Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
ترجمة عمر بن عبد العزيز
وخرج ابنٌ له وهو صغير يلعب مع الغلمان فشجَّه صبيٌّ منهم ، فاحتملوا الصبيَّ الذي شجَّ ابنه وجاءوا
به إلى عمر ، فسمع الجَلَبة فخرج إليهم ، فإذا مُرَيْئَةٌ تقول : إنه ابني وإنه يتيم . فقال لها عمر : هوِّني
عليك . ثم قال لها عمر : أله عطاء في الديوان ؟ قالت : لا ! قال : فاكتبوه في الذرِّيَّة . فقالت زوجته
فاطمة : أتفعل هذا به وقد شجَّ ابنك ؟ فعل الله به وفعل ، المرة الأخرى يشجُّ ابنَك ثانية . فقال :
ويحك ، إنه يتيم وقد أفزعتموه(١) .
وقال مالك بن دينار : يقولون مالكٌ زاهد، أيُّ زهدٍ عندي (٢)؟ إنما الزاهدُ عمر بن عبد العزيز، أتَتْهُ
الدنيا فاغرةً فاها فتركها جملة (٣) .
قالوا : ولم يكن له سوى قميصٍ واحد ، فكان إذا غسلوه جلسَ في المنزل حتى بيبس ، وقد وقف مرة
على راهبٍ فقال له : ويحك عظني ، فقال له : عليك بقول الشاعر :
تجرّدْ من الدنيا فإنَّكَ إنما خرجتَ إلى الدنيا وأنتَ مُجرَّدُ
قال : وكان يعجبه ويكرره وعمل به حق العمل(٣) .
قالوا : ودخل على امرأته يوماً فسألها أنْ تُقرضه درهماً أو فلوساً يشترى له بها عنباً ، فلم يجدْ عندَها
شيئاً ، فقالت له : أنت أميرُ المؤمنين وليس في خزانتِك ما تشتري به عنباً ؟ فقال : هذا أيسر من معالجة
الأغلال والأنكال غداً في نار جهنّم(٤) .
قالوا : وكان سراجُ بيتِه على ثلاث قصباتٍ في رأسهن طين (٥).
قالوا : وبعث يوماً غلامَهُ ليشويَ له لحمةً ، فجاءه بها سريعاً مشويَّةً ، فقال : أين شويتَها ؟ قال : في
المطبخ ، فقال : في مطبخ المسلمين ؟ قال : نعم . فقال: كُلْها فإنِّي لم أُرِزَقْها، هي رزقُك(٦) .
وسخّنوا له ماءً في المطبخ العام ، فرَدَّ بدلَ ذلك بدرهمٍ حطباً(٥) .
وقالت زوجتُه : ما جامع ولا احتلم وهو خليفة (٦) .
قالوا : وبلَغَ عمرَ بن عبد العزيز عن أبي سلام الأسود أنه يحدِّثُ عن ثوبان بحديثِ الحَوْض ، فبعثَ
إليه فأحضره على البريد وقال له كالمتوجِّع يا أبا سلام ما أرَدْنا المشَقَّة عليك ، ولكنْ أردتُ أنْ تشافهَني
(١) تاريخ ابن عساكر (٥٤/ ١٦٧، ١٦٨).
(٢) في تاريخ ابن عساكر (١٦٨/٥٤): ((أي زهد عند مالك وله جبة وكساء!؟)).
(٣)
انظر تاريخ ابن عساكر ( ١٦٩/٥٤).
تاريخ ابن عساكر ( ٥٤/ ١٧٢ ).
(٤)
(٥)
انظر تاريخ ابن عساكر ( ٥٤/ ١٧٣ ) .
(٦) انظر تاريخ ابن عساكر (٥٤/ ١٧٤).

٢٢
ترجمة عمر بن عبد العزيز
بالحديثِ مُشافهةً، فقال: سمعت ثوبانَ يقول: قال رسولُ الله ◌ِوَّمَ: ((حَوْضي ما بينَ عدَنَ إلى عمَّان
البَلْقاء ، ماؤه أشدُّ بياضاً من اللََّن، وأحْلَى من العسَل، أكاويبُه عددُ نجوم السماء ، مَنْ شِرِبَ منه شربة
لم يظمَأُ بعدَها أبداً ، وأوَّل الناسِ وروداً عليه فقراءُ المهاجرين ، الشُّعْثُ رؤوساً ، الدُّنس ثياباً ، الذين
لا ينكِحون المتنعِّمات، ولا تُفتح لهم السُّدد)». فقال عمر: لكني نكحت المتنعِّمات، فاطمة بنت
عبد الملك ، فلا جَرَم لا أغسل رأسي حتى يَشْعث، ولا أُلْقي ثوبي حتى يَتَّخُ(١).
قالوا : وكان له سراجٌ يكتبُ عليه حوائجَه ، وسراجٌ لبيتِ المال يكتبُ عليه مصالحَ المسلمين ،
لا يكتبُ على ضوئه لنفسِه حرفاً . وكان يقرأ في المصحف كلَّ يوم أوَّلَ النهار ، ولا يُطيلُ القراءة ، وكان
له ثلاث مئة شرطي ، وثلاث مئة حَرَسيّ . وأهدى له رجل من أهل بيتهِ تفاحاً فاشتمَّه ثم ردّه مع الرسول ،
وقال له : قل له قد بلغَتْ محلَّها ، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين إنَّ رسول الله وَلِّ كان يقبلُ الهدية،
وهذا رجلٌ من أهلِ بيتك ، فقال: إنَّ الهديَّةَ كانتْ لرسولِ اللهِِّ هديَّةً، فأمَّا نحن فهي لنا رِشْوَةً(٢)
قالوا : وكان يُوسعُ على عمَّاله في النفقة ، يُعطي الرجلَ منهم في الشهر مئة دينار ، ومئتي دينار ،
وكان يتاوَّلُ أنهم إذا كانوا في كفاية تفرَّغوا لأشغالِ المسلمين ، فقالوا له : لو أنفقتَ على عيالك كما تُنفق
على عُمَّالك ؟ فقال : لا أمنَعُهم حقّاً لهم ، ولا أُعطيهم حقَّ غيرِهم .
وكان أهلُه قد بَقُوا في جهدٍ عظيم ، فاعتذر بأنَّ معهم سلفاً كثيراً من قبل ذلك ، وقال يوماً لرجلٍ من
ولدِ علي : إني لأستحي من الله أن تقفَ ببابي ولا يؤذنُ لك . وقال لآخر منهم : إني لأستحي من الله
وأرغبُ بك أن أدنِّسك بالدنيا لما أكرمكم الله به .
وقال أيضاً : كنَّا نحن وبنو عمنا بنو هاشم مرَّةً لنا ومرَّةً علينا ، نلجَأُ إليهم ويلجَؤون إلينا ، حتى
طلعت شمسُ الرسالة فأكسدتْ كلَّ نافق ، وأخرسَتْ كلَّ منافق ، وأسكتَتْ كل ناطق (٣).
وقال أحمد بن مروان : ثنا أبو بكر أخوُ) خطَّاب حدّثنا خالد بن خداش حدّثنا حماد بن زيد عن
موسى بن أعْيَن الراعي - وكان يرعى الغنمَ لمحمد بن أبي عُيينة - قال: كانتِ الأَسد والغنمُ والوحش
(١) تاريخ ابن عساكر (١٧٤/٥٤)، وحديث الحوض عن أبي سلام عن ثوبان أخرجه الترمذي (٢٤٤٤) في صفة
القيامة والرقائق والورع ، وقال الترمذي : حديث حسن صحيح غريب ؛ وابن ماجه ( ٤٣٠٣) في الزهد . وأحمد
في المسند (٢١٨٦٢)؛ وأحمد في المسند (٢٢٣٦٧) . والمرفوع منه صحيح، دون قوله (أول الناس ... إلى
آخره ) وفي الباب من حديث الحوض عن حذيفة بن اليمان وعبد الله بن عمر وأبي برزة الأسلمي وحارثة بن وهب
والمستورد بن شداد .
انظر هذه الأخبار بأسانيدها في تاريخ ابن عساكر (١٧٤/٥٤ - ١٧٧ ).
(٢)
(٣)
انظر تاريخ ابن عساكر (١٧٩/٥٤ ) .
(٤) في (ق): ((حدثنا أبو بكر بن أخي خطاب))، والمثبت من (ح، ب) وتاريخ ابن عساكر (١٨٠/٥٤).

٢٣
ترجمة عمر بن عبد العزيز
تَرْعى في خلافةِ عمرَ بنِ عبدِ العزيز في موضع واحد ، فعرض ذاتَ يوم لشاةٍ منها ذئبٌ ، فقلتُ : إِنَّا لله ،
ما أرى الرجلَ الصالح إلَّ قد هلَكَ. قال فحسَب(١)، فوجدناه قد هلك في تلك الليلة . ورواهُ غيره عن
حمَّاد فقال : كنَّا نَرْعى الشاءَ بكَرْمان ، فذكر نحوه ؛ وله شاهدٌ من وجهٍ آخر .
ومن دعائه : اللهم إنَّ رجالًا أطاعوك فيما أمرتهم وانتهَوْا عما نهيتَهم ، اللهمَّ وإنَّ توفيقَك إيَّاهم كان
قبل طاعتهم إياك ، فوفَّقْني(٢) . ومنه: اللهمَّ إنَّ عمر ليس بأهلٍ أنْ تنالَهُ رحمتك، ولكنَّ رحمتك أهلٌ أنْ
تنالَ عمر(٢) .
وقال له رجل : أبقاك الله ما كان البقاءُ خيراً لك . فقال: هذا شيء قد فُرغ منه ، ولكنْ قلْ: أحياكَ
الله حياةً طيبةً ، وتوفَّاك مع الأبرار(٣).
وقال له رجل : كيف أصبحتَ يا أمير المؤمنين ؟ فقال : أصبحتُ بطيئاً بطيناً ، متلوثاً بالخطايا ،
أتمنَّى على الله عزَّ وجلَّ(٣) .
ودخل عليه رجلٌ . فقال : يا أمير المؤمنين إنَّ مَنْ كان قبلك كانتِ الخلافةُ لهم زيناً ، وأنت زين
الخلافة ، وإنما مثلك يا أمير المؤمنين كما قال الشاعر :
وإذا الدُّرُ زانَ حُسْنَ وجوهٍ كانَ للدرِّ حسنُ وجهِكَ زَيْنا
قال : فأعرضَ عنه عمر(٣) .
وقال رجاءُ بن حَيْوَة : سمَرْتُ عند عمر بن عبد العزيز ذات ليلة فعشي السراجُ فقلت : يا أمير
المؤمنين : ألا أنبه هذا الغلام يصلحه ؟ فقال : لا ! دعه ينام ، لا أحب أن أجمع عليه عملين . فقلت :
أفلا أقومُ أُصلحه ؟ فقال: لا! ليس من المروءةِ استخدامُ الضَّيف . ثم قام بنفسه فأصلحَه وصبَّ فيه زيتاً
ثم جاء وقال : قمتُ وأنا عمر بن عبد العزيز ، وجلستُ وأنا عمر بن عبد العزيز(٤).
وقال : أكثروا ذكرَ النعم ، فإنَّ ذكرَها شكرُها٥) .
وقال : إنه ليمنعني من كثرة الكلام(٦) مخافةُ المباهاة .
وبلغه أنَّ رجلاً من أصحابه تُوفي ، فجاء إلى أهله ليعزِّيهم فيه ، فصرخوا في وجهه بالبكاء عليه ،
في (ح، ق): ((فحسبناه))، والمثبت من ( ب) وتاريخ ابن عساكر ١٨٠/٥٤.
(١)
(٢)
تاریخ ابن عساكر ( ٥٤/ ١٨٠) .
(٣)
تاريخ ابن عساكر ( ٥٤/ ١٨١ ).
(٤)
تاريخ ابن عساكر ( ١٨٤/٥٤، ١٨٥ ).
تاريخ ابن عساكر ( ١٨٦/٥٤).
(٥)
في (ق): ((من كثرة ذكرها)) تصحيف، والمثبت من (ب، ح) وتاريخ ابن عساكر (٥٤ / ١٨٧).
(٦)

