Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
ذكر ما وقع من الأمور العجيبة لإسرائيل وقصة يوسف
﴿ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ يعني: ما كانوا يعصرونَه من الأقصاب والأعناب والزيتون والسُّمْسُم وغيرها ، فعبَّرَ
لهم ، وعلى الخير دلَّهم وأرشدَهم إلى ما يعتمدونه في حالتيْ خِصْبهم وجَدْبهم ، وما يفعلونه من ادِّخار
حبوبِ سنيِّ الخِصْب في السبع الأول في سنبله ، إلا ما يُرصدُ بسبب الأكلِ ، ومن تقليل البذر في سنيٍّ
الجَذْب في السبع الثانية ، إذ الغالبُ على الظَّنِّ أنه لا يردُ البذر من الحقل ، وهذا يدل على كمال العلم
وكمال الرأي والفهم .
﴿وَقَالَ الْلِكُ اثْنُنِ بِهِ، فَلَمَّا جَآءَهُ الرَّسُولُ قَالَ أَرْجِعْ إِلَى رَيِّكَ فَسْئَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ الَّتِى قَطَّعْنَ أَبَدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِ
بِكَيْدِ هِنَّ عَلِيمٌ الّْاقَالَ مَا خَطِبُكُنَّ إِذْ رَوَدَتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِةٍ، قُلْنَ حَشَ لِلَّهِ مَا عَلِّمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوْءٍ قَالَتِ آمْرَأَتُ الْعَزِيزِ الَْنَ
حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَأْ رَوَدَثُمُ عَن نَّفْسِهِ، وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّدِقِينَ ﴿ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِى لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى كَيْدَ الْخَابِنِينَ
﴿ وَمَآ أُبَرِيُ نَفْسِىَّ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوْءٍ إِلَّ مَا رَحِمَ رَبِّ إِنَّ رَبِ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [ يوسف: ٥٠ -٥٣]. لما أحاطَ الملكَ
علماً بكمال علم يُوسف عليه الصلاة والسلام ، وتمام عقله ورأيه السديد وفهمه ، أمرَ بإحضاره إلى
حضرتِهِ ، ليكونَ من جملة خاصَّتِهِ . فلما جاءه الرسولُ بذلك أحبَّ ألا يخرجَ حتى يتبينَ لكلِّ أحد أنه حُبسَ
ظلماً وعدواناً ، وأنه بريءُ السَّاحة مما نسبوه إليه بهتاناً ﴿ قَالَ أَرْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ يعني: الملك ﴿فَسْئَلْهُ مَا
بَالُ النِّسْوَةِ الَّتِى قَطَّعْنَ أَبْدِ يَهُنَّ إِنَّ رَبِ يِكَيْدِ هِنَّ عَلِيمٌ﴾ قيل: معناه إنَّ سيدي العزيز يعلمُ براءتي مما نُسبَ إليَّ.
أي : فمر الملكَ فليسألهنَّ: كيف كان امتناعي الشديد عند مراودتهنَّ إيايَ وحثِّهنَّ لي على الأمر الذي
ليس برشيدٍ ولا سديدٍ ؟ فلما سُئلنَ عن ذلك اعترفنَ بما وقع من الأمر ، وما كان منه من الأمر الحميد
﴿ قُلْبَ حَشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ﴾ فعند ذلك ﴿قَالَتِ آَقْرَأَتُ الْعَزِيزِ﴾ وهي ((زليخا)) ﴿اَلْفَنَّ حَمْحَصَ
الْحَقُّ﴾ أي: ظهرَ وتبيَّنَ ووضحَ، والحقُّ أحقُّ أنْ يُتَبَعَ ﴿أَنَا رَوَدَتُّهُ عَن نَّفْسِهِ، وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّدِّقِينَ﴾ أي :
فيما يقوله من أنه بريء ، وأنه لم يُراودني، وأنه حُبِسَ ظلماً وعدواناً وزوراً وبهتاناً ، وقوله ﴿ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِ
لَمْ أَخُنَّهُ بِالْغَيْبٍ وَأَنَّاللَّهَ لَا يَهْدِى كَيْدَ الْخَيِنِينَ﴾ قيل: إنه من كلام يوسفَ، أي: إنما طلبتُ تحقيق هذا ، ليعلمَ
العزيزُ أني لم أخنْهُ بظهر الغيب . وقيل: إنه من تمام كلام ((زليخا)) أي: إنما اعترفتُ بهذا ليعلمَ زوجي
أني لم أخنْه في نفسِ الأمر ، وإنما كان مُراودةً لم يقع معها فعل فاحشةٍ ، وهذا القولُ هو الذي نصرَه طائفةٌ
كثيرةٌ من أئمة المتأخِّرين وغيرهم ، ولم يحكِ ابنُ جرير وابن أبي حاتم سوى الأول .
﴿ وَمَا أُبْرِيُّ نَفْسِىَّ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالشُّوءِ إِلَّ مَا رَحِمَ رَبِّ إِنَّ رَبِّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ قيل : إنه من كلام يوسف ،
وقيل : من كلام ((زليخا)) وهو مُفرَّع على القوليْن الأوَّلين، وكونُه من تمام كلام ((زليخا)) أظهرُ وأنسبُ
وأقوى ، والله أعلم .
﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ أَنْتُونِ بِهِ: أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِىّ فَمَّا كَلَّمَُّ قَالَ إِنَّكَ أَلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِيْنُ أَمِينٌ (٦) قَالَ أَجْعَلِى عَلَى خَآبِنِ الْأَرْضِ
جَ وَكَذَلِكَ مَكَّنَا لِيُوسُفَ فِ اُلْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ وَلَا تُضِيعُ أَجْرَ
إِنِى حَفِيظُ عَلِيمٌ
﴿ وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَنَّقُونَ﴾ [يوسف: ٥٤ - ٥٧]. لما ظهرَ للملك براءةُ عِرْضِه
اُلْمُحْسِنِينَ

٣٠٢
ذكر ما وقع من الأمور العجيبة لإسرائيل وقصة يوسف
ونزاهةُ ساحتِه عمَّا كانوا أظهروا عنه مما نسبوه إليه ﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ آتْنُونِ بِهِ: أَسْتَخْلِصَّهُ لِنَفْسِىّ﴾ أي: أجعله من
خاصَّتي ، ومن أكابر دولتي ، ومن أعيان حاشيتي . فلما كلَّمه وسمعَ مقالَه، وتبيَّنَ حالَه ﴿ قَالَ إِنَّكَ اَلْيَوْمَ
لَدَيْنَا مَكِيْنُ أَمِينٌ﴾ أي: ذو مكانة وأمانة ﴿ قَالَ أَجْعَلْنِى عَلَى خَزَآمِنِ الْأَرْضِ إِنَى حَفِيظُ عَلِيمٌ﴾ طلبَ أن يولّيه النظرَ
فيما يتعلق بالأهراء(١) ؛ لما يتوقع من حصول الخلل فيما بعد مضيّ سبع سنيٍّ الخِصْبِ ، لينظرَ فيها بما
يرضي الله في خَلْقِه من الاحتياط لهم والرِّفْق بهم، وأخبر المَلِكَ : إنه حفيظ ، أي : قوي على حفظ
ما لديه أمين عليه ، عليمٌ بضبط الأشياء ومصالح الأهراء ، وفي هذا دليلٌ على جواز طلب الولاية لمن علمَ
من نفسه الأمانةَ والكفاءة .
وعند أهل الكتاب أنَّ فرعونَ عَّمَ يوسف عليه السلام جداً وسلَّطَه على جميع أرض مصر ، وألبسه
خاتمه الحريرَ ، وطوَّقَه الذهبَ ، وحملَه على مركبه الثاني ، ونُودي بين يديه : أنتَ ربِّ ومُسلَّط . وقال
له : لستُ أعظمَ منكَ إلا بالكرسيّ . قالوا : وكان يوسفُ إذ ذاك ابنَ ثلاثينَ سنة وزوَجه امرأةً عظيمةً
الشأن .
وحكى الثعالبيُّ(٢): أنه عزلَ ((أطفيرَ)) عن وظيفته وولاها يوسف . وقيل : إنه لما مات زوَّجه امرأته
((زليخا)» فوجدَها عذراءَ، لأن زوجَها كان لا يأتي النساءَ، فولدتْ ليوسفَ عليه السلام رجلين، وهما :
((أفرايم)) و((منشا)) قال: واستوثقَ ليوسفَ مِلْكُ مصرَ ، وعمل فيهم بالعدل ، فأحبَّه الرجال والنساء.
وحُكي أنَّ يوسفَ كان يوم دخلَ على الملك عمرُه ثلاثين سنة ، وأن المَلِكَ خاطبَه بسبعينُ(٣) لغةً ،
وكلُ(٤) ذلك يُجاوبه بكلِّ لغةٍ منها ، فأعجبه ذلك مع حداثهُ(٥) سنه ، فالله أعلم .
قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَا لِيُوسُفَ فِ الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ بَشَآءُ ﴾ أي: بعد السجن والضيق
والحَصْر، صار مطلقَ الرِّكاب بديار مصرَ ﴿ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ﴾ أي: أين شاء حلَّ منها مكرَّماً محسوداً
معظّماً ﴿ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: هذا كلُّه من جزاء الله وثوابه للمؤمن ، مع
ما يدَّخرُ له في آخرِه من الخير الجزيل والثواب الجميل ، ولهذا قال: ﴿ وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ
يَتَّقُونَ ﴾.
ويقال: إن ((أطفير)) زوج ((زليخا)) كان قد ماتَ، فولاه الملك مكانَه، وزوَجه امرأته ((زليخا))
فکان وزير صدق .
(١) الأهراء : جمع الهُزي، وهو بيت ضخم يُجمع فيه طعام السلطان ( مخزن أو مستودع ).
(٢) انظر قصص الأنبياء؛ للثعالبي (ص ١٢٨).
هذه من المبالغات التي تتسم بها الحكايا الإسرائيلية ؛ مما يدل على الوضع والكذب فيها .
(٣)
(٤) في المطبوع : وفي كلِّ .
(٥) كذا في ب ، وفي أ : حذاقة .

٣٠٣
ذكر ما وقع من الأمور العجيبة لإسرائيل وقصة يوسف
وذكر محمد بن إسحاق : أن صاحبَ مصر الوليد بن الريَّان أسلم على يديْ يوسف عليه السلام ، فالله
أعلم ، وقد قال بعضُهم : [ من الطويل ]
وأوَّلُ مفروحٍ به غايةُ الحُزْنِ
وراءَ مضيقِ الخوفِ متّسعُ الأمنِ
خزائنَه بعد الخلاصِ من السِّجنِ
فلا تيأسنْ ، فاللهُ مَلَّكَ يوسفاً
﴿ وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَمُ مُنْكِرُونَ (٢) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ يِجَهَازِهِمْ قَالَ آَثْتُونِي بِأَخْ لَّكُمْ مِنْ أَبِّكُمْ
أَلَا تَرَوْنَ أَنَّ أُوْفِ الْكَيْلَ وَأَنْ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥) فَإِن لَّوْ تَأْتُونِي بِهِ، فَلَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِى وَلَا نَقْرَبُونِ ) قَالُواْ سَنُزَوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ
ا وَقَالَ لِفِنْيَنِهِ أَجْعَلُواْ بِضَعَهُمْ فِ رِحَالِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا أَنْقَلَبُّواْ إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾
وَإِنَّا لَفَعِلُونَ
[ يوسف: ٥٨ - ٦٢ ] يُخبر تعالى عن قدوم إخوة يوسف عليه (١) إلى الديار المصريَّة يمتارون طعاماً، وذلك
بعد إتيان سنيّ الجَذْب وعمومِها على سائر البلاد والعباد ، وكان يوسفُ عليه السلام إذ ذاك الحاكم في
أمور الديار المصرية ديناً ودنيا ، فلما دخلوا عليه عرفَهم ولم يعرفوه ، لأنهم لم يخطر ببالهم ما صارَ إليه
يوسف عليه السلام من المكانة والعظمة ، فلهذا عرفهم وهم له منكرون .
وعند أهل الكتاب : أنهم لما قدموا عليه سجدوا له فعرفهم ، وأرادَ ألا يعرفوه ، فأغلظَ لهم في
القول، وقال : أنتم جواسيسُ جئتُم لتأخذوا خبرَ بلادي. فقالوا: معاذَ الله! إنما جئنا نمتارُ(٢) لقومنا من
الجَهْد والجُوعِ الذي أصابنا ونحنُ بنو أب واحدٍ من كنعانَ ، ونحنُ اثنا عشرَ رجلاً ، ذهبَ منا واحدٌ ،
وصغيرُنا عند أبينا . فقال: لا بُدَّ أن أستعلمَ أمرَكم .
وعندهم : أنه حبسَهم ثلاثةَ أيَّام، ثم أخرجهم، واحتبسَ شمعونَ عندَه ليأتوه بالأخ الآخر . وفي
بعض هذا نظر .
قال الله تعالى: ﴿ وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِحَهَازِهِمْ ﴾ أي: أعطاهم من الميرة ما جرتْ به عادته في إعطاء كل
إنسان حملَ بعير، لا يزيدُه عليه ﴿ قَالَ أَثْنُونِ يِأَخْ لَّكُمْ مِنْ أَبِّكُمْ﴾ وكان قد سألهم عن حالهم ، وكم هم ؟
فقالوا : كنا اثني عشر رجلاً ، فذهبَ منَّا واحدٌ وبقيَ شقيقُه عند أبينا ، فقال: إذا قدمتُم من العام المقبل
فأُتُوني به معكم ﴿ أَلَا تَرَوْنَ أَنَّ أُوْفِ الْكَيْلَ وَأَنَأْ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ﴾ أي: قد أحسنت نزلكم وقِراكم ، فرغَّبهم
ليأتوه به ، ورهَّبهم إن لم يأتوه به قال ﴿ فَإِن لَّ تَأْتُونِ بِهِ، فَلَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِى وَلَا نَقْرَبُونِ ﴾ أي : فلستُ أعطيكم
ميرةً ، ولا أقربُكم بالكُلِيَّة ، عكسَ ما أسدى إليهم أولًا، فاجتهدَ في إحضاره معهم لِيَبْلَّ شوقه منه
بالترغيب والترهيب ﴿قَالُواْ سَنُزَوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ﴾ أي سنجتهدُ في مجيئه معنا وإتيانِهِ إليكَ بكلِّ ممكن
وَإِنَّا لَفَعِلُونَ﴾ أي: وإنا لقادرون على تحصيله.
(١) في المطبوع : عليه السلام.
(٢) نمتار : نجلب الميرة ، وهي الطعام.

٣٠٤
ذكر موقع من الأمور العجيبة لإسرائيل وقصة يوسف
ثم أمر فتيانَه أن يضعوا بضاعتهم وهي ما جاؤوا به يتعوَّضون به عن الميرةِ في أمتعتهم من حيثُ
لا يشعرون بها ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَ إِذَا أَنْقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ قيل: أراد أن يردُّوها إذا وجدوها في
بلادهم . وقيل : خشيَ ألا يكونَ عندهم ما يرجعون به مرة ثانية . وقيل: تذمَّمُ(١) أن يأخذ منهم عوضاً
عن الميرة . وقد اختلف المفسرون في بضاعتهم على أقوال سيأتي ذكرُها . وعند أهل الكتاب أنها كانت
صُرراً من وَرق ، وهو أشبه ، والله أعلم .
﴿ فَلَمَّا رَجَعُواْ إِلَى أَبِهِمْ قَالُواْ يَكَأَبَّنَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ (١) قَالَ هَلْ
وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَعَهُمْ وَجَدُواْ
ءَامَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيِهِ مِن قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌّ حَفِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الزَّحِمِينَ!
◌ِضَعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمَّ قَالُواْ يَكَأَ بَنَا مَا نَبْغِىّ هَذِهِ، بِضَعَنُنَا رُدَّتْ إِلَيْنًاً وَنَعِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيْرٍ ذَلِكَ
كَيْلٌ يَسِيْرٌ () قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ, مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْنِقًاً مِّنَ الَّهِ لَتَأْنُنِّ بِهِ إِلَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّاَ ءَاتَوْهُ مَوْنِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ
عَلَى مَا تَقُولُ وَكِلٌ ﴿ وَقَالَ يَبَنِىَّ لَ تَدْخُلُواْ مِنْ بَابٍ وَحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبَوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَآ أُغْنِى عَنَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِن شَىْءٍ إِنِ الْحُكْمُ
٢) وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِى عَنْهُم مِّنَ اللَّهِ مِن
TV
إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتٌ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوََّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ!
شَىْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِ نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَنِهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [ يوسف: ٦٣ - ٦٨].
يذكرُ تعالى ما كان من أمرهم بعد رجوعهم إلى أبيهم. وقولهم له: ﴿ مُنِعَ مِنَّا الْكَبْلُ﴾ أي: بعد
عامنا هذا إن لم تُرسلْ معنا أخانا ، فإن أرسلتَه معنا لم يُمنع منَّا ﴿ وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَعَتَهُمْ رُدَّتْ
إِلَيِهِمْ قَالُواْ يَكَأَ بَنَا مَا نَبْغِىّ﴾ أي: أي شيء نُريد وقد رُدَّتْ إلينا بضاعتنا ﴿ وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ أي: نمتارُ لهم
ونأتيهم بما يُصلحُهم في سَنَتهم ومَحْلهم ﴿ وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ﴾ بسببه ﴿ كَيْلَ بَعِيْرٍ ﴾ قال الله تعالى:
﴿ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ أي : في مقابلة ذهاب ولده الآخر ، وكان يعقوبُ عليه السلام أضنَّ شيءٍ بولده
((بنيامين)) لأنه كان يشمُّ فيه رائحةً أخيه، ويتسلَّى به عنه، ويتعوَّض بسببه منه، فلهذا قال: ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ.
مَعَكُمْ حَتّى تُؤْتُونِ مَوْئِقًا مِنَ اللهِلَتَأْنِّ بِهِ إِلَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ﴾ أي: إلا أن تُغلبوا كلُّكم عن الإتيان به ﴿فَلَمَّاً
ءَاتَوْهُ مَوْنِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِلٌ﴾ أكَّد المواثيقَ وقرَّرَ العهودَ، واحتاطَ لنفسه في ولده ، ولن يُغني حذرٌ
من قَدَر . ولولا حاجته وحاجة قومه إلى الميرة لما بعثَ الولد العزيز ، ولكنَّ الأقدار لها أحكامٌ ، والربُّ
تعالى يُقدِّرُ ما يشاءُ ويختارُ ما يُريد، ويحكم ما يشاءُ ، وهو الحكيم العليم .
ثم أمرَهم ألَّ يدخلوا المدينةَ من بابٍ واحدٍ ، ولكنْ ليدخلوا من أبوابٍ مُتَفرِّقةٍ . قيل : أراد ألَّ
يُصيبَهم أحدٌ بالعين ، وذلك لأنهم كانوا أشكالاً حسنةً ، وصوراً بديعة ، قاله ابن عباس ومجاهد
ومحمد بن كعب وقتادة والشُّدِّي والضَّخَّاك . وقيل : أراد أن يتفرَّقوا لعلَّهم يجدون خبراً ليوسفَ أو
يُحدَّثون عنه بأثر ، قاله إبراهيم النخعي ، والأول أظهر. ولهذا قال: ﴿ وَمَآ أُغْنِى عَنكُمْ مِّنَ اللَّهِ مِن شَىٍَّ﴾
(١) تذمَّم : امتنع واستنكف.

٣٠٥
ذكر ما وقع من الأمور العجيبة لإسرائيل وقصة يوسف
وقال تعالى: ﴿ وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوُهُم مَا كَانَ يُغْنِى عَنْهُم ◌ِنَ اللَّهِ مِن شَىْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ
قَضَنْهَاً وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْتَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وعند أهل الكتاب : أنه بعثَ معهم هديّةً إلى العزيز من الفُستق واللَّوز والصَّنوبر والبُطْم والعسل ،
وأخذوا الدراهمَ الأولى وعوضاً آخرَ .
وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ ءَاوَىَ إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنَّ أَنَأْ أَخُوَكَ فَلَا تَبْتَبِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (3) فَلَمَّا
جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِ رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَنَ مُؤَذِّنُّ أَتَّتُهَا الْعِيْرُ إِنَّكُمْ لَسَرِقُونَ ﴿﴾ قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِمِ مَاذَا
تَفْقِدُونَ ﴿ قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَاءَ بِهِ، حِمِلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ، زَعِيمٌ (٣) قَالُواْ تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَا جِئْنَا
لِتُفْسِدَ فِ الْأَرْضِ وَمَا كُنَا سَرِقِينَ ﴿ قَالُواْ فَمَا جَزَّؤُهُ: إِن كُنْتُمْ كَذِبِينَ (١) قَالُواْ جَزَّؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِى رَحْلِهِ، فَهُوَ جَرَّؤُهُ
ج
فَبَدَأَ بِأَوْعَيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءٍ أَخِيهِ ثُمَّ أَسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا
٧٥
كَذَلِكَ نَجْزِى الَّلِينَ
﴿ قَالُواْ إِن
كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِ دِينِ الْمَلِكِ إِلَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَحَتٍ مَّن نَّشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾
يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَفَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلٌ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِ نَفْسِهِ، وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمَّ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا
تَصِفُونَ ﴿ قَالُواْ يَأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ { أَبَا شَيْخًا كَبِيْرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَئِكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [ََّ قَالَ مَعَاذَ
اللَّهِ أَن تَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَعَنَا عِندَهُ إِنََّ إِذَا لَّظَلِمُونَ﴾[ يوسف: ٦٩ -٧٩].
يذكرُ تعالى ما كانَ من أمرهم حين دخلوا بأخيهم ((بنيامين)) على شقيقه يوسف ، وإيوائه إليه وإخباره
له سرّاً عنهم بأنه أخوه ، وأمره بكتم ذلك ، وسلاَّه عما كان منهم من الإساءة إليه . ثم احتالَ على أخذه
منهم وتركه إياه عنده دونهم ، فأمرَ فتيانه بوضع سقايته - وهي التي كان يشربُ بها ، ويكيلُ بها للناس
الطعام - عن غِرَّته في متاع بنيامين .
ثم أعلمَهم بأنهم قد سرقوا صُواع الملك ، ووعدَهم جُعالةً على ردِّ حِمْلَ بعير ، وضمنه المنادي
لهم ، فأقبلوا على من أنَّهمهم بذلك فأنَّبوه وهجَّنوه١) فيما قاله لهم و ﴿قَالُواْ تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ
فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّاسَرِقِينَ﴾ يقولون: أنتم تعلمون منا خِلافَ ما رميتمُونا به من السرقة ﴿ قَالُواْ فَمَا جَزَؤُهُ إِن
كُنتُمْ كَذِ بِينَ (﴿٣) قَالُواْ جَزَّؤُهُ مَن وُجِدَ فِ رَحْلِهِ، فَهُوَ جَزَّاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِى الَّالِمِينَ﴾ . وهذه كانت شريعتهم:
أنَّ السارقَ يدفعُ إلى المسروق منه، ولهذا قالوا: ﴿ كَذَلِكَ نَجْزِى الظَّالِمِينَ﴾ . قال الله تعالى:
﴿ فَبَدَأَ بِأَوْعَيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءٍ أَخِيهِ ثُمَّ أَسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءٍ أَخِيَّةٍ ﴾ ليكون ذلك أبعد للتهمة وأبلغ في الحيلة ، ثم
قال الله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَّ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِ دِينِ الْمَلِكِ﴾. أي: لولا اعترافهم بأن جزاءه
من وُجد في رَحْله فهو جزاؤه ، لما كان يقدر يوسف على أخذه منهم في سياسة ملك مصر ﴿ إِلَّ أَنْ يَشَآءَ
الَّهُ نَرْفَعُ دَرَحَتٍ مَّن نَّشَاءُ﴾ أي: في العلم ﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلٍّ عَلِيمٌ﴾ وذلك لأن يوسفَ كان أعلم
(١) هجَّنوه : عابوه، من هجَّن الأمرَ : إذا قبَّحه وعابه .

٣٠٦
ذكر ما وقع من الأمور العجيبة لإسرائيل وقصة يوسف
منهم وأتم رأياً وأقوى عزماً وحزماً ، وإنما فعلَ ما فعلَ عن أمر الله له في ذلك ، لأنه يترتبُ على هذا الأمر
مصلحة عظيمة بعد ذلك من قدوم أبيه وقومه عليه ووفودهم إليه ، فلما عاينوا استخراجَ الضُّواع من حمل
بنيامين: ﴿ ﴿قَالُوَاْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَفَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلٌ﴾ يعنون يوسفَ . قيل: كان قد سرقَ صنمَ جدِّه
أبي أمه فكسرَه . وقيل : كانت عمَّتُه قد علَّقتْ عليه بين ثيابه وهو صغير منطْقَةٌ كانت لإسحاق ، ثم
استخرجوها من بين ثيابه وهو لا يشعر بما صنعتْ ، وإنما أرادتْ أن يكونَ عندها وفي حضانتها لمحبَّتها
له . وقيل: كان يأخذ الطعام من البيت فيطعمه الفقراء . وقيل: غير ذلك فلهذا ﴿﴿قَالُواْ إِن يَسْرِقْ
فَقَدْ سَرَفَ أَخٌ لَُّ مِن قَبْلٌ فَأَسَرَهَا يُوسُفُ فِ نَفْسِهِ، ﴾ وهي كلمته بعدها، وقوله: ﴿أَنْتُمْ شَرِّ مَّكَانَّ وَاللَّهُ
أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ أجابَهم سرّاً لا جهراً، حلماً وكرماً وصفحاً وعفواً، فدخلوا معه في الترقُّق
والتعطُّف، فقالوا: ﴿يَأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُوَ أَبَا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَ حَدَنَا مَكَانَهُ، إِنَّا نَرَئِكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [َقَالَ
مَعَاذَ اللَّهِ أَن تَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَعَنَا عِنْدَهُ: إِنَّا إِذَا لَّظَلِمُونَ﴾ أي: إن أطلقنا المتهم وأخذنا البريء. هذا
ما لا نفعله ولا نسمحُ به ، وإنما نأخذُ من وجدنا متاعنا عنده .
وعند أهل الكتاب: أن يوسف تعرَّفَ إليهم حينئذ، وهذا مما غلطوا فيه ولم يفهموه جيّدا١ً) .
فَلَمَّا أُسْتَّيْمَسُواْ مِنْهُ خَلَصُوْ نَجِيّاً قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَ خَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْنِقًا مِّنَ اللَّهِ وَ مِن قَبْلُ مَا
فَرَّطِتُمْ فِ يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَعَ الْأَرْضَ خَّى يَأْذَنَ لِى أَبِىّ أَوْ يَحْكُمُ اللَّهُ لِّ وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ (٥) أَرْجِعُواْ إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَتَأَبَاناً
إِنَّ أَبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَفِظِينَ (®] وَسَلِ الْقَرْيَةَ الَتِى كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِىّ
أَقْلْنَا فِيَّا وَإِنَّا لَصَدِقُونَ (٨) قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِ بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ
اَلْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴿ وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَأَنْيَضَتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (ِ﴾ قَالُواْ تَاللَّهِ
تَفْتَؤُ أُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَلِكِينَ ﴿ قَالَ إِنَّمَا أَشْكُوْبَشِى وَحُزْنِ إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ
مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿ يَبَنِىَ أَذْهَبُواْ فَتَحَتَسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَأْيْئَسُواْ مِن زَّوْجِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَأيِشَسُ مِن رَّوْجِ اله
إِلَّا الْقَوْمُ الْكَفِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٠ -٨٧].
يقول تعالى مخبراًعنهم : إنهم لما استيأسوا من أخذه منه خَلصُوا يتناجون فيما بينهم ، قال كبيرُهم
وهو روبيل ﴿ أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَطْتُمْ فِى يُوسُفٌَ﴾ لقد أخلفتُم
عهدَه وفرَّطتم فيه كما فرَّطتم في أخيه يوسف من قبله ، فلم يبقَ لي وجهٌ أقابله به ﴿ فَلَنْ أَبْرَعَ الْأَرْضَ ﴾ أي
لا أزالُ مقيماً هاهنا ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِّ أَبِ﴾ في القدوم عليه ﴿أَوْ يَحْكُمُ اللَّهُ لِىّ﴾ بأن يقدِّرني على ردِّ أخي إلى
أبي ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ ﴿ أَرْجِعُواْ إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يَتَأَبَانًا إِنَّ أَبْنَكَ سَرَّقَ﴾ أي: أخبروه بما رأيتُم من الأمر
في ظاهر المشاهدة ﴿ وَمَا شَهِدْنَآ إِلَّ بِمَا عَلِّمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَفِظِينَ (﴾ وَسْتَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِى كُنَّا فِيَهَا وَالْعِبَرَ
(١) كذا في ب : والمطبوع . وفي أ : جداً .

٣٠٧
ذكر ما وقع من الأمور العجيبة لإسرائيل وقصة يوسف
الَّتِي أَقَْلْنَا فِيهَا﴾ أي: فإن هذا الذي أخبرناكَ من أخذهم أخانا لأنَّه سرقَ أمر اشتهرَ بمصر، وعلمه العير
التي كنا نحن وهم هناك ﴿ وَإِنَّا لَصَدِقُونَ (١٨) قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جميلٌ﴾ أي: ليس
الأمر كما ذكرتم لم يسرق فإنه ليس سجيّةً له ولا خلقه ، وإنَّما سؤَّلت لكم أنفسكم أمراً فصبرٌ جميل .
قال ابن إسحاق وغيره: لما كان التفريط منهم في (( بنيامين)) مترتباً على صنيعهم في يوسف قال لهم
ما قال . وهذا كما قال بعضُ السلف: إنَّ من جزاء السيئة السيئة بعدَها، ثم قال: ﴿عَسَى اَللَّهُ أَن يَأْتِيَنِ
بِهِمْ جَمِيعًا﴾ يعني يوسف وبنيامين وروبيل ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ أي: بحالي، وما أنا فيها من فراق
الأحبة ﴿اُلْحَكِيمُ﴾ فيما يُقدِّرُه ويفعله، وله الحِكمةُ البالغة، والحجَّة القاطعة ﴿ وَتَوَلَّى عَنْهُمْ ﴾ أي:
أعرض عن بنيه ﴿ وَقَالَ يَكَأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ ﴾ ذكّره حزنه الجديد بالحزن القديم ، وحرَّك ما كان كامناً ، كما
قال بعضهم : [ من الكامل ]
نقِّل فؤادكَ حيثُ شئتَ من الهوى ما الحبُّ إلا للحبيبِ الأوّلِ(١)
وقال آخر : [ من الطويل ]
رفيقي لتذرافِ الدُّموعِ السَّوافِكِ (٣)
لقد لامَني عندَ القُبور على البُكا
لقبرٍ ثوى بينَ اللِّوى فالدكادكِ(٣)
فقالَ أتبكي كلَّ قَبْرٍ رأيتَهُ
فَدَعْني فهذا كلّهُ قِبرُ مالِكِ(٤)
فقلتُ له إن الأسى يبعثُ الأسى
وقوله ﴿ وَأَبْيَضَتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ أي: من كثرة البكاء ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي: مكظم من كثرة
حزنه وأسفه وشوقه إلى يوسف ، فلما رأى بنوه ما يُقاسيه من الوَجْد وألم الفراق ﴿ قَالُواْ ﴾ له على وجه
الرحمة له والرأفة به والحرص عليه ﴿ تَاَللَّهِ تَفْتَؤُأْ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ
اَلْهَلِكِينَ﴾ يقولون لا تزالُ تتذكره حتى ينحلَ جسدُك، وتضعف قوَّتُك ، فلو رَفقْتَ بنفسك كان أولى
بك ﴿قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُوْ بَنِّى وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اَللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ يقول لبنيه: لست أشكو إليكم
ولا إلى أحد من الناس ما أنا فيه ، إنما أشكو إلى الله عزَّ وجلَّ، وأعلم أنَّ الله سيجعلُ لي مما أنا فيه فَرَجاً
ومخْرَجاً ، وأعلم أن رؤيا يوسفَ لا بُدَّ أن تقعَ ، ولا بُدَّ أن أسجدَ له أنا وأنتم حسبَ ما رأى ، ولهذا قال :
﴿ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ثم قال لهم مُحرِّضاً على تَطلُّبٍ يوسفَ وأخيه، وأن يبحثوا عن
أمرهما: ﴿يَبَنِىَّ أَذْهَبُواْ فَتَحَتَسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَأْيِّئَسُواْ مِن رَّوْجِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَأْيِشَسُ مِن رَّوْجِ اَللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ
(١) البيت في العقد الفريد، لابن عبد ربه (٣/ ٤٧٠).
(٢) السَّوافك : المنصّة، يقال سفَكَه: إذا صبَّه وأراقه .
(٣) اللِّوى: ما التوى من الرمل واعوجَّ، والدَّكادكِ: جمع الدك: وهو ما استوى من الرمل والأرض .
(٤) الأبيات لمتمم بن نُويرة. انظر حماسة أبي تمام (٢٩٠/٢).

٣٠٨
ذكر ما وقع من الأمور العجيبة لإسرائيل وقصة يوسف
اَلْكَفِرُونَ﴾ أي : لا تيئسوا من الفرج بعد الشدة ، فإنه لا ييأسُ من رَوح الله وفَرَجِه وما يقدره من المَخْرج
في المضايق إلا القوم الكافرون .
فَلَمَّا دَخَلُوْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَتَأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَنَا وَأَهْلَنَا الْفُرُ وَحِثْنَا بِضَعَةٍ مُرْجَنَةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَنَصَدَّقْ عَلَيْنَاْ إِنَّ اللَّهَ يَجْزِى
ـَ قَالَ هَلْ عَلِمْتُ مَا فَعَلْتُ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَِهِلُونَ (3) قَالُواْ أَعِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَذَا
اُلْمُتَصَدِّقِينَ
أَخِىّ قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيَّنَاْ إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥) قَالُواْ تَأْللَِّلَقَدْءَ انَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن
كُتَّ لَخَطِينَ (١) قَالَ لَا تَغْرِيبَ عَلَيْكُمُ اَلْيَوْمِّ يَغْفِرُ اَللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّحِمِينَ (١) اذْهَبُواْ بِفَمِيصِى هَذَا فَأَلْقُوهُ
عَلَى وَجْهِ أَبِى بَأْتِ بَصِيرًا وَأَتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ يوسف: ٨٨ -٩٣].
يُخبر تعالى عن رجوع إخوة يوسف إليه ، وقدومهم عليه ، ورغبتهم فيما لديه من الميرة والصَّدقة
عليهم بردِّ أخيهم ((بنيامين)) إليهم ﴿ فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَتَأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ ﴾ أي: من الجَدْب
وضيق الحال وكثرة العِيال ﴿ وَجِثْنَا بِضَعَةٍ مُرْجَنَةٍ﴾ أي: ضعيفة لا يقبل مثلها منا إلا أن يُتجاوزَ عنها.
قيل : كانت دراهم رديئة . وقيل : قليلة . وقيل : حبّ الصنوبر وحبّ البُطْم ، ونحو ذلك . وعن ابن
عباس : كانت خلق الغرائر(١) والحبال ونحو ذلك ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَاْ إِنَّ اللَّهَ يَجْزِى
الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ قيل: بقبولها. قاله الشُّدِّي. وقيل: برد أخينا إلينا . قاله ابن جريج . وقال سفيان بن
عُيينة: إنما حرمت الصَّدقةُ على نبيِّنا محمد ◌َّهِ ونزعَ بهذه الآية . رواه ابن جرير .
فلما رأى ما هم فيه من الحال وما جاؤوا به مما لم يبقَ عندهم سواه من ضعيف المال ، تعرَّف إليهم
وعطفَ عليهم قائلاً لهم عن أمر ربّه وربّهم وقد حسر لهم عن جبينه الشريف وما يحويه من الخال الذي
يعرفون ﴿ هَلْ عَلِمْتُ مَّا فَعَلْتُمُ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْأَنتُمْ جَاهِلُونَ﴾ وتعجَّبوا كلَّ العجب، وقد تردّدوا إليه مراراً
عديدة ، وهم لا يعرفون أنه هو ﴿أَِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفٌُ قَالَ أَنَأْ يُوسُفُ وَهَذَا أَخِىّ﴾ يعني أنا يوسف الذي
صنعتُم معه ما صنعتُم، وسلفَ من أمرِكم فيه ما فرَّطتم، وقوله: ﴿وهذا أخي ﴾ تأكيد لما قال ،
وتنبيه على ما كانوا أضمروا لهما من الحسد، وعملوا في أمرهما من الاحتيال، ولهذا قال ﴿ قَدْ مَرَّ اللَّهُ
عَلَيْنَاً ا﴾ أي : بإحسانه إلينا وصدقته علينا وإيوائه لنا ، وشدة معاقد عِزِّنا، وذلك بما أسلفنا من طاعة
ربّنا ، وصبرنا على ما كان منكم إلينا وطاعتنا وبرنا لأبينا ، ومحبته الشديدة لنا ، وشفقته علينا ﴿إِنَّهُ مَن
يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴿ قَالُواْ تَأْللَّهِ لَقَدْ ءَ اثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا ﴾ أي: فضَّلكَ وأعطاكَ
ما لم يُعْطِنا ﴿ وَ إِن كُنَّا لَخَطِينَ﴾ أي: فيما أسدينا إليكَ، وهانحن بين يديك ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ
عَلَيْكُمُ الْيَوْمِّ﴾ أي: لستُ أُعاقبكُم على ما كان منكم بعد يومكم هذا، ثم زادَهم على ذلك فقال
﴿ يَغْفِرُ اَللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّحِمِينَ﴾.
(١) ((الغرائر)): جمع الغرارة، وهي وعاء من الخيش ونحوه، يُوضع فيه القمح ونحوه .

٣٠٩
ذكر ما وقع من الأمور العجيبة لإسرائيل وقصة يوسف
ومن زعم أن الوقفَ على قوله لا تثريبَ عليكم، وابتدأ بقوله ﴿ اَلْيَوْمٌّ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ فقوله
ضعيف ، والصحيح الأول . ثم أمرهم بأن يذهبوا بقميصه ، وهو الذي يلي جسده ، فيضعوه على عينيْ
أبيه ، فإنه يرجع إليه بصره بعدما كان ذهبَ بإذن الله ، وهذا من خوارق العادات ودلائل النبوات وأكبر
المعجزات .
ثم أمرَهم أن يتحمَّلوا بأهلهم أجمعينَ إلى ديار مصرَ ، إلى الخير والدَّعة وجمع الشمل بعد الفرقة ،
على أكمل الوجوه وأعلى الأمور .
وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيْرُ قَالَـ أَبُوُهُمْ إِنِّى لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفٌَ لَوْلَا أَنْ تُفَيِّدُونِ (٦) قَالُواْ ثَالَِّ إِنَّكَ لَفِى ضَلَلِكَ الْقَدِيمِ
فَلَمَّا أَنْ جَآءَ الْبَشِيرُ أَلْقَنْهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَأَزْتَدَ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِّ أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ قَالُواْ يَتَأَبَنَا
٩٥
اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَطِينَ (١) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّ إِنَّهُ, هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [ يوسف: ٩٤ -٩٨].
قال عبدُ الرزاق : أنبأنا إسرائيل ، عن أبي سنان ، عن عبد الله بن أبي الهذيل ، سمعت ابنَ عبَّاس
يقول: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْغِيرُ﴾ قال: لما خرجتِ العيرُ ، هاجتْ ريحٌ فجاءتْ يعقوبَ بريح قميص يوسف
﴿قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّى لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَّ لَوْلَا أَنْ تُفَيِّدُونِ﴾ قال: فوجد ريحَه من مسيرة ثمانية أيامُ(١). وكذا
رواه الثوري وشعبة وغيرهم : عن أبي سنان ، به . وقال الحسنُ البصري وابن جُريج المكِّي : كان بينهما
مسيرة ثمانين فرسخاً ، وكان له منذ فارقه ثمانون سنة .
وقوله ﴿ لَوْلَا أَنْ تُفَيِّدُونِ﴾ أي: تقولون إنما قلتَ هذا من الفند، وهو الخَرف وكبر السن . قال ابن
عباس وعطاء ومجاهد وسعيد بن جُبير وقتادة : تفندون : تسفهون . وقال مجاهد أيضاً والحسن
تهرمون(٢) .
◌ْ قَالُواْ تَلَّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَلَلِكَ الْقَدِيمِ﴾ قال قتادة والسُّدِّي: قالوا له كلمة غليظة . قال الله تعالى :
﴿ فَلَمَّا أَنْ جَآءَ الْبَشِيرُ أَلْقَنْهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَأَرْتَذَّ بَصِيرًا﴾ أي: بمجرد ما جاءَ ألقى القميصَ على وجه يعقوبَ ،
فرجعَ من فوره بصيراً بعدما كان ضريراً ، وقال لبنيه عند ذلك ﴿ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنَّ أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
أي : أعلمُ أنَّ الله سيجمعُ شَمْلي بيوسفَ، وستقرُّ عيني به ، وسيُريني فيه ومنه ما يسُّني ، فعند ذلك
﴿ قَالُواْ يَتَبَنَا أَسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآَ إِنَّا كُنَّا خَطِينَ﴾. طلبوا إليه أن يستغفرَ لهم الله عزَّ وجلَّ عما كانوا فعلوا ونالوا
منه ومن ابنه ، وما كانوا عزموا عليه . ولما كان من نيِّتهم التوبةُ قبلَ الفعل قيَّضهُم الله للاستغفار عند
(١) أخرجه عبد الرزاق والفريابي وأحمد في الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه ، كما في الدر
المنثور (٤ / ٥٨١ ) .
(٢) أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم كما في الدر المنثور (٤/ ٥٨١).

٣١٠
ذكر ما وقع من الأمور العجيبة لإسرائيل وقصة يوسف
وقوع ذلك منهم، فأجابهم أبوهم إلى ما سألوه وما عليه عوَّلوا قائلاً ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّ إِنَّهُ هُوَ
اُلْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
قال ابن مسعود ، وإبراهيم التَّيْميُّ، وعمرو بن قيس ، وابن جُرَيْج ، وغيرهم : أرجأهم إلى وقت
السَّحر(١). قال ابن جرير: حدَّثني أبو السَّائب، حذَّثنا ابنُ إدريس، سمعتُ عبد الرحمن بن إسحاق
يذكرُ عن مُحارب بن دِثَار، قال : كان عمِّ لي (٢) يأتي المسجدَ ، فسمعَ إنساناً يقول : اللهم دعوتني
فأجبتُ ، وأمرتني فأطعتُ ، وهذا السَّحرُ فاغفر لي . قال : فاستمعَ الصوتَ فإذا هو من دار عبد الله بن
مسعود ، فسألَ عبدَ الله عن ذلك، فقال: إنَّ يعقوبَ أخَّرَ بنيه إلى السَّحر بقوله (سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ
. 「電影
وقد قال الله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [ آل عمران: ١٧].
وثبت في الصحيح عن رسول الله وَلّ قال: ((ينزل ربّنا كلَّ ليلةٍ إلى سماء الدنيا ، فيقول : هل من
تائب فأتوب عليه ؟ هل من سائلٍ فأعطيه ؟ هل من مستغفر فأغفر له )(٤) .
وقد وردَ في حديثٍ أنَّ يعقوبَ أرجأ بنيه إلى ليلة الجمعة . قال ابن جرير: حدَّثني المثنَّى، حدَّثنا
سليمان بن عبد الرحمن أبو أيوب الدمشقي ، حدَّثنا الوليد ، أنبأنا ابن جُرَيْج ، عن عطاء وعكرمة ، عن
ابن عباس، عن رسول الله مَله: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّ﴾ يقولُ: ((حتى تأتيَ ليلةُ الجمعة، وهو قول
أخي يعقوب لبنيه(٥) . وهذا غريب من هذا الوجه . وفي رفعه نظر ، والأشبه أن يكون موقوفاً على ابن
عباس رضي الله عنه .
فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ ءَاوَىَ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْ خُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ اللَّهُ ءَامِنِينَ (١) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى اُلْعَرْشِ
وَخَرُواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُهْيَنِىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِ حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِىّ إِذْأَخْرَجَنِ مِنَ السّجْنِ وَجَّةَ بِكُمْ مِنَ
الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِ وَبَيْنَ إِخْوَنِتَّ إِنَّ رَبِ لَطِيفٌ لِمَا يَشَآءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ( ٢َ ﴿ رَبِّ قَدْءَ اتِبْتَنِ مِنَ
الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثَّ فَاطِرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَنَتَ وَلِيّ، فِ الذُّنْيَا وَالْآَخِرَةِّ تَوَفَِّى مُسْلِمَا وَأَلْحِقْنِىِ
بِالصَّلِحِينَ﴾ [ يوسف: ٩٩ -١٠١].
هذا إخبارٌ عن حال اجتماع المتحابّين بعد الفُرْقة الطويلة التي قيل : إنها ثمانون سنة ، وقيل : ثلاث
(١) أخرجه ابن جرير في تفسيره ( ٧/ ٣٠٠).
(٢) كذا في تفسير الطبري (٧/ ٣٠٠) وفي الأصول: عمر، خطأ، ومحارب بن دثار توفي سنة ١١٦ هـ، وروى عن
جابر وابن عمر . انظر سير أعلام النبلاء ( ٢١٧/٥) وتهذيب التهذيب (١٠ /٤٩).
(٣) أخرجه ابن جرير في التفسير (٧/ ٣٠٠).
(٤) أخرجه البخاري (١١٤٥) في التهجد، ومسلم ( ٧٥٨) في صلاة المسافرين وقصرها .
(٥) أخرجه ابن جرير ( ٧ / ٣٠٠).

٣١١
ذكر ما وقع من الأمور العجيبة لإسرائيل وقصة يوسف
وثمانون سنة ، وهما روايتان عن الحسن . وقيل : خمس وثلاثون سنة ، قاله قتادة . وقال محمد بن
إسحاق : ذكروا أنه غاب عنه ثماني عشرة سنة . قال : وأهلُ الكتاب يزعمون أنه غاب عنه أربعين سنة .
وظاهر سياق القصة يُرشد إلى تحديد المدة تقريباً ، فإن المرأة راودته وهو شابٌّ ابن سبع عشرة فيما
قاله غير واحد ، فامتنع فكان في السجن بضع سنين ، وهي سبع عند عكرمة وغيره . ثم أُخرج فكانت
سنواتُ الخِصْب السبع ، ثم لما أمحل النَّاسُ في السبع البواقي ، جاء إخوتُه يمتارون في السنة الأولى
وحدهم ، وفي الثانية ومعهم أخوه بنيامين ، وفي الثالثة تعرَّف إليهم وأمرَهم بإحضار أهلهم أجمعين ،
فجاؤوا كلُّهم ﴿ فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ ءَاوَىَ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ اجتمع بهما خصوصاً وحدَهما دون إخوته
﴿ وَقَالَ ادْ خُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ اللَّهُ ءَامِنِينَ﴾ قيل هذا من المقدَّم والمؤخّر ، تقديرُه: ادخلوا مصرَ وآوى إليه
أبويه . وضعفه ابن جرير ، وهو معذور .
قيل : تلقَّاهما وآواهما في منزل الخيام، ثم لما اقتربوا من باب مصر ﴿ وَقَالَ أَدْ خُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ اللَّهُ
ءَامِنِينَ﴾ قاله السُّدِّي. ولو قيل: إن الأمرَ لا يحتاجُ إلى هذا أيضاً، وإنه ضمَّن قوله ادخلوا معنى اسكنوا
وأقيموا بها ﴿ إِن شَآءَ اللَّهُ ءَامِنِينَ﴾ لكان صحيحاً مليحاً أيضاً.
وعند أهل الكتاب : أن يعقوبَ لما وصلَ إلى أرض (( جاشر)) وهي أرض ( بلبيس )) خرج يوسف
لتلقِّيه ، وكان يعقوبُ قد بعثَ ابنه يهوذا بين يديه مُبشِّراً بقدومه . وعندهم : أنَّ الملك أطلقَ لهم أرضَ
((جاشر)) يكونون فيها ، ويقيمون بها بنعَمهم ومواشيهم .
وقد ذكرَ جماعةٌ من المفسّرين أنه لما أزفَ قدومُ نبيِّ الله يعقوب وهو إسرائيل ، أرادَ يوسفُ أن يخرجَ
لتلقِّيه، فركبَ معه الملكُ وجنودُه خدمةً ليوسف، وتعظيماً لنبيِّ الله إسرائيل ، وأنه دعا للملك، وأنَّ الله
رفعَ عن أهل مصرَ بقيَّة سنيّ الجَدْب ببركة قدومه إليهم ، فالله أعلم .
وكان جملة منْ قدم مع يعقوب من بنيه وأولادهم، فيما قاله أبو إسحاق السبيعي عن أبي عبيدة عن ابن
مسعود : ثلاثة وستين إنساناً . وقال موسى بن عبيدة : عن محمد بن كعب ، عن عبد الله بن شدَّاد ، كانوا
ثلاثة وثمانين إنساناً . وقال أبو إسحاق، عن مسروق: دخلوا وهم ثلثمائة وتسعون إنساناً. قالوا: وخرجوا
مع موسى وهم أزيد من ستمئة ألف مقاتل . وفي نص أهل الكتاب : أنَّهم كانوا سبعين نفساً ، وسمَّوهم .
قال الله تعالى: ﴿ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ قيل : كانت أُمه قد ماتت ، كما هو عند علماء التوراة .
وقال بعض المفسرين : فأحياها الله تعالى . وقال آخرون : بل كانت خالتُه ليلى ، والخالةُ بمنزل الأم .
وقال ابن جرير(١) وآخرون : بل ظاهر القرآن يقتضي بقاء حياة أمُّه إلى يومئذ ، فلا يُعوَّل على نقل أهل
الكتاب فيما خالفَه ، وهذا قوي ، والله أعلم .
(١) انظر تفسير الطبري (٧/ ٣٠٢).

٣١٢
ذكر ما وقع من الأمور العجيبة لإسرائيل وقصة يوسف
ورفعهما على العرش أي : أجلسهما معه على سريره ﴿وَخَرُواْ لَهُ سُجَّدًا﴾ أي: سجدَ له الأبوان
والإخوة الأحدَ عشر تعظيماً وتكريماً ، وكان هذا مشروعاً لهم ، ولم يزلْ تلك معمولاً به في سائر الشرائع
حتَّى حَرُمَ في مِلَّتنا .
﴿ وَقَالَ يَأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُوْيَىَ مِن قَبْلُ﴾ أي: هذا تعبير ما كنتُ قَصَصْتُه عليكَ من رؤيتي الأحدَ عشر
كوكباً والشمس والقمر ، حين رأيتهم لي ساجدين ، وأمرتني بكتمانها ووعدتني ما وعدتني عند ذلك
﴿ قَدْ جَعَلَهَا رَبِ حَقًّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بِىّ إِذْأَخْرَجَنِى مِنَ السِّجْنِ ﴾ أي: بعد الهمِّ والضِّيق جعلني حاكماً نافذَ الكلمة في
الديار المصرية حيث شئت ﴿ وَجَ بِكُمْ مِّنَ الْبَدْوِ وجاء بكم من البدو ﴾ أي : البادية وكانوا يسكنون أرضَ
العربات من بلاد الخليل ﴿مِنْ بَعْدٍ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِ وَبَيْنَ إِخْوَنَّ﴾ أي: فيما كان منهم إليّ من الأمر الذي
تقدَّم وسبقَ ذكره . ثم قال ﴿ إِنَّ رَبِ لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ﴾ أي: إذا أراد شيئاً هيَّأ أسبابَه ويسَّرها وسهَّلها من
وجوه لا يهتدي إليها العباد، بل يقدرها ويُيَسِّرها بلطيف صُنْعه وعظيم قُدْرته ﴿إِنَّهُ هُوَ اُلْعَلِيمُ ﴾ أي:
بجميع الأمور ﴿ اَلْتَكِيمُ ﴾ في خلقه وشرعه وقدره .
وعند أهل الكتاب : أن يوسفَ باع أهلَ مصرَ وغيرَهم ، من الطعام الذي كان تحتَ يده ، بأموالهم
كلها من الذهب والفضة والعقار والأثاث ، وما يملكونه كله ، حتى باعهم بأنفسهم فصاروا أرقاء . ثم
أطلقَ لهم أرضهم، وأعتقَ رقابهم ، على أن يعملوا ويكون خُمُسُ ما يستغلُّون من زَرْعهم وثمارهم
للملك ، فصارت سُنَّةَ أهل مصرَ بعده .
وحكى الثعالبيُّ(١): أنه كان لا يشبعُ في تلك السنين حتى لا ينسى الجيعانَ، وأنه إنما كان يأكل أكلةً
واحدة نصفَ النهار . قال : فمن ثمَّ اقتدى به الملوكُ في ذلك. قلت : وكان أميرُ المؤمنين عمرُ بن
الخطاب رضي الله عنه لا يشبعُ بطنه عام الرمادة حتى ذهبَ الجذْبُ وأتى الخِصْبُ .
قال الشافعي : قال رجلٌ من الأعراب لعمرَ بعدما ذهب عام الرمادة : لقد انجلتْ عنك ، وإنَّك لابن
حرَّة .
ثم لما رأى يوسفُ عليه السلام نعمتَه قد تمَّت ، وشملَه قد اجتمعَ ، عرفَ أن هذه الدار لا يُقرّ بها
قرار ، وأنَّ كلَّ شيء فيها ومنْ عليها فان . وما بعد التمام إلا النقصان ، فعند ذلك أثنى على ربّه بما هو
أهله ، واعترف له بعظيم إحسانه وفضله . وسألَ منه وهو خيرُ المسؤولين أن يتوقَّه - أي : حينَ يتوقَّه -
على الإسلام، وأن يُلحقه بعبادِهِ الصَّالحين، وهكذا كما يقال في الدعاء: (( اللهم أحينا مسلمين وتوقَّا
(١) قصص الأنبياء ؛ للثعالبي (ص ١٢٩).

٣١٣
ذكر ما وقع من الأمور العجيبة لإسرائيل وقصة يوسف
مسلمين ) (١) . أي : حين تتوفانا .
ويُحتمل أنه سأل ذلك عند احتضاره عليه السلام ، كما سألَ النبيُّ وَّ عند احتضاره أن يرفعَ روحَه إلى
الملأ الأعلى والرفقاء الصَّالحين من النَّبيِّن والمرسلين، كما قال: ((اللهم في الرفيق الأعلى (٢) ثلاثاً،
ثم قضی .
ويُحتمل أنَّ يوسف عليه السلام سأل الوفاة على الإسلام مُنْجزاً في صحَّة منه وسلامةٍ ، وأن ذلك كان
سائغاً في ملَّتهم وشِرْعتهم ، كما روي عن ابن عباس أنه قال: ما تمنَّى نبيّ قط الموتَ قبل يوسف (٣) .
فأمَّا في شريعتنا فقد نُهي عن الدعاء بالموت إلَّ عند الفتن ، كما في حديث معاذ في الدعاء الذي رواه
أحمد٤): ((وإذا أردتَ بقومٍ فتنةً فتوفَّنا إليكَ غير مفتونين)) وفي الحديث الآخر: (( ابن آدمَ الموتُ خيرٌ
لك من الفِتْنَة)) وقالت مريم عليها السلام: ﴿يَلَيْتَنِ مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًّا مَنْسِيًّا﴾ [ مريم: ٢٣] وتمنَّى
الموتَ عليّ بن أبي طالب لما تفاقمتِ الأمورُ، وعظمتِ الفِتنُ، واشتدَّ القتالُ، وكَثُرَ القيلُ والقالُ ،
وتمنَّى ذلك البخاريُّ أبو عبد الله صاحب الصحيح ، لما اشتدّ عليه الحالُ ، ولقيَ من مخالفيه الأهوال .
فأما في حال الرفاهية : فقد روى البخاريُّ ومسلم في صحيحيهما : من حديث أنس بن مالك ،
قال: قال رسول الله وَله: ((لا يتمنَّى أحدُكم الموتَ لضُرِّ نزلَ به، إما مُحسناً فيزدادُ، وإما مُسيئاً فلعلَّهُ
[ أنْ ] يَسْتَعْتِبَ، ولكن ليقلْ اللَّهُمَّ أحيني ما كانتِ الحياةُ خيراً لي، وتوفَّني إذا كانتِ الوفاةُ خيراً لي )(٥)
والمرادُ بالضُّرِّ هاهنا ما يخصُّ العبدَ في بدنه من مرضٍ ونحوه لا في دينهِ . والظاهرُ أن نبيَّ الله يوسفَ عليه
السلام سألَ ذلك إما عند احتضارِه أو إذا كان ذلك أن يكونَ كذلك .
وقد ذكرَ ابنُ إسحاق عن أهل الكتاب : أنَّ يعقوبَ أقام بديار مصر عند يوسف سبعَ عشرة سنة ، ثم
توفي عليه السلام ، وكان قد أوصى إلى يوسفَ عليه السلام أن يُدفنَ عند أبويْه إبراهيم وإسحاق . قال
الشُّدِّي : فصبرَ ، وسَيَّره إلى بلاد الشام فدفنَه بالمغارة عند أبيه إسحاق وجدِّه الخليل ، عليهم السلام .
وعند أهل الكتاب : أن عمرَ يعقوبَ يوم دخلَ مصرَ مئة وثلاثون سنة . وعندهم : أنه أقام بأرض مصر
سبعَ عشرة سنة ، ومع هذا قالوا : فكان جميع عمره مئة وأربعين سنة . هذا نصُّ كتابهم ، وهو غلط إما في
النسخة أو منهم ، أو قد أسقطوا الكسرَ ، وليس بعادتهم فيما هو أكثر من هذا ، فكيف يستعملون هذه
(١) قطعة من حديث أخرجه أحمد في المسند (٤٢٤/٣) وغيره عن عبيد بن رِفاعة الزُّرَقي رقم (١٥٤٣١). قال
الذهبي في السيرة (٤١٩/١ - ٤٢٠): غريب منكر .
(٢) أخرجه البخاري (٤٤٣٧) في المغازي، ومسلم (٢١٩١) في السلام .
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور (٤/ ٥٩١ ).
(٤) قطعة من حديث أخرجه أحمد في المسند (٢٤٣/٥) والترمذي (٣٢٣٥)، وقال: حسن صحيح. من حديث معاذ.
(٥) أخرجه البخاري (٥٦٧١) في المرض، ومسلم ( ٢٦٨٠) في الذكر والدعاء .

٣١٤
ذكر ما وقع من الأمور العجيبة لإسرائيل وقصة يوسف
الطريقة هاهنا. وقد قال تعالى في كتابه العزيز: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا
تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِى قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ ءَابَآئِكَ إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهَا وَحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾
[ البقرة: ١٣٣] يُوصي بنيه بالإخلاص ، وهو دين الإسلام الذي بعث الله به الأنبياء عليهم السلام .
وقد ذكرَ أهل الكتاب أنَّه أوصى بنيه واحداً واحداً ، وأخبرهم بما يكون من أمرهم ، وبشَّرَ يهوذا
بخروج نبيٍّ عظيم من نسله تُطيعه الشعوب ، وهو عيسى ابن مريم ، والله أعلم .
وذكروا : أنه لمَّا ماتَ يعقوبُ بكى عليه أهلُ مصرَ سبعين يوماً، وأمرَ يوسفُ الأطبَّاءَ فطيّبوه بطيبٍ
ومكثَ فيه أربعين يوماً ، ثم استأذن يوسفُ ملكَ مصرَ في الخروج مع أبيه ليدفنَه عند أهله ، فأذنَ له ،
وخرجَ معه أكابرُ مصرَ وشيوخُها، فلما وصلوا (( حبرون)( ١) دفنوه في المغارة التي كان اشتراها إبراهيمُ
الخليل من عفرون بن صخر الحيثي ، فدُفنَ فيها ، وعملوا له سبعة أيام . قالوا : ثم رجعوا إلى بلادهم ،
وعزَّى إخوةٌ يوسفَ ليوسفَ في أبيهم وترقَّقوا له ، فأكرمهم وأحسنَ منقلبهم ، فأقاموا ببلاد مصر .
ثم حضرتْ يوسفَ عليه السلام الوفاةُ ، فأوصى أن يُحملَ معهم إذا خرجوا من مصرَ فيدفن عند آبائه ،
فحنَّطُوه ووضعُوه في تابوت ، فكان بمصرَ حتى أخرجَه معه موسى عليه السلام ، فدفنَه عند آبائه كما
سيأتي .
قالوا : فماتَ وهو ابن مئة سنة وعشر سنين . هذا نصُّهم فيما رأيته ، وفيما حكاه ابن جرير أيضاً .
وقال مبارك بن فَضَالة ، عن الحسن : أُلقي يوسفُ في الجُبِّ وهو ابنُ سبعَ عشرة سنة ، وغاب عن أبيه
ثمانينَ سنة ، وعاش بعد ذلك ثلاثاً وعشرينَ سنة ، ومات وهو ابن مئة سنة وعشرين سنة . وقال غيره :
أوصى إلى أخيه يهوذا صلواتُ الله عليه وسلامُه .
(١) في هامش ب: قال في القاموس: باب الراء فصل الفاء: حبرون؛ بلد الخليل إبراهيم وَئياته.

٣١٥
قصة أيوب عليه السلام
قصّة أيوب
عليه السلام
قال ابن إسحاق (١) : كان رجلاً من الروم ، وهو أيوب بن موص بن رازح بن العيس بن إسحاق بن
إبراهيم الخليل . وقال غيره : هو أيوب بن موص بن رعويل بن العيص بن إسحاق بن يعقوب . وقيل :
غير ذلك في نسبه .
وحكى ابن عساكر(٢): أنَّ أُمَّه بنت لوط عليه السلام. وقيل (٣): كان أبوه ممن آمنَ بإبراهيم عليه
السلام يومَ أُلقي في النار ، فلم تحرقه ، والمشهور الأول ، لأنه من ذريّة إبراهيم ، كما قرَّرنا عند قوله
تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُدَ وَسُلَيْمَنَ وَأَيُوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَرُونَ﴾ [الأنعام: ٨٤] الآيات؛ من أنَّ
الصحيحَ أنَّ الضميرَ عائدٌ على إبراهيم دون نوح عليهما السلام .
وهو من الأنبياء المنصوص على الإيحاء إليهم في سورة النساء في قوله تعالى: ﴿﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ
كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحِ وَالنَّبِتْنَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَاَلْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ ﴾
[ النساء: ١٦٣] الآية. فالصحيحُ أنَّه من سُلالة العِيص بن إسحاق، وامرأتُه قيل: اسمها٤) ((ليا)) بنت
يعقوب. وقيل: ((رحمة)) بنت أفرائيم، وقيل: منشأ٥) بن يوسف بن يعقوب . وهذا أشهرُ ، فلهذا
ذكرناه هاهنا ، ثم نعطفُ بذكر أنبياء بني إسرائيل بعد ذكر قصَّته إن شاء الله ، وبه الثقة وعليه التكلان .
قال الله تعالى: ﴿﴿ وَأَتُوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ: أَنِ مَسَّنِىَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الزَّحِينَ [َ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا
مَا بِهِ، مِن ضُرٍّ وَءَاتَيْنَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ قَعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَبِدِينَ﴾ [ الأنبياء: ٨٣ -٨٤ ] وقال تعالى في
سورة ص: ﴿ وَأَذَكُرْ عَبْدَنَا أَتُوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِى مَسَّتِىَ الشَّيْطَنُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (١) أَزْكُضْ بِحْلِكٌ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ
٤١
وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَثْلَهُمْ مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِى الأَلْبَبِ (٣) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْنًا فَأَضْرِبِ بِّهِ، وَلَا تَحْنَثُ إِنَّا وَجَدْنَهُ صَابِرَأَ نِعْمَ الْعَبْدُّ
إِنَّهُ رَ أَوَابٌ﴾ [ص: ٤١ - ٤٤].
وروى ابنُ عساكر(٦) : من طريق الكلبي ، أنه قال : أوَّلُ نبيِّ بُعث : إدريس ، ثم نوح ، ثم
●تاريخ الطبري (١/ ٣٢٢).
(١)
(٢) تاريخ دمشق (١٠ /٥٨).
تاريخ الطبري (٣٢٢/١).
(٣)
المصدر السابق (١/ ٣٢٢).
(٤)
(٥) ذكره ابن عساكر في تاريخه (١٠ / ٥٨).
(٦) تاريخ دمشق (٥٨/١٠ - ٥٩).

٣١٦
قصة أيوب عليه السلام
إبراهيم ، ثم إسماعيل ، ثم إسحاق ، ثم يعقوب ، ثم يوسف ، ثم لوط ، ثم هود ، ثم صالح ، ثم
شُعيب ، ثم موسى وهارون ، ثم إلياس ، ثم اليسع ثم عزى بن شوتلح بن أفرائيم بن يوسف بن يعقوب ،
ثم يُونس بن متى من بني يعقوب ، ثم أيوب بن رازح بن آموص بن ليفزتا بن العيص بن إسحاق بن
إبراهيم .
وفي بعض هذا الترتيب نظر، فإن هوداً وصالحاً المشهور أنهما بعد نوح ، وقبل إبراهيم ، والله أعلم.
قال علماء التفسير (١) والتاريخ وغيرهم : كان أيوبُ رجلاً كثيرَ المال من سائر صنوفه وأنواعه ؛ من
الأنعام والعبيد والمواشي والأراضي المتسعة بأرض البَثْنيّة(٢) ، من أرض حوران .
وحكى ابن عساكر(٣): أنها كلَّها كانت له، وكان له أولاد وأهلون كثير ، فسُلِبَ من ذلك جميعه ،
وابتُلي في جسده بأنواع من البلاء ، ولم يبق منه عضو سليمٌ سوى قلبه ولسانه ، يذكر الله عزَّ وجلَّ بهما ،
وهو في ذلك كلِّه صابرٌ محتسبٌ ، ذاكرٌ لله عزَّ وجلَّ في ليله ونهاره وصباحهِ ومسائه .
وطال مَرَضُه حتى عافَه الجليسُ، وأوحش منه الأنيس، وأُخرجَ من بلده، وأُلقي على مِزْبلةٍ(٤)
خارجَها ، وانقطعَ عنه النَّاسُ ، ولم يبق أحدٌ يحنو عليه سوى زوجتِه كانت ترعى له حقَّه ، وتعرف قديمَ
إحسانه إليها وشفقته عليها ، فكانت تتردّد إليه ، فتُصلح من شأنه وتُعينه على قضاء حاجتِه ، وتقوم
بمصلحته ، وضعفَ حالها وقلَّ مالُها حتى كانت تخدمُ النَّاسَ بالأجر لتُطعمه ، وتقومَ بأودِه رضي الله عنها
وأرضاها ، وهي صابرةٌ معه على ما حلَّ بهما من فِراق المال والولد ، وما يختصُّ بها من المصيبة بالزوج
وضيق ذات اليد ، وخدمة الناس بعد السعادة والنعمة والحرمة ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله وَ لل قال: ((أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون ، ثم الأمثل
فالأمثل ، يُبتلى الرجلُ على حَسْب دينه ، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه )(٥) . ولم يزد هذا كله
أيوب عليه السلام إلا صبراً واحتساباً وحمداً وشكراً ، حتى أنَّ المثلَ ليضربُ بصبره عليه السلام ، ويُضرب
المثل أيضاً بما حصل له من أنواع البلايا .
(١) انظر تفسير الطبري (٥٦/٩) وتاريخه (٣٢٢/١).
(٢) ويقال : البَئنة : قرية من قرى حَوْران ، تقع بين دمشق وأذرعات .
(٣) حكاه ابن عساكر في تاريخه ؛ كما في المختصر (١٠٩/٥ - ١١١).
(٤) هذا من الإسرائيليات التي تتعارض مع عصمة يونس عليه السلام وليس في الذكر الحكيم ولا في السنة النبوية
ما يُؤيِّدها .
(٥) أخرجه أحمد في المسند (١٧٢/١) عن مصعب بن سعد ، عن أبيه ، والدارمي في سننه ( ٢٧٨٣) والحاكم في
المستدرك (٤١/١) ولم أجده في الصحيح.

٣١٧
قصة أيوب عليه السلام
وقد رُوي عن وَهْب بن مُنبِّهِ وغيره من علماء بني إسرائيل في قصة أيوب خبرٌ طويل(١) في كيفية ذهاب
ماله وولده وبلائه في جسده ، والله أعلم بصحته .
وعن مُجاهد أنه قال : كان أيوب عليه السلام أوَّلَ من أصَابه الجُدريُّ .
وقد اختلفوا في مدَّة بلواه على أقوال ، فزعمَ وَهْبٌ أنه ابتُلي ثلاثَ سنين لا تزيدُ ولا تنقصُ .
وقال أنس : ابتُلي سبعَ سنين وأشهراً ، وأُلقي على مِزْبلة لبني إسرائيل ، تختلف الدواتُّ في جسدِه
حتى فرَّج الله عنه ، وعظُمَ له الأجرُ ، وأحسنَ الثناء عليه .
وقال حميد : مكثَ في بلواه ثمانية عشرة سنة .
وقال الشُّدِّي : تساقطَ لحمُه حتى لم يبقَ إلا العظم والعصبُ ، فكانت امرأتُه تأتيه بالزّماد تفرشُه
تحتَه ، فلما طال عليه ، قالت : يا أيوبُ لو دعوتَ ربَّك لفرَّجَ عنك؟ فقال : قد عشتُ سبعينَ سنة
صحيحاً ، فهو قليلٌ لله أن أصبرَ له سبعينَ سنة . فجزعتْ من هذا الكلام وكانت تخدمُ النَّاسَ بالأجر وتُطعم
أيوب عليه السلام .
ثم إنَّ الناسَ لم يكونوا يستخدمونُها لعلمهم أنَّها امرأةٌ أيوبَ ، خوفاً أن ينالَهم من بلائه ، أو تُعديهم
بمخالطته ، فلما لم تجد أحداً يستخدمُها عمدتْ فباعت لبعض بناتِ الأشراف إحدى ضفيرتيها بطعام طيِّب
كثير ، فأتتْ به أيوبَ ، فقال : من أين لك هذا ؟ وأنكره ، فقالت : خدمتُ به أناساً . فلما كان الغد لم
تجد أحداً ، فباعتِ الضفيرة الأخرى بطعام ، فأتته به ، فأنكرَه أيضاً ، وحلفَ لا يأكلُه حتى تُخبره من أين
لها هذا الطعام ؟ فكشفت عن رأسها خمارَها ، فلما رأى رأسها محلوقاً ، قال في دعائه: ﴿ أَنِى مَسَّتِىَ
اُلُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّحِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣].
وقال ابن أبي حاتم : حدَّثنا أبي ، حدَّثنا أبو سلمة ، حدَّثنا جرير بن حازم ، عن عبد الله بن عُبيد بن
عُمير ، قال : كان لأيوبَ أخوان ، فجاءا يوماً فلم يستطيعا أن يدنوا منه من ريحه ، فقاما من بعيد ، فقال
أحدُهما لصاحبه : لو كان الله علمَ من أيوب خيراً ما ابتلاه بهذا ، فجزعَ أيوب من قولهما جزعاً لم يجزغ
من شيءٍ قط . قال: اللَّهُمَّ إن كنتَ تعلمُ أني لم أبتْ ليلةً قطُّ شبعاناً وأنا أعلمُ مكانَ جائعٍ فصدِّقني .
فصُدِّقَ من السماء وهما يسمعان ، ثم قال: اللَّهُمَّ إن كنتَ تعلمُ أني لم يكن لي قميصان قطُ وأنا أعلمُ مكان
عار فصدِّقني ، فصُدِّقَ من السماء وهما يسمعان. ثم قال: اللهم بعزَّتِكَ، وخرّ ساجداً ، فقال: اللَّهُمَّ
بعزَّتك لا أرفعُ رأسي أبداً حتى تكشفَ عني، فما رفعَ رأسَه حتى كشفَ عنه(٢) .
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ٥٥ - ٦٢).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور (٦٥٤/٥).

٣١٨
قصة أيوب عليه السلام
وقال ابن أبي حاتم وابن جرير جميعاً : حدَّثنا يونسُ ، عن عبد الأعلى ، أنبأنا ابن وهب ، أخبرني
نافع بن يزيد، عن عقيل، عن الزهري، عن أنس بن مالك أنَّ النبيَّ وَّه قال: ((إن نبيَّ الله أيوب لبث به
بلاؤه ثماني عشرة سنة ، فرفضَه القريبُ والبعيد إلَّا رجلين من إخوانه ، كانا من أخصِّّ إخوانه له ، كانا
يغدوان إليه ويروحان . فقال أحدهما لصاحبه : يعلمُ الله لقد أذنبَ أيوبُ ذنباً ما أذنبَه أحدٌ من
العالمين . قال له صاحبه : وما ذاكَ . قال من ثماني عشر سنة لم يرحمْه ربّه فيكشف ما به . فلما راحا إليه
لم يصبرِ الرجلُ حتى ذكرَ ذلك له ، فقال أيوب : لا أدري ما تقولُ، غير أنَّ الله عزَّ وجلَّ يعلمُ أني كنت أمرُ
على الرجلين يتنازعان فيذكران الله فأرجع إلى بيتي فأُكفِّر عنهما كراهية أن يذكرا الله إلَّ في حقّ . قال:
وكان يخرج في حاجته فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يرجعَ ، فلما كان ذاتَ يومٍ أبطأتْ عليه ،
فأوحى الله إلى أيوب في مكانِهِ أنْ ﴿ أَرْكُضْ بِحْلِكٌ هَذَا مُعْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢] فاستبطأتْه، فتَلقَّته تنظر ،
وأقبلَ عليها قد أذهبَ الله ما به من البلاء ، وهو على أحسن ما كان ، فلما رأتْه ، قالت : أي باركَ الله
فيك ؟ هل رأيتَ نبيّ الله هذا المبتلى ؟ فوالله على ذلك ما رأيت رجلاً أشبه به منك إذ كان صحيحاً . قال :
فإني أنا هو . قال : وكان له أندران : أندر للقمح ، وأندر للشعير ، فبعثَ الله سحابتين ، فلما كانت
إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض ، وأفرغت الأخرى في أندر الشعير الوَرِقَ حتى
فاض )) .
هذا لفظ ابن جرير (١)، وهكذا رواه بتمامه ابن حبان في «صحيحه»٢) عن محمد بن الحسن بن قتيبةَ
عن حرملة عن ابن وهب به . وهذا غريب رفعه جداً ، والأشبه أن يكون موقوفاً .
وقال ابن أبي حاتم(٣): حدَّثنا أبي ، حدَّثنا موسى بن إسماعيل، حدَّثنا حمّاد ، أنبأنا علي بن زيد ،
عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس، قال : وألبسَه الله حُلَّةً من الجنَّة، فتنخَّى أيوب وجلسَ في ناحية ،
وجاءت امرأتُه فلم تعرفْه ، فقالت : يا عبد الله هذا المبتلى الذي كان هاهنا لعل الكلاب ذهبت به ، أو
الذئاب ؟ وجعلت تكلمه ساعةً . قال : ولعلَّ أنا أيوب . قالت : أتسخر مني يا عبد الله ؟ فقال: ويحك
أنا أيوبُ ، قد ردّ الله عليّ جسدي .
(٤)
قال ابن عباس : وردَّ الله عليه ماله وولده بأعيانهم ، ومثلهم معهم
.
وقال وهب بن منبه : أوحى الله إليه قد رددتُ عليك أهلكَ ومالكَ ومثلَهم معهم ، فاغتسلْ بهذا
(١) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٠ / ٥٩٠) والأندر : البيدر .
(٢) الإحسان ( ٢٨٩٨).
(٣) كما في الدر المنثور (١٩٢/٧).
(٤) أخرجه ابن جرير في التفسير (٦٩/٩).

٣١٩
قصة أيوب عليه السلام
الماء ، فإن فيه شفاءَك، وقرّبْ عن صحابتِك قرباناً ، واستغفر لهم فإنهم قد عصوني فيكَ . رواه ابن
.(١)
أبي حاتم (١)
وقال ابن أبي حاتمٌ(٢): حدَّثنا أبو زرعة، حدَّثنا عمرو بن مرزوق ، حدَّثنا همام ، عن قتادة ، عن
النضر بن أنس؛ عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّ قال: ((لما عافى الله أيوبَ عليه
السلام أمطرَ عليه جراداً من ذهب ، فجعلَ يأخذُ بيده ويجعلُ في ثوبه . قال : فقيل له : يا أيوب أما
تشبعُ ؟ قال : يا ربِّ ومن يشبعُ من رحمتِك )) .
وهكذا رواه الإمام أحمد (٣) : عن أبي داود الطيالسي وعبد الصمد ، عن همَّام ، عن قتادة ، به .
ورواه ابن حبَّان في ((صحيحه)(٤) : عن محمد بن عبد الله الأزدي ، عن إسحاق بن راهويه ، عن
عبد الصمد ، به .
ولم يُخرِّجْه أحدٌ من أصحاب الكتب ، وهو على شرط الصحيح ، فالله أعلم .
وقال الإمام أحمد(٥): حدَّثنا سفيان ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة : أُرسل على
أيوب رِجْلٌ(٦) من جراد من ذهب ، فجعلَ يقبضُها في ثوبه ، فقيل : يا أيُّوب! ألم يَكْفِكَ ما أعطيناكَ ؟
قال : أي ربِّ! ومن يستغني عن فضلكَ . هذا موقوف ، وقد رُوي عن أبي هريرة من وجه آخر مرفوعاً .
وقال الإمام أحمد(٧): حدَّثنا عبد الرزاق، حدَّثنا معمر، عن همَّام بن مُنبِّه، قال : هذا ما حدَّثنا
أبو هريرة، قال: قال رسول الله وَله: « بينما أيوبُ يغتسلُ عُزْياناً خرَّ عليه جرادٌ من ذهب ، فجعل أیوبُ
يحثي في ثوبه ، فناداه ربُّه عزَّ وجلَّ: يا أيوبُ ! ألم أكنْ أغنيتُك عما ترى ؟ قال : بلى أي رب ! ولكن
لا غنى لي عن بركتِكَ )».
(٨)
٠
رواه البخاري من حديث عبد الرزاق ، به
وقوله ﴿ أَزْكُضْ بِرِحْلٌِ﴾ [ص: ٤٢] أي: اضرب الأرض برجلك، فامتثلَ ما أمرَ به ، فأنبعَ الله له عيناً
باردة الماء ، وأُمرَ أن يغتسلَ فيها ويشربَ منها ، فأذهبَ الله عنه ما كان يجدُه من الألم والأذى والسَّقم ،
والمرض الذي كان في جسده ظاهراً وباطناً ، وأبدلَه الله بعد ذلك كلِّه صِحَّةٌ ظاهرة وباطنةً، وجمالًا تامّاً ،
(١) كما في الدر المنثور (٧/ ١٩٣).
كما في الدر المنثور ( ١٩٣/٧ ).
(٢)
أخرجه الإمام أحمد (٥١١/٢) وهو عند الطيالسي في مسنده (ص٣٢٢).
(٣)
(٤)
الإحسان (٦٢٣٠ ).
(٥)
في المسند (٢٤٣/٢).
الرِّجل : الطائفة العظيمة .
(٦)
في المسند (٣١٤/٢).
(٧)
أخرجه البخاري ( ٣٣٩١) في الأنبياء .
(٨)

٣٢٠
قصة أيوب عليه السلام
ومالاً كثيراً ، حتى صبَّ له من المال صبّاً ، مطراً عظيماً جراداً من ذهب ، وأخلفَ الله له أهلَه ، كما قال
تعالى: ﴿ وَءَاتَيْنَهُ أَهْلَمُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ﴾ فقيل: أحياهم الله بأعيانهم، وقيل: آجرَه فيمن سلفَ وعوَّضه
عنهم في الدنيا بدلهم وجمع له شمله بكُلِّهم في الدار الآخرة . وقوله: ﴿رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا﴾ أي: رفعنا عنه
شدَّته ﴿ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ، مِن ضُرٍّ﴾ رحمةً منا، ورأفةً وإحساناً ﴿وَذِكْرَى لِلْعَبِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٤] أي:
تذكرةً لمن ابتُلي ببلاءٍ في جسدِه أو مالِه أو ولدِه ، فله أسوةٌ بنبيِّ الله أيوب حيث ابتلاه الله بما هو أعظم من
ذلك فصبرَ واحتسبَ حتَّى فرَّجَ الله عنه .
ومنْ فهمَ من هذا اسمَ امرأته ، فقال : هي رحمة ، من هذه الآية ، فقد أبعدَ النُّجعة وأغرقَ النَّزْعَ .
وقال الضَّخَّاك، عن ابن عباس: ردَّ الله إليها شبابَها وزادَها، حتى ولدتْ له ستةً وعشرين ولداً ذكراً.
وعاش أيوب بعد ذلك سبعينَ سنة بأرض الروم ، على دين الحنيفية ، ثم غيَّروا بعدَه دين إبراهيم .
وقوله : ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْتًا فَأَضْرِبِ يِّهِ، وَلَا تَحْنَثُّ إِنَّا وَجَدْنَهُ صَابِرَا نَّعْمَ الْعَبْدِّ إِنَّهُ: أَوََّبٌ﴾ [ص: ٤٤] هذه رخصة من
الله تعالى لعبده ورسوله أيوب عليه السلام فيما كان من حَلْفه ليضربنَّ امرأته مئة سوطٍ . فقيل : حَلْفُه ذلك
لبيعها ضفائرَها . وقيل : لأنه اعترضها الشيطانُ في صورة طبيبٍ يصفُ لها دواءً لأيوب ، فانتبه فأخبرته ،
فعرفَ أنه الشيطان ، فحلفَ ليضربنها مئة سوط . فلما عافاه الله عزَّ وجلَّ أفتاه أن يأخذَ ضغئاً - وهو
كالعثكال - الذي يجمع الشماريخَ، فيجمعها كلَّها ويضربها به ضربةً واحدةً ، ويكون هذا مُنزَّلاً منزلةَ
الضرب بمئة سوْطٍ ويبرّ ولا يحنث .
وهذا من الفَرج والمَخْرج لمن اتَّقى اللهَ وأطاعَه ، ولاسيما في حقِّ امرأتِهِ الصابرةِ المُحتسبةِ المكابدةِ
الصِّدِّيقةِ البَارَّة رضي الله عنها .
ولهذا عقَّبَ الله هذه الرخصة، وعلَّلها بقوله: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَهُ صَابِرَأَ نِعْمَ الْعَبْدُّ إِنَّهُ: أَوَابٌ﴾ وقد استعملَ كثيرٌ
من الفقهاء هذه الرخصة في باب الأيمان والنذور ، وتوسّع آخرون فيها حتى وضعوا كتابَ الحيل في
الخلاص من الأيمان ، وصدَّروه بهذه الآية الكريمة ، وأتَوْا فيه بأشياء من العجائب والغرائب . وسنذكرُ
طرفاً من ذلك في كتاب (( الأحكام)(١) عند الوصول إليه إن شاء الله تعالى .
وقد ذكرَ ابنُ جرير(٢) وغيرُه من علماء التاريخ : أنَّ أيوبَ عليه السلام لما تُوفي كان عمره ثلاثاً
وتسعين سنة . وقيل : إنه عاشَ أكثرَ من ذلك . وقد روى ليثٌ عن مجاهد ما معناه : أنَّ الله يحتجُّ يومَ
القيامة بسليمان عليه السلام على الأغنياء ، وبيوسف عليه السلام على الأرقاء ، وبأيوب عليه السلام على
أهلِ البلاء .
(١) كتاب ((الأحكام)) من الكتب التي بدأها ولم يتمَّها الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى.
(٢) ذكره ابن جرير في التاريخ (٣٢٤/١).