ من
أعمدتِهِ ، فذكّرت الناسَ وعلَّمْتَهم . فقال: لو أني فعلتُ ذلك لوُطِّىءَ عَقِي ، ولا ينبغي لي أنْ أفعلَ ذلك حتى أزهدَ
في الدُّنيا ، وأرغبَ في الآخرة .
وكان الزهري يحدِّثُ أنه هلك في جبال بيتِ المقدِس بضعةٌ وعشرون نبيّاً ماتوا من الجُوع والعمل ، كانوا
لا يأكلونَ إلَّ ما عرفوا، ولا يَلْبسُونَ إلَّا ما عَرفوا. وكان يقول: العِبَادة هي الوَرَعُ والزُّهْد ، والعِلْمُ هو الحسَنَةُ ،
والصَّبْرُ هو احتمالُ المكارِهِ ، والدعوةُ إلى الله على العمل الصالح ] .
(١) ترجمته في طبقات ابن سعد (٧/ ٤٦١)، التاريخ الكبير (١٠٨/٢)، الكنى لمسلم ص (١٥١)، الجرح
والتعديل (٣٩٨/٢)، الثقات لابن حبان (٦٦/٤)، الحلية (٢٢١/٥)، تاريخ ابن عساكر (٣٥٤/١٠)،
صفة الصفوة (٢١٧/٤)، المختار من مناقب الأخيار لابن الأثير (١/ ٤٨١)، مختصر تاريخ ابن عساكر
(٢٦٨/٥)، تهذيب الكمال (٢٩١/٤)، سير أعلام النبلاء (٩٠/٥)، تاريخ الإسلام (٢٣٤/٤) ، الوافي
(٢٧٧/١٠)، تهذيب التهذيب (٥٠٣/١)، الكواكب الدرية (٩١/١).
(٢) كذا في الأصول (ب، ح، ق) وتاريخ دمشق، وفي سير أعلام النبلاء (٩٢/٥): ((دار الصيارفة)).

٢٠٣
وفيات سنة ١٢٤ هـ
حَيْوَة بالقَدَر، حتى قال بلال يوماً في وَعظِه: رُبَّ مسرورٍ مَغْبُون، ورُبَّ مَغْبُونٍ(١) لا يَشْعُر، فوَيْلٌ لِمَنْ له
الوَيْلُ وهو لا يَشْعُر ، يأكلُ ويشرَبُ ويَضْحَك وقد حَقَّ عليه في قضاءِ الله أنَّهُ من أهلِ النار ، فياوَيْل لك
جسداً ! فَلْتبكِ وِلْتبكِ عليك البواكي لطولِ الأبَد .
وقد ساق ابنُ عساكر شيئاً حَسناً من كلامه في مواعظهِ البليغة ، فمنْ ذلك قولُه : واللهِ لِكَفَى به ذنباً أنَّ
اللهَ يُزَهِّدُنا في الدنيا ونحنُ نرغَبُ فيها . زاهِدُكم راغب ، وعالمكم جاهل ، ومجتهدُكم مقصِّر .
وقال أيضاً : أخٌ لك كلَّما لَقِيَكَ ذَكَّركَ بنصيبكَ من الله، وأخبركَ بعَيْبٍ فيك أحَبُّ إليك وخيرٌ لك مِنْ
أخ كلَّما لَقِيَكَ وضعَ في كفِّكَ ديناراً .
وقال أيضاً : لا تكنْ وَلِيّاً للهِ في العلانية، وعدوَّهُ في السّرّ، [ ولا تكنْ عدُوَّ إبليسَ والنفسِ
والشَّهَواتِ في العلانية، وصديقَهم في السِّرّ (٢). ولا تَكُنْ ذا وجهَيْنِ وذا لسانين فتظهرَ للناس أنك
تخشَى الله ليحمَدُوك ، وقلبُكَ فاجر .
وقال أيضاً: أيها الناس، إنَّكم لم تُخلقُوا للفَنَاء وإنَّما خُلقتُمْ للبقاء ، ولكنَّكم تَنْقِلُون من دارٍ إلى
دار ، كما نُقلتمْ من الأصلابِ إلى الأرحام ، ومن الأرحام إلى الدنيا ، ومن الدنيا إلى القبور ، ومن القبورِ
إلى المَوقُف ، ومن الموقف إلى الجنَّةِ أو النار .
وقال أيضاً : عبادَ الرحمن ، إنكم تعملونَ في أيامٍ قصار لأيامٍ طِوَال ، وفي دارِ زَوَالٍ إلى دارِ مُقَام ،
وفي دارٍ حُزْنٍ ونَصَب ، لِدارِ نعيمٍ وخلُود ، فمن لم يُعمَلْ على يقين فلا يتعَنَّ ، عبادَ الرحمن ، لو قد
غُفرَتْ خطاياكمُ الماضية لكان فيما تستقبلون لكمْ شُغُلاً ، لو عَمِلتم بما تعلمون لكنتم عبادَ الله حَقّاً . عبادَ
الرحمن، أمَّا ما وثَّلَكُمْ بهِ فتضيِّعونَه، وأمَّا ما تكَفَّلَ الله لكُمْ بهِ فتطلبونه! ما هكذا نعَتَ اللهُ عبادَهُ
المُوقِنِين ، أَذَوُو عَقْلٍ في الدنيا وبُلْهٌ في الآخرة ، عُمْيٌّ عَمَّا خُلقْتمْ له ، بُصَراء في أمرِ الدُّنيا ! فكما ترجونَ
رحمةَ الله بما تؤدُّونَ من طاعتِهِ ، فكذلك أشفِقُوا من عَذَابِه بما تنتهِكُونَ من معَاصِيه . عبادَ الرحمن ، هل
جاءكم مُخبِرٌ يُخبرُكم أنَّ شيئاً من أعمالِكُمْ قد تُقُبَّلَ منكم؟ أو شيئاً مِنْ خطاياكم قد غُفِرَ لكم ؟
﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [ المؤمنون: ١١٥]، واللهِلو عَجَّلَ لكم الثوابَ في الدنيا
لاستقلَلْتُمْ ما فرض عليكم ، أترغبون في طاعةِ الله لتعجيلِ دار هَمّ ، ولا ترغبون وتُنافِسونَ في جنَّةٍ أَكُلُها
دائمٌ وظِلُها؟ وعَرْضُها عرضُ الأرض والسماوات. ﴿تِلْكَ عُقْبَىَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّعُقْبَ الْكَفِرِينَ النَّارُ ﴾
[ الرعد : ٣٥] .
وقال أيضاً: الذِّكرُ ذِكْران، ذكرُ اللهِ بالِّسان حَسَنٌ جميل، وذكرُ اللهِ عندما أحَلَّ وحرَّم أفضل. عبادَ
(١) في (ق): ((مغرور))، في الموضعين ، والمثبت من ( ب، ح).
(٢) ما بين معقوفين ليس في ( ب، ح) وهو من ( ق) .

٢٠٤
وفيات سنة ١٢٤ هـ
الرحمن ، يقالُ لأحَدِنا تُحِبُّ أن تموت ؟ فيقول : لا . فيقال له : لِمَ؟ فيقول : حتى أعمَل . فيُقال له :
اعمَلْ . فيقول : سوف أعمل. فلا تُحِبُّ أنْ تموتَ ولا تُحبُّ أنْ تعمَل! وأحَبُ شيْءٍ إليه يُحِبُّ أنْ يؤخِّرَ
عمَلَ الله، ولا يُحِبُّ أنْ يؤخِّرَ الله عنهُ عَرَضَ الدنيا !.
عبادَ الرحمن ، إنَّ العبدَ ليعمَلُ الفريضةَ الواحدةَ من فرائضِ الله ، وقد أضاعَ ما سِواها ، فما يزالُ
يُمَنِّهِ الشيطانُ ويُزَيِّنُ له حتى ما يَرَى شيئاً دونَ الجنة مع إقامَتِهِ على مَعَاصي الله . عبادَ الرحمن ، قبلَ أنْ
تعمَلُوا أعمالَكُمْ فانظروا ماذا تُريدون بها ، فإنْ كانَتْ خالصةً فامْضُوها ، وإنْ كانت لغيرِ الله فلا تَشُقُّوا على
أنفسكم، فإنَّ الله لا يقبلُ من العملِ إلَّ ما كان لهُ خالصاً، فإنه قال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ
الصَّلِحُ يَرْفَعُةٌ﴾ [ فاطر : ١٠].
وقال أيضاً: إنَّ الله ليس إلى عذابِكم بِسَرِيع، يقبَلُ المُقبِل ويَدْعُ(١) المُدْبِر .
وقال أيضاً : إذا رأيتَ الرجلَ مُتحرِّجاً لَجُوجاً ممارياً مُعجباً برأيه فقد تَمَّتْ خسارَتُه .
وقال الأوزاعي : خرج الناسُ بدمشقَ يَسْتَسقون ، فقام بهم بلالُ بنُ سعدٍ فقال: يا معشر مَنْ حَضَر ،
ألستُمْ مِقِرِّينَ بالإساءة؟ قالوا: نعم. فقال: اللهمَّ إنَّكَ قلت: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾
[ التوبة: ٩١]، وقد أقرَرْنا بالإساءة فاعفُ عنَّا واغفِرْ لنا. قال: فسُقُوا يومَهمْ ذلك .
وقال أيضاً : سمعتُه يقول : لقد أدرَكْتُ أقواماً يشتدُّونَ بين الأغراض ، ويضحَكُ بعضُهم إلى بعض ،
فإذا جَنَّهُمُ الليلُ كانوا رُهْباط(٢)
وسمعتُهُ أيضاً يقول : لا تَنْظُرْ إلى صِغَرِ الذنب، وانظُرْ إلى مَنْ عصَيْت .
وسمعته يقول : من باداَكَ بالوُدِّ فقدِ استرَقَّكَ بالشُّكْر .
وكان من دعائه : اللهمَّ إني أعوذُ بكَ من زَيْغِ القُلوب ، ومن تَبِعاتِ الذنوب ، ومن مُرْدِیاتٍ
الأعمال ، ومُضِلاتِ الفِتَ(٣)
في (ح): ((ويدع))، والمثبت من ( ب ، ق ) .
(١)
أخرجه ابن المبارك في الزهد ص (٤٧)، وأبو بكر بن أبي شيبة في المصنف (٣٠٣/٥) (٢٦٣٢٦)، وابن
(٢)
أبي عاصم في الزهد ص (٢١٠).
(٣) وهذه من الزيادة المقحمة وهي :
[ وقال الأوزاعي عنه، أنه قال: عبادَ الرحمن، لو أنتم لم تَدَعوا إلى الله طاعةٌ إلَّ عَمِلْتُموها، ولا مَعْصِيَةٌ إلَّا
اجْتَبْتُموها إلَّ أنكم تُحِبُون الدنيا لَكفاكُمْ ذلك عقوبةً عندَ الله عزَّ وجلّ .
وقال : إنَّ الله يغفِرُ الذنوبَ لِمَنْ تابَ منها ، ولكنْ لا يَمْحوها من الصَّحِيفةِ حتى يوقَفُ العبدُ عليها يومَ القيامة .
ترجمة ] .