٢٤
ترجمة عمر بن عبد العزيز
فقال : مَهْ، إنَّ صاحبَكم لم يكنْ يرزقُكم ، وإنَّ الذي يرزقُكم حيٌّ لا يموت، وإنَّ صاحبكم هذا، لم
يسدَّ شيئاً من حُفَركم، وإنما سدَّ حفرةَ نفسِه ، ألا وإنَّ لكلِّ امرىءٍ منكم حفرةً لا بدَّ والله أن يسدّها ، إنَّ الله
عزَّ وجلَّ لما خلَقَ الدنيا حكم عليها بالخرَاب ، وعلى أهلها بالفناء ، ما امتلأت دارٌ حَبْرَةُ(١) إلا امتلأتْ
عَبْرَةً ، ولا اجتمعوا إلا تفرَّقوا ، حتى يكونَ الله هو الذي يرثُ الأرضَ ومَنْ عليها ، فمن كان منكم باكياً
فليبكِ على نفسه ، فإنَّ الذي صار إليه صاحبُكم كلُّ الناس يصيرون إليه غداً .
وقال ميمون بن مِهْرَان : خرجتُ مع عمرَ إلى القبور فقال لي : يا أبا أيوب ! هذه قبورُ آبائي بني
أمية ، كأنهم لم يشاركوا أهلَ الدنيا في لذَّتهم وعيشِهم، أما تراهم صَرْعَى قد خَلَتْ فيهم المَثُلات (٢) ،
واستحكم فيهم البلاء ؟ ثم بكى حتى غُشي عليه ، ثم أفاق فقال : انطلقوا بنا ، فوالله لا أعلمُ أحداً أنعمَ
ممَّنْ صار إلى هذه القبور ، وقد أمِنَ من عذابِ الله، [ ينتظر ثواب الله (٣) .
وقال غيره : خرج عمر بن عبد العزيز في جنازة فلما دُفنت قال لأصحابه : قفوا حتى آتي قبورَ
الأحبَّة . فأتاهم فجعل يبكي ويدعو ، إذْ هتفَ به الترابُ فقال: يا عمر ألا تسألُني ما فعلتُ بالأحبَّة ؟
قال : قلتُ : وما فعلتَ بهم ؟ قال: مزَّقْتُ الأكفان ، وأكلتُ اللحوم، وشدَخْتُ المقلتين، وأكلتُ
الحدقَتَيْن، ونَزَعْتُ الكفَّين من السَّاعدَيْنِ ، والساعدَيْن من العَضُدَيْن، والعضدَيْن من المنكبَيْن ،
والمنكبينِ من الصُّلب ، والقدَمَيْنِ من الساقَيْن ، والساقينِ من الفخِذَيْن ، والفخذينِ من الوَرْك ، والوَرْكَ
من الصُّلب . وعمر يبكي ، فلما أراد أن يذهب قال له : يا عمر ، أدلُّك على أكفانٍ لا تبلَى ؟ قال :
وما هي ؟ قال : تقوى الله والعمل الصالح(٤).
وقال مرة لرجلٍ من جلسائه : لقد أرقتُ الليلةَ مفكِّراً، قال : وفيمَ يا أمير المؤمنين ؟ قال : في القبر
وساكنِهِ ، إنك لو رأيتَ الميت بعد ثلاث في قبره ، وما صار إليه ، لاستوحشتَ من قربِه بعد طولِ الأُنس
منك بناحيته ، ولرأيتَ بيتاً تجولُ فيه الهوائُ ويجري فيه الصديد ، وتخترقُ فيه الديدان ، مع تغيُّر الريح ،
وبِلَى الأكفان بعد حُسن الهيئة وطيب الريح ، ونقاء الثوب ، قال : ثم شهق شهقة خرَّ مغشياً عليه(٥) .
(١) في (ق، ح): ((خبرة)) تصحيف، والمثبت من ( ب) وتاريخ ابن عساكر (١٨٧/٥٤)؛ والحبرة: أثر النعمة
والسرور .
(٢)
في ( ح) وتاريخ ابن عساكر (١٨٩/٥٤): ((حلت فيهم المثلات))، وفي (ق): ((خلت بهم))، والمثبت من
( ب) والمثلاث: العقوبات التي يقع بها الاعتبار. وخلت: مضَتْ إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ
قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَثُ﴾ [ الرعد: ٦] وتقديره: خلت المثلات بأقوام أو خلا أصحاب المثلات
فحذف المضاف . انظر مجمع البيان ( ٢٧٨/٣).
(٣)
ما بين الحاصرتين ليس في الأصول ولا تاريخ ابن عساكر وهو من ( ق ) .
(٤)
تاريخ ابن عساكر (١٨٩/٥٤).
تاريخ ابن عساكر ( ٥٤/ ١٩٠).
(٥)

٢٥
ترجمة عمر بن عبد العزيز
وقال مقاتلُ بن حيَّان: صلَّيتُ وراءَ عمرَ بنِ عبد العزيز فقرأ: ﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَهُم ◌َسْئُولُونَ﴾ [ الصافات: ٢٤]
فجعل يكرِّرها وما يستطيعُ أنْ يتجاوزه١) .
وقالتِ امرأتُه فاطمة : ما رأيتُ أحداً أكثرَ صلاةٌ وصياماً منه، ولا أحداً أشدَّ فرَقَا من ربّه منه ، كان
يصلِّي العشاء ثم يجلسُ يبكي حتى تغلِبَه عيناه ، ثم ينتبه فلا يزالُ يبكي حتى تغلبه عيناه(١) .
قالت : ولقد كان يكون معي في الفراش ، فيذكرُ الشيء من أمر الآخرة فينتفضُ كما ينتفضُ العصفور
في الماء ، ويجلسُ يبكي ، فأطرَحُ عليه اللحاف رحمة الله له ، وأنا أقول : يا ليتَ كان بيننا وبين الخلافة
بعدُ المشرقَيْن ، فو الله ما رأينا سروراً منذ دخلنا فيها٢) .
وقال علي بن زيد : ما رأيتُ رجلينٍ كأنَّ النار لم تُخلَقْ إلا لهما مثل الحسن وعمر بن عبد العزيز(٣).
وقال بعضُهم: رأيتُه يبكي حتى بكى (٤) دماً. قالوا: وكان إذا أوى إلى فراشه قرأ: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ
اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِ سِنَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤]. الآية، ويقرأ: ﴿ أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُم
بَأْسُنَا بَيَتًا وَهُمْ نَآَيِمُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧]. ونحو هذه الآيات (٤).
وكان يجتمع إليه كلَّ ليلة أصحابُه من الفقهاء ، فلا يذكرون إلَّ الموتَ والآخرة. ثم يبكون حتى كأنَّ
بينهم جنازة(٥) .
وقال أبو بكر الصولي عن المبرِّد : كان عمر بن عبد العزيز يتمثَّلُ بقولِ الشاعر :
فما تزودَ مما كانَ يجمعهُ سوى حَنُوطِ غداةَ البينِ فِي خِرَقِ
وقلَّ ذلكَ من زادٍ لمنطلقٍ
وغيرَ نفحةِ أعوادٍ تُشْبُّ لهُ
إنْ لا يسِرْ طائعاً في قصدِها يُسَقِ(٦)
بأيّما بلدٍ كانتْ منيتُه
ونظر عمر بن عبد العزيز وهو في جنازةٍ إلى قوم قد تلثَّموا من الغُبار والشمس ، وانحازوا إلى الظُّلّ ،
فبكى وأنشأ يقول (٧) :
مَنْ كانَ حينَ تصيبُ الشمسُ جبهتَهُ أو الغبارُ يخافُ الشَّيْنَ والشَّعَئا
تاريخ ابن عساكر ( ١٩١/٥٤ ) .
(١)
(٢)
انظر تاريخ ابن عساكر (١٩١/٥٤، ١٩٢).
(٣)
تاريخ ابن عساكر ( ٥٤/ ١٩٢ ).
(٤)
تاريخ ابن عساكر (١٩٣/٥٤).
انظر تاريخ ابن عساكر (١٩٤/٥٤).
(٥)
(٦)
تاریخ ابن عساكر ( ٥٤/ ١٩٥ ) .
في (ق): ((وأنشد))، وفي تاريخ ابن عساكر: ((وقال))، والمثبت من (ب، ح ).
(٧)

