Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
قصة ذى الكفل
رواه ابن عساكر(١) بمعناه .
وأنَّه أوصى إلى ولده ((حومل(٢) وقام بالأمر بعده ولده ((بشر )) بن أيوب ، وهو الذي يزعمُ كثير من
الناس أنه ذو الكفل ، فالله أعلم . وماتَ ابنُه هذا وكان نبياً فيما يزعمون ، وكان عمرُه من السنين خمساً
وسبعين ، ولنذكر هاهنا قصّة ذي الكِفْل ، إذ قال بعضهم : إنه ابن أيوب عليهما السلام .
وهذه قصة ذي الكفل
الذي زعم قومٌ أَنَّه ابن أيُّوب
قال الله تعالى بعد قصة أيوب في سورة الأنبياء: ﴿ وَإِسْمَعِيلَ وَإِذْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِّ كُلٌّ مِنَ
الصَّبِينَ (﴿ وَأَدْخَلْنَهُمْ فِى رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّلِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥ - ٨٦] وقال تعالى بعد قصة أيوب
أيضاً في سورة ص: ﴿ وَأَذَكُرْ عِبَدَنَا إِنَهِيَمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِ الْأَيْدِى وَالْأَبْصَرِ (﴿ إِنََّ أَغْلَصْنَهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى
الدَّارِ ﴿ وَإِنَهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (١) وَأَذَكُرْ إِسْمَعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلُّ مِّنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص: ٤٥ - ٤٨]
فالظاهر من ذكره في القرآن العظيم بالثناء عليه مقروناً مع هؤلاء السادة الأنبياء ، أنه نبيٌّ عليه من ربِّه الصلاة
والسلام ، وهذا هو المشهور .
وقد زعمَ آخرون أنَّه لم يكن نبيّاً وإنما كان رجلاً صالحاً وحكماً مُفْسطاً عادلًا . وتوقَّفَ ابنُ جرير في
ذلك ، فالله أعلم .
وروى ابن جُريج(٣) وابن أبي نَجيح : عن مجاهد : أنه لم يكن نبياً وإنما كان رجلاً صالحاً ، وكان قد
تكفَّلَ لبني قومه أن يكفيَه أمرَهم ويقضي بينهم بالعدل ، فسُمِّي ذا الكفل(٤) .
وروى ابن جرير وابن أبي حاتم : من طريق داود بن أبي هند : أنه قال : لما كبر اليسع قال : لو أني
استخلفتُ رجلاً على النَّاس يعملُ عليهم في حياتي ، حتى أنظرَ كيف يعملُ ، فجمعَ النَّاسَ ، فقال : منْ
يتقبَّلْ لي بثلاث أستخلفْه؟ يصومُ النهارَ ، ويقومُ اللَّيلَ ، ولا يغضب . قال : فقام رجل تزدريه العين ،
فقال : أنا . فقال : أنتَ تصومُ النَّهارَ ، وتقومُ الليل ، ولا تغضب ؟ قال : نعم . قال : فردّهم ذلك
اليوم ، وقال مثلها اليوم الآخر ، فسكتَ النَّاس ، وقام ذلك الرجل ، فقال : أنا . فاستخلفَه . قال :
أخرجه ابن عساكر في تاريخه (١٠/ ٨٢).
(١)
(٢)
انظر تاريخ الطبري (٣٢٥/١) .
(٣)
في المطبوع : ابن جرير .
(٤) أخرجه ابن جرير في التفسير (٧١/٩).

٣٢٢
قصة ذى الكفل
فجعلَ إبليسُ يقولُ للشياطين : عليكم بفلان . فأعياهم ذلك ، فقال : دعوني وإيَّاه ، فأتاه في صورة شيخ
كبير فقير، وأتاه حين أخذ مضجعه للقائلة ، وكان لا ينامُ اللَّيلَ والنَّهارَ إلا تلك النومة ، فدقَّ البابَ ،
فقال : من هذا ؟ قال : شيخ كبير مظلوم . قال : فقامَ ففتحَ البابَ ، فجعلَ يقصُّ عليه . فقال : إن بيني
وبين قومي خصومةً ، وإنهم ظلموني وفعلوا بي وفعلوا ، حتى حضرَ الرَّواح وذهبتِ القائلة ، وقال : إذا
رحتُ فأُتني آخذ لك بحقِّك ، فانطلقَ وراح ، فكان في مجلسه فجعلَ ينظرُ هل يرى الشيخ فلم يره ، فقامَ
يتبعُه فلما كان الغد جعلَ يقضي بين الناس وينتظره فلا يراه . فلما رجعَ إلى القائلة فأخذَ مضجعَه ، أتاه
فدقَّ البابَ ، فقال : من هذا ؟ فقال : الشيخ الكبير المظلوم . ففتحَ له ، فقال : ألم أقل لك إذا قعدتُ
فأنني ؟ فقال : إنهم أخبثُ قوم ، إذا عرفوا أنَّك قاعدٌ قالوا : نحن نُعطيك حقَّكَ ، وإذا نمتَ جَحدوني .
قال : فانطلقْ ، فإذا رحت فأُتني . قال : ففاتته القائلةُ فراحَ ، فجعلَ ينتظر فلا يراه ، وشقَّ عليه النُّعاسُ ،
فقال لبعض أهله : لا تدعُنَّ أحداً يقربُ هذا الباب حتى أنام ، فإني قد شقَّ علي النوم . فلما كان تلك
الساعة جاء، فقال له الرجل : وراءَك وراءَك . قال : إني قد أتيتُه أمس فذكرتُ له أمري . فقال : لا والله
لقد أمرنا ألا ندعَ أحداً يقربه ، فلما أعياه نظر فرأى كوَّةً في البيت ، فتسوَّر منها ، فإذا هو في البيت ، وإذا
هو يدقُّ البابَ من داخل . قال : فاستيقظَ الرجل ، فقال : يا فلان ألم آمرك ؟ قال : أما من قبلي والله فلم
تُؤْت فانظرْ من أين أُتيت . قال : فقام إلى الباب فإذا هو مغلق كما أغلقَه ، وإذا الرجل معه في البيت
فعرَفه ، فقال : أعدوَ الله ؟ قال : نعم ، أعييتني في كلِّ شيءٍ، ففعلتُ ما ترى لأغضبنَّك، فسمَّاه الله ذا
الكفل لأنه تكفَّل بأمر فوقَّی به(١)
وقد روى ابن أبي حاتمُ(٢) أيضاً عن ابن عبّاس قريباً من هذا السياق .
وهكذا روي عن عبد الله بن الحارث ، ومحمد بن قيس ، وابن حجيرة الأكبر وغيرهم من السلف نحوُ
هذا .
وقال ابن أبي حاتم : حدَّثنا أبي ، حدَّثنا أبو الجماهر ، أنبأنا سعيد بن بشير ، حدَّثنا قتادة ، سمعت
الأشعري - يعني أبا موسى رضي الله عنه وهو على هذا المنبر - يقول: ما كان ذو الكفل نبيّاً ، ولكن كان
رجلاً صالحاً، يُصلِّ كلَّ يوم مئة صلاة ، فتكفَّل له ذو الكفل من بعده ، يُصلِّ كلَّ يوم مئة صلاة فسُمِّي
ذا الكفل(٣).
ورواه ابن جرير من طريق عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة ، قال : قال أبو موسى الأشعري :
فذكره منقطعاً .
(١) أخرجه ابن جرير في التفسير (٧١/٩) وابن أبي حاتم، كما في الدر المنثور (٦٦١/٥).
(٢) كما في الدر المنثور (٦٦٢/٥ - ٦٦٣).
(٣) المصدر السابق (٥/ ٦٦٤) .

