Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
وفيات سنة ١١٠ هـ
أبو نعيم في الحلية (٤/ ٤٣). ).
=
وسئل وَهْبٌ عن رجلين يصليان ، أحدهما أطول قنوتاً وصمتاً ، والآخر أطول سجوداً ، فأيُّهما أفضل ؟ فقال :
أنصَحُهما الله عز وجل ( المصدر السابق . ) .
وقال : من خصال المنافق أن يحبَّ الحمدَ ويكرَهَ الذَّ ، أيْ يحبُّ أنْ يحمدَ على ما لم يفعلْ ، ويكره أن يُذَمَّ بما
فيه .
قال : وقال لقمان لابنه : يا بني ، اعقل عن الله ، فإن أعقل الناس من عقل عن الله، وإن الشيطان ليَفِرُّ من
العاقل ، ما يستطيعُ أن يكايدَه ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣٥/٤). ).
وقال لرجل من جلسائه : ألا أُعلِّمُكَ طِبّاً لا يتعايا فيه الأطباء ، وفقهاً لا يتعايا فيه الفقهاء ، وحلماً لا يتعايا فيه
الحُلَمَاء ؟ قال : بلى يا أبا عبد الله. قال : أما الطبُّ فلا تأكلْ طعاماً إلا سَمَّيتَ الله على أوَّله، وحَمِدْتَهُ على آخرِه ؛
وأما الفقه فإنْ سئلتَ عن شيءٍ عندك فيه علمٌ فأخبِرْ بما تعلم ، وإلا فقل لا أدري، وأمَّا الحِلْم فأكثِرِ الصَّمْت ، إلَّ أن
تُسألَ عن شيء ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣٥/٤).).
وقال : إذا كان في الصبيِّ خُلُقان: الحياءُ والرَّهْبة، ◌ُمِعَ فِي رُشْدِه ( أخرجه أبو نعيم في الحلية
(٣٦/٤).) .
وقال : لما بلغ ذو القرنين مطلع الشمس قال له ملك هناك : صف لي الناس . فقال : محادثتك من لا يعقل كمن
يُغَنِّي لموتى ( في الحلية ( محادثتك من لا يعلم كمن يعلم الموتى ) . )، ومحادثتك مَن لا يعقل كمن يَبْلُّ الصخر
الأصمَّ كي يَلين، وكمن يطبخُ الحديدَ يلتَمسُ أَدْمَه، ومحادثتك من لا يعقل ( في الحلية (( ومحادثتك من
لا يُصغي)).) كَمَنْ يضعُ المائدة لأهلِ القبور ، ونقلُ الحجارة من رؤوسِ الجبال أيسرُ من محادثتك مَنْ لا يعقل
( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣٦/٤).).
وقال : قرأت في بعض الكتب أنَّ منادياً ينادي من السماء الرابعة كل صباح : أبناء الأربعين ، زرعٌ قد دَنَا
حصادُه ؛ أبناء الخمسين ، ماذا قدّمتم ؟ أبناءَ الستين ، لا عُذْرَ لكم . ليت الخلق لم يُخلقوا ، وليتهم إذ خُلقوا
عَلِموا لماذا خلقوا ، قد أتتكم الساعة ؛ فخذوا حِذْرَكم ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٣) ، وذكره ابن الجوزي
في صفة الصفوة (٢٩٣/٢). ).
وقال : قال دانيال : يا لهفي على زمنٍ يُلتمسُ فيه الصالحون فلا يوجد منهم أحد إلا كالسنبلة في أثرِ الحاصد ، أو
كالخصلة في أثر القاطف ، يوشكُ نوائح أولئك وبواكيهم أن تبكيَهُم ( أخرجه أبو نعيم في الحلية ( ٣٣/٤). ).
وروى عبد الرزاق عن عبد الصمد بن معقل ، قال : سمعتُ وَهْباً يقولُ في قوله تعالى: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ
اُلْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] قال: إنما يوزن من الأعمال خواتيمُها، وإذا أراد الله بعبدٍ خيراً ختمَ له بخيرِ عمَلِه، وإذا
أراد الله بعبدٍ شرّاً ختم له بشرِّ عمله ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣٣/٤).).
وقال وَهْب : إن الله تعالى لما فرغ من الخَلْق نظرَ إليهم حينٍ مَشَوا على وجهِ الأرض فقال : أنا الله لا إله إلا أنا
الذي خلقتُكم وأُفنيكم بحُكْمي ، حَقٌّ قضائي ، ونافذٌ أمري ، أنا أُعيدكم كما خلقتُكم وأفنيكم ، حتى أبقى وَحْدي ،
فإن الملك والخلود لا يحق إلا لي، أدعو خَلْقِي، وأجمعهم بقضائي يوم أحشرُ أعدائي، وتَجِلُّ القلوبُ من
هيبتي ، تتبرَّأ الآلهةُ ممن عَبَدَها دوني ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٤). ).
قال : وذكر وهب ، أن الله لما فرغ من خَلْقِه يوم الجمعة أقبل يوم السبت فمدح نفسه بما هو أهله ، وذكر عَظَمَته =

١٢٢
وفيات سنة ١١٠ هـ
وجبروته وكبرياءه وسلطانه وقدرته وملكه وربوبيَّته، فأنصَتَ كلُّ شيءٍ وأطرق له، فقال: أنا الملك لا إله إلا أنا ،
ذو الرحمة الواسعة ، والأسماء الحسنى ، أنا الله لا إله إلا أنا، ذو العرش المجيد، والأمثال العلا، أنا الله لا إله إلا
أنا، ذو الطول والمنِّ والآلاء والكبرياء ، أنا الله لا إله إلا أنا بديع السموات والأرض ، ملأت كلَّ شيءٍ عظمتي ،
وقَهَر كلَّ شيءٍ مُلكي ، وأحاطت بكل شيءٍ قدرتي ، وأحصى كل شيءٍ علمي ، ووسعت كلَّ شيءٍ رحمتي ، وبلغ
كل شيءٍ لطفي ، فأنا الله يا معشر الخلائق فاعرفوا مكاني ، فليس شيء في السماوات والأرضين إلا أنا وخَلقي ،
كلهم لا يقومُ ولا يدومُ إلَّبي، ويتقلَّبُ في قبضتي ، ويعيش برزقي ، وحياتُهُ وموته وبقاؤه وفناؤه بيدي ، فليس له
مَحِيص ولا ملجأ غيري ، لو تخلَّيتُ عنه طرفة عينٍ لدُمِّر كُلُّه ، وكنت أنا على حالي ، لا ينقُصني ذلك شيئاً ، ولا
يُنقص ذلك ملكي شيئاً وأنا مستغنٍ بالعزِّ كلَّه في جبروتي وملكي ، وبرهان نوري ، وشديد بطشي ، وعلوّ مكاني ،
وعظمة شأني، فلا شيء مثلي ، ولا إلّه غيري ، وليس ينبغي لشيءٍ خلقتُه أن يعدِلَ بي ، ولا ينكرُني ، وكيف
ينكرني مَنِ خلقتُه يوم خلقتُه على معرفتي ؟ أم كيف يكابرني من قهرَهُ ملكي ؟ أم كيف يُعجزني مَن ناصيتُه بيدي ؟ أم
كيف يعدلُ بي من أُعمِّره وأسقمُ جسمه، وأنقص عقله، وأتوفَّى نفسه ، وأخلقه وأهرمه ، فلا يمتنعُ مني ؟ أم كيف
يستنكفُ عن عبادتي عبدي وابنُ عبدي وابن أَمَتِي ؟ ومَن لا ينسب إلى خالقٍ ولا وارثٍ غيري ؟ أم كيف يعبدُ دوني من
تُخلقه الأيام ، ويُفِي أجلَهُ اختلاف الليل والنهار ، وهما شعبة يسيرة من سلطاني؟ فإليَّ إليَّ يا أهل الموت والفناء ،
لا إلى غيري ، فإني كتبتُ الرحمةَ على نفسي ، وقضيتُ العفو والمغفرة لمن استغفرني ، أغفرُ الذنوب جميعاً
صغيرَها وكبيرَها لمن استغفرني، ولا يكبُر ذلك عليَّ ولا يتعاظَمُني، فلا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ، ولا تقنَطُوا من
رحمتي ، فإنَّ رِحمتي سبقت غضَبِي ، وخزائن الخير كلُّها بيدي ، ولم أخلق شيئاً مما خلقتُ لحاجةٍ كانت منِّ
إليه ، ولكن لأَبينَ به قدرتي وليَنظُر الناظرون في مُلكي، ويتدبَّروا حكمتي ، وليسبِّحوا بحمدي ، ويعبدوني
لا يشركوا بي شيئاً، ولتَعنُو الوجوه كلُّها إليّ ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣٤/٤، ٣٥) بألفاظ مقاربة. ).
وقال أشرس عن وهب قال : قال داود : إلّهي أين أجدُك ؟ قال : عندَ المنكَسِرة قلوبُهم من مخافتي ( أخرجه
أبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٢).).
وقال : كان رجل من بني إسرائيل صام سبعين أسبوعاً يُفطرُ في كلِّ أسبوع يوماً ، وهو يسألُ الله أن يُرِيَهُ كيف يُغوي
الشيطانُ الناس ، فلما أن طال ذلك عليه ، ولم يجب ، قال في نفسه : لو أقبلتُ على خطيئتي وعلى ذنوبي وما بيني
وبين ربِّي لكان خيراً من هذا الأمر الذي أطلب . ثم أقبل على نفسه فقال: يا نفس ، من قِبَلكِ أُتيتُ . لو علم الله
فيك خيراً لقضى حاجتك. فأرسل الله مَلَكاً إلى نبيِّهم أن قل لفلان العابد: إزراؤك على نفسِك، وكلامُك الذي
تكلَّمت به أعجبُ إليّ مما مضى من عبادتك، وقد أجاب الله سؤالك، وفتح بصرك فانظرِ الآن ، فنظر فإذا أُحبولةٌ
لإبليسَ قد أحاطتْ بالأرض ، وإذا ليس أحدٌ من بني آدم إلا وحوله شياطينُ مثلُ الذُّباب فقال : أي رب ، ومن ينجو
من هؤلاء ؟ قال : صاحبُ القلبِ الوادِعِ اللَّيِّن ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣٢/٤).).
وقال وهب : كان رجلٌ من السائحين ، فأتى على أرضٍ فيها قِثاء ، فدعَتهُ نفسُه إلى أخذ شيءٍ منه ، فعاقبها ،
فقام مكانَهُ يُصَلِّي ثلاثة أيام ، فمرَّ به رجلٌ وقد لوَّحتهُ الشمسُ والريح ، فلمّا نظر إليه قال : سبحان الله ! لكأنَّما أُحرق
هذا الإنسان بالنار . فقال السائح : هكذا بلغَ مني ما ترى خوفُ النار ، فكيف بي لو دخلتُها؟ ( أخرجه أبو نعيم في
الحلية (٤/ ٣٢). ) .
وقال : كان رجلٌ من الأولين أصاب ذنباً فقال: للهِ عليَّ أن لا يُظلَّني سقفُ بيتٍ أبداً حتى تأتيني براءةٌ من النار، =
=

١٢٣
وفيات سنة ١١٠ هـ
فكان بالصحراء في الحَرِّ والقَرّ، فمرَّ بهِ رجل فرأى شدَّة حاله فقال: يا عبد الله ما بلغ بك ما أرى ؟ فقال : بلغ
=
ما ترى ذكرُ جهنّم ، فكيف بي إذا أنا وقعتُ فيها ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣٢/٤، ٣٣).) !.
وقال : لا يَكُونُ البطَّالُ من الحكماء أبداً، ولا يرثُ الزناةُ من ملكوتِ السماء ( أخرجه أبو نعيم في الحلية
(٤ / ٣٠) . ) .
وقال وهب في موعظته : اليوم يَعِظُ السعيد، ويستكثرُ من منافعِه اللبيبُ ، يابنَ آدم ، إنما جمعتُ من منافع هذا
اليوم لدفع ضررٍ الجهالة عنك ، وإنما أوقدت فيه مصابيحُ الهدى لِتُنَّه لحزبِك، فلم أر كاليوم ضلَّ مع نوره مُتَحيٌِّ
داعٍ لمداواة سليم ، يا بنَ آدم ، إنه لا أقوى من خالقٍ ولا أضعف من مخلوق ، ولا أقدر ممن طَلِبَتُه في يده ، ولا
أضعف ممن هو في يد طالبه ، يا بن آدم ، إنه قد ذهب منك مالا يرجعُ إليك ، وأقام عندك ما سيذهب ، فما الجزع
مما لا بدَّ منه ، وما الطمع فيما لا يرتجى ، وما الحيلةُ في بقاء ما سيذهب . يا بن آدم ، أقصِر عن طلب
ما لا تُدرك، وعن تناول ما لا تنالُه، وعن ابتغاء ما لا يوجد ، واقطع الرجاءَ عنك ، كما قعدت به عنك الأشياء ،
واعلم أنه رُبَّ مطلوبٍ هو شَرٌّ لطالبه . يا بن آدم إنما الصبرُ عند المصيبة ، وأعظمُ من المصيبة سوءُ الخُلق منها .
يا بنَ آدم إنما الصبرُ عند المصيبة ، يا بن آدم ، أيَّ أيام الدهر ترتجي ؟ یومُ يجيءُ في عتم ، أو یوم تستأخر عاقبته عن
أوان مجيئه، فانظر إلى الدهر تَجدهُ ثلاثة أيام: يومٌ مضى لا ترجوه، ويومٌ لا بدَّ منه، ويوم يجيءُ لا تأمَنُهُ ، فأمْسِ
شاهدٌ عليك مقبولٌ ، وأمين مُؤدِّ ، وحكيم مؤدِّب ، قد فجعك بنفسه ، وخلّف فيك حكمته ، واليوم صديقٌ موذَّع ،
كان طويل الغَيْبَة عنك ، وهو سريع الّعن ، أتاك ولم تأتِهِ ، وقد مضى قبلَهُ شاهدُ عَدلٍ ، فإن كان ما فيه لكَ فاشفعه
بمثِله، أوثقُ لك باجتماع شهادتهما عليك . يابنَ آدم إنما أهلُ الدنيا سَفْرٌ لا يحلُّون عقد رِحالهم إلا في غيرها ،
وإنما يتبلَّغون بالعواري، فما أحسنَه - يعني الشكرَ - للمنعم، والتسليم للمعاد !. يابنَ آدم إنما الشيءُ من مثِله ،
وقد مضت قبلنا أصولٌ نحن فروعُها ، فما بقاءُ الفَرع بعد ذهابِ أصله ، إنما يقرُّ الفرعُ بعد الأصل. يابنَ آدم ، إنه
لا أعظم رَزِيَّةً في عقْلِهِ مِمَّن ضيَّعَ اليقينَ وأخطأ العملَ، أيها الناس، إنما البقاءُ بعدَ الفناء ، وقد خُلقنا ولم نكن ،
وسَنبلَى ثم نعود ، ألا وإنما العواري اليوم والهناتُ غداً ، ألا وإنه قد تقارب مِنَّا سَلَبٌ فاحش، أو عطاءٌ جزيل ،
فأصلحوا ما تُقدِمون عليه بما تَظعنون عنه، أيها الناس ، إنما أنتم في هذه الدنيا غَرَضٌ تَنْتَضِلُ فيها المنايا ( تنتضل:
تختار وتتبارى . انظر لسان العرب ( فضل ) . ) ، وإن ما أنتم فيه من دنياكم نَهبٌ للمصائب ، لا تنالون فيها نعمةً
إلا بفراقِ الأخرى ، ولا يستقبلُ منكم معمّرٌ يوماً من عُمره إلا بهدم آخَرَ من أجَلِه ، ولا يتخذُ له زيادة في ماله إلا بَنْفَادِ
ما قبلَهُ من رزقه، ولا يحيا له أثر إلا مات له أثر ، نسألُ الله أن يُباركَ لنا ولكم فيما مضى من هذه العِظَة (أخرجه
بطوله بألفاظ مقاربة أبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٠، ٣١). ).
وقال قتيبة بن سعيد : حدثنا كثير بن هشام ، حدثنا جعفر بن مروان ، عن وهب بن منبِّه ، [ أنه كان يقول :
الإيمان قائد، والعمل سائق ، والنفس حَرُون ، إن فترَ قائدُها صَدَّت ] عن الطريق ، ولم تستقم لسائقها ، وإنْ فَتَر
سائقُهاِ حَزِنَت ولم تَتَبَعْ قائدها ، فإذا اجتمعا استقامت طوعاً أو كرهاً ، ولا تستطيعُ الدِّين إلا بالطوع والكُره ، وإن
كان كلَّماَ كَرِه الإنسانُ شيئاً من دينه ترَكَه أوشك أن لا يبقى معه من دِينِه شيء ( أخرجه أبو نعيم في الحلية
(٣١/٤)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٢١٥/٢) بنحوه.).
وقال وهب : إنَّ من حكمة الله عز وجلَّ أنه خلق الخَلقَ مختلفاً خَلقُهُ ومقاديره ، فمنه خَلقٌ يدومُ ما دامت الدنيا ،
لا تُنقِصه الأيام ولاتُهرِمُه وتُبليه ويموت، ومنه خلقٌ لا يُطعم ولا يرزق ، ومنه خَلقٌ يُطعم ويرزق ، خَلَقه الله وخلَق =

١٢٤
وفيات سنة ١١٠ هـ
=
معه رِزقه ، ثم خلق الله من ذلك خلقاً في البَرّ ، وخلقاً في البحر ، ثم جعل رزقَ ما خلق في البحر وفي البر ، ولا
ينفعُ رزقُ دوابٌّ البر دوابَّ البحر ، ولا رزقُ دوابِ البحرِ دوابَّ البَرّ ، لو خرج ما في البحر إلى البرِّ هلك ، ولو دخل
ما في البَرِّ إلى البحرِ هلَك ، ففي ذلك ممَّن خلق الله في البَرِّ والبحر عِبرَةٌ لمن أهمَّته قسمةُ الأرزاق والمعيشة ، فليعتبر
ابنُ آدَمَ فيما قسم الله من الأرزاق ، فإنه لا يكونُ فيها شيءٌ إلا كما قَسمَهُ سبحانه بين خَلقِهِ لا يستطيعُ أحد أن يُغيِّرِها
ولا أن يَخلطَها ، كما لا تستطيعُ دواتُ البَرِّ أن تعيش بأرزاقِ دوابٌّ البحر ، ولا دوابُّ البحرِ بأرزاق دوابٌّ البَرّ ، ولو
اضطرت إليه هَلَكت كلُّها ، فإذا استقرت كل دابةٍ منها فيما رُزقت أصلحها ذلك وأحياها ، وكذلك ابنُ آدم إذا استقر
وقَنِعَ بما قَسَم الله له من رزقه أحياه ذلك وأصلحه ، فإذا تعاطى رزق غيرِه نَقَصه ذلك وضرَّهُ وفَضَحَه ( أخرجه أبو نعيم
في الحلية (٢٩/٤). ).
وقال لعطاء الخراساني : كان العلماء قبلكم قد استَغنوا بعلمِهم عن دنيا غيرهم ، فكانوا لا يلتفتون إلى أهل
الدنيا ، ولا إلى ما في أيديهم ، فكان أهلُ الدنيا يبذلون إليهم دنياهم رغبةً في علمِهم ، فأصبح أهلُ العلم فينا اليوم
يبذلون لأهلِ الدنيا علمَهم رغبةً في الدنيا ، فأصبح أهلُ الدنيا قد زَهدوا في علمِهم ، لِمَا رأوا من سوء موضعه
عندَهم ، فإياك يا عطاءُ وأبوابَ السلطان ، فإنَّ عندَ أبوابهم فتناً كمَبَارِكِ الإبل ، لا تُصيب من دنياهم شيئاً إلا أصابوا
من دينك مثلَه ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٢٩/٤، ٣٠). وفيه تتمة ( ثم قال : يا عطاء إن كان يغنيك ما يكفيك
فكلُّ عيشك يكفيك ، وإن كان لا يغنيك فليس شيءٌ يكفيك ، إنما بطنك بحر من البحور ، وواد من الأودية ،
لا يسعه إلا التراب ) . ) .
وقال إبراهيم الجنيد: حدثنا عبد الله بن أبي بكر المقدَّمي ، حدثنا جعفر بن سليمان ، حدثنا عمر بن عبد الرحمن
الصنعاني ، قال : سمعت وهبَ بن منّبِّه يقول : لَقِيَ عالمٌ عالماً هو فوقَهُ في العلم فقال : كيف صلاتُك ؟ فقال :
ما أحسبُ أحداً سمع بذكر الجنة والنار يأتي عليه ساعةٌ لا يصلِّي فيها . قال : فكيف ذكرُك للموت ؟ قال : ما أرفعُ
قدماً ولا أضعُ أخرى إلا رأيت أني ميتٌ . فقال: فكيف صلاتك أنت أيها الرجل ؟ فقال : إني لأُصلِّي وأبكي حتى
ينبت العُشب من دموعي . فقال العالم : أما إنك إن تضحك وأنت معترف بخطيئتك خيرٌ لك من أن تبكي وأنت مُدِلَّ
بعلمك ، فإن المُدِلَّ لا يُرفعُ له عمل . فقال : أوصِني فإني أراك حكيماً . فقال : ازهَد في الدنيا ولا تُنازع أهلها
فيها ، وكن فيها كالنَّحْلَةِ إن أكلت أكلتَ طيِّباً وإن وضعتَ وضعتَ طيِّباً، وإن وقعتَ على عُودٍ لم تكسِرُهُ، وانصَح لله
نُصح الكلب لأهله، فإنهم يُجيعونه ويطردونه ويضربونه وهو يأبى إلا أن يَحُوطَهم ويحفظَهُم وينصح لهم . فكان
وَهبُ إذا ذكر هذا الحديث قال: واسوأتاهُ إذا كان الكلبُ أنصحَ لأهله منك يابنَ آدم للهِ عزَّ وجلّ ( أخرجه أبو نعيم في
الحلية (٢٨/٤). ) .
وفي رواية أنه قال : إني لأصلِّي حتى تَرِمَ قَدَماي . فقال له : إنك أن تَبِيتَ تائباً وتصبحَ نادماً خيرٌ لك من أن تبيتَ
قائماً وتصبح مُعْجَباً (ذكر هذا القول ابن القيم في مدارج السالكين (١٧٧/١). ). إلى آخره.
وروى سفيان عن رجلٍ من أهل صنعاء ، عن وهب ، فذكر الحديثَ كما تقدَّمَ ( المصدر السابق. ) .
وقال عثمان بن أبي شيبة : حدثنا محمد بن عمران بن أبي ليلى ، حدثنا الصلتُ بنُ عاصم المرادي ، عن أبيه ،
عن وهب ، قال : لما أهبط آدم من الجنة استوحش لفقد أصوات الملائكة ، فهبط عليه جبريل فقال : يا آدم ، ألا
أعلِّمك شيئاً تنتفع به في الدنيا والآخرة ؟ قال : بلى . قال : قل اللهمَّ تَمِّم لي النعمة حتى تُهنِئَني المعيشة ، اللهم
اختم لي بخير حتى لا تضرَّني ذنوبي ، اللهمَّ اكفني مؤنة الدنيا ، وكلّ هولٍ في القيامة حتى تدخلني الجنة في عافية =

١٢٥
وفيات سنة ١١٠ هـ
( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٨، ٢٩). ).
=
وقال عبد الرزاق : حدثني بكار بن عبد الله عن وهب ، قال : قرأتُ في بعض الكتب فوجدتُ الله تعالى يقول : يا بن آدم ،
ما أنصفتني ، تُذكَّرُ بي وتنساني! وتدعو إليَّ وتَفرُّ مني ! خيري إليك نازل ، وشؤُّك إليَّ صاعد ، ولا يزال ملك كريمٌ قد نزل
إليك من أجلك. يا بن آدم ، إنَّ أحبَّ ما تكون إليَّ وأقربَ ما تكونُ مني إذا رضيتَ بما قسمتُ لك ، وأبغضُ ما تكونُ إليَّ ،
وأبعدُ ما تكونُ مني إذا سَخطت بما قسمتُ لك . يا بن آدم أطِعني فيما أمرِتُك ، ولا تُعلمني بما يُصلحُك ، إني عالمٌ بخَلقي ،
وأنا أعلمُ بحاجتك التي ترفعُك من نفسك ، إني إنما أُكرم من أكرمني ، وأُهينُ من هان عليه أمري . لستُ بناظرٍ في حقِّ عبدي
حتى ينظر العبدُ في حقِّي ( أخرجه أبو نعيم في الحلية ( ٢٧/٤). ) .
وقال وهب : قرأتُ نيفاً وتسعين كتاباً من كتب الله تعالى [ منها سبعون، أو نيفٌ وسبعون ظاهرةٌ في الكتابَين ، ومنها عشرون
لا يعلَمُها إلا قليلٌ من الناس ] ، فوجدتُ في جميعها أنَّ مَن وَكَلَ إلى نفسه من المشيئة فقد كَفر ( أخرجه أبو نعيم في الحلية
(٢٤/٤)، وما بين معقوفين منه. ).
وقال : لا يسكنُ ابنَ آدم أنَّ الله هو قَسَم الأرزاق متفاضلةً ومختلفة ، فإن تقلَّل ابنُ آدَمَ شيئاً من رزقه فليزدد إلى الله رغبةً ، ولا
يقولن : لو اطّلع الله على هذا من حالي أو شعر به غيَّره. فكيف لا يطَّلع على شيءٍ الذي خلقَهُ وقدَّره؟ أوَ [ لا ] يعتبرُ ابن آدمَ
في غير ذلك مما يتفاضلُ فيه الناس ؟ كأن الله فاضل بينهم في الأجسام والأموال والألوان والعقول والأحلام ، فلا يَكْبُر على
ابن آدم أن يُفضَّل عليه في الرزق والمعيشة، ولا يَكبُر عليه أن يُفضَّل عليه في الحِلم والعِلم والعقل والدِّين. أوَلا يعلم ابن آدم
أنَّ الذي رزقه في ثلاثة أزمانٍ من عُمره لم يكن له في واحدٍ منها كسبٌ ولا حِيلة ، أنه سوف يرزُقُه في الزمن الرابع ؟ أولُ زمانٍ
من أزمانه حين كان في بطن أمِّه ، يُخلق فيه ويُرزق من غير مالٍ كَسبَه ، وهو في قرارٍ مكين ، لا يؤذيه فيه حَرٍّ ولا بردٌّ ولاشيء ،
ولا هَمٌّ ولاحُزنٌ ، وليس له هناك يدٌ تبطش ولا رِجلٌ تسعى ، ولا لسانٌ ينطِق ، فساقَ الله عز وجلَّ إليه رزقه هناك على أتم
الوجوه وأهناها وأمراها ، ثم إنَّ الله عزَّ وجلَّ أراد أن يحوِّلهُ من تلك المنزلة إلى غيرها ، ويحدث له في الزمن الثاني رزقاً من
أَمَّه ، يَكفيه ويُغنيه، من غير حَولٍ منه ولا قوةٍ ولا بطشٍ ولا سُمعة ، بل تفضُّلاً من الله ، وجوداً ورزقاً أجراه ، وساقه إليه ، ثم
أراد الله سبحانه أن ينقله من الزمن الثاني إلى الزمن الثالث من ذلك اللبن إلى رزق يُحدثه له من كسب أبويه ، بأن يجعل له
الرحمة في قلوبهما حتى يؤثراهُ على نفسِهما بكَسبهما ، ويُغنياه ويغذِّياهُ بأطيب ما يقدران عليه من الأغذية ، وهو لايُعينُهما على
شيءٍ من ذلك بكسب ولا حيلة ، حتى إذا عَقَلَ حدَّث نفسه بأنه يُرزق بحيلته ومكسبه وسعيه ، ثم يدخل عليه في الزمن الرابع
إساءة الظنِّ بربِّه عزَّ وجلَّ، فَيُضَيِّعُ أوامر الله في طلب المعاش ، وزيادة المال وكثرته ، وينظرُ إلى أبناء الجنس وما عليه من
التنافس في طلب الدنيا ، فيكسبُ بذلك ضعف اليقين والإيمان ، ويمتلىءُ قلبه فقراً وخوفاً منه مع المتاع ، ويُبتلى بموت
القلب ، وعدم العقل . ولو نظر ابنُ آدم نظَرَ معرفةٍ وعقل، لَعَلِم أنه لن يُغنيهُ في الزمن الرابع إلا من أغناه ورزقه في الأزمان
الثلاثة قبلُ ، فلا مقالَ له ولا معذرةَ مما سُلَّط عليه في الزمان الرابع إلا برحمة الله ، فإن ابن آدم كثيرُ الشكّ، يُقصَّرُ به حُكمُهُ
وعِلمه عن علم الله والتفكر في أمره ، ولو تفكر حتى يفهم ، وتفهم حتى يعلم ، عَلِمَ أنَّ علامة الله التي بها يُعرف خلقه الذي
خلق ، ثم رِزْقُهُ لِمَا خلق، وقَدَرُهُ لِمَا قَدَّر ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٢٥/٤).).
وقال عطاء الخراساني : لَقِيتُ وهباً في الطريق فقلت : حدِّثني حديثاً أحفَظُه عنك في مقامي هذا وأوجز . قال :
أوحى الله عزَّ وجلَّ إلى داود عليه السلام : يا داود ، أما وعزَّتي وعظمتي لا يَنتصرُ بي عبدٌ من عبادي دون خلقٍ أعلمُ
ذلك من نيَّته ، فتكيده السماوات السبعُ ومن فيهنّ والأرضون السبع ومن فيهن إلا جعلت له منهنَّ فرجاً ومخرجاً ،
أما وعزَّتي وجلالي ، لا يعتصم عبدٌ من عبادي بمخلوق دوني أعلم ذلك من نيَّته إلا قطعت أسباب السماوات من

١٢٦
وفيات سنة ١١٠ هـ
يده ، وأسخت الأرض من تحته ولا أبالي في أيٍّ وادٍ هَلَك ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٢٥/٤، ٢٦). ).
=
وقال أبو بلال الأشعري عن أبي هشام الصَّنعاني ، حدثني عبدُ الصمد بن معقل ، قال : سمعتُ وهب بن منبِّه يقول : وجدتُ
في بعض الكتب ، أن الله تعالى يقول : كفاني للعبد مآلا، إذا كان عبدي في طاعتي أعطيتُه قبل أن يسألني ، وأستجيبُ له من
قبل أن يدعوني ، فإني أعلمُ بحاجتهِ التي ترفقُ به من نفسه ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٢٦/٤). ).
وقال : قرأتُ في بعض الكتب أنَّ الشيطان لم يكابد شيئاً أشدَّ عليه من مؤمنٍ عاقل ، لأنه إذا كان مؤمناً عاقلاً ذا بصيرةٍ
فهو أثقلُ على الشيطان من الجبال الصُّمِّ، إنه ليُزالِلُ المؤمنَ العاقلَ فلا يستطيعُه، فيتحوَّلُ عنه إلى الجاهل ،
فيستأمره ويتمكّنُ من قيادِه ( المصدر السابق . ) .
وقال : قام موسى عليه السلام ، فلما رأتهُ بنو إسرائيل قاموا فقال : على مكانِكم . ثم ذهب إلى الطُّور ، فإذا هو
بنهرٍ أبيض ، فيه مثلُ رؤوس الكُثْبان ( في الحلية : ( مثل رؤوس الكباش ) . ) ، كافورٌ محفوفٌ بالرياحين ، فلما
رآه أعجبه ، فدخل عليه فاغتسل ، وغسل ثَوبَه ثم خرج ، وجفَّف ثوبه ثم رجعَ إلى الماء ، فاستنضحَ فيه إلى أن جفَّ
ثوبُهُ فَلَبِسه ثم أخذ نحو الكثيب الآخر الذي فوق الطُّور ، فإذا هو برجلين يَحفِران قبراً ، فقام عليهما ، فقال ألا
أُعينُكما؟ قالا: بلى . فنزل فَحَفر، فقال لهما : لِتُحَدِّثاني مِثلُ مَنِ الرجلُ؟ فقالا: على طولك وهيئتك .
فاضطجعَ فيه لينظروا ، فالتأمَتْ عليه الأرضُ ، فلم ينظر إلى قبر موسى عليه السلام إلا الرَّخم فأصَمَّها الله وأبكمها ،
وقال : يقول الله عزَّ وجلَّ: لولا أني كتبتُ النَّتن على الميت، لحَيسَهُ الناسُ في بيوتهم ، ولولا أني كتبتُ الفسادَ
على اللحم ، لحزَّمه الأغنياءُ على الفقراء ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٧).).
وقال : مَّ عابدٌ براهبٍ فقال له: منذُ كم أنتَ في هذه الصومعة ؟ قال : منذُ ستين سنة . قال : وكيف صبرتَ فيها ستين سنة ؟
قال: مُرَّ فإن الزمان يَمُرّ ، وإن الدنيا تمُرّ . ثم قال له: يا راهب، كيف ذكرُك للموت؟ قال: ما أحسبُ عبداً يعرفُ الله تأتي
عليه ساعةٌ إلا يذكرُ الموتَ فيها ، وما أرفعُ قدماً إلا وأنا أظنّ أن لا أضعهَا حتى أموت، وما أضعُ قدماً إلَّ وأنا أظنُّ أن لا أرفعها
حتى أموت . فجعل العابدُ يبكي ، فقال له الراهب : هذا بكاؤك إذا خلَوتَ - أو قال: كيف أنت إذا خلوتـ؟ فقال العابد :
إني لأبكي عند إفطاري ، فأشربُ شرابي بدموعي، ويصرعُني النَّومُ فأبلُّ متاعي بدموعي . فقال له الراهب : إنك إنْ تضحك
وأنتَ معترفٌ بذنبك خيرٌ لك من أن تبكي وأنتَ مُدلٌّ على الله بعلمِك. فقال: أوصني بوصية. قال: كنْ في الدنيا بمنزلة
النحلة، إنْ أكلتْ أكلتْ طيباً، وإن وضعتْ وضعَتْ طيباً، وإن سقطَتْ على شيءٍ لم تضرّه، ولا تكن في الدنيا بمنزلة الحمار،
إنما همته أن يشبع ثم يرمي نفسه في التراب وانصَحْ للهِنُصْحَ الكلبِ لأهله، فإنهم يُجيعونه ويطردونه وهو يأبى إلَّ أنْ يحرسَهم
ويحفظهم. قال أبو عبد الرحمن أشرس: وكان طاوس ذكر هذا الحديث بكى وقال: عزَّ علينا أنْ تكونَ الكلابُ أنصحَ لأهلِها منَّا
لمولانا عزَّ وجلَّ. وقد تقدَّمَ نحو هذا المتن (انظر ص٢٨٤ موضع الحاشية (١).). وقال وهب: تخلَّى راهبٌ في صومعتهِ في
زمنِ المسيح، فأراد إبليسُ أن يكيدَه، فلم يقدِرْ عليه، فأتاه بكلِّ مُرادٍ فلم يقدر عليه ، فأتاهُ متشبّهاً بالمسيح ، فناداه : أيُّها
الراهب ، أشرفْ عليَّ أكلُّمك ، فأنا المسيح . فقال : إنْ كنتَ المسيح فمالي إليك من حاجة ، أليس قد أمرتَنا بالعبادة ،
ووعدتَنَا القيامة ؟ انطلقْ لشأنك ، فلا حاجة لي فيك . قال : فذهب عنه الشيطانُ خاسئاً وهو حسير ؛ فلمْ يَعُدْ إليه ( أخرجه
أبو نعيم في الحلية (٤/ ٤٤) بنحوه . ).
ومن طريق أخرى عنه قال : أتى إبليسُ راهباً في صومعته ، فاستفتح عليه ، فقال له : مَنْ أنت ؟ قال : أنا المسيحِ .
فقال الراهب : والله لئنْ كنتَ إبليس لأخلونّ بك، ولئن كنتَ المسيح ما عسى أن أصنعَ بك اليوم شيئاً لقد بلغتنا
رسالةَ ربِّك عزَّ وجلَّ فقبِلْناها عنك ، وشرعتَ لنا الدِّين فنحن عليه ، فاذهبْ فلستُ بفاتح لك . فقال : صدقتَ ، أنا

١٢٧
وفيات سنة ١١٠ هـ
إبليسُ ولا أريدُ إضلالَكَ بعدَ اليوم أبداً ، فسَلْني عمَّا بدا لك أخبرك به . قال : وأنت صادق ؟ قال : لا تسألني عن
شيءٍ إلَّا صَدَقْتُكَ فيه . قال: فأخبِرْني أُّ أخلاقِ بني آدمَ أوثقُ في أنفسِكم أنْ تضلُّوهم به ؟ قال : ثلاثة أشياء:
الحِدَّةُ، والشُّخُ ، والسُّكْر ( أخرجه أبو نعيم في الحلية ( ٤/ ٤٤، ٤٥). ) .
وقال وهب : قال موسى : يا ربّ، أيُّ عبادك [أشقى]؟ قال: منْ لا تنفَعُه موعظة، ولا يذكُرنى إذا خلا. قال:
إلهي ، فما جزاءُ منْ ذكرَكَ بلسانِهِ وقلبِه؟ قال: يا موسى ، أُظِلُّهُ يومَ القيامة بظلِّ عرشي، وأجعلُه في كَنَفي
( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٤٥) بتقديم الشطر الثاني للخبر على الأول. ) .
وقال وهب : لَقِيَ عالمٌ عالماً هو فوقَهُ في العلم فقال له : رحمكَ الله ، ما هذا البناء الذي لا إسرافَ فيه؟ قال : ما سترَكَ من
الشمس ، وأكنَّكَ من الغَيْث. قال : فما هذا الطعامُ الذي لا إسراف فيه؟ قال: فوقَ الجُوعِ دونَ الشِّبَع، من غيرِ تكلُّف .
قال : فما هذا اللباسُ الذي لا إسرافَ فيه؟ قال : هو ما سترَ العورة، ومنَعَ الحزَّ والبرد ، من غيرِ تنوُّع ولا تلوُّن . قال : فما
هذا الضحكُ الذي لا إسرافَ فيه؟ قال: هو ما أسفَرَ وجهَك ولا يُسمِعُ صوتك. قال: فما هذا البكاءُ الذي لا إسرافَ فيه؟
قال : لا تَمَلَّ من البكاءِ من خشيةِ الله عزَّ وجلَّ ، ولا تبكِ على شيءٍ من الدنيا. قال: كم أُخْفي من عملي ؟ قال : ما أظنَّ بِكَ
أَنَّكَ لم تعمَلْ حسنةً . قال : ما أُعلنُ من عملي ؟ قال: الأمرَ بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وما يَأتم بكَ الحَرِيص ؛
واحذرِ النظرَ إلى الناس ( أخرجه أبو نعيم في الحلية ( ٤/ ٤٥) بنحوه مختصراً. ) .
وقال : لكلِّ شيءٍ طرفانٍ ووسط ، فإذا أمسكتَ بأحَدِ الطرفَيْن مال الآخر ، وإذا أمسكت بالوسط اعتدلا ، فعليكم
بالوسَطِ من الأشياء ( المصدر السابق . ) .
وقال : أربعةُ أحرفٍ في التوراة: منْ لم يشاوِرْ يندَمْ، ومنِ استغنَى استأثَر ، والفقرُ الموتُ الأحمر ، وكما تَدينُ
تُدان، ومن تَجَرَ فَجَر ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤٨/٤) ، وليست الجملة الأخيرة فيه . ) .
وقال عبدُ الله بنُ المبارك ( في كتابه الزهد ص (٥١٤). وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٤٨). ): حدّثنا
بكار بن عبد الله ، أنه سمع وَهْب بن منِّهِ يقول : كان رجلٌ من أفضلِ أهل زمانه ، وكان يُزارُ فيعظِهُمْ ، فاجتمعوا
إليه ذاتَ يوم فقال: إنَّا قد خرجْنا عن الدنيا ، وفارَقْنا الأهلَ والأموالَ مخافةَ الطُّغْيان ، وقد خِفْنا أنْ يكونَ قد دخلَ
علينا في حالِّنا هذه من الطُّغْيان أعظمُ وأكثرُ ممّا يدخل على أهلِ الأموالِ في أموالهم ، وعلى الملوكِ في مُلكِهم ؛
أُرَانا يُحبُّ أحدُّنا أنْ تُقْضَى له الحاجة، وإذا اشترى شيئاً أنْ يُحَابَى لمكانِ دِينِه ، وأنْ يُعَظّمَ إذا لَقِيَ الناسَ لمكانٍ
دِينِه ؛ وجعل يُعدِّدُ آفاتِ العلماءِ والعِباد الذين يدخلُ عليهم في دينهم مِنْ حلِّ الشرَفِ والتعظيم . قال : فشاعَ ذلك
الكلامُ عنه، حتى بلَغَ مَلِكَ تلكَ البلادِ ، فعَجِبَ منه الملكُ وقالَ لرؤوسِ دولتِه : ينبغي لهذا أنْ يُزار . ثم اتَّعَدوا
لزيارتِهِ يوماً ، فركب إليه الملكُ ليسلِّمَ عليه ، فأشرف العابدُ - وكان عالماً جيد العلم بآفاتِ العلوم والأعمالِ
ودسائسِ النفوس ، فرأى الأرضَ التي تحتَ مكانِه قد سُدَّتْ بالخيلِ والفُرسان ، فقال: ما هذا ؟ فقيلَ له : هذا
الملكُ قاصدٌ إليكَ يُسلِّمُ عليك، لِمَا بلغَهُ من حُسنِ كلامِك . فقال: إنَّالله! وما أصنَعُ به؟ هلَكْنا واللهِ إنْ لم نُلَقَّنِ
الحُجَّةَ من عندِ الله معَ هذا الرجل ، وينصرفْ عنا وهو ماقتٌ لنا . ثم سألَ خادِمَهُ : هل عندك طعامٌ ؟ قال : نعم .
قال : فَأْتِ بِهِ ، فضَعْهُ بين أيدينا. قال: هو شيءٌ من ثَمَرِ الشجر، وهو شيءٌ من بَقْلٍ وزيتون . قال : فأتِ به ،
فأتى به ، ثم أمرَ بجماعته فاجتمعوا حولَ ذلك الطعام ؛ فقال : إذا دخلَ عليكم هذا الرجلُ فلا يلتفِتْ أحدٌ منكم
إليه ، ولا يقُمْ له أحد ، وأقبلُوا على الأكل العَنيف، ولا يرفَعْ أحدٌ مِنكمْ رأسَه ، لعلَّ الله أنْ يصرفَهُ عنّا وهو كارِهٌ
لنا . فإني أخافُ الفِتْنَةَ والشُّهرة، وامتلاءَ القلبِ منهما ، فلا نخلُصُ إلَّا بنارِ جهنّم. قال : فبكى القوم ، وبكى ذلك

١٢٨
وفيات سنة ١١٠ هـ
.
الرجلُ العالم ، فلما اقتربِ الملك من جبلهمُ الذي هُمْ فيه ، ترجَّلَ الملِك ومن معه من أعيانِ دولتِهِ ، وصَعِد في
الجبل ، فلما وصل إلى قُرِب مكانهم أخذوا في الأكلِ العنيف ، فدخل عليهم الملك وهم يأكلون ، فلم يرفعوا
رؤوسَهم إليه ، وجعل ذلك العالِمُ الفاضلُ يلفُّ البقلَ مع الزيتون مع الكسرةِ الكبيرةِ من الخبز ويُدخلُها في فمه ،
فسلَّم عليهمُ المِلكُ وقال : أيكم العابد ؟ فأشاروا إليه ، فقال له الملك : كيف أنت أيها الرجل ؟ فقال له : كالناس
- وهو يأكل ذلك الأكلَ العنيف - فقال الملك: ليس عندَ هذا خير . ثم أدبرَ الملكُ خارجاً عنه وقال : ما عند هذا من
عِلْم . فلما نزل الملكُ من الجبل نظرَ إليه العابدُ من كُوَّةٍ وقال : أيها الملك ، الحمدُ لله الذي صرفكَ عني وأنتَ لي
كاره - أو قال : الحمد لله الذي صرفك عني بما صرفك به.
وفي رواية : ذكر ابنُ المبارك أنه قال: الحمدُ لله الذي صرفَهُ عني وهو لي لائم ( الزهد لابن المبارك
ص (٥١٥).) .
وفي رواية: أنَّ هذا العابد كان ملكاً وكان قد زَهِدَ في الدنيا وتركها ، لأنه كان قد دخل عليه رجلٌ من بقايا أهلِ الجنة
والعمَلِ الصالحِ فوعظه، فأَّعد معه أنْ يصحبَهُ ، وأنه يَخْرُجُ عن المُلْكِ طلباً لِمَا عندَهُ في الدارِ الآخرة ، وأنه وافقَهُ جماعةٌ من
بَنِيه وأهلِه ورؤوسِ دولتِهِ ، فخرجوا برُمَّتِهِم لا يدري أحدٌ أين ذهبوا . وكان هذا الملكُ من أهلِ العَدْلِ والخير والخَوْفِ من الله
عزَّ وجلّ ، وكان متسعَ الملكِ والمملكة ، كثيرَ الأموالِ والرجال ؛ فساروا حتى أتَّوْا جبلاً في أطرافِ مملكتِه كثير الشجر
والمياه ، فأقاموا به حيناً . فقال الملك: إنْ نحنُ طالَ أمرُنا ومُقَامُنا في هذا الجبل سَمِعَ بنا الناسُ من أهلِ مملكتِنا ، فلا
يدعونا ؛ وإني أرى أن نذهبَ إلى غيرِ مملكتنا ، فَنْزِل مكاناً بعيداً عن الناس ، لعلَّ أنْ نسلمَ منهم ويسلموا منّا . فساروا من
ذلك الجبل طالبين بلاداً لا يُعرفون، فوجدوا بها جبلاً نائياً عن الناس ، كثير الأشجار والمياه ، قليلَ الطوارق ، وإذا في ذِروتِهِ
عينُ ماءٍ جارية ، وأرضٌ متَِّعة ، تُزْرَعُ لمن أراد الزَّرْعَ بها ؛ فَنَزَلُوا به وبَنَوْا به أماكنَ للعبادةِ والسُّكْنى ، وزرعوا لهم على ماءِ
تلك العَين بعضَ بُقولٍ يأَتَدِمُونَ بها ، وأشجارَ زيتون ، وجعلوا يزرعون بأيديهم ويأكلون ، ثم شاع أمرُهم في بعض تلك البلاد
القريبة من جبلِهم ، فجعلوا يأتونهم ويزورونهم إلى أنَ شاع ذلك الكلام المتقدِّم عن ذلك العالم ، فبلَغَ ملكَ تلك البلاد ،
فقصَدَهم للزيارةِ فذكر القصةَ كما تقدَّم ، والله أعلم .
وقال وهب : أزهدُ الناسِ في الدنيا وإنْ كان عليها حريصاً منْ لم يرضَ منها إلا بالكَسْبِ الحلال الطيِّب ، مع حفظ
الأمانات ، وأرغَبُ الناسِ فيها وإنْ كان عنها معرضاً منْ لم يبالِ من أين كَسْبُه منها حلالاً كان أو حراماً ؛ وإنَّ أجودَ
الناسِ في الدنيا من جادَ بحقوقِ الله عزَّ وجلَّ، وإنْ رآه الناسُ بخيلاً فيما سوى ذلك ؛ وإنَّ أبخل الناسِ في الدنيا من
بَخِلَ بحقوقِ اللهِ عِزَّ وجلَّ ، وإنْ رآه الناسُ جواداً فيما سوى ذلك ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٤٩ ) ، وأخرجه
البيهقي في شعب الإيمان ( ٧/ ٤٠٧) (١٠٧٨١) بسنده معزّاً إلى أبي أمية. ) .
وقال الطبراني ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٥٠ ) بهذا الإسناد عن الطبراني. ) : حدّثنا معاذ بن المثنى،
حدّثنا عليُّ بن المديني، حدّثنا محمد بن عمرو بن مِقْسم ، قال : سمعتُ عطاء بن مسلم يقول : سمعتُ وَهْبَ بن
مُنَبِّه يقول : إنَّ الله تعالى كلَّمَ مٍوسِى عليه السلام في ألفِ مَقَام، وكان إذا كلَّمَهُ رُئِيَ النورُ على وجه موسى ثلاثةَ
أيام ، ولم يمسَّ موسى امرأةً منذَ كلّمَهُ رَبُّه عزَّ وجلَّ .
وقال عثمان بن أبي شيبة : حدّثنا عبد الله بن عامر بن زُرَارة ، حدّثنا عبد الله بن الأجْلَح ، عن محمد بنٍ
إسحاق ، قال : حدّثني ربيعة بن أبي عبد الرحمن، قال: سمعتُ ابن مُنَبِّه اليماني يقول : إنَّ للنبوةِ أثقالاً
ومؤونة، لا يحمِلُها إلا القويّ، وإنَّ يونُسَ بنَ متَّى كان عبداً صالحاً ، وكان في خُلُقِهِ ضِيق ، فلما حُمِلَتْ عليه =

١٢٩
وفيات سنة ١١٠ هـ
النبوَّة تفسَّخَ تحتها تفسُّخَ الرُّبَعِ تحت الحِمْل ( الرُّبَعُ: الفَصيلُ الذي يُنتَجُ في الربيع ، وهو أولُ النَّاجِ ، سُمِّيَ رُبَعاً
=
لأنه إذا مشى ارْتَبَعَ ورَبَع، أيْ وَسَّعَ خَطْوَهُ وعَدَا؛ وتفسَّخَ الرُّبَع تحت الحمل الثقيل: وذلك إذا لم يُطِقْه . اللسان
( فسخ ، ربع). )، فرفضَها مِنْ يدِهِ وخرج هارباً؛ فقال الله تعالى لنبيِّه بِّهِ: ﴿فَأَصْبِرِ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ
اُلُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]؛ وقال: ﴿فَأَضِرْ لِكْرِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَْلُومٌ ﴾ [ القلم: ٤٨] الآية
( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤ / ٥٠). ).
وقال يونس بن بُكَير عن أبي إسحاق بن وهب بن مُنَبِّه ، عن أبيه ، قال : أمرَ الله الريحَ أنْ لا يتكلَّمَ أحدٌ من
الخلائق بشيءٍ في الأرض إلا ألقَتْهُ في أُذُنِ سليمان ، فلذلك سَمِعَ كلامَ الثَّمْلة ( المصدر السابق . ) .
وروى سفيان عن عمرو بن دينار ، عن وهب ، قال : كان الرجلُ من بني إسرائيل إذا ساح أربعين سنةً أُري شيئاً ،
كأن يرَى علامةَ القَبُول ؛ قال: فساحَ رجلٌ من ولدٍ زَنْيَةٍ ( في (ق): ((من ولد ربيعة)) تصحيف ، والمثبت من
الحلية. ) أربعينَ سنةً، فلم يرَ شيئاً ، فقال : يا رب ، إنْ أحسنتُ وأساءَ والداي ، فما ذنبي؟ قال : فأُرِيَ ما كان
يَرَى غيرُه ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٥١/٤ ). ).
وفي رواية : أنه قال : يا ربّ، إذا كان والدايَ قد أكلا أضْرَسُ أنا ؟
وفي رواية : عنه أنه قال : يا ربّ، إذا كان والدايَ قد أساءا أَحرَمُ أنا إحسانَك وبِرَّك؟ فأظَلَّتْهُ غَمَامة .
وروى عبد الله بن المبارك عن رَبَاح بن زيد، عن عبد العزيز بن حَوْران ( في (ق): (( عبد العزيز بن مروان))
تصحيف ، والمثبت من الحلية ، وترجمته في التاريخ الكبير (١٨/٦)، والجرح والتعديل (٣٨٠/٥)، والثقات
لابن حبان (١١١/٧)، وميزان الاعتدال (٣٦٣/٤)، وفيه: بحاء مهملة ضبطه بعضهم ، والأصح بجيم.
أهـ. )، قال: سمعتُ وَهْبَ بنَ مُنَبِّه يقول: مثلُ الدنيا والآخرة مثلُ ضرَّتَيْن، إن أرضيتَ إحداهما أسخطتَ
الأخرى ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٥١). ) .
وقال: إنَّ أعظمَ الذنوبِ عند الله بعدَ الشِّرْكِ بالله السِّخر ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٥١/٤) وفيه: (( بعد
الشرك بالله السخرية بالناس)). ) .
وروى عبد الرزاق قال : أخبرني أبي عن وهبٍ قال: إذا صام الإنسانُ زاغَ بصَرُه ، فإذا أفطرَ على حلاوةٍ عاد بصَرُه
( المصدر السابق . ) .
وقال ابنُ المبارك عن بكَّار ( في (ق): ((عن بكر بن عبد الله)) تصحيف والمثبت من الحلية ، وترجمته في
التاريخ الكبير (١٢١/٢). ) بن عبد الله، قال: سمعتُ وهباً يقول: مَّ رجلٌ عابدٌ على رجلٍ عابد، فرآهُ
مفكِّراً، فقال له : ما لك ؟ فقال له : أعجبُ من فلان أنه كان قد بلَغَ من عبادتهِ ما بلَغ ، ثم مالَتْ به الدنيا؟ فقال :
لا تعجَبْ مِمَّنْ مالَ كيف مال، ولكنِ اعْجبْ ممَّنِ استقامَ كيف استقام ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٥١/٤).)؟
وقال عبدُ الله بن الإمام أحمدَ بنِ حَنْبَل : حدّثني عبدُ الرزاق، حدّثنا بكَّار بن عبد الله قال: سمعتُ وَهْبَ بنَ منِّه
يقول : إنَّ بني إسرائيلَ أصَابَتْهم عقوبةٌ وشِدَّة ، فقالوا لنبيِّ لهم : وَدِدْنا أنْ نعلمَ ما الذي يُرضي ربَّنا فشَّبِعَه. فأوحى
الله عزَّ وجلَّ إليه: إنَّ قومَكَ يقولون، [ فأخبِرْهم إنْ أرادوا رضائي فَلْيُرضوا المساكين، فإنَّهم ] إذا أرضَوْهُمْ
رَضِيت، وإذا أسخطوهُمْ سَخِطت ( أخرجه أبو نعيم في الحلية ( ٤/ ٥٢) ، وما بين معقوفين منه.).
وقال عبد الله بن أحمد أيضاً : حدّثنا أبي ، حدّثنا إبراهيم بن خالد، حدّثني عمر بن عبد الرحمن ، قال: سمعتُ
وهب بن منبِّه يقول : إنَّ عيسى عليه السلام كان واقفاً على قبرٍ ومعه الحواريُّون - أو نفَرٌ من أصحابه - قال : =

١٣٠
وفيات سنة ١١٠ هـ
•
وصاحبُ القبرِ يُدَلَّى فيه ؛ قال : فذكروا من ظلمةِ القبر وضيقِه . فقال عيسى : قد كنتُمْ فيما هو أضيق من ذلك ،
في أرحام أمهاتِكم ، فإذا أحبَّ الله أنْ يُوسِّعَ وسَّع. أو كما قال ( المصدر السابق.) .
وقال عَبد الله بن المبارك : حدّثنا بكَّار بن عبد الله قال: سمعتُ وَهْبَ بن منِّه يقول : كان رجلٌ عابدٌ من السَُّّاح
أرادَهُ الشيطانُ من قِبَلِ الشهوةِ والرغبةِ والغضَب ، فلم يستطع منه شيئاً من ذلك ، فتمثَّل له حيَّةٌ وهو يصلِّي ، فمضى
ولم يلتفتْ إليه ، فالتوَى على قدمَيْه، فلم يلتفتْ إليه ، فدخلَ ثيابَهُ وأخرجَ رأسَه من عندِ رأسه ، فلم يلتفتْ ولم
يستأخِرْ، فلما أراد أنْ يسجُد التوَى في موضع سجودِه، فلمّا وضع رأسه ليسجُدَ فَتح فاهُ لِيلتقمَ رأسَه ، فوضع
رأسه ، فجعل يعرِكُه حتى استمكن من السجود على الأرض ، ثم جاءَهُ على صورةِ رجلٍ فقال له : أنا صاحبُكَ الذي
أخوَّفُك ، أتيتك من قِبَلِ الشهوةِ والغضَبِ والرغبة ، وأنا الذي كنتُ أتمثَّلُ لك بالسباع والحِيَّات فلم أستطع منك
شيئاً ، وقد بدا لي أن أصادقَك، ولا آتيكَ في صلاتك بعدَ اليوم . فقال له العابد : لا يومَّ خوَّفَتني خفتُك ، ولا اليومَ
بي حاجةٌ في مصادقتِك . قال : سَلْني عمَّا شئت أخبِرْك . قال: فما عسيتَ أنْ أسألك؟ قال : ألا تسألُني عن مالِكَ
ما فُعل به بعدَك ؟ قال : لو أردتُ ذلك ما فارقتُهُ . قَال : أفلا تسألُني عن أهلِكَ مَنْ ماتَ منهم ومَنْ بَقِي ؟ قال : أنا
مثّ قبلَهم . قال أفلا تسألُني عمَّا أُضِلُّ به الناس؟ قال: أنتَ أضَلُّهم؛ فأخبرني عن أوثقِ ما في نفسِك تُضلُّ به بني
آدم ؟ قال : ثلاثةُ أخلاق: الشُّحَ ، والحِدَّة، والسُّكْر؛ فإنَّ الرجلَ إذا كان شحيحاً قلَّلْنا مالَهُ في عِينه ، ورغَّبناه في
أموال الناس ؛ وإذا كان حَديداً تداولناه بيننا كما يتداوَلُ الصبيانُ الكُرَة ؛ ولو كان يُحيي الموتى بدعوته لم نيأسْ منه ،
وكلُّ ما يبنيهِ تَهْدِمُه لنا كلمةٌ واحدة؛ وإذا سَكِرَ قُدْناهُ إلى كلِّ شرٌّ وفَضيحة، وخِزْىٍ وهوَان ، كما تُقَادُ القِطَّةُ إذا أُخذ
بأذُنِها كيف شئنا ( أخرجه ابن المبارك في الزهد ص ( ٥١٨، ٥١٩)؛ أبو نعيم في الحلية (٤/ ٥٢، ٥٣). ).
وقال وهب : أصاب أيوبَ البلاءُ سبعَ سنين ، وتُرك يوسفُ في السجن سبعَ سنين ، ومسخ بختنصر في السباع
سبع سنين ( كذا في ( ق)، وفي الحلية (٥٣/٤): ((وعذب بختنصر وحول في السباع سبع سنين)).) .
وسئل وهبّ عن الدنانيرِ والدراهم فقال : هي خواتيمُ ربِّ العالمين في الأرضِ لِمَعايشِ بني آدم، لا تُؤكل ولا
تُشرب، فأينما ذهبتَ بخاتم ربِّ العالمين قُضيَتْ حاجتُك ، وهي أزِمَّةُ المنافقين، بها يقادون إلى الشهوات
( المصدر السابق . ) .
وروى داود بن عمر الضبيّ، عن ابن المبارك، عن معمر، عن سِمَاك بن الفَضْل ( في (ق): (( سماك بن
المفضل)) تصحيف ، والمثبت من الحلية ، وترجمته في التاريخ الكبير (١٧٤/٤)، وسير أعلام النبلاء
(٢٤٩/٥). )، عن وهب، قال: مَثَلُ الذي يدعو بغيرِ عمَل، مثل الذي يرمي بغيرِ وَتَرٍ .
وقال ابن المبارك ( في كتابه الزهد ص (٧٢، ٧٣). ): أخبرني عمر بن عبد الرحمن بن مهرب ( وقع في
الحلية: ((عمر بن عبد الرحمن بن مهدي)) وهو تصحيف ، وهو على الصواب في الزهد ، وترجمته في التاريخ
الكبير (١٧٣/٦)، والجرح والتعديل (١٢١/٦)، ومشاهير علماء الأمصار ص (١٩٢).) قال: سمعتُ وهباً
يقول : قال حكيمٌ من الحكماء : إني لأستحي من الله عزَّ وجلَّ أن أعبُدَهُ رجاءَ ثوابِ الجنةِ فقط ، فأكون كالأجير
السَّوْء ، إنْ أُعْطِي عَمِل، وإنْ لم يعطَ لم يعمل ؛ وإني لأستحي من الله أن أعبدَهُ مخافةَ النار فقط ، فأكونُ كالعبد
السَّوْء ، إنْ رَهِبَ عَمِل، وإنْ تُرك لم يعملْ ؛ وإني لَيستخرِج مني حُبُّ الله ما لا يستخرج مني غيرُه ( أخرجه أبو نعيم
في الحلية (٥٣/٤، ٥٤ ). ) .
وقال السَّرُّ بن يحيى : كتب وَهْبٌ إلى مكحول : إنك قد أصبتَ بما ظهر من علم الإسلام عند الناس محبةً وقال =

١٣١
وفيات سنة ١١٠ هـ
وشرفاً، فاطلب بما بطن من علم الإنسان ( كذا في (ق)، وفي الحلية: ((من علم الإسلام)).)
=
عند الله محبةً وزُلْفَى، واعلمْ أنَّ إحدى المحبَّتَيْن تمنعُ الأخرى . أو قال : سوف تمنعُك الأخرى ( أخرجه أبو نعيم
في الحلية (٤/ ٥٤). ) .
وقال زافر بن سليمان : عن أبي سنان الشيباني ، قال : بلغَنا أنَّ وهب بن منبِّه قال : قال لقمانُ لابنه : يا بني ،
اتخذْ طاعةَ الله تجارةً تزيدُ بها ربحَ الدنيا والآخرة، والإيمانَ سفينتَك التي تحملُ عليها ، والتوكُلَ على الله شراعَها ،
والدنيا بحرَك، والأيامَ موجَك، والأعمالَ الصالحةَ تجارتَكَ التي ترجو رِبْحَها ؛ والنافلةَ هديَّتَك التي ترجو بها
كرامَتَك، والحِرْصَ عليها [ الرِّيحَ التي ] تُسيِّرُها وتُزْجيها، ورَدَّ النفسِ عن هواها مراسِيهَا، والموتَ ساحلها ، والله
مَالِكها وإليه مصيرُها . وأحبُّ التجار إلى الله وأفضلُهم وأقربُهم منه أكثرُهم بضاعةً ، وأصفاهم نيةً ، وأخلصِهِمْ
هديةً ، وأبغَضُهم إليه أقلُّهم بضاعةً وأردَؤهم هديةً وأخبَثُهم طويةً ؛ فكلَّما حسِّنْتَ تجارتَك ازدادَ رِبْحُك ؛ وكلَّما
خلصَتْ هديتُك تُكْرَم ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٥٤ ) ، وما بين معقوفين منه. ) .
وفي رواية عنه أنه قال : قال لقمانُ لابنِه : يا بُنيَّ ، اتخذْ طاعةَ الله بضاعةً تأتِك الأرباحُ من كلِّ مكان ، واجعلْ
سفينتَكَ تقوى الله ، وحشوَها التوكُّلَ على الله ، وشراعَها الإيمان بالله، وبحرَك العِلْم النافع ، والعمل الصالح ،
لعلَّكَ أنْ تنجو ، وما أراك بناج ( أخرجه ابن المبارك في الزهد ص (١٩٠) بنحوه. ).
وقال عبد الله بن المبارك (في كتابه الزهد ص (١٩) برقم (٥٦). ) : عن رباح بن زيد ، عن رجل ، قال : إنَّ
للعلم طَغياناً كطغيانِ المال .
وقَال الطبراني : حدّثنا عبيد بن محمد الصنعاني ، حدّثنا أبو قدامة همام بن مسلمة بن عقبة ، حدّثنا غوثُ بن
جابر ، حدّثنا عقيل بن منبِّه قال: سمعتُ عمِّي وهب بن منبِّه يقول: الأجرُ من الله عزَّ وجلَّ معروض ، ولكنْ
لا يستوجبُهُ منْ لا يعمَل، ولا يَجدُهُ من لا يَبتغيه ، ولا يُبصِرهُ من لا ينظرُ إليه، وطاعةُ اللهِ قريبةٌ ممّنْ يرغبُ فيها ،
بعيدةٌ ممن زَهِدَ فيها ، ومنْ يحرِصْ عليها يَصِلْ إليها، ومنْ لا يُحبُّها لا يَجِدُها ، لا تسبقُ منْ سعى إليها ، ولا
يُذْركُها منْ أبطأ عنها ، وطاعةُ اللهَ تُشرِّفُ منْ أكرَمَها وتُهينُ مَنْ أضاعها، وكتابُ الله يدُلُّ عليها، والإيمان بالله يَحُضُّ
عليها ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٥٤). ) .
وقال الإمام أحمد : حدّثنا إبراهيم بنُ خالد ، حدّثنا عمر بن عبد الرحمن ، سمعت وهب بن منبِّه يقول : قال
داود عليه السلام: يا رب ، أيُّ عبادِكَ أحبُّ إليك؟ قال : مؤمنٌ حسنُ الصورة ، حسَنُ العمل . قال : يا ربّ ، أيُّ
عبادِك أبغضُ إليك ؟ قال : كافرٌ حسنُ الصورة، كفَرَ أو شَكر، هذان ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٥٥/٤)،
وروايته: (( كفر هذا وشكر هذا)). ) .
وفي روايةٍ ذكرها أحمد بن حنبل : أُّ عبادك أبغضُ إليك ؟ قال : عبدٌ استخارَني في أمرٍ فخرتُ له ، فلم يرضَ به
( المصدر السابق . ) .
وقال إبراهيم بن الجُنيد : حدّثني إبراهيم بن سعيد ، عن عبد المنعم بن إدريس ، حدّثنا عبد الصمد بن معقل ،
عن وهب بن منِّه، قال: كان سائحٌ يعبدُ الله تعالى، فجاءه إبليسٌ أو شيطانٌ فتمثَّلَ بإنسان ، فجعل يُريه أنه يعبدُ
الله تعالى ، وجعلٍ يزيدُ عليه في العبادة ، فأحبَّه ذلك السائح ، لِمَا رأى من اجتهادِهِ وعبادتِه ، فقال له الشيطان
والسائحُ في مصلاه: لو دخلنا إلى المدينة فخالَطْنا الناس، وصبَرْنا على أذاهم، وأمَرْنا ونَهَيْنا، كان أعظمَ
لأجرِنا . فأجابَهُ السائحُ إلى ذلك، فلما أخرج السائح إحدى رجلَيْه من بابِ مكانِهِ لينطلقَ معه هَتفَ به هاتف فقال :=

١٣٢
وفيات سنة ١١٠ هـ
.
إِنَّ هذا شيطانٌ أرادَ أن يَفْتِنَك . فقال السائح : رِجْلٌ خرجَتْ في معصيةِ الله وطاعةِ الشيطان لا تَدخُلُ معي . فما
=
حوَّلها من موضعها ذلك حتى فارقَ الدنيا ، فأنزل الله تعالى ذِكرَه في بعضِ كتبهِ فقال: وذو الرِّجْل ( المصدر
السابق . ) .
وقال وهب : أتى رجلٌ من أهلِ زمانهِ إلى مَلِكِ كان يَفتِنُ الناسَ على أكلِ لحم الخِنْزِيرِ ، فأعظمَ الناسُ مكانَه ،
وهالَهُمْ أمرُه ، فقال له صاحبُ شُرْطَةِ الملِكِ سِرّاً بينه وبينه: أيها العالم ، اذَبَحْ جَّدْياً مَما يَحلُّ لك أكلُه، ثم ادفَعْهُ
إليَّ أصنعه لك على حِدَتِهِ ؛ فإذا دَعَا المَلِكُ بلحم الحِنْزير أمرتُ به فوُضع بين يديك، فتأكلُ منه حلالاً ويَرَى الملِكُ
والناسُ أنك إنما أكلتَ لحمَ الخِنْزير . فذبح ذلك العالِمُ جَدْياً ثم دفعه إلى صاحبِ الشرطة ، فصنعه له ، وأمر
الطبّاخين إذا أمَرَ المِلكُ بأنْ يُقَدَّمَ إلى هذا العالم لحم الخِنْزِيرِ أنْ يضَعوا بين يدَيْهِ لحمَ هذا الجَدْي ؛ واجتمع الناسُ
لينظروا أمْرَ هذا العالِم فيه ، أيأكلُ أم لا؟ وقالوا: إنْ أُكَلَ أكَلْنا، وإن امتنعَ امتنعْنَا . فجاء الملك فدعا لهم بلحوم
الخنازير فوُضعت بين أيديهم ، ووضع بين يدي ذلك العالِم لحمُ ذلك الجَدْيِ الحلال المُذَكَّى، فألهمَ الله ذلكَ
العالم ، فأُلقيَ في رُوْعِه وفكرِه فقال : هَبْ أني أكلتُ لحمَ الجدي الذي أعلم حِلَّه أنا، فماذا أصنعُ بِمَن لا يعلم ،
والناسُ إنما ينتظرونَ أكْلي ليقتدوا بي وهم لا يعلمون إلا أني إنما أكلتُ لحمَ الخِنْزِير ، فيأكلونَ اقتداءً بي ، فأكونُ
مِمِنْ يحمِلُ أوزارَهم يومَ القيامة؛ لا أفعلُ واللهِ، وإنْ قُتلت وحُرِّقتُ بالنار . وأبى أن يأكل ، فجعلَ صاحبُ الشرطةِ
يَغْمِزُ إليه ويُومي إليه ويأمرُه بأكلِه، أيْ إنما هو لحمُ الجَدْي؛ فأبَى أن يأكل، ثم أمرَهُ الملكُ أنْ يأكلَ فأبى ، فألَخُوا
عليه ، فأبى ، فأمر الملكُ صاحبَ الشرطةِ بقَتْلِهِ ، فلما ذهبوا بهِ ليقتلُوه قالَ له صاحبُ الشرطة : ما منعكَ أنْ تأكلَ
من اللحم الذي ذَكَّيْتَهُ أنتَ ودفعتَه إليّ ؟ أظنتَ أني أتيتُكَ بغيرِهِ وخُنْتُكَ فيما ائتمنتني عليه؟ ما كنتُ لأفعلَ والله.
فقال له العالم : قد علمتُ أنه هو ولكنْ خفتُ أنْ يتأسَى الناسُ بي ، وهم إنما ينتظرونَ أكْلي منه، ولا يعلمون إلَّ
أني إنما أكلتُ لحمَ الخِنْزِير ، وكذلك كلُّ منْ أُريد على أكلِه فيما يأتي من الزمان يقول: قد أكلَهُ فلان، فأكونُ فتنةٌ
لهم . فقُتل رَحِمَهُ الله ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٥٥، ٥٦). ).
فينبغي للعالم أنْ يحذرَ المعايب ، ويجتنبَ المحذورات ، فإنَّ زلَّتَهُ وناقِصَتْهُ مَنْظورةٌ يَقتدي بها الجاهل .
وقال معاذ بنَ جَبَل: اتقوا زَيْغَة الحكيم ( ذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٤٩٥/١) ضمن كلام لمعاذ . وابن
رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم ص (٢٥٣)، وبعده: ((فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالةِ على لسان
الحكيم)). ) .
وقال غيرُه : اتقوا زَلَّةَ العالم فإنه إذا زَلَّ زَلَّ بزَلَتِهِ عالَم كثير ( أخرجه ابن المبارك في الزهد ص(٥٢٠ ) معزوّاً لعيسى
صلوات الله عليه . ) .
ولا ينبغي له أن يستهينَ بالزَّلَّةِ وإِنْ صَغُرَتْ ، ولا يفعلُ الرُّخَصَ التي اختلفَ فيه العلماء ، فإنَّ العالِمَ هو عَصَاةُ كلِّ
أعمى من العوام ، بها يصولُ على الحق ليَدْحَضهُ ويقول : رأيتُ فلاناً العالم وفلاناً وفلاناً وفلاناً يفعلونَ ويفعلون .
وَلْيَجْتَنبِ العوائدَ النفسية، فإنَّهُ قد يفعلُ أشياءَ على حُكم العادة ، فيظنُّها الجاهلُ جائزةً أو سنةً أو واجبة ، كما
قيل : سَلِ العالمِ يَصْدُفْكَ، ولا تقتدِ بفعلِهِ الغريب، ولكنَّ سَلْه عنه يَصْدُفْكَ إنْ كان ذا دِين. وكم أفسدَ النظرُ إلى
غالبٍ علمَاءِ زمانِكَ هذا من خَلْق. فما الظنُّ بمخالطتهِمْ ومجالستِهِمْ، ولكنْ ﴿ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَّدِّ وَمَنْ يُضْلِلْ
فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيَّا قُرْشِدًا﴾ [ الكهف: ١٧].
وقال محمد بن عبد الملك بن زَنْجَوَيْه : حدّثنا عبد الرزاق عن أبيه ، قال : قلت لوهب بن منبه : كنتَ ترى =

١٣٣
وفيات سنة ١١٠ هـ
الرؤيا فتخبرنا بها ، فلا نلَبتُ أن نراها كما رأيتها ؟ قال : ذهب ذلك عني منذُ وَليتُ القضاء . قال عبد الرزاق :
فحدثت به مَعْمَراً فقال: والحسنُ بعدَ مَا وَليَ القضاءَ لم يحمَدُوا فهمَه ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٥٦/٤).).
فمَنْ يأمنُ القراءَ بعدَكَ يا شَهْرُ
( هذا عجز بيت قاله أحدهم لشهر بن حوشب ، من كتب الزيادة هنا هو الذي ساقه ، وأصله : أنه روى يحيى بن
أبي بكير الكرماني عن أبيه قال : كان شهر بن حَوْشَب على بيتِ المال ، فأخذ خَريطةً فيها دراهم ، فقيل فيه :
فمَنْ يِأمَنِ القُرَّاءَ بعدَكَ يا شَهْرُ
لقد باع شهرٌ دينَةٌ بخَرِيطةٍ
أخذتَ بها شيئاً طفيفاً وبعتَهُ
من ابنٍ جريرٍ إنَّ هذا هو الغَدْرُ
قال الذهبي : قلت إسنادها منقطع ولعلها وقعتْ وتابَ منها أو أخذها متأولًا أن له في بيت مال المسلمين حقاً نسأل
الله الصفح . سير أعلام النبلاء (٣٧٥/٤)، وهو بتحقيقي. وانظر ما سيأتي في ترجمة حوشب ص (٣٠٤).)
فكيف حالُ مَنْ قد غرق في قاذوراتِ الدُّنيا من علماء زمانكَ هذا! ولا سيما من بعدٍ فتنةٍ تيمورلنك ، فإنَّ القلوبَ
قد امتلأتْ بحبِّ الدنيا فلا يجد العلمُ فيها مَوْضِعاً ، فجالِسْ مَنْ شئتَ منهم لتنظر مبادىء مجالستهم وغاياتها ولا
تستخفك البَدَوات، فإنما الأمورُ بعواقبها وخواتيمِها ونتائجِها وغاياتها. ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا () وَيَرْزُقْهُ مِنْ
حَيْثُ لَا يَحْتَسِبْ﴾ [ الطلاق: ٢ و٣].
وقال وهب : البلاءُ للمؤمن كالشِّكَالِ للدَّابَّة ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٥٦/٤ )، والشكال: الحبل الذي
تُشدُّ به قوائم الدابة . اللسان ( شكل ) . ) .
وقال أبو بلال الأشعري : عن أبي هشام ( في ( ق): ((عن أبي شهاب )) تصحيف والمثبت من الحلية ، ومما
سبق من هذا الإسناد ، وترجمته في الجرح والتعديل (٢/ ١٨٧) ، وهو إسماعيل بن عبد الكريم بن معقل بن منبه
أبو هشام الصنعاني . ) الصنعاني ، عن عبد الصمد ، عن وهب ، قال : مَنْ أُصيب بشيءٍ من البلاء فقد سُلك به
طريقُ الأنبياء ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٥٦). ) .
وقال عبدُ الله ابن الإمام أحمد بن حنبل : حدّثنا عبد الرزاق ، قال : أنبأنا منذر ، قال : سمعتُ وهباً يقول :
قرأتُ في كتابِ رجلٍ من الحواريين : إذا سُلك بك طريقُ - أو قال : سبيل أهلِ البلاء - فطِبْ نفساً ، فقد سُلك بها
طريقُ الأنبياء والصالحين ( المصدر السابق . ).
وقال الإمام أحمد : حدّثنا أحمد بن جعفر، حدّثنا إبراهيم بن خالد ، حدّثني أمية بن شبل ، عن عثمان بن
يزدويه ، قال: كنتُ مَعَ وَهْب ، وسعيد بن جُبير يومَ عَرَفة تحتَ نَخيلِ ابنِ عامر ، فقال وهب لسعيد: يا أبا عبد الله
كم لك منذُ خفتَ من الحجاج ؟ فقال : خرجتُ عن امرأتي وهي حامل ، فجاءني الذي في بطنِها وقد خرَجَ وجهُه
( في ( ق): ((خرج [ شعر] وجهه))، وهذه الزيادة لا داعي لها ، ومعنى خرج وجهه : أي خرج شعر وجهه
وَبَقَل. انظر اللسان ( خرج). ). فقال له وهب: إنَّ مَنْ كانَ قبلَكُمْ كان إذا أصابه بلاءٌ عَدَّهُ رخَاءً ، وإذا أصابه
رخاءٌ عدَّهُ بلاءً ( أخرجه ابن أبي عاصم في الزهد ص ( ٣٧٣)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٥٦، ٥٧، و٢٩٠). ).
وروى عبد الله بن أحمد بسنده ، عن وهب ، قال : قرأتُ في بعضِ الكتب : ليس من عبادي مَنْ سَحَر أوِ سُحِرَ
له، أو تكَهَّنَ أو تُكُهِّنَ له ، أو تَطَيََّ أو تُطُيُرَ له، فمنْ كان كذلك، فَلْيَدعُ غيري ، فإنما هو أنا، وخَلْقي كلُّهمْ لي
( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٥٧). وأخرج البيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٦٤) برقم (١١٧٦) عن
عبد الرزاق أنا معمر بن قتادة ، أن كعباً قال قال الله عزَّ وجلَّ: ليس من عبادي من سحر أو سحر له أو كهن أو كهن له-

١٣٤
وفيات سنة ١١٠ هـ
أو تطير أو تطير له ، لكنْ من عبادي من آمن وتوكل علي . ) .
=
وقال الإمام أحمد : حدّثنا إبراهيم بن خالد ، حدّثنا رباح ، عن جعفر بن محمد ، عن التيمي ، عن وهب ، أنه
قال : دخولُ الجَمَل في سَمِّ الخياط أيْسَرُ من دخولِ الأغنياءِ الجنّة ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٥٧).).
قلت ( القائل هنا هو الذي زاد في نسخة ( ق ) المطبوعة . ) : هذا إنما هو لشدة الحساب ، وطول وقوف
الأغنياء في الكَرَب ، كما قد ضُربت الأمثال للشدائد . والله سبحانه وتعالى أعلم .
وقال الإمام أحمد : حدّثنا عبدُ الرزاق، حدّثنا بكَّار ، قال : سمعتُ وهبأ يقول: تَرْكُ المكافأةِ من التَّطْفِيفِ
( أخرجه أبو بكر بن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق ص (١١١) برقم (٣٦٥)، وأبو نعيم في الحلية
(٤ /٥٨ ). ) .
وقال الإمام أحمد : حدّثنا الحجاج وأبو النضر ، قالا : حدّثنا محمد بن طلحة ، عن محمد بن جُحادة ، عن
وهب، قال: من يتعبَّدْ يَزْدَدْ قَوَّةً، ومن يكسَلْ يَزْدَدْ فترةً (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٥٨/٤). ).
وقد قال غيره : إنَّ حوراء جاءته في المنام في ليلةٍ باردة فقالت له : قُمْ إلى صلاتِك ، فهي خيرٌ لك من نومةٍ توهنُ
بدَنَك . ورأيتُ في ذلك حديثاً لم يحضُرْني الآن وهذا أمرٌ مُجَرَّب، إنَّ العبادة تنشّطُ البدَن، وتُلَيِّئُه وإن النومَ يُكْلُ
البَدَنْ فِيُقَسِّيه؛ وقد قال بعضُ السلف : لما تبع صِلَةَ بنَ أشْيَم حين دخل تلك الغيضة ، وأنه قام ليلته إلى أنْ أصبح
قال : فأصبح كأنه باتَ على الحشايا، وأصبحتُ ولي من الكَسَلِ والفُتور ما لا يعلمه إلا الله عزَّ وجلَّ ( انظر قصة
صلة بن أشيم والذي تبعه زيد العبدي في شعب الإيمان للبيهقي (١٦٠/٣، ١٦١)، برقم (٣٢١١).).
وقد قيل للحسن : ما بالُ المتعبِّدين أحسَنُ الناسِ وجوهاً ؟! قال : لأنهم خَلَوْا بالجليل ، فألبسَهُمْ نوراً من نورِه
( ذكره الغزالي في إحياء علوم الدين (٤/ ٤١٢). ).
وقال يحيى بن أبي كثير: والله ما رجلٌ يَخْلو بأهلِه عَروساً أقرَّ ما كانتْ نفسُهُ وآنَسَ بأشدَّ سروراً منهم بمناجاةِ ربِّهم
تعالى إذا خَلَوْا به .
وقال عطاء الخراساني : قيامُ الليلِ محياةٌ للبدَن ، ونورٌ في القلب ، وضياءٌ في الوجه ، وقوَّةٌ في البصرِ والأعضاءِ
كلِّها . وإنَّ الرجلَ إذا قام بالليل أصبح فرحاً مسروراً ، وإذا نام عن حِزْبه أصبح حزيناً مكسورَ القلب ، كأنه قد فقَدَ
شيئاً ، وقد فقد أعظمَ الأمور له نفعاً .
وقال ابنُ أبي الدنيا : حدّثنا أبو جعفر أحمد بن مَنِيع ، حدّثنا هاشم بن القاسم أبو النضر ، حدّثنا بكر بن حبيش ،
عن محمد القرشي ، عن ربيعة بن يزيد ، عن أبي إدريس الخَوْلاني، عن بلال ، قال: قال رسول الله ◌ِّر:
((عليكم بقيام الليل فإنه دأبُ الصالحين قبلَكُمْ ؛ وإنَّ قيام الليلِ قُرْبَةٌ إلى الله تعالى، ومَنْهاةٌ عن الإثم ، وتكفيرٌ عن
السيئات، ومَّطْردَةٌ للشيطان عن الجسد)) ( أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (١٢٧/٣) برقم (٣٠٨٧) بنحوه ؛
وابن رجب في جامع العلوم والحكم ص (٢٧٢)، وفي إسناده ضعف.).
وقد رواه غيره ( أخرجه الترمذي ( ٣٥٤٩) في الدعوات عن رسولِ الله: باب في دعاء النبي ◌ِّر عن أبي إدريس
الخولاني عن أبي أمامة بلفظ ( عليكم بقيام الليل ، فإنه دأب الصالحين قبلكم ، وهو قرب إلى ربكم ، ومكفرة
للسيئات، ومنهاة للإثم) وهو حديث حسن بطرقه وشواهده، وانظر (الإحياء). ) من طُرق ((عليكم بقيامٍ
الليل ، فإنَّه دأب الصالحين قبلكم)) . ويكفي في هذا الباب ما رواه أهل الصحيح والمسانيد عن أبي هريرة أنَّ
رسولَ الله ◌َّه قال: ((يَعْقدُ الشيطانُ على قافيةِ أحدِكم إذا هو نامَ ثلاثَ عُقَد ، يَضرِبُ مكانَ كلِّ عُقْدةٍ: عليك ليلٌ =

١٣٥
وفيات سنة ١١٠ هـ
طويلٌ فارْقُدْ ، فإذا استيقظَ وذَكَرَ الله انحَلَّتْ عُقْدة، وإذا توضأ انحلتْ عُقدة، فإنْ صلَّى انحلَّتْ عُقْدَة ، فأصبح
=
نشيطاً طيِّبَ النفس، وإلا أصبح خَبِيثَ النفس كَسْلان)) ( أخرجه البخاري في صحيحه (١٠٩١ ) في الجمعة : باب
عقد الشيطان على قافية الرأس ، و(٣٠٩٦) في بدء الخلق: باب صفة إبليس وجنوده ؛ ومسلم ( ٧٧٦ ) في صلاة
المسافرين : باب ما روي فيمن قام الليل ؛ والنسائي ( ١٦٠٧ ) في قيام الليل وتطوع النهار : باب الترغيب في قيام
الليل؛ وأبو داود (١٣٠٦) في الصلاة: باب قيام الليل؛ وابن ماجه ( ١٣٢٩) في إقامة الصلاة والسنة فيها : باب
ما جاء في قيام الليل ؛ والإمام أحمد في مسنده (٢/ ٢٤٣ و٢٥٣) (٧٢٦٦ و٧٣٩٢). ).
وهذا بابٌ واسع، وقد قال هودٌ فيما أخبر الله عنه: ﴿أَعْبُدُواْ اَللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [ هود: ٥٠] ، ثم
قال: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [ هود: ٥٢]، وهذه القوة تشمَلُ جميعَ القوى، فيزيدُ الله عابدیهِ قوةً في إیمانِهم
ويقينهم ودينهم وتوكلِهم ، وغيرِ ذلك مما هو من جنسِ ذلك ؛ ويزِدْهُمْ قوةً في أسماعِهم وأبصارِهم وأجسادِهم
وأموالِهم وأولادِهم وغير ذلك ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
وقال الإمام أحمد : حدّثنا إسماعيل بن عبدِ الكريم ، حدّثني عبد الصمد ، أنه سمع وهباً يقول: تصدَّقْ صدقةً
رجلٍ يعلمُ أنه إنما قدَّمَ بين يديهِ مالَه، وما خلَّف مالَ غيرِهِ .
قلت : وهذا كما في الحديث: (( أيُّكُمْ مالُ وارِثِهِ أَحبُّ إليه من مالِهِ))؟ فقالوا: كُلُّنا مالُه أحبُ إليه من مال
وارثِه . فقال: ((إنَّ مالَهُ ما قدَّم، ومالَ وارِثِهِ ما أخّر)) ( أخرجه البخاري عن عبد الله بن مسعود ( ٦٠٧٧ ) في
الرقاق : باب ما قدم من ماله فهو له ؛ والنسائي (٣٦١٢) في الوصايا : باب الكراهية في تأخير الوصية ؛ والإمام
أحمد في المسند (٣٨٣/١) (٣٦١٩).).
قال : وسمعتُ وَهْباً على المنبرِ يقول : احفظوا عني ثلاثاً: إياكم وهوّى متَّبَعاً، وقريبَ سَوْء ، وإعجابَ المرءِ
بنفسِه .
وقد رُوِيَتْ هذه الألفاظُ في حديث ( ولفظه (( ثلاث مهلكات، شح مطاع، وهوىّ مُتَبع ، وإعجاب المرء بنفسه))
رواه الطبراني في الأوسط وغيره ، من حديث أنس وهو حديث حسن بطرقه وشواهده . ) .
وقال الإمام أحمد : حدّثنا يونس بن عبد الصمد بن مَعْقِل ، حدّثنا إبراهيم بن الحجّاج ، قال : سمعتُ وهباً
يقول : أحبُّ بني آدمَ إلى الشيطان النؤومُ الأكول ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٥٨/٤).).
وقال الإمام أحمد : حدّثنا غوث بن جابر ، حدّثنا عمران بن عبد الرحمن أبو الهذيل ، أنه سمع وهباً يقول: إنَّ
الله عزَّ وجلَّ يحفظُ بالعبدِ الصالحِ القَبِيلَ ( في (ق): ((القيل))، وهو تصحيف ، والمثبت من الحلية
(٥٨/٤).) من الناس.
وقال أحمد أيضاً : حدّثنا إبراهيم بن عقيل ، حدّثنا عمران أبو الهذيل - من الأبناء - عن وهب بن منبِّه، قال :
ليس من الآدميين أحدٌ إلا ومعه شيطانٌ مُؤَكَّلٌ به ؛ فأمَّا الكافرُ فيأكلُ معه ، ويشرب معه ، وينام معه على فراشه ؛
وأمَّا المؤمنُ فهو مجانبٌ له ينتظرُ متى يُصيبُ منه غَفْلةً أو غِرَّةً ؛ وأحبُّ الآدميِّين إلى الشيطان الأكول النؤوم ( أخرجه
أبو نعيم في الحلية (٤/ ٥٨، ٥٩). ).
وقال محمد بن غالب : حدّثنا أبو المعتمر ابن أخي بشر بن منصور ، عن داودَ بن أبي هند ، عن وهب ، قال :
قرأتُ في بعضِ الكتب التي أُنزلتْ من السماء على بعضِ الأنبياء ، أن الله تعالى قال لإبراهيم عليه الصلاة والسلام :
أتدري لِمَ اتخذَتُكَ خليلاً ؟ قال : لا يا رب . قال : لِذَلِّ مَقَامِكَ بين يدي في الصلاة ( أخرجه أبو نعيم في الحلية =

١٣٦
وفيات سنة ١١٠ هـ
•
11
(٤ /٥٩). ) .
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل : حدّثنا محمد بن أيوب ، حدّثنا أبو بكر بن عياش، عن إدريس بن وَهْب بن
مُنَبِّه ، قال : حدّثني أبي قال: كان لسليمانَ بنِ داود ألفُ بيت ، أعلاهُ قوارير ، وأسفله حديد ، فركبَ الرِّيح يوماً ،
فمَرَّ بحرَّاث ، فنظر إليه الحراث فاستعظم ما أوتي سليمانُ من الملْكِ ! فقال : لقد أوتي آل داود ملكاً عظيماً ،
فحملتِ الريحُ كلام الحرَّاث ، فألقته في أُذنِ سليمان ، قال : فأمر الريحَ فوقفَتْ ؛ ثم نزل يمشي حتى أتى الحرَّاث ،
فقال له : إني قد سمعتُ قولك، وإنما مشَيْتُ إليك لئلا تتمنَّى ما لا تقدِرُ عليه مما أقدَرَني اللهُ عليه تفضُّلاً وإحساناً
منه عليّ ، لأنه هو الذي أقامني لهذا وأعانني. ثم قال: والله لَتَسْبيحةٌ واحدةٌ يَقْبَلُها الله عزَّ وجلَّ منكَ أو منْ مؤمنٍ
خيرٌ ممَّا أُوتِيَ آلُ داودَ من الملك، لأنَّ ما أُوتِيَ آلُ داودَ من مُلكِ الدنيا يَفْنَى ، والتسبيحةُ تَبْقى ؛ وما يَبْقى خيرٌ مما
يَفْنَى. فقال الحرّاث: أذهبَ الله همَّكَ كما أذهبتَ همِّي (المصدر السابق.).
وقال الإمام أحمد : حدّثنا إبراهيم بن عَقيل بن مَعْقِل، حدثني أبي، عن وهب بن منبِّه، قال: إنَّ الله عزَّ وجلَّ
أعطى موسى عليه السلام نوراً ، فقال له هارون: هَبْهُ لي يا أخي . فوهبَهُ له. فأعطاهُ هارونُ ابنَه ، وكان في بيت
المقدس آنيةٌ تُعظّمُها الأنبياءُ والملوك ، فكان ابنا هارونَ يسقيان في تلك الآنية الخمر ، فنزلَتْ نارٌ من السماء
فاختطفَتِ ابنَيْ هارون ، فصَعِدَتْ بهما ، ففَزِعَ هارونُ لذلك، فقام مستغيئاً متوجِّهاً بوجهِه إلى السماء بالدعاءِ
والتضرُّع ، فأوحى الله إليه : يا هارون ، هكذا أفعل بمَنْ عصاني من أهلِ طاعتي ، فكيف فعلي بمَنْ عصائي من أهلِ
معصيتي ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٥٩/٤).)؟.
وقال الحكمُ بن أبان : نزلَ بي ضيفٌ من أهلِ صنعاء فقال : سمعتُ وَهْبَ بن منبُّه يقول : إن لله عزَّ وجلَّ في
السماء السابعة داراً يُقال لها البيضاء ، يَجْمعُ فيها أرواح المؤمنين، فإذا ماتَ الميتُ من أهلِ الدنيا تَلَقَّتْهُ الأرواح،
فيسألونه عن أخبار الدنيا كما يسألُ الغائبَ أهلُهُ إذا قَدِم عليهم ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٦٠/٤). ).
وقال : من جعل شهوتَهُ تحتَ قدمِه فَزِعَ الشيطانُ من ظِلُّه؛ ومَنْ غلب علمُهُ هواه فذلك العالِم الغلاَّب ( المصدر
السابق . ) .
وقال فُضيل بن عِيَاض : [ قال وهب بن منبِّه]: أوحى الله تعالى إلى بعضِ أنبيائه: بعيني ما يتحمّلُ المتحمّلون
من أجلي ، وما يكابدون في طلبٍ مرضاتي ؛ فكيف بهم إذا صاروا إلى داري ؟ وتَبَحْبَحُوا فِي رياضٍ نعمتي ! هنالك
فَلْيُبَشَّرِ المضعِفُون لله أعمالَهم بالنظرِ العَجيب من الحبيبِ القريب ؛ أتُراني أنسَى لهم عملاً، وكيف وأنا ذو الفَضْلِ
العظيم ؟! أجودُ على المُؤَلِّينَ الْمُعْرِضَينَ عني ، فكيف بالمُقْبلينَ عليّ ؟ وما غضِبتُ على شيءٍ كغضَبِي على مَنْ أخطأ
خطيئةً فاستعظمَها في جَنْبِ عَفْوي ، ولو تعاجَلْتُ بالعقوبة أحداً أو كانتِ العجلةُ من شأني لعاجلتُ القانِطِينَ من
رحمتي ؛ ولو رآني عبادي المؤمنين كيف أستوهبُهم ممن اعتدوا عليه، ثم أحكمُ لِمَنْ وهبَهم بالخُلد المقيم ، [ لَمَا ]
اتهموا فَضْلي وكرمي ! أنا الديَّانُ الذي لا تحلُّ معصيتي ، والذي أطاعني أطاعني برحمتي ، ولا حاجة لي بهوانٍ منْ
خاف مقامي ؛ ولو رآني عبادي يومَ القيامةِ كيف أرفعُ قصوراً تحارُ فيها الأبصار ، فيسألوني لِمَنْ ذا؟ فأقول: لِمَنْ
وَهَبَ لي ذنباً ما لم يُوجِبْ على نفسِه معصيتي والقنوطَ من رحمتي ، وإني مكافىءٌ على المدح فامدحوني ( أخرجه
أبو نعيم في الحلية (٤/ ٦٠، ٦١)، وبرواية أخرى في (١٠ /٨١).).
وقال سلمة بن شبيب : حدّثنا سلمة بن عاصم ، حدّثنا عبد الله بن محمد بن عقبة، حدّثنا عبد الرحمن
أبو طالوت ، حدّثني مهاجر الأسدي ، عن وَهْب ، قال : مرَّ عيسى بنُ مريم ومعه الحواريُّون بقريةٍ قد مات أهلها ، =

١٣٧
وفيات سنة ١١٠ هـ
إنسُها وجتُّها وهواتُها وأنعامُها وطيورُها ، فقام عليها ينظرُ إليها ساعةً ، ثم أقبلَ على أصحابه فقال: إنما ماتَ
هؤلاءِ بعذابٍ من عندِ الله، ولولا ذلك لماتوا متفرّقين. ثم ناداهم عيسى: يا أهلَ القرية؛ فأجابه مُجيب : لبيكَ
يا روحَ الله ، فقال : ما كانتْ جنايَتُكم وسبَبُ هلاكِكُمْ؟ قال : عبادةُ الطاغوت ، وحبُّ الدنيا . قال : وما كانتْ
عبادتكم للطاغوت ؟ قال : طاعة أهل المعاصي هي عبادة الطاغوت . قال : وما كان حُبُّكم للدنيا ؟ قال : كحبُّ
الصبيِّ لأمِّه، كنا إذا أقبلتْ فرِحْنا ، وإذا أدبرتْ حَزِنَّا معَ أملٍ بعيد ، وإدبارٍ عن طاعةِ الله ، وإقبالٍ على مَسَاخِطِه .
قال : فكيف كان هلاكُكُمْ؟ قال : بِتْنا ليلةً في عافية ، وأصبحِنا في هاوية . قال : وما الهاوية ؟ قال : سِجِّين .
قال : وما السِّجِّين؟ قال: جَمْرةٌ من نارٍ مثلُ أطباقِ الدنيا كُلِّها، دُفِنَتْ أرواحُنا فيها . قال : فما بالُ أصحابِك
لا يتكلَّمون؟ قال: لا يستطيعونَ أن يتكلَّموا. قال: وكيف ذلك؟ قال: هم مُلْجَمون بِلُجُم من نار. قالَ :
وكيف كلَّمْتَني أنتَ من بينهم ؟ قال : كنتُ فيهم لَمّا أصابهم العذاب ، ولم أكنْ منهم ولا على أعمالِهم ، فلمَّا جاء
البلاءُ عَمَّني معهم وأنا مُعلَّقٌ بشعرةٍ في الهاوية ، لا أدري أكردَسُ فيها أم أنجو ؟ فقال : عيسى عليه السلام عند ذلك
لأصحابه: بحقِّ أقولُ لكم ، لخُبزُ الشعير، [ و] شُربُ الماءِ القَرَاحِ ، والنومُ على المزابل ، كثيرٌ على عافيةِ الدنيا
والآخرة ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٦١، ٦٢ ). ).
وروى الطبراني عنه، أنه قال : لا يكونُ المرءُ حكيماً حتى يطيعَ اللهَ عزَّ وجلَّ ، وما عصى اللهَ حكيمٌ ، ولا يَعصي
الله إلَّ أحمق، وكما لا يكمُلُ النهارُ إلا بالشمس ، ولا يعرفُ الليلُ إلا كذلك لا تكملُ الحكمة إلا بطاعة الله
عزَّ وجلَّ، ولا يعصي الله حكيمٌ ، كما لا يطيرُ الطيرُ إلا بجناحَيْن ، ولا يستطيعُ منْ لا جناحَ له أنْ يطير ، كذلك
لا يطيعُ الله منْ لا يعملُ له ، ولا يُطيق عملَ اللهِ منْ لا يُطيعه، وكما لا مُكْثَ للنار في الماء حتى تُطفأ ، كذلك
لا مُكثَ لعمَلِ الرِّياء حتى يبور، وكما يُبدي سرَّ الزانيةِ وفضيحتَها فعلُها، كذلك يُفتضَحُ بالفعلِ السِّىءٍ مِنْ كان يُقِرُّ
لِجليسِه بالقولِ الحسن ولم يعمل به ( في الحلية: (( يغر الجليس بالقول الحسن إذا قال ما لا يفعل )). )، وكما
تكذبُ معذرةُ السارقِ بالسرقةِ إذا ظهرَ عليها عندَه ، كذلك تكذِبُ معصيةُ القارىءِ لله قراءتُه إذا كان يقرؤها لغيرِ
الله تعالى ( أخرجه أبو نعيم في الحلية ( ٤/ ٦٢). ).
وقال الطبراني : حدّثنا محمد بن النضر ، حدّثنا علي بن بحر بن بَرِّي، حدّثنا إسماعيل بن عبد الكريم ، حدّثنا
عبدُ الصمد بن مَعْقِل ، قال: سمعتُ وَهْباً يقولُ في مزاميرِ آلِ داود : طُوبَى لِمِنْ يسلك سبيلَ الحطَّابين ، ولا
يجالس البطَّالين ، وطوبى لِمَنْ يسلُكُ طريقَ الأئمة ، ويستقيمُ على عبادةٍ ربِّه ؛ فمثَلُه كمثَلِ شجرةٍ نابتةٍ على ساقيةٍ
لا تزالُ فيها الحياة، ولا تزالُ خضراء ( المصدر السابق. ) .
وروى الطبراني أيضاً عنه ، قال: إذا قامتِ الساعةُ صرَخَتِ الحجارةُ صُراخَ النساء ، وقطَرَتِ العِضَاهُ دَماً
( العِضاه : كلُّ شجرٍ له شوك، مثل الطَّلْح والسَّلم والسَّمُر والسِّدر، والخبر أخرجه أبو نعيم في الحلية
(٤/ ٦٣ ). ) .
ورُوي عنه أنه قال : ما من شيءٍ إلا يَبدو صغيراً ثم يكبّر إلّ المصيبة، فإنها تبدو كَبيرةً ثم تصغُر ( المصدر
السابق . ) .
ورُوي عنه أيضاً أنه قال : وقف سائلٌ على بابِ داودَ عليه السلام فقال: يا أهلَ بيتِ النبوّة ، تصدَّقوا علينا بشيءٍ
رَزَّفَكُمُ اللهَ رِزْقَ التاجرِ المقيم في أهله . فقال داود: أعْطُوه، فوالذي نفسي بيده، إنَّها لفي الزَّبُور ( المصدر
السابق . ) .
=

١٣٨
وفيات سنة ١١٠ هـ
وقال : منْ عُرفَ بالكذب لم يَجُزْ صِدْقُه ؛ ومنْ عُرف بالصّدْق اؤْتُمنَ على حديث ؛ ومنْ أكثر الغِيبة والبغضاءَ لم
يوثَقْ مِنهُ بالنَّصيحة ؛ ومنْ عُرف بالفُجور والخديعة لم يؤمنْ إليه في المِحْنة ؛ ومنِ انتحلَ فوقَ قدرِه جُحِدَ قدِرُه . ولا
تستحسِنْ فيكَ ما تستقبحُ في غيرِك ( في الحلية (٦٣/٤): ((ولا يحسن فيه ما يقبح في غيره)).).
هذه الآثارُ رواها الطبرانيُّ عنه من طُرق .
وروى داود بن عمرو ، عن إسماعيل بن عياش ، عن عبد الله بن عثمان بن خُثَيْم ، قال : قدم علينا وَهْبٌ مكة ،
فطفِقَ لا يشربُ ولا يتوضأُ إلَّ من زَمْزم ، فقيل له : ما لَكَ في الماء العذب؟ فقال: ما أنا بالذي أشربُ وأتوضَّأُ إلّ
من زمزمَ حتى أخرجَ منها ؛ إنكم لا تدرونَ ما ماءُ زَهْزم ، والذي نفسي بيده ، إنها لفي كتاب الله : طَعَامُ طُعْم ،
وشفاء سُقْم ، ولا يَعْمِدُ أحدٌ إليها يتضِلَّع منها رِيّاً ابتغاءَ بركتِها إلا نَزَعتْ منه داءً وأحدثَتْ له شفاءً . وقال : النظرُ في
زمزمَ عبادة . وقال: النظرُ فيها يحُطُّ الخطايا حطّاً ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٦٣/٤، ٦٤).).
وقال وهب: مُسخَ بُخْتَتَصَّرُ أسِداً فكان مَلِكَ السِّبَاعِ، ثم مُسخ نَسْراً فكان مَلِكَ الطيور ، ثم مُسخ ثوراً فكان مَلِكَ
الدواب، وهو في كلِّ ذلك يَعْقِلُ عَقْلَ الإنسان؛ وكان مُلكُه قائماً يُدبّر، ثم رَدَّ الله عليهِ رُوحَهُ إلى حالةِ الإنسان ،
فدعا إلى توحيدِ الله وقال : كلُّ إلَّهِ باطلٌ إلا إلَهَ السماء . فقيل له : أماتَ مؤمناً ؟ فقال : وجدتُ أهلَ الكتابِ قدِ
اختلفوا فيه ، فقال بعضُهم : آمَنَ قبلَ أنْ يموتَ. وقال بعضهم: قَتَلَ الأنبياءَ وحرَّقَ الكتب ، وحرَّقَ بيتَ
المقدِس ، فلم يُقْبَلْ منه التوبة ( المصدر السابق (٦٤/٤). ).
هكذا رواه الطبراني عن محمد بن أحمد بن الفرج ، عن عباس بن يزيد ، عن عبد الرزاق ، عن بكَّار بن عبد الله ،
قال : سمعتُ وَهْبَ بن مُنْبِّه يقول .. فذكره ..
وقال وَهْب : كان رجلٌ بمصر ، فسألهم ثلاثةَ أيام أن يُطعِموه فلم يُطعِموه ، فمات في اليوم الرابع ، فكفَّنوه
ودفنوه ، فأصبحوا فوجدوا الكفَنَ في مِحرابِهِم مكتوباً عليه : قتلتموه حَيّاً وبرَرْتُموهُ ميتاً . قال يحيى : فأنا رأيتُ
القريةَ التي ماتَ فيها ذلك الرجل وما بها أحدٌ إلا وله بيتُ ضِيافة ، لا غني ولا فقير ( المصدر السابق . ) .
هكذا رواه يحيى بن عبد الباقي ، عن علي بن الحسن عن عبد الله بن أخي وهب ، قال : حدّثني عمِّ وَهْب بن
منبِّه .. فذكره .. قال : وأهلُ القرية يعترفونَ بذلك؛ فمن ثمَّ اتَّخذوا بيوتاً للضِّيفانِ والفقراء ، خوفاً من ذلك.
وقال عبد الرزاق : عن بكار ، عن وَهْب ، قال: إذا دخلَتِ الهديةُ من الباب خرجَ الحقُّ من الكُوَّة ( المصدر
السابق . ) .
وقال إبراهيم بن الجنيد : حدّثنا إبراهيم بن سعيد ، عن عبد المنعم بن إدريس ، عن عبد الصمد ، عن وهب بن
منّبِّه ، قال : مرَّ نبيٌّ من الأنبياء على عابدٍ في كهف جبل ، فمال إليه فسلّم عليه وقال له : يا عبد الله ، منذُ كم أنت
هاهنا ؟ قال : منذُ ثلاثمئة سنة . قال : من أينَ معيشتك ؟ قال : من ورَقِ الشجر . قال : فمن أين شرابُك ؟ قال :
من ماءِ العيون . قال : فأين تكونُ في الشتاء ؟ قال : تحت هذا الجبل . قال : فكيف صبرُك على العبادة ؟ قال :
وكيف لا أصبر؟ وإنما هو يومي إلى الليل، وأما أمسِ فقد مضى بما فيه، وأما غدٌ فلم يأتِ بعدُ. فعجب النبيُّ من
قوله : إنما هو يومي إلى الليل ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٦٥). ).
وبهذا الإسناد أنَّ رجلاً من العُبَّاد قال لمعلِّمه : قطعتُ الهَوَى ، فلستُ أهوى من الدنيا شيئاً . فقال له معلِّمهُ:
أُتفرّقُ بين النساءِ والدوابِّ إذا رأيتهُنَّ معاً؟ قال : نعم . قال : أتفرِّقُ بين الدنانير والدراهم والحصا ؟ قال : نعم .
قال : يا بُني، إنك لم تقطع الهوى عنك، ولكنَّك قد أوثقته، فاحذرِ انفلاتَه وانقلابَه ( المصدر السابق. ) .
=

١٣٩
وفيات سنة ١١٠ هـ
وقال غوث بن جابر بن غيلان بن مُنبِّه : حدثني عَقِيل بن مَعِقِل ، عن وهب ، قال : اعمل في نواحي الدِّين لثلاث ،
=
فإنَّ الدِّينِ نواحِي ثلاثاً، هُنَّ جِمَاعُ الأعمالِ الصالحةِ لِمَن أرادَ جمعَ الصالحات: أولاهنَّ تعملُ شكراً للهِ على الأنعُم
الكثيراتِ الغاديات الرائحاتِ الظاهراتِ الباطناتِ الحادثاتِ القديمات ، يعملُ المؤمنُ شكراً لهنّ ، ورجاءَ تَمَامِهِنّ .
والناحيةُ الثانيةُ من الدِّين رغبةٌ في الجنةِ التي ليس لها ثَمَن ، وليس لها مِثْلٌ ، ولا يَزهَدُ فيها وفي العمَلِ لها إلا سفيه
فاجر ، أو منافقٌ كافر . والناحيةُ الثالثة من الدِّين أن يعملَ المومنُ فِراراً من النارِ التي ليس لأحدٍ عليها صَبر ، ولا
لأحدٍ بها طاقةٌ ولايدَان، وليست مصيبتُها كالمصيبات ، ولا حُزنُ أهلِها كالأحزان، نبَؤها عَظيم ، وشأنَها شديد،
والآخرةُ وحزنُها فظيع ، ولا يَغْفُلُ عن الفِرار والتعوُّذ بالله منها إلا سفيه أحمقُ خاسِر، قد ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ ذَلِكَ
هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: ١١] ( المصدر السابق. ).
وقال إسحاق بن راهويه: حدثنا عبد الملك بن محمد الذَّمَارِي ( في الأصل ( ق ): ( الدمادي ) تصحيف ،
والمثبت من التاريخ الكبير (٩٥/١) في ترجمة (٢٦١) محمد بن سعيد بن رمانة ، والمقتنى في سرد الكنى
(١٢٦/٢)، وتقريب التهذيب ص (٣٦٦). ويقال فيه عبد الملك بن عبد الرحمن أيضاً. ) قال : أخبرني
محمد بن سعيد بن رمانة ، قال : أخبرني أبي ، قال : قيل لوَهب : أليس مِفتاحُ الجنةِ لا إله إلا الله ؟ قال : بلى ،
ولكن ليس مِن مفتاحٍ إلا ولهُ أسنان ، فمن أتى الباب بمفتاح بأسنانه فُتح له ، ومن لم يأتِ البابَ بمفتاحٍ بأسنانهِ لم
يُفتَحْ له (أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٩٥/١)، وأبو نعيم في الحلية (٦٦/٤).).
وقال محمد : حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم ، حدثنا عبد الصمد بن مَعقِل ، أنه سمع وَهباً يقول : ركب ابنُ
ملكِ في جُند من قومه وهو شابٌّ ، فصُرع عن فَرَسِه ، فدُقَّ عُنُقُه ، فمات في أرضٍ قريبةٍ من القُرى ، فَغَضب أبوهُ
وحَلَف أن يقتُل أهلَ تلك القرية عن آخرهم ، وأن يطأهم بالأفيال ، فما أبقتِ الأفيالُ وطِئتهُ الخيل ، فما أبقتِ الخيلُ
وطِئتهُ الرجال . فتوجَّه إليهم بعد أن سقى الأفيالَ والخيل الخمرَ وقال : طؤوهُم بالأفيال ، وإلا فما أبقتِ الأفيالُ
فَلْتَطأهُ الخيل ، فما أخطأتهُ الخيل فَلتطأه الرجال ، فلما سمع بذلك أهلُ تلك القرية ، وعرَفوا أنه قصدَهم لذلك
خرجوا بأجمعِهم ، فجأروا إلى الله سبحانه ، وعَجُوا إليه وابتَهلوا يدعونَه تعالى ليَكشِف عنهم شَرَّ هذا الملك الظالم
وما قَصَدَهُ من هلاكِهم ، فبينما الملكُ وجيشهُ سائرون على ذلك ، وأهل القريةِ في الابتهال والدعاء والتضرُّع إلى الله
تعالى ، إذ نَزَلَ فارسٌ من السماء ، فوقع بينهم ، فنفرتِ الأفيال ، فطغت على الخيل ، وطغتِ الخيلُ على الرجال ،
فقُتل الملك ، ومن معه وُطىء بالأفيالِ والخيل ، ونَجَّى الله أهلَ تلك القريةِ من بأسِهم وشَرِّهم ( أخرجه أبو نعيم في
الحلية ( ٦٦/٤ ). ) .
وروى عبدُ الرزاق ، عن المنذر بن النعمان ، أنه سمع وهباً يقول : قال الله تعالى لصخرةٍ بيت المقدس : لأضَعَنَّ
عليكِ عرشي، ولأحشُرَنَّ عليكِ خَلقي ، وليأتينَّك داودُ يومئذ راكباً ( المصدر السابق. ) .
وروى سمَاكُ بن الفضل، عن وهب ، قال : إني لأتفقَّدُ أخلاقي، وما فيها شيءٌ يُعجِبُني ( المصدر السابق.) .
وروى عبد الرزاق عن أبيه ، قال : قال وهب: رُبَّما صلَّيتُ الصُّبحَ بوضوءِ العَتَمة ( أخرجه أبو نعيم في الحلية
(٦٦/٤، ٦٧ ). ) .
وقال بَقِيَّةً بن الوليد : حدثنا ثور بن يزيد ( في ( ق ) : ( بقية بن الوليد حدثنا زيد بن خالد ) ، وفي
الحلية : ( بقية بن الوليد عن زيد بن خالد بن معدان ) . وكلاهما تصحيف ، والمثبت من كتب الرجال . ) ، عن
خالد بن مَعدَان ، عن وهب ، قال : كان نُوحٌ عليه السلام من أجملِ أهل زمانه ، وكان يلبس البُرقُع ، فأصابَهُم =

١٤٠
وفيات سنة ١١٠ هـ
مجاعةٌ في السفينة ، فكان نوحٌ إذا تجَلَّى لهم شَبِعوا ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٦٧) ، وذكره الذهبي في سير
=
أعلام النبلاء (٤/ ٥٥١). ) .
وقال : قال عيسى : الحق أقولُ لكم : إن أشدَّكم جزعاً على المُصيبة أشدُّكم حُبّاً للدنيا ( أخرجه أبو نعيم في
الحلية ( ٤ / ٦٧ ). ) .
وقال جعفر بن بُرقان : بلغنا أن وهباً كان يقول : طُوبى لِمن نظر في عيبهِ عن عَيب غيرِهِ ، وطُوبى لمن تواضع لله
من غيرِ مَسكنة ، ورحِم أهلَ الذُّل والمَسكنة ، وتصدَّق من مالٍ جَمَعَهُ من غيرِ مَعصية ، وجالسَ أهلَ العلمِ والحِلم
والحكمة، ووَسعَتْهُ السُّنَّة، ولم يتعدَّها إلى البِدْعَة ( المصدر السابق. ) .
وروى سيَّار ، عن جعفر، عن عبد الصمد بن مَعقِل ، عن وهب ، قال : وجدتُ في زَبُورِ داود : يا داود ، هل
تدري من أسرَعُ الناسِ مَرَّاً على الصّراط؟ الذين يَرضَونَ بِحُكمي، والسنتهم رَطْبَةٌ بذِكْري ( المصدر السابق ، وتتمته
فيه : ( هل تدري أي الفقراء أفضل ؟ الذين يرضون بحكمي وبقسمي ويحمدونني على ما أنعمت عليهم ؛ هل تدري
يا داود أي المؤمنين أعظم عندي منزلةً ؟ الذي هو بما أعطى أشدّ فرحاً منه بما حبس). ) .
وقيل : إنَّ عابداً عَبَدَ اللهَ تعالى خمسين سنة ، فأوحى الله إلى نبيِّهم : إني قد غفرتُ له ، فأخبَرَه ذلك النبيُّ فقال :
أي ربّ ، وأيُّ ذنبٍ تغفرُ لي [ ولم أذنب ]؟ فأمر عِرقاً في عُنقه فضَرَبَ عليه، فلم يَنم ولم يهدأ ولم يصلِّ ليلَته ، ثم
سكنَ العِرقُ ، فشكا ذلك إلى النبيِّ فقال : ما لاقيتُ من عرقٍ ضرَبَ علي في عُنقي ثم سكن ؟ فقال له النبي : إنَّ الله
يقول : إنَّ عبادتَك خمسين سنة ما تَعدِلُ سكون هذا العِزْق ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٦٨/٤).).
وقال وهب : رؤوس النعم ثلاثة: إحداها نعمة الإسلام التي لا تتمُّ نعمةٌ إلا بها ، والثانية نعمةُ العافية التي
لا تطيبُ الحياةُ إلا بها ، والثالثة نعمةُ الغِنَى التي لا يتمُّ العيشُ إلَّ بها ( المصدر السابق.).
ومزَّ وهبٌ بِمُبتَلى أعمى، مجزوم ، مُقعد، عُريان، به وَضَح ، وهو يقول : الحمد لله على نِعَمِه . فقال له
رجلٌ كان مع وهب : أيُّ شيءٍ بَقِيَ عليكَ من النعمَة تحمِدُ اللهَ عليه؟ فقال المبتلى : أدِم بصرَكَ إلى أهل المدينةِ
وانظر إلى كثرة أهلها ، أولا أحمد الله أنه ليس فيها أحدٌ يعرفَه غيري ( المصدر السابق . ) .
وقال وهب: المؤمن يخالطُ لِيعلم، ويَسكت ليسلَمَ، ويتكَّلم ليفهَم، ويخلو لِيَنْعَم ( في الأصل (ق):
( ليفقههم ويخلو ليقيم ) والمثبت من المصدر السابق . ) .
وقال : المؤمن مُفكِّر مُذَكِّر مُدَّخِر ، تذكَّر فغلبتهُ السَّكينة ، سكنَ فتواضع فلم يُتَّهَم ، رفضَ الشهوات فصار حُراً ،
ألقى عنه الحسدَ فظهرت له المحبَّة ، زهِدَ في كلِّ فانٍ فاستكمل العقل ، رغب في كلِّ باقٍ فعَقَل المعرفة ، قلبُه متعلّق
بهمِّه، وهُّهُ موَّلٌ بِمَعَادِهِ ، لا يفرحُ إذا فرحَ أهلُ الدنيا ، بل حُزْنهُ عليه سَرمَد ، وفَرحُه إذا نامتِ العيونُ ، يتلو
كتاب الله ويُرَدِّدُهُ على قلبه ، فمرَّةً يفرُغُ قلبُه، ومزَّةٌ تدمَعُ عينُه ، يقطع عنه الليل بالتلاوة ، ويقطع عنه النهار بالخلوةِ
والعزلة ، مفكِّراً في ذنوبه ، مستصغراً لأعمالِه ( المصدر السابق . ) .
وقال وهب : فهذا ينادى يومَ القيامة في ذلك الجمع العظيم على رؤوس الخلائق : قُم أيها الكريم ، فادخل
الجنة .
وقال إبراهيم بن سعيد ، عن عبد الرحمن بن مسعود ، عن ثور بن يزيد ، قال : قال وهبُ بن منبّه: الويل لكم
إذا سمَّاكمُ الناس صالحين ، وأكرموكم على ذلك ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٦٩/٤). ).
وقال الطبراني : حدثنا عُبيد بن محمد الكشوري ، حدثنا همام بن سلمة بن عقبة ، حدثنا غوث بن جابر ، حدثنا=