٢٦
ترجمة عمر بن عبد العزيز
فسوفَ يسكنُ يوماً راغِماً جَدَثا
ويألفُ الظلَّ كي تبقى بشاشتُهُ
يُطيلُ في قعرِها تحتَ الثرى لَئِ (١)
في قعز مظلمةٍ غبراءَ موحشةٍ
يا نفسُ قبلَ الرَّدَى لم تُخلقي عَبثا(٢)
تجهزي بجهازٍ تبلغينَ بهِ
وقال المفضَّل بن غسَّان الغَلابي(٣) : كان عمر بن عبد العزيز لا يجفُّ فُوهُ من هذا البيت :
ولا خيرَ في عيشِ امرىءٍ لم يكنْ لهُ مِنَ اللهِ في دارِ القرارِ نصيبُ
وزاد غيره معه بيتاً حسناً وهو قوله :
فإنْ تُعجبِ الدنيا أناساً فإنَّها متاعٌ قليلٌ والزوالُ قريبُ
ومن شعره الذي أنشدَهُ ابنُ الجَوْزي :
أنا مَيْتُ وعزَّ منْ لا يموتُ قَدْ تَيقَّنْتُ أَنَّنِي سأموتُ
(١) في (ق): ((اللبثا))، والمثبت من ( ب، ح ) وتاريخ ابن عساكر.
(٢) بعد هذه الأبيات في ( ق) زيادة ليست في ( ب، ح) ولا في تاريخ ابن عساكر وضعناها هنا في الحاشية وهذه هي :
هذه الأبيات ذكرَها الآجرِّي في (( أدب النفوس )) بزيادةٍ فيها فقال : أخبرنا أبو بكر أنبأنا أبو حفص عمر بن سعد
القَرَاطيسي ، حدثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي الدنيا ، حدّثني محمد بن صالح القرشي ، أخبرني عمر بن الخطاب
الأزدي ، حدّثني ابنٌ لعبد الصمد بن عبد الأعلى بن أبي عمرة قال: أرادَ عمر بن عبد العزيز أن يبعثَه رسولًا إلى
أليون طاغيةِ الرُّوم يدعوهُ إلى الإسلام ، فقال له عبد الأعلى : يا أمير المؤمنين ! إنذن لي في بعض بنيَّ يخرجُ معي
- وكان عبدُ الأعلى له عشرةٌ من الذكور - فقال له : انظر من يخرجُ معك من ولدك . فقال : عبد الله ، فقال له
عمر : إني رأيتُ ابنك عبدَ الله يمشي مشيةً كرهتُها منه ومقتُه عليها ، وبلغني أنه يقولُ الشعر . فقال عبدُ الأعلى : أما
مشيته تلك فغريزة فيه ، وأما الشعر فإنما نوَّاحةٌ ينوحُ بها على نفسه ، فقال له : مُرْ عبدَ الله يأتيني وخذْ معك غيره ،
فراح عبدُ الأعلى بابنه عبد الله إليه ، فاستنشده فأنشده ذلك الشعرَ المتقدِّم :
يا نفسُ قبلَ الرَّدَى لمْ تُخلقي عَبَثَا
تجهَّزي بجهازٍ تبلغينَ بهِ
إنَّ الردَى وارثُ الباقي وما وَرِثا
واستيقظي لا تكوني كالذي بحثا
فوافتِ الحرثَ موفوراً كما حُرثا
قدِ استوى عندهُ منْ طابَ أو خَبُئًا
أضحى بهِ آمناً أمسى وقدْ حدثا
أو الغبارُ يخافُ الشينَ والشَّعَثا
فكيفَ يسكنُ يوماً راغماً جِدِّثا
يُطيلُ تحتَ الثرى مِنْ قعرهاَ اللَّبَّنَا
ولا تكدِّي لمن يبقى وتفتقري
واخشَيْ حوادثَ صَرْفِ الدهر في مهلٍ
عن مُديةٍ كان فيها قطعُ مدَّتهٍ
لا تأمني فجعَ جهرٍ مترفٍ خَتِلٍ
يا رُبَّ ذي أملٍ فيه على وجل
مِنْ كانَ حينَ تصّيبُ الشمسُ جبهتَهُ
ويألفُ الظلَّ كي تبقى بشاشتهُ
قفراءَ موحشة غبراءَ مظلمة
وقد ذكرها ابنُ أبي الدنيا ، فعمر أنشدها عنه ، والله سبحانه وتعالى أعلم . وكان عمر يتمثّل بها كثيراً ويبكي .
(٣) في (ق): ((الفضل بن عباس الحلبي)) تحريف، والمثبت من (ح، ب )، والخبر في تاريخ ابن عساكر
( ٥٤ / ١٩٦ ) .

٢٧
ترجمة عمر بن عبد العزيز
ليسَ مُلكٌ يزيلهُ الموتُ مُلْكاً إنما الملكُ مُلْكُ منْ لا يموتُ
وقال عبد الله بن المبارك : كان عمر بن عبد العزيز يقول :
كما اغترَّ باللذاتِ في النومِ حالمُ
نُسُ بما يَبْلَى (١) وتفرحُ بالمُنى
وليلكَ نومٌ والردى لكَ لازمُ
نهارُكَ يا مغرورُ سهوٌ وغفلةٌ
كذلكَ في الدنيا تعيشُ البهائمُ(٢)
وسعيُكَ فيما سوفَ تكرهُ غِبَّهُ
وقال محمد بن كثير : قال عمر بن عبد العزيز يلومُ نفسه ويعاتبُها :
وكيفَ يطيقُ النَّومَ حیرانُ هائمُ
أيقظانُ أنتَ اليومَ أم أنتَ نائمُ
مدامعَ(٣) عينيكَ الدموعُ السواجمُ
فلو كنتَ يقظانَ الغداة لحرَّقتْ
وليلك نوم والرَّدَى لك لازمُ
نهارك يا مغرورُ سَهْوٌ وغفلةٌ
كذلك في الدنيا تعيش البهائم (٤)
وتُشغلُ فيما سوف تكرَهُ غِبَّهُ
وروى ابنُ أبي الدنيا بسنده عن فاطمة بنتِ عبدِ الملك قالت : انتبه عمر ذات ليلةٍ وهو يقول : لقد
رأيت الليلة رؤيا مُعجبة، فقلت : أخبرني بها ، فقال: حتى نُصبح؛ فلمَّا صلَّى الصبحَ بالمسلمين ، ثم
دخل سألته عنها ، فقال : رأيتُ كأني دُفعت إلى أرضٍ خضراءَ واسعة ، كأنها بساطٌ أخضر وإذا فيها قصرٌ
كأنَّه الفضة، فخرج منه خارج فنادَى أين محمد بن عبد الله، أين رسولُ الله؟ إذْ أقبل رسولُ الله ◌َرِ ،
حتى دخل ذلك القصر ، ثم خرج آخرُ فنادى : أين أبو بكر الصديق ؟ فأقبل فدخل ، ثم خرج آخرُ فنادَى :
أين عمر بن الخطاب ؟ فأقبل فدخل ، ثم خرج آخرُ فنادى أين عثمان بن عفان ؟ فأقبل فدخل ، ثم خرج
آخر فنادى أين عليّ بن أبي طالب؟ فأقبل فدخل ، ثم خرج آخرُ فنادى أين عمر بن عبد العزيز ؟ فقمتُ
فدخلت فجلست إلى جانب أبي عمرَ بنِ الخطاب، وهو عن يسارِ رسول الله بَّر، وأبو بكر عن يمينه ،
وبينه وبين رسول الله وَّو رجل ، فقلت: لأبي : منْ هذا؟ قال: هذا عيسى ابنُ مريم ، ثم سمعتُ هاتفاً
يهِفُ بيني وبينه نورٌ لا أراه ، وهو يقول: يا عمر بن عبد العزيز تمسَّكْ بما أنتَ عليه، واثبُتْ على ما أنت
(١) في (ق): ((يفنى))، والمثبت من ( ب، ح ) وتاريخ ابن عساكر.
(٢) تاريخ ابن عساكر (٥٤/ ١٩٧).
(٣) في (ق): ((محاجر عينيك))، والمثبت من ( ب، ح ) وتاريخ ابن عساكر .
(٤) في (ق ) بدل البيتين الأخيرين هذه الأبيات الثلاثة :
إليك أمور مفظعات عظائم
أصبحت في النوم الطويل وقد دنت
وتكدح فيما سوف تكره غبه
كذلك في الدنيا تعيش البهائم
ولا أنت في الأيقاظ يقظان حازم
فلا أنت في النوام يوماً بسالم
والمثبت من ( ب، ح) وتاريخ ابن عساكر (٥٤/ ١٩٧، ١٩٨).

٢٨
ترجمة عمر بن عبد العزيز
عليه ، قال : ثم كأنه أذنَ لي في الخروج فخرجتُ ، فالتفتُّ فإذا عثمانُ بن عفَّان وهو خارج من القصر
وهو يقول : الحمد لله الذي نصرَني ربي، وإذا عليٍّ في إثره وهو يقول: الحمد لله الذي غفَرَ لي ربي(١).
فصل(٢)
وقد ذكرنا في دلائل النبوة الحديث الذي رواه أبو داود في سننه أنَّ رسولَ الله وَّه قال: ((إنَّ الله يبعثُ
لهذه الأمة على رأس كلِّ مئة سنة منْ يجدِّدُ لها أمرَ دينها ٧ ٣) . فقال جماعةٌ من أهل العلم منهم أحمدُ بن
حنبل - فيما ذكرهُ ابنُ الجوزي وغيره - : إنَّ عمرَ بن عبد العزيز كان على رأسِ المئةِ الأولى ؛ وقال
آخرون: هو من جملة من جدَّد الله به أمر الدين على رأس المئة الأولى - وإنْ كان هو أوْلَى منْ دخل في
ذلك وأحق ، لإمامته وعموم ولايته ، وقيامه واجتهادِه في تنفيذِ الحق ، فقد كانتْ سيرتُه شبيهةً بسيرةٍ
عمر بن الخطاب ، وكان كثيراً ما يتشبَّهُ به .
وقد جمعَ الشيخ أبو الفرج ابن الجَوْزي سيرة العمرين ، عمر بن الخطاب ، وعمر بن عبد العزيز ،
وقد أفردنا سيرةَ عمر بن الخطاب في مجلدٍ على حِدة ، ومسندَه في مجلدٍ ضَخْم ؛ وأمَّا سيرة عمر بن
عبد العزيز ، فقد ذكرنا منها طرفاً صالحاً هنا ، يُستدلُّ به على ما لم نذكره .
وقد كان عمر رحمه الله يُعطي منِ انقطعَ إلى المسجد الجامع من بلده وغيرها ، للفقهِ ونشرِ العلم
وتلاوة القرآن ، في كلِّ عام من بيت المال مئة دينار ، وكان يكتبُ إلى عُمَّاله أن يأخذوا النَّاسَ بالسنَّة ،
ويقول : إنْ لم تصلحْهم السُّنَّة فلا أصلحَهم الله . وكتب إلى سائر البلاد أنْ لا يركبَ ذِمِّيٌّ من اليهود
والنصارى(٤) وغيرِهم على سرج ، ولا يلبس قباءً ولا طيلساناً ولا سراويل ذات خَدَمةُ(٥) ، ولا يمشينَّ أحدٌ
منهم إلا بزُنَّار من جلْد ، وهو مقرون الناصية ، ومن وُجد منهم في منزله سلاحٌ أخذ منه .
وكتب أيضاً أنْ لا يُستعمل على الأعمال إلا أهلُ القرآن ، فإنْ لم يكنْ عندَهم خيرٌ فغيرهم أولى أنْ
لا یکون عنده خیر .
(١) انظر تاريخ ابن عساكر (٢٠٠/٥٤).
(٢) أقحمت النسخة (ب) هنا ما جاء في ص (٣٤) عند قوله: ((وقد رئيت له منامات .. )) إلى قوله: ((رحمه الله))
من هذا الجزء .
أخرجه أبو داود برقم ( ٤٢٩١ ) في الملاحم : باب ما يذكر في قرن المئة ، والحاكم (٤/ ٥٢٢) وهو حديث صحيح
(٣)
صححه جمع من العلماء منهم الحافظ العراقي والحافظ ابن حجر .
(٤)
ليست كلمة ( اليهود )) في (ب ، ح) .
) الخَدَمَة : رباط السراويل عند أسفل رجل المرأة ، أو الخلخال . القاموس ( خدم) . والخبر في سيرة عمر بن
عبد العزيز لابن عبد الحكم ص(١٥٩) .