٢٠٥
وفيات سنة ١٢٤ هـ
الجَعْدُ بنُ دِرْهَمُ(١) : هو أول من قال بِخَلْقِ القرآن ، وهو الذي يُنسَبُ إليه مروانُ الجَعْدِيّ ، وهو
مروانُ الحمار آخرُ خلفاء بني أمية . كان شيخُه الجعدَ بن دِرْهم ، أصلُه من حَوَّارُ(٢) ، ويقال : إنه من
موالي بني مروان ، سكن الجعدُ دمشق ، وكان له بها دارٌ بالقُرب من القلانسيِّين إلى جانب الكنيسة ، ذكره
ابنُ عساكر . قلت : وهي مَحَلَّةٌ بالقرب من الخوَّاصِين اليوم ، غربيها عند حمام القطّانين الذي يقال له
حمام قلينس .
قال ابنُ عساكر وغيرُه(٣) : وقد أخذ الجَعْدُ بِدعَتَهُ عن أبان بن سمعالُ(٤) ، وأخذها أبان عن طالوت
" ابن أخت لَبِيد بن أعصم زوجٍ ابنتِهِ، وأخذها لَبِيدُ بنُ أعصَم الساحر الذي سحرَ الرسولَ وَ لّ عن يَهوديٌّ
باليمن ، وأخذ عن الجَعْد الجَهْم بن صفوان الخزري وقيل الترمذي ، وقد أقامَ بِبلْخ ، وكان يُصلّي مع
مُقاتِل بن سليمان في مسجدِه ، ويتناظران ، حتى نُفِيَ إلى تِرْمِذ ، ثم قُتل الجَهْم بأصبهان ، وقيل بِمَرْو ،
قتله نائبُها سَلْم بن أخْوزَ رحمه الله وجزاه عن المسلمين خيراً ، وأخذَ بِشْرٌ المريسي عن الجهم ، وأخذ
أحمد بنُ أبي دُوَاد عن بِشر . وأمَّا الجَعْدُ فإنه أقامَ بدمشق حتى أظهرَ القولَ بخلق القرآن ، فتطلَّبه بنو أمية ،
فهرب منهم ، فسكن الكوفة ، فَلَقِيَهُ فيها الجَهْمُ بنُ صفوان، فتقلَّد هذا القول عنه. ثم إنَّ خالد بن عبد الله
القَسْري قَتَل الجعدَ يومَ عيدِ الأضحى بالكوفة ، وذلك أنَّ خالداً خطَبَ الناسَ فقال في خُطْبَتِهِ تلك : أيها
الناس ، ضَعُوا يَقْبل الله ضحاياكم، فإني مُضَخَّ بالجَعْدِ بنِ دِرْهَم ، إنَّه زعَمَ أنَّ الله لم يَتَّخِذْ إبراهيمَ
خليلاً ، ولم يكلِّمْ موسى تَكْلِيماً ، تعالى اللهُ عمَّا يقولُ الجَعْدُ عُلُوّاً كَبِيِراً. ثم نزلَ فَذَبحَهُ في أَصْلِ المِنْبَر
بيدِه ، أثابَهُ الله تعالى وتقبّلَ منه، وذلك في أيام هشام بن عبد الملك، وقد كان هشامٌ صَلَبَهُ بدمشق حين
أظهرَ ما أظهر ، ثم إنّه هربَ بعدَ ذلك ، فكَتَبَ إلى نائبِهِ خالد بن عبد الله القَسْري أنْ يقتُلَه ، فقتلَهُ كما
ذگْنا .
(١) ترجمته في الفهرست لابن النديم ص (٤٧٢)، الضعفاء للعقيلي (٢٠٦/١)، مختصر تاريخ دمشق (٥٠/٦)،
الكامل لابن الأثير (٤٦٦/٤)، سير أعلام النبلاء (٤٣٣/٥)، ميزان الاعتدال (١٢٥/٢)، لسان الميزان
(١٠٥/٢)، المغني في الضعفاء ص (١٣١)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣٨٢/٣) لأبي القاسم
اللالكائي .
في (ق): ((خراسان))، وهو تصحيف، والمثبت من ( ح)، ومختصر تاريخ دمشق (٦/ ٥٠)، وتوحيد
(٢)
المقاصد في شرح قصيدة ابن القيم (٤٩/١)، ومنهاج السنة (٢/ ١٩٢) لابن تيمية .
(٣)
انظر مختصر تاريخ دمشق (٦/ ٥١ ).
في (ح، ق): (( بيان بن سمعان))، وما أثبتناه موافق لما في مختصر تاريخ دمشق (٦/ ٥١)، والكامل لابن
(٤)
الأثير (١٢١/٦)، وتوحيد المقاصد في شرح قصيدة ابن القيم (٤٩/١)، وأقاويل الثقات لمرعي بن يوسف
ص (٢٣٠)، والتحفة المدنية في العقيدة السلفية لحمد بن ناصر ص (١٦٦) وسيأتي ذكر الخبر مرة أخرى في
ص٢٣٤ من هذا المجلد ، في ترجمة خالد بن عبد الله القسري .

٢٠٦
أحداث سنة ١٢٥ هـ
وقد روى قصَّتَه مع خالد البخاري في [ خَلْق ] أفعال العباد(١)، وابن أبي حاتم ، وغير واحدٍ مِمَّنْ
صنَّفَ في السنَّةَ ، كالطبراني ، وابن أبي عاصم ، والبيهقي ، وعبد الله بن أحمد ، وذكرَهُ الحافظُ ابنُ
عساكر في التاريخ (٢)، وذكر أنَّهُ كان يتردّدُ إلى وَهْب بن مُنَبِّه، وأنه كان كلَّما راح إلى وَهْب يغتسل
ويقول : أجْمَعُ للعَقْل . وكان يسألُ وَهْباً عن صفاتِ الله عزَّ وجَلّ ، فقال له وهبٌّ يوماً : ويلك يا جعد ،
أقصرِ المسألةَ عن ذلك، إني لأظنُّكَ من الهالكين ، لو لم يُخبِرْنا الله في كتابه أنَّ لَهُ يداً ما قُلنا ذلك، وأنَّ
لَهُ عيناً ما قُلنا ذلك، وأنَّ لَهُ نَفْساً ما قُلنا ذلك، وأنَّ له سَمْعاً ما قُلنا ذلك. وذكَرَ الصفاتِ من العِلْم
والكلامِ وغيرِ ذلك، ثم لم يَلْبَثِ الجَعْدُ أنْ صُلِبَ ثم قُتِل . ذكره ابنُ عساكر وذكرَ في ترجمتهِ أنَّه قال
للحجَّاجِ بن يوسف، ويُروَى لِعِمْرانَ بنِ حِطَّال(٣) :
ليثٌ عليَّ وفي الحروب نَعَامٌ فَتْخاءُ تَجْفُلُ من صَفِيرِ الصافِرِ
بل كان قلبُكَ في جَنَاحَيْ طَائِرٍ
هلاَّ بَرَزْتَ إلى غزالةَ في الوَغَى
ثم دخلت سنة خمس وعشرين ومئة
قال الحافظ أبو بكر البَزَّارُ(٤) ؛ حدثنا رزق الله بن موسى ، حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فُدَيك ، حدثنا
عبدُ الملك بن زيد ، عن مصعب بن مصعب ، عن الزُّهري ، عن أبي سَلَمَة بنِ عبدِ الرحمن ، عن أبيه ، قال :
قال رسول الله وََّ: ((تُرفَعُ زِينةُ الدُّنيا سنةَ خمسٍ وعشرين ومئة))، وكذا رواهُ أبو يعلى في مُسندِ(٥)
(١) صفحة (٢٩) بتحقيق د. عبد الرحمن عميرة، طبعة دار المعارف السعودية، الرياض (١٣٩٨/ ١٩٧٨)، وسوف
يذكره المؤلف في صفحة ( ١٩) من الجزء العاشر من نسخة ( ق ).
(٢) انظر مختصر تاريخ دمشق (٦/ ٥٠، ٥١).
(٣) ذكر البيتين وعزاهما إلى عمران بن حطان خليفة بن خياط في تاريخه ص (٢٧٤، ٢٧٥)، وذكر الخبر عبد الغني بن
سعيد الأزدي في المتوارين ص (٧٢، ٧٣) وعزاهما إلى عمران أيضاً، وزاد عليهما ثالثاً وهو قوله :
تركت فوارسه كأمس الغابر
ذعرت غزالة قلبه بفوارس
وذكرهما مع هذا البيت ابن عساكر في ترجمة عمران ( انظر مختصره لابن منظور (٢٣٩/١٨)) ، وذكرهما ابنُ
خَلِّكان في وفيات الأعيان (٤٥٥/٢)، والذهبي في سير أعلام النبلاء (٤/ ١٤٧ ) من غير عزو ، وقد تقدّم ذكرُ
البيتين في مقتل شبيب في سنة سبع وسبعين .
(٤)
في البحر الزخار رقم (١٠٢٧).
مسند أبي يعلى (١٦٠/٢) (٨٥١)، وذكره الديلمي في مسند الفردوس (٧٣/٢) (٢٤١٤)، وأخرجه ابن عدي
(٥)
في الكامل ( ٣٠٨/٥) في ترجمة عبد الملك بن زيد عن أبي العلاء ، حدثنا أبو الطاهر ، حدثنا ابن أبي فديك ،
به، وذكره الدار قطني في العلل (٩/ ٢٥١،٢٥٠) وقال؛ عن أبي سلمة عن أبيه وليس بمحفوظ . وسيعاد ذكر
الحديث في الصفحة (٢١١) من هذا الجزء ، وثمة تفسير زينة الدنيا .

