Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
فصل في البحار والأنهار
خراب الدنيا أربعين عاماً ، ولا تذهبُ الأيام والليالي حتى أردّ عليكَ ظلَّك وبركتَك ، قال : فهو عند الله
بمنزلة المؤمن الضعيف المتضرِّغ (١) .
وعن خليد بن دَعْلَج: أنَّ صفية زوج النبي ◌َّ أتتْ طرفَ بيت المقدس فصلّتْ فيه ، وصعِدت إلى
طور زيتا فصلَّت فيه ، وباتت على طرف الجبل ، فقالت : ( من هاهنا يتفرَّقُ النَّاسُ يومَ القيامة إلى الجنة
وإلى النار(٢) (٣)
فصل في البحار والأنهار
قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ اُلَّذِى سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيَا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا
وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِنْ فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿ وَأَلْفَى فِىِ الْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ
وَعَمَتٍّ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَن لَّ يَخْلُقُ أَفَلَا
١٥
بِكُمْ وَأَنْهَذَا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
﴿ وَ إِن تَعُذُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُخْصُوهَاْ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١٤ - ١٨] وقال تعالى:
تَذَكَّرُونَ
﴿ وَمَا يَسْتَوِى الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَانٌ سَآَبِعٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْعَّ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةٌ
تَلْبَسُونَهَّا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُواْ مِنْ فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [فاطر: ١٢] وقال تعالى:
﴿ ﴿ وَهُوَ الَّذِى مَرَجَ اُلْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْعُّ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَنًا وَحِجْرًا فَّحْجُورًا﴾ [ الفرقان: ٥٣] وقال
تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْنَفِيَانِ (١) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَتَغِيَانِ﴾ [ الرحمن: ١٩ - ٢٠] فالمراد بالبحرين: البحر الملح
المؤُ، وهو الأجاج ، والبحر العَذْبُ ، هو هذه الأنهار السارحة بين أقطار الأمصار لمصالح العباد ؛ قاله
ابن جريج وغير واحد من الأئمة .
٢) إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهٍِّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتِ
وقال تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ الْجَوَارِ فِ الْبَحْرِ كَالْأَعْلَمِ !
أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ
لِكُلِّ صَنَّارٍ شَكُورٍ ﴿ أَوْ يُوبِفْهُنَّ بِمَا كَسَبُواْ وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ ﴾ [الشورى: ٣٢ -٣٤] وقال تعالى: ﴿
تَجْرِى فِ الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُ مِنْ ءَايَتِهِ؛ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٢) وَإِذَا غَشِيَهُمْ قَوْجٌ كَلَقُللَلِ دَعَوْا
اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَّ فَلَّا ◌َجَّنْهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْنَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِعَايَدِنَآ إِلَّ كُلّ خَثَّارٍ كَفُورٍ ﴾ [ لقمان: ٣١ -٣٢]
وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِى تَجْرِى فِى الْبَعْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ
(١) ذكره ابن منظور في مختصر تاريخ دمشق (٢٥٥/١-٢٥٦) وفي سنده علي بن يزيد الألهاني، وهو ضعيف . ولم
يرفعه .
(٢) ذكره الشمس السيوطي في ((إتحاف الأخِصَّا)) (٢٢١/١) وخليد بن دعلج السدوسي: ضعيف . انظر ميزان
الاعتدال (٣٠٩/١) والتقريب ص (١٩٥).
(٣) ما بين قوسين أثبته من ب ، وهو ساقط من أوالمطبوع .

٤٢
فصل في البحار والأنهار
وَمَآ أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن ◌َآءٍ فَأَخْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَةٍ وَتَصْرِيفِ الْرِيَحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ
بَيْنَ السَّمَآءِ وَالْأَرْضِ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ [ البقرة: ١٦٤].