٢٩
ترجمة عمر بن عبد العزيز
وكان يكتبُ إلى عمَّاله : اجتنبوا الأشغال عند حضورِ الصلوات ، فإنَّ منْ أضاعَها فهو لما سواها من
شرائع الإسلام أشدُّ تضييعاً .
وقد كان يكتبُ الموعظةَ إلى العامل من عماله فينخَلِعُ منها ، وربما عزَلَ بعضُهم نفسَه عن العمالة
وطوى البلاد من شدَّة ما تقعُ موعظتُه منه، وذلك أنَّ الموعظة إذا خرجتْ من قلب الواعظ دخلتْ قلبَ
الموعوظ(١). وقد صرَّح كثيرٌ من الأئمة بأنَّ كلَّ من استعمله عمر بن عبد العزيز ثقة ، وقد كتب إليه
الحسن البصري بمواعظَ حسان ولو تقصَّينا ذلك لطال به هذا الفصل . ولكن قد ذكرنا ما فيه إشارةٌ إلى
ذلك .
وكتب إلى بعض عماله : أما بعد ، فإني أذكّرك ليلة تمخَّصُ بالساعةِ وصباحُها القيامة ، فيا لها من
ليلة، وياله من صباح، ﴿ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَفِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦] وكتب إلى آخر: أذكّركَ طولَ
سهرِ أهل النار في النار مع خلودِ الأبد ، وإيّاك أنْ ينصرفَ بك من عند الله ، فيكون آخر العهد بك ،
وانقطاع الرجاءِ منك . قالوا : فخلَعَ هذا العاملُ نفسَه من العمالة ، وقدم على عمر فقال له : ما لك ؟
فقال : خلعتَ قلبي بكتابك يا أمير المؤمنين ، والله لا أعودُ إلى ولايةٍ أبداً .
فصل
وقد ردَّ جميعَ المظالم كما قدَّمنا٢) ، حتى إنَّه ردَّ فصَّ خاتم كان في يدِه ، وقال : أعطانيه الوليدُ من
غير حقٌّه ؛ وخرج من جميع ما كان فيه من النعيم في المَلْبس والمأكل والمتاع ، حتى إنَّه ترك التمتّع
بزوجته فاطمة ، وكانت من أحسن النساء ، وبنت عمه أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان ، ويقال : إنه
ردَّ جهازها وما كان من أموالها إلى بيتِ المال ، والله أعلم . وقد كان دخْلُه في كلِّ سنة قبل أن يلي الخلافة
أربعين ألف دينار ، فترَك ذلك كلَّه حتى لم يبقَ له دَخْلٌ سوى أربعمئة دينار في كلِّ سنة ، وكان حاصله حین
ولي الخلافة ثلاثمئة درهم ، وكان له من الأولاد جماعة ، وكان ابنُه عبدُ الملك أجلَّهم ، فماتَ في حياته
في زمن خلافته ، ويقال إنه كان خيراً من أبيه ، فلما مات لم يُظهر عليه حُزناً ، وقال : أمر رضيه الله فلا
أكرهه ، وكان قبل الخلافة يؤتى بالقميص الرفيع اللين جداً فيقول : ما أحسنه لولا خشونة فيه ، فلما ولي
الخلافة كان بعد ذلك يلبس القميص الغليظ المرفوع ولا يغسله حتى يتسخ جداً ، ويقول : ما أحسنَه لولا
لينه . وكان يلبسُ الفروةَ الغليظة ، وكان سراجُه على ثلاث قصبات في رأسهن طين ، ولم يَين شيئاً
(١) في (ب، ح): (( ... موعظته منه، وما ذاك إلا لأنها تخرج من قلب الواعظ فتدخل في قلب الآخر)).
(٢) انظر ص (١٨) من هذا الجزء.

٣٠
ترجمة عمر بن عبد العزيز
في أيام خلافته ، وكان يخدُم نفسَه بنفسه ، وقال : ما تركتُ شيئاً من الدنيا إلا عوَّضني الله ما هو خيرٌ
منه ، وكان يأكل الغليظ من الطعام أيضاً ، ولا يُبالي بشيءٍ من النعيم، ولا يُتبعه نفسَه ولا يودُّه . حتى قال
أبو سليمان الداراني : كان عمر بن عبد العزيز أزهدَ من أويس القَرَني ، لأنَّ عمر ملك الدنيا بحذافيرِها
وزَهِد فيها ، ولا ندري حالَ أويسٍ لو ملك ما ملكَهُ عمر كيف يكون ؟ ليس منْ جرّب كمن لم يجرّب .
وتقدَّمُ(١) قولُ مالك بن دينار كان يقول الناس : مالك زاهد، إنما الزاهدُ عمر بن عبد العزيز . أتته
الدنيا فاغرة فاها فردَها .
وقال عبدُ الله بن دينار : لم يكنْ عمر يرتزقُ من بيت المال شيئاً ؛ وذكروا أنه أمر جارية تروّحه حتى
ينام فرؤَّحته ، فنامتْ هي ، فأخذ المِرْوحة من يدها وجعل يروِّحُها ويقول : أصابكِ من الحرِّ ما أصابني .
وقال له رجل : جزاك الله عن الإسلام خيراً . فقال : بل جزى الله الإسلام عني خيراً .
ويقال : إنه كان يلبسُ تحت ثيابه مِسْحاً غليظاً من شعر ، ويضع في رقبته غُلاَّ إذا قام يصلِّي من الليل ،
ثم إذا أصبح وضعه في مكان وختم عليه فلا يشعر به أحد ، وكانوا يظنُّونه مالاً أو جوهراً من حِرْصه عليه ،
فلما مات فتحوا ذلك المكان فإذا فيه غُلٌّ ومِسْح .
وكان يبكي حتى بكى الدَّمَ مع الدموع ، ويقال : إنه بكى فوق سطح حتى سال دمعُه من الميزاب .
وكان يأكلُ من العدَس ليرقَّ قلبُه ويغزر دمعه ؛ وكان إذا ذُكر الموت اضطربتْ أوصاله .
وقرأ رجلٌ عنده ﴿ وَإِذَا أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٣] فبكى بكاءً
شديداً ، ثم قام فدخل منزله وتفرّق الناس عنه .
وكان يُكثر أن يقول : اللهمَّ سلِّمْ سلِّمْ، وكان يقول: اللهمَّ أصلح منْ كان في صلاحِه صلاحٌ لأمة
محمد ◌َّ، وأهلِك منْ كان في هلاكه صلاحُ أمةِ محمد ◌ِّهِ .
وقال : أفضلُ العبادةِ أداءُ الفرائضِ واجتنابُ المحارم .
وقال : لو أنَّ المرء لا يأمرُ بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر حتى يُحكم أمرَ نفسه لتواكَّلَ الناس
الخير ، ولذهب الأمرُ بالمعروفِ والنهيُّ عن المنكر .
ولقلَّ الواعظون والساعون الله بالنصيحة .
وقال : الدنيا عدوَةُ أولياء الله، وعدوَّةُ أعداءِ الله ، أمَّا الأولياء فغمَّتهم وأحزنتْهم، وأمَّا الأعداء
فغرَّتْهم وشتَّتْهم وأبعدَتْهم عن الله .
(١) انظر ص ٢١ من هذا الجزء.

٣١
ذكر سبب وفاته
وقال : قد أفلح منْ عُصم من المِرَاء والغضَب والطمع .
وقال لرجل : منْ سيِّدُ قومك ؟ قال : أنا . قال : لو كنتَ كذلك لم تقلْه .
وقال : أزهدُ الناس في الدنيا عليّ بن أبي طالب .
وقال : لقد بورك لعبدٍ في حاجةٍ أكثرَ فيها سؤالَ ربِّه، أُعطي أو مُنعُ(١).
وقال : قَيِّدوا العلم بالكتاب .
وقال لرجُل : علِّمْ ولدَك الفقه الأكبر: القناعةَ وكفَّ الأذى . وتكلَّم رجلٌ عنده فأحسن ، فقال : هذا
هو السحرُ الحلال .
وقصَّتُه مع أبي حازم مطوّلةٌ حين رآه خليفةً وقد شَحُبَ وجهُه من التقتُّف : وتغيَّرَ حالُه ، فقال له :
ألم يكنْ ثوبُك نقيّاً؟ ووجهُك وضيّاً؟ وطعامُك شهيّاً؟ ومركبك وطيّاً؟ فقال له : ألم تخبرني عن
أبي هريرة أنَّ رسول الله ◌َّرِ قال: ((إنَّ من ورائكم عقبةً كئوداً لا يجوزها إلَّ كلُّ ضامٍ مَهْزولٍ)»؟ ثم بكى
حتى غُشي عليه . ثم أفاق فذكر أنه لقي في غشيته تلك أنَّ القيامة قد قامتْ ، وقد استُدعي بكلٍّ من الخلفاء
الأربعة ، فأُمر بهم إلى الجنة ، ثم ذكر من بينه وبينهم فلم ير ما صُنع بهم ، ثم دُعي هو فأُمِرَ به إلى الجنة ،
فلما انفصل لقيه سائلٌ فسأله عما كان من أمره فأخبره ، ثم قال للسائل : فمن أنت ؟ قال : أنا الحجّاج بن
يوسف ، قتلني ربِّي بكلِّ قتلة قتلة ، ثم ها أنا أنتظر ما ينتظره الموحدون(٢) .
وفضائلُه ومآثرُه كثيرةٌ جدّاً . وفيما ذكرنا كفاية ولله الحمد والمنة ، وهو حسبنا ونعم الوكيل . ولا
حول ولا قوة لنا إلا به .
ذکر سبب وفاته رحمه الله
كان سببها السِّلّ، وقيل : سَبَبُها أنَّ مولَى له سمَّهُ في طعام أو شراب ، وأُعطي على ذلك ألف دينار ،
فحصل له بسبب ذلك مرض ، فأخبر أنه مسموم ، فقال : لقد علمتُ يوم سُقيت السُّم ، ثم استدعَى مولاه
الذي سقاه ، فقال له : ويحك !! ما حملك على ما صنعت ؟ فقال : ألفُ دينار أُعطيتها . فقال : هاتها ،
فأحضرَها فوضعها في بيت المال ، ثم قال له : اذهبْ حيثُ لا يراك أحد فتهلِك . ثم قيل لعمر : تدارك
نفسَك، فقال: والله لو أنَّ شفائي أنْ أمسَّ شحمةَ أُذني أو أُوتى بطِيب فأشمَّه ما فعلتُ . فقيل له : هؤلاء
بنوك - وكانوا اثني عشر - ألا تُوصي لهم بشيء فإنهم فقراء؟ فقال: ﴿إِنَّ وَلِعِىَ اللَّهُ الَّذِى نَزَّلَ الْكِنَبِّ وَهُوَ يَنَوَلَى
(١) في (ب، ح): ((لقد بورك لك في حاجة أكثرت فيها من الدعاء، أُعطيت أو مُنعت)).
(٢) قصة عمر مع أبي حازم أوردها ابن عساكر في تاريخه، انظر مختصر ابن منظور (٢٢٤/٢٨) في ترجمة أبي حازم .