٢٠٧
هشام بن عبد الملك
عن أبي كُرَيب ، عن ابنِ أبي فُديك ، عن عبد الملك بن زيد بن سعيد بن نُفَيل ، عن مصعب بن مصعب ،
عن الزُّهْري ، به .
قلتُ : وهذا حديثٌ غَرِيبٌ مُنْكَر ، ومُصْعَب بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف الزُّهري تكلَّمَ فيه
وضعَّفَهُ عليٍّ بن الحسين بن جنيد ، وكذا تكلّم في الراوي عنه أيضاً . والله أعلم .
وفيها غزا النعمانُ بن يزيد بن عبد الملك الصائفةَ من بلادِ الروم ، وفي ربيع الآخِر منها تُوفِّي أميرُ
المؤمنين :
هشامُ بنُ عبدِ الملكِ بنِ مَرْوَانُ(١)
ذکر وفاته و ترجمته رحمه الله :
هو هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس أبو الوليد القُرشي
الأموي الدمشقي أمير المؤمنين ، وأمه أمُّ هشام بنت هشام بن إسماعيل المخزومي ، وكانت دارُهُ بدِمَشق
عند باب الخوَّاصين ، وبعضُها اليوم مدرسةُ نورِ الدينِ الشهيد التي يُقالُ لها النُّورِيَّة الكبيرة ، وتُعرَفُ بدارٍ
القَبَّابِين - يعني الذين يبيعون القِبَاب وهي الخِيَام - فكانت تلك المحلَّةُ دارَه ، والله أعلم .
وقد بُويع له بالخِلافةِ بعدَ أخيه يزيدَ بنِ عبدِ الملك بعهدٍ منهُ إليه ، وذلك يومَ الجمعة لأربعٍ بَقِينَ من
شعبان سنةَ خمسٍ ومئة ، وكان له من العمر يومئذٍ أربعٌ وثلاثون سنة ، وكان جميلاً أبيضَ أحْوَل ، يَخْضِبُ
بالسَّوَاد ، وهو الرابعُ من ولَدِ عبد الملك لِصُلْبِهِ الذين وَلُوا الخلافة ، وقد كان عبدُ الملك رأى في المنام
كأنَّهُ بالَ في المِحراب أربعَ مرَّات ، فدسَّ إلى سعيدِ بن المسيَّب مَنْ سألَهُ عنها ، ففسَّرَها له بأنَّهُ يَلِي الخلافةَ
مِنْ وَلَدِهِ أربعة، فوقَعَ ذلك، فكانَ هشامٌ آخِرَهُمْ، وكان في خلافتِهِ حازمَ الرَّأي، جَمَّاعاً للأموال يُبَخَّل ،
وكان ذَكيّاً مُدَبِّراً، له بصَرٌ بالأمور جَليلِها وحَقيرِها، وكان فيه حِلْمٌ وأنَاة ، شتَمَ مرَّةٌ رجلاً من الأشرافِ
فقال : أتشتُمُني وأنتَ خليفةُ اللهِ في الأرض !؟ فاستحيا وقال : اقتصَّ مِنِّي بدلَها - أو قال بمثلها - قال:
إذاً أكونُ سَفيهاً مثلَك . قال : فخذْ عِوَضاً منها . قال: لا أفعل . قال : فاتُركُها لله . قال : هي الله ، ثم
لك . فقال هشامٌ عند ذلك : والله لا أعودُ إلى مثلِها .
وقال الأصمعي : أسمَعَ رجلٌ هشاماً كلاماً فقال له : أتقولُ لي مثل هذا وأنا خَلِيفتُك ؟!
وغَضِبَ مرَّةً على رجلٍ فقال له : اسكُتْ وإلَّ ضرَبْتِكَ سَوْطاً .
(١) ترجمته في تاريخ الطبري (٢١٧/٤)، تاريخ اليعقوبي (٣١٦/٢)، الكامل (٣٧٠/٤ و ٤٦٥)، سير أعلام
النبلاء (٣٥١/٥)، تاريخ الخلفاء ص (٢٤٧)، شذرات الذهب (١٦٣/١).

٢٠٨
هشام بن عبد الملك
وكان عليٌّ بنُ الحسين قد اقترَضَ من مروان بن الحكم مالاً أربعةَ آلافٍ دينار ، فلم يتعرَّضْ لَهُ أحَدٌ من
بني مروان، حتى استُخلف هشام، فقال: ما فعَلَ حَقُّنَا قِبَلَك؟ قال: مَوْفورٌ مَشْكور. فقال: هو لك(١).
وكان هشامٌ من أكرَهِ الناسِ لسَفْكِ الدماء ، ولقد دخلَ عليهِ من مَقْتَلِ زيدٍ بن عليٍّ وابنه يحيى أمرٌ شديد
وقال : وَدِدْتُ أني أفتدَيْتُهما [ بجميع ما أملك ] .
وقال المدائني عن رجلٍ من غَنِيُّ(٢) عن بشر مولى هشام، قال: أُتِيَ هشامٌ برجلٍ عندَهُ قِيَانٍ وخَمْرٌ
وبَرْبَط، فقال: اكسِروا الطُّنْبُور على رأسه وقرنه، فَكَى الشيخ، قال بشر: [ فقلتُ له وأنا أُعَزِّيه :
عليك بالصبر ] فقال: أتُراني أبكي للضَّرْب ، إنما أبكي لاحتقارِك البربطَ حتى سمَّيْتَهُ طُنبوراً .
وأغلظ لهشامٍ رجلٌ يوماً في الكلام فقال: ليس لك أنْ تقولَ هذا لإمامك .
وتفقَّدَ أحدَ ولَدِهِ يومَ الجمعة، فبعث إليه : ما لَكَ لم تشهدِ الجُمعة ؟ فقال: إنَّ بغلَتي عجزَتْ عني .
فبعث إليه : أما كان يُمكِنكَ المشي؟ وحرمَهُ(٣) أن يركبَ سنةً، [ وأن يشهدَ الجمعة ماشياً ].
وذكر المدائني أنَّ رجلاً أهدَى إلى هشام طيرَيْن، فأتى بهما السفير إلى هشام وهو جالسٌ على سرير
في وسطِ داره ، فقال له : أرسِلْهما في الدار . فأرسلهما ثم قال : جائزتي يا أميرَ المؤمنين فقال :
ويحك ! وما جائزتُكَ على هديةِ طيرَيْن؟ خُذْ أحدَهما، فجعل الرجلُ يسعىَ خلفَ أحدِهما ، فقال :
ويحك ! ما بالُك ؟ فقال: أختارُ أجودَهما. قال: وتختارُ أيضاً الجيِّدَ وتترُكُ الرديء! ثم أمرَ له بأربعينَ
أو خمسينَ درهماً. وذكر المدائني عن قحدمُ(٤) كاتب يوسف بن عمر ، قال : بعثني يوسفُ إلى هشام
بياقوتةٍ حمراء ولؤلؤةٍ كانتا لرابعة(٥) جاريةِ خالد بن عبد الله القَسْري ، مُشْتَرَى الياقوتةِ ثلاثةٌ وسبعون ألف
دينار ، قال : فدخلتُ عليه وهو على سريرٍ فَوْقَه فُرش، لم أرَ رأسَهُ من عُلوِّ تلك الفُرش ، فأوردتها له ،
فقال : كم زِنَّتُها ؟ فقلت : إنَّ مثلَ هذهِ لا مِثْلَ لها . فسكت .
(١) وهذه زيادة مقحمة أيضاً وهي :
[ قلتُ: هذا الكلامُ فيهِ نَظَر . وذلك أنَّ عليَّ بن الحسين مات سنةَ الفقهاء، وهي سنةُ أربع وتسعينَ قبلَ أنْ يَلِيَ
هشامٌ الخِلافة بإحدى عشرةَ سنة ، فإنه إنما وَلِيَ الخلافةَ سنةً خمسٍ ومئة . فقَوْلُ المؤلف : إنَّ أحداً من خلفاء بني
مروانَ لم يتعرَّضْ لِمُطالبة عليٍّ بن الحسين حتى وَلِيَ هشام فطالب بالمال المذكور فيه نظر ، ولا يَصِحُ لتقدُّمِ مَوْتٍ
عليٍّ على خلافةِ هشام . والله سبحانه وتعالى أعلم ] .
(٢) في (ق): ((حي)) وهو تصحيف، والمثبت من (ب، ح) وتاريخ الطبري (٢١٩/٤)، والخبر فيه وما بين
معقوفین منه .
في (ق): ((ومنعه))، والمثبت من ( ب، ح) .
(٣)
(٤) في (ق): ((محرم)) تصحيف والمثبت من (ب، ح) وتاريخ الطبري (٢٢١/٤) والخبر فيه.
(٥) كذا في الأصول (ب، ح، ق)، وفي تاريخ الطبري ((لرائقة)).