٣٢٣
باب ذكر أمم أهلكوا بعامة
فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد(١): حدَّثنا أسباط بن محمد، حدَّثنا الأعمش ، عن عبد الله بن
عبد الله، عن سعد مولى طلحة، عن ابن عمر، قال: سمعتُ من رسول الله وَّل حديثاً لو لم أسمعْه إلا
مرَّةً أو مرتين ، حتى عدَّ سبع مرار، ولكن قد سمعتهُ أكثرَ من ذلك قال: ((كان الكفل من بني إسرائيل
لا يتوزَّع من ذنب عملَه ، فأتته امرأةٌ فأعطاها ستينَ ديناراً على أن يطأها ، فلما قعد منها مقعدَ الرجل من
امرأته أُرعدتْ وبكت ، فقال لها : ما يُبكيك أكرهتُك؟ قالت : لا ، ولكن هذا عملٌ لم أعملْه قطُ ،
وإنما حملتني عليه الحاجةُ . قال : فتفعلينَ هذا ولم تفعليه قطّ . ثم نزل ، فقال : اذهبي بالدنانير لكِ .
ثم قال : والله لا يَعصي الله الكِفْلُ أبداً، فمات من ليلته فأصبح مكتوباً على بابه : قد غفر الله
للكفل )( ٢) .
ورواه الترمذي(٣) من حديث الأعمش به وقال حسن، وذَكَرَ أن بعضَهم رواه فوقفه على ابن عمر ،
فهو حديثٌ غريب جداً . وفي إسناده نظر ، فإن سعداً هذا قال أبو حاتم : لا أعرفه إلا بحديث واحد ،
ووثَّقَه ابنُ حبَّان ، ولم يروه عنه سوى عبد الله بن عبد الله الرازي هذا ، والله أعلم .
[ وإن كان محفوظاً فليس هو ذا الكفل ، وإنما لفظ الحديث : الكفل ، من غير إضافة ، فهو رجلٌ
آخر غير المذكور في القرآن ، فالله أعلم ]٤) .
باب ذكر أممٍ أُملكوا بعامّة
وذلك قبل نزول التوارة بدليل قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ
اُلْأُولَى﴾ [القصص: ٤٣] الآية. كما رواه ابن جرير(٥) وابن أبي حاتم(٦) والبزار(٧): من حديث عوف
الأَعْرابي ، عن أبي نَضْرة ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : ما أهلكَ الله قوماً بعذابٍ من السَّماء أو من
(١) أخرجه ابن جرير في التفسير (٧٢/٩).
(٢)
أخرجه أحمد في المسند (٢٣/٢) رقم (٤٧٤٧).
(٣)
أخرجه الترمذي ( ٢٤٩٨) في صفة القيامة .
ما بين الحاصرتين سقط من المطبوع وأثبته من أوب .
(٤)
(٥)
أخرجه ابن جرير في تفسيره ( ٧٦/١٠).
أخرجه ابن أبي حاتم ، كما في الدر المنثور (٦/ ٤١٧).
(٦)
(٧) أخرجه البزار (٢٢٤٧ و٢٢٤٨) وقال الهيثمي في المجمع (٨٨/٧) رواه البزار موقوفاً ومرفوعاً، ورجالهما رجال
الصحيح .

٣٢٤
أصحاب الرس
الأرضِ بعدما أُنزلت التوارة على وجه الأرض ، غير القرية التي مُسِخوا قردةً ، ألم ترَ أنَّ الله تعالى يقول :
﴿ وَلَقَدْءَ انَيْنَا مُؤْمَى الْكِتَبَ مِنْ بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ [ القصص: ٤٣].
ورفعه البزار في رواية له ، والأشبه والله أعلم وقفه ، فدلَّ على أن كل أمة أُهلكت بعامة قبل موسى
عليه السلام ، فمنهم :
أصحاب الرس :
قال الله تعالى في سورة الفرقان: ﴿ وَعَادًا وَثَمُودَا وَأَصْحَبَ الرَّسِ وَقُرُوْنَا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (٢) وَكُلَّ ضَرَيْنَا لَهُ
الْأَمْثَلِّ وَكُلُّ تَبَّرْنَا تَشْبِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٨ - ٣٩]. وقال تعالى في سورة قَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوُجٍ وَأَضْحَبُ
الَّ وَثَمُودُ الْهَا وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَدُ لُوطٍ (٢) وَأَصْحَبُ الْأَبْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعْ كُلُّ كَذَّبَ الرُّسُلَ لَقَّ وَعِدِ﴾ [ق: ١٢ - ١٤] وهذا
السياق والذي قبلَه يدلُّ على أنهم أُهلكوا ودُمِّروا وتُبَّرُوا ، وهو الهلاك.
وهذا يردُّ اختيارَ ابن جرير(١) من أنهم أصحاب الأخدود الذين ذكروا في سورة البروج ، لأنَّ أولئك
عند ابن إسحاق وجماعة كانوا بعدَ المسيح عليه السلام ، وفيه نظر أيضاً .
وروى ابن جريج قال : قال ابن عباس : أصحابُ الرَّسِّ أهلُ قريةٍ من قُرى ثمود ٢) .
وقد ذكرَ الحافظُ الكبير أبو القاسم بن عساكر في أول تاريخه عند ذكر بناء دمشق (٣) ، عن تاريخ
أبي القاسم عبيد الله بن عبد الله بن خرداذبة وغيره ؛ أنَّ أصحابَ الرَّسِّ كانوا بحَضُورُ(٤) ، فبعثَ الله إليهم
نبياً يُقال له : حنظلة بن صفوان، فكذَّبوه وقتلوه ، فسارَ عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح بولده من
الرسِّ، فنزلَ الأحقاف ، وأهلكَ الله أصحابَ الرَّسِّ ، وانتشروا إلى اليمن كلها ، وفشوا مع ذلك في
الأرض كلِّها ، حتى نزل جيرون بن سعد بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح دمشق ، وبنى مدينتها
وسمّاها جيرون ، وهي إرم ذات العماد ، وليس أعمدة الحجارة في موضع أكثر منها بدمشق ، فبعثَ الله
هودَ بن عبد الله بن رباح بن خالد بن الخلود بن عاد إلى عاد ، يعني أولاد عاد بالأحقاف ، فكذَّبوه ،
وأهلكهم الله عزَّ وجلَّ ، فهذا يقتضي أنَّ أصحابَ الرسِّ قبلَ عادٍ بدهور متطاولة ، فالله أعلم .
وروى ابن أبي حاتم : عن أبي بكر بن أبي عاصم ، عن أبيه ، عن شَبيب بن بشر ، عن عكرمة ، عن
ابن عباس ، قال : الرَّسُّ بئر بأذربيجان .
ذكره ابن جرير في التفسير (٤١٢/١١).
(١)
(٢)
أخرجه ابن جرير في التفسير (٩/ ٣٩٠). وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢٥٦/٦).
(٣)
تاریخ دمشق (١/ ١٢) .
بلدة باليمن من أعمال زَبيد قيدها ياقوت في معجم البلدان وابن عبد الحق في مراصد الاطلاع، قال: بالفتح ثم الضم
(٤)
وسكون الواو وراء .

٣٢٥
أصحاب الرس
وقال الثوري : عن أبي بكر ، عن عكرمة ، قال : الرَّسُّ بئر رسُّوا فيها نبيّهم ، أي : دفنوه فيها .
وقال ابن جُرَيْج : قال عكرمة : أصحابُ الرَّسِّ بفَلَج ، وهم أصحاب يسّ .
وقال قتادة : فَلج : من قرى اليمامة .
قلت : فإن كانوا أصحاب يسّ كما زعمَه عكرمة ، فقد أُهلكوا بعامَّة ، قال الله تعالى في قصتهم :
﴿ إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَحِدَةُ فَإِذَاهُمْ خَلِمِدُونَ﴾ [ يس: ٢٩] وستأتي قصَّتُهم بعد هؤلاء، وإن كانوا غيرَهم - وهو
الظاهر - فقد أُهلكوا أيضاً وتُبِّروا . وعلى كلِّ تقديرٍ فيُنافي ما ذكره ابن جرير .
وقد ذكرَ أبو بكر محمد بن الحسن النَّقَّاش : أنَّ أصحابَ الرَّسِّ كانت لهم بئر ترويهم ، وتكفي أرضَهم
جميعها ، وكان لهم مَلِكٌ عادلٌ حَسَنُ السِّيرة ، فلما ماتَ وجدوا عليه وَجْداً عظيماً ، فلما كان بعد أيام
تصوَّر لهم الشيطان في صورته ، وقال : إني لم أمتْ ، ولكنْ تغيَّيتُ عنكم حتى أرى صنيعَكم ، ففرحوا
أشدَّ الفَرح، وأمر بضربِ حجابٍ بينهم وبينَه ، وأخبرَهم أنَّه لا يموتُ أبداً، فصدَّق به أكثرُهم ، وافتتنوابه
وعبدوه ، فبعثَ الله فيهم نبيّاً وأخبرَهم أنَّ هذا شيطانٌ يُخاطبهم من وراء الحجاب ، ونهاهم عن عبادته
وأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له .
قال السهيلي : وكان يُوحى إليه في النوم ، وكان اسمه حنظلة بن صفوان ، فعدوا عليه فقتلُوه وألقوه
في البئر ، فغارَ ماؤُها ، وعطشوا بعد ريِّهم ، ويَبِسَتْ أشجارُهم ، وانقطعتْ ثمارُهم ، وخربت ديارهم ،
وتبدّلوا بعد الأنس بالوحشة ، وبعد الاجتماع بالفرقة ، وهلكوا عن آخرهم وسكنَ في مساكنهم الجنُّ
والوحوش ، فلا يُسمع ببقاعهم إلا عزيف الجنِّ وزئير الأسود ، وصوتُ الضُّباع .
فأما ما رواه - أعني ابن جرير - عن محمد بن حميد ، عن سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن
كعب القرظي، قال: قال رسول الله وَله: ((إنَّ أَوَل الناس يدخل الجنَّة يوم القيامة العبدُ الأسود)).
وذلكَ أنَّ الله تعالى بعثَ نبيّاً إلى أهل قرية ، فلم يؤمن به من أهلها إلا ذلك الأسود .
ثم إنَّ أهلَ القرية عَدَوْا على النبيِّ فحفروا له بئراً فألقوه فيها ، ثم أطبقوا عليه بحجر أصمّ . قال :
فكان ذلك العبدُ يذهبُ فيحتطبُ على ظهره ، ثم يأتي بحطبه فيبيعه ويشتري به طعاماً وشراباً ، ثم يأتي به
إلى ذلك البئر فيرفع تلك الصخرة ، ويُعينه الله عليها ، ويُدلِّي إليه طعامه وشرابه ، ثم يردُّها كما كانت .
قال : فكان كذلك ما شاء الله أن يكون .
ثم إنه ذهبَ يوماً يحتطبُ كما كان يصنعُ ، فجمعَ حطبَه ، وحزمَ حِزْمته ، وفرغَ منها ، فلما أراد أن
يحملها وجد سنةً، فاضطجعَ ينامُ ، فضربَ الله على أذنه سبعَ سنين نائماً ، ثمّ إنَّه هبَّ فتمطَّى ، وتحوَّل
لشقُّه الآخر ، فاضطجعَ فضربَ الله على أذنه سبعَ سنين أخرى ، ثم إنَّ هبَّ واحتملَ حزمته ولا يحسبُ أنه
نام إلا ساعة من نهار ، فجاء إلى القرية فباعَ حزمته ، ثم اشترى طعاماً وشراباً كما كان يصنع . ثم إنه ذهبَ