٣٢
ذکر سبب و فاته
الصَّلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦] والله لا أعطيتُهم حقَّ أحد، وهم بين رجُلَيْن: إمَّا صالح، فالله يتولَّى
الصالحين ، وإما غير صالح فما كنتُ لأعينَه على فسقه .
وفي رواية : فلا أبالي في أيِّ وادٍ هلكَ . وفي رواية : أفأدعُ له ما يستعينُ به على معصيةِ الله فأكونَ
شريكه فيما يعملُ بعد الموت ؟ ما كنتُ لأفعل . ثم استدعى بأولاده فوذَّعهم وعزَّاهم بهذا ، وأوصاهم
بهذا الكلام ثم قال انصرفوا عصمَكم الله وأحسنَ الخلافةَ عليكم . قال : فلقد رأينا بعضَ أولادٍ عمر بن
عبد العزيز يحملُ على ثمانين فرس في سبيل الله ، وكان بعضُ أولادِ هشام بن عبد الملك - مع كثرةٍ ما ترك
لهم من الأموال - يتعاطى ويسأل من أولاد عمر بن عبد العزيز ، لأنَّ عمر وكَلَ ولدَهُ إلى الله عزَّ وجلَّ ،
وهشام وغيرُه إنما يكِلُون أولادَهم إلى ما يدَعُون لهم ، فيضيعون وتذهب أموالُهم في شهواتٍ
أولادِهمْ(١) .
وقال يعقوب بن سفيان(٢) : حدّثنا أبو النعمان حدّثنا حمّاد بن زيد، عن أيوب قال : قيل لعمر بن
عبد العزيز : يا أمير المؤمنين لو أتيتَ المدينة، فإنْ قضَى الله موتاً كنت موضع(٣) القبرِ الرابع مع
رسول اللّه وَّه وأبي بكرٍ وعمر. فقال: والله لأنْ يعذِّبني الله بكلِّ عذاب، إلا النار، فإنَّه لا صبر لي
عليها ، أحبُّ إليَّ من أنْ يعلم الله من قلبي أني لذلك الموضع أهل .
قالوا : وكان مرضُه بدير سَمْعان من قرى حمص وكانت مدة مرضه عشرين يوماً ، ولما احتضر قال :
أجلسوني ، فأجلسوه فقال : إلّهي أنا الذي أمرتني فقصَّرت ، ونهيتني فعصَيْت - ثلاثاً - ولكن لا إله إلا
الله، ثم رفع رأسه فأحدَّ النظر ، فقالوا : إنك لتنظر نظراً شديداً يا أمير المؤمنين ، فقال : إني لأرى
حضرة ما هم بإنسٍ ولا جان ، ثم قبض من ساعته (٤) .
وفي رواية أنه قال لأهله : اخرجوا عني ، فخرجوا وجلس على الباب مسلمةُ بن عبد الملك وأخته
فاطمة ، فسمعوه يقول : مرحباً بهذه الوجوه التي ليستْ بوجوه إنسٍ ولا جانٍ ثم قرأ: ﴿ِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ
نَجْعَلُهَا لِلَِّينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِ الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَقِبَةُ لِلْمُنَّقِينَ﴾ [ القصص: ٨٣] ثم هدأ الصوت ، فدخلوا عليه
فوجدوه قد غُمض وُسوِّي إلى القِبلة وقُبض(٤) .
وقال أبو بكر بن أبي شيبة : حدّثنا عبد الملك بن عبد العزيز ، عن الدَّرَاوَزْديّ ، عن عبد العزيز بن
أبي سَلَمة ، أنَّ عمرَ بن عبد العزيز لما وضع عند قبره هبَّتْ ريح شديدة فسقطت صحيفة بأحسن كتاب ،
(١) انظر تاريخ ابن عساكر (٢٠٣/٥٤، ٢٠٤).
(٢) المعرفة والتاريخ (٦٠٨/١) وساقه ابن عساكر عنه في تاريخه (٢٠٤/٦٥، ٢٠٥).
في (ق): ((دفنت في القبر))؛ وفي تاريخ ابن عساكر ((دفنت موضع القبر))، والمثبت من (ب، ح).
(٣)
(٤) تاريخ ابن عساكر (٢٠٦/٥٤) .

٣٣
ذكر سبب وفاته
فقرؤوها ، فإذا فيها : بسم الله الرحمن الرحيم ، براءةٌ من الله لعمرَ بن عبد العزيز من النار . فأدخلوها بين
أکفانه و دفنوها معه١) .
وقد روي نحو هذا من وجهٍ آخر (٢)
وروى ابنُ عساكر في ترجمة عبد الصمد بن إسماعيل (٣) بسنده عن عُمير بن حُباب السُّلَميُ(٤) ، قال :
أُسرتُ أنا وثمانية في زمن بني أميّة ، فأمر ملك الروم بضرب رقابنا ، فقُتل أصحابي وشفع فيَّ بطريقٌ من
بطارقةِ الملك ، فأطلقني له ، فأخذني إلى منزله ، وإذا له ابنةٌ مثل الشمس ، فعرَضها عليَّ وعلى أنْ
يقاسمني نعمتَه وأدخل معه في دينه ، فأبيت ، وخلَتْ بي ابنتُه ، فعرَضتْ نفسَها عليَّ فامتنعتُ ، فقالت :
ما يمنعُكَ من ذلك؟ فقلت : يمنعني ديني ، فلا أترك ديني لامرأةٍ ولا لشيء . فقالت: تريدُ الذهابَ إلى
بلادك ؟ قلت : نعم ، فقالت : سر على هذا النجم بالليل واكمُنْ بالنهار ، فإنَّه يلقيك(٥) إلى بلادك.
قال : فسرتُ كذلك ، قال فبينا أنا في اليوم الرابع مُكْمنٌ إذا بخيلٍ مقبلة فخَشيتُ أنْ تكون في طلبي ، فإذا
أنا بأصحابي الذين قُتلوا معهم آخرون على دوابَ شُهب ، فقالوا : عمير ؟ فقلت : عمير . فقلت لهم :
أو ليس قد قُتلتم ؟ قالوا: بلى ، ولكن الله عزَّ وجلَّ نشر الشهداء وأذِنَ لهم أن يشهدوا جنازةً عمرَ بنِ
عبد العزيز . قال : ثم قال لي بعضُهم: ناولْني يدَك يا عُمير . فأردفَني ، فسرنا يسيراً ثم قذف بي قذفةً
وقعتُ قربَ منزلي بالجزيرة ، من غير أن يكون لحقني شرّ .
وقال رجاء بن حَيْوة : كان عمر بن عبد العزيز قد أوصى إليَّ أنْ أغسِّله وأكفّنه وأدفنه ، فإذا حللتُ
عقدةَ الكفَن أن أنظر في وجهه قال : ففعلتُ فإذا وجهه مثل القراطيس بياضاً ، وكان قد أخبرني أنه دفن
ثلاثة من الخلفاء فيحلُّ عن وجوههم فإذا هي مسودَّة٦ً) .
وروى ابن عساكر في ترجمة يوسف بن ماهك(٧) قال : بينما نحن نسوِّي الترابَ على قبر عمر بن
عبد العزيز إذْ سقط علينامن السماء كتاب فيه : بسم الله الرحمن الرحيم : أمانٌ من الله لعمر بن عبد العزيز
تاريخ ابن عساكر ( ٢٠٩/٥٤ ).
(١)
انظر تاريخ ابن عساكر ( ٢٠٩/٥٤، ٢١٠).
(٢)
تاريخ ابن عساكر (٢٦١/٤٢) ، وأورده ابن عساكر أيضاً في ترجمة عمير بن الحباب السلمي أيضاً ، انظر المختصر
(٣)
(٣٢٧/١٩) .
في (ق، ب، ح): ((عمير بن حبيب السلمي)) ، والمثبت من تاريخ ابن عساكر.
(٤)
(٥)
في تاريخ ابن عساكر ترجمة عبد الصمد ((يبلغك))، وفي ترجمة عمير (( يلقيك)) كما هنا.
(٦)
انظر تاريخ ابن عساكر ( ٥٤/ ٢٠٧).
ترجمة يوسف بن ماهك في المختصر من تاريخ ابن عساكر لابن منظور ، والخبر فيه ( ٢٨/ ٩٢ ).
(٧)

٣٤
ذكر سبب وفاته
من النار . ساقه من طريق إبراهيم بن بشار عن عباد بن عمرو عن محمد بن يزيد البصري عن يوسف بن
ماهك ... فذكره ؛ وفيه غرابة شديدة والله أعلم .
وقد١) رُئيتْ له مناماتٌ صالحة، وتأسَّف عليه الخاصَّةُ والعامَّة ، لا سيما العلماء والزهاد والعباد ،
ورثاه الشعراء ، فمن ذلك ما أنشده أبو عمرو الشيباني لكُثَيِّر عزَّة يرئي عمر :
فالناسُ فيهِ كلُّهمْ مأجورُ
عمَّتْ صنائعُهُ فعمَّ هلاكُهُ
في كلِّ دارٍ رَنَّةٌ وزفيرُ
والناسُ مأتمهمْ عليهِ واحدٌ
خيراً لأنَّكَ بالثناءِ جديرٌ
يُثني عليكَ لسانُ منْ لم تولِهِ
فكأنهُ منْ نشرها منشـورُ
ردَّتْ صنائعُهُ عليه حياتَهُ
وقال جرير(٢) يرثي عمرَ بن عبد العزيز رحمه الله :
يا خيرَ منْ حجَّ بيتَ اللهِ واعتمرا
يَنْعِى النعاةُ أميرَ المؤمنينَ لنا
وسرتَ فيهِ بأمرِ اللهِ يا عمرا
حُمِّلتَ أمراً عظيماً فاضطلعتَ بهِ
تبكي عليكَ نجومُ الليل والقمر(٣)
الشمسُ كاسفةٌ ليستْ بطالعةٍ
وقال محاربُ بن دِثَار رحمه الله يَرثي عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى :
لعدلِه لمْ يصبكَ الموتُ يا عمر
لو أعظمَ الموتُ خلقاً أن يواقعهُ
كادَتْ تموتُ وأخرى منكَ تنتظرُ
كمْ منْ شريعةِ عَدْلٍ قَدْ نعشتَ لهم
يا لهفَ نفسي ولهفَ الواجدينَ معي
على العُدولِ التي تغتالها الحفرُ
تضمُّ أعظُمَهم في المسجدِ الحُفَرُ
ثلاثةٌ ما رأتْ عيني لهم شبهاً
سقياً لها سننٌ بالحقِّ تُفْتقرُ
وأنتَ تتبعهمْ لمْ تألُ مجتهداً
لو كنتُ أملكُ والأقدارُ غالبٌ
صرفتُ عن عمر الخيراتِ مصرعَهُ
تأتي رواحاً وتبياناً وتبتكرُ
بديرِ سمعانَ لكنْ يغلِبُ القدَر(٤)
قالوا : وكانت وفاته بدَيْر سَمْعان من أرضٍ حمص ، يوم الخميس ، وقيل الجمعة لخمس مضَيْن ،
وقيل بقينَ من رجب ، وقيل لعشر بقينَ منه ، سنة إحدى وقيل ثنتين ومئة . وقال الهيثم بن عدي : توفي
في جمادى سنة ثنتين ومئة ، وصلَّى عليه ابنُ عمه مَسْلمة بنُ عبد الملك ؛ وقيل : صلى عليه يزيد بن
انظر ص (٢٨) ح (٢) من هذا الجزء .
(١)
(٢)
دیوان جرير ص (٣٠٤).
في ( ب، ح): الشمس طالعة ليست بطالعة، والمثبت من الديوان وتاريخ ابن عساكر (٢١٢/٥٤).
(٣)
تاريخ ابن عساكر (٢١٣/٥٤ ).
(٤)