فامتنَّ تعالى على عباده بما خلقَ لهم من البحار والأنهار ، فالبحرُ المحيط بسائر أرجاء الأرض
وما ينبثقُ منه في جوانبها ، الجميع مالحُ الطعم ، مُرّ ، وفي هذا حكمة عظيمة لصحّة الهواء ، إذ لو كان
حلواً لأنتنَ الجوُّ وفسدَ الهواء بسبب ما يموتُ فيه من الحيوانات ، فكان يُؤَدِّي إلى تفاني بني آدم ، ولكن
اقتضت الحكمةُ البالغةُ أن يكونَ على هذه الصفة لهذه المصلحة. ولهذا لما سُئلَ رسول الله بِ له عن البحر
قال: ((هو الطَّهُورُ مَاؤُه الحِلُّ مَيْتَهُ (١).
وأما الأنهار ، فماؤُها حلوٌ عذبٌ فراتٌ سائغٌ شرابُها لمن أراد ذلك . وجعلَها جاريةً سارحةً يُنْبِعُها
تعالى في أرضٍ ويسوقُها إلى أخرى رزقاً للعباد . ومنها كبارٌ ومنها صغارٌ بحسب الحاجة والمصلحة .
وقد تكلّم أصحابُ علم الهيئة والتسبير(٢) على تعداد البحار والأنهار الكبار ، وأصول منابعها ، وإلى
أن ينتهي سيرُها بكلام فيه حكمٌ ودلالاتٌ على قدرةِ الخالق تعالى ، وأنَّ فاعلٌ بالاختيار والحكمة وقوله
تعالى: ﴿ وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦] فيه قولان: أحدُهما أنَّ المرادَ به البحر الذي تحتَ العرش
المذكور في حديث الأوعال(٣) . وأنه فوقَ السموات السبع بين أسفله وأعلاه كما بين سماءٍ إلى سماء ،
وهو الذي ينزلُ منه المطرُ قبلَ البعث فتحيا منه الأجسادُ من قبورها . وهذا القولُ هو اختيار الربيع بن
أنسُ(٤) . والثاني أنَّ البحرَ اسمُ جنس يعمُّ سائرَ البحار التي في الأرض ، وهو قول الجمهور .
واختلفوا في معنى ﴿المسجور ﴾ فقيل: المملوء، وقيل: الذي يصيرُ يومَ القيامة ناراً تأجَّجُ ،
فيُحيط بأهل الموقف كما ذكرناه في (( التفسير (٥) عن عليّ، وابن عباس ، وسعيد بن جُبير ، وابن
مجاهد ، وغيرهم . وقيل : المراد به الممنوع المكفوفُ المحروسُ عن أن يطغى فيغمرَ الأرضَ ومنْ عليها
(١) رواه أحمد في المسند (٢/ ٢٧٧ و٣٦١ و٣٧٨ و٣٩٣) وأبو داود في سننه ( ٨٣) في الطهارة ، والترمذي في جامعه
(٦٩) في الطهارة، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وابن ماجه في سننه (٣٨٦) في الطهارة، و(٣٢٤٦) في
الصيد والنسائي في المجتبى (١/ ٥٠ و١٧٦) و(٢٠٧/٧) . كلهم من حديث أبي هريرة ، وهو حديث صحيح .
ورواه أحمد في المسند ( ٣/ ٣٧٣) وابن ماجه (٣٨٨) في الطهارة . من حديث جابر بن عبد الله . ورواه ابن ماجه
(٣٨٧) من حديث الفراسي. ورواه أحمد في المسند (٣٦٥/٥) من حديث عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة.
(٢) كذا في الأصول : من السبر ، وهو امتحان غور الجرح وغيره ، فالمراد منه : العلم الذي يكشف عن أعماق الأنهار
والبحار وأغوارها في الأرض ، وفي المطبوع : التفسير .
(٣) تقدم تخريج حديث الأوعال ص ١٧ وهو ضعيف .
انظره في تفسير القرآن العظيم ؛ لابن كثير (٢٨٢/٤) .
(٤)
(٥) المصدر السابق (٢٨٣/٤).

٤٣
فصل في البحار والأنهار
فيغرقوا(١). رواه الوالبي(٢) عن ابن عباس، وهو قول السُّدِّي وغيره، ويُؤيِّده الحديثُ الذي رواه الإمام
أحمد : حدَّثنا يزيدُ ، حدَّثنا العوَّام، حدَّثني شيخٌ كان مرابطاً بالساحل ، قال : لقيتُ أبا صالحٍ مولى
عمرَ بن الخطاب، فقال: حدَّثنا عمرُ بن الخطّاب عن رسول الله وَّه قال: (( ليسَ من ليلةٍ إلا والبحرُ
يُشرفُ فيها ثلاثَ مراتٍ يستأذنُ الله عزَّ وجلَّ أن ينفضح(٣) عليهم، فيكُفَّه الله عزَّ وجلَّ)(٤) .