٢٠٩
هشام بن عبد الملك
قالوا : ورأى قوماً يَفْرُطُون الزيتون ، فقال : القُطُوه لَقْطاً ولا تنفضوهُ نفضاً، فتُفقأ عيونُه، وتُكسرَ
غصونُه .
وكان يقول: ثلاثةٌ لا يَضَعْنَ الشريف: تعاهُدُ الضَّيْعهُ(١)، وإصلاحُ المعيشة، وطلَبُ الحَقِّ وإنْ
قلّ .
وقال أبو بكر الخرائطي : يُقالُ إن هشاماً لم يَقُلْ من الشعرِ سوَى هذا البيت :
إذا أنتَ لم تعصِ الهوَى قادَكَ الهوَى إلى كُلِّ ما فيهِ عليكَ مَقَالُ
وقد رُوِيَ له شعرٌ غيرُ هذا .
وقال المدائني عن ابن يسار(٢) الأعرجي ، حدثني ابنُ أبي بجيلة (٣) عن عقال بن شبة قال : دخلتُ
على هشامٍ وعليهِ قَبَاءُ فَنَكِ (٤) أخضر ، فوجَّهَني إلى خراسان ، ثم جعل يُوصيني وأنا أنظُرُ إلى القباء ففَطِنَ
فقال : ما لك ؟ قلتُ : عليك قَبَاءُ فَنَكِ أخضر ، وكنتُ رأيتُ عليك مِثْلَهُ قبلَ أن تَلِيَ الخلافة ، فجعلتُ
أتأمّلُ هذا هو ذاك أمْ غيرُه ؟ قال : والله الذي لا إله غيرُه هو ذاك، مالي قَبَاءٌ غيرُه ، وما تَرَونَ مِنْ جَمْعِي
لهذا المال وصَوْنِهِ إلا لكم. قال عِقَال: وكان هشام مَحْشُوّاً عقلا٥ً) .
وقال عبدُ الله بن علي عَمُّ السَّفَّحِ : جمعتُ دواوينَ بني أمية فلم أرَ أصلحَ للعامَّةِ والسُّلطانِ من دیوانٍ
هشام .
وقال المدائني عن غسان(٦) بن عبد الحميد : لم يكنْ أحَدٌ من بني مروانَ أشدَّ نَظَراً في أصحابِهِ
وداووينِه ولا أشدَّ مبالغةً في الفَحْصِ عنهم من هشام! وهو الذي قتلَ غَيلانَ القَدَري ، ولما أُحضِرَ بين يديه
قال له : وَيْحَك! قُلْ ما عندَك، إنْ كان حقّاً اتَّبَعْناه، وإنْ كانَ باطلاً رجعتَ عنه. فناظرَهُ مَيمونُ بن
مِهْران ، فقال لِمَيمون: أشاءَ اللهُ أنْ يُعْصَى ؟ فقال له ميمون : أفَعُصِيَ اللهُ كارهاً؟ فسكتَ غَيلان ، فقَيَّدَهُ
حينئذٍ هشامٌ وقتَلَه .
(١) في (ق): ((الصنيعة)) والمثبت من ( ب، ح).
(٢) كذا في الأصول (ب، ح، ق)، وفي تاريخ الطبري ((ابن وسنان)) والخبر فيه (٢١٨/٤) وفي الكامل
( ٤ / ٤٦٥ ) .
(٣) كذا في (ق)، وفي ( ب، ح) بمهملات لم يعجم منها سوى الجيم، وفي تاريخ الطبري ((نحيلة)).
(٤) الفَنَكُ: جلْدٌ يُلْبَس، معرَّب، قال ابن دريد: لا أحسبه عربيّاً، وقال كراع: الفَنَكُ دابه يُفْتَرى جلدُها أي يلبس
جلدها فَرواً . لسان العرب ( فنك ) .
(٥) في (ق): ((بخلاً))، والمثبت من ( ب، ح) .
(٦) في (ق): ((المدائني عن هشام بن عبد الحميد)) والمثبت من ( ب، ح ).

٢١٠
هشام بن عبد الملك
وقال الأصمعي عن أبي الزِّناد ، عن منذر بن أبي ثَوْر ، قال : أصَبْنا في خزائنِ هشام اثني عشرَ ألف
قميص ، كلُّها قد أثر بها .
وشكى هشامٌ إلى أبيه ثلاثاً : إحداها أنه يَهَابُ الصعودَ إلى المِنبر ، والثانية قِلَّةُ تناولِ الطعام ، والثالثة أنَّ
عندَهُ في القصر مئةَ جاريةٍ من حسانِ النساء ، لا يكادُ يَصِلُ إلى واحدةٍ منهن. فكتب إليه أبوه : أمَّا صعودُكَ
إلى المنبر فإذا عَلَوْتَ فوقَهُ فارم ببَصَرِكَ إلى مؤخِّرِ الناس ، فهو أهونُ عليك ، وأمَّا قِلَّهُ تناوُلِ الطعام فمُرٍ
الطبّاخَ فَلْيُكْثِر الألوان، فلعَلَّك أَنَ تتناول من كلِّ لَوْنٍ لُقْمَةً، وعليك بكلِّ بيضَاءَ بَضَّة، ذاتٍ جَمَالٍ وحُسْن.
وقال أبو عبد الله الشافعي: لما بَنَى هشامُ بن عبد الملك الرُّصَافةَ قال : أُحِبُّ أنْ أخلُوَ بِها يوماً
لا يأتيني فيه خيرُ غَمِّ . فما انتصفَ النهار حتى أتَتْهُ رِيشهُ دَم من بعضِ التُّغُور ، فقال : ولا يوماً واحداً ؟ !.
وقد رُويتْ هذه الحكاية من وَجْهٍ آخر لم يمكُثْ بعد ذلكَ إلّا شهراً واحداً .
وقال سفيان بن عيينة : كان هشامٌ لا يُكتَبُ إليه بكتابٍ فيه ذكرُ الموت .
وقال أبو بكر بن أبي خَيْئَمة : حدثنا إبراهيم بن المنذر الحِزَامي ، حدثنا حُسين بن زيد ، عن شهاب بن
عبد رَبِّه ، عن عمر بن علي ، قال : مشَيْتُ معَ محمدٍ بن عليّ - يعني ابنَ الحسين بن علي بن أبي طالب - إلى
دارِهِ عند الحمام، فقلت له : إنَّهُ قد طالَ مُلكُ هشام وسُلْطانُه، وقد قَرُبَ من العشرين سنة، وقد زَعَمَ الناسُ
أنَّ سليمانَ سألَ ربَّهُ مُلكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعدِه ، فزعم الناسُ أنها العشرون . فقال : ما أدري ما أحاديثُ
الناس ، ولكنَّ أبي حدّثني عن أبيه، عن عليٍّ، عن النبيِّ وَّه قال: «لَنْ يَعْمُرَ اللهُ مُلْكاً في أمَّةِ نبيِّ مَضَى قَبلَهُ
ما بلَغَ ذلك النبيُّ من العُمر في أُمَّتِهِ، فإن الله عمَّرَ نَبيَّهُوَ ﴿ ثلاثَ عشرةَ سنة بمَّة، وعشراً في المدينة)).
وقال أبو بكر بنُ أبي خيثمة : ليس حديثٌ فيه توقيتٌ غيرَ هذا ، قرأه يحيى بن مَعِين على كتابي فقال :
منْ حدَّثك به ؟ فقلت: إبراهيم. فتلهَّف أنْ لا يكونَ سمعَه . وقد رواه ابنُ جرير في تاريخه(١) عن
أحمد بن زهير ، عن إبراهيم بن المنذر الحِزَامي .
[ وروى مسلم بن إبراهيم، حدّثنا القاسم بن الفضل، حدّثني عياد بن الْمَغْراء العَتكي (٢) عن
عاصم بن المنذر بن الزبير ، حدّثني(٣) عبدُ الله بن الزبير أنه سمع عليّاً يقول: هلاكُ مُلكِ بني أميةً على
رجلٍ أحول . يعني هشاماً ]٤) .
(١) في تاريخ الطبري (٢٢١/٤)، وأخرجه أيضاً الحاكم في المستدرك (٣/٣) (٤٢٥٧) وإسناده ضعيف.
(٢) في (ق): ((عباد بن المعرا الفتكي)) تصحيف، والمثبت من لسان الميزان (٣٨٩/٤) في ترجمة عياد هذا،
والخبر فيه بالإسناد نفسه .
(٣) في (ق): ((عن عبد الله .. )) والمثبت من لسان الميزان.
(٤) هذا الحديث محصور بين معقوفين من زيادات نسخة ( ق ) ، ليس في ( ب ، ح ) .

٢١١
هشام بن عبد الملك
وروى أبو بكر بن أبي الدنيا عن عمر بن أبي معاذ النُّمَيري عن أبيه ، عن عمرٍو بنِ كليعُ(١) عن سالم
كاتبِ هشام بن عبد الملك ، قال : خرجَ علينا يوماً هشامٌ وعليه كآبةٌ وقد ظهر عليه الحُزْن ، فاستدعى
الأبرشَ بنَ الوليد ، فجاءه فقال : يا أمير المؤمنين ، ما لي أراكَ هكذا ؟ فقال : ما لي لا أكونُ وقد زعم
أهلُ العلم بالنجوم أني أموت إلى ثلاثٍ وثلاثينَ من يومي هذا؟! قال : فكتَبْنا ذلك ، فلمّا كان آخرُ ليلةٍ من
ذلك جاءني رسولُهُ في الليل يقول : أحضِرْ معك دواءً للذَّبْحَة . وكان قد أصابتْهُ قبلَ ذلك ، فاستعملَ منه
فعُوفي فذهبتُ إليه ومعي ذلك الدواء ، فتناولَهُ وهو في وَجَع شديد ، واستمرَّ فيه عامَّةَ الليل ، ثم قال :
يا سالم، اذهبْ إلى مَنْزلك ، فقد وجدتُ خِقَّةً، وذرِ الدواءَ عِنْدي. فذهبتُ ، فما هو إلَّا أنْ وصلتُ إلى
منزلي حتى سمعتُ الصِّيَاحَ عليه ، فجئتُ فإذا هو قد مات .
ولما ماتَ جاءتِ الخَزنة ، فختموا على حواصله ، وأرادوا تسخينَ الماء ، فلم يقدِروا له على
قُمْقُم٢ُ) حتى استعاروا له . وكان نقشُ خاتمِه الحكمُ للحَكَمِ الحَكيم. وكانتْ وفاتُه بالرُّصَافة يومَ
الأربعاء ، لِستِّ بَقينَ من ربيعِ الآخِر سنةً خمسٍ وعِشرين ومئة ، وهو ابنُ بِضْعٍ وخمسين سنة . وقيل : إنه
جاوزَ الستين ، وصلَّى عليه الوليدُ بن يزيد بن عبد الملك ، الذي وَلي الخلافةُ بعدَه ؛ وكانتْ خلافةُ هشام
تسعَ عشرةَ سنة ، وسبعةَ أشهر وأحدَ عشرَ يوماً ؛ وقيل : وثمانية أشهر وأيام ، فالله أعلم .
وقال ابنُ أبي فُدَيك: حدّثنا عبد الملك بن زيد، عن مُصْعب، عن الزُّهْري، عن أبي سَلَمَة بنِ
عبد الرحمن، عن أبيه ، أنَّ رسولَ الله ◌َِّ قال: (( تُرْفَعُ زينةُ الدُّنيا سنةَ خمسٍ وعشرينَ ومئة(٣) . قال
ابنُ أبي فُديك : زِينتُها نورُ الإسلامِ وبَهْجتُه . وقال غيرُه : يعني الرجالَ . والله أعلم .
قلت : لما مات هشامُ [ بن عبدِ الملك ماتَ ملكُ بني أميةَ ] وتولَّى، [ وأدبَرَ أمرُ الجِهادِ في سبيلٍ
الله ]، واضطرَبَ أمرُهُمْ جدّاً وإنْ كانتْ قد تأخرَتْ أيامُهم بعدَهُ نحواً من سبع سنين ، ولكنْ في اختلافٍ
وهَيْج ، وما زالوا كذلك حتى خرجَتْ عليهم بنو العباس فاستلبوهم [ نعمتَهم و] مُلْكَهم [ وقتلوا منهم
خَلْقاً وسَلَبوهُمُ ] الخِلافة٤ُ) [ كما سيأتي إن شاء الله تعالى ذلك مبسوطاً مقدَّراً في مواضع ، والله سبحانه
وتعالى أعلم [٥)
نهاية الجزء التاسع من نسخة القاهرة ( ق )
(١) كذا في الأصول ، وتاريخ الطبري ، ولم أقف على ترجمة له .
(٢)
في (ب، ق): (( فحم))، والمثبت من ( ح ) .
(٣)
تقدم ذكر الحديث ص ( ٢٠٦ )، وتخريجه ثمة .
في (ب، ح): ((خلافتهم)). وكل ما هو محصور بين معقوفين زيادة في ( ق) ليس في ( ب، ح ).
(٤)
جاء في نهاية هذا الجزء من نسخة ( ق) المطبعة ما نصه: (( بحمد الله قد تم الجزء التاسع من البداية والنهاية ويليه
(٥)
الجزء العاشر وأوله خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك)).