٣٢٦
قوم يس
إلى الحفرة ، إلى موضعها الذي كانت فيه ، فالتمسَه فلم يجده ، وقد كان بدا لقومه فيه بِدَاءً ، فاستخرجُوه
وآمنوا به وصدَّقوه . قال : فكان نبيُّهم يسألُهم عن ذلك الأسود ما فعل ؟ فيقولون له : ما ندري حتّى قبضَ
الله النبيَّ عليه السلام، وأهبَّ الأسودُ من نومه بعد ذلك. فقال رسول الله وَله: ((إنَّ ذلك الأسود لأوَّل
من يدخل الجنَّة)(١)، فإنَّه حديثٌ مرسلٌ، ومثله فيه نظر. ولعلَّ بَسْطَ قِصَّته من كلام محمد بن كعب
القرظي ، والله أعلم .
ثم قد ردَّه ابن جرير(٢) نفسه ، وقال : لا يجوز أن يُحملَ هؤلاء على أنهم أصحابُ الرسِّ المذكورون
في القرآن . قال : لأن الله أخبرَ عن أصحاب الرَّسِّ أنه أهلكهم ، وهؤلاء قد بدا لهم فآمنوا بنبيِّهم ، اللَّهُمَّ
إلا أن يكونَ حدثت لهم أحداثٌ آمنوا بالنبيِّ بعد هلاك آبائهم ، والله أعلم .
ثم اختارَ أنَّهم أصحابُ الأخدود(٣) ، وهو ضعيفٌ لما تقدم ، ولما ذُكرَ في قصَّة أصحاب الأخدود
حيث تُوّدوا بالعذاب في الآخرة إن لم يتوبوا ، ولم يذكر هلاكَهم ، وقد صرَّح بهلاك أصحاب الرَّسِّ ،
والله أعلم .
* *
ومنهم أصحاب القرية أصحاب يسّ
قال الله تعالى: ﴿ وَأَضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلًا أَصْحَبَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (٢) إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَزْنَا
◌ِشَالِثٍ فَقَالُواْ إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٩) قَالُواْمَآ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَآ أَنَزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَىْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ ﴿) قَالُواْ رَبُنَا
يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّ الْبَلَغُ الْمُبِينُ (١٩) قَالُواْ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمّ لَيِن لَّمْ تَنْتَهُوْ لَهُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا
﴿ وَجَآءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَنْقَوْمِ
عَذَابٌ أَلِيمٌ (١) قَالُواْ طَبِّكُمْ مَعَكُمْ أَبِن ذُكِرْتُ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ الخيـ
أَتَّبِعُواْ الْمُرْسَلِينَ (٢) أَنَّبِعُواْ مَن لَّا يَسْشَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ () وَمَا لِىَ لَآَ أَعْبُدُ الَّذِى فَطَرَبِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١) ،َأَتَّخِذُ
إِنِّي
٢٤
مِن دُونِهِ: ءَالِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍ لَّا تُغْنِ عَنِى شَفَعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِ ﴿٣) إِّ إِذَّالَّفِي ضَلَلٍ مُّبِينٍ
ءَامَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (١٩) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةً قَالَ يَلَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونٌ (٦) بِمَا غَفَرَ لِ رَبِ وَحَعَلَنِى مِنَ الْمُكْرَمِينَ الْثَمْ﴾ وَمَآ
﴿ إِن كَانَتْ إِلَّ صَيْحَةٌ وَحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ خَكِمِدُونَ ﴾
أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ، مِنْ بَعْدِهِ، مِن جُنْدٍ مِّنَ السَّمَآءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ
[ يس : ١٣ -٢٩ ] .
(١) أخرجه ابن جرير في تفسيره عن ابن إسحاق، عن محمد بن كعب القرظي (٣٩٠/٩ - ٣٩١) وذكره السيوطي في الدر
المنثور (٢٥٧/٦ - ٢٥٨).
(٢)
انظر تفسير الطبري (٣٩١/٩).
(٣) المصدر السابق (٣٩١/٩).

٣٢٧
قوم یس
اشتُهر عن كثير من السلف والخلف؛ أنَّ هذه القرية ((أنطاكية)) رواه ابن إسحاق(١) ، فيما بلغَه عن
ابن عبّاس، وكعب الأحبار ، وَوَهْبِ بن مُنَبِّه، وكذا رُوي عن بريدة بن الحصيب، وعكرمة، وقتادة ،
والزُّهْري وغيرهم ، قال ابن إسحاق ، فيما بلغه عن ابن عبّاس وكعب ووهْب أنهم قالوا : وكان لها مَلِكٌ
اسمُه ((أنطيخس )(٢) بن أنطيخس ، وكان يعبدُ الأصنامَ ، فبعثَ الله إليه ثلاثاً من الرسل ، وهم :
صادق ، وصدوق ، وشلوم ، فكذَّبهم .
وهذا ظاهرٌ أنهم رسلٌ من الله عزَّ وجلَّ، وزعمَ قتادة(٣) أنهم كانوا رسلاً من المسيح .
وكذا قال ابن جرير(٤) : عن وهب ، عن ابن سليمان ، عن شعيب الجُبَّائي: كان اسم المرسلين
الأوَّليين : شمعون ، ويوحنا ، واسم الثالث بولص ، والقرية أنطاكية .
وهذا القول ضعيفٌ جداً؛ لأن أهل ((أنطاكية)) لما بعثَ إليهم المسيحُ ثلاثةً من الحواريِّينَ كانوا أوَّلَ
مدينة آمنت بالمسيح في ذلك الوقت ، ولهذا كانت إحدى المدن الأربع التي تكون فيها بتاركةُ النَّصارى
وهن : أنطاكية ، والقدس ، وإسكندرية ، ورومية . ثم بعدها إلى القسطنطينية ، ولم يهلكوا ، وأهل هذه
القرية المذكورة في القرآن أَهلكوا كما قال في آخر قصتها بعد قتلهم صديق المرسلين ﴿ إِن كَانَتْ إِلَّ صَيْحَةُ
وَحِدَةٌ فَإِذَاهُمْ خَمِدُونَ﴾ [ يس: ٢٩] لكنْ إن كانت الرسلُ الثلاثة المذكورون في القرآن بُعثوا إلى أهل أنطاكية
قديماً فكذَّبوهم وأهلكهم الله ، ثم عمرتْ بعد ذلك ؛ فلما كان في زمن المسيح آمنوا برسله إليهم ، فلا
يمنع هذا ، والله أعلم .
فأما القولُ بأن هذه القصّة المذكورة في القرآن هي قصّةُ أصحاب المسيح ، فضعيف لما تقدَّم ، ولأن
ظاهر سياق القرآن يقتضي أن هؤلاء الرسل من عند الله .
قال الله تعالى: ﴿ وَأَضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا﴾ يعني لقومك يا محمد ﴿أَصْحَبَ الْقَرَبَةِ﴾ يعني المدينة ﴿إِذْجَآءَهَا
الْمُرْسَلُونَ ﴿ إِذْأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ أَثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا ◌ِشَالِثٍ ﴾ أي: أيدناهما بثالث في الرسالة ﴿فَقَالُواْ إِنَّا إِلَيْكُمْ
مُرْسَلُونَ﴾ فردُوا عليهم بأنَّهم بشرٌ مثلُهم كما قالت الأمم الكافرة لرسلهم يستبعدونَ أنْ يبعثَ الله نبيّاً
بشريّاً، فأجابوهم بأن الله يعلمُ أنَّا رسلُه إليكم، ولو كنّا كذَّبنا عليه لعاقبَنا وانتقم منَّا أشدَّ الانتقام
﴿ وَمَا عَلَيْنَآَ إِلَّ الْبَلَغُ الْمُبِينُ﴾ أي: إنما علينا أن نُبلِّغكم ما أرسلنا به إليكم، والله هو الذي يَهدي منْ
يشاءُ ويُضلُّ منْ يشاء ﴿ قَالُواْ إِنَّا تَطَّرْنَا بِكُمّ﴾ أي: تشاءمنا بما جئتمونا به ﴿ لَيِن لَّ تَنْتَهُوْلَّهُمَنَّكُمْ﴾ قيل :
أخرجه ابن جرير في التفسير (٤٣١/١٠) والتاريخ (١٨/٢).
(١)
في تفسير الطبري: أبطيحس بن أبطيحس، وفي التاريخ (١٨/٢) كما في أصولنا .
(٢)
(٣)
أخرجه ابن جرير في التفسير ( ٤٣١/١٠).
لم أجده في التاريخ والتفسير؛ لابن جرير ، وإنما هو لابن أبي حاتم كما في الدر المنثور (٧/ ٥٠).
(٤)

٣٢٨
قوم يس
بالمقال، وقيل : بالفعال، ويُؤيِّد الأوَّلَ قوله: ﴿وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فوعدُوهم بالقتل والإهانة.
قَالُواْ طَِّكُم مَعَكُمْ ﴾ أي: مردودٌ علیکم ﴿ آپنذُكرتُ ﴾ أي : بسبب أنَّا ذگّرناكم بالهدى ، ودعوناكم
إليه تَوَدْتُمونا بالقتل والإهانة ﴿ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ أي: لا تقبلون الحق ولا تريدونه .
وقوله تعالى: ﴿ وَجَآءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ يعني لنصرة الرُّسل وإظهار الإيمان بهم ﴿ قَالَ يَقَوْمِ
أَتَّبِعُواْ الْمُرْسَلِينَ لَهَ أَنَّبِعُواْ مَن لَّا يَسْئَلُكُمْ أَخْرً وَهُم ◌ُهْتَدُونَ﴾ أي: يدعونكم إلى الحقِّ المَحْضِ بلا أجرة
ولا جُعالة ، ثم دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريكَ له ، ونهاهم عن عبادة ما سواه مما لا ينفعُ شيئاً ،
لا في الدنيا ولا في الآخرة ﴿ إِنّ إِذَالَّفِى ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: إن تركتُ عبادة الله وعبدتُ معه ما سواه . ثم قال
مخاطباً للرسل: ﴿ إِنّ ءَامَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ قيل: فاسمعوا مَقالتي واشهدوا لي بها عندَ ربِّكم ..
وقيل : معناه : فاسمعوا يا قومي إيماني برسُل الله جهرةً . فعند ذلك قتلوه ، قيل : رجماً ، وقيل :
عضَّاً . وقيل : وثبوا إليه وثبةَ رجُلٍ واحدٍ فقتلُوه . وحكى ابن إسحاق : عن بعض أصحابه ، عن ابن
مسعود ، قال : وَطِئوه بأرجلهم حتَّى أخرجوا قُصْبَهُ(١) .
وقد روى الثوري (٢): عن عاصم الأحول ، عن أبي مَجْلز ، كان اسمُ هذا الرجل حبيب بن مُرِّي . ثم
قيل : كان نجَّاراً. وقيل: حبَّالاً. وقيل: إسكافاً. وقيل: قصَّاراً . وقيل : كان يتعبَّدُ في غار هناك،
فالله أعلم .
وعن ابن عبّاسُ(٣): كان حبيبُ النَّجَّارُ قد أسرعَ فيه الجُذام، وكان كثيرَ الصَّدقة، قتلَه قومه . ولهذا
قال تعالى: ﴿أُدْخُلِ الْجَنَّةُ﴾ يعني لما قتله قومُه أدخلَه الله الجنَّةَ، فلما رأى فيها من النُّضْرة والسرور
﴿ قَالَ يَلَيْتَ قَوْمِ يَعْلَمُونٌّ (﴿ بِمَا غَفَرَ لِ رَبِّ وَحَعَلَنِ مِنَ الْمُكْرَبِينَ﴾ يعني ليؤمنوا بما آمنتُ به، فيحصل لهم
ما حصلَ لي .
قال ابن عباس : نصحَ قومه في حياته ﴿يا قوم اتَّبعوا المرسلين﴾ وبعد مماته (يا ليتَ قومي يعلمون
بما غفرَ لي ربي وجعلني من المكرمين ) رواه ابن أبي حاتم(٤) .
وكذلك قال قتادة٥): لا يُلقى المؤمنُ إلا ناصحاً، لا يُلقى غاشًا لما عاين من كرامة الله. ﴿يَلَيْتَ
قَوْمِى يَعْلَمُونٌّ (٦) بِمَا غَفَرَ لِ رَبِّ وَحَعَلَنِ مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ تمنَّى والله أن يعلمَ قومه بما عاينَ من كرامة الله ، وما هو
عليه . قال قتادة : فلا والله ما عاتبَ الله قومَه بعد قتله ﴿ إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةٌ وَحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَكَمِدُونَ ﴾ وقوله
(١) ((أخرجوا قصْبَه)): أمعاءَه. وانظر تفسير الطبري (١٠/ ٤٣٦).
(٢)
أخرجه ابن جرير في التفسير ( ٤٣٣/١٠).
(٣)
المصدر السابق ( ٤٣٣/١٠_٤٣٤).
كما في الدر المنثور (٥١/٧ ).
(٤)
(٥) أخرجه ابن جرير في التفسير (٤٣٦/١٠).

٣٢٩
قوم يسّ
تعالى: ﴿ ﴿ وَمَآ أَنْزَلْنَ عَلَى قَوْمِهِ، مِنْ بَعْدِهِ، مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَامُنْزِلِينَ﴾ أي: ما احتجنا في الانتقام منهم
إلى إنزال جُنْدٍ من السماء عليهم ، هذا معنى ما رواه ابن إسحاق(١) : عن بعض أصحابه ، عن ابن
مسعود .
وقال مجاهد وقتادة: وما أنزلَ عليهم جُنْداً، أي : رسالةً أخرى. قال ابن جرير(٢): والأوَّلُ
أولى. قلت: وأقوى. ولهذا قال: ﴿ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ أي: وما كنا نحتاجُ في الانتقام إلى هذا حين
كذَّبوا رسلنا، وقتلوا وَليّنا ﴿ إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةُ وَحِدَةً فَإِذَاهُمْ خَكِمِدُونَ﴾.
قال المفسرون : بعثَ الله إليهم جبريل عليه السلام ، فأخذَ بعضادتي الباب الذي لبلدهم ، ثم صاحَ
بهم صيحةً واحدةً فإذا هم خامدون ، أي : قد أُخمدتْ أصواتُهم ، وسكنتْ حركاتُهم ، ولم يبق منهم عينٌ
تَطْرُفُ .
وهذا كلُّه مما يدلُّ على أن هذه القرية ليست أنطاكية ، لأن هؤلاء أُهلكوا بتكذيبهم رسلَ الله إليهم ،
وأهل أنطاكية آمنوا واتَّبعوا رسلَ المسيح من الحواريِّين إليهم ، فلهذا قيل : إن أنطاكية أوَّلُ مدينة آمنتْ
بالمسيح .
فأما الحديث الذي رواه الطبراني : من حديث حسين الأشقر ، عن سُفيان بن عيينة ، عن ابن
أبي نجيح، عن مُجاهد، عن ابن عبّاس، عن النبي ◌ََّ قال: ((السَّبْقُ ثلاثة: فالسابق إلى موسى
يُوشع بن نون ، والسابقُ إلى عيسى صاحب يسّ ، والسابق إلى محمد عليّ بن أبي طالب(٣) فإنه حديث
لا يثبتُ ، لأن حُسيناً هذا متروك وشيعيٌّ من الغلاة ، وتفرده بهذا مما يدلُّ على ضعفه بالكليّة ، والله
أعلم .
***
(١) أخرجه ابن جرير في التفسير (٤٣٧/١٠).
(٢) انظر تفسير ابن جرير الطبري ( ١٠/ ٤٣٧).
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير (١١١٥٢/٢٢).