٣٥
ذكر سبب وفاته
عبد الملك ؛ وقيل : ابنُه عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز ، وكان عمره يومَ مات تسعاً وثلاثين سنة
وأشهراً ، وقيل إنه جاوز الأربعين بأشهر ، وقيل بسنة . وقيل بأكثر ، وقيل إنه عاش ثلاثاً وثلاثين
سنة(١)، وقيل ستاً وثلاثين، وقيل سبعاً وثلاثين ، وقيل ثمانياً وثلاثين سنة ، وقيل ما بين الثلاثين إلى
الأربعين ولم يبلغْها .
وقال أحمد عن عبد الرزاق عن معمر: مات على رأس خمس وأربعين سنة . قال ابن عساكر(٢):
وهذا وهم ، والصحيح الأول ، تسعاً وثلاثين سنة وأشهراً . وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وأربعة
أيام ، وقيل أربعة عشر يوماً ، وقيل سنتان ونصف .
وكان رحمه الله أسمر ، دقيقَ الوجه حسنهُ ، نحيفَ الجسم ، حسنَ اللحية ، غائرَ العينين ، بجبهته
أثرُ شجّة وكان قد شابَ وخضب رحمه الله (٣)، والله سبحانه أعلم(٤) .
(١) في ( ق): ((ثلاثاً وستين))، وهو تحريف، والمثبت من ( ب، ح ) وتاريخ ابن عساكر، وانظر رواياته المختلفة
في ذلك (٥٤ / ٢١٣ - ٢٢٠).
(٢) في تاريخه (٢٢٠/٥٤).
(٣) انظر ص (٢٨) ح (٢) من هذا الجزء.
(٤) ذكر في ( ق) هنا فصل ليس في ( ب، ح) إلى خلافة يزيد بن عبد الملك ص (٢١٩)، ويرجح أن يكون مقحماً
في الكتاب ، ففيه أيضاً سبق إيرادها بألفاظ مقاربة ، وفيه قرائن تدل على أنه ليس لابن كثير كقوله عقيب الخبر
الأول: ((ذكره ابن أبي الدنيا وأبو نعيم وغيرهما وقد أشار إليه المؤلف إشارة خفية)) لذلك جعلناه في الحاشية .
فصل
لما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة جاءه صاحبُ الشُّرْطة ليسيرَ بين يديه بالحَرْبة على عادته مع الخلفاء قبله ، فقال
له عمر : مالي ولك؟ تنَّ عنِّي، إنما أنا رجلٌ من المسلمين . ثم سار وساروا معه حتى دخل المسجد ، فصعِد
المنبر واجتمع الناس إليه فقال : أيها الناس ! إني قد ابتُليت بهذا الأمر عن غير رأي كان مني فيه ، ولا طلبة له،
ولا مشورةٍ من المسلمين ، وإني قد خلعتُ ما في أعناقكم من بيعتي ، فاختاروا لأنفسكم ولأمركم من تريدون .
فصاح المسلمون صيحة واحدة : قد اخترناك لأنفسنا وأمرنا ، ورضينا كلُّنا بك. فلما هدأتْ أصواتُهم حمِدَ الله وأثنى
عليه وقال : أوصيكم بتقوى الله ، فإنَّ تقوى الله خلَفٌ من كلِّ شيءٍ ، وليس من تقوى الله خلف ، وأكثروا من ذكر
الموت ، فإنَّه هاذمُ اللذات ، وأحسنوا الاستعداد له قبل نزوله ، وإنَّ هذه الأمة لم تختلفْ في ربها ولا في كتابها ولا
في نبيها ، وإنما اختلفوا في الدينارِ والدرهم، وإني والله لا أَعطي أحداً باطلاً ، ولا أمنعُ أحداً حقاً . ثم رفع صوته
فقال : أيها الناس ! منْ أطاع الله وجبَتْ طاعته ، ومنْ عصَى الله فلا طاعة له ، أطيعوني ما أطعتُ الله ، فإذا عصيتُ
الله فلا طاعة لي عليكم . ثم نزل فدخل فأمر بالستور فهُتكت ، والثياب التي كانت تُبسط للخلفاء أمر بها فبيعت ،
وأدخل أثمانها في بيت المال ، ثم ذهب يتبوًّا مقيلاً ، فأتاه ابنُه عبد الملك فقال : يا أمير المؤمنين ، ماذا تريد أن
تصنع ؟ قال : يا بني أقيل ، قال : تُقيل ولا تردُّ المظالم إلى أهلها ؟ فقال : إني سهرتُ البارحة في أمر سليمان ،
فإذا صلَّيتُ الظهر رددْتُ المظالم . فقال له ابنه : ومَنْ لك أن تعيش إلى الظهر ؟ قال : ادْنُ منِّي أي بُني. فدنا منه
فقبَّلَ بين عينيه وقال : الحمد لله الذي أخرِجَ من صُلْبي مَنْ يُعينني على ديني ، ثم قام وخرج وترك القائلة ، وأمر
مناديهُ فنادَى : ألا منْ كانتْ له مَظْلمةٌ فليرفَعْها . فقام إليه رجل ذِمِّيٌّ من أهل حمص فقال : يا أمير المؤمنين أسألك =

٣٦
ذكر سبب وفاته
كتابَ الله . قال : ما ذاك ؟ قال : العباس بن الوليد بن عبد الملك اغتصبني أرضي . والعباسُ جالس ، فقال له
=
عمر : يا عباس ما تقول ؟ قال : نعم ! أقطعَنيها أميرُ المؤمنين الوليد ، وكتب لي بها سجلاً ، فقال عمر : ما تقول
يا ذِمِّي ؟ قال : يا أمير المؤمنين أسألك كتاب الله تعالى . فقال عمر : نعم كتاب الله أحقُّ أن يُتَّبع من كتاب الوليد ،
قم فاردُدْ عليه ضيعتَه . فردَّها عليه .
ثم تتابع الناس في رفع المظالم إليه ، فما رُفعت إليه مظلِمة إلا ردَّها ، سواء كانتْ في يده أو في يدٍ غيره حتى أخذ
أموالَ بني مروانَ وغيرهم ، مما كان في أيديهم بغير استحقاق ، فاستغاث بنو مروان بكلِّ واحدٍ من أعيان الناس ،
فلم يُقدْهم ذلك شيئاً ، فأتَوْا عمتهم فاطمة بنت مروان - وكانت عمَّته - فشكَوْا إليها ما لَقُوا من عمر ، وأنه قد أخذ
أموالهم ويُستنقصون عِنده ، وأنه لا يرفع بهم رأساً ، وكانت هذه المرأة لا تُحجبُ عن الخلفاء، ولا تُردُّ لها حاجة ،
وكانوا يكرمونها ويعظّمونها ، وكذلك كان عمر يفعل معها قبل الخلافة ، وقامَتْ فركبت إليه ، فلما دخلتْ عليه
عظَّمها وأكرمها ، لأنها أختُ أبيه ، وألقى لها وسادة ، وشرع يحادثُها ، فرآها غضبى وهي على غير العادة ، فقال
لها عمر : يا عمَّة ، مالك ؟ فقالت : بنو أخي عبد الملك وأولادهم يُهانون في زمانك وولايتك ؟ وتأخذ أموالهم
فتعطيها لغيرهم ، ويُسْبُّون عندك فلا تُنكر؟ فضحك عمر وعلم أنها متحمّلة ، وأنَّ عقلها قد كبر ، ثم شرع يحادثها
والغضب لا يتحيز عنها ، فلما رأى ذلك أخذ معها في الجدّ ، فقال: يا عمَّة! اعلمي أنَّ النبيَّ ◌َِّ ماتَ وترك الناس
على نهرٍ مَوْرود ، فوليَ ذلك النهرِ بعده رجلٌ فلم يستنقِصْ منه شيئاً حتى مات ، ثم ولي ذلك النهر بعد ذلك الرجل
رجلٌ آخر ، فلم يستنقص منه شيئاً حتى مات ، ثم ولي ذلك النهر رجلٌ آخر ، فكرى منه ساقية ، ثم لم يزلِ الناسُ
بعده يكرون السواقيٍ حتى تركوه يابساً لا قطرةً فيه، وايم الله لئن أبقاني الله لأردَّنه إلى مجراهُ الأول ، فمن رضي فله
الرضا ، ومن سَخِطَ فله السخط ، وإذا كان الظلم من الأقارب الذين هم بِطانةُ الوالي ، والوالي لا يُزيل ذلك ،
فكيف يستطيعُ أنْ يُزيل ما هو ناءٍ عنه في غيرهم ؟ فقالت : فلا يُسبُّوا عندك ؟ قال : ومنْ يسبُّهم ؟ إنما يرفع الرجل
مظلمته فآخذ له بها .
ذكر ذلك ابنُ أبي الدنيا وأبو نُعيم وغيرُهما ، وقد أشار إليه المؤلف إشارةً خفية .
وقال مسلمة بن عبد الملك : دخلتُ على عمر في مرضه فإذا عليه قميصٌ وسخ ، فقلت لفاطمة : ألا تغسِلُوا قميصَ
أمير المؤمنين ؟ فقالت : والله ماله قميص غيره ، وبكى فبكتْ فاطمة فبكى أهلُ الدار ، لا يدري هؤلاء ما أبكى
هؤلاء ، فلما انجلَتْ عنهمُ العَبْرة قالت فاطمة : ما أبكاك يا أمير المؤمنين ؟ فقال : إني ذكرتُ منصرَفَ الخلائق من
بين يدي الله ، فريقٌ في الجنة ، وفريقٌ في السعير ، ثم صرخ وغُشيَ عليه .
وعُرض عليه مرَّةٍ مِسْكٌ من بيتِ المال فسدَّ أنفه حتى وضع ، فقيل له في ذلك فقال : وهل ينتفع من المسك إلا
بريحه؟ ولما احتُضر دعا بأولاده وكانوا بضعة عشر ذكراً ، فنظر إليهم فذرفت عيناه ثم قال : بنفسي الفتية . وكان
عمر بن عبد العزيز يتمثل كثيراً بهذه الأبيات :
بهِ عن حديثِ القوم ما هوَ شاغِلُهْ
يُرى مستكيناً وهوّ للقولِ ماقِتُ
وأزعجَه علمٌ عن الجهل كلّهِ
عبوسٌ عنِ الجُهَّالِ حِينَ يراهمُ
وما عالمٌ شيئاً كمَنْ هو جاهلُه
فليسَ له منهمْ خدينٌ يهازلهُ
فأشغلهُ عنْ عاجلِ العيشِ آجلهُ
تذكَّرَ ما يبقى منَ العيش فارعَوى
وروى ابنُ أبي الدنيا عن ميمون بن مِهْران قَال : دخلتُ على عمر بنِ عبد العزيز وَعنده سابقٌ البَزبري وهو ينشدُه
شعراً ، فانتهى في شعره إلى هذه الأبيات :
فكمْ من صحيحٍ باتَ للموتِ آمناً أَتَتْهُ المنايا بغتةً بعدما هجَعْ
=

٣٧
ذكر سبب وفاته
=
فلمْ يستطعْ إذ جاءهُ الموتُ بغتةً
فأصبحَ تبكيهِ النساءُ مقنَّعاً
وقُرَّب من لحدٍ فصارَ مَقِيلهُ
فِراراً ولا منهُ بقوَّتهِ امتَنَعْ
ولا يسمعُ الداعي وإنْ صوتهُ رفعْ
وفارقَ ما قَدْ كان بالأمسِ قَدْ جَمَعْ
ولا مُعْدِماً في المالِ ذا حاجةٍ يدعُ
فلا يتركُ الموتُ الغنيَّ لمالهِ
وقال رجاء بن حيوة : لما مات أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز وقام يزيدُ بن عبد الملك بعده في الخلافة ، أتاه
عمر بن الوليد بن عبد الملك فقال ليزيد : يا أمير المؤمنين ! إنَّ هذا المُرائي - يعني عمرَ بن عبد العزيز - قد خان من
المسلمين [ جمع ] كل ما قدر عليه من جوهرٍ نفيس ، ودر ثمين ، في بيتين في داره مملوءين ، وهما مقفولان على
ذلك الدر والجوهر . فأرسل يزيدُ إلى أخته فاطمة بنت عبد الملك امرأة عمر: بلغني أن عمر خلَّف جوهراً ودُرّاً في
بيتينِ مقفولين . فأرسلت إليه : يا أخي ما ترك عمر من سَبَدٍ ولا لَبَد ، إلا ما في هذا المنديل . وأرسلتْ إليه به ،
فحلَّه فوجد فيه قميصاً غليظاً مرفوعاً، ورداءً قشِبا، وجُبَّة محشوّة غليظة واهية البطانة . فقال يزيد للرسول : قلْ
لها : ليس عن هذا أسأل ، ولا هذا أريد ، إنما أسأل عما في البيتين . فأرسلتْ تقول له : والذي فجعني بأمير
المؤمنين ما دخلتُ هذين البيتين منذُ ولي الخلافة ، لعلمي بكراهته لذلك ، وهذه مفاتيحُهما فتعال فحوّلْ ما فيهما
لبيت مالك . فركب يزيد ومعه عمر بن الوليد حتى دخل الدار ففتح أحد البيتين فإذا فيه كرسيٍّ من أدَم ، وأربع
آجُرَّات مبسوطاتٌ عند الكرسي ، وقُمْقُم . فقال عمر بن الوليد: أستغفر الله . ثم فتح البيت الثاني فوجَدَ فيه مسجداً
مفروشاً بالحصا ، وسلسلةً معلقة بسقف البيت ، فيها كهيئةِ الطَّوْق بقدر ما يدخل الإنسان رأسه فيها إلى أن تبلغ
العنق ، كان إذا فتر عن العبادة أو ذكر بعض ذنوبه وضعها في رقبته ، وربما كان يضعُها إذا نَعَس لئلا ينام ، ووجدوا
صندوقاً مقفلاً ، ففتح فوجدوا فيه سفطا ففتحه فإذا فيه دُرَّاعه وتُبَّان ، كلُّ ذلك من مُسوح غليظ ، فبكى يزيد ومنْ
معه وقال : يرحمك الله يا أخي ، إنْ كنتَ لنقيَّ السَّريرة، نقيَّ العلانية . وخرج عمر بن الوليد وهو مخذول وهو
يقول : أستغفر الله . إنما قلت ما قيل لي .
وقال رجاء : لما احتُضر جعلٍ يقول: اللهم رضُّني بقضائك، وبارك لي في قدَرِك، حتى لا أحبَّ لما عجَّلتَ
تأخيراً ، ولا لما أخَّرتَ تعجيلاً . فلا زال يقول ذلك حتى مات . وكان يقول : لقد أصبحتُ ومالي في الأمور هَوىّ
إلا في مواضع قضاء الله فيها .
وقال شُعيب بن صفوان : كتب سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب إلى عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة . أما
بعد يا عمر ، قد وَلي الخلافةَ والملكَ قبلك أقوامٌ ، فماتوا على ما قد رأيت ، ولَقُوا الله فرادى بعدَ الجموع والحفدة
والحشَم ، وعالجوا نَزْعَ الموت الذي كانوا منه يفرُّون ، فانفقأتْ أعينهم التي كانت لا تفتأ تنظر لذاتها ، واندفنتْ
رقابهم غيرَ موسَّدين بِعدَ لين الوسائد ، وتظاهر الفرش والمرافق والسُّرُر والخدَم ، وانشقَّتْ بطونُهم التي كانت
لا تشبع من كلِّ نوع ولَوْنٍ من الأموال والأطعمة ، وصاروا جيفاً بعد طيبِ الروائح العطِرة ، حتى لو كانوا إلى جانبٍ
مسكينٍ ممن كانواً يحقرونه وهم أحياء لتأذّى بهم ، ولنفر منهم ، بعد إنفاق الأموال على أغراضهم من الطيب
والثياب الفاخرة اللينة ، كانوا يُنفقون الأموالَ إسرافاً في أغراضهم وأهوائهم ، ويقتِّرون في حقِّ الله وأمره ، فإنٍ
استطعتَ أن تلقاهم يوم القيامة وهم محبوسون مرتهَنون بما عليهم ، وأنت غير محبوس ولا مرتهنٍ بشيءٍ فافعل ،
واستعنْ بالله ولا قوة إلا بالله سبحانه .
ولو كثرتْ أحراسُهُ ومواكبة
وما مَلِكٌ عما قليل بسالمٍ
فعما قليل يَهْجُرُ البابَ حاجبُه
ومنْ كان ذا بابٍ شديدٍ وحاجبٍ
إلى غيرِهِ أعوانه وحبائبهُ
وما كانَ غيرُ الموتِ حتى تفرقتْ
=

٣٨
ذكر سبب وفاته
وأسلمَهُ أصحابُهُ وحبائبهُ
فأصبحَ مسروراً به كلُّ حاسدٍ
=
وقيل : إنَّ هذه الأبيات لغيره .
وقال ابنُ أبي الدنيا في كتاب الإخلاص : حدثنا عاصم بن عامر حدّثنا أبي عن عبد ربِّه بن أبي هلال عن ميمون بن
مِهران قال : تكلَّمَ عمر بن عبد العزيز ذات يوم وعنده رَهْطٌ من إخوانه ، ففتح له منطق وموعظة حسنة ، فنظر إلى
رجلٍ من جلسائه ، وقد ذرَفَتْ عيناه بالدموع ، فلما رأى ذلك عمر قطع منطقه ، فقلت له : يا أمير المؤمنين امضِ
في موعظتك ، فإني أرجو أن يمنَّ الله به على منْ سمعه أو بلغه . فقال إليك عني يا أبا أيوب ، فإنَّ في القول علىَ
الناس فتنة لا يخلص من شرها متكلُّمٌ عليهم ، والفَعَال أولى بالمؤمن من المقال . وروى ابنُ أبي الدنيا عنه أنه قال :
استعملنا أقواماً كنا نرى أنهم أبرار أخيار ، فلما استعملناهم إذا هم يعملون أعمالَ الفجَّار ، قاتلهم الله ، أما كانوا
يمشون على القبور !!
وروى عبد الرزاق قال : سمعتُ مَعمراً يذكر قال : كتب عمر بن عبد العزيز إلى عَديِّ بن أرطاة - وبلغه عنه بعضُ
ما يكره ـ : أما بعد فإنه غرَّني بك مجالستك القرَّاء ، وعمامتك السوداء ، وإرسالك إياها من وراءٍ ظهرك، وإنك
أحسنتَ العلانية فأحسَنَّاً بك الظن ، وقد أطلعنا الله على كثيرٍ مما تعملون .
وروى الطبرانيّ والدار قطنيّ وغيرُ واحدٍ من أهل العلم بأسانيدِهم إلى عمرَ بن عبد العزيز أنه كتب إلى عامل له : أما
بعد فإني أوصيك بتقوى الله واتباع سنة رسوله ، والاقتصاد في أمره ، وترك ما أحدث المُحدثون بعده . ممن قد
حارب سُنَته، وكُفوا مؤنته، ثم اعلمْ أنه لم تكنْ بدعةٌ إلا وقد مضى قبلَها ما هو دليلٌ على بُطلانها - أو قال دليلٌ
عليها - فعليك لزومَ السنة ، فإنه إنما سنَّها منْ قد علم ما في خلافها من الزَّيغ والزلل ، والحُمق والخطأ والتعمُّق ،
ولهم كانوا على كشف الأمور أقوى ، وعلى العمل الشديد أشدّ ، وإنما كان عملهم على الأسدّ ، ولو كان فيما
تحملون أنفسكم فضل لكانوا فيه أحرى ، وإليه أجرى ، لأنهم السابقون إلى كلِّ خير ، فإن قلت : قد حدث بعدهم
خير ، فاعلم أنه إنما أحدثه منْ قدِ اتبع غيرَ سبيلِ المؤمنين ، وحادَ عن طريقهم ، ورغبت نفسُه عنهم ، ولقد تكلَّموا
منه ما يكفي ، ووصفوا منه ما يشفي ، فأين لا أين ، فمن دونهم مقصّر ، ومن فوقهم غير مُحسن ، ولقد قصَّر
أقوامهم دينَهم فحُقُّوا ، وطمحَ عنهم آخرون فَغَلَوْا ، فرحم الله ابنَ عبد العزيز . ما أحسِنَ هذا القول الذي ما يخرجُ
إلا من قلب قد امتلأ بالمتابعة ! ومحبّة ما كان عليه الصحابة ! فَمنِ الذي يستطيعُ أنْ يقولَ مثل هذا من الفقهاء
وغيرهم ؟ فرحمه الله وعفا عنه .
وروى الخطيبُ البغدادي من طريق يعقوب بن سفيان الحافظ عن سعيد بن أبي مريم عن رشيد بن سعيد قال : حدّثني
عقيل عن شهاب عن عمر بن عبد العزيز . قال: سنَّ رسولُ الله ◌ِّهِ وخلفاؤه بعدهُ سُنناً ، الأخذُ بها تصديقٌ لكتاب
الله، واستعمالٌ لطاعة الله ، ليس على أحد تغييرُها ولا تبديلُها ، ولا النظر في رأي منْ خالفها ، فمنِ اقتدَى بما سبق
هُدي ، ومنِ استبصر بها أبصر ، ومنْ خالفَها واتَبع غيرَ سبيلِ المؤمنين ولَاء الله ما تولَّى، وأصلاَ، جهنّم وساءتْ
مصيراً .
وأمر عمر بن عبد العزيز منادِيَهُ ذاتَ يوم فنادَى في الناس : الصلاة جامعة ، فاجتمع الناس فخطبَهم ، فقال في
خطبته : إني لمٍ أجمعْكم إلا أنَّ المصدِّق منكم بما بين يديه من لقاء الله والدارِ الآخرة ولم يعمل لذلك ويستعدَّ له
أحمق ، والمكذّب له كافرٍ. ثم تلا قوله تعالى: ﴿ أَّ إِنَّهُمْ فِ مِرْيَةٍ مِّنْ لِقَآءِ رَبِّهِمْ ﴾ [ فصلت: ٥٤ ] وقوله تعالى:
﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [ يوسف: ١٠٦].
وروى ابنُ أبي الدنيا عنه أنه أرسل أولادَه مع مؤدِّبٍ لهم إلى الطائف يعلِّمهم هناك ، فكتب إليه عمر : بئس
ما علّمت ، إذْ قدَّمت إمام المسلمين صبياً لم يعرفِ النية - أو لم تدخله النية - ذكره في كتاب النية له.
=

٣٩
ذكر سبب وفاته
وروى ابنُ أبي الدنيا في كتاب ((الرقة والبكاء)) عن مولّ لعمر بن عبد العزيز أنه قال له : يا بني ، ليس الخير أنْ
يُسمع لك وتُطاع، وإنما الخير أن تكون غفَّلْتَ عن ربّك عزَّ وجلَّ ثم أطعتَه ، يا بني لا تأذنِ اليومِ لأحدٍ عليَّ حتى
أصبح ويرتفع النهار ، فإني أخافُ أنْ لا أعقِل عن الناس ولا يفهمون عنِّي ، فقال له مولاه : رأيتُك البارحة بكيتَ
بكاءً ما رأيتُك بكيتَ مثلَه ، قال فبكى ثم قال : يا بني إني والله ذكرتُ الوقوفَ بين يدي الله عزَّ وجلَّ. قال: ثم غُشي
عليه فلم يُفقْ حتى علا النهار ، قال : فما رأيتُه بعد ذلك متبسِماً حتى مات .
وقرأ ذات يوم: ﴿ وَمَا تَكُونُ فِ شَأَنٍ وَمَا نَتْلُواْ مِنْهُ مِنْ قُرْءَانٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾ [ يونس: ٦١] الآية ؛
فبكى بكاءً شديداً حتى سمعه أهلُ الدار ، فجاءتْ فاطمة فجلسَتْ تبكي لبكائه ، وبكى أهلُ الدار لبكائهما ، فجاء
ابنه عبد الملك فدخل عليهم وهم على تلك الحال ، فقال له : يا أبة ما يبكيك ؟ فقال : يا بني خير ، ودَّ أبوك أنه لم
يعرِف الدنيا ولم تعرفه ، والله يا بني لقد خشيتُ أنْ أهلِكَ وأن أكون من أهل النار .
وروى ابن أبي الدنيا عن عبد الأعلى بن أبي عبد الله العنبري ، قال : رأيتُ عمر بن عبد العزيز خرج يوم الجمعة في
ثياب دسمة ، وراءه حبشي يمشي ، فلما انتهى إلى الناس رجَعَ الحبشي ، فكان عمر إذا انتهى إلى الرجلين قال :
هكذا رحمكما الله، حتى صعد المنبر، فخطَب فقرأ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوْرَتْ﴾ [ التكوير: ١] فقال: وما شأنُ الشمس
﴿ وَإِذَا الْجَحِيُمُ سُعِرَتْ(١) وَإِذَا الْجَنَُّ أَزْلِفَتْ﴾ [التكوير: ١٢ - ١٣] فبكى وبكى أهلُ المسجد، وارتجَّ المسجد بالبكاء،
حتى رأيت حيطانَ المسجد تبكي معه .
ودخل عليه أعرابي فقال : يا أمير المؤمنين جاءت بي إليك الحاجة ، وانتهيتُ إلى الغاية ، والله سائلك عني . فبكى
عمر وقال له : كم أنتم ؟ فقال : أنا وثلاثُ بنات . ففرض له على ثلاثمئة ، وفرض لبناته مئة مئة ، وأعطاه مئة درهم
من ماله ، وقال له : اذهبْ فاستنفِقْها حتى تخرج أعطياتُ المسلمين فتأخذ معهم .
وجاءه رجل من أهل أذْرَبيجان فقام بين يديه وقال : يا أمير المؤمنين اذكرْ بمقامي هذا بين يديك مقامَك غداً بين يدي
الله، حيث لا يشغلُ الله عنك فيه كثرةُ منْ يخاصمُ ، من يومٍ تلقاه بلا ثقةٍ من العمل ، ولا براءةٍ من الذنب ، قال :
فبكى عمر بكاءً شديداً ثم قال له : ما حاجتك. فقال: إنّ عاملك بأذربيجانَ عَدَا عليَّ فأخذ مني اثني عشرَ ألفَ
درهم فجعلها في بيت المال . فقال عمر : اكتبوا له الساعةَ إلى عاملها ، فليردَّ عليه . ثم أرسله مع البريد.
وعن زياد مولى ابنِ عياش قال : دخلتُ على عمر بن عبد العزيز في ليلة باردةٍ شاتية ، فجعلتُ أصطلي على كانونٍ
هناك ، فجاء عمر - وهو أمير المؤمنين - فجعل يصطلي معي على ذلكِ الكانون ، فقال لي : يا زياد ؟ قلت : نعم
يا أمير المؤمنين ، قال: قصَّ عليّ ، قلت : ما أنا بقاصّ . فقال: تكلَّمْ . فقلت: زياد . فقال : ما له . فقلت:
لا ينفعه منْ دخل الجنة إذا دخلَ النار ، ولا يضرُّه من دخل النار إذا دخل الجنة . فقال : صدقت ، ثم بكى حتى
أطفأ الجمر الذي في الكانون .
وقال له زياد العَبْدي : يا أميرَ المؤمنين لا تعملْ نفسك في الوصف واعملها في المخرج مما وقعت فيه ، فلو أنَّ كل
شعرةٍ فيك نطقَتْ بحمد الله وشكره والثناءِ عليه ما بلغتَ كنه ما أنتَ فيه . ثم قال له زياد : يا أمير المؤمنين أخبرني
عن رجلٍ له خَصْمٌ ألدّ ما حاله؟ قال : سِّىء الحال . قال : فإنْ كانا خصمَيْن ألدّين ؟ قال : فهو أسوأ حالاً ،
قال : فإنّ كانوا ثلاثة؟ قال: ذاك حيث لا يهنئه عيش. قال: فوالله يا أمير المؤمنين ما أحدٌ من أمة محمدٍ وَلَهَ إلا
وهو خصمك . قال : فبكى عمر حتى تمنّيت أني لم أكن حدثته ذلك .
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدِيِّ بن أرطاة وأهل البصرة : أما بعد فإن من الناس من شاب في هذا الشراب ،
ويغشون عنده أموراً انتهكوها عند ذهاب عقولهم ، وسفه أحلامهم ، فسفكوا له الدمَ الحرام ، وانتهكوا فيه الفروج
الحرام ، والمالَ الحرام ، وقد جعل الله عن ذلك مندوحةً من أشربةٍ حلال ، فمن انتبذ فلا ينتبذ إلا من أسقيةِ الأدَم ،

٤٠
خلافة يزيد بن عبد الملك
خلافة يزيد بن عبد الملك
بُويع له بعهدٍ من أخيه سليمان بن عبد الملك أنْ يكونَ وليّ الأمر من بعد عمر بن عبد العزيز ، فلما
توفي عمر في رجب من هذه السنة - أعني سنة إحدى ومئة - بايعه الناس البيعةَ العامَّة ، وعمره إذ ذاك تسعٌ
وعشرون سنة ، فعزَل في رمضان منها عن إمرة المدينة أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم ، وولَّى عليها
عبد الرحمن بن الضخَّاك بن قيس ، فجرَتْ بينه وبين أبي بكر بن حَزْمِ منافسات وضغائن ، حتى آل الأمر
إلى أنِ استدرك عليه حكومة ، فحدَّهُ حدَّين فيها .
وفيها كانت وقعةٌ بين الخوارج ، وهم أصحاب بسطام الخارجي ، وبين جند الكوفة ، وكان الخوارجُ
جماعة قليلة ، وكان جيش الكوفة نحواً من عشرة آلاف فارس ، وكادت الخوارج أن تكسرهم ، فتذامروا
بينهم فطحنوا الخوارج طحناً عظيماً ، وقتلوهم عن آخرهم ، فلم يبقوا منهم ثائرً(١) .
وفيها خرج يزيدُ بن المهلب فخلَع يزيد بن عبد الملك ، واستحوذ على البصرة ، وذلك بعد محاصرةٍ
طويلة، وقتالٍ طويل ؛ فلما ظهر عليها بسط العدلَ في أهلها ، وبذَلَ الأموال ، وحبس عاملَها عديَّ بنَ
أرْطاة ، لأنه كان قد حبس آلَ المهلَّب الذين كانوا بالبصرة ، حين هرب يزيدُ بن المهلَّب من محبس
عمر بن عبد العزيز ، كما ذكرنا٢) ، وكان لما ظهر على قصر الإمارة أتى بعديٍّ بن أرطاة فدخل عليه وهو
يضحك ، فقال يزيدُ بن المهلب : إني لأعجبُ من ضَحِكك ، أنك هربتَ من القتالَ كما تهربُ النساء !
وإنك جئتني وأنت تُتُلُّ كما يُتِلُّ العبد ! فقال عدي: إني لأضحكُ لأنَّ بقائي بقاءٌ لك، وأنَّ منْ ورائي طالباً
لا يتركُّني ، قال : ومنْ هو ؟ قال: جنودُ بني أمية بالشام ، ولا يتركونك ، فداركْ نفسَك قبل أنْ يرميَ
إليك البحر بأمواجه ، فتطلب الإقالةَ فلا تُقال . فردَّ عليه يزيدُ جوابَ ما قال ، ثم سجنه كما سجن أهله ،
واستقرَّ أمرُ يزيدَ بنِ المهلَّب على البصرة ، وبعث نوابه في النواحي والجهات ، واستناب في الأهواز ،
وأرسل أخاه مدرك بن المهلَّب على نيابة خُراسان ، ومعه جماعةٌ من المقاتلة ، فلما بلغ خبره على الجليَّة
إلى أمير المؤمنين(٣) يزيد بن عبد الملك جهّز ابنَ أخيه العباس بن الوليد بن عبد الملك في أربعة آلاف ،
مقدّمةً بين يدي عمه مَسْلمة بن عبد الملك ، وهو في جنود الشام ، قاصدين البصرة لقتال يزيد بن
واستغنوا بما أحلَّ الله عما حرَّم ، فإنا مِنْ وجدْناه شرب شيئاً مما حرَّم الله بعدما تقدَّمنا إليه ، جعلْنا له عقوبةً شديدة ،
ومن استخف بما حرم الله عليه فالله أشدُّ عقوبة له وأشدُّ تنكيلا .
(١)
في (ق): ((ثائرة))، وفي (ب): ((تأثيراً))، والمثبت من (ح) .
(٢)
انظر ص (٥) من هذا الجزء.
في (ق): (( ... خبره الخليفة يزيد بن عبد الملك)) وفي (ح)؛ (( ... على الخليفة إلى أمير المؤمنين .. ))
(٣٪
والمثبت من ( ب) والجلية : الخبر اليقين ، والحقيقة . اللسان (ج لا).