ورواه إسحاق بن راهويه : عن يزيد بن هارون ، عن العوَّام بن حَوْشب ، حدَّثني شيخ مرابط ،
قال : خرجتُ ليلةً لمحرسٍ لم يخرجْ أحدٌ من الحرس غيري ، فأتيتُ الميناءَ فصَعِدتُ ، فجعل، يخيَّلُ
إليَّ أن البحرَ يشرفُ يُحاذي برؤوس الجبال ، فعلَ ذلك مراراً وأنا مستيقظٌ ، فلقيتُ أبا صالح ، فقال :
حدَّثنا عمرُ بن الخطّاب أن رسولَ اللهِوَ ◌ّ قال: (( ما منْ ليلةٍ إلا والبحرُ يُشرفُ ثلاثَ مَرَّاتٍ يستأذنُ اللهَ أن
يَنْفَضِحَ عليهم فيكُفَّه الله عزَّ وجلَّ )(5) في إسناده رجل مبهم ، والله أعلم .
وهذا من نعمه تعالى على عباده أن كفَّ شرَّ البحر عن أن يطغى عليهم ، وسخّره لهم يحمل مراكبهم
ليبلغوا عليها إلى الأقاليم النائية(٦) بالتجارات وغيرها ، وهداهم فيه بما خلقَه في السماء والأرض من
النجوم والجبال التي جعلَها لهم علاماتٍ يهتدون بها في سيرهم ، وبما خلقَ لهم فيه من اللآلىء الحسنة
الثمينة والجواهر النفيسة العزيزة التي لا تُوجد إلا فيه وبما خلقَ فيه من الدوابِّ الغريبة ، وأحلَّها لهم حتى
مَيْنَتِها ، كما قال تعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُ﴾ [ المائدة: ٩٦] وقال النبيِ نَِّ: ((هو الطَّهُورُ ماؤُه
الحِلُّ مَيْتَتُهُ)(٧) وفي الحديث الآخر ((أُحِلَّتْ لنا مَيْتَتَانِ ودَمَانِ: السَّمكُ والجَرادُ، والكَبِدُ، والُّحَالُ))
رواه أحمدُ(٨) وابن ماجه(٩)، وفي إسناده نظرٌ (١)
(١) في التفسير (٢٨٣/٤) عن عليٍّ بن أبي طلحة عن ابن عباس. وعلي هذا قال عنه الحافظ ابن حجر في التقريب
( ص٤٠٢) : مولى ابن العباس ، سكن حمص ، أرسل عن ابن عباس ولم يره ، صدوق قد يخطىء ، مات سنة
٤٣ هـ .
الوالبي: هو علي بن سالم بن مخارق الوالبي، مولى العباس بن عبد المطلب، له تفسير القرآن، توفي سنة (١٢٣هـ).
(٢)
(٣)
ينفضح : ينفتح ويسيل .
رواه الإمام أحمد في المسند (٤٣/١) وإسناده ضعيف لجهالة الشيخ الذي روى عنه العوَّام بن حوشب ، ولجهالة
(٤)
أبي صالح أيضاً .
(٥) ذكره المؤلف في التفسير (٢٨٣/٤): وقال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي : حدثنا الحسن بن سفيان ، عن
إسحاق بن راهويه والحافظ ابن حجر في المطالب العالية (٢/ ١٧٦ ) في قصة طويلة عن إسحاق بن راهويه .
) في ب : المباينة . وفي أ : البائنة .
(٧)
سلف تخريجه قبل قليل .
(٩) في سننه (٣٢١٨) و(٣٣١٤).
(٨)
في المسند (٢/ ٩٧) .
(١٠) في إسناده عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وهو ضعيف .