٣٣٠
قصة يونس عليه السلام
قصة یونس
عليه السلام
قال الله تعالى في سورة يونس: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةً ،َمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيَمَنُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ
عَذَابَ الْخِزْيِ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَمَتَّغْنَهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [ يونس: ٩٨] وقال تعالى في سورة الأنبياء: ﴿ وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ
مُغَضِبًا فَظَنَّ أَن لَّنْ تَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَتَادَى فِ القُلُمَتِ أَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِنِّ كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
٨٧
فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَيْنَهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُشَجِى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨] وقال تعالى في سورة
الصافات: ﴿ وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤٩) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ ﴿ فَالْنَقَمَهُ الْحُوُثُ
وَهُوَ مُلِيمٌ لِ﴿لَا فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِحِينُّ ◌َ لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِ: إِلَى يَوْمٍ يُبْعَثُونَ(١) ﴿ فَبَذْنَهُ بِالْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (9) وَأَبْبَتْنَا
﴿ وَأَرْسَلْنَهُ إِلَى مِائَةٍ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ بِثَ فَامَنُواْ فَمَتَّعْنَهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٣٩ - ١٤٨].
عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِینِ
وقال تعالى في سورة نون: ﴿فَضَِّرْ لِحِكْرِ رَيِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبٍ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُوْمٌ (٤) لَّوَلاَ أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنِرَّبِّهِ،
لَهُبِذَ بِالْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ
فَأَجْنَبَهُ رَبِّمُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّلِحِينَ ﴾ [القلم: ٤٨ - ٥٠ ].
قال علماءُ التفسير : بعثَ الله يونسَ عليه السلام إلى أهل (( نينوى)) من أرض المَوْصل ، فدعاهم إلى
الله عزَّ وجلَّ ، فكذَّبوه وتمرَّدوا على كفرهم وعنادهم ، فلما طال ذلك عليه من أمرهم ، خرج من بين
أظهرِهم ، ووعدَهم حلولَ العذاب بهم بعد ثلاث .
قال ابن مسعود ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وقتادة ، وغير واحد من السلف والخلف : فلما خرجَ
من بين ظهرانيهم وتحقَّقوا نزولَ العذاب بهم قذفَ الله في قلوبهم التوبة والإنابة ، وندموا على ما كان منهم
إلى نبيهم ، فلبسوا المسوحَ ، وفرّقوا بين كلِّ بهيمةٍ وولدها، ثم عُو(١) إلى الله عزَّ وجلَّ ، وصرَخوا
وتضرَّعوا إليه ، وتمسكنوا لديه ، وبكى الرجالُ والنساء والبنون والبنات والأمهات ، وجأرت الأنعام
والدوابُّ والمواشي ، فرغت الإبل وفصلانها ، وخارت البقر وأولادها ، وثغت الغنم وحملانها ، وكانت
ساعة عظيمة هائلة .
فكشفَ الله العظيمُ بحوله وقوَّته ورأفتِهِ ورحمتِهِ عنهم العذابَ الذي كان قد اتَّصَلَ بهم بسببه ، ودار
على رؤوسهم كقطع الليل المظلم، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ ،َامَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيَمَنُهَا ﴾ [ يونس: ٩٨]
أي : هلا وجدت فيما سلف من القرون قريةً آمنت بكمالها ، فدلَّ على أنه لم يقع ذلك ، بل كما قال
(١) عجُّوا بالدعاء: تضرَّعوا ورفعوا أصواتهم به.

٣٣١
قصة يونس عليه السلام
تعالى: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا فِ قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ، كَفِرُونَ﴾ [سبأ: ٣٤]. وقوله :
﴿ إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِيِ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَهُمْ إِلَى حِينٍ ﴾ [يونس: ٩٨] أي آمنوا
بكمالهم .
وقد اختلفَ المفسرون هل ينفعُهم هذا الإيمان في الدار الآخرة ، فينقذهم من العذاب الأخروي كما -
أنقذَهم من العذاب الدنيوي؟ على قولين : الأظهرُ من السياق نعم والله أعلم، كما قال تعالى: ﴿لَمَّآ
ءَامَنُواْ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَأَرْسَلْنَهُ إِلَى مِائَةٍ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ﴿ فَامَنُواْ فَمَتَّعْنَهُمْ إِلَى حِينٍ ﴾ [الصافات: ١٤٧ -١٤٨]
وهذا المتاعُ إلى حين ، لا ينفي أن يكونَ معه غيرُه من رفع العذاب الأخرويّ ، والله أعلم .
وقد كانوا مئة ألف لا محالة ، واختلفوا في الزيادة ، فعن مكحول(١) عشرة آلاف .
وروى الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم : من حديث زهير ، عمن سمع أبا العالية ، حدَّثني أبيّ بن
كعب: أنه سألَ رسول الله بِ له عن قوله: ﴿ وَأَرْسَلْنَهُ إِلَى مِائَةٍ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [ الصافات: ١٤٧ ] قال:
((يزيدون عشرين ألفاً)(٢) . فلولا هذا الرجل المبهم لكان هذا الحديث فاصلاً في هذا الباب .
وعن ابن عباس : كانوا مئة ألف وثلاثين ألفاً . وعنه : وبضعة وثلاثين ألفاً . وعنه : وبضعة وأربعين
ألفاً . وقال سعيد بن جبير : كانوا مئة ألف وسبعين ألفا٣ً) .
واختلفوا هل كان إرساله إليهم قبل الحوت أو بعده ، أو هما أُمَّتان ؟ على ثلاثة أقوال ، هي مبسوطة
في التفسير(٤) .
والمقصودُ أنَّه عليه السلام لما ذهبَ مُغاضباً بسبب قومِه ، ركبَ سفينةً في البحر فلجَّت(٥) بهم
واضطربتْ وماجتْ بهم وثَقُلتْ بما فيها ، وكادُوا يغرقونَ على ما ذكره المفسرون . قالوا : فاشتوروا فيما
بينهم على أن يقترعوا فمن وقعت عليه القرعة ألقوه من السفينة ليتخفّفو(٦) منه. فلما أقرعو(٧) وقعت
القرعة على نبيِّ الله يونس ، فلم يسمحوا به ، فأعادوها ثانيةً فوقعت عليه أيضاً ، فشمَّر(٨) ليخلعَ ثيابه
ويُلقي بنفسه فأبوا عليه ذلك .
(١) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٧/ ١٣٢).
(٢)
أخرجه الترمذي (٣٢٢٩) في التفسير، وابن جرير في التفسير (٥٣٢/١٠).
انظر أقوال ابن عباس وسعيد بن جُبير في تفسير الطبري (٥٢٩/١٠ - ٥٣٠).
(٣)
(٤)
انظر تفسير ابن كثير (٢٨/٤).
فلجَّتْ : خاضت اللجة ، ووصلت إلى الأعماق .
(٥)
(٦)
في المطبوع : ليتحفظوا ، وهو تحريف .
(٧)
في المطبوع : فاقترعوا .
في بعض النسخ : فتشمَّر .
(٨)

٣٣٢
قصة يونس عليه السلام
ثم أعادوا القرعةَ ثالثةً فوقعتْ عليه أيضاً ، لما يُريده الله به من الأمر العظيم ، قال الله تعالى :
وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٤٦) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ {قَ، فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْخَضِينَ ﴿ فَالْنَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ ﴾
[ الصافات: ١٣٩ - ١٤٢]. وذلك أنه لما وقعتْ عليه القُرْعة أُلقيَ في البحر، وبعثَ الله عزَّ وجلَّ حوتاً عظيماً
من البحر الأخضر فالتقمّه ، وأمره الله تعالى ألَّ يأكلَ له لحماً ولا يهشمَ له عظماً ، فليس لك برزقٍ ،
فأخذه فطافَ به البحار كلَّها . وقيل : إنه ابتلعَ ذلك الحوتَ حوتٌ آخرُ أكبر منه .
قالوا : ولما استقرَّ في جَوْفِ الحوتِ حَسِبَ أنَّه قد ماتَ ، فحرَّك جوارحَه فتحرَّكتْ ، فإذا هو حيٌّ ،
فخرّ لله ساجداً ، وقال : يا ربِّ اتَّخذتُ لك مسجداً [ في موضع ١٣) لم يعبدْكَ أحدٌ في مثله .
وقد اختلفوا في مقدار(٢) لُبْثِهِ في بطنه ، فقال مجالدٌ عن الشعبي: التقمه ضُحىّ ولفظه عشيّةً . وقال
قتادة : مكث فيه ثلاثاً . وقال جعفر الصادق : سبعة أيام . ويشهدُ له شعر أُميَّة بن أبي الصلت: [ من الطويل ]
وأنتَ بفضلٍ منكَ نجّيت يُونُساً وقدْ باتَ في أضعافِ حُوتٍ ليالي٣ُ)
وقال سعيدُ بن أبي الحسن ، وأبو مالك: مكثَ في جوفه أربعينَ يوماً . والله أعلمُ كم مقدار ما لبثَ
فيه .
والمقصود أنَّه لما جعل الحوتُ يطوفُ به في قرار البحار ، ويقتحمُ به لُججِ المَوْجِ الأجاجيّ ، فسمعَ
تسبيح الحِيتان للرحمن ، وحتى سمعَ تسبيحَ الحصى لفالق الحَبِّ والنَّوى وربّ السموات السبع
والأرضين السبع ، وما بينها وما تحتَ الثرى . فعندَ ذلك وهنالكَ قال ما قال بلسان الحال والمقَال ،
كما أخبرَ عنه ذو العِزَّة والجلال ، الذي يعلم السر والنجوى ، ويكشف الضرّ والبلوى ، سامع الأصوات
وإن ضعفتْ ، وعالم الخفيَّات وإن دقّت ، ومجيب الدعوات وإن عظمت ، حيث قال في كتابه المبين
المنزل على رسوله الأمين ، وهو أصدق القائلين وربّ العالمين وإله المرسلين: ﴿ وَذَا النُّونِ إِذذَّهَبَ ﴾
إلى أهله ﴿ مُغَضِبًا فَظَنَّ أَن لَّنْ تَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِ الظُّلُمَتِ أَن لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِنَّ كُنتُ مِنَ
الظَّلِمِينَ ﴿ فَأَسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَيْنَهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُشْجِى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨] فظنَّ أن لن
نقدر عليه : أن نضيق ، وقيل معناه : نقدر من التقدير ، وهي لغة مشهورة قدر وقدّرَ ، كما قال
الشاعر : [ من الطويل ]
فلا عائدٌ ذاك الزمانُ الذي مضى تباركْتَ ، ما يُقدَرْ يَكُنْ ، فَلِكَ الأمرُ
﴿فَتَادَى فِ الظُّلُمَتِ﴾ قال ابن مسعود ، وابن عبّاس ، وعمرو بن ميمون ، وسعيد بن جُبير ،
(١) زيادة من المطبوع والدر المنثور (١٢٧/٧).
(٢)
انظر هذه الأقوال في تفسير الطبري ( ٥٢٩/١٠) والدر المنثور (١٢٧/٧).
(٣) أضعاف حُوتٍ : جوفه .

٣٣٣
قصة يونس عليه السلام
ومحمد بن كعب ، والحسن ، وقتادة ، والضحاك : ظلمة الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل(١). وقال
سالم بن أبي الجعد : ابتلعَ الحوتَ حوتٌ آخر فصارتا : ظلمة الحُوتين مع ظُلْمة البحر(٢) .
قوله تعالى: ﴿ فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينُّ ◌َ لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِ: إِلَى يَوْمٍ يُبْعَثُونَ﴾ [ الصافات: ١٤٣ - ١٤٤ ] قيل :
معناه لولا أنه سبَّح اللهَ هنالك وقالَ ما قالَ من التهليل والتسبيح والاعتراف لله بالخضوع والتوبة إليه
والرجوع إليه ، للبث هنالك إلى يوم القيامة ، ولبُعثَ من جوف ذلك الحوت . هذا معنى ما رُوي عن
سعيد بن جبير (٣) في إحدى الروايتين عنه، وقيل: معناه ﴿ فَلَوْلَا أَنَّمُ كَانَ﴾ من قبل أخذ الحوت له
﴿ مِنَ الْمُسَبِّحِينٌّ﴾ أي: المطيعين المصلِّين الذاكرينَ الله كثيراً، قاله: الضَّحاكُ بن قيس ، وابن عبّاس ،
وأبو العالية، ووهْبُ بن مُنبِّه، وسعيد بن جبير، والضَّحاك، والسُّدِّي ، وعطاء بن السَّائب ، والحسن
البصري ، وقتادة وغير واحد ، واختاره ابن جرير (٤) .
ويشهدُ لهذا ما رواه الإمام أحمد وبعض أهل السنن: عن ابن عبّاس أن رسول الله وَّل قال لي:
(( يا غلام إنِّي مُعلِّمكَ كلماتٍ: احفظ الله يحفظُكَ، احفظِ الله تجدْه تُجاهَكَ، تعرَّفْ إلى الله في الرَّخاء
يَعْرفكَ في الشِّدَّة )(٥) .
وروى ابنُ جرير في تفسيره ، والبزَّار في مسنده ، من حديث محمد بن إسحاق ، عمن حدَّثه ، عن
عبد الله بن رافع مولى أَمِّ سلمة، سمعتُ أبا هريرة يقول: قال رسول الله وَّهُ: ((لما أرادَ الله حبسَ يونسَ
في بطن الحوت أوحى الله إلى الحوت أن خذ، ولا تخدشْ لحماً ، ولا تكسرْ عظماً . فلما انتهى به إلى
أسفل البحر سمعَ يونسُ حسَّاً ، فقال في نفسه : ما هذا؟ فأوحى الله إليه وهو في بطن الحوتِ : إن هذا
تسبيح دوابِّ البحر . قال : فسبَّح وهو في بطن الحوت ، فسمعتِ الملائكةُ تسبيحَه ، فقالوا : يا ربنا إنا
نسمع صوتاً بأرض غريبة . قال : ذلك عبدي يُونس عصاني ، فحبستُه في بطن الحوت في البحر . قالوا :
العبدُ الصَّالحُ الذي كان يصعدُ إليك منه في كلِّ يوم وليلة عمل صالح ؟ قال : نعم . قال : فشفعوا له عند
ذلك، فأمر الحُوتَ فقذَفه في السَّاحل، كما قال الله: ﴿ وَهُوَ سَقِيرٌ﴾)).
هذا لفظ ابن جرير(٦) إسناداً ومتناً .
(١) انظر تفسير الطبري (٧٦/٩ - ٧٧ ).
(٢)
أخرجه ابن جرير في التفسير (٩/ ٧٧) .
(٣)
أخرجه ابن جرير في التفسير ( ٥٢٩/١٠).
(٤)
المصدر السابق ( ٥٢٩/١٠ ).
(٥) أخرجه أحمد في المسند (٣٠٧/١) والترمذي (٢٥١٦) في صفة القيامة ، وهو حديث صحيح .
(٦) أخرجه ابن جرير في التفسير (٩/ ٧٧ - ٧٨).

٣٣٤
قصة يونس عليه السلام
ثم قال البزَّارُ(١): لا نعلمه يُروى عن النبيِّ إلا بهذا الإسناد ، كذا قال .
وقد قال ابن أبي حاتم في تفسيره : حدَّثنا أبو عبد الله أحمد بن عبد الرحمن أخي ابن وَهْب ، حدَّثنا
عمَّي ، حدَّثني أبو صخر ؛ أن يزيدَ الرقاشيّ حدَّثه ، سمعت أنسَ بن مالك - ولا أعلم إلا أن أنساً يرفع
الحديث إلى رسول اللّه وَ # - أن يونسَ النبيَّ عليه السلام حين بدا له أن يدعوَ بهذه الكلمات وهو في بطن
الحوت ، قال: اللهم ﴿لََّّ إِلَهَ إِلَّ أَنَتَ سُبْحَنَكَ إِّ كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [ الأنبياء: ٨٧] فأقبلتِ الدعوةُ
تحنّ بالعرش ، فقالت الملائكة : يا ربِّ! صوتٌ ضعيف معروف من بلاد غريبة ، فقال : أما تعرفون
ذاك ؟ قالوا : يا ربِّ ومن هو ؟ قال : عبدي يُونس . قالوا : عبدك يونس الذي لم يزلْ ترفع له عملاً
متقبلاً ، ودعوة مجابة ، قالوا : يا ربَّنا أو لا ترحم ما كان يصنعُه في الرخاء فتُنجيه من البلاء ؟ قال : بلى
فأمرَ الحوتَ فطرحَه في العراءُ(٢)
ورواه ابن جرير(٣) : عن يونسَ ، عن ابن وَهْب ، به .
زاد ابن أبي حاتم٤) : قال أبو صخر حميد بن زياد : فأخبرني ابن قسيط وأنا أحدِّثه هذا الحديث ، أنه
سمع أبا هريرة يقول : طُرح بالعراء ، وأنبت الله عليه اليقطينة [ قلنا: يا أبا هريرة وما اليقطينةُ؟ }٥) قال
شجرة الذُّبَّاء. قال أبو هريرة: وهيَّأَ الله له أروية٦) وحشيَّةً، تأكلُ من خشاش الأرض - أو قال : هشاش
الأرض - قال: فتفشخُ(٧) عليه ، فترويه من لبنها كل عشيّة وبكرة ، حتى نبتَ .
وقال أميّةُ بن أبي الصَّلْتِ في ذلك بيتاً من شعره : [من الطويل ]
فأنْبُتَ يقطيناً عليهِ برحمةٍ مِنَ اللهِ لولا اللهُ أصبحَ ضاوياً(٨)
وهذا غريب أيضاً من هذا الوجه ، ويزيد الرّقاشيّ ضعيف ، ولكنْ يتقوَّى بحديث أبي هريرة
المتقدّم ، كما يتقوَّى ذاك بهذا ، والله أعلم .
وقد قال الله تعالى: ﴿﴿فَبَدْنَهُ﴾ أي: ألقيناه ( بالعَراء ) وهو المكان القَفْر الذي ليس فيه شيءٌ من
الأشجار ، بل هو عارٍ منها ﴿ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ أي : ضعيف البدن. قال ابن مسعود: كهيئة الفَرْخ ، ليس
(١) كما في كشف الأستار (٢٢٥٤) وقال الهيثمي في المجمع (٩٨/٧ ) وقال : رواه البزار عن بعض أصحابه ، ولم
يُسمِّه ، وفيه ابن إسحاق وهو مدلس ، وبقية رجاله رجال الصحيح .
(٢)
أخرجه ابن أبي حاتم ، كما في الدر المنثور (٦٦٨/٥).
(٣)
في التفسير (٧٦/٩).
(٤)
أخرجه ابن جرير كما في الدر المنثور (٧/ ١٣٠).
(٥)
ما بين حاصرتين أثبته من ب .
أروية : في هامش ب . قال الجلال السيوطي في مختصر النهاية : الأروية : هي الأيائل ، وقيل : غنم الجبل .
(٦)
(٧)
فتفشخ : تقف فوقه ، وتباعد بين رجليها .
في الدر المنثور ((ألقى ضاحياً)) ومعنى: ضاوياً: هزيلاً .
(٨)

٣٣٥
قصة يونس عليه السلام
عليه ريش. وقال ابن عبّاسُ(١) والسُّدِّي وابنُ زيد: كهيئة الصَّبيّ حين يُولد وهو المنفوس ليس عليه شيء
. وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّنْ يَقْطِينٍ﴾ . قال ابن مسعود ، وابن عبَّاس ، وعكرمة، ومجاهد ، وسعيد بن
جُبير ، ووهب بن منبه ، وهلال بن يساف ، وعبد الله بن طاووس، والشُّدِّي، وقتادة ، والضَّخَاك،
وعطاء الخراساني ، وغير واحد: هو القَرْعُ(٢) .
قال بعض العلماء : في إنبات القَرْع عليه حِكم جَمَّة : منها : أن ورقه في غاية النعومة ، وكثير
وظليل ، ولا يقربه ذبابٌ ، ويُؤكل ثمرُه من أوَّل طلوعه إلى آخره نِيئاً ومطبوخاً ، وبقشره وببزره أيضاً .
وفيه نفع كثير وتقوية للدِّماغ وغير ذلك .
وتقدَّم كلام أبي هريرة في تسخير الله تعالى له تلك الأروية التي كانت تُرضعه لبنها وترعى في البرية
وتأتيه بكرةً وعشيَّةً. وهذا من رحمة الله به ونعمته عليه وإحسانه إليه، ولهذا قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ
وَنَّنَهُ مِنَ الْغَطِّ ﴾ أي: الكرب والضِّيق الذي كان فيه ﴿ وَكَذَلِكَ تُنْجِى الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: وهذا صنيعنا
بكل من دعانا واستجار بنا .
قال ابن جرير (٣): حدَّثني عمران بن بكّار الكُلاعي، حذَّثنا يحيى بن صالح، حدَّثنا أبو يحيى بن
عبد الرحمن ، حدَّثني بشر بن منصور ، عن عليٍّ بن زيد ، عن سعيد بن المسيب ، قال: سمعتُ سعدَ بن
مالك، - وهو ابن أبي وقَّاص - يقول: سمعتُ رسولَ اللهِوَلَ يقول: ((اسم الله الذي إذا دُعي به أجابَ ،
وإذا سُئل به أَعْطَى ؛ دعوةُ يونسَ بن متَّى ، قال : فقلت : يا رسولَ الله ! هي ليونسَ خاصَّة أم لجماعة
المسلمين ؟ قال : هي ليونسَ بنِ متَّى خاصَّة ، وللمؤمنين عامَّة إذا دَعَوْا بها ، ألم تسمع قول الله تعالى :
﴿فَتَادَىْ فِ الظُّلُمَتِ أَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِنِّ كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَتَخَيْنَهُ مِنَ الْغَرِّ
وَكَذَلِكَ نُشَجِى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧ -٨٨] فهو شرطٌ من الله لمن دعاه به)).
وقال ابن أبي حاتم(٤): حدَّثنا أبو سعيد الأشجُّ ، حدَّثنا أبو خالد الأحمر ، عن كثير بن زيد ، عن
المطلب بن حَنْطَب ، قال أبو خالد : أحسبه عن مصعب ، يعني ابن سعد ، عن سعدٍ ، قال : قال
رسول الله وَّهُ: ((منْ دَعا بدعاءِ يُونس استجيب له)) قال أبو سعيد الأشجُّ: يُريد به ﴿وَكَذَلِكَ نُچِى
اُلْمُؤْمِنِينَ﴾ وهذان طريقان عن سعد . وثالث أحسنُ منهما :
قال الإمام أحمد(٥): حدَّثنا إسماعيل بن عمر، حدَّثنا يونس بن أبي إسحاق الهَمْداني، حدَّثنا
(١) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٥٢٩/١٠).
(٢) المصدر السابق (٥٣٠/١٠)، والدر المنثور (١٣٠/٧).
(٣) في التفسير (٧٨/٩) .
(٤) كما في الدر المنثور (١٧/٥).
(٥) في المسند (١/ ١٧٠).

٣٣٦
ذكر فضل يونس عليه السلام
إبراهيم بن محمد بن سعد ، حدَّثني والدي محمد ، عن أبيه سعد - وهو ابن أبي وقَّاص - قال : مررتُ
بعثمانَ بن عفَّان في المسجد ، فسلَّمتُ عليه، فملأ عينيه منّي ثم لم يردَّ عليّ السلام ، فأتيتُ عمرَ بن
الخطّاب ، فقلت : يا أمير المؤمنين: هل حدثَ في السلام شيءٌ؟ قال: لا ، وما ذاك ؟ قلت : لا إلا
أني مررتُ بعثمان آنفاً في المسجد فسلّمت عليه ، فملأ عينيْه منِّي ثم لم يردّ عليّ السلام . قال : فأرسلَ
عمر إلى عثمان فدعاه ، فقال : ما منعكَ ألا تكونَ رددتَ على أخيك السلام ؟ قال : ما فعلتُ ، قال
سعد: قلت : بلى ، حتى حلفَ وحلفتُ ، قال : ثم إنَّ عثمانَ ذكرَ فقال : بلى، وأستغفرُ الله وأتوبُ
إليه . إنك مررتَ بي آنفاً، وأنا أُحدِّث نفسي بكلمة سمعتُها من رسول الله وَلِّ: لا والله ما ذكرتُها قط إلا
تغشَّى بصري وقلبي غشاوة. قال سعد: فأنا أُنْبئك بها، إنَّ رسول الله وَ ◌ّ ذكرَ لنا أوَّلَ دعوة ، ثم جاء
أعرابي فشغلَه حتى قام رسول الله وَّ فاتَبعتُه، فلما أشفقتُ أن يَسبقني إلى منزله ضربتُ بقدمي الأرضَ ،
فالتفتَ إليَّ رسول اللّه بَّلَ فقال: ((منْ هذا؟ أبو إسحاق)) قال: قلت : نعم يا رسول الله ! قال :
(( فمه؟)) قلت: لا والله، إلا أنك ذكرت لنا أول دعوة، ثم جاء هذا الأعرابيُّ فشغلكَ، قال: (( نعم
دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِّ كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. فإنه لم يدعُ
بها مسلمٌ ربّه في شيءٍ قطُ إلا استجابَ له )) .
(١)
ورواه الترمذي والنسائي من حديث إبراهیم بن محمد بن سعد به
.
ذکر
فضل يونس - عليه السلام -
قال الله تعالى: ﴿ وَ إِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [ الصافات: ١٣٩] وذكرَه تعالى في جملة الأنبياء الكرام في
سورتي النساء والأنعام ، عليهم من الله أفضل الصلاة والسلام .
وقال الإمام أحمد (٢): حدَّثنا وكيع، حذَّثنا سفيان، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن عبد الله
قال: قالَ رسولُ اللهِوَرَ: ((لا ينبغي لعبدٍ أن يقولَ أنا خير من يُونس بن متَّى)).
ورواه البخاري من حديث سفيان الثوري به (٣) .
(١) أخرجه الترمذي (٣٥٠٥) في الدعوات ، والنسائي (٦٥٦) في عمل اليوم والليلة ، والحاكم في المستدرك
(٥٠٥/١) و(٣٨٢/٢) وصححه، ووافقه الذهبي.
(٢) في المسند (١/ ٣٩٠) وإسناده صحيح .
(٣) أخرجه البخاري (٤٨٠٤) في التفسير.

٣٣٧
ذكر فضل يونس عليه السلام
وقال البخاري أيضا١ً): حدَّثنا حفص بن عمرَ، حدَّثنا شعبة، عن قتادةَ ، عن أبي العالية ، عن ابن
عبّاس، عن النبي ◌َ ◌ِّ قال: (( ما ينبغي لعبد أن يقولَ إنِّي خير من يونس بن متى)) ونسبه إلى أبيه .
ورواه أحمد ومسلم وأبو داود من حديث شعبة به (٢) . قال شعبة فيما حكاه أبو داود عنه : لم يسمع
قتادة من أبي العالية سوى أربعة أحاديث هذا أحدُها .
وقد رواه الإمام أحمد (٣) عن عفَّان، عن حمّاد بن سلمة ، عن عليٍّ بن زيد، عن يوسف بن مهران ،
عن ابن عباس، عن النبي ◌ََّ قال: ((وما ينبغي لعبدٍ أن يقولَ أنا خير من يونسَ بن متَّى)) تفرّد به
أحمد(٤) .
ورواه الحافظ أبو القاسم الطبراني(٥): حدَّثنا محمّد بن الحسن بن كَيْسان ، حذَّثنا عبد الله بن رجاء ،
أنبأنا إسرائيل، عن أبي يحيى القَّت، عن مجاهد، عن ابن عبّاس أنَّ رسولَ الله وَ لَه قال: (( لا ينبغي
لأحدٍ أن يقولَ أنا عند الله خيرٌ من يونسَ بن متَّى )) .
إسناده جيد ولم يُخرِّجوه (٦) .
وقال البخاري(٧): حدَّثنا أبو الوليد، حدَّثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، سمعت حُميدَ بن
عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّ قال: ((لا ينبغي لعبدٍ أن يقولَ أنا خيرٌ من يونسَ بن متَّى)).
وكذا رواه مسلم من حديث شعبة به(٨) .
وفي البخاري ومسلم(٩) : من حديث عبد الله بن الفضل ، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج ، عن
أبي هريرة ، في قصة المسلم الذي لطمَ وجهَ اليهوديّ حين قال : لا والذي اصطفى موسى على العالمين .
قال البخاري في آخره: ((ولا أقول: إن أحداً أفضلُ من يونس بن متَّى ))، وهذا اللفظ يقوّي أحدَ القولين
من المعنى : لا ينبغي لأحد أن يقولَ : أنا خيرٌ من يونسَ بن متَّى ، أي : ليس لأحد أن يُفضِّل نفسَه على
يونسَ .
(١) أخرجه البخاري (٤٦٣٠) في التفسير.
(٢) أخرجه أحمد في المسند (٣٤٢/١) ومسلم (٢٣٧٧) في الفضائل وأبو داود (٤٦٦٩) في السنة .
(٣)
في المسند (٢٤٢/١) .
في إسناده عبد الله بن زيد هو ابن جدعان ، ضعيف الحديث .
(٤)
(٥)
أخرجه الطبراني في الكبير ( ١١١٢٢ ).
أقول : في إسناده أبو يحيى القتات ، لين الحديث ، لكن متنه صحيح كما سيأتي.
(٦)
(٧)
أخرجه البخاري ( ٤٦٣١ ) في التفسير .
(٨) أخرجه مسلم (٢٣٧٦) في الفضائل .
(٩) أخرجه البخاري (٣٤١٤) في الأنبياء، ومسلم ( ٢٣٧٣) في الفضائل .

٣٣٨
ذكر فضل يونس عليه السلام
والقولُ الآخر : لا ينبغي لأحدٍ أن يُفضِّلني على يونسَ بن متَّى ، كما قد وردَ في بعض الأحاديث :
(( لا تُفضِّلُوني على الأنبياء ولا على يونسَ بن متَّى))، وهذا من باب الهضم والتواضع منه صلواتُ الله
وسلامه عليه وعلى سائر أنبياء الله المرسلين .
انتهى الجزء الأول من كتاب البداية والنهاية
ويليه الجزء الثاني وأوله :
ذكر قصة موسى عليه السلام

٣٣٩
فهرس الموضوعات
فهرس الموضوعات
الصفحة
٥
الموضوع
مقدمة
١٢
١٦
٢٦
الله خالق كل شيء
فصل فيما ورد في صفة خلق العرش والكرسي
ذكر اللوح المحفوظ
باب ما ورد في خلق السموات والأرض
باب ما جاء في سبع أرضين
فصل في البحار والأنهار
فصل في دلائل عظمة الله تعالى
باب ذكر ما يتعلق بخلق السموات
الكلام على المجرة وقوس قزح
الكلام على الرعد
باب ذكر خلق الملائكة وصفاتهم
باب خلق الجان وقصة الشيطان
باب ما ورد في خلق آدم
ذکر احتجاج آدم وموسی
ذكر الأحاديث الواردة في خلق آدم
ذكر قصة ابني آدم قابيل وهابيل
ذکر وفاة آدم ووصيته
ذكر إدريس عليه السلام
قصة نوح عليه السلام
ذكر شيء من أخبار نوح نفسه
ذكر صومه وحجه عليه السلام
ذكر وصيته لولده
قصة هود عليه السلام
قصة صالح نبي ثمود عليه السلام
مرور النبي بوادي الحِجر
قصة إبراهيم الخليل عليه السلام
٢٧
٣٥
٤١
٥٠
٥٢
٦٤
٦٦
٦٧
٨٩
١٠٩
١٢٧
١٣٣
١٤٣
١٥٢
١٥٤
١٥٧
١٧٩
١٧٩
١٨٠
١٨٣
١٩٦
٢٠٦
٢٠٨

٣٤٠
فهرس الموضوعات
الصفحة
الموضوع
٢١٩
٢٢١
٢٢٧
٢٢٨
٢٣٢
ذكر مناظرة إبراهيم الخليل
ذكر هجرة الخليل إلى بلاد الشام
ذكر مولد إسماعيل عليه السلام
ذكر مهاجرة إبراهيم بابنه
قصة الذبيح
ذکر مولد إسحاق
٢٣٧
٢٤٠
ذكر بناية البيت العتيق
ذكر ثناء الله ورسوله على إبراهيم
٢٤٥
ذكر قصره في الجنة
٢٥٤
٢٥٤
ذكر صفة إبراهيم عليه السلام
ذكر وفاة إبراهيم ، وما قيل في عمره
٢٥٥
ذكر أولاد إبراهيم الخليل
٢٥٨
قصة قوم لوط عليه السلام
٢٥٨
قصة مدين قوم شعيب
٢٦٨
٢٧٧
باب ذكر ذرية إبراهيم عليه السلام
ذكر إسماعيل عليه السلام
٢٧٨
ذكر إسحاق بن إبراهيم
٢٨٠
٢٨٦
ذكر ما وقع من الأمور العجيبة لإسرائيل وقصة يوسف
قصة أيوب عليه السلام
٣٢١
قصة ذي الكفل
باب ذكر أمم أهلكوا بعامة
٣٢٣
أصحاب الرس
٣٢٤
قصة قوم يس
٣٢٦
قصة يونس عليه السلام
٣٣٠
ذكر فضل يونس عليه السلام
٣٣٦
فهرس الموضوعات
٣٣٩
٣١٥
***