Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
ذكر وصيته لولده
فارس ابنَ فارس ، قال : يُريدُ أن يضعَ كل فارس ابن فارس ، ويرفعَ كلَّ راع ابن راع . قال : فأخذَ
رسولُ اللهِ بَّهِ بمجامع جُبَّتِه، وقال: ((ألا أرى عليكَ لباسَ منْ لا يعقل؟)). ثم قال: ((إنّ نبيَّ الله نوحاً
عليه السلام لما حضرته الوفاةُ قال لابنه : إنِّي قاصٌّ عليكَ الوصيةَ : آمُرك باثنتين ، وأنهاك عن اثنتين ؛
آمرك بلا إله إلا الله، فإنَّ السموات السبع والأرضينَ السبعَ لو وُضِعتْ في كفَّةٍ ، ووُضعتْ لا إِلَّه إلا الله في
كفَّةٍ رجحتْ بهنَّ لا إله إلا الله، ولو أنَّ السمواتِ السبع والأرضينَ السبع كنَّ حلقةٌ مبهمةً فضمَّتهنَّ لا إلَه إلا
الله وسبحان الله وبحمده ، فإنها صلاة كل شيء، وبها يُرزق الخلق . وأنهاك عن الشرك والكبر)) . قال :
قلت - أو قيل - يا رسولَ الله هذا الشركُ قد عرفناه، فما الكبر؟ أن يكونَ لأحدنا نعلان حسنتان لهما
شراكان حسنان؟ قال: ((لا)). قال: هو أن يكون لأحدنا حلَّة يلبسها؟ قال: ((لا)). قال: هو أن
يكون لأحدنا دابّة يركبها؟ قال: ((لا)). قال: هو أن يكون لأحدنا أصحابٌ يجلسون إليه؟ قال: ((لا))
قلت - أو قيل - يا رسول الله! فما الكبر؟ قال: (( سَفْهُ الحَقِّ وغَمْصُ النَّاس)) وهذا إسناد صحيح ولم
يخرجوه .
ورواه أبو القاسم الطبراني : من حديث عبد الرحيم بن سليمان ، عن محمد بن إسحاق ، عن
عمرو بن دينار، عن عبد الله بن عمرو ؛ أنَّ رسولَ الله وَ ◌ّرِ قال: ((كان في وصية نوح لابنه : أُوصيكَ
بخصلتين ، وأنهاكَ عن خصلتين (١) فذكرَ نحوَه .
وقد رواه أبو بكر البزار : عن إبراهيم بن سعيد ، عن أبي معاوية الضرير ، عن محمد بن إسحاق ،
عن عمرو بن دينار، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن النبي وَ لَ بنحوه(٢) . والظاهر أنه عن عبد الله بن
عمرو بن العاص كما رواه أحمد والطبراني ، والله أعلم .
ويزعمُ أهلُ الكتاب أن نوحاً عليه السلام لما ركبَ في السفينة كان عمره ستمئة سنة . وقدَّمنا عن ابن
عبّاس مثله ، وزاد: وعاش بعد ذلك ثلثمئة وخمسين سنة ، وفي هذا القول نظر ، ثم إن لم يمكن
الجمعُ بينه وبينَ دلالة القرآن فهو خطأُ محضٌ ، فإنَّ القرآن يقتضي أن نوحاً مكث في قومه بعد البعثة
وقبل الُوفان ألف سنة إلا خمسين عاماً ، كما قال الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ
سَنَةٍ إِلَّا خَسِيْنَ عَامَا فَخَذَهُمُ الْقُلُوَفَاتُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ١٤] ثمَّ الله أعلمُ كم عاشَ بعد ذلك ، فإن
كان ما ذكر محفوظاً عن ابن عباس ، من أنه بعث وله أربعمئة وثمانون سنة ، وأنه عاش بعد الطوفان
(١) أخرجه الطبراني في الدعاء (١٧١٤) وفيه إسحاق بن إبراهيم الحنيني، وهو ضعيف، وابن إسحاق مدلس وقد عنعنه.
=
بهم واحتقارهم وازدراؤهم .
(٢) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (٣٠٦٩) وقال الهيثمي في المجمع (١٠ / ٨٤): فيه محمد بن إسحاق ، وهو
مدلس ثقة ، وبقية رجاله رجال الصحيح ، وأخرجه ابن عساكر ، كما في مختصر تاريخ دمشق ؛ لابن منظور
(٢٦ / ٢١٧ ) .

١٨٢
ذكر وصيته لولده
ثلاثمئة وخمسين سنة ، فيكون قد عاش على هذا ألف سنة وسبعمئة وثمانين سنة .
وأما قبرُه عليه السلام ، فروى ابنُ جرير والأزرقي : عن عبد الرحمن بن سابط - أو غيره من التابعين
مرسلاً - أنَّ قبرَ نوح عليه السلام بالمسجد الحرامُ(١) .
وهذا أقوى وأثبت من الذي يذكره كثير من المتأخرين من أنه ببلدة بالبقاع تُعرف اليوم بكرك نوح ،
وهناك جامعٌ قد بُني بسبب ذلك فيما ذكر ، والله أعلم .
(١) لم أجده فيهما، وانظره في مختصر تاريخ دمشق؛ لابن منظور (٢١٨/٢٦).

١٨٣
قصة هود عليه السلام
قصّة هود عليه السلام
وهو هودُ بن شالخ بن أرفَخْشَذ بن سام بن نوح عليه السلام .
ويُقال : إن هوداً هو عابر بن شالخ بن أرفَخْشَذ بن سام بن نوح . ويُقال : هود بن عبد الله بن رباح بن
الجارود بن عاد بن عَوْص بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام. ذكره ابن جرير(١) .
وكان من قبيلة يُقال لهم : عاد بن عوص بن سام بن نوح ، كانوا عرباً يسكنون الأحقاف ، وهي جبال
الرمل ، وكانت باليمن بين عُمان وحضرموت بأرضٍ مُطلّةٍ على البحر ، يقال لها : الشحر ، واسم واديهم
مغيث .
وكانوا كثيراً ما يسكنون الخيام ذوات الأعمدة الضِّخام ، كما قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ
بِعَادٍ الْ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ [الفجر: ٦ - ٧] أي: عاد إرم، وهم عاد الأولى. وأما عادٌ الثانية فمتأخرة ، كما
سيأتي بيان ذلك في موضعه .
وأما عاد الأولى، فهم عاد ﴿ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ﴿ الَِّى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِ اَلْبِلَدِ﴾ [ الفجر: ٧ - ٨] أي: مثل
القبيلة . وقيل : مثل العمد . والصحيح الأول ، كما بيَّناه في التفسير .
ومن زعمَ أنَّ إرمَ مدينةٌ تدور في الأرض ، فتارةً في الشام ، وتارةً في اليمن ، وتارةً في الحجاز ،
وتارةً في غيرها ، فقد أبعدَ النُّجْعةَ ، وقال ما لا دليل عليه ، ولا برهانَ يُعوَّلُ عليه ، ولا مستندَ يُركنُ إليه.
وفي صحيح ابن حبَّان : عن أبي ذرِّ، في حديثه الطويل في ذكر الأنبياء والمرسلين ، قال فيه :
((منهم أربعةٌ من العرب، هُودٌ، وصالحٌ، وشُعيب، ونَبِيُّكَ يا أبا ذر)(٢) .
ويُقال : إن هُوداً عليه السلام أوَّلُ من تكلّم بالعربية ، وزعمَ وهبُ بن مُنَبِّه أنَّ أباه أوَّلُ من تكلّم بها .
وقال غيره : أوَلُ من تكلّم بها نوح . وقيل : آدمُ ، وهو الأشبه . وقيل : غير ذلك ، والله أعلم .
ويُقال للعرب الذين كانوا قبل إسماعيل عليه السلام : العربُ العاربةُ ، وهم قبائلُ كثيرةٌ منهم : عاد ،
وثمود، وجُرْهم ، وطَسْم، وجَديس ، وأميم ، ومَدْين ، وعِمْلاق، وعَبيل ، وجَاسم ، وقَحْطان ،
وبنو يقطن ، وغيرهم .
(١) ذكره ابن جرير في التاريخ (٢١٦/١) .
(٢) أخرجه ابن حبان (٩٤) موارد، وفي المجروحين (١٢٩/٣ - ١٣٠) والطبراني في الكبير (٢/ ١٦٥١) .. وإسناده
ضعيف جداً ، فيه إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني ، كذاب ، وقال الذهبي : أحد المتروكين .

١٨٤
قصة هود عليه السلام
وأما العرب المستعربة : فهم من ولد إسماعيل بن إبراهيم الخليل ، وكان إسماعيلُ بن إبراهيم
عليهما السلام أوَّلَ من تكلّم بالعربية الفصيحة البليغة ، وكان قد أخذَ كلامَ العرب من جُرْهم الذين نزلوا
عند أُمَّه هاجرَ بالحرم ، كما سيأتي بيانُه في موضعه إن شاء الله تعالى ، ولكنْ أنطقَه الله بها في غاية
الفَصاحة والبيان، وكذلك كان يتلفّظُ بها رسولُ الله ◌َه .
والمقصودُ أنَّ عاداً وهم عادٌ الأولى كانوا أوَّل من عبدَ الأصنام بعد الطُّوفان ، وكانت أصنامُهم ثلاثة :
صداً ، وصموداً ، وهر١ً) . فبعثَ الله فيهم أخاهم هوداً عليه السلام ، فدعاهم إلى الله ، كما قال تعالى
بعد ذكر قوم نوح ، وما كان من أمرهم في سورة الأعراف: ﴿﴿ وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم
قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ: إِنَّا لَنَرَنكَ فِى سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ
مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، أَفَلَا نَنَّقُونَ
اَلْكَذِبِينَ ﴿لَ قَالَ يَقَوْمِ لَيْسَ بِى سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّ رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ (١) أُبْلِغُكُمْ رِسَلَتِ رَبِّ وَأَنَاْ لَكُنْ نَاصِعُ
أَمِينُّ ◌ِ﴿ أَوَ عِبْنُمْ أَنْ جَ كُمْ ذِكْرٌ مِّنْ زَيَّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنْكُمْ لِسُنذِرَكُمْ وَأَذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ
وَزَادَكُمْ فِى الْخَلْقِ بَصْطَةٌ فَأَذْكُرُوَأْءَ الَآءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ نُفْلِحُونَ (3) قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ
ءَآبَاؤُنَا فَأَيْنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ ﴿ قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِّن رَبِّكُمْ رِجْسُ وَغَضَبٌ أَتُجَدِ لُونَنِى فِى
أَسْمَآءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَاؤُكُمْ مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَأَنْتَظِرُواْ إِنَِّ مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ﴿ فَأَنَجَيَّنَهُ
وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَِنَا وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٦٥ -٧٢].
وقال تعالى بعد ذكر قصة نوح في سورة هود: ﴿ وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوَذَّا قَالَ يَقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ
ا يَقَوْمِ لَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًّاً إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى الَّذِى فَطَرَبِنْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ
إِلَهٍ غَيْرُهُ، إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ
وَيَقَوْمِ اُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا نَنَوَلَوَأ
مُجْرِمِينَ ﴿ قَالُواْيَهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيِّ ◌َالِهَئِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِعُؤْمِنِينَ () إِن نَّقُولُ إِلَّا
اعْتَرَنَكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوْءٍ قَالَ إِنِّ أُشْهِدُ اللَّهَ وَأَشْهَدُوْ اْأَنِ بَرِىٌّ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٨) مِن دُونٍِّ، فَكِيدُونِ جَمِيعًا ثُمَّلَا نُظِرُونِ (@) إِ
تَوَكَلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِ وَرَبِّكُمْ مَّا مِن دَآبَةٍ إِلَّا هُوَ ءَ اخِذٌ بِنَاصِيَتِهَاْ إِنَّ رَبِ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِ ﴿ فَإِن تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْشُكُرُ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ.
إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّ قَوْمًا غَرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفِيَظُ لْ) وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَّيْنَا هُودًا وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ
بِرَحْمَةٍ مِنَا وَغَيِّنَهُ مِنْ عَذَابٍ غَلِظٍ (٥١) وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِئَايَتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَأَتَّبَعُواْأَفَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٢) وَأَتْبِعُواْ فِى
﴾ [ هود: ٥٠ - ٦٠] . وقال تعالى في
هَذِهِ الدُّنْيَا لَغْنَهُ وَيَوْمَ الْقِيَمَةُ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَتَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ الثـ
سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ بعد قصة قوم نوح: ﴿ قُرَّأَنَشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنَاءَاخَرِينَ (٤) فَرْسَلْنَا فِهِمْ رَسُولَا مِنْهُمْأَنِ أَعْبُدُواْ
جَ وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِقَآءِ الْآَخِرَةِ وَأَثْرَفْنَهُمْ فِىِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا مَا هَذَآ
اَللَّهَ مَا لَكُ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، أَفَلاَ نَنَّقُونَ
إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْ كُلُّ مِمَّا تَأْ كُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٦) وَلَيْنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذَا لَّخَسِرُونَ {يَ أَيَعِدُّكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا
(١) في تاريخ الطبري (٢١٦/١): صدَّاء، وصمود، والهباء . وفي إحدى النسخ المخطوطة : الهناء .

١٨٥
قصة هود عليه السلام
◌َ إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَانُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ
هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ
٣٥
مِتُمْ وَكُنْتُمْ تُرَبًا وَعِظَمَا أَنَّكُرْ تُخْرَجُونَ
جَ قَالَ رَبِّ أَنصُرْنِىِ بِمَا كَذَّبُونِ (٢) قَالَ عَمَّا قَلِلٍ
بِمَبْعُوثِينَ الْجَ إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلُّ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُمُ بِمُؤْمِنِينَ
◌َّصْبِحُنَّ نَدِمِينَ ﴿ فَأَخَذَتَهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَهُمْ ثُتَاءُ فَبُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَِّمِينَ﴾ [المؤمنون: ٣١ -٤١]. وقال
) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوُهُمْ هُوَُّ أَلَا نَتَّقُونَ (بَ) إِّ لَكُ
تعالى في سورة الشعراء بعد قصة نوح أيضاً: ﴿ كَذَّبَتْ عَادُ الْمُرْسَلِينَ لَـ
﴿ وَمَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٌّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴿ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيع ◌َايَةً
فَأَنَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
١٢
رَسُولْ أَمِينٌ !
تَعْبَثُونَ(٢٤) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ () وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٢) فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴿ وَأَتَّقُواْ الَّذِىّ أَمَذَّكُمْ
بمَا تَعْلَمُونَ
قَالُواْ سَوَآءُ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ
٣
إِنِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
أَمَدَّكُ بِأَنْعَمٍ وَبَنِينَ (١٥] وَحَتَتٍ وَعُيُونٍ ◌َ
لَمْ تَكُن مِّنَ الْوَاعِظِينَ
فَ إِنْ هَذَآ إِلَّا خُلُقُ آلْأَوَّلِينَ (٢٦) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (
◌َ فَكَذَّبُوُهُ فَأَهْلَكْنَهُمْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم
مُؤْمِنِينَ ﴿َ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [ الشعراء: ١٢٣ - ١٤٠].
وقال تعالى في سورة حَم السجدة: ﴿ فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُواْ فِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةٌ أَوَلَ
يَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُواْ بِثَايَئِنَا يَجْحَدُونَ (﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِيَّ أَيَّامِ نَحِسَاتٍ
لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْىِ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْرَى وَهُمْ لَا يُصَرُونَ﴾ [ فصلت: ١٥ - ١٦] وقال تعالى في
سورة الأحقاف: ﴿﴿ وَأَذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقُّدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ: أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ اللَّهَ
ـلَ قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ ءَالِنَا فَأَئِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ (١) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ
إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ !
افَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَنِهِمْ قَالُواْ هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ
عِندَ اللَّهِ وَأَبْلِّفُكُم مَّ أُزْسِلْتُ بِهِ، وَلَكِنِىّ أَرَكُمْ قَوْمًا تَّجْهَلُونَ [®
هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهٌِ رِيٌ فِيَهَا عَذَابٌ أَلِيمُ (١) تُدَمِرُ كُلَّ شَىْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُواْ لَا يُرَىَ إِلَّا مَسَكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِى الْقَوْمَ
اُلْمُجْرِمِينَ﴾ [الأحقاف: ٢١ -٢٥] وقال تعالى في الذاريات: ﴿وَفِ عَادٍ إِذْأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الْرِيحَ الْعَقِيمَ (١) مَا نَذَرُ مِن شَىْءٍ
أَنَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّهِمِ﴾ [الذاريات: ٤١ - ٤٢] وقال تعالى في النجم: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُوْلَى ◌ِ} وَثَمُودَا فَآَ
أَنْقَى: ﴿ وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلٌّ إِنَّهُمْ كَانُواْ هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (9) وَالْمُؤْنَفِكَةَ أَهْوَى ﴾ [ النجم: ٥٠ - ٥٣] وقال تعالى في سورة
﴿ إِنَّ أَرْسَلْنَا عَيْهِمْ رِيِحَا صَرْصَرًا فِ يَوْمِ نَخْسِ مُسْتَمِّرِ (١٨) تَرِعُ النَّاسَ كَنَهُمْ
اقتربت : ﴿ كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِ وَنُذُرِ (
أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنْقَعِرٍ ﴿َ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُّذُرِ ﴿ وَلَقَدْ يَسَرْنَا الْقُرْءَانَ لِذِكْرِ فَهَلْ مِن مُّذَّكِرٍ﴾ [ القمر: ١٨ - ٢٢] وقال في
الحاقة: ﴿ وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيجِ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ﴿َ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومَّاً فَتَرَى الْقَوْمَ فِهَا
صَرْعَى كَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ﴿ فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنَّ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦ - ٨] وقال في سورة الفجر: ﴿أَلَمَّتَ كَيْفَ
فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ﴿ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ﴿ الَّتِى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِىِ الْبِلَدِ ﴿ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُواْ الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٥) وَفِرْعَوْنَ ذِى الْأَوْنَاءِ
٢٠
الَّذِينَ طَغَوْاْ فِى الْبِلَدِ نَ فَأَكْثَرُواْ فِيهَا الْفَسَادَ () فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ( إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾ [الفجر: ٦ -١٤].
وقد تكلَّمنا على كلٍّ من هذه القصص في أماكنها من كتابنا التفسير ، ولله الحمد والمنة .
وقد جرى ذكر عاد في سورة براءة ، وإبراهيم ، والفرقان ، والعنكبوت ، وفي سورة ( ص ) ، وفي
سورة ( ق ) ، ولنذكر مضمون القِصَّة مجموعاً من هذه السياقات ، مع ما يُضاف إلى ذلك من الأخبار.

١٨٦
قصة هود عليه السلام
وقد قدَّمنا أنهم أوَّل الأمم عبدوا الأصنامَ بعد الطُّوفان، وذلك بَيِّنٌّ في قوله لهم: ﴿ وَاذْكُرُواْ إِذْ
جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِى الْخَلْقِ بَصْعَةٌ﴾ [ الأعراف: ٦٩]. أي: جعلهم أشدَّ أهل زمانهم في
الخلقة والشِّدَّة والبطش. وقال في المؤمنون: ﴿قُرَّأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِ هِمْ قَرْنَاءَ اخَرِينَ﴾ [ المؤمنون: ٣١] وهم قوم هود
على الصحيح .
وزعم آخرون أنهم ثمود لقوله : ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَهُمْ غُشَآءً ﴾ [ المؤمنون: ٤١ ] قالوا :
وقوم صالح هم الذين أهلكوا بالصَّيْحة ﴿ وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيجِ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ﴾ [ الحاقة: ٦] وهذا الذي
قالوه لا يمنعُ من اجتماع الصَّيْحة والرِّيح العاتية عليهم ، كما سيأتي في قصَّة أهل مَدْين أصحاب الأيكة ،
فإنَّه اجتمعَ عليهم أنواعٌ من العقوبات ، ثم لا خلافَ أن عاداً قبلَ ثمود .
والمقصودُ أنَّ عاداً كانوا عَرباً جُفاةً كافرين ، عُناةً متمردين في عبادة الأصنام ، فأرسلَ الله فيهم رجلاً
منهم يدعوهم إلى الله، وإلى إفراده بالعبادة والإخلاص له ، فكذَّبوه وخالفوه وتنقَّصوه ، فأخذهم اللهُ أخذَ
عزيز مقتدر ، فلما أمرهم بعبادة الله ورغَّبهم في طاعته واستغفاره ، ووعدَهم على ذلك خيرَ الدنيا والآخرة
وتوغَّدهم على مخالفة ذلك عقوبةَ الدنيا والآخرة: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ: إِنَّا لَنَرَنِكَ فِ
سَفَاهَةٍ ﴾ [ الأعراف: ٦٦] أي: هذا الأمرُ الذي تدعونا إليه سَفهٌ بالنسبة إلى ما نحن عليه من عبادة هذه
الأصنام التي يُرتجى منها النصرُ والرزقُ ، ومع هذا نظنُّ أنَّكَ تكذبُ في دعواكَ أنَّ الله أرسلكَ :
﴿ قَالَ يَقَوْمِ لَيْسَ بِى سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّى رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الأعراف: ٦٧] أي: ليس الأمرُ كما تظنون
ولا ما تعتقدون ﴿أُتْلِّغُكُمْ رِسَلَتِ رَبِّ وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِعُ أَمِينٌ ﴾ [الأعراف: ٦٨] والبلاغُ يستلزمُ عدمَ الكذب في
أصل المُبلِّغ ، وعدم الزيادة فيه والنقص منه ، ويستلزمُ إبلاغه بعبارة فصيحة وجيزة جامعةٍ مانعة ، لا لَيْسَ
فيها ولا اختلافَ ولا اضطرابَ، وهو مع هذا البلاغ على هذه الصفة في غاية النُّصْح لقومه والشفقة
عليهم ، والحرص على هدايتهم ، لا يبتغي منهم أجْراً ولا يطلب منهم جُعْلاً ، بل هو مخلصٌ لله عزَّ وجلَّ
في الدعوة إليه والنصح لخلقه ، لا يطلبُ أجرَه إلا من الذي أرسَلَه ، فإنَّ خير الدنيا والآخرة كله في يديه
وأمره إليه ، ولهذا قال: ﴿ يَقَوْمِ لَآ أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى الَّذِى فَطَرَبِّ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [ هود: ٥١]
أي : ألكم عقل تُميِّزونَ به وتفهمونَ أني أدعوكم إلى الحقِّ المبين الذي تشهد به فِطَرُكم التي خُلقتم عليها
وهو دينُ الحقِّ الذي بعثَ الله به نوحاً ، وأهلكَ من خالفَه من الخلق ، وها أنا أدعوكُم إليه ، ولا أسألُكم
أجراً عليه ، بل أبتغي ذلك عند الله مالكِ الضُّرِّ والنَّفْع، ولهذا قال مؤمنُ يس ﴿أَنَّبِعُواْ مَن لَّا يَسْتَلُكُمْ أَخْرً
وَهُمْ مُهْتَدُونَ (بَ، وَمَا لَِ لَآَ أَعْبُدُ الَّذِى فَطَرَبِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [ يس: ٢١ - ٢٢] وقال قوم هود له فيما قالوا :
يَنَهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيْنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيّ ◌َالِهَئِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٢) إِن نَّقُولُ إِلَّا أَعْتَرَنِكَ بَعْضُ
ءَالِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [ هود: ٥٣ -٥٤ ] يقولون: ما جئتنا بخارقٍ يشهدُ لك بصدقِ ما جئت به وما نحن بالذين نتركُ
عبادةَ أصنامنا عن مجرد قولك بلا دليل أقمتَه ولا برهان نصبتَه ، وما نظنُ إلا أنَّكَ مجنون فيما تزعمُه ،

١٨٧
قصة هود عليه السلام
وعندنا إنما أصابَك هذا أنَّ بعضَ آلهتنا غضبَ عليك فأصابك في عَقْلك فاعتراكَ جنونٌ بسبب ذلك ، وهو
قولهم : ﴿إِن نَّقُولُ إِلَّا أَعْتَرَكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوَءٍ قَالَ إِنَّ أُشْهِدُ اللَّهَ وَأَشْهَدُوَأْ أَنِى بَرِىٌّ مِمَّا تُشْرِكُونٌّ (٩) مِن دُونٍِّ، فَكِدُونِ
جَمِيعًا ثُمَّ لَا نُظِرُونِ﴾ [ هود: ٥٤ _ ٥٥] وهذا تحدّ منه لهم وتبرّؤ من آلهتم وتنقُّص منه لها ، وبيان أنها لا تنفعُ
شيئاً ولا تضرُّ، وإنها جمادٌ حكمُها حكمُه وفعلُها فعله ، فإن كانت كما تزعمون من أنها تنصر وتنفع
وتضرُّ ، فها أنا بريء منها لا عنٌ لها فكيدوني ثم لا تنظرون . أنتم وهي جميعاً بجميع ما يُمكنكم أن
تصلوا إليه وتقدروا عليه ، ولا تُؤْخِّروني ساعةً واحدةً ولا طَرْفة عين ، فإني لا أُبالي بكم ولا أُفكِّرُ فيكم
ولا أنظر إليكم ﴿ إِنَّى تَوَكَلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِ وَرَبِّكُ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّ هُوَ ءَاخِذٌ بِنَاصِيَنْهَاْ إِنَّ رَبِ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيٍ﴾ [ هود :
٥٦] أي : أنا متوكّلٌ على الله ومتأيِّدٌ به ، وواثق بجنابه الذي لا يضيعُ من لاذَ به واستندَ إليه ، فلستُ أبالي
مخلوقاً سواه ، ولستُ أتوَّل إلَّ عليه ، ولا أعبدُ إلَّ إياه .
وهذا وحدهُ برهانٌ قاطعٌ على أن هوداً عبدَ الله ورسوله ، وأنهم على جهل وضلال في عبادتِهم غير
الله ، لأنهم لم يصلوا إليه بسوء ولا نالوا منه مكروهاً ، فدلَّ على صدقه فيما جاءهم به وبطلان ما هم عليه
وفساد ما ذهبوا إليه .
وهذا الدليل بعينه قد استدلَّ به نوحٌ عليه السلام قبله في قوله: ﴿يَقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى
بِشَايَتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجِعُواْ أَقْرَكُمْ وَشُرَّكَآءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ أَقْضُوْاْ إِلَىَّ وَلَا نُظِرُونِ ﴾
[ يونس ٧١ ] .
وهكذا قال الخليلُ عليه السلام: ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ: إِلَّ أَنْ يَشَآءَ رَبِ شَيْئاً وَسِعَ رَبِ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًّاً
◌َوَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِلَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا
أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ
فَأَىُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِآلْأَمَّنِّ إِن كُنُمْ تَعْلَمُونَ (١) الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ إِيَمَنَهُم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُ الْأَمْنُّ وَهُمْ نُهْتَدُونَ
٨٢
وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَهَا إِبْرَهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ، نَرْفَعُ دَرَجَتٍ مَّن نَّشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [ الأنعام: ٨٠ -٨٣].
وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ وَأَثْرَفْنَهُمْ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا مَا هَذَآ إِلَّا بَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ
مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ﴿ وَلَيِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذَا لَّخَسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣ -٣٤] استبعدوا أن يبعثَ
الله رسولاً بشرياً، وهذه الشبهةُ أدلى بها كثيرٌ من جهلة الكفرة قديماً وحديثاً، كما قال تعالى: ﴿أَكَانَ
لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَاً إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنَذِرِ النَّاسَ﴾ [ يونس: ٢] وقال تعالى: ﴿ وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَآءَ هُ
اَلْهُدَىّ إِلَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٦) قُل لَّوْ كَانَ فِى الْأَرْضِ مَلَبِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَبِنِينَ لَنَزَّْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ
السَّمَآءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤ -٩٥] ولهذا قال لهم هود عليه السلام: ﴿ أَوَ عَمْتُمْ أَنْ جَاءَ كُمْ ذِكْرٌ مِن
زَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ﴾ [ الأعراف: ٦٣] أي: ليس هذا بعجيب فإن الله أعلمُ حيث يجعلُ رسالاته (١) ،
(١) كذا في الأصل ، وفي المطبوع رسالته .

١٨٨
قصة هود عليه السلام
جَ إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَانًا
هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ إ
٣٥
وقوله ﴿ أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُمْ وَكُمْ نُرَبًا وَعِظَمَا أَنَّكُرْ تُخْرَجُونَ (
الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٦) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلُّ أَفْتَرَى عَلَى الَّهِ كَذِّبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ ﴿ قَالَ رَبِّ انْصُرْنِ ﴾
[ المؤمنون: ٣٥ - ٣٩]. استبعدوا المعاد وأنكروا قيامَ الأجساد بعد صيرورتها تراباً وعظاماً، وقالوا: هيهات
هيهات: أي : بعيدٌ بعيدٌ هذا الوعد، ﴿ إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَانُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوْثِينَ﴾ [ المؤمنون: ٣٧]
أي : يموت قومٌ ويحيى آخرون ، وهذا هو اعتقاد الدهرية كما يقول بعضُ الجهلة من الزنادقة : أرحامٌ
تدفعُ وأرضٌ تبلغُ .
وأما الدَّورية فهم الذين يعتقدون أنهم يعودونَ إلى هذه الدار بعد كلِّ ستة وثلاثين ألف سنة ، وهذا كلُّه
كذب وكفر وجَهْل وضلال ، وأقوال باطلة ، وخيال فاسد بلا برهان ولا دليل ، يستميل عقل الفجرة
الكفرة من بني آدم، الذين لا يعقلون ولا يهتدون، كما قال تعالى: ﴿ وَلِنَصْغَّىَ إِلَيْهِ أَفْعِدَةُ الَّذِينَ لَا
يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرَضَوْهُ وَلِيَقْتِفُواْ مَا هُم مُقْتِفُونَ﴾ [ الأنعام: ١١٣] وقال لهم فيما وعظهم به :
أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيع ◌َايَةً تَغْبَئُونَ(٤) وَتَتَّخِذُونَ مَصَائِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ﴾ [ الشعراء: ١٢٨ -١٢٩ ] يقول لهم: أتبنون بكلِّ
مكان مرتفع بناءً عظيماً هائلاً كالقصور ونحوها ، تعبثون ببنائها ، لأنه لا حاجةَ لكم فيه ، وما ذاكَ إلا
لأنهم كانوا يسكنون الخيامَ، كما قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ﴿ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ﴿ اَلَتِ لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا
فِ اَلْبِلَدِ﴾ [النجر ٦ -٨] فعادُ إرم همُ(١) عادٌ الأولى، الذين كانوا يسكنون الأعمدة التي تحملُ الخيام.
ومَنْ زعم أن إرم مدينة من ذهب وفِضَّة ، وهي تنتقل في البلاد ، فقد غلطَ وأخطأ ، وقال ما لا دليلَ
عليه ، وقوله : ﴿ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾ [ الشعراء: ١٢٩ ] قيل: هي القصور. وقيل: بروج الحمام. وقيل:
مآخذ الحمام ﴿ لَعَلَّكُمْ تَخْلُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٩] أي: رجاءً منكم أن تُعمَّروا في هذه الدار أعماراً طويلة
◌َ وَتَّقُواْ الَّذِىّ أَمَذَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ ﴿ أَمَذَّكُ بِأَنْعَمٍ وَبِنَ ﴿ وَحَنَّاتٍ
﴿ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ﴿ فَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
وَعُيُونٍ ﴿ إِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [ الشعراء: ١٣٠ - ١٣٥] وقالوا له مما قالوا: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللّهَ
وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأَنْنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾ [الأعراف: ٧٠] أي: أجِبْتنا لنعبدَ
الله وحدَه ونخالفَ آباءَنا وأسلافنا وما كانوا عليه ، فإن كنتَ صادقاً فيما جئتَ به فأتنا بما تَعدُنا من العذاب
والنَّكال ، فإنَّا لا نُؤْمنُ بك ولا نتبعكَ ولا نُصدِّقك، كما قالوا ﴿سَوَآءُ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِّنَ الْوَعِظِينَ
إِنْ هَذَآَ إِلَّا خُلُقُ آلْأَ وَّلِينَ ﴿ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [ الشعراء: ١٣٦ - ١٣٨ ] إمَّا على قراءة فتح الخاء ، فالمراد به اختلاق
الأولين ، أي : إن هذا الذي جئتَ به إلا اختلاقُ منك وأخذتَه من كتب الأوَّلين . هكذا فسَّره غير واحد من
الصحابة والتابعين . وإمَّا على قراءة الخاء واللام ، فالمراد به الدِّين ، أي : إن هذا الدِّين الذي نحن عليه
إلا دين الآباء والأجداد من أسلافنا ، ولن نتحوَّلَ عنه، ولا نتغيَّرَ ، ولا نزالُ مُتمسّكين به . ويُناسب كلا
القراءتين الأولى والثانية قولهم: ﴿ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨] قال: ﴿قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّيَّكُمْ
(١) في أ : هو .

١٨٩
قصة هود عليه السلام
رِجْسُ وَغَضَبُّ أَتُجَدِلُونَنِ فِى أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَآؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَأَنَظِرُوّاْ إِ مَعَكُمْ
يِّنَ الْمُتَظِرِينَ﴾ [الأعراف: ٧١] أي: قد استحققتمُ(١) بهذه المقالة الرجسَ والغضبَ من الله ، أتعارضون
عبادةَ الله وحدَه لا شريكَ له بعبادة أصنام أنتم نحتُموها وسمَّيتمُوها آلهةً من تلقاء أنفسكم، اصطلحتم عليها
أنتم وآباؤكم ، ما نزَّل الله بها من سلطان، أي : لم يُنْزلْ على ما ذهبتم إليه دليلاً ولا بُرهاناً ، وإذا أبيتم
قَبُولَ الحقِّ وتمادَيتم في الباطل ، وسواء عليكم أنهيتكم عما أنتم فيه أم لا فانتظروا الآن عذابَ الله الواقع
بكم، وبأسه الذي لا يُردُّ، ونَكَاله الذي لا يُصدّ ، وقال تعالى: ﴿ قَالَ رَبٍ أَنْصُرْنِ بِمَا كَذَّبُونِ (﴿ قَالَ عَمَّا
قَلِيلٍ لَّصْبِحُنَّ نَدِمِينَ ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَهُمْ ◌ُتَاءُ فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٩-٤١] وقال
ـَ قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَأَيْلِفُكُم مَّا
تعالى: ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ ءَالِتِّنَا فَأَنْنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ
أُرْسِلْتُ بِهِ، وَلَكِنِّ أَرَّكُمْ قَوْمَا تَجْهَلُونَ (٣) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَنِمْ قَالُواْ هَذَا عَارِضُ مُخْطِرُنَا بَلَ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهٌِ
رِيْعٌ فِيَهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٩) تُدَمِّرُ كُلّ شَىْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُواْ لَا يُرَىّ إِلَّا مَسَكُِّهُمْ كَذَلِكَ نَجْرِى الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [ الأحقاف:
٢٢ - ٢٥] وقد ذكرَ الله تعالى خبرَ إهلاكهم في غير ما آية، كما تقدَّم مجملاً ومفضَّلاً، كقوله: ﴿فَأَنَّنَهُ
وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَتِنَّا وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٧٢] وكقوله: ﴿ وَلَمَّا
◌َآءَ أَمْرُنَا نَجَيْنَا هُودًا وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَا وَنَجَيْنَهُ مِّنْ عَذَابٍ غَلِظٍ (١٥) وَتِلْكَ عَادٌّ جَحَدُواْ بِثَايَتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ.
وَتَّبَعُواْ أَفَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٢) وَأُتْبِعُواْ فِ هَذِهِ الدُّنْيَا لَغْنَةُ وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَهُمْ أَلَا بُعْدًّا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ ﴾ [ هود:
٥٨ - ٦٠]. وكقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَهُمْ ثُتَاءُ فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظََّلِمِينَ﴾ [ المؤمنون: ٤١] وقال
تعالى: ﴿فَكَذَّبُهُ فَأَهْلَكْنَهُمْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٦) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [ الشعراء: ١٣٩ -
١٤٠ ] .
وأما تفصيل إهلاكهم، فكما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَنِهِمْ قَالُواْ هَذَا عَارِضُ مُخْطِرُناً بَلَ هُوَ مَا
اُسْتَعْجَلْتُم بِهِّ رِيٌ فِيَهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤] كان هذا أول ما ابتدأهم العذاب أنهم كانوا ممحلين
مسنتين(٢)، فطلبوا السُّقيا، فرأوا عارضا٣ً) في السماء وظنُّوه سقيا رحمة، فإذا هو سقيا عذاب ، ولهذا
قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا أُسْتَعْجَلْتُم بِهٌِ﴾ [الأحقاف: ٢٤] أي: من وقوع العذاب، وهو قولهم: ﴿فَأَئِنَابِمَا
تَعِدُنَا إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾ [ الأحقاف: ٢٢] ومثلها في الأعراف .
وقد ذكرَ المفسرون وغيرُهم هاهنا الخبرَ الذي ذكره الإمام محمد بن إسحاق بن يسار ، قال : فلما
أبوا إلا الكفرَ بالله عزَّ وجلَّ أمسكَ عنهم القَطْر(٤) ثلاثَ سنين ، حتى جَهدَهم ذلك، قال: وكانَ النَّاسُ إذا
(١) في أ : استحقيتم .
(٢) ممحلين مسنتين : أصابهم الجدب والقحط .
(٣) عارضاً : سحاباً .
(٤) كذا في الأصل ، وفي المطبوع : المطر .

١٩٠
قصة هود عليه السلام
جَهَدهم أمرٌ في ذلك الزمان ، فطلبوا من الله الفرجَ منه، إنما يطلبونَه بحرمِهِ ومكانٍ بيته ، وكان معروفاً عند
أهل ذلك الزمان ، وبه العماليق مقيمون ، وهم من سلالة عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح ، وكانَ سيدهم
إذ ذاك رجلاً يُقال له معاوية بن بَكْر ، وكانت أمُّه من قوم عاد ، واسمها جلهدة ابنة الخيبري . قال : فبعثَ
عادٌ وفداً قريباً من سبعينَ رجلاً ليستسقوا لهم عند الحرم ، فمَرُوا بمعاوية بن بكر بظاهر مكَّة ، فنزلوا
عليه ، فأقاموا عنده شهراً يشربون الخمرَ ، وتُغنيهم الجرَادَتان - قَيْنتان لمعاوية - وكانوا قد وصلوا إليه في
شهر . فلمَّا طالَ مقامُهم عندَه وأخذته شفقةٌ على قومِه ، واستحيا منهم أن يأمرهم بالانصراف ، عمِلَ
شعراً، فعرَّضَ(١) لهم بالانصراف ، وأمرَ القينتين أن تغنِّيهم به ، فقال: [ من الوافر ]
لعلّ الله يُصبحنا غَماما٢)
ألا یا قِيلُ ویحك قِمْ فَهَيْنمْ
قد امسوا لا يُبْيُنُونَ الكَلاما
فيسقي أرضَ عادٍ إنَّ عَادا
به الشيخَ الكبيرَ ولا الغُلاما
مِن العَطَشِ الشديدِ فليسَ نرجو
فقد أمستْ نساؤهمُ عَيامَى(٣)
وقد كانتْ نساؤُهمُ بخيرٍ
ولا يخشى لعاديٍّ سهاما
وإنَّ الوحشَ تأتيهم جهاراً
نهارَكُمُ وليلَكُمُ التماما
وأنتم هاهنا فيما اشتهيتم
ولا لقُّوا التَّحيّةَ والسَّلاما
فقُبِّحَ وفدُکم من وَفْدٍ قومٍ
قال : فعندَ ذلكَ تنَّه القومُ لما جاؤوا له ، فنَهضوا إلى الحرَم ودَعَوا لقومِهم ، فدعا داعيهم ، وهو
قيْل بن عتر ، فأنشأ الله سحاباتٍ ثلاثاً : بيضاء ، وحمراء ، وسوداء ، ثم ناداه مُنادٍ من السماء : اختر
لنفسك ولقومِك من هذا السحاب . فقال : اخترتُ السَّحابة السَّوْداءَ ، فإنها أكثرُ السَّحاب ماءً ، فناداه :
اخترتَ رماداً رِمْدداً لا تُبقي من عاد أحداً ، لا والداً تتركُ ولا ولداً، إلا جعلته هَمِداً ، إلا بني اللُّوذية
المُهْدَى(٤) . قال: وهو بطنٌ من عادٍ كانوا مقيمينَ بمكَّة ، فلم يُصبهم ما أصابَ قومَهم . قال : ومَنْ بقي
من أنسالهم وأعقابهم هم عاد الآخرة .
قال : وساق الله السَّحابة السَّوداءَ التي اختارها قَيْلُ بن عتر بما فيها من النقمة إلى عاد ، حتى تخرجَ
عليهم من واد يقال له المغيث، فلما رأؤها استبشروا، وقالوا : هذا عارض ممطرنا ، فيقول تعالى : ﴿ بَلْ
هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِّ رِيٌ فِيَهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍ بِأَمْرِرَتِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٤ -٢٥] أي : كل شيءٍ أمرت به.
(١) في المطبوع : فيعرض .
(٢) فهينم : من الهينمة ، وهي الكلام الخفي . وفي تاريخ الطبري : يسقينا غماماً ، وفي المطبوع: يمنحنا .
(٣) كذا في الأصل وتاريخ الطبري ، وفي المطبوع: أياما . وعَيَامى : جمع عيمى، وهي المرأة التي مات عنها زوجها
ولا مال لها .
(٤) في المطبوع : الهمدا .

١٩١
قصة هود عليه السلام
فكان أوَّل من أبصر ما فيها وعرفَ أنها ريحٌ - فيما يذكرون - امرأةٌ من عاد يُقال لها ((قهد )(١) فلما
تبيّنت ما فيها صاحتْ ثم صُعِقَتْ ، فلمَّا أفاقت ، قالوا : ما رأيت يا قهد ؟ قالت: رأيتُ ريحاً فيها كشُهُبِ
النَّارِ أمامَها رجال يَقُودونها ، فسخَّرها الله عليهم سبعَ ليالٍ وثمانيةَ أيَّام حسوماً ، والحسوم : الدائمة . فلم
تدع من عاد أحداً إلا هلكَ .
۔
قال : واعتزلَ هودٌ عليه السلام فيما ذُكر لي في حظيرةٍ هو ومن معه من المؤمنينَ ، ما يُصيبهم إلا
ما يلين عليهم الجلود وتلتذ الأنفسُ ، وإنها لتمرُّ على عاد بالظعن فيما بين السماء والأرض ، وتدمغُهم
بالحجارة ، وذكر تمامَ القصةُ ٢) .
وقد روى الإمام أحمد حديثاً في مسنده يُشبه هذه القِصَّة، فقال(٣): حذَّثنا زيدُ بن الحُبَاب، حدَّثني
أبو المنذر سَلَّمُ بن سُليمان النَّحْوي ، حدَّثنا عاصمُ بن أبي النَّجُود ، عن أبي وائل ، عن الحارث - وهو
ابن حسَّان، ويقال: ابن يزيد البَكْري - قال: خرجتُ أشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله وَّر ،
فمررتُ بالرَّبَذة، فإذا عجوزٌ من بني تميم منقطَعٌ بها، فقالت لي: يا عبد الله! إن لي إلى رسول الله وَّل
حاجةً ، فهل أنت مُبْلغي إليه ؟ قال : فحملتُها ، فأتيتُ المدينةَ، فإذا المسجدُ غاصٌّ بأهلِه ، وإذا رايةٌ
سوداءُ تَخْفقُ، وإذا بلالٌ مُتقلِّدٌ السيفَ بينَ يديْ رسول الله وَلّه، فقلتُ: ما شأنُ الناس؟ قالوا: يُريدُ أن
يبعثَ عمرو بن العاص وَجْهاً . قال : فجلست .
قال : فدخلَ منزله - أو قال: رَحْله - فاستأذنتُ عليه، فأُذنَ لي، فدخلتُ، فسلَّمتُ، فقال: ((هل
كانَ بينكم وبينَ بني تميم شيءٌ؟)) فقلت : نعم، وكانت لنا الدائرة عليهم ، ومررتُ بعجوزٍ من بني تميم
منقطَع بها ، فسألتني أن أحملَها إليكَ، وهاهي بالباب ، فأذن لها فدخلتْ ، فقلت : يا رسول الله ! إن
رأيتَ أن تجعلَ بيننا وبين بني تميم حاجزاً ، فاجعل الدهناء ، فإنَّها كانت لنا . قال : فحميتِ العجوزُ
واستوفزتْ ، وقالت : يا رسول الله ! فإلى أين تضطر مضرك ؟ قال : فقلتُ : إن مثلي ما قال الأول :
مِعْزى حملتْ حتفَها ، حملتُ هذه الأمّة ولا أشعرُ أنها كانت لي خصماً ، أعوذُ بالله ورسوله أن أكونَ كوافد
عادٍ. قال: ((هيه، وما وافدُ عاد؟ )) وهو أعلم بالحديث مني ، ولكن يستطعمه.
قلت : إن عاداً قُحطوا فبعثوا وفداً لهم يُقال له : قَيْل ، فمرَّ بمعاوية بن بكر ، فأقام عندَه شهراً يَسقيه
الخمرَ ، وتُغنِِّه جاريتان يُقال لهما : الجرادتان ، فلما مضى الشهرُ خرجَ إلى جبال تِهامةٌ(٤) ، فقال :
اللَّهمَّ إِنَّك تعلمُ أَنِّي لم أجىء إلى مريض فأداويه ، ولا إلى أسير فأفاديه ، اللهم اسقِ عاداً ما كنتَ تسقيه ،
(١) في تاريخ الطبري : مَهْدد .
(٢) انظر القصة في تاريخ الطبري كاملة (٢١٩/١ - ٢٢٢).
(٣) في المسند (٤٨٢/٣).
(٤) في الأصل : إلى جبال مهرة ، وأثبت ما في المسند .

١٩٢
قصة هود عليه السلام
فمرَّتْ به سحاباتٌ سُودٌ ، فنُودي منها : اخترْ . فأومأ إلى سحابةٍ منها سوداءَ ، فنُودي منها : خذها رماداً
رَمْدداً ، لا تُبقي من عادٍ أحداً . قال : فما بلغني أنه بُعث عليهم من الرِّيح إلا كَقَدْر ما يَجري في خَاتمي
هذا من الرِّيح حتَّى هلكُوا . قال أبو وائل : وصدق ، وكانت المرأة والرجل إذا بعثوا وافداً لهم قالوا :
لا تكن كوافد(١) عاد .
وهكذا رواه الترمذي(٢): عن عبد بن حميد، عن زيد بن الحُباب به. ورواه النسائي(٣): من حديث
سلاَّم أبي المنذر ، عن عاصم بن بَهْدلة ، ومن طريقه رواه ابن ماجه .
وهكذا أوردَ هذا الحديثَ وهذه القِصَّة عند تفسير هذه القصة غيرُ واحد من المُفسِّرين : كابن جرير *
وغيره .
وقد يكونُ هذا السّياق لإهلاك عاد الآخرة ، فإن فيما ذكرَه ابنُ إسحاق وغيرُه ذكراً لمَّةَ ، ولم تُبنَ إلا
بعد إبراهيم الخليل حينَ أسكنَ فيها هاجرَ وابنَه إسماعيل ، ونزلت جرهُم عندَهم كما سيأتي ، وعادٌ
الأولى قبلَ الخليل ، وفيه: ذِكر معاوية بن بكر وشعره ، وهو من الشعر المتأخِّر عن زمان عادٍ الأولى ،
لا يُشبه كلامَ المتقدِّمين ، وفيه : أن في تلك السحابة شررَ نارٍ ، وعادٌ الأولى إنما أُهلكوا بريح
صرصر(٥).
وقد قال ابن مسعود وابن عباس وغير واحد من أئمة التابعين : هي الباردةُ والعاتية الشديدة الهبوب :
سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة : ٧] أي : كوامل متتابعات . قيل : كان أولها
الجمعة، وقيل: الأربعاء ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيَهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ﴾ [الحاقة: ٧] شبَّههم بأعجاز
النخل التي لا رؤوس لها ، وذلك لأن الريحَ كانت تجيءُ إلى أحدهم فتحمله فترفعه في الهواء ثم تنكسه
على أم رأسه فتشدخه، فيبقى جثَّةً بلا رأس ، كما قال ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيِحَا صَرْصَرًا فِ يَوْمِ نَخْسِ مُسْتَمِرٍ﴾ [ القمر:
١٩] أي: في يوم نحس عليهم، مستمر عذابه عليهم ﴿تَزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْفَعِرٍ﴾ [ القمر: ٢٠] ومن
قال : إن اليوم النحس المستمر هو يوم الأربعاء وتشاءم به فهذا إليهم(٦) ، فقد أخطأ وخالفَ القرآن فإنه قال
في الآية الأخرى ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيِهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِيِّ أَيَّامِ نَِّسَاتٍ﴾ [ فصلت: ١٦] ومعلوم أنها ثمانية أيام
متتابعات ، فلو كانت نحسات في أنفسها لكانت جميع الأيام السبعة المندرجة في الثمانية مشؤومة ، وهذا
(١) أخرجه أحمد في المسند ( ٣/ ٤٨٢ ) رقم (١٥٨٩٦ ) وهو حديث حسن .
(٢) أخرجه الترمذي (٣٢٧٤) في التفسير وهو حديث حسن .
(٣) أخرجه النسائي في السنن الكبرى (٨٦٠٧) وابن ماجه (٢٨١٦) في الجهاد وهو حديث حسن .
(٤) انظر تفسير ابن جرير الطبري (٧/ ٦٧) والدر المنثور (٤٤٢/٤) وتفسير ابن كثير (٥٥٩/٢).
(٥) الريح الصرصر : هي الريح الباردة الشديدة .
(٦) كذا في الأصل ، وفي المطبوع : لهذا الفهم ، وما يذكر عن التشاؤم بيوم الأربعاء ، فهو غير صحيح .

١٩٣
قصة هود عليه السلام
لا يقولُه أحدٌ، وإنما المراد في أيام نحسات، أي: عليهم. وقال تعالى: ﴿وَفِ عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَهِمُ الْرِيحَ
الْعَقِيمَ﴾ [ الذاريات: ٤١] أي: التي لا تنتج خيراً، فإن الريحَ المفردة لا تثير سحاباً ولا تلقح شجراً ، بل
هي عقيم لا نتيجةَ خيرٍ لها، ولهذا قال: ﴿ مَا نَذَرُ مِن شَىْءٍ أَنَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَِّيمِ ﴾ [الذاريات: ٤٢] أي:
كالشيء البالي الفاني ، الذي لا يُنتفع به بالكلية .
وقد ثبتَ في الصحيحين : من حديث شعبة ، عن الحكم ، عن مجاهد عن ابن عباس ، عن
رسول الله صَلّ؛ أنه قال: ((نُصِرْتُ بالصَّبا، وأُهلكتْ عادٌ بالدَّبُور)»(١)
وأما قوله تعالى: ﴿﴿ وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَ نْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ: أَلَّا تَعْبُدُوَأْ إِلَّا
اَلَّهَ إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ [الأحقاف: ٢١] فالظاهرُ أنَّ عاداً هذه هي عادٌ الأولى، فإنَّ سياقَها شبيهٌ
بسياق قوم هود وهم الأولى ، ويحتمل أن يكونَ المذكورون في هذه القصة هم عاد الثانية ، ويدلُّ عليه
ما ذكرنا ، وما سيأتي من الحديث(٢) عن عائشة رضي الله عنها. وأما قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ
أَوْدِيَنِهِمْ قَالُواْ هَذَا عَرِضُ مُخْطِرُنَا﴾ [ الأحقاف: ٢٤] فإن عاداً لما رأوا هذا العارض وهو الناشىء في الجوِّ
كالسحاب ظنُّوه سحابَ مطرٍ ، فإذا هو سحابُ عذابِ اعتقدوه رحمةً ، فإذا هو نقمةٌ ، رجوا فيه الخير ،
فنالوا منه غايةَ الشر، قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا أُسْتَعْجَلْتُم بِهٌِ﴾ [الأحقاف: ٢٤]. أي: من العذاب ، ثم
فسَّره بقوله: ﴿رِيعُ فِيَهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤] يحتمل أن ذلك العذاب هو ما أصابهم من الريح
الصرصر العاتية الباردة الشديدة الهبوب ، التي استمرت عليهم سبع ليال بأيامها الثمانية ، فلم تُبْق منهم
أحداً ، بل تتبَّعتهم حتى كانت تدخلُ عليهم كهوفَ الجبال والغيران(٣) ، فتلفُّهم وتخرجهم وتهلكهم ،
وتُدمِّر عليهم البيوتَ المحكمة والقصورَ المشيَّدة ، فكما مُنوا بقوتهم وشدتهم ، قالوا : من أشدُّ منا قوة ؟
سلَّط الله عليهم الذي هو أشد منهم قوَّةً وأقدر عليهم ، وهو الريح العقيم .
ويحتمل أن هذه الريح أثارتْ في آخر الأمر سحابةً ظنَّ منْ بقيَ منهم أنها سحابة فيها رحمة بهم ،
وغياث لمن بقيَ منهم ، فأرسلَها الله عليهم شرراً وناراً ، كما ذكره غير واحد ، ويكون هذا كما أصابَ
أصحابَ الظُّلَّة من أهل مدينَ ، وجمع لهم بين الرياح الباردة وعذاب النار ، وهو أشدُّ ما يكون من العذاب
بالأشياء المختلفة المتضادّة ، مع الصيحة التي ذكرها في سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ والله أعلم .
وقد قال ابنُ أبي حاتم : حدَّثنا أبي ، حدَّثنا محمد بن يحيى بن الضريس ، حدَّثنا ابن فضيل ، عن
مسلم، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله وَّل: (( ما فتحَ الله على عادٍ من الريح التي
(١) أخرجه البخاري (١٠٣٥) في الاستسقاء، ومسلم (٩٠٠) في صلاة الاستسقاء.
(٢) انظر حديث عائشة رضي الله عنها في ص ١٩٤ .
(٣) الغيران : المغاور ، جمع مغارة .

١٩٤
قصة هود عليه السلام
أهلكوا بها إلا مثل موضع الخاتم ، فمرَّتْ بأهل البادية فحملتْهم ومواشيَهم وأموالهم بين السماء
والأرض، فلما رأى ذلك أهلُ الحاضرة من عاد الريحَ وما فيها ﴿ قَالُواْ هَذَا عَارِضُ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤]
فألقتْ أهل الباديةِ ومواشيهم على أهل الحاضرة)) .
وقد رواه الطبراني (١) : عن عبدان بن أحمد ، عن إسماعيل بن زكريا الكوفي ، عن أبي مالك ، عن
مسلم الملائي، عن مجاهد وسعيد بن جبير ، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله وَّ: ((ما فتحَ الله
على عادٍ من الريح إلا مثلَ موضع الخاتم ، ثم أرسلتْ عليهم البدوَ إلى الحضَر ، فلما رآها أهلُ الحَضَر ،
قالوا : ﴿ هَذَا عَارِضٌ تُمْطِرُنَا﴾ مستقبل أوديتنا، وكان أهل البوادي فيها ، فألقي أهلُ البادية على أهل
الحاضرة حتى هلكوا)). قال: عَتتْ على خُزَّانها حتى خرجتْ من خِلال الأبواب(٢) . قلت: وقال
غيره : خرجت بغير حساب .
والمقصودُ أن هذا الحديث في رفعه نظرٌ . ثم قد اختلف فيه على مسلم الملائي ، وفيه نوع
اضطراب ، والله أعلم .
وظاهرُ الآية أنهم رأوا عارضاً ، والمفهوم منه لمعة السحاب ، كما دلَّ عليه حديث الحارث بن حسَّان
البكري إن جعلناه مفسراً لهذه القصة .
وأصرحُ منه في ذلك ما رواه مسلم في صحيحه حيث قال: حدَّثنا أبو الطاهر ، حدَّثنا ابنُ وهب ،
سمعتُ ابنَ جريج ، يُحدِّثنا ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : كان رسول الله
رَّة إذا عصفتِ الريحُ قال: ((اللهمَّ إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخيرَ ما أُرسلَتْ به، وأعوذُ بكَ من
شرِّها وشرِّ ما فيها وشرِّ ما أُرسلتْ به))؟ قالت: وإذا عَبَيتِ(٣) السَّماءُ تَغيَّرَ لونُه وخرجَ ودخلَ ، وأقبلَ
وأدبرَ ، فإذا أمطرتْ سُرِّي عنه، فعرفتْ ذلكَ عائشةُ فسألتْه، فقال: ((لعلَّه يا عائشةُ كما قال قوم عاد
فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَنِهِمْ قَالُواْ هَذَا عَرِضٌ تُمْطِرُنَا ﴾ [الأحقاف: ٢٤])(٤)
ورواه التِّرْمذيُّ والنسائيُ وابنُ ماجه(٥) ، من حديث ابن جريج .
(١) وأخرجه الطبراني كما في مجمع الزوائد (٧/ ١١٣) عن ابن عمر وفيه مسلم الملائي ؛ ضعيف ، وفيه : ابن
فضيل ، بعضهم لا يحتج به . انظر المغني في الضعفاء ( ٢/ ٦٢٤ ).
(٢) أخرجه الطبراني (١٢٤١٦) في الكبير، وذكره الهيثمي في المجمع (٧/ ١١٣) وقال: فيه مسلم الملائي ، وهو
ضعيف .
(٣) في صحيح مسلم ( تخيّلت ) أي يخيل إليه أنها ماطرة .
(٤) أخرجه مسلم (٨٩٩) في صلاة الاستسقاء.
(٥) أخرجه الترمذي (٣٤٤٩) في الدعوات . وقال : حديث حسن، والنسائي ( ٩٤٠ ) في عمل اليوم والليلة ،
والبيهقي ( ٣/ ٣٦٠) في السنن الكبرى.

١٩٥
قصة هود عليه السلام
طريق أخرى : قال الإمام أحمد : حدَّثنا هارون بن معروف ، أنبأنا عبد الله بن وهب ، أنبأنا عمرو
- هو ابن الحارث - أن أبا النضر حدَّثه عن سليمان بن يسار ، عن عائشة ؛ أنها قالت : ما رأيتُ رسول الله
مَلّ: مستجمعاً ضاحكاً قطّ حتى أرى منه لهواتِه، إنما كان يَتَبَّسَّمُ. وقالت : كان إذا رأى غيماً أو ريحاً
عُرفَ ذلك في وجهه . قالت : يا رسولَ الله ! الناسُ إذا رأوا الغيمَ فَرِحوا رجاءَ أن يكونَ فَيه المطرُ ،
وأراكَ إذا رأيتَه عُرفَ في وجهكَ الكراهية؟ فقال: (( يا عائشة! ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب ، قد عُذِّبَ
قومُ نوحٍ بالريح، وقد رأى قومٌ العذابَ)) فقالوا: ﴿ هَذَا عَارِضٌ مُخْطِرْنً﴾(١).
فهذا الحديثُ كالصريح في تغاير القِصَّتين كما أشرنا إليه أولًا ، فعلى هذا تكون القِصَّة المذكورة في
سورة الأحقاف خبراً عن قوم عاد الثانية ، وتكون بقيّةُ السياقات في القرآن خبراً عن عادِ الأولى ، والله أعلم
بالصواب .
وهكذا رواه مسلم(٢) عن هارون بن معروف ، وأخرجه البخاري وأبو داود(٣) من حديث ابن وهب .
وقد قدمنا حجَّ هودٍ عليه السلام عند ذكر حجِّ نوح عليه السلام .
ورُوي عن أميرِ المؤمنين عليّ بن أبي طالب أنه ذكرَ صفةً قبر هُودٍ عليه السلام في بلاد اليمن .
وذكرَ آخرون أنه بدمشقَ ، وبجامِعها مكانٌّ في حائطِهِ القِبْليّ يزعمُ بعضُ النَّاس أنَّه قبرُ هودٍ عليه
السلام ، والله أعلم .
(١) أخرجه أحمد في المسند (٦٦/٦) رقم (٢٤٢٥٠).
(٢) أخرجه مسلم ( ٨٩٩) (١٦) في صلاة الاستسقاء.
(٣) أخرجه البخاري ( ٤٨٢٨ و٤٨٢٩) في التفسير ، وأبو داود ( ٥٠٩٨ ) في الأدب.

١٩٦
قصة صالح نبي ثمود
قصّة صالح نبي ثمود عليه السّلام
وهم قبيلة مشهورة يقال [ لهم ]١): ثمود، باسم جدِّهم ثمود أخي جَديس ، وهما ابنا عاثر بن
إرم بن سام بن نوح .
وكانوا عَرباً من العاربة يسكنونَ الحِجْرَ الذي بينَ الحجاز وتبوك. وقد مرَّ به رسولُ الله ◌َ لل وهو ذاهبٌ
إلى تبوك بمن معه من المسلمين كما سيأتي بيانه ، وكانوا بعدَ قوم عاد ، وكانوا يعبدون الأصنامَ كأولئك .
فبعثَ الله فيهم رجلاً منهم ، وهو عبدُ الله ورسولُه صالحُ بن عُبدٍ بن مَاشِخ بن عُبيد بن حاجِر بن
ثمود بن عاثر بن إرمَ بن سام بن نوح ، فدعاهم إلى عبادة الله وحدَه لا شريكَ له ، وأن يخلعُوا الأصنامَ
والأندادَ ولا يُشركوا به شيئاً ، فآمنتْ به طائفةٌ منهم ، وكفرَ جمهورُهم ، ونالوا منه بالمقال والفِعال ،
وهَمُّوا بقتله، وقَتَلُوا النَّاقة التي جعلها اللهُ حجَّةً عليهم ، فأخذَهم الله أخذَ عزيزٍ مُقْتدر ، كما قال تعالى في
سورة الأعراف :
﴿﴿ وَإِلَى تَمُودَأَخَاهُمْ صَلِحَأَ قَالَ يَقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَالَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرَةٍ قَدْ جَآءَنْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمُّ
هَذِهِ، نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ ءَايَةٌ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُوهَا بِسُوَّءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (®) وَاذْكُرُواْ إِذْ
جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِى الْأَرْضِ تَنَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَنَنْحِنُونَ الْجِبَالَ بُوتًا فَأَذْكُرُواْ
ءَالَآءَ اللَّهِ وَلَا نَعْثَوْاْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِنْ قَوْمِهِ، لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ ءَامَنَ
مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَ صَلِحًا مُرْسَلٌ مِّن زَيٍِّّ، قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ، مُؤْمِنُونَ (٢) قَالَ الَّذِينَ أَسْتَكْبَرُوْاْ إِنَّا
بِالَّذِىّ ءَامَنتُم بِهِ، كَفِرُونَ (٣) فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْيِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَصَلِحُ أَثْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنْتَ مِنَ
﴿ فَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِ
فَأَخَذَتْهُمُ الرَّحْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَثِمِينَ
VV
اُلْمُرْسَلِينَ
وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لَّا تُحِبُّونَ النَّصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٧٣ -٧٩].
وقال تعالى في سورة هود: ﴿﴿ وَإِلَى تَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحًاً قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرٌّمُ هُوَ أَنشَأَكُم
قَالُواْ يَصَلِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَنَتْهَنَا أَنْ
مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَأَسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِ قَرِيبٌ تُجِيبٌ (
تَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَ إِنَّنَا لَفِى شَكٍ مِّمَّا تَدْعُونَآَ إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٧) قَالَ يَقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِ وَءَاتَنِى مِنْهُ رَحْمَةً
فَمَن يَنصُرُنِ مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ، فَمَا تَزِيدُونَنِى غَيْرَ تَخْسِيرِ (﴿ وَيَقَوْمِ هَذِهِ، نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ ءَايَةٌ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِ
فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَثَّعُواْ فِىِ دَارِكُمْ ثَثَةَ أَيَّابِ ذَلِكَ وَعْدُّ غَيْرُ
أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَشُوهَا بِسُوْءٍ فَأْخُذَّكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (
(١) سقطت من أ .

١٩٧
قصة صالح نبي ثمود
﴿أَ فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّنَا صَلِحًا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِىُّ
مَكْذُوبٍ
الْعَزْيُ (١) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِىِ دِيَرِهِمْ جَئِينَ (١) كَنْ لَّمْ يَغْنَوْ فِيَهَاْ أَلَا إِنَّ ثَمُودَا كَفَرُواْ رَهُمْ
٨٠
أَلَا بُعْدًا لِّشَمُودَ﴾ [ هود: ٦١ - ٦٨] وقال تعالى في سورة الحجر: ﴿ وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَبُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ
وَءَانَيْنَهُمْ ءَيَئِنَا فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ (١) وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًّاَءَامِنِينَ ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ ﴿ فَآ أَغْنَى عَنْهُم
مَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [الحجر: ٨٠ - ٨٤] وقال سبحانه وتعالى في سورة سبحان: ﴿ وَمَا مَنَعَنَا أَنْ تُرْسِلَ بِلَيَتِ إِلَّ
أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَءَانَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِآلْأَيَتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [ الإسراء: ٥٩] وقال تعالى
فى سورة الشعراء : ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ اَلْمُرْسَلِينَ ﴿٤) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَلِحٌ أَلَا نَتَّقُونَ (بَ إِنِّى لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ (٤) فَاتَّقُواْ اللَّهَ
١٤)
وَأَطِيعُونِ ﴿٢٤) وَمَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ (١) أَتُفْرَكُونَ فِى مَا هَهُنَآ ءَامِنِينَ (٣)فِ جَنَّتٍ وَعُيُونٍ
◌َ فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥) وَلَا تُطِيعُوا أَفَ اَلْمُسْرِفِينَ
٢٤
وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُوْتَا فَرِهِينَ
وَزُرُوعِ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ إِلاَ
مَآَ أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِئَايَةٍ إِن كُنْتَ مِنَ
الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ ﴿ قَالُواْ إِنَّمَآ أَنْتَ مِنَ الْمُسَخَرِينَ
﴿أَ قَالَ هَذِهِ، نَاقَةٌ لَّمَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ ﴿ وَلَا تَمَسُوهَا بِسُوْءٍ فَيَأْخُذَّكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿ فَعَقَرُوهَا
الصَّدِقِينَ
فَأَصْبَحُوْ نَدِمِينَ ﴿ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِينَ (١٥) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ اَلْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾
[ الشعراء: ١٤١ - ١٥٩] وقال تعالى في سورة النمل: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ فَإِذَا هُمْ
فَرِقَانِ يَخْتَصِمُونَ (١٩) قَالَ يَنْقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّنِئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَّةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (
قَالُواْ أَطَبِرْنَا بِكَ وَيِمَن مَّعَكَ قَالَ طَبِرُكُمْ عِندَ اللّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمُ تُفْتَنُونَ (٦) وَكَانَ فِ الْمَدِينَةِ نِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِىِ الْأَرْضِ
﴿ قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِاللَّهِ لَتُبَيِّتَنَّهُ, وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ، مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ، وَإِنَّا لَصَدِقُونَ
٤٩
وَلَا يُصْلِحُونَ
◌َ فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَفَّرْنَهُمْ وَقَوْمَهُم
وَمَكَرُواْ مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ
أَتْمَعِينَ (٥َ فَتِلْكَ بُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوَاْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَب ◌ِ﴾ وَأَجَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ [النمل: ٤٥ - ٥٣] وقال تعالى في سورة حم السجدة: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ فَاسْتَحَبُّواْ
اُلْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَعِقَةُ الْعَذَابِ اَلْهُونِ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (١) وَيَّنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ [ فصلت: ١٧ -١٨]
وقال تعالى في سورة اقتربت: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّدُرِ ﴿ فَقَالُواْ أَبَشَرًا مِنَّا وَحِدًا نَّعُهُ: إِنَّا إِذَا لَّفِى ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٦)] ◌َلْفِىَ
الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٥) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ ﴿ إِنَّا مُرْسِلُواْ النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَأَصْطَيْ
٢٧
جَ فَدَوْاْ صَاحِبٌ فَعَطَى فَعَقَرَ ﴿ فَكَفَ كَانَ عَذَابِ وَنُذُرِ ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَهِمْ صَيْحَةً
وَنَبْهُمْ أَنَّ الْمَآءَ قِسْمَةٌ بَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ تُخَضَرٌ
) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذَّكْرِ فَهَلْ مِن مُذَّكِرٍ﴾ [القمر: ٢٣ -٣٢] وقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ
وَحِدَةٌ فَكَانُواْ كَهَشِيمِ الْمُخْتَظِرِ أَ
ا فَكَذَبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم
فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُفْيَهَا إِ
بِطَغْوَنَهَا (٤) إِذِ اُنْبَعَثَ أَشْقَنَهَا إِ﴾
بِذَنِهِمْ فَسَوَّنَهَا (١) وَلَا يَخَافُ عُقْبَهَا﴾ [الشمس: ١١ - ١٥]. وكثيراً ما يقرنُ الله في كتابه بينَ ذكرِ عادٍ وثمود ،
كما في سورة براءة، وإبراهيم، والفُرقان ، وسورة ( ص) وسورة ( ق ) والنجم ، والفجر .
ويُقال : إن هاتين الأمتين لا يعرفُ خبرَهما أهلُ الكتاب ، وليس لهما ذِكر في كتابهم التوراة ، ولكن

١٩٨
قصة صالح نبي ثمود
في القرآن ما يدلُّ على أن موسى أخبرَ عنهما ، كما قال تعالى في سورة إبراهيم : ﴿ وَقَالَ مُوسَىَ إِن تَكْفُرُواْ أَنْتُمُ
وَمَنْ فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِىّ حَمِيدٌ (٢٨) أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوجِ وَعَادٍ وَثَمُودُ وُالَّذِينَ مِنْ
بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَآءَنَّهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ﴾ [إبراهيم: ٨ - ٩] الآية. الظاهرُ أنَّ هذا من تمام كلام
موسى مع قومه ، ولكن لما كانت هاتان الأمتان من العرب لم يضبطوا خبرَهما جيداً ، ولا اعتنوا بحفظه ،
وإن كان خبرُهما كان مشهوراً في زمان موسى عليه السلام ، وقد تكلَّمنا على هذا كلِّه في التفسير متقصَّياً ،
ولله الحمد والمنَّة .
والمقصود الآن ذكرُ قِصَّتهم وما كان من أمرهم ، وكيف نجَّى الله نبيّه صالحاً عليه السلام ومن آمن
به ، وكيف قطع دابر القوم الذين ظلموا بكفرهم وعتوّهم ومخالفتهم رسولهم عليه السلام .
قد قدمنا أنهم كانوا عَرباً، وكانوا بعد عاد ، ولم يعتبروا بما كان من أمرهم . ولهذا قال لهم نبيهم عليه
السلام: ﴿ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَالَكُمْ مِنْ إِلٍَ غَيْرَةٌ قَدْ جَآءَنْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمِّ هَذِهِ، نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ ءَايَةٌ
فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ الَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيِهُ (٣) وَأَذْكُرُوْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ
وَبَوَّأَكُمْ فِى الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَنَنْحِنُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَأَذْكُرُوَاْءَالَآءَ اللَّهِ وَلَا نَعْثَوْاْ فِىِ اَلْأَرْضِ
مُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٣ - ٧٤] أي: إنما جعلَكم خلفاءَ من بعدهم لتعتبروا بما كان أمرهم ، وتعملوا
بخلاف عملهم ، وأباحَ لكم هذه الأرض تبنون في سهولها القصور ﴿ وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَرِهِينَ ﴾
[الشعراء: ١٤٩] أي: حاذقين في صَنْعَتها وإتقانِها وإحكامِها، فقابِلُوا نعمةَ الله بالشكر والعمل الصَّالح والعبادة
له وحدَه لا شريكَ له ، وإيَّاكم ومخالفته والعدول عن طاعته، فإنَّ عاقبةَ ذلك وخيمةٌ ، ولهذا وَعَظهم
بقوله: ﴿أَتُتْرَّكُونَ فِى مَا هَهُنَآ ءَإِمِنِينَ ﴿ فِ جَتٍ وَعُيُونٍ (٨٩) وَزُرُوعِ وَتَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [ الشعراء: ١٤٦ - ١٤٨]
أي : متراكم كثير ، حسنٌ بهِيٌّ ناضج ﴿ وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُوتًا فَرِمِينَ (١) فَتَّقُواْاللَّهَ وَأَطِعُونِ (٢٥) وَلَا تُطِيعُوا أَفَ
الْمُسْرِفِينَ ﴿ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [ الشعراء: ١٤٩ -١٥٢].
وقال لهم أيضاً: ﴿ يَقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُّهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الْأَرْضِ وَاُسْتَعْمَرَّكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١]
أي : هو الذي خلقكم فأنشأكُم من الأرض وجعلكم عمَّارها ، أي أعطاكموها بما فيها من الزروع والثمار
فهو الخالق الرازق فهو الذي يستحق العبادة وحدَه لا سواه. ﴿ فَأُسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهٍ ﴾ [ هود: ٦١] أي :
أقلعوا عما أنتم فيه ، وأقبلوا على عبادتِه فإنَّه يقبلُ منكم ويتجاوزُ عنكم ﴿ إِنَّرَبِى قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [ هود: ٦١] .
قَالُواْ يَصَلِحُ قَدْ كُنُتَ فِنَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ [هود: ٦٢] أي: قد كنا نرجو أن يكونَ عقلكَ كاملاً قبل هذه
المقالة ، وهي دعاؤُك إيّانا إلى إفراد العبادة، وترك ما كنّا نعبدُه من الأنداد ، والعدول عن دين الآباء
قَالَ يَقَوْمِ أَرَءَ يْتُمْ إِن
والأجداد، ولهذا قالوا: ﴿ أَنَتْهَمنَآ أَنْ تَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكِ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُسِيبٍ (٦
كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِى وَءَاتَنِى مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنْصُرُفِ مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِى غَيْرَ تَّخْسِيرٍ﴾ [هود: ٦٢ -٦٣].
وهذا تلطُّف منه لهم في العبارة ، ولين الجانب ، وحُسن تأثٌّ في الدعوة لهم إلى الخير ، أي : فما

١٩٩
قصة صالح نبي ثمود
ظنُّكم إن كان الأمر كما أقول لكم وأدعوكم إليه ، ماذا عذركم عند الله ؟ وماذا يُخلِّصكُم بين يديْه ؟ وأنتم
تطلبونَ منِّي أن أتركَ دعاءَكم إلى طاعته ، وأنا لا يُمكنني هذا لأنَّه واجبٌ عليَّ، ولو تركته لما قدر أحدٌ
منكم ولا من غيركم أن يجيرني منه ولا ينصرني ، فأنا لا أزالُ أدعوكم إلى الله وحده لا شريكَ له ، حتى
يحكم الله بيني وبينكم .
وقالوا له أيضاً: ﴿ إِنَّمَا أَنَتَ مِنَ الْمُسَخَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣] أي: من المسحورين، يعنونَ مسحوراً
لا تدري ما تقولُ في دعائِك إيَّنا إلى إفراد العبادة لله وحده ، وخلع ما سواه من الأنداد ، وهذا القولُ عليه
الجمهور ، وهو أنَّ المراد بالمُسَخَّرين المَسْحُورين. وقيل : من المُسَخَّرين ، أي : ممن له سحر ، وهي
الرئة، كأنهم يقولون: إنما أنت بشر له سحر، والأول أظهر لقولهم بعد هذا: ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾
[ الشعراء: ١٥٤] وقولهم: ﴿فَأْتِ بِئَايَةٍ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٤] سألوا منه أنْ يأتيَهم بخارقٍ
يدلُّ على صدق ما جاءَهم ﴿ قَالَ هَذِهِ، نَاقَةٌ لَّا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥) وَلَا تَمَنُّوهَا بِسُوْءٍ فَيَأْخُذَّكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ
عَظِيمٍ ﴾ [ الشعراء: ١٥٥ - ١٥٦] وقال: ﴿قَدْ جَآءَنْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمّْ هَذِهِ، نَاقَةُ اللَّهِلَكُمْ ءَايَّةٌ فَذَرُوهَا
تَأْكُلْ فِيَ أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوْءٍ فَيَأْخُذُكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٧٣] وقال تعالى: ﴿وَءَانِيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ
مُصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا﴾ [ الإسراء: ٥٩].
وقد ذكر المفسرون (١) أن ثموداً اجتمعوا يوماً في ناديهم، فجاءَهم رسولُ الله صالحٌ فدعاهم إلى الله
وذكَّرهم وحذَّرهم، ووعظَهم وأمرَهم . فقالوا له : إنْ أنتَ أخرجتَ لنا من هذه الصخرة - وأشاروا إلى
صَخْرَةٍ هناكَ - ناقةً من صِفَتها كَيْتَ وكَيْتَ ، وذكروا أوصافاً سمَّوها ونعتوها، وتعنَّتوا٢) فيها ، وأن تكون
عُشَرَاءُ(٣) طويلةً ، من صفتها كذا وكذا .
فقال لهم النبيُّ صالحٌ عليه السلام : أرأيتم إنْ أجبتُكم إلى ما سألتُم ، على الوجه الذي طلبتُم أتؤمنونَ
بما جئتكُم به وتصدقوني فيما أُرسلتُ به ؟ قالوا: نعم ، فأخذ عهودَهم ومواثيقَهم على ذلك ، ثمَّ قامَ إلى
مُصلاَّه، فصلَّى الله عزَّ وجلَّ ما قُدِّرَ له، ثم دعا ربَّه عزَّ وجلَّ أن يُجِيبَهم إلى ما طلبُوا، فأمرَ الله عزَّ وجلَّ
تلكَ الصَّخرة أن تنفطرَ عن ناقةٍ عظيمةٍ عُشَراء ، على الوجه المطلوب الذي طلبوا ، أو على الصِّفة التي
نَعَتُوا .
فلما عاينُوها كذلك رأوا أمراً عظيماً ، ومَنْظراً هائلاً ، وقدرةً باهرةً ، ودليلاً قاطعاً ، وبُرهاناً ساطعاً ،
فَآَمنَ كثيرٌ منهم، واستمَّر أكثرُهم على كفرهم وضلالهم وعِنادهم، ولهذا قال: ﴿ فَظَلَمُوْ بِهَا﴾ [ الإسراء:
٥٩] أي : جَحدوا بها ولم يتَّبعوا الحقَّ بسببها ، أي : أكثرهم .
(١) تفسير الطبري (٥٣٢/٥) .
(٢) ((تعنتوا)): تشدَّدوا.
(٣) ((عشراء)): الناقة التي مضى لحملها عشرة أشهر.

٢٠٠
قصة صالح نبي ثمود
وكانَ رئيسَ الذين آمنوا جندعُ بن عمرو بن محلاة بن لَبيد بن جواس ، وكان من رؤسائِهم ، وهم بقيّةُ
الأشراف بالإسلام ، فصدَّهم ذؤابُ بن عمرُو بن لَبيد والخُباب ، صاحبا أوثانهم ، ورباب بن صمعر بن
جلمس ، ودعا جندعُ بْن عمِّه شهاب بن خليفة ، وكان من أشرافهم ، فهمَّ بالإسلام ، فنهاه أولئك ، فمال
إليهم ، فقال في ذلك رجل من المسلمين - يُقالُ له : مهرش بن غنمة بن الذميل - رحمه الله: [ من الوافر ]
إلى دينِ النبيِّ دَعَوْا شِهابا
وكانتْ عصبةٌ من آل عمٍو
فهمَّ بأنْ يُجيب ولو أجابا
عزيز ثمودَ كُلِهِمُ جميعاً
وما عَدَلوا بصاحِبِهِمْ ذؤابة(١)
لأصبحَ صالحٌ فينا عزيزاً
تولّوا بعدَ رُشدِهمُ ذئاب(٢)
ولكنّ الغُواة من آلِ حجٍْ
ولهذا قال لهم صالح عليه السلام: ﴿هَذِهِ، نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ ءَايَةٌ﴾ [هود : ٦٤ ] أضافها الله سبحانه
وتعالى إضافةً تشريف وتعظيم، كقوله: بيتُ الله، وعبدَ الله ﴿لَكُمْءَايَةٌ ﴾ أي: دليلاً على صدق
ما جئتُكم به ﴿ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِ أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَشُوهَا بِسُوْءٍ فَأْخُذَّكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ ﴾ [ هود: ٦٤].
فاتفقَ الحال على أن تبقى هذه الناقة بين أظهرهم ترعى حيثُ شاءتْ من أرضِهم ، وتردُ الماء يوماً بعد
يوم ، وكان إذا وردتِ الماءَ تشربُ ماءَ البئر يومها ذلك ، فكانوا يرفعونَ حاجَتهم من الماء في يَومهم
لغدِهم، ويُقال: إنهم كانوا يشربون من لبنها كفايتَهم، ولهذا قال: ﴿لَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾
[ الشعراء : ١٥٥ ].
ولهذا قال تعالى: ﴿ إِنَّا مُرْسِلُواْ النَّاقَةِ فِنْنَةً لَّهُمْ﴾ [القمر: ٢٧] أي اختباراً لهم ، أيؤمنون بها أم يكفرون ؟
والله أعلم بما يفعلون: ﴿ فَارْتَقِبْهُمْ﴾ أي: انتظر ما يكونُ من أمرهم ﴿وَأَصْطَبْ﴾ على أذاهم فسيأتيكَ
الخبرُ على جَلِيَّة . ﴿ وَنَبِتَهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ تُخْتَضَرٌ﴾ [القمرِ: ٢٨].
فلمَّا طالَ عليهم الحالُ هذا ، اجتمعَ مَلؤُهم ، واتَّفقَ رأيُهم على أن يَعْقِرُوا هذه النَّاقة ليستريحوا
منها ، ويتوقَّر عليهم ماؤهم، وزَّينَ لهم الشيطانُ أعمالَهم ، قال الله تعالى: ﴿فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَوْ عَنْ
أَمَّيِ رَبِّهِمْ وَقَالُوْ يَصَلِحُ أَثْتِنَا بِمَا تَعِدُنَّا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٧٧].
وكان الذي تولَّى قتلَها منهم رئيسُهم قُدَارٌ بن سالف بن جندع ، وكان أحمرَ أزرقَ أصهبَ ، وكان
يُقالُ : إنه ولد زانيةٍ ، وُلد على فراش سالف ، وهو من رجلٍ يُقال له : صبيان . وكان فعلُه ذلك باتِّفاقِ
جميعهم ، فلهذا نُسِبَ الفعلُ إليهم كلِّهم .
(١) ((ذؤابا)): الذواب: أعلى كل شيء وذروته .
(٢) كذا في الأصل ، وفي المطبوع ذابًا ، وفي بعض النسخ : ذباباً .