٤٤
فصل في البحار والأنهار
وقد قال الحافظُ أبو بكر البَزَّارُ في ((مسنده»(١) : وجدتُ في كتابي، عن محمد بن معاوية البغداديِّ ،
حدَّثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر ، عن سُهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، رفعه ،
قال: (( كلَّم الله هذا البحر الغربيَّ، وكلَّم البحرَ الشرقيَّ، فقالَ للغربيِّ: إنِّي حاملٌ فيكَ عِباداً من
عبادي ، فكيفَ أنت صانعٌ بهم ؟ قال : أُغْرِقُهم . قال : بأسُكَ في نواحيكَ، فَحَرمهُ الحِلْيَةَ والصَّيْدَ ،
وكلَّم هذا البحرَ الشَّرْقِيَّ ، فقال : إني حاملٌ فيكَ عباداً من عبادي فما أنتَ صانعٌ بهم ؟ قال : أحملُهم على
يدي ، وأكونُ لهم كالوالدةِ لولدِها، فأثابَه الحِلْيَة والصَّيْد )). ثم قال (٢): لا نعلمُ أحداً رواه عن سُهَيْل إلا
عبدُ الرحمن بن عبد الله بن عمر ، وهو منكر الحديث . قال : وقد رواه سُهيل ، عن النعمان بن
أبي عيَّاش ، عن عبد الله بن عمرو ، موقوفاً .
قلتُ : الموقوفُ على عبد الله بن عمرو بن العاص أشبهُ ، فإنه قد كان وجدَ يومَ اليرموك زاملتين (٣)
مملوءتين كتباً من علوم أهل الكتاب ، فكانَ يُحدِّث منهما بأشياء كثيرة من الإسرائيليات ، منها المعروفُ
والمشهورُ والمنكورُ والمردود . فأما المرفوع فتفرّد به عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن حفص بن
عاصم بن عمر بن الخطّاب ، أبو القاسم المدنيّ، قاضيها؛ قال فيه الإمام أحمد(٤) : ليس بشيء ، وقد
سمعتُ منه، ثم مزَّقتُ حديثه ، كان كذَّاباً، وأحاديثه مناكير. وكذا ضعَّفه ابن معين(٥)، وأبو زُرعة (٦) ،
وأبو حاتم(٧)، والجوزجاني(٨)، والبخاري(٩)، وأبو داودُ ١٠)، والنَّسائي(١١)، وقال ابن عديّ(١٢):
عامَّة أحاديثه مناكير ، وأفظعها حديث البحر .
قال علماء التفسير المتكلِّمون على العروض والأطوال والبحار والأنهار والجبال والمساحات ،
وما في الأرض من المدن والخراب والعمارات والأقاليم السبعة الحقيقية في اصطلاحهم ، والأقاليم
(١) كما في كشف الأستار ( ١٦٦٩).
(٢) أي : البزار .
زاملتين : الزاملة : الدابة التي يُحمل عليها .
(٣)
العلل (٢٦٦/١)، وتاريخ الخطيب (٥٠١/١١)، وتهذيب الكمال (٢٣٥/١٧).
(٤)
تاریخ یحیی برواية الدوري (٣٥١/٢) وسؤالات ابن طهمان (١٨) و(٢٩٠)، وتهذيب الكمال (٢٣٦/١٧).
(٥)
الجرح والتعديل ٥/ الترجمة (١٢٠٢) .
(٦)
(٧)
المصدر نفسه .
أحوال الرجال (١٢٠٢).
(٨)
(٩)
تاريخه الصغير (٢ / ٢٤٠) .
(١٠) سؤالات الآجري لأبي داود (١٠٨/٣).
(١١) الضعفاء والمتروكون الترجمة (٣٥٦).
(١٢) الكامل في الضعفاء (٤/ ١٥٨٨، ١٥٩٠).

٤٥
فصل في البحار والأنهار
المتعدِّدة العرفية ، وما في البلدان والأقاليم من الخواصِّ والنباتات ، وما يُوجد في كل قطر من أصناف(١)
المعادن والتجارات ، قالوا : الأرض مغمورة بالماء العظيم إلا مقدار الربع منها ، وهو تسعون درجة ،
والعناية الإلهية اقتضت انحسار الماء على هذا القدر منها لتعيشَ الحيوانات عليها ، وتنبت الزرع والثمار
منها، كما قال تعالى: ﴿ وَاُلْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (٢) فِيَهَا فَكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَاءِ () وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ.
وَالرَّبْحَانُ ﴿ فَأَقِّءَالَآءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [ الرحمن: ١٠ -١٣].
قالوا : والمغمور من هذا البادي منها قريبُ الثلثين منه أو أكثر قليلاً . وهو خمس وتسعون(٢) درجة.
قالوا: فالبحر المحيط الغربيّ ، ويُقال له : أوقيانوس ، وهو الذي يُتاخمُ بلادَ المغرب ، وفيه الجزائرُ
الخالدات ، وبينها وبين ساحله عشر درج مسافة شهر تقريباً ، وهو بحر لا يُمكن سلوكه ولا ركوبه ؛ لكثرة
هيجه واغتلامه(٣) ، واختلاف ما فيه من الرياح والأمواج، وليس فيه صيد(٤) ، ولا يُستخرجُ منه شيء ،
ولا يُسافَر فيه لمتجر ولا لغيره، وهو آخذٌ في ناحية الجنوب حتى يُسامتَ الجبال القُمْر، ويُقال: جبال
القمر التي منها منبع أصل نيل مصر، ويتجاوز خطَّ الاستواء. ثم يمتد مُشَرِّقاً، ويصير جنوبي الأرض . وفيه
هناك جزائر الزنج(٥) ، وعلى سواحله خراب كثير. ثم يمتدُّ شرقاً وشمالاً حتى يتصلَ ببحر الصين والهند.
ثم يمتذُّ شرقاً حتى يُسامت نهاية الأرض الشرقية المكشوفة ، وهناك بلاد الصين . ثم ينعطفُ في شرقي
الصين إلى جهة الشمال حتى يُجاوزَ بلاد الصين، ويُسامتَ سد(٦) يأجوج ومأجوج. ثم ينعطفُ ويستديرُ
على أرضٍ غير معلومة الأحوال . ثم يمتدُّ مُغَرِّباً في شمالي الأرض ويُسامتُ بلادَ الروس ويتجاوزها ،
ويعطف مُغَرِّباً وجنوباً ، ويستديرُ على الأرض ويعودُ إلى جهة الغرب وينبثق من الغربي العربي(٧) إلى متن
الأرض الزقاق ، الذي ينتهي أقصاه إلى أطراف الشام من الغرب . ثم يأخذُ في بلاد الروم حتى يتصل
بالقسطنطينية وغيرها من بلادهم .
وينبعث من المحيط الشرقي بحارٌ أَخر ، فيها جزائر كثيرة ، حتى إنه يقال : إن في بحر الهند ألفا
جزيرة وسبعمئة جزيرة ، فيها مدن وعمارات سوى المدن العاطلة ، ويقال لهذا البحر : الأخضر ، فشرقيُّه
بحرُ الصين ، وغربيُّه بحر اليمن ، وشماليه بحر الهند ، وجنوبيه غير معلوم .
(١) في ب: ((صنوف))، وهو جمع صحيح أيضاً.
(٢)
في ب : خمس وستون .
الهيج والاهتياج والهيجان بمعنىّ ، واغتلام البحر : هيجانه واضطراب أمواجه .
(٣)
(٤)
في ب : ولیس یُصاد منه .
في المطبوع : الزايج ، وفي معجم البلدان ( المقدمة ص٢١ ) : وفي هذا البحر من النواحي المشرق جزائر الزانج ،
(٥)
ثم جزائر الديبجات ، وقُمير : ثم جزائر الزايج ..
(٦) انظر التعريف بهذا السد وما قيل عنه في معجم البلدان ، لياقوت (٣/ ١٩٧).
(٧) أثبتها من أ .

٤٦
فصل في البحار والأنهار
وذكروا أن بين بحر الهند وبحر الصين جبالاً فاصلة بينهما ، وفيها فجاج تسلك المراكب بينها ، يسَّرها
لهم الذي خلقَها، كما جعل مثلها في البر أيضاً، قال الله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا فِ اْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا
فِيَهَا فِيجَاجًا سُبُلًا لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣١]. وقد ذكرَ بطليموس(١) في كتابه المسمَّى ((بالمجسطي)) الذي
عُرِّبَ (٢) في زمان المأمون، وهو أصلُ هذه العلوم: أن البحار المتفجّرة من المحيط الغربي والشرقي
والجنوبي والشمالي كثيرة جداً. ومنها ما هو واحد، ولكن يُسمَّى بحسب البلاد المتاخمة له. فمن ذلك
بحر القُلْزُم . والقُلْزُمُ(٣) : قريةٌ على ساحله قريب من أيلة . وبحر فارس وبحر الخزر ، وبحر وَرَنْك ،
وبحر الروم ، وبحر بُنْطش ، وبحر الأزرق ، مدينة على ساحله ، وهو بحر القَرْم أيضاً ، ويتضايق حتى
يصبّ في بحر الروم عند جنوبي القسطنطينية ، وهو الخليج القسطنطيني (٤) ، ولهذا تُسرعُ المراكبُ في
سيرها من القَرْم إلى بحر الروم ، وتُبطىء إذا جاءت من الإسكندرية إلى القَرْم ، لاستقبالها جريان الماء .
وهذا من العجائب في الدنيا ، فإنَّ كلَّ ماءٍ جارٍ فهو حلوٌ إلا هذا، وكلُّ بحر راكد فهو ملحٌ أجاجٌ ، إلا
ما يُذكر عن بحر الخزر، وهو بحر جرجان وبحر طبرستان ، أنَّ فيه قطعةً كبيرة ماءً حلواً فُراتاً ، على
ما أخبر به المسافرون عنه .
قال أهل الهيئة : وهو بحرٌّ مستديرُ الشكل إلى الطول ما هو. وقيل: إنَّه مثلث كالقِلَعُ(٥) ، وليس هو
متصلاً بشيءٍ من البحر المحيط ، بل منفردٌ وحده ، وطوله ثمانمئة ميل وعرضه ستمئة ، وقيل : أكثر من
ذلك ، والله أعلم .
ومن ذلك البحرُ الذي يخرجُ منه المدُّ والجَزْرُ عند البصرة ، وفي بلاد المغرب نظيرُه أيضاً ، يتزايدُ
الماء من أوَّل الشهر ، ولا يزالُ في زيادة إلى تمام الليلة الرابعة عشرة منه [وهو المدُّ ]٦) . ثم يشرعُ في
النقص وهو الجَزْرُ إلى آخر الشهر (٧). وقد ذكروا تحديدَ هذه البحار ومسراهاً(٨) ومنتهاها ، وذكروا ما في
(١) في الأصل: أحد ملوك الهند، وهي جملة مقحمة، وبطليموس يونانيٌ، كان واحداً من أكبر علماء الفلك والجغرافيا
في العصور القديمة، والمجسطي: اصطلاح مزيج من اليونانية والعربية، بمعنى المجيد. انظر الموسوعة العربية
العالمية (٤ /٤٦٦) . .
(٢) في الفهرست (ص٣٢٧): أول من عني بتفسيره وإخراجه إلى العربية يحيى بن خالد بن برمك (ت١٩٠ هـ) ففسَّره
جماعة فلم يتقنوه ، فندب لتفسيره غير واحد من أصحاب بيت الحكمة .
(٣) انظر التعريف بها في معجم البلدان (٣٨٨/٤).
معجم البلدان ؛ لياقوت ( المقدمة ص ٢١ ) ومادة البحار فيه .
(٤)
(٥)
القِلَع : جمع قِلْع وقلاعة ؛ شراع السفينة .
(٦) أثبتها من ب .
(٧) المد والجزر: ارتفاع وانخفاض مسطحات مائية واسعة على فترات زمنية محدودة، وتتم مرتين خلال الفترة الزمنية
الواقعة بين طلوعين متتاليين للقمر، وهي تعادل ٢٤ ساعة و٢٥ دقيقة. انظر الموسوعة العربية العالمية (٢٢/ ٤٦٢).
(٨) في المطبوع : ومبتداها .

٤٧
فصل في البحار والأنهار
الأرض من البحيرات المجتمعة من الأنهار وغيرها من السيول ، وهي البطائح(١).
وذكروا ما في الأرض من الأنهار المشهورة الكبار ، وذكروا ابتداءَها وانتهاءَها ، ولسنا بصدد بسط
ذلك والتطويل فيه ، وإنما نتكلّم على ما يتعلَّق بالأنهار الوارد ذكرها في الحديث . وقد قال الله تعالی :
﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَأَخْرَجَ بِهِ، مِنَ الثَّعَرَتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ
لِتَجْرِىَ فىِ الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ، وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَرَ (٢٦) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَاِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّلَ وَالنَّهَارَ
وَءَاتَنَكُمْ مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُ واْ نِعْمَتَ الَّهِلَا تُخْصُوهَاْ إِنَ الْإِنسَنَ لَظَلُومُ كَفَّارٌ ﴾ [إبراهيم: ٣٢-٣٤].
وفي الصحيحينُ(٢) : من طريق قتادة ، عن أنس بن مالك، عن مالك بن صَعْصَعة ، أن رسول الله
وَل﴿ لما ذكرَ سِدْرة المنتهى، قال: (( فإذا يخرجُ من أصلها نهرانِ باطنان ، ونهرانٍ ظاهران . فأمَّا الباطنان
ففي الجنَّة ، وأما الظاهران فالنيلُ والفراتُ )) .
وفي لفظ في البخاري(٣): ((عنصرُهما)) أي: مادَّتُهما، أو شكلُهما، وعلى صفتهما ونعتهما ،
وليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء .
وفي صحيح مسلم(٤) : من حديث عُبيد الله بن عمر، عن خُبيب بن عبد الرحمن ، عن حَفْص بن
عاصم، عن أبي هريرة: أن رسول الله وَ لَه قال: «سَيْحانُ وجَيْحان والفرات والنيل كلٌّ من أنهار الجنة)).
وقال الإمام أحمد(٥) : حدَّثنا ابن نُميرٍ ويزيد، أنبأنا محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن
أبي هريرة، قال: قال رسول الله بَّهَ: ((فَجِّرَتْ أربعةُ أنهارٍ من الجنة: الفراتُ، والنيلُ، وسَيْحان
وجَيْحان)) . وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم.
وكأن المراد والله أعلم من هذا أن هذه الأنهار تُشبه أنهارَ الجنَّة في صَفائها وعُذوبتها وجَريانها، ومن
جنس تلك في هذه الصفات ونحوها ، كما قال في الحديث الآخر الذي رواه الترمذي وصحَّحه٦) : من طريق
سعيد بن عامر، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَ لّم قال: ((العَجْوةُ من
الجَنَّة، وفيها شِفَاءٌ من السُّمُ(٧))) أي: تُشبه ثمرَ الجنَّة. فإنَّ الحسنَّ يشهدُ بخلاف ذلك، فتعيَّن أن المرادَ غيره.
(١) البطائح: جمع بَطيحة والبَطيح : مسيل واسع فيه رمل ودُقاق الحصى.
(٢) البخاري في صحيحه (٣٢٠٧) في بدء الخلق، ومسلم في صحيحه (١٦٤) في الإيمان. وهو بعض حديث الإسراء.
في ب : ولفظ البخاري . وهذا اللفظ الذي أشار إليه المصنف ليس من الطريق الذي ذكره قبل قليل ، بل هو من
(٣)
طريق شريك بن أبي نمر عن أنس وهو في التوحيد من صحيح البخاري (٧٥١٧).
(٤)
(٢٨٣٩) في الجنة .
(٥)
في المسند (٣٠١/٢ و ٣٠٥) .
(٦)
في جامعه (٢٠٦٦)، ووقع في بعض الطبعات ((حسن غريب)).
في ب : الحر ، ولا يستقيم مع سائر ألفاظ الحديث .
(٧)

٤٨
فصل في البحار والأنهار
وكذا قوله وَُّ: ((الحمَّى من فَيْح جهَّم فأبردُوها بالماء(١))(٢) وكذا قوله: ((إذا اشتدَّ الحَرُّ
فَأبردُوا بالصَّلاة، فإن شدة الحرِّ من فَيْحِ جهنّم(٣) . وهكذا هذه الأنهار أصلُ منابعها مُشاهدٌ من
الأرض .
أما النