Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١
قصة نوح عليه السلام
مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ لِثَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُبَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِّ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٣ -١٦٥] .
وقال تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَهَا إِبْرَهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ، فَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ
حَكِيمُ عَلِيمٌ ﴾ وَوَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبٌ كُلَّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلٌ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ
وَأَيُُّبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَرُونَ وَّكَذَلِكَ نَجْزِى اُلْمُحْسِنِينَ ﴿ وَزَّكَرِيَا وَيَحِْى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَّ كُلٌّ مِنَ الصَّلِحِينَ
وَإِسْمَعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلَّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَلَمِينَ (٨) وَمِنْ ءَابَّبِهِمْ وَذُرِيَّنِهِمْ وَإِخْوَانِهِمٌ وَأَجْتَبَيْنَهُمْ وَهَدَيْنَهُمْ إِلَى
صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٨٣ - ٨٧ ] الآيات.
وتقدَّمت قصته في الأعراف، وقال في سورة براءة: ﴿ أَلَ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ
وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِنْزَهِيمَ وَأَصْحَبٍ مَذْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَتِّ أَنْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيْنَتِّ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ
كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [التوبة: ٧٠] .
وتقدَّمت قصَّته في سورة هود ، وقال في سورة إبراهيم: ﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ
وَعَادٍ وَثَمُودُ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَآءَتُهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِىِّ أَفْوَهِهِمْ وَقَالُوَاْ إِنَّا
كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِ، وَإِنَّالَفِى شَكٍ مِّمَا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ ﴾ [إبراهيم: ٩].
وقال في سورة سبحان: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوجَّ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [ الإسراء: ٣] وقال فيها
أيضاً ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوٌ وَكَفَى بِرَكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَيْا بَصِيرًا﴾ [ الإسراء: ١٧] .
وتقدمت قصته في الأنبياء والمؤمنون والشعراء والعنكبوت . وقال في سورة الأحزاب ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ
النَِّنَ مِشَقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوْجٌ وَإِبْرَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَنْيَمٌ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَقًّا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب: ٧] وقال في
سورة صّ: ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْنَادِ (﴿ وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَبُ لْتَيْكَةٍ أُوْلَكَ الْأَحْزَابُ
{ إِن
كُلُّ إِلَّا كَذَبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابٍ﴾ [ص: ١٢ - ١٤].
وقال في سورة غافر: ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَخْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَِّ بِرَسُولِمْ لِيَأْخُذُوهٌ
وَجَدَلُواْ بِالْبَطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابٍ ﴿ وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَثُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوَاْ أَنَّهُمْ
أَصْحَبُ النَّارِ ﴾ [غافر: ٥ -٦] .
* شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ، نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ: إِبْرَهِيمَ
وقال في سورة الشورى :
وَمُوسَى وَعِيسَىّ أَنْ أَقِيمُواْالَّذِينَ وَلَا نَتَفَرَّقُواْ فِيَّهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا نَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اَللَّهُ يَجْتَّبِىّ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىّ إِلَيْهِ مَن
يُذِيبُ﴾ [الشورى: ١٣]. وقال تعالى في سورة قّ: ﴿كَذَّبَتْ قبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَبُ الرَّ وَثَمُوُ (١) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ
وَإِخْوَنُ لُوطٍ ﴿ وَأَصْحَبُ الْأَبَّكَةِ وَقَوْمُ نُبَّعْ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ لَقَّ وَعِدِ﴾ [ق: ١٢ - ١٤ ] وقال في الذاريات: ﴿ وَقَوْمَ نُوچ
مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَسِقِينَ﴾ [الذاريات: ٤٦ ] وقال في النجم: ﴿ وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُواْ هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْنَى ﴾
[ النجم: ٥٢] وتقدمت قصته في سورة اقتربت الساعة. وقال تعالى في سورة الحديد: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا
١٦٢
قصة نوح عليه السلام
وَإِبْرَهِيَمَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَبِّ فَمِنْهُم مُهُنَّدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَسِقُونَ ﴾ [ الحديد: ٢٦] وقال تعالى
في سورة التحريم: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُواْ أَمْرَأَتَ نُوحٍ وَأَمْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا
صَلِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّا ◌ِخِلِينَ﴾ [ التحريم: ١٠].
وأما مضمونُ ما جرى له مع قومه مأخوذاً من الكتاب والسُّنَّةَ والآثار ، فقد قدَّمنا عن ابن عباس ؛ أنه
كان بين آدمَ ونوح عشرةُ قرون، كلُّهم على الإسلام. رواه البخاري(١) .
وذكَرْنا أنَّ المرادَ بالقرن : الجيل ، أو المدة على ما سلف .
ثم بعد تلك القرون الصالحة حدثت أمورٌ اقتضت أنْ آلَ الحالُ بأهل ذلك الزمان إلى عبادة الأصنام ،
وكان سببُ ذلك ما رواه البخاري(٢): من حديث ابن جُريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، عند تفسير قوله
تعالى: ﴿ وَقَالُوْلَا نَذَرُنَّءَ الِهَتَّكُمْ وَلَ نَذَرُنَ وَدَّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [ نوح: ٢٣] قال: هذه أسماءُ رجالٍ
صالحينَ من قومُ(٣) نوح، فلما هَلكُوا أوحى الشيطانُ إلى قومِهِم أن انصبُوا إلى مجالسِهم التي كانوا يجلسونَ
فيها أنصاباً ، وسَمُّوها بأسمائِهم ، ففعلُوا، فلم تُعْبدْ حتَّى إذا هلكَ أولئكَ، وتَنسَّخُ(٤) العلمُ عُبِدتْ .
قال ابن عباس : وصارت هذه الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعدُ . وهكذا قال عكرمة
والضَّخَّاك ، وقتادة ، ومحمد بن إسحاق(٥)
وقال ابن جرير(٦) في تفسيره : حدَّثنا ابن حُميد ، حدَّثنا مهران ، عن سفيان ، عن موسى ، عن
محمد بن قيس ، قال : كانوا قوماً صالحين بين آدم ونوح ، وكان لهم أتباعٌ يقتدون بهم ، فلما ماتوا ، قال
أصحابُهم الذين كانوا يقتدون بهم : لو صوَّرناهم كان أشوقَ لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم ، فصوَّروهم ،
فلما ماتوا وجاءَ آخرون ، دبَّ إليهم إبليسُ فقال : إنما كانوا يَعبدونهم وبهم يُسقون المطرَ ، فعبدوهم .
وروى ابن أبي حاتم(٧) : عن عروة بن الزبير ؛ أنَّه قالَ : ود ، ويغوث ، ويَعُوق ، وسُواعٍ ، ونَسْر ،
أولاد آدم ، وكان وَدُّ أكبرَهم وأبرّهم به .
(١) لم أجده في البخاري كما سبق ص ١١٠.
(٢) أخرجه البخاري (٤٩٢٠) في التفسير موقوفاً على ابن عباس . وقال الحافظ ابن حجر : قيل : هذا منقطع ؛ لأن
عطاءً المذكور هو الخراساني ، ولم يلق ابن عباس ... ثم قال : لكن الذي قوي عندي أن هذا الحديث بخصوصيته
عند ابن جريج ، عن عطاء الخراساني ، وعن عطاء بن أبي رباح جميعاً .. وانظر فتح الباري ( ٨/ ٦٦٧ - ٦٦٨).
(٣) في أ : رفقة .
(٤)
في ب : ونسخ .
تفسير الطبري ( ٢٥٤/٢) .
(٥)
(٦) المصدر السابق (٢/ ٢٥٤).
(٧) كما في الدر المنثور (٢٩٣/٨).
١٦٣
قصة نوح عليه السلام
وقال ابن أبي حاتم(١): حدَّثنا أحمد بن منصور، حذَّثنا الحسن بن موسى، حدَّثنا يعقوب ، عن
أبي المُطَّر، قال : ذكروا عند أبي جعفر - هو الباقر - وهو قائمٌ يُصلِّي يزيدَ بن المُهلَّب ، قال : فلما
انفتلٌ(٢) من صلاته ، قال : ذكرتُم يزيدَ بن المُهلَّب ، أما إنه قُتِلَ في أوَّل أرضٍ عُبدَ فيها غيرُ الله . قال :
ذكر وذَّاً رجلاً صالحاً، وكان محبّاً في قومِه، فلما ماتَ عكفُوا٣) حولَ قبره في أرضٍ بابلَ وجَزِعُوا
عليه ، فلما رأى إبليسُ جزعَهم عليه ، تشبّه في صورة إنسان ، ثم قال: إنِّي أرى جزعَكم على هذا
الرجل ، فهل لكم أن أصوِّر لكم مثلَه ، فيكون في ناديكم فتذكرونه ؟ قالوا : نعم . فصوَّرَ لهم مثلَه .
قال : ووضعوه في ناديهم ، وجعلوا يذكرونَه . فلما رأى ما بهم من ذكرِه . قال : هل لكم أن أجعلَ في
منزل كلِّ واحدٍ منكم تمثالاً مثلَه، ليكونَ له في بيتهِ فتذكرونه ؟ قالوا: نعم . قال: فمثَّل لكلِّ أهلِ بيتٍ
تمثالاً مثلَه ، فأقبلوا فجعلُوا يذكرونَه به . قال : وأدرك أبناؤُهم ، فجعلُوا يرون ما يصنعونَ به ، قال :
وتناسلوا، ودرس(٤) أثرُ ذكرهم إيَّاه حتَّى اتَّخذوه إلهاً يعبدونَه من دون الله أولاد أولادِهم، فكانَ أوَّلَ
ما عُبد غير اللهِ((وٌّ )) الصنمُ، الذي سمَّوه وَدّاً.
ومقتضى هذا السياق : أنَّ كلَّ صنم من هذه عبدَه طائفةٌ من الناس ، وقد ذُكرَ أنَّه لما تطاولتِ العهودُ
والأزمانُ جعلوا تلك الصُّورَ تماثيلَ مجسّدةٌ ، ليكونَ أثبتَ لها ، ثم عُبِدتْ بعد ذلك من دون الله عزَّ وجلَّ ،
ولهم في عبادتِها مسالكُ كثيرةٌ جداً قد ذكرناها في مواضعها من كتابنا التفسير(٥) ، ولله الحمد والمنة .
وقد ثبتَ في الصحيحين(٦): عن رسول الله وَّمَ: أنه لما ذَكرت عندَه أم سلمةَ وأُمُّ حبيبةَ تلك الكنيسةَ
التي رأينَها بأرضِ الحبشة، يُقالُ لها: مارية ، فذكرتًا من حُسْنِها وتصاويرَ فيها، قال: (( أولئكَ إذا ماتَ
فيهم الرجلُ الصَّالحُ بنوا على قبره مسجداً ، ثم صوَّرُوا فيه تلك الصُّورة ، أولئك شِرارُ الخلق عند الله
عزَّ وجلَّ )) .
والمقصودُ أنَّ الفسادَ لما انتشرَ في الأرض وعمَّ البلاءُ بعبادة الأصنام فيها ، بعثَ الله عبده ورسوله
نوحاً عليه السلام ، يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريكَ له ، وينهى عن عبادةِ ما سواه .
فكان أوَّلَ رسول بعثه الله إلى أهل الأرض ، كما ثبت في الصحيحين(٧) : من حديث أبي حيَّان ، عن
(١) المصدر السابق (٢٩٤/٨) وعزاه لعبد بن حميد أيضاً.
(٢) انفتل : انصرف من صلاته.
(٣)
في أ : عسكروا .
(٤)
درسَ : انمحى .
انظر تفسير ابن كثير ( ٤ / ٥٠٣ ).
(٦) أخرجه البخاري (٤٢٧) و(٤٣٤) في الصلاة، ومسلم ( ٥٢٨) في المساجد.
(٥)
(٧) أخرجه البخاري (٤٧١٢) في التفسير، ومسلم (١٩٤) في الإيمان.
١٦٤
قصة نوح عليه السلام
أبي زُرعة بن عمرو بن جرير ، عن أبي هريرة، عن النبيِّ وَّ في حديث الشفاعة، قال: ((فيأتون آدمَ
فيقولون : يا آدمُ أنت أبو البشر ، خلقك الله بيده ، ونفخَ فيكَ من روحه ، وأمرَ الملائكةَ فسجدوا لكَ ،
وأسكنكَ الجنَّة ، ألا تشفعُ لنا إلى ربِّك؟ ألا ترى ما نحنُ فيه وما بَلَغَنا ؟ فيقول : ربِّي قد غضبَ غَضَباً
شديداً لم يغضبْ قبلَه مثلَه، ولا يغضبُ بعدَه مثلَه ، ونهاني عن الشجرة ، فعصيتُ ، نفسي نفسي ،
اذهبُوا إلى غيري ، اذهبُوا إلى نوح . فيأتونَ نوحاً فيقولون : يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض ،
وسمَّاك الله عبداً شكوراً ، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما بَلَغَنا، ألا تشفعُ لنا إلى ربِّك
عز وجل ؟ فيقولُ : ربِّي قد غضبَ اليومَ غَضَباً لم يغضبُ قبلَه مثلَه ولا يغضبُ بعدَه مِثْله ، نفسي نفسي)).
وذكر تمامَ الحديث بطوله ، كما أورده البخاريٌّ(١) في قصة نوح .
فلما بعثَ الله نوحاً عليه السلام دعاهم إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريكَ له ، ألَّ يعبدوا معه صنماً
ولا تمثالاً ولا طاغوتاً ، وأن يعترفوا بوحدانيته ، وأنَّه لا إلهَ غيره ولا ربَّ سواه ، كما أمر الله تعالى من
بعده من الرسل الذين هم كلُّهم من ذريّته، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيََّهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] وقال
فيه وفي إبراهيم: ﴿ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَبِّ﴾ [الحديد: ٢٦] أي: كل نبيّ من بعد نوح فمن
ذريته، وكذلك إبراهيم، قال الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمٍَّ رَّسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ
الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] وقال تعالى: ﴿ وَسَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن زُسُلِنَآَ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ ءَالِهَةً
يُعْبَدُونَ ﴾ [الزخرف: ٤٥] وقال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّآ أَنَا
فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: ٢٥].
ولهذا قال نوح(٢) لقومه: ﴿أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ: إِنّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ [ الأعراف:
٥٩] وقال: ﴿أَنْ لَّا نَعْبُدُوّأْ إِلَّ اللَّهَ إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ [هود: ٢٦] وقال: ﴿يَقَوْمِ أَعْبُدُ واْ اللّهَ
مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، أَفَلَ نَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ٦٥] وقال: ﴿قَالَ يَقَّوْمِ إِ لَكُمْ نَذِيرٌ مُِّينُّ ◌َ أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَتَّقُوهُ
وَأَطِيعُونِ (٥) يَغْفِرْ لَكُ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِزْكُمْ إِلَى أَجَلِ مُسَمََّّ إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَآءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (8) قَالَ رَبِّ إِّ دَعَوْتُ
قَوْمِى لَيْلًا وَنَهَرًا (٥َ فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَاءِىَ إِلَّا فِرَارًا (٥) وَإِنِ كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُواْ أَصَنِعَهُمْ فِىّ ◌َاذَانِهِمْ وَأَسْتَغْشَوْ ثِيَابَهُمْ
وَأَصَرُّواْ وَأُسْتَكْبَرُوْ اُسْتِكْبَارًا (٤) ثُمَّ إِنِّيِ دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٥) ثُمَّ إِلَىَ أَعْلَتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (٥) فَقُلْتُ أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ
كَانَ غَفَّارًا (١٦) يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَارًا (١﴾ وَيُعْدِذَّكُمُ بِأَمْوَلٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَرًّا (٦َ مَّا لَكُمْ لَا نَرْجُونَ لِلَّهِ
وَقَارًا (٦جَ وَقَدْ خَلَقَكُنْ أَطْوَارًا﴾ الآيات الكريمات [ نوح: ٢ -١٤].
فذكرَ أنَّه دعاهم إلى الله بأنواع الدعوة في الليل والنهار والسِّرِّ والإجهار بالترغيب تارةً والترهيب
(١) أخرجه البخاري (٣٣٤٠) في الأنبياء.
(٢) في ب: ولهذا قال نوح عليه السلام: ﴿أَعْبُدُوا ... ﴾
١٦٥
قصة نوح عليه السلام
أخرى ، وكلُّ هذا ، فلم ينجح فيهم ، بل استمرّ أكثرُهم على الضلالة والطغيان وعبادة الأصنام والأوثان ،
ونَصَبُوا له العداوةَ في كلِّ وقتٍ وأوان ، وتَنقَّصُوه وتنقَّصُوا منْ آمنَ به ، وتوغَّدوهم بالرجم والإخراج ،
ونالوا منهم وبالغوا في أمرهم : ﴿ قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ﴾ أي: السادة الكبراء منهم ﴿ إِنَّا لَكَ فِي ضَلَالٍ
جَ قَالَ يَقَوْمِ لَيْسَ بِ ضَلَلَةٌ وَلَكِنِى رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [ الأعراف: ٦٠ - ٦١] أي: لست كما
تینٍ
تزعمونُ منِ أني ضالٌّ ، بل على الهدي المستقيم رسولٌ من رب العالمين ، أي : الذي يقول للشيء كن
فيكون ﴿أُبَلِغُكُمْ رِسَلَتِ رَبٍِ وَأَنَصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٦٢]. وهذا شأنُ الرسول أن
يكونَ بليغاً ، أي : فصيحاً ناصحاً ، أعلم الناس بالله عز وجل .
وقالوا له فيما١) قالوا: ﴿ مَا نَرَئِكَ إِلَّا بَشَرًّا مِثْلَنَا وَمَا نَرَئِكَ أَتَبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاِلُنَا بَادِىَ الرَّأْعِ وَمَا
تَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَذِيِينَ﴾ [ هود: ٢٧] تعجّبُوا أن يكونَ بشراً رسولاً، وتنقَّصُوا بمن
أَّبعه ، ورأوهم أراذلَهم . وقد قيل: إنهم كانوا من أفناهُ(٢) النَّاس وهم ضعفاؤهم ، كما قال هرقل: وهم
أتباعُ الرسل . وما ذاك إلا لأنه لا مانعَ لهم من اتباع الحقِّ .
وقولهم : ﴿ بَادِىَ الرَّأَيِ﴾ [هود: ٢٧] أي": بمجرد ما دعوتُهم استجابوا لكَ من غير نظر ولا رويَّة ،
وهذا الذي رموهم به هو عين ما يُمدحون بسببه رضي الله عنهم ، فإن الحقَّ الظاهرَ لا يحتاجُ إلى رويَّةٍ
ولا فكر ولا نظر ، بل يجبُ اتِّباعه والانقياد له متى ظهرَ .
ولهذا قال رسول الله وَلّ مادحاً للصدِّيق: (( ما دعوتُ أحداً إلى الإسلام إلا كانت كبوةً(٣) ، غير
أبي بكر فإنه لم يتلعثمْ)(٤) ولهذا كانت بيعتُه يوم السقيفة أيضاً سريعةً ، من غير نظرٍ ولا رويَّة ، لأن
أفضليتَه على من عداه ظاهرةٌ جليَّةٌ عند الصحابة رضي الله عنهم، ولهذا قال رسول الله وَّ لما أراد أن
يكتبَ الكتابَ الذي أراد أن ينصَّ فيه على خلافته ، فتركَه وقال: (( يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر رضي الله
عنه)(٥).
وقول كَفَرةٍ قوم نوحٍ له ولمن آمنَ به : ﴿ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ﴾ [ هود: ٢٧] أي: لم يظهر لكم
أمر بعد اتصافكم بالإيمان ولا مزيّة علينا ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَذِبِينَ ﴿ قَالَ يَقَوْمِ أَرَءَيْتُ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَِّ
وَانَنِى رَحْمَةً مِّنْ عِنِدِهِ، فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنْزِ مُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَا كَرِهُونَ﴾ [هود: ٢٧ -٢٨] .
(١) في ب : مما قالوا .
(٢) أفناد : ضعفاء الرأي من الناس .
(٣) (( كبوة)): وقفة وتردُّد .
(٤) أخرجه الديلمي في مسند الفردوس (٦٢٨٦) عن ابن مسعود، وذكره رزين كما في جامع الأصول (٨/ ٥٨٥)
والشوكاني ( ص ١٤٢) في درِّ السحابة ، والمتقي الهندي (٥٥٥/١١) في كنز العمال.
(٥) أخرجه أحمد في المسند (١٠٦/٦) ومسلم في صحيحه (٢٣٨٧) في فضائل الصحابة .
١٦٦
قصة نوح عليه السلام
وهذا تلطُّفٌّ في الخطاب معهم، وترفُّق بهم في الدعوة إلى الحقِّ، كما قال تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ فَوْلًا لَِّناً
لَّعَلَُّ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] وقال تعالى: ﴿آدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَحَدِلْهُمْ بِأَلَّتِى
هِىَ أَحْسَنٌ﴾ [النحل: ١٢٥] وهذا منه، يقول لهم: ﴿أَرَءَ يْتُ إِن كُتُ عَلَى بَيِنَةٍ مِّن رَّبِ وَءَانَنِى رَحْمَةً مِّنْ عِنْدِهِ، ﴾
[ هود: ٢٨] أي: النبوة والرسالة ﴿فَعُمِّيَّتْ عَلَيْكُنْ﴾ أي: فلم تفهموها ولم تهتدوا إليها ﴿ أَنْزِمُّكُمُوهَا ﴾
أي: أنغصبكم بها، ونجبركم عليها ﴿ وَأَنتُمْ لَهَا كَرِهُونَ﴾ أي: ليس لي فيكم حيلة والحالة هذه
﴿وَيَقَوْمِ لَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مَا لَا إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ [هود: ٢٩] أي: لستُ أريد منكم أجرةً على إبلاغي
إياكم ما ينفعكم في دنياكم وأخراكم ، إن أطلبُ ذلك إلا من الله الذي ثوابُه خيرٌ لي وأبقى مما تُعطوني
أنتم .
وقوله: ﴿ وَمَآ أَنَأْ بِطَارِدِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّهُمْ مُلَقُواْ رَبِهِمْ وَلَكِنِّي أَرَنَّكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [ هود: ٢٩] كأنهم
طلبوا منه أن يُبعد هؤلاء عنه ، ووعدوه أن يجتمعوا به إذا هو فعل ذلك ، فأبى عليهم ذلك ، وقال :
﴿ إِنَّهُمْ مُلَقُواْ رَبِهِمْ﴾ أي: فأخاف إن طردتهم أن يشكوني إلى الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿وَيَقَوْمِ مَنْ
يَنْصُرُ نِ مِنَ اللَّهِ إِن ◌َُّهُمَّ أَفَلَا نَذَكَّرُونَ﴾ [هود: ٣٠] ولهذا لما سأل كفَّارُ قريش رسولَ الله عَ لَه: أن يطردَ عنه
ضعفاءَ المؤمنين ، كعمَّار ، وصُهيب ، وبلال ، وخَبَّاب ، وأشباههم ، نهاه الله عن ذلك كما بيَّناه في
سورتي الأنعام والكهف .
﴿ وَلَاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَّابِنُ اللَّهِ وَلَآَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَآ أَقُولُ إِِّ مَلَكٌ﴾ [ هود: ٣١] أي: بل أنا عبدٌ رسولٌ،
لا أعلم من علم الله إلا ما أعلمني به ، ولا أقدرُ إلا على ما أقدرني عليه، ولا أملكُ لنفسي نفعاً ولا ضرّاً
إلا ما شاء الله .
﴿ وَلَّ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِىّ أَعْيُّئُكُمْ﴾ يعني من أتباعه ﴿لَن يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا ◌َللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِىَ أَنْفُسِهِمَّ إِنَّ إِذَا لَّمِنَ
اُلَّالِمِينَ﴾ [هود: ٣١] أي: لا أشهد عليهم بأنهم لا خير لهم عند الله يوم القيامة ، الله أعلم بهم
وسيجازيهم على ما في نفوسهم إن خيراً فخيرٌ وإن شراً فشر، كما قالوا في المواضع الأخر ﴿أَتُؤْمِنُ لَكَ
وَأَتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (٨) قَالَ وَمَا عِلْمِى بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٤) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّ لَوْ تَشْعُرُونَ (١) وَمَآ أَنَاْ يِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١) إِنْ
أَنَاْ إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ [الشعراء: ١١١ _ ١١٥].
وقد تطاولَ الزمانُ والمجادلة بينه وبينهم ، كما قال تعالى : ﴿ فَلِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَّةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا
فَأَخَذَهُمُ الْتُوَفَاتُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ١٤] أي: ومع هذه المدة الطويلة فما آمنَ له إلا القليل منهم ،
وكان كلُّ ما انقرضَ جيلٌ وصَّوا منْ بعدَهم بعدم الإيمان به ومحاربته ومخالفته ، وكان الوالد إذا بلغَ ولدُه
وعقلَ عنه كلامه وصَّاه فيما بينَه وبينه ألا يؤمن بنوح أبداً ما عاش ، ودائماً ما بقي .
وكانت سجاياهم تأبى الإيمان واتباع الحقِّ، ولهذا قال ﴿ وَلَا يَلِدُوَاْ إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [ نوح: ٢٧]
١٦٧
قصة نوح عليه السلام
قَالَ إِنَّمَا يَأْنِكُمْ
ولهذا قالوا: ﴿قَالُواْ يَنُوحُ قَدْ جَدَلْتَنَا فَأَكْثَرَتَ جِدَ لَنَا فَأْنِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِّقِينَ
بِهِ اللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنْتُم بِمُعْجِرِينَ﴾ [هود: ٣٢ -٣٣] أي: إنما يقدر على ذلك الله عز وجل، فإنه الذي لا يُعجزه
شيءٌ ولا يكترثه أمر ، بل هو الذي يقولُ للشيء كن فيكون. ﴿ وَلَا يَنَفَعُّكُمْ نُصْحِىّ إِنْ أَرَدَتُّ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ
اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [ هود: ٣٤] أي: من يُرد الله فتنتَه فلن يملكَ أحدٌ هدايتَه ، هو
الذي يَهدي منْ يشاءُ ويُضلُّ من يشاء ، وهو الفعَّال لما يُريد ، وهو العزيز الحكيم ، العليمُ بمن يستحقُّ
الهداية ومنْ يستحقُّ الغواية ، وله الحكمة البالغة والحجَّة الدامغة .
﴿ وَأُوْجِىَ إِلَى نُوجِ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّ مَن قَدْءَامَنَ فَلَا نَبْتَكِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾(١) [هود: ٣٦] وهذه
تعزيةٌ لنوح عليه السلام في قومه أنه لن يؤمنَ منهم إلا منْ قد آمنَ ، وتسليةٌ له عما كان منهم إليه ﴿ فَلَ نَبْتَِسْ
بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ أي: لا يسوأنَّكَ ما جرى فإنَّ النصرَ قريبٌ، والنبأ عجيب ﴿ وَأَصْنَعَ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا
وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَطِبْنِ فِ اٌلَّذِينَ ظَلَمُوْاْ إِنَّهُم مُغْرَفُونَ ﴾ [هود: ٣٧] وذلك أن نوحاً عليه السلام لما يئسَ من
صَلاحهم وفَلاحِهم ، ورأى أنَّهم لا خيرَ فيهم ، وتوصلوا إلى أذيَّته ومخالفتِه وتكذيبه بكلِّ طريق من فعال
ومقال ، دعا عليهم دعوةَ غضبٍ(٢)، فلَّى الله دعوتَه، وأجابَ طلبتَه، قال الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ نَادَثَنَا نُوحٌ
فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٢٥) وَتَجَمْنَهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [ الصافات: ٧٥ -٧٦].
وقال تعالى: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَأُسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَيْنَهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ﴾
[الأنبياء: ٧٦]. وقال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِى كَذَّبُونِ (٨) فَأَفْنَحْ بَيْنِ وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَحِى وَمَن مَّعِىَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[الشعراء: ١١٧ -١١٨] وقال تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِى مَغْلُوبٌ فَأَنْنَصِرْ﴾ [ القمر: ١٠] وقال تعالى: ﴿ قَالَ رَبِّ أَنْصُرْفِى
بِمَا كَذَّبُونِ﴾ [المؤمنون: ٢٦] وقال تعالى: ﴿مِّمَّا خَطِيَنِمْ أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَارًا فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ
أَنْصَارًا الْجَ وَقَالَ نُحُ رَّبِّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّارًا (٢) إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُواْ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُواْ إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾
[ نوح : ٢٥ - ٢٧ ] .
فاجتمعَ عليهم خطاياهم من كفرهم وفجورِهم ودعوة نبيِّهم عليهم ، فعند ذلك أمره الله تعالى أن يصنعَ
الفلكَ ، وهي السفينة العظيمة التي لم يكن لها نظيرٌ قبلَها ، ولا يكون بعدَها مثلها .
وقدَّم الله تعالى إليه أنه إذا جاء أمرُه ، وحلَّ بهم بأسُه الذي لا يُردُّ عن القوم المجرمين ، أنه لا يُعاوده
فيهم ولا يُراجعه ، فإنَّه لعلّه قد تُدركُه رقَّة على قومه عند معاينة العذاب النازل بهم ، فإنَّه ليس الخبرُ
كالمعاينة، ولهذا قال: ﴿ وَلَا تُخَطِبْنِ فِى الَّذِينَ ظَلَمُوَاْ إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ () وَيَصْنَعُ الْقُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّنْ
(١) في تفسير هذه الآية تقديم وتأخير وقع في أوالمطبوع ، وأثبت ما ورد في ب ؛ لأنه أقوم .
(٢) في ب : دعوة غضبٍ لله عليهم .
١٦٨
قصة نوح عليه السلام
قَوْمِهِ، سَخِرُواْ مِنْهُ﴾ [ هود: ٣٧ -٣٨] أي: يستهزئون به استبعاد(١) لوقوع ما توعَّدهم به، ﴿قَالَ إِن تَسْخَرُوا
مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ ﴾ [هود: ٣٨] أي: نحن الذين نسخرُ منكم، ونتعجّبُ منكم في استمراركُم
على كُفركم وعنادِكم الذي يقتضي وقوعَ العذاب بكم وحلوله عليكم ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْنِهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ
وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيرُ﴾ [ هود: ٣٩].
وقد كانت سجاياهم الكفرَ الغليظ، والعنادَ البالغَ في الدنيا ، وهكذا في الآخرة ، فإنَّهم يَجْحدون(٢)
أيضاً أن يكونَ جاءَهمُ(٣) رسولٌ .
كما قال البخاري(٤): حدَّثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا عبدُ الواحد بن زياد، حدَّثنا الأعمش ، عن
أبي صالح، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله وَّهُ: ((يجيءُ نوحٌ عليه السلام وأمَّتُه، فيقولُ الله
عزَّ وجلَّ : هل بلَّغتَ؟ فيقولُ : نعم أي ربّ، فيقولُ لأمَّته : هل بلَّغكُم؟ فيقولون: لا ، ما جاءنا من
نبيٍّ. فيقولُ لنوحِ: منْ يشهدُ لكَ؟ فيقول: محمَّدٌ وأمَّتُه. فنشهدُ أنه قد بلَّغَ)). وهو قوله:
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطَّا لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
والوسط : العدل .
(٥) فهذه الأمة تشهدُ على شهادة نبيِّها الصَّادق المصدوق ، بأنَّ الله قد بعثَ نوحاً بالحقِّ ، وأنزلَ عليه
الحقَّ، وأمره به ، وأنه بلَّغه إلى أمَّته على أكمل الوجوه وأتمِّها ، ولم يدع شيئاً مما ينفعُهم في دينهم إلا
وقد أمرَهم به ، ولا شيئاً مما قد يضرُّهم إلا وقد نهاهم عنه ، وحذَّرهم منه .
وهكذا٦) شأنُ جميع الرسل ، حتَّى أنه حذَّر قومه المسيحَ الدَّجَّال ، وإن كان لا يتوقَّعُ خروجَه في
زمانهم ، حذراً عليهم وشفقةً ورحمةً بهم .
كما قالَ البخاريُّ: حدَّثنا عَبْدان، حذَّثنا عبدُ الله، عن يُونس ، عن الزُّهريِّ، قال سالم : قال ابنُ
عمر: قامَ رسولُ اللهِ وََّ فِي النَّاسِ فأثنى على الله بما هو أهلُه، ثم ذكرَ الدَّجَّال، فقال: ((إنِّي
لأنذركُموهُ، وما من نبيٍّ إلا وقد أنذرَه قومَهُ، لقد أنذرَ نوٌ قومَهُ ، ولكني أقولُ لكم فيه قولاً لم يَقُلْه نبيِّ
لقومِه ، تعلمونَ أنَّه أعورُ، وأنَّ الله ليس بأعور)٧٧).
(١) في المطبوع : استعباداً ؛ وهو تصحيف ظاهر .
(٢) ((يجحدون)): يُنكرون.
(٣) في أ : من رسول .
في صحيحه (٣٣٣٩) في الأنبياء .
(٤)
في أ : وهكذا رواه .
(٥)
(٦) في ب : وهذا .
(٧) أخرجه البخاري (٣٣٣٧) في الأنبياء.
١٦٩
قصة نوح عليه السلام
وهذا الحديث في الصحيحين أيضاً : من حديث شَيْبان بن عبد الرحمن ، عن يحيى بن أبي كثير ،
عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي ◌ُّ قال: ((ألا أحَدِّثكم عن الدَّجَّال حديثاً
ما حدَّث به نبيٌّ قومه، إنَّه أعورُ، وإنَّه يجيءُ معه بمثالِ الجنَّةَ والنَّار، فالتي يقولُ إنها١) الجنَّة هي النَّار ،
وإني أنذركُم كما أنذرَ به نوٌ قومَه (٢) لفظ البخاري .
وقد قال بعضُ علماءٍ(٣) السَّلف : لما استجابَ الله له أمرَه أن يغرسَ شجراً ليعملَ منه السفينة ، فغرسَه
وانتظره مئة سنة ، ثم نجره في مئة أخرى ، وقيل : في أربعينَ سنةً ، فالله أعلم .
قال محمد بن إسحاق: عن الثوري، وكانت من خشب السَّاج. وقيل: من الصنوبر، وهو نصُّ التوراة.
قال الثوري : وأمره أن يجعلَ طولها ثمانينَ ذراعاً وعرضَها خمسينَ ذراعاً ، وأن يطليَ ظاهرَها وباطنَها
بالقار ، وأن يجعلَ لها جؤجؤاً أزورٌ(٤) يشقُّ الماء ، وقال قتادة : كان طولُها ثلثمئة ذراع في عرض خمسين
ذراعاً ، وهذا الذي في التوراة على ما رأيته . وقال الحسن البصري : ستمئة في عرض ثلاثمئة ذراع .
وعن ابن عباس : ألف ومئتا ذراع في عرض ستمئة ذراع . وقيل : كان طولها ألفيْ ذراع وعرضُها مئة
ذراع . قالوا كلُّهم : وكان ارتفاعُها ثلاثين ذراعاً ، وكانت ثلاث طبقات ، كلُّ واحدة عشرة أذرع ،
فالسُّفلى للدَّوابِّ والوحوش ، والوسطى للنَّاس ، والعُليا للطيور ، وكان بابُها في عرضها ، ولها غِطاءٌ من
فوقها مُطبقٌ عليها .
قال الله تعالى: ﴿ قَالَ رَبِّ أَنصُرْنِ بِمَا كَذَّبُونِ ﴿٣] فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنْ أَصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَغْيُنِنَا وَوَحْيِنَا ﴾ [ المؤمنون:
٢٦ - ٢٧ ] أي: بأمرنا لكَ، وبمرأى منَّا لصَنْعَتكَ لها، ومُشاهدتِنا لذلك، ولنرشدكَ إلى الصَّواب في
صنعتِها ﴿فَإِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَأَسْلُكْ فِيَهَا مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوَّلُ مِنْهُمّ
وَلَا تُخَطِبْنِ فِ الَّذِينَ ظَلَمُوَاْ إِنَّهُم ◌ُغْرَقُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٧] فتقدَّم إليه بأمره العظيم العالي أنَّه إذا جاء أمرُه
وحلَّ بأسُه أن يحملَ في هذه السفينة من كلِّ زوجين اثنين من الحيوانات ، وسائر ما فيه روحٌ ، ومن
المأكولات وغيرها ، لبقاءِ نَسْلِها ، وأن يحملَ معه أهله، أي : أهل بيته ، إلا منْ سبقَ عليه القولُ منهم ،
أي : إلا من كانَ كافراً ، فإنَّه قد نفذتْ فيه الدعوة التي لا تُردُ ، ووجبَ عليه حلولُ البأسِ الذي لا يُردُّ ،
وأمر أنَّه لا يُراجعه فيهم إذا حلَّ بهم ما يُعاينه من العذاب العظيم ، الذي قد حتَّمه عليهم الفعَّالُ لما يُريد ،
كما قدَّمنا بيانه قبل .
(١) في أوالمطبوع : عليها .
أخرجه البخاري ( ٣٣٣٨) في الأنبياء ، والبخاري (٢٩٣٦) في الفتن وأشراط الساعة.
(٢)
(٣)
في أ : بعض السَّلف .
((جُؤجؤاً أزور)): الجوجؤ: صدر السفينة. والأزور: المنحرف المائل . وانظر هذه الأقوال عن طول السفينة
(٤)
وعرضها في تفسير الطبري (٣٥/٧ -٣٦) والدر المنثور (٤١٩/٤).
١٧٠
قصة نوح عليه السلام
والمرادُ بالتُّور عند الجمهور : وجهُ الأرض ، أي : نبعتِ الأرضُ من سائر أرجائِها ، حتَّى نبعتِ
التنانيرُ التي هي محالُّ النَّار . وعن ابن عباس : التَُّّور : عينٌ في الهند . وعن الشعبي : بالكوفة ، وعن
قتادة : بالجزيرة . وقال عليُّ بن أبي طالب : المرادُ بالتَُّّور : فَلقُ الصُّبْحِ وتنويرُ الفجر ، أي : إشراقه
وضِيَاؤُه . أي: عندَ ذلك فاحملٌ فيها من كلِّ زوجين اثنين . وهذا قولٌ غريب .
وقوله تعالى: ﴿حَتَّىَّ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ النَّنُورُ قُلْنَا آَخِلْ فِيهَا مِن كُلٍ زَوْجَيْنِ آَثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ
اَلْقَوْلُ وَمَنْ ءَامَنَّ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُ: إِلَّا قَلِلٌ﴾ [ هود: ٤٠] هذا أمرٌ بأنَّه عندَ حلول النقمة بهم؛ أن يحملَ فيها من كلِّ
زوجين اثنين . وفي كتاب أهل الكتاب : أنه أمر أن يحمل من كل ما يؤكل سبعة أزواج ، ومما لا يؤكل
زوجين : ذكراً وأنثى. وهذا مغايرٌ لمفهوم قوله تعالى في كتابنا الحق : ﴿اثنين﴾ إن جعلنا ذلك مفعولًاً
به ، وأما إنْ جعلناه توكيداً لزوجين ، والمفعول به محذوف ، فلا ينافي والله أعلم .
وذكر بعضُهم، ويُروى عن ابن عباس: أنَّ أوَّل ما دخلَ من الطُّيور الدُّرَّةُ(١) ، وآخر ما دخلَ من
الحيوانات الحِمار . ودخلَ إبليسُ متعلَّقاً بذنبِ الحمار .
وقال ابنُ أبي حاتمُ(٢): حدَّثنا أبي، حدَّثنا عبد الله بن صالح ، حدَّثني الليث ، حدَّثني هشام بن
سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه: أنَّ رسولَ الله ◌ِ لَّ قالَ: ((لما حملَ نوحٌ في السفينة منْ كلِّ زوجين
اثنين ، قال أصحابه : وكيف نطمئن - أو كيف تطمئنُ المواشي - ومعنا الأسد؟ فسلّط الله عليه الحُمّى ،
فكانت أوَّل حمَّى نزلتْ في الأرض . ثم شَكوا الفأرةَ ، فقالوا : الفُويسقة تُفْسدُ علينا طعامنا ومتاعَنا .
فأوحى الله إلى الأسد فعطسَ ، فخرجتِ الهِرَّة منه، فتخبَّأت الفأرةُ منها )» . هذا مرسل .
وقوله ﴿ وَأَهْلَكَ إِلَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ [ هود: ٤٠] أي: من استُجيبت فيهم الدعوة النافذة ممن كفر ،
فكان منهم ابنه يام الذي غَرِقَ كما سيأتي بيانه ﴿ومن آمن﴾ أي: واحمل فيها منْ آمنَ بكَ من أُمَّتِكَ ، قال
الله تعالى: ﴿ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُ: إِلَّا قَلِلٌ﴾ [هود: ٤٠] هذا مع طول المُدَّةِ والمقام بين أظهرهم، ودعوتهم
الأكيدة ليلاً نهاراً بضروبِ المَقال وفُنون التلطُّفاتِ ، والتهديد والوعيد تارةً ، والترغيب والوعد أخرى .
وقد اختلفَ العلماءُ في عِدَّة منْ كان معه في السفينة : فعن ابن عباس كانوا ثمانينَ نَفْساً ، معهم
نساؤهم . وعن كعب الأحبار : كانوا اثنين وسبعين نَفْساً . وقيل : كانوا عشرة . وقيل : إنما كانوا
نوحاً وبنيه الثلاثة وكنائته الأربع بامرأة يام ، الذي انخزل(٣) وانعزلَ، وسلكَ عن طريق النجاة ، فما
عدلَ إذ عدل . وهذا القولُ فيه مخالفةٌ لظاهر الآية ، بل هي نصٌّ في أنه قد ركبَ معه غير أهله طائفةٌ
(١) ((الدُّرَّة)): نوع من الببغاوات ، جميل الشكل حسن الصوت.
(٢) كما في الدر المنثور (٤٢٧/٤ -٤٢٨) وهو خبر مرسل ، كما قال المصنف.
(٣) ((انخزل)): ارتدَّ عن الإيمان والركوب.
١٧١
قصة نوح عليه السلام
ممن آمنَ به ، كما قال ﴿ وَِّى وَمَن مَّعِىَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١٨] وقيل: كانوا سبعة.
وأما امرأة نوح ، وهي أمُّ أولادِه كلُّهم ، وهم : حَام ، وسَام ، ويافث ، ويَام ؛ وتُسمِّيه أهلُ الكتاب
كنعان١ُ) ، وهو الذي قد غَرِقَ، وعابر ؛ وقد ماتتْ قبلَ الطُّوفان ، قيل : إنها غرقتْ مع منْ غَرِقَ ،
وكانت ممن سَبَقَ عليه القولُ لكفرها ، وعند أهل الكتاب أنها كانت في السفينة ، فيُحتمل أنها كفرتْ بعد
ذلك ، أو أنَّها أنظرت ليوم القيامة، والظاهرُ الأوَّلُ، لقوله ﴿لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِنَ دَيَّارًا﴾ [ نوح: ٢٦].
قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْقُلْكِ فَقُلِ الْحَدُ لِلَّهِ الَّذِى تَنَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٦) وَقُل رَّتِّ أَنزِلْنِى
مُنْزَلَا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ﴾ [ المؤمنون: ٢٨ -٢٩] أمره أن يحمد ربَّه على ما سخّر له من هذه السفينة، فنجَّاه
بها ، وفتحَ بينه وبينَ قومه، وأقرَّ عينَه ممن خالفَه، وكذَّبه، كما قال تعالى: ﴿ وَالَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَجَ كُلَّهَا
وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَمِ مَا تَرَّكَبُونَ (١٦) لِتَسْتَوُ اْ عَلَى ظُهُورِهِ، ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اُسْتَوَيْتُمٌ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَنَ الَّذِى
سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَمُ مُقْرِنِينَ (١) وَإِنَّا إِلَى رَبْنَا لَمُنْقَلِبُونَ ﴾ [ الزخرف: ١٢ -١٤].
وهكذا يُؤمر بالدعاء في ابتداء الأمور أن يكون على الخير والبركة ، وأن تكونَ عاقبتُها محمودةً ، كما
قال تعالى لرسوله وَ﴿ه حين هاجر: ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ وَأَجْعَل لِ مِن ◌َّدُنكَ سُلْطَانًا
نَصِيرًا ﴾ [ الإسراء: ٨٠].
وقد امتثلَ نوعٌ عليه السلام هذه الوصيَّةَ ﴿﴿وَقَالَ أَرْكَبُواْ فِهَا بِسْمِ اللَّهِ بَحْرِهَا وَمُرْسَهَاْ إِنَّ رَبِى لَغَفُورٌ
رَّحِيمٌ﴾ [ هود: ٤١] أي: على اسم الله ابتداءُ سيرها وانتهاؤه ﴿إِنَّ رَبِ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي: وذو عقاب أليم ،
مع كونه غفوراً رحيماً ، لا يُردُّ بأسه عن القوم المجرمين ، كما أحلَّ بأهل الأرض الذين كفروا به وعبدوا
غيره .
قال الله تعالى: ﴿وَهِىَ تَّجْرِى بِهِمْ فِ مَوْجَ كَالْجِبَالِ﴾ [ هود: ٤٢]. وذلك أنَّ الله تعالى أرسلَ من السماء
مطراً لم تعهدْه الأرض قبلَهُ(٢) ولا تمطره بعده(٣)، كان كأفواه القِرَبِ ، وأمرَ الأرضَ فنبعتْ من جميع
فِجاجها وسائر أرجائها، كما قال تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِى مَغْلُوبٌ فَأَنْتَصِرْ ﴿ فَفَنَحْنَا أَنْوَبَ السَّمَآءِ بِمَآءٍ مُنْهَمٍِ !
وَفَجََّنَا الْأَرْضَ عُيُونًا قَالْنَقَى الْمَآءُ عَلَىَّ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١) وَحَمَلْنَهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَجٍ وَدُسُرٍ﴾ [القمر: ١٠ - ١٣]. والدُّسُر:
السابر(٤). ﴿ تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا﴾ أي: بحفظنا وكلاءَتنا٥) وحراستنا ومُشاهدتنا لها ﴿ جَزَآءُ لِّمَنْ كَانَ كُفِرَ ﴾
[ القمر : ١٤ ] .
(١) في المطبوع : كعنان ؛ وهو تصحيف .
(٢)
في أ : قبلها .
(٣) في أ : بعدها .
(٤) كذا في الأصول ، وفي المطبوع : المسامير .
(٥) ((وكَلاءَتنا)»: حفظنا .
١٧٢
قصة نوح عليه السلام
وقد ذكر ابن جرير وغيره : أنَّ الطُّوفانَ كان في ثالث عشر شهر آبٍ في حمارَّةُ(١) القيظ . وقال
تعالى: ﴿ إِنَّا لَمَّا طَفَا الْمَآءُ حَمَلْنَكُمْ فِ الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١] أي: السفينة. ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُوْ نَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنِّ وَعِيَةٌ ﴾
[ الحاقة : ١٢ ] .
قال جماعة من المفسرين : ارتفعَ الماءُ على أعلى جبل بالأرض خمسةَ عشرَ ذراعاً ، وهو الذي عند
أهل الكتاب ، وقيل: ثمانين ذراعاً. وعمَّ جميعَ الأرض طولَها والعرضَ، سهلَها وحَزْنَها٢) وجبالَها
وقِفارها ورِمالها . ولم يبقَ على وجه الأرض ممن كان بها من الأحياء عينٌ تَطْرُفُ ، ولا صغيرٌ ولا كبير .
قال الإمام مالك : عن زيد بن أسلم ؛ كان أهلُ ذلك الزمان قد مَلؤوا السَّهلَ والجبلَ . وقال
عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : لم تكنْ بقعةٌ في الأرض إلا ولها مالكٌ وحائز ؛ رواهما ابن أبي حاتم(٣) .
قَالَ سَشَاوِىّ إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِى
﴿ وَنَادَى نُوعُ ابْنَهُ, وَكَانَ فِى مَعْزِلٍ يَبُنَىَّ أَرْكَب ◌َّعَنَا وَلَا تَكُن مَعَ الْكَفِرِينَ (٥)
مِنَ الْمَآءِّ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّ مَن رَّحِمَّ وَحَالَ بَيْتَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٢ -٤٣].
وهذا الابن هو يام ، أخو سام وحام ويافث . وقيل: اسمه كنعان . وكان كافراً عَمِلَ (٤) عملاً غير
صالح ، فخالفَ أباه في دينه ومذهبهِ فهلكَ مع من هَلَك . هذا وقد نجا مع أبيه الأجانبُ في النسب لما
كانوا موافقينَ في الدِّين والمذهب .
﴿ وَقِيلَ يَتَأَرْضُ أَبْلَعِى مَآءَكٍ وَيَنْسَمَاءُ أَقْلِعِى وَغِيضَ الْمَآءُ وَقُضِىَ الْأَمْرُ وَأَسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِّ وَقِلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾
[ هود : ٤٤] . أي: لما فرغَ من أهل الأرض ولم يبق منها أحدٌ ممن عبد غيرَ الله عزَّ وجلَّ، أمرَ الله الأرضَ
أن تبلعَ ماءَها، وأمرَ السَّماءَ أنْ تُفْلِعَ ، أي : تُمْسكَ عن المطر ﴿ وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ أي: نقصَ عمَّا كان
﴿ وَقُضِىَ الْأَمْرُ﴾ أي: وقعَ بهم الذي كان قد سبقَ في عِلْمه وقَدره ، من إحلاله بهم ما حلَّ بهم ﴿ وَقِيلَ بُعْدًا
لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أي: نُودي عليهم بلسان القُدْرةُ(٥): بعداً لهم من الرحمة والمغفرة ، كما قال تعالى:
﴿ فَكَذَّبُوهُ فَأَنَجَيْنَهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِ الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَتِنَاْ إِنَهُمْ كَانُواْ قَوْمًا عَمِينَ ﴾ [الأعراف: ٦٤]
وقال تعالى: ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَنَجَيْنَهُ وَمَن مَّعَهُ فِى الْفُلْكِ وَجَعَلْنَهُمْ خَلَكَبِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِتَابَئِنَا فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ
عَقِبَةُ الْنُذَرِينَ﴾ [ يونس: ٧٣]. وقال تعالى: ﴿وَنَصَرْنَهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَتِنَاْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ
فَأَغْرَقْنَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٧] وقال تعالى: ﴿فَأَنَّنَهُ وَمَن مَّعَهُ فِىِ الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ﴿١٢) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ
(١) في المطبوع: في حساب القبط. وحمَارَّة القيظ: شدَّة حرِّه، وقد تُخفّف الراء.
(٢) ((حَزْنها)): ما خشن من الأرض وغلظ .
(٣) كما في الدر المنثور (٤/ ٤٢٧).
في أ : وكان كافراً عملا غير صالح .
(٤)
في أ : القَدَر .
(٥)
١٧٣
قصة نوح عليه السلام
إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم ◌ُؤْمِنِينَ ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ اُلْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١١٩ - ١٢٢] وقال تعالى:
فَأَنْجَيْنَهُ وَأَصْحَبَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَهَاَ
﴿ فَلِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِيْنَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الْتُلُوَفَاتُ وَهُمْ ظَالِمُونَ
ءَايَةً لِلْعَلَمِينَ﴾ [العنكبوت: ١٤ - ١٥] وقال تعالى: ﴿ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٦٦] وقال تعالى:
﴿ وَلَقَد تَّرَكْتَهَا ءَايَةً فَهَلْ مِن مُذَّكِرِ (﴿ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِ وَنُذُرِ () وَلَقَدْ يَسَرْنَا الْقُرْءَانَ لِذِكْرِ فَهَلْ مِن مُذَّكِرٍ﴾ [ القمر: ١٥ -
١٧] وقال تعالى: ﴿مِّمَّا خَطِيَِّهِمْ أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَارًا فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (٥] وَقَالَ نُحُ رَّبِّ لَا نَذَرْ عَلَى
اُلْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّارًا ﴿ إِنَّكَ إِن تَذَرَهُمْ يُضِلُواْ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُواْ إِلََّ فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [ نوح: ٢٥ - ٢٧] وقد استجابَ
الله تعالى - وله الحمد والمنَّة - دعوته ، فلم يبق منهم عين تطرف .
وقد روى الإمامان أبو جعفر بن جرير (١) ، وأبو محمد بن أبي حاتم في تفسيريهما : من طريق
يعقوب بن محمد الزُّهري ، عن فائد مولى عُبيد الله بن أبي رافع : أن إبراهيمَ بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة
أخبره، أن عائشةَ أم المؤمنين أخبرتْه، أن رسول الله وَ لَّ قال: «فلو رحمَ الله من قوم نوحٍ أحداً لرحمَ
أمَّ الصبيِّ)). قال رسولُ اللهِ وََّ: ((مكث نوٌ عليه السلام في قومه ألفَ سنةٍ - يعني إلا خمسينَ عاماً -
وغرسَ مئة سنةٍ الشجرَ ، فَعَظُمَتْ ، وذهبتْ كلَّ مذهبٍ ، ثم قطعَها ، ثم جعلَها سفينةً ، ويمُون عليه ،
ويَسْخرون منه ، ويقولون : تعملُ سفينةً في البرِّ كيف تجري ؟ قال : سوف تعلمون . فلما فرغَ ، ونبعَ
الماءُ وصارَ في السِّككِ ، خشيتْ أمُّ الصَّبيِّ عليه، وكانتْ تُحِبُّه حُبّاً شديداً ، خرجت به إلى الجبل حتَّى
بلغت ثلثَه ، فلما بلغَها الماءُ خرجتْ به حتَّى استوتْ على الجَبَلِ ، فلمَّا بلغَ الماءُ رقبتَها رَفَعَتْه بيديها ،
فغرقا ، فلو رحمَ الله منهم أحداً لرحمَ أُمَّ الصَّبِيِّ)) . وهذا حديث غريب .
وقد رُوي عن كعب الأحبار، ومُجاهد(٢) ، وغير واحد ، شبيهٌ لهذه القصة ، وأحرى بهذا الحديث
أن يكونَ موقوفاً مُتلقَّى عن مثل كعب الأحبار ، والله أعلم .
والمقصودُ أنَّ الله لم يُبقِ من الكافرين ديّاراً فكيف يزعمُ بعضُ المُفسِّرِين أنَّ عَوجَ بن عَنَق(٣) - ويقال
ابن عَناق - كان موجوداً من قبل نوح إلى زمان موسى ؟ ويقولون : كان كافراً مُتمرِّداً جبَّاراً عنيداً ،
ويقولون : كان لغير رشدة ، بل ولدتُه أَقُّه عَنَقَ بنت آدم ، من زنى، وإنه كان يأخذُ من طوله السَّمَك من
قَرار البحار ، ويشويه في عَيْن الشمس ، وإنه كان يقول لنوح وهو في السفينة : ما هذه القُصَيْعة التي لكَ ؟
ويستهزىءُ به ، ويذكرون أنه كان طولُه ثلاثة آلاف ذراع وثلاث مئة وثلاثة وثلاثين ذراعاً وثلثاً ، إلى غير
ذلك من الهذيانات التي لولا أنها مُسَطَّرة في كثير من كتب التفاسير وغيرها من التواريخ وأيَّامِ النَّاس ،
(١) تفسير ابن جرير الطبري (٧/ ٣٥) وتاريخ الطبري (١/ ١٨٠).
(٢) انظر الدر المنثور؛ للسيوطي (٤٢٩/٤ - ٤٣٠).
انظر خبر عَوَجَ بن عَنق هذا في التاريخ للطبري (١٨١/١ و٤٣١). والكامل لابن الأثير (١/ ٧٢) وبهامشه:
(٣)
عَوج بن أعنق .
١٧٤
قصة نوح عليه السلام
لما تعرَّضنا لحكايتها؛ لسُقاطَتِها١) ورَكاكَتها ، ثم إنَّها مخالفةٌ للمعقول والمنقول .
أما المعقولُ : فكيف يسوغُ فيه أن يُهْلكَ الله ولدَ نوحٍ لكفره وأبوه نبيُّ الأمة وزعيمُ أهل الإيمان،
ولا يُهْلكَ عَوجَ بن عَنق - ويقال عناق - وهو أظلمٌ وأطغى على ما ذكروا ؟! وكيف لا يرحم الله منهم أحداً
ولا أُمَّ الصَّبِيِّ ولا الصَّبيَّ، ويترك هذا الدَّعيَّ الجبّار العنيدَ الفاجرَ الشديدَ الكافرَ الشيطانَ المريدَ ، على
ما ذكروا ؟!
وأما المنقولُ: فقد قال الله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٦٦] ﴿وَقَالَ نُحُ رَّبِّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ
مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّارًا﴾ [ نوح: ٢٦] ثم هذا الطول الذي ذكروه مخالفٌ لما ثبت في الصحيحين عن رسول الله له
أنه قال: ((إن الله خلقَ آدمَ وطولُهُ ستون ذراعاً، ثم لم يزل الخلقُ ينقصُ حتى الآن)(٢).
فهذا نصُّ الصَّادقِ المصدوقِ المعصوم ، الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌّ يُوحى ؛ أنَّه لم يزلِ
الخلقُ ينقصُ حتَّى الآن ، أي : لم يزل النَّاس في نقصان طُولهم من آدمَ إلى يوم إخباره بذلك ، وهلُمَّ جراً
إلى يوم القيامة .
وهذا يقتضي أنه لم يُوجد من ذريّة آدم من كان أطول منه ، فكيف يُتركُ هذا ويُذْهلُ عنه ، ويُصار إلى
أقوال الكَذَبة الكَفَرةِ من أهل الكتاب ، الذين بدَّلوا كُتُب الله المنزلة وحرَّفوها وأؤَّلوها، ووضعُوها على
غير مواضِعها ، فما ظنُّك بما هم يستقلون بنقله أو يؤتمنون عليه، [ وهم الخونة والكذَبة - عليهم لعائنُ الله
المتتابعة إلى يوم القيامة - ٣٢) وما أظنُّ أن هذا الخبر عن عَوج بن عَناق إلا اختلاقاً من بعض زنادقتهم
وفُجَّارهم الذين كانوا أعداءَ الأنبياء ، والله أعلم .
ثم ذكرَ الله تعالى مناشدةً نوح ربَّه في ولده، وسؤاله له عن غرقِه ، على وجه الاستعلام
والاستكشاف ، ووجه السؤال : أنَّك وعدَتني بنجاة أهلي معي ، وهو منهمٍ وقد غرقَ ، فأجيب بأنه ليس
من أهلك ، أي : الذين وعدتُ بنجاتهم، أي: أما قُلنا لكَ ﴿ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوَّلُ مِنْهُمَّ﴾
[ المؤمنون: ٢٧ ] فكانَ هذا ممن سبقَ عليه القولُ منهم بأنه سيغرق بكفره ، ولهذا ساقتْه الأقدارُ إلى أن انحاز
عن حوزة أهل الإيمان، فغَرِقَ مع حزبه أهل الكفر والطغيان، ثم قال تعالى: ﴿قِلَ يَنُوحُ أَهْبِطْ بِسَلَمٍ مِنَّا
وَبَكَتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمِ مِمَّن ◌َّعَكَّ وَأُمَمُ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمِ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [ هود: ٤٨] هذا أمرٌ لنوح عليه
السلام لمَّا نضبَ الماءُ عن وجهِ الأرض ، وأمكنَ السَّعي فيها والاستقرار عليها ، أنْ يهبطَ من السفينة التي
(١) كذا في ب والمطبوع ، والسُّقاطة: ما سقط من الشيء . وفي أ وسطالتها : والساطل من الغبار المرتفع ،
والسَّاطلُ : المُلْبِسُ .
(٢) أخرجه البخاري (٣٣٢٦) في الأنبياء، ومسلم (٢٨٤١) في الجنة وصفة نعيمها وأهلها .
(٣) ما بين حاصرتين سقط من المطبوع ، وأثبته من أوب .
١٧٥
قصة نوح عليه السلام
كانت قد استقرَّتْ بعد سيرها العظيم على ظهر جَبَلٍ(١) الجوديِّ. وهو جبلٌ بأرضِ الجزيرة مشهورٌ ، وقد
قدَّمنا ذكرَه عند خَلْقِ الجبال ﴿ أَهْبِطْ بِسَلَمِ مِنَا﴾ أي: اهبطْ سالماً مباركاً عليك وعلى أمم ممن سيولد بعد
أيٍّ من أولادك ، فإن الله لم يجعل لأحد ممن كان معه من المؤمنين نسلاً ولا عَقِباً سوى نوح عليه السلام ،
قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيََّهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [ الصافات: ٧٧] فكلُّ منْ على وجه الأرض اليوم من سائر أجناس بني
آدم ينتسبون(٢) إلى أولاد نوح الثلاثة ، وهم : سام ، وحام ، ويافث .
قال الإمام [ أحمد ]٣) : حدَّثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة ، عن الحسن ، عن سَمُرة ؛ أنَّ
النبيَّ بَّه قال: ((سَامٌ أبو العرب، وحَامٌ أبو الحبش، ويافثُ أبو الروم)).
ورواه الترمذيٌّ(٤) : عن بشر بن مُعاذ العَقَديّ، عن يزيدَ بن زُرَيْع ، عن سعيد بن أبي عَرُوبة ، عن
قَتادة ، عن الحسن ، عن سَمُرة مرفوعاً ، نحوه .
وقال الشيخ أبو عمر(٥) بن عبد البر: وقد روي عن عمران بن حُصَيْن، عن النبيَِّر، مثله.
قال : والمرادُ بالروم هنا الرومُ الأوَلُ ، وهم : اليونان المنتسبون إلى رومي بن لبطي بن يُونان بن يافث بن
نوح عليه السلام . ثم رَوَى من حديث إسماعيل بن عيَّاش ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب ،
أنه قال : ولدَ نوحٌ ثلاثةً: سام ، ويافث، وحام . وولدَ كلُّ واحدٍ من هذه الثلاثة ثلاثةً ، فولدَ سامُ
العربَ ، وفارسَ والرُّومَ . وولدَ يافثُ التُّركَ والسَّقالبةَ ويأجوجَ ومأجوجَ . وولدَ حامُ القِبْطَ والسُّودان
والبَرْبر .
قلت : وقد قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده(٦): حدَّثنا إبراهيم بن هانىء وأحمدُ بن الحُسين بن
عبَّاد - أبو العبَّاس ـ قالا: حدَّثنا محمَّد بن يزيد بن سنان الرَّهاوي، حدَّثني أبي ، عن يحيى بن سعيد،
عن سعيد بن المُسيِّب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وََّ: ((وُلدَ لنوحِ : سام، وحام، ويافث .
فُوُلد لسامِ : العربُ وفارسُ ، والرومُ ، والخيرُ فيهم . ووُلد ليافث: يأجوجُ ومأجوجُ، والتُّركُ
والسَّقَالبة، ولا خير فيهم ، وَوُلد لحام: القِبْطُ، والبَزْبرُ والسُّودان)) ثم قال: لا نعلم يُروى مرفوعاً إلا
من هذا الوجه ، تفرَّد به محمد بن يزيد بن سنان عن أبيه ، وقد حدَّث عنه جماعة من أهل العلم واحتملوا
حديثه . ورواه غيرُه عن يحيى بن سعيد مرسلاً ، ولم يُسنده وإنما جعلَه من قول سعيد .
(١) في أ : على ظهر الجوديّ .
(٢)
في المطبوع : ينسبون .
في أ : قال الإمام ، وهو في المسند (٩/٥ - ١١).
(٣)
في الجامع (٣٢٣١) في التفسير، و (٣٩٣١) في المناقب ، وقال : هذا حديث حسن.
(٤)
في أ : عمرو ؛ وهو خطأ .
(٥)
(٦) كما في كشف الأستار (٢١٨).
١٧٦
قصة نوح عليه السلام
قلت : وهذا الذي ذكره أبو عمر هو المحفوظ عن سعيد قوله (١) ، وهكذا رُوي عن وهب بن منبه
مثله ، والله أعلم . ويزيد بن سنان أبو فروة الرهاوي ضعيفٌ بمرّة ، لا يُعتمد عليه .
وقد قيل : إنَّ نُوحاً عليه السلام لم يُولد له هؤلاء الثلاثة الأولاد إلا بعد الطُّوفان ، وإنما وُلد له قبل
السفينة كنعان الذي غَرِقَ ، وعابر مات قبل الطُوفان . والصحيحُ أن الأولادَ الثلاثة كانوا معه في السفينة هم
ونساؤهم وأمهم ، وهو نصُّ التوراة . وقد ذُكرَ أنَّ حاماً واقعَ امرأتَه في السفينة ، فدعا عليه نوحٌ أنْ تُشوّهَ
خِلْقَةُ نطفتِهِ ، فوُلد له ولدٌ أسود ، وهو كنعان بن حام جدُّ السودان . وقيل : بل رأى أباه نائماً وقد بدتْ
عورُه فلم يسترها ، وسترَها أخواه ، فلهذا دعا عليه أن تُغَيَّر نُطْفته ، وأن يكونَ أولادُه عبيداً لإخوته .
وذكر الإمام أبو جعفر بن جرير : من طريق عليّ بن زيد بن جُدعان ، عن يوسفَ بن مِهْران ، عن ابن
عبَّاس ، أنه قال : قال الحواريون لعيسى ابن مريم: لو بعثتَ لنا رجلاً شهدَ السفينة فحدَّثنا عنها ! فانطلقَ
بهم حتى أتى إلى كثيبٍ(٢) من تُرابٍ، فأخذَ كفَّا من ذلك التراب بكفِّه ، قال : أتدرون من هذا ؟ قالوا الله
ورسوله أعلم . قال : هذا كعب(٣) حام بن نوح . قال : وضربَ الكثيبَ بعصاه ، وقال : قمْ بإذن الله،
فإذا هو قائمٌ ينفضُ الترابَ عن رأسِه قد شابَ . فقال له عيسى عليه السلام : هكذا هلكتَ ؟ قال : لا
ولكنِّي مِثُّ وأنا شابٌّ ، ولكنِّي ظننتُ أنَّها السَّاعة، فمن ثَمَّ شِبْتُ . قال : حدَّثنا عن سفينة نوح . قال :
كان طولُها ألفَ ذراع ومائتي ذراع ، وعرضُها ستمئة ذراع ، وكانت ثلاثَ طبقاتٍ ، فطبقةٌ فيها الدوابُ
والوحشُ ، وطبقةٌ فيها الإنس وطبقةٌ فيها الطير . فلما كثرَ أرواثُ الدوابِّ أوحى الله عزَّ وجلَّ إلى نوح عليه
السلام أن اغمز٤ُ) ذنبَ الفيل، فغمزَه فوقعَ منه خنزيرٌ وخنزيرةٌ ، فأقبلا على الرَّوْث ، ولما وقعَ الفأرُ
بخرز السفينة يقرضُه ، أوحى الله عز وجل إلى نوح عليه السلام أن اضربْ بينَ عيني الأسدِ ، فخرجَ من
منخره ستُّور وستُّورة ، فأقبلا على الفأر . فقال له عيسى : كيف عرفَ نوح عليه السلام أن البلاد قد
غَرِقِتْ ؟ قال : بعثَ الغراب يأتيه بالخبر ، فوجدَ جيفةً فوقعَ عليها ، فدعا عليه بالخوف ، فذلك لا يألفُ
البيوتَ . قال : ثم بعثَ الحمامةَ فجاءت بورقٍ زيتونٍ بمنقارِها وطيْنٍ برجلِها ، فعلمَ أنَّ البلادَ قد غَرِقَتْ ،
فطوَّقها الخضرةَ التي في عُنُقِها ، ودعا لها أن تكونَ في أُنسِ وأمانٍ ، فمن ثمَّ تألفُ البيوتَ . قال :
فقالوا : يا رسول الله: ألا ننطلقُ به إلى أهلينا ، فيجلسُ معنا ويُحدِّثنا؟ قال : كيف يتبعُكم منْ لا رزقَ
له . قال : فقال له : عُدْ بإذن الله، فعادَ ترابا٥ً) . وهذا أثر غريب جداً.
(١) أي من قول سعيد بن المسيب.
(٢)
(( كثيب)) : تل من رمل .
كذا في الأصول ، وفي تاريخ الطبري : هذا قبر .
(٣)
(٤)
(( اغمز)) : انخسْ.
(٥) أخرجه الطبري في تاريخه (١/ ١٨١ - ١٨٢).
١٧٧
قصة نوح عليه السلام
وروى علباءُ بنُ(١) أحمر : عن عكرمة ، عن ابن عبّاس، قال: كان مع نوح في السفينة ثمانون رجلاً
معهم أهلوهم ، وإنهم كانوا في السفينة مئة وخمسين يوماً ، وإن الله وجَّهَ السفينةَ إلى مَّة ، فدارت بالبيتِ
أربعينَ يوماً ، ثم وجّهها إلى الجُودِيُّ(٢) فاستقرَّتْ عليه، فبعثَ نوٌ عليه السلام الغراب ليأتيَه بخبر
الأرض ، فذهبَ فوقعَ على الجِيفَ فأبطأ عليه ، فبعثَ الحمامةَ فأتته بورقِ الزيتونِ ولطختْ رِجْلَيْها
بالطّين، فعرفَ نوعٌ أنَّ الماءَ قد نضبَ ، فهبط إلى أسفلِ الجُوديِّ، فابتنى قريةً وسمَّاها ثمانينَ ،
فأصبحوا ذاتَ يومٍ وقد تبلبلتْ ألسنتُهم على ثمانينَ لغةً ، إحداها العربيُّ، وكان بعضُهم لا يَفْقَهُ كلامَ
بعضٍ ، فكانَ نوعٌ عليه السلام يُعبِّرُ عنهمْ(٣) .
وقال قتادةُ وغيره : ركبوا في السفينة في اليوم العاشر من شهر رجب ، فسارُوا مئة وخمسين يوماً ،
واستقرَّت بهم على الجوديّ شهراً، وكان خروجُهم من السفينة في يوم عاشوراء من المحرم٤ُ) .
وقد روى ابن جرير(٥) خبراً مرفوعاً يُوافق هذا وأنهم صامُوا يومَهم ذلك .
وقال الإمام أحمد : حدَّثنا أبو جعفر ، أخبرنا عبدُ الصمد بن حَبيب الأزدي ، عن أبيه حبيب بن
عبد الله، عن شُبَيْل ، عن أبي هريرة ، قال : مرَّ النبيُّ بأناسٍ من اليهود وقد صامُوا يومَ عاشوراء ، فقال :
(( ما هذا من الصوم؟ )) فقالوا: هذا اليوم الذي نجًّا الله موسى وبني إسرائيلَ من الغَرَقِ، وغَرَّقَ فيه
فرعون ، وهذا يوم استوت فيه السفينةُ على الجُوديِّ، فصامَ نوعٌ وموسى عليهما السلام شكراً لله
عزَّ وجلَّ ، فقال النبيُّ: ((أنا أحقُّ بموسى وأحقُّ بصومٍ هذا اليوم (٦).
وقال لأصحابه : (( مَنْ كانَ منكم أصبحَ صائماً فليتمَّ صومَه ، ومَنْ كان منكم قد أصابَ من غداءِ أهلِه
فليتمَّ بقيَّةَ يومِه (٧) .
وهذا الحديث له شاهدٌ في الصحيح(٨) من وجه آخر ، والمستغرب ذكرُ نوحٍ أيضاً، والله أعلم .
وأما ما يذكرُه كثيرٌ من الجهلة أنهم أكلوا من فُضولِ أزوادِهم ومِنْ حُبوبٍ كانت معَهم قد
(١) علباء بن أحمر : اليشكري روى عن عمرو بن أخطب ، وعكرمة، وثقه ابن معين وأبو زرعة الرازي، وذكره ابن حبان
في الثقات ، وقال أحمد: لا بأس به لا أعلم إلا خيراً، وهو من رجال مسلم (تهذيب الكمال ٢٠/ ٢٩٣ - ٢٩٤).
(٢) ((الجوديّ)): اسم جبل بالجزيرة، استوت عليه سفينة نوح.
(٣)
ذكره ابن كثير في التفسير أيضاً (٢ / ٥٥٠ - ٥٥١) ولم يعزه لكتاب .
(٤)
ذكره ابن كثير في التفسير (٢/ ٥٥١ ).
(٥)
في التاريخ (١٩٠/١) عن عبد العزيز بن عبد الغفور ، عن أبيه.
أخرجه أحمد فى المسند (٣٥٩/٢ - ٣٦٠)، وإسناده ضعيف، ولكن لقصة موسى دون نوح شواهد يقوى بها .
(٦)
(٧) أخرجه أحمد فى المسند (٣٥٩/٢)، وإسناده ضعيف ، ولكن له شواهد يقوى بها.
(٨) أخرجه البخاري (٤٦٨٠) في التفسير، ومسلم ( ١١٣٠) في الصيام .
١٧٨
قصة نوح عليه السلام
استصحبُوها، واطّحنُوا الحبوبَ يومئذ، واكتحلوا بالإثمد لتقوية أبصارهم لمَّا انهارتْ من الضِّياء بعد
ما كانوا في ظُلْمة السفينة، فكلُّ هذا لا يصحُ فيه شيء ، وإنما يُذكر فيه آثارٌ منقطعة عن بني إسرائيل ،
لا يُعتمدُ عليها ولا يُقتدى بها ، والله أعلم.
وقال محمد بن إسحاق : لما أرادَ الله أن يكفّ ذلك الطُّوفان أرسلَ ريحاً على وجه الأرض ، فسكنَ
الماءُ وانسدَّتْ ينابيعُ الأرض ، فجعلَ الماء ينقصُ ويغيض ويُدْبرُ ، وكان استواءُ الفُلْكِ فيما يزعمُ أهلُ
التوراة في الشهر السابع لسبع عشرة ليلة مضت منه ، وفي أول يوم من الشهر العاشر رُئيَتْ رُؤوس الجبال.
فلما مضى بعد ذلكَ أربعونَ يوماً فتحَ نوعٌ كُوَّةَ الفُلْكِ التي صنعَ فيها ، ثم أرسلَ الغُرابَ لينظرَ له
ما فعلَ الماء ، فلم يرجع إليه ، فأرسلَ الحمامةَ فرجعتْ إليه لم يجد لرجلِها موضعاً ، فبسط يده للحمامة
فأخذَها فأدخلَها ، ثم مضت سبعة أيام ، ثم أرسلها لتنظر له ما فعلَ الماءُ فلم ترجع ، فرجعتْ حينَ أمستْ
وفي فيها ورقُ زيتونةٍ ، فعلمَ نوحٌ أنَّ الماء قد قلَّ عن وجه الأرض ، ثم مكثَ سبعة ايام ، ثم أرسلَها ، فلم
ترجع إليه ، فعلم نوعٌ أَنَّ الأرض قد برزتْ ، فلما كملت السنة - فيما بين أنْ أرسلَ الله الطُوفان إلى أن
أرسلَ نوحٌ الحمامةَ - ودخل يوم واحد من الشهر الأول من سنة اثنين ، برزَ وجهُ الأرضِ ، وظهرَ البرُّ ،
وكشفَ نوحٌ غطاءَ الفلك .
وهذا الذي ذكره ابنُ إسحاق هو بعينه مضمونُ سياق التوراة التي بأيدي أهل الكتاب .
قال ابن إسحاق : وفي الشهر الثاني من سنة اثنتين في ست وعشرين ليلة منه ﴿قِيلَ يَنُوحُ أَهْبِطْ بِسَلَمٍ
مِنَّا وَبَرَّكَتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىَّ أُمَمٍ مِّمَن مَّعَكَّ وَأُمَّمُ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَشُهُمْ مِنَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [ هود: ٤٨].
وفيما ذكر أهل الكتاب أن الله كلَّم نوحاً قائلاً له : اخرجْ من الفُلْك أنتَ وامرأتك وبنوكَ ونساءُ بنيكَ
معكَ ، وجميع الدواب التي معك ، ولينموا وليكثروا في الأرض ، فخرجوا ، وابتنى نوحٌ مذبحاً لله
عزَّ وجل ، وأخذ من جميع الدوابِّ الحلال والطير الحَلال فذبحها قرباناً إلى الله عزَّ وجلَّ، وعَهدَ الله إليه
ألا يعيدَ الُوفان على أهل الأرض ، وجعلَ تذكاراً لميثاقه إليه القوس الذي في الغمام ، وهو قوس قزح
الذي قدَّمنا١) عن ابن عباس أنه أمان من الغرق . قال بعضهم : فيه إشارة إلى أنه قوسٌ بلا وتر ، أي : أن
هذا الغمام لا يُوجد منه طوفان كأول مرة .
وقد أنكرت طائفة من جهلة الفرس وأهل الهند وقوع الطوفان ، واعترف به آخرون منهم وقالوا : إنما
كان بأرض بابل ولم يصل إلينا . قالوا : ولم نزل نتوارث الملك كابراً عن كابرٍ من لدن كنوفرت(٢) - يعني
آدم - إلى زماننا هذا . وهذا قاله من قاله من زنادقة المجوس عبَّاد النيران وأتباع الشيطان .
(١) كذا في الأصل ، وفي المطبوع: روى.
(٢) كذا في الأصل ، وفي المطبوع : كيومرث .
١٧٩
ذكر شيء من أخبار نوح نفسه
وهذا سفسطة ، وكفرٌ فظيع ، وجهل بليغ ، ومكابرةٌ للمحسوسات ، وتكذيبٌ لربِّ الأرض
والسموات ، وقد أجمعَ أهلُ الأديان الناقلون عن رسلِ الرحمن مع ما تواتر عندَ الناس في سائر الأزمان
على وقوع الطوفان ، وأنَّه عمَّ جميعَ البلاد ولم يُبْقِ اللهُ أحداً من كفرة العباد ، استجابةً لدعوة نبيِّه المؤيد
المعصوم ، وتنفيذاً لما سبق فى القدر المحتوم .
ذکر
شيء من أخبار نوح نفسه عليه السّلام
قال الله تعالى: ﴿ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣] قيل: إنه كان يحمد الله على طعامه وشرابه
ولباسه وشأنه كله (١) .
وقال الإمام أحمد(٢): حدَّثنا أبو أسامة ، حدَّثنا زكريا بن أبي زائدة ، عن سعيد بن أبي بردة ، عن
أنس بن مالك، قال: قال رسول الله وَّه: ((إنَّ الله ليَرضى عن العبد أنْ يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو
يشرب الشربة فيحمده عليها)).
وكذا رواه مسلم والترمذي والنَّسائي(٣) من حديث أبي أسامة: والظاهر أن الشكور هو الذي يعملُ
بجميع الطَّاعات القلبية والقولية والعملية، فإن الشكرَ يكون بهذا وبهذا وبهذا، كما قال الشاعر: [من الطويل ]
أفادتكُمُ النعماءُ منّي ثلاثةٌ يدي ولِساني والضميرَ المُحجَّبا٤)
ذِكرُ
صومه(٥) عليه السلام
وقال ابن ماجه (٦) - باب صيام نوح عليه السلام - : حدَّثنا سهلُ بن أبي سَهْل ، حدَّثنا سعيد بن
(١) انظر تفسير ابن كثير (٣٤/٣) .
(٢) في المسند ( ٣/ ١١٧).
(٣) أخرجه مسلم (٢٧٣٤) في الذكر والدعاء ، والترمذي (١٨١٦) في الأطعمة، والنسائي (٦٨٩٩) في السنن الكبرى.
(٤) ذكره الزمخشري في الكشاف (٨/١) وابن القيم في كتابه طريق الهجرتين (ص٦٢١) فقال: فاليد: للطاعة ،
واللسان للثناء ، والضمير : للحب والتعظيم .
(٥) في أ : صيامه .
(٦) في سننه (١٧١٤) في الصيام ، وفي مصباح الزجاجة : في إسناده ابن لهيعة ، وهو ضعيف وقد ثبت النهي عن صيام
الدهر في غير ما حديث .
١٨٠
ذكر حجه ووصيته لولده عليه السلام
أبي مَرْيم ، عن ابن لهيعة ، عن جعفر بن ربيعةَ، عن أبي فراس ، أنَّه سمعَ عبدَ الله بن عمرو يقول :
سمعتُ رسول الله وَ ﴿ يقول: (( صامَ نوحٌ الدَّهرَ إلا يوم عيد الفطر ويوم الأضحى » هکذا رواه ابن ماجه من
طريق عبد الله بن لهيعة ، بإسناده ولفظه .
وقد قال الطبراني : حدَّثنا أبو الزِّنباع روح بن الفَرَج، حدَّثنا عمرو بن خالد الحرَّاني، حدَّثنا ابن
لهيعة ، عن أبي قنان ، عن يزيد بن رباح أبي فراس ؛ أنَّه سمعَ عبدَ الله بن عمرو يقول : سمعتُ رسولَ الله
وَلَه يقول: ((صامَ نوحُ الدَّهْرَ إلا يوم الفطر ويوم الأضحى، وصامَ داودُ نصفَ الدهر، وصامَ إبراهيمُ ثلاثةَ
أيَّامٍ منْ كُلِّ شهر، صامَ الدَّهرَ وأفطرَ الذَّهْرَ)(١).
ذِكرُ
حَجِّه علیه السلام
وقال الحافظ أبو يعلى: حدَّثنا سفيان بن وكيع ، حدَّثنا أبي ، عن زمعة ، هو ابن أبي صالح - عن
سلمةَ بن وهرام، عن عكرمة ، عن ابن عباس، قال: حجَّ رسولُ الله ◌ِ ◌ّر، فلما أتى وادي عسفانَ ،
قال: (( يا أبا بكر! أي وادٍ هذا؟)) قال: هذا وادي عسفان، قال: ((لقدْ مرَّ بهذا الوادي نوحٌ وهودٌ
وإبراهيمُ على بكرات(٢) لهم حمر، خُطُمهم الليف، أُزرهم العباء، وأرديتهم النِّمار، يحُون البيتَ
العتيق)) . فيه غرابة .
ذِڭئ
وصيَّتِه لولده عليه السلام
قال الإمام أحمد (٣): حدَّثنا سليمان بن حرب، حدَّثنا حمَّاد بن زيد، عن الصَّقْعب بن زُهير ، عن
زيد بن أسلم ، قال حمَّاد - أظنُّه عن عطاء بن يسار - عن عبد الله بن عمرو، قال: كنَّا عند رسولِ الله ◌ِ له ،
فجاءَ رجلٌ من أهل البادية عليه جُبَّة سيجان(٤) مزرورةٌ بالديباج ، فقال : ألا إنَّ صاحبَكم هذا قد وضعَ كلَّ
(١) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١٩٥/٣) وقال: رواه الطبراني في الكبير ، وفيه : أبو قنان ، ولم أعرفه.
(٢)
بكرات : جمع بكرة ، وهي الفتية من الإبل . والخطم : كل ما وضع في أنف البعير ليُقتاد منه.
(٣)
في المسند (١٦٩/٢ - ١٧٠) رقم (٦٥٨٣).
(٤) وسيجان: جمع ساج، وهو الطيلسان الأخضر. وسفه الحق : جهله، والاستخفاف به وغَمْص النَّاس: الاستهانة =