٢١٢
خلافة الوليد بن یزید
خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك(١)
قال الواقدي والمدائني : بُويع له بالخلافةِ يومَ ماتَ عمُّهُ هشام بن عبد الملك يوم الأربعاء لستِّ خلَوْنَ
من ربيعِ الآخر سنةَ خمسٍ وعشرينَ ومئة .
وقال هشام بن الكلبي : بُويع له يومَ السبت في ربيع الآخر ، وكان عُمرُه إذْ ذاكَ أربعاً وثلاثين سنة ،
وكان سببُ ولايتِهِ أنَّ أباه يزيد بن عبد الملك كان قد جعلَ الأمرَ من بعدِهِ لأخيه هشام ، ثم من بعدِهِ لولَدِهِ
الوليد هذا، فلمَّا وَلَيَ هشامٌ أكرمَ ابنَ أخيه الوليد حتى ظهرَ عليه أمرُ الشرابِ وخُلَطَاءِ السَّوْءُ(٢) ، ومجالسٍ
اللَّهْو، فأراد هشامٌ أنْ يقطعَ ذلك عنه ، فأمَّره على الحجِّ سنةَ ستَّ عشرةَ ومئة، فأخذَ معهُ كلابَ الصَّيد
خُفْيَةً من عمِّه ، حتى يُقال إنه جعلَها في صناديق ، فسقطَ منها صندوقٌ فيه كلب ، فسُمِع صَوْت ، فأحالوا
ذلك على الجمَّال فضُرب على ذلك. قالوا : واصطنَعَ الوليدُ قُبَّةً على قَدْر الكعبة ، ومن عزمه أن ينصبَها
فوقها، ويجلس هو وأصحابُه هنالك، واستصحَبَ معه الخمورَ [وآلاتِ الملاهي ] وغيرَ ذلك من
المنكرات ، فلما وصل إلى مكة هابَ أنْ يفعلَ ما كان قد عزمَ عليه من الجلوسِ فوقَ ظهرِ الكعبة خوفاً من
الناس ومن إنكارِهم عليه ذلك ؛ فلما تحقَّق عقُّهُ ذلك منه نهاهُ مِراراً فلم ينتهِ ، واستمرَّ على حاله القبيحة ،
وعلى فعلهِ الرَّديء، فعزَم عمُّه على خَلْعِهِ من الخِلافة - [وليتَهُ فعَل ] - وأنْ يولِّيَ بعدَه مَسْلمة بن هشام ،
وأجابَهُ إلى ذلك جماعةٌ من الأمراء ، ومنْ أخوالِهِ ، ومن أهلِ المدينة ومن غيرِهم - وليتَ ذلك تمَّ - ولكنْ
لم ينتظِمْ حتى قال هشامٌ يوماً للوليد : ويحك ! والله ما أدري أعَلى الإسلام أنتَ أم لا ؟ فإنك لم تدع شيئاً
من المنكراتِ إلَّ أتَيْتَه ، غيرَ مُتحاشٍ ولا مُستَتِرِ . فكتبَ إليه الوليدُ بن يزيد :
ديني على دينٍ أبي شاكِرٍ
يا أيُّها السائلُ عن دِيتنا
بالشُّخْنِ أحياناً وبالفاترِ
نشْرَبُها صِرْفاً وممزوجةً
(١) ترجمته في تاريخ اليعقوبي (٣٣١/٢)، تاريخ الطبري (٢٢٢/٤)، مروج الذهب (١٤٥/٢)، الأغاني
(٩٥١/٧)، الكامل لابن الأثير (٢٦٤/٥)، سير أعلام النبلاء (٣٧٠/٥)، تاريخ الإسلام (١٧٣/٥،
١٧٩)، تاريخ ابن خلدون (١٠٦/٣)، الوزراء والكتاب ص (٦٨)، تاريخ الخميس (٣٢٠/٢)، خزانة
الأدب (٣٢٨/١). وانظر ترجمته في هذا الكتاب ما سيأتي ص (٢١٦) في مطلع حوادث سنة ست وعشرين
ومئة ، وفيها نبأ مقتله .
(٢) في (ب، ح): ((والخلطاء)) من غير كلمة ((السوء))، والمثبت من ( ق ).

٢١٣
خلافة الوليد بن یزید
فغَضِبَ هشام على ابنِهِ مَسْلَمة ، وكان يُكنَى بأبي شاكر ، وقال له : يتشبَّهُ بكَ الوليد بن يزيد وأنا
أرتَجيكَ للخلافة . وبعثَهُ على الْمَوْسم سنةَ تسعَ عشرةَ ومئة ، فأظهر النُّسْكَ والوَقَار ، وقسم بمكة والمدينة
أموالًا ، فقال مولَى لأهلِ المدينة :
نحنُ على دينٍ أبي شاکِرٍ
يا أيها السائلُ عن ديننا
ليس بزنْدِيقٍ ولا كافِرٍ(١)
الواهبِ الجُرْدَ بأرسَانِها
ووقعَتْ بين هشام وبينَ الوليد بن يزيدَ وَحْشٌ عظيمةٌ بسببِ تَعَاطي الوليدِ ما كانَ يَتعاطاهُ من الفواحِشِ
والمنكرات ، فتنكَّرَ لَه هشامٌ وعزَمَ على خلْعِه وتوليةٍ ولدِهِ مَسْلَمة ولايةَ العَهْد ؛ ففرَّ منهُ الوليدُ إلى
الصحراء ، وجعلا يتراسلانِ بأقبح المراسلات ، وجعل هشامٌ يتوَّده وعيداً شديداً ، ويتهذَّده ، ولم يزل
كذلك حتى مات هشام والوليدُ في البرِّيَّة ، فلما كانتِ الليلةُ التي قدِمَ في صَبيحتِها عليه البُرُدُ بالخِلافة قَلِقَ
الوليدُ تلك الليلةَ قلقاً شديداً وقال لبعض أصحابه : ويحك قد أخَذَني الليلةَ قلقٌ عظيم ، فاركَبْ بنا لعلَّنا
ننشَط، فسارَ مقدارَ میلَيْن يتكلَّمانِ في هشام وما يتعلَّقُ بهِ من كُتبه إليه بالتهديدِ والوَعيد ، ثم رأيا من بُعْدِ
رَهَجاً وأصواتاً وَغُباراً، ثم انكشف ذلك عن بُرُدٍ يَقْصدونَهُ بالولاية ، فقال لصاحبه : ويحك ، إنَّ هذه
رُسُلُ هشام ؛ اللهمَّ أعطنا خيرها . فلما اقتربَتِ البُرُدُ منه وتَبَّنُوهُ ترجَّلُوا إلى الأرض ، وجاؤوا فسلّموا عليه
بالخِلافة ، فبُهتَ وقال : وَيُحكم ! أماتَ هشام ؟ قالوا: نعم . قال : فمنْ بعثَكُمْ؟ قالوا : سالم بن
عبد الرحمن صاحبُ ديوانِ الرسائل . وأعطَوْهُ الكتاب ؛ فقرأه ثم سألهم عن أحوالِ الناس ، وكيف مات
عمُّه هشام ؟ فأخبروه ، فكتبَ من فَوْرِهِ بالاحتياطِ على أموالِ هشامٍ وحَوَاصِلِه بالرُّصَافة ، وقال في ذلك :
مكيالَهُ الأوفرَ قد ضُيِّعا٢)
ليتَ هشاماً عاش حتى يرَى
وما ظلَمْناهُ بهِ إصبعا
كِلْناهُ بالصَّاعِ الذي كالَهُ
أحلَّهُ الفُرْقانُ لي أجمَعَ(٣)
وما أتينا ذاك عن بدعةٍ
[ وقد كان الزهري يَحُثُّ هشاماً على خَلْعِ الوليد هذا ويستنهِضُهُ في ذلك، فيُحجمُ هشام عن ذلك
خَوْفَ الفَضيحةِ من الناس ، ولئلا تتنكَّر قلوبُ الأجنادِ من أجلِ ذلك . وكان الوليدُ يفهمُ ذلك من الزُّهري
ويُبْغضُه ويتوَّدهُ ويتهذَّدُه ، فيقول له الزهري : ما كانَ اللهُ ليُسلِّطَكَ عليَّ يا فاسق . ثم ماتَ الزهريُّ قبلَ
ولايةِ الوليد ؛ ثم فرَّ الوليدُ من عمِّه إلى البرِّيَّة، فلم يزَلْ بها حتى مات ، فاحتاطَ على أموالٍ عمِّه ثم ركب
من فَوْرِهِ من البرِّيَّة ، وقصَدَ دمشق، واستعملَ العُمَّال، وجاءَتْهُ البيعةُ من الآفاق ، وجاءَتْهُ الوفود ، وكتب
(١) الخبر والأبيات في تاريخ الطبري (٤/ ٢٢٢).
في (ق) وتاريخ الطبري: ((قد طبعا)) والمثبت من ( ب، ح).
(٢)
(٣) انظر الخبر والأبيات تاريخ الطبري (٢٢٥/٤، ٢٢٦).

٢١٤
خلافة الوليد بن يزيد
إليه مروانُ بن محمد ، وهو إذ ذاك نائبُ إزمينية يُباركُ له في خلافةِ اللّه له على عبادِه ، والتمكينِ في
بلاده ، ويهنّته بموتِ هشام ، وظفَرِهِ به ، والتحكّم في أمواله وحواصله ، ويذكر له أنه جدَّد البيعةَ له في
بلاده ، وأنَّهم فرحوا واستبشروا بذلك ، ولولا خوفُهُ من الثَّغْرِ لاستنابَ عليه ورَكِبَ بنفسِهِ شوقاً إلى
رؤيته ، ورغبةً في مُشَافَهتِه ، ثم إنَّ الوليدَ سارَ في الناسِ سيرةً حسنةً في بادىءِ الأمر ، وأعطَى الزَّمْنى
والمَجْذومين والعُمْيان ، لكلِّ إنسانٍ خادماً ، وأخرج من بيتِ المال الطَّيبَ والنُّحَف لعيالات المسلمين ،
وزادَ فِي أُعطِيَاتِ الناس، ولاسيما أهل الشام والوفود، وكان كريماً مُمَدَّحاً شاعراً مُجيداً ، لا يُسألُ شيئاً
قَطُ فيقول لا ، ومن شعرِهِ قولُهُ يَمْدُ نفسَه بالكرم :
بأنَّ سماءَ الصُّرِّ عنكم سَتُقْلِحُ
ضَمِنْتُ لكم إنْ لم تُعِقْنِي عوائقٌ
وأُعطيةٌ مِنِّي إليكم تَبَرُعُ(١)
سيوشكُ إلحاقٌ معاً وزيادةٌ
به يكتب الكُتَّاب شهراً وتَطْبَعُ(٢)
مُحَرَّمُكم ديوانُكم وعَطَاؤكم
وفي هذه السنة عقد الوليدُ البيعةَ لابنهِ الحكم ، ثم عثمان على أنْ يكونا وليَّي العَهْدِ من بعدِه ، وبعثَ
البيعة إلى يوسف بن عمر أميرِ العراق وخُراسان ، فأرسلها إلى نائبِ خراسان نصرِ بنِ سَيَّار ، فخطَبَ
بذلك نصرٌ خُطبةً عظيمةً بليغةً طويلة ، ساقها ابنُ جريرٍ بكمالِها٣) ، واستُوثِقَ للوليد الممالك في المشارِق
والمغَارب ، وأُخذتِ البيعةُ لولديهِ من بعدهِ في الآفاق . وكتب الوليدُ إلى نصرٍ بن سيار بالاستقلال بولايةٍ
خُراسان ، ثم وفد يوسف بن عمر على الوليد، فسأله أن يردّ إليه ولايةَ خُراسان ، فردَّها إليه كما كانتْ في
أيام هشام ، وأن يكون نصرُ بن سيَّار وعُمَّاله من تحتِ يدِ يوسف بن عمر . فكتب عند ذلك يوسفُ بن عمر
إلى نصرٍ بن سَيَّر يَسْتوفِدُهُ إلى أميرِ المؤمنين بأهلِهِ وعِيَالِهِ، وأنْ يُكثِرَ من استصحابِ الهدايا والتُّحف ؛
فحمَلَ نِصرُ بن سيَّار ألفَ مملوكٍ على الخيل، وألفَ وَصيفة ، وشيئاً كثيراً من أباريقِ الفِضَّةِ والذهب وغيرِ
ذلكَ من التُّحَف . وكتب إليه الوليدُ يَسْتَحُهُ سريعاً، ويطلبُ منه أن يحمِلَ معه طنابيرَ وبَرَابط ومُغنِّيات ،
وبازات وبَرَاذين فُرْه، وغير ذلكَ من آلاتِ الطَّرَب والفِسْق . فكَرِهِ الناسُ ذلك منه ، وكَرِهوه ، وقال
المنجّمون لنصرِ بن سيار : إنَّ الفتنة قريباً ستقعُ بالشام ، فجعلَ يتثاقلُ في سيرِه ، فلما أنْ كانَ ببعضِ
الطريق جاءَتَّهُ البُرُد ، فأخبرُوهُ بأنَّ الخليفةَ الوليد قد قُتل ، وهاجَتْ فتنةٌ عظيمةٌ في الناسِ بالشام ، فعَدَلَ
بمَا معَهُ من الهدايا والتحف والحواصل إلى بعضِ المُدُنِ فأقامَ بها ، وبلَغَهُ أنَّ يوسفَ بن عمر قد هرَبَ من
العراق ، واضطرَبَتِ الأمور ، وذلك بسببِ قَتْلِ الخليفة على ما سنذكره ، وبالله المستعان .
(١)
في (ب، ح): ((تفرّع))، والمثبت من (ق ).
(٢) الخبر والأبيات في تاريخ الطبري (٢٢٧/٤)، والأغاني (٢٨/٧) على خلاف في بعض الألفاظ.
(٣) انظر تاريخ الطبري (٢٢٧/٤) وما بعدها .

٢١٥
وفيات سنة ١٢٥ هـ
وفي هذه السنة ولَّى الوليدُ يوسفَ بن محمد بن يوسف الثقفي ولايةَ المدينةِ ومكةَ والطائف، وأمرَهُ أنْ
يُقيمَ إبراهيم ومحمداً ابني هشام بن إسماعيل المخزومي بالمدينة مُهانَيْن ، لكونِهما خالَيْ هشام ، ثم يبعثُ
بهما إلى يوسُفَ بنِ عُمر نائب العراق ، فبعثهما إليه ، فما زالَ يعذِّبُهما حتى ماتا ، وأخذ منهما أموالاً
كثيرة .
وفي هذه السنة وُلِّي يوسفُ بن محمد بن يحيى بن سعيد الأنصاري قضاءَ المدينة .
وفيها بعث الوليدُ بن يزيد إلى أهلِ قُبْرُصَ جيشاً مع أخيه وقال : خيِّرْهُمْ، فمنْ شاءَ أنْ يتحوَّلَ إلى
الشام ، ومنْ شاء أنْ يتحوَّل إلى الرُّوم . فكان منهم منِ اختارَ جِوَارَ المسلمين بالشام ، ومنهم من انتقلَ إلى
بلادِ الرُّوم .
قال ابنُ جرير(١) : وفيها قَدِم سُليمان بن كثير، ومالك بن الهيثم ، ولاهز بن قريظ ، وقَحْطبةُ بنُ
شبيب مكة ، فلقُوا في قولِ أهلِ السِّيَر محمد بن علي فأخبرَهُ بقصةِ أبي مسلم ، فقال : أخُرٌ هوَ أم لا؟
فقالوا : أمَّا هو فيزعُمُ أنَّهُ حُرّ ، وأمَّا مولاه فيزعمُ أنه عبدُه، فاشتروهُ فأعتقوه ، ودفعوا إلى محمد بن علي
مئتي ألف درهم ، وكسوة بثلاثين ألفاً ، وقال لهم : لعلَّكم لا تلْقَوني بعدَ عامِكم هذا، فإنْ متُّ فإنَّ
صاحبَكمْ إبراهيمُ بن محمد - يعني ابنه - فإنِّي أثقُ به ، فأوصيكم به . وماتَ محمد بن علي في مُستهلِّ ذي
القَعْدة في هذه السنة ، بعد أبيهِ بسبعٍ سنين .
وفيها قُتل يحيى بن يزيد بن علي بخراسان . وحجَّ بالناس فيها يوسفُ بن محمد الثقفي أميرُ مكةً
والمدينةِ والطائفِ ، وأميرُ العراق يوسف بن عمر ، وأميرُ خراسان نَصْرُ بن سيَّار ، وهو في همَّةِ الوفودِ
إلى الوليد بن يزيد أميرٍ المؤمنين بما معهُ من الهدايا والتُّحف ؛ فقُتل الوليدُ قبل أن يجتمعَ به .
وممَّن تُونِّي فيها من الأعيان :
محمد بن علي (٢) بنِ عبدِ الله بن عباس بن عبد المطلب ، القرشي الهاشمي ، أبو عبد الله المدني ،
وهو أبو السفّاح والمنصور . روى عن أبيه ، وجدِّه ، وسعيد بن جُبير ، وجماعة . وحدث عنه جماعةٌ
منهمُ ابناه الخَلِيفتان أبو العباس عبد الله السفّاح ، وأبو جعفر عبد الله المنصور . وقد كان عبدُ الله بن
محمد بن الحنَفيَّة أوصى إليهِ بالأمرِ من بعدِه ، وكان عنده علمٌ بالأخبار ، فبشَّرَهُ بأنَّ الخلافةَ ستكونُ في
(١) هو الطبري في تاريخه (٤/ ٢٣٢) .
(٢) ترجمته في التاريخ الكبير (١٨٣/١)، ذكر أسماء التابعين ومن بعدهم للدار قطني (٢٢٩/٢)، تسمية من أخرج
لهم البخاري ومسلم للحاكم ص (٢٢٢)، التعديل والتجريح للباجي (٦٦٨/٢)، تهذيب الكمال
(٢٦/ ١٥٣)، جامع التحصيل لأبي سعيد العلائي ص (٢٦٧)، الكاشف (٢٠٤/٢)، تقريب التهذيب
ص( ٤٩٧ ) .

٢١٦
أحداث سنة ١٢٦ هـ
وَلَدك . فدعا إلى نفسِه في سنةِ سبع وثمانين ، ولم يزلْ أمرُهُ يتزايدُ حتى تُوفِّي في هذه السنة ، وقيل في
التي قَبْلها ، وقيل في التي بعدَها ، عن ثلاثٍ وستينَ سنة ؛ وكان من أحسنِ الناسِ شَكْلاً ، فأوصى بالأمرِ
من بعدِهِ لولَدِهِ إبراهيم ، فما أُبْرمَ الأمرُ إلَّ لوَلَدِهِ السفَّاحِ ، فاستلبَ من بني أمية الأمرَ في سنةٍ ثنتين وثلاثين
كما سيأتي تفصيلُ ذلك .
وأمَّا : يحيى بن زَيْدُ(١) بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فإنَّهُ لمَّا قُتل أبوهُ زَيْد في إحدى
وعشرين ومئة لم يزَلْ يحيى مُختفياً في خُراسان عند الحَريشِ بنِ عمرو بن داود بِبَلْخ ، حتى مات هشام ،
فكتب عند ذلك يوسف بن عمر إلى نَصْر بن سيَّار يُخبرُه بأمرٍ يحيى بن زيد، فكتب نصرٌ بن سيار إلى نائبٍ
بَلْخِ مع عقيل بن معقل العِجْلي ، فأحضر الحريش ، فعاقبه ستَّ مئةِ سوْط ، فلم يَدُلَّ عليه ، وجاء ولَدُ
الحَريش ، فدلَّهم عليه ، فحُبس ، فكَتبَ نصرُ بن سيار إلى يوسفَ بذلك ، فبعث يوسفُ إلى الوليد بن
يَزيد يُخبرُهُ بذلك، فكتب الوليد إلى نصرِ بنِ سيَّار يأمرُه بأمانهِ وإطلاقِهِ من السِّجن ، صُحْبةَ أصحابِهِ
وتَجهيزهِم إليه ، فأطلقهم وأطلق لهم وجهَّزَهم ، فساروا إلى دمشق ، فلمّا كانوا ببعض الطريق توهّمَ نصرٌ
منه غَدْراً ، فبعث إليه جيشاً فيه عشرة آلاف ، فكسَرَهم يحيى بن زيد ، وإنما معه سبعون رجلاً ، وقتل
أميرَهم ، واستلَبَ منهم أموالاً كثيرة ؛ ثم جاءَهُ جيشٌ آخر ، فقتلوه واحتزُّوا رأسَه ، وقتلوا جميعَ أصحابهِ
رَحِمَهم الله .
ثم دخلت سنة ست وعشرين ومئة
فيها كان مَقْتلُ الوليدِ بنِ يزيد بن عبد الملك وهذه ترجمته(٢):
هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن العاص بن أمية بن عبد شمس ، أبو العباس
الأموي الدِّمَشْقي ، أمير المؤمنين ، بُويع لهُ بالخلافة بعدَ عمِّهِ هشام بن عبد الملك في السنة الخالية بعهدٍ
من أبيه كما قدَّمْنا ، وأمُّه أمُّ الحجّاجِ بنتُ محمد بن يوسف الثقفي، وكان مولدُهُ سنةَ تسعين ، وقيل ثنتين
وتسعين ، وقيل سبع وثمانين . وقُتل يومَ الخميس لليلَتيْنِ بقيتا من جُمَادى الآخرة ، سنةَ ستٍّ وعِشرين
ومئة ، ووقعَتْ بسَببِ ذلك فتنةٌ عظيمةٌ بين الناسِ بسببِ قَتْله وهو خليفة، وإنما قُتل لِفِسْقِه ، وقيل
وزَنْدَقَتِه ، وقد قال الإمام أحمد: حدّثنا أبو المغيرة ، حدّثنا ابنُ عيَّاش حدّثني الأوزاعي وغيرُه ، عن
(١) تحرف في الأصول إلى ((يحيى بن يزيد))، والمثبت من مصادر ترجمته وهي: تاريخ الطبري (٢٣٢/٤)، البداء
والتاريخ (٥٢/٦)، الكامل في التاريخ لابن الأثير (٤٧١/٤)، وفيات الأعيان (١٢٣/٥)، المنتظم
( ٢٤٣/٧) .
(٢) انظر مصادر ترجمته في حاشية (١) ص (٢١٢).

٢١٧
صفة مقتل الوليد بن يزيد
الزهري ، عن سعيد بن المسيِّب ، عن عمرَ بنِ الخطاب، قال: وُلدَ لأخي أَمّ سلمة، زوج النبيِّ ◌َل
غلامٌ فسمَّوْهُ الوليدَ، فقال النبيُّ وَّه: ((سَمَّيْتُموهُ باسم فرَاعِنَتِكُمُ(١)! لَيكونَنَّ في هذه الأمةِ رَجَلٌ يُقالُ له
الوليد، لهُوَ أشدُّ فساداً لهذِهِ الأمةِ من فِرْعونَ لِقَومِه (٢).
قال الحافظ ابنُ عساكر : وقد رواه الوليد بن مسلم ومَعِل بن زياد ، ومحمد بن كثير ، وبشر بن
أبي بكر عن الأوزاعي ، فلم يذكروا عمر في إسناده وأرسلوه ، ولم يذكر ابنُ كثير سعيد بن المسيِّب ، ثم
ساق طُرُقَه هذه كلَّها بأسانيدها وألفاظِها، وحُكي عن البيهقي أنه قال: هو مُرسلٌ حسن ، ثم ساقَ من طريق
محمد بن إسحاق ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، عن زينب بنت أم سلمة عن أمها قالتْ : دخل عليّ
النبيُّ وعندي غلامٌ من آلِ المغيرة اسمُه الوليد. فقال: منْ هذا يا أمَّ سَلَمة ؟ قالت : هذا الوليد . فقال
النبيُّ نَّهِ: ((وقد اتخذتمُ الوليدَ حناناً! غَيِّروا اسْمُهُ، فإنه سيكونُ في هذه الأمة فِرْعونٌ يُقالُ له الوليد)(٣) .
وروى الحافظُ ابنُ عساكر من حديث عبدِ الله بن محمد بن مسلم ، حدّثنا محمد بن غالب الأنطاكي ،
حدّثنا محمد بن سليمان بن أبي داود ، حدّثنا صدقة ، عن هشام بن الغاز ، عن مكحول ، عن أبي ثعلبةً
الخُشَني، عن أبي عبيدة بن الجرَّاح، عن النبيِّ وَّ قال: ((لا يزالُ هذا الأمرُ قائماً بالقِسْط ، حتى يَثْلُمَهُ
رجلٌ من بني أمّيَّةٍ )(٤) .
صفة مقتله وزوال دولته :
كان هذا الرجل مجاهراً بالفواحش ، مُصرّاً عليها ، منتهكاً مَحارمَ الله [عزَّ وجلَّ، لا يَتَحاشى من
مَعْصية ] ، وربما أنَّهمه بعضُهم بالزَّنْدقةِ والانحلال [ من الدِّين(٥) ، فالله أعلم ، لكنَّ الذي يظهر أنَّهُ كان
(١) لأنَّ اسم فرعون موسى الوليد، المنتظم (٢٤١/٧).
(٢) أخرجه أحمد في مسنده (١/ ١٨)؛ وإسناده ضعيف. وأخرجه الدار قطني في العلل (١٥٩/٢) (١٨٦). وذكره
ابن حجر في القول المسدد ص (٦) وقال : أورده أبو حاتم بن حبان البستي في تاريخ الضعفاء في ترجمة
إسماعيل بن عياش وقال : هذا خبر باطل، ما قال رسول الله وَّر هذا، ولا رواه عمر ، ولا حدث به سعيد ، ولا
الزهري ، ولا هو من حديث الأوزاعي بهذا الإسناد ، وإسماعيل بن عياش لما كَبِر تغيَّر حفظه فكثر الخطأ في حديثه
وهو لا يعلم . وقد أورده ابن الجوزي في موضعين من كتابه الموضوعات وقال : لعل هذا قد أدخل على ابن عياش
لما كبر ، أو رواه وهو مختلط انتهى .
(٣) ذكره ابن حجر في فتح الباري (١٠ /٥٨٠، ٥٨١)، والقول المسدد ص (١٥)، وإسناده ضعيف.
(٤) أخرجه أبو بكر البزار في مسنده (١٠٩/٤) (١٢٨٤)؛ ونعيم بن حماد في الفتن (٢٨٠/١) ( ٨١٧)؛
وأبو يعلى في مسنده ( ١٧٦/٢) (٨٧٠) وإسناده ضعيف ورواه أيضاً فيه (١٧٦/٢) (٨٧١) وفي آخره قوله :
((يقال له يزيد)»؛ وأخرجه عبد الكريم بن محمد القزويني الرافعي في التدوين في أخبار قزوين (١/ ٤٧٥)، وهو
حديث ضعيف .
(٥) ما مرَّ بين معقوفين ليس في ( ب، ح) وهو في ( ق ) .

٢١٨
صفة مقتل الوليد بن يزيد
عاصياً ، شاعراً ماجناً ، متعاطياً للمَعَاصي لا يتحاشى بها من أحد ولا يَسْتحي من أحد قبلَ أنْ يَلي
الخلافة، وبعدَ أنْ وَلي، وقد رُوي أنَّ أخاهُ سليمان كان في جملةِ منْ سَعَى في قتلِه ؛ قال : أشهدُ بعدالةٍ
أنه كان شَروباً للخمر ، ماجناً ، فاسقاً ، ولقد أرادني على نفسي الفاسق .
وحكى المعافَى بنُ زكريا عن ابنِ دُريد، عن أبي حاتم ، عن العُتْبِيّ، أنَّ الوليدَ بن يزيد نظَرَ إلى
نصرانيّةٍ من حِسَان نساءِ النصارى ، اسمها سفرَى ، فأحبَّها ، فبعث يُراودُها عن نفسها ، فأبتْ عليه ، فألحَ
عليها وعَشِقها ، فلم تطاوِعْه ، فاتفق اجتماعُ النصارى في بعضِ كنائسهم لعيدٍ لهم ، فذهبَ الوليدُ إلى
بستانٍ هناك، فتتكَّرَ وأظهرَ أنه مُصَاب ، فخرج النساءُ من الكنيسةِ إلى البستان ، فرأينَهُ ، فأحدقنَ به ،
فجعل يكلِّمُ سفرَى ويُحادِثُها١) وتُصاحِكُهُ ولا تَعرِفُه، حتى اشتفَى من النظرِ إليها ، فلما انصرفَتْ قيل
لها : ويحكِ ! أتدرينَ منْ هذا الرجل ؟ فقالت : لا . فقيل لها : هو الوليد . فلمَّا تحقَّقتْ ذلك حنَّتْ عليه
بعد ذلك وكانتْ عليه أحرصَ منه عليها قبلَ أن تحنَّ عليه ، فقال الوليد في ذلك أبياتاً :
صبّاً قديماً للحسانِ صَيُودا
أَضْحِكْ فؤادَك يا وليدُ عَمِيدا
برَزَتْ لنا نحوَ الكنيسةِ عِيدا
في حُبِّ واضحةِ العوَارِضِ طَفْلَةٍ
حتى بَصُرْتُ بها تُقْبِّلُ عُودا
ما زلتُ أرمُقُها بعينَيْ وامِقٍ
منكمْ صَليباً مثلَهُ مَعْبُودا
عودَ الصليبِ فَوَيْحَ نفسي منْ رَأى
وأكونَ في لَهَبِ الجَحيمٍ وَقُودا
فسألتُ رَبِّي أنْ أكونَ مكانَهُ
وقال فيها أيضاً لما ظهرَ أمرُهُ وَعَلِمَ بحالِهِ الناس، وقيل إنَّ هذا وقعَ قبلَ أنْ يَليَ الخِلافة :
ألا حبذا سَفْرَى وإنْ قيلَ إنَّني كَلِفْتُ بِنَصْرَانيَّةٍ تشربُ الخَمْرَا
إلى الليلِ لا ظُهْراً نُصلِّي ولا عَصْرًا
يَهُونُ علينا أنْ نظلَّ نَهارَنا
قال القاضي أبو الفرَج المعافَى بن زكريًّا الجَرِيري المعروف بابن طَرَارَة٢ً) النَّهْرَواني ثم البغدادي ،
بعد إيرادِهِ هذه الأشياءَ للوليد في نحوِ هذا من الخَلاعةِ والمجون ، وسَخَافةِ الدِّين ، وما يطولُ ذكرُه . وقد
ناقضْناهُ في أشياء منْ منظُومٍ شعرِهِ المتضمِّن رَكِيكَ ضلالِهِ وكُفرِه .
وروى ابنُ عساكرَ بسندِه، أنَّ الوليد سمع بخمَّارٍ صَلِف(٣) بالحِيرة ، فقصَدهُ حتى شرب منه ثلاثةَ
(١) في (ح): ((ويمازحها)).
في الأصول: ((طرار)) تصحيف، ومنهم من يثبت ألفاً بدلَ الهاء هكذا: ((طرارا))، والمثبت من تكملة الإكمال
(٢)
لمحمد بن عبد الغني البغدادي (١٧/٤)، والمؤتلف والمختلف (٤٦/١).
(٣) الصَّلَفُ: مُجاوزةُ القَدْر في الظَّرْف والبراعة، والادِّعاءُ فوق ذلك تكبُّراً، صَلِفَ صَلَفاً ، فهو صَلِف . لسان العرب
( صلف ) .

٢١٩
صفة مقتل الوليد بن يزيد
أرطالٍ من الخَمْر وهو راكبٌ على فرَسِه ، ومعه اثنانِ من أصحابِهِ ، فلما انصرف أمَرَ للخَمَّار بخمس مئةٍ
دينار .
وقال القاضي أبو الفرج : أخبارُ الوليدِ كثيرة ، قد جمعَها الأخباريُّون مجموعةً ومُفْرَدَة ؛ وقد جمعتُ
شيئاً من سيرَتِه وآثارِهِ ، ومن شعرهِ الذي ضمَّنَه ما فَجَرَ به من جُرْأْتِهِ وسَفَاهِتِهِ وحُمْقِه ، وهَزْلِه ومُجُونِه ،
وسخافةٍ دينه ، وما صرَّح به من الإلحاد في القرآنِ العزيزِ والكُفْرِ بمنْ أنزِلَهُ وَأُنزلَ عليه ؛ وقد عارضتُ شعرَهُ
السخيفَ بشعرٍ حَصِيف ، وباطلهُ بحَقِّ نَبِيهِ شَرِيف، وتوَخَّيتُ رضاءً الله عزَّ وجلَّ ، واستيجابَ مغفرتِهِ .
وقال أبو بكر بن أبي خَيْئمة : حدّثنا سليمان بن أبي شيخ ، حدّثنا صالح بن سليمان ، قال : أرادَ
الوليدُ بن يزيد الحجَّ وقال : أشربُ فوقَ ظهرِ الكعبةِ الخَمْر . فهمَّ قومٌ أنْ يَفْتكُوا بِهِ إذا خرج ، فجاؤوا إلى
خالدٍ بن عبدِ الله القَسْري ، فسألوهُ أنْ يكونَ معَهم ، فأبى ، فقالوا له : فاكثُمْ علينا . فقال : أمَّا هذا
فَنَعَمْ . فجاء إلى الوليد فقال : لا تخرُجْ فإِنِّي أخافُ عليك . فقال: ومنْ هؤلاء الذين تخافُهم عليّ ؟
قال : لا أخبرُكَ بهم . قال : إنْ لم تخبرني بهم بعثتُ بك إلى يوسفَ بنِ عمر . قال : وإنْ بعثْتَ بي إلى
يوسفَ بنِ عمر . فبعثه إلى يوسف ، فعاقبه حتى قتلَه(١) .
وذكر ابنُ جرير(٢) أنه لمَّا امتنع أنْ يُعلِمَه بهم سجنَهُ ثم سلَّمه إلى يوسف بن عمر يستخلصُ منه أموالَ
العراق فقتله . وقد قيل: إنَّ يوسفَ لمَّا وفَدَ إلى الوليد اشترى منه خالد بن عبد الله القَسْري بخمسين ألف
ألف يُخلِّصُها منه، فما زال يعاقبُه ويستخلصُ منه حتى قتلَه ؛ فغَضِبَ أهلُ اليمن من قَتْلِه ، وخرجوا على
الوليد .
قال الزبيرُ بنُ بِكَّار : حدثنا مُصعبُ بن عبدِ الله ، قال : سمعتُ أبي يقول : كنتُ عندَ المَهْدي ، فذُكرَ
الوليدُ بن يزيد ، فقال رجلٌ في المجلس : كان زنديقاً . فقال المهدي : خِلافةُ اللهِ عندَه أجلُّ من أن
يجعلها في زِنْدِيق .
وقال أحمد بن عمير بن جَوصاء الدِّمَشْقي : حدّثنا عبد الرحمن بن الحسن ، حدّثنا الوليد بن مسلم ،
حدّثنا حصين بن الوليد ، عن الأزهر بن الوليد قال : سمعتُ أمَّ الدرداء تقول : [ سمعتُ أبا الدرداء
يقول ] : إذا قُتل الخليفةُ الشابُّ من بني أمية بين الشام والعراق مظلوماً لم تزلْ طاعةً مُسْتَخَفَّاً بِها ، ودَماً
مَسْفُوكاً على وجهِ الأرض(٣) بغَيْرِ حقّ(٤).
(١) أخرجه ابن أبي جرادة في بغية الطلب في تاريخ حلب (٣٠٨٦/٧).
(٢) هو الطبري في تاريخه (٢٣٦/٤).
في الأصل : لم تزل طاعةً مستخف بها ، ودم مسفوك على وجه الأرض . وما أثبتناه من بعض النسخ .
(٣)
(٤) أخرجه نعيم بن حماد في الفتن (١٩٥/١) (٥٣٠) عن الوليد بن مسلم ، به ، وما بين معقوفين منه.

٢٢٠
ذكر قتل يزيد بن الوليد للوليد
قال الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري(١):
ذِكْرُ قَتْلِ یزیدَ بنِ الولید الذي يقال له الناقص للولید بن یزید
قد ذكرنا بعضَ أمرِ الوَليد بن يزيد ، وخلاعتِهِ ، ومجانتِهِ ، وفسقِهِ ، وما ذُكر عن تَهاؤُنِهِ بالصلوات ،
واستخفافِهِ بأمرٍ دينِهِ قَبْلَ خلافَتِهِ ، ولمَّا وَليَ الخلافةَ وأُفْضَتْ إليه لم يزْدَدْ في الخلافةِ إلَّ شرّاً ولَهْواً ولَذَّةً ،
ورُكوباً للصيد، وشُربَ المُسْكر، ومنادمةَ الفُسَّاق، فما زادَتْهُ الخلافةُ على ما كانَ قبلَها إلَّ تمادياً
وغُروراً ، فَتَقُل ذلك على الأمراءِ والرَّعيَّةِ والجُنْد ، وكرِهوهُ كراهةٌ شديدة ، وكان من أعظمٍ ما جَنى على
نفسِهِ حتى أورَثَهُ ذلك هلاكَه إفسادُهُ على نفسِه بني عمَّيهِ هشامٍ والوليد ابني عبدِ الملك ، مع إفسادِهِ
اليمانية ، وهي أعظمُ جندٍ خُراسان .
وذلك أنه لما قتل خالد بن عبد الله القَسْري ، وسلَّمَهُ إلى غَريمِهِ يوسف بن عمر ، الذي هو نائبُ
العراق إذْ ذاك ، فلم يزَلْ يُعاقِبُهُ حتى هلك ؛ انقلبوا عليه ، وتنگَّروا له وساءهم قَتُه كما سنذكُرُه في
ترجمته .
ثم روى ابنُ جَرِير (٢) بسنده ، أنَّ الوليدَ بن يزيد ضرَبَ ابنَ عمِّه سليمانَ بن هشام مئةَ سوْط ، وحلَقَ
رأسَهُ ولِحْيَتَه، وغَرَّبُهُ إلى عُمان فحبَسَه بها ، فلم يزَلْ هناك حتى قُتل الوليد، وأخذ جاريةً كانَتْ لآلِ عمِّه
الوليد بن عبد الملك، فكلَّمَهُ فيها عمرُ بن الوليد فقال : لا أردُّها . فقال : إذاً تكثُرُ الصواهلُ حَولَ
عسكرِك . وحَبَس الأفقَم يزيدَ بن هشام ، وبايَعَ لولدَيْه الحكم ثم عثمان، وكانا دونَ الْبُلوغ ، فشقَّ ذلك
على الناسِ أيضاً ونصَحُوهُ فلم ينتصِحْ ، ونَهَوْهُ فلم يَرْتَدِعْ ولم يَقْبَلْ .
قال المدائني في روايته : ثَقُل ذلك على الناس ، ورماهُ بنو هاشم وبنو الوليدِ بالكفرِ والزندقة ،
وغشيانِ أمَّهاتِ أولادِ أبيه، [ وباللِّوَاطِ وغيره]. وقالوا: اتَّخَذَ مئةَ جامعةٍ (٣) ، على كلِّ جامعةٍ اسمُ رجلٍ
من بني هاشم ليقتُلَهُ بها . ورمَوْهُ بالزَّنْدقة ، وكان أشدَّهُم منه قولاً يزيدُ بن الوليد بن عبد الملك ، وكان
الناسُ إلى قَوْلِهِ أَمْيَل، لأنه أظهرَ النُّسُكَ والتواضُع، ويقول: ما يَسَعُنا الرِّضا بالوليد حتى حَمَلَ الناسَ
على الفَتْكِ به . قالوا : وانتدَبَ للقيام عليهِ جماعةٌ من قُضَاعَةَ واليمانيَّة ، وخلقٌ من أعيانِ الأمراء وآلٍ
الوليد بن عبد الملك ، وآلِ هشام بن عبد الملك، وكانَ القائمُ بأعباءِ ذلك كلّه ، والداعي إليه يَزيد بن
الوليد بن عبد الملك ، وهو من ساداتٍ بني أميَّة ، وكان يُنسبُ إلى الصلاحِ والدِّينِ والوَرَع ، فبايعه الناسُ
(١) في تاريخه (٤/ ٢٣٥).
(٢) المصدر السابق .
(٣) الجامعةُ: الغُلُّ، لأنَّها تَجْمعُ اليدين إلى العُنق . لسان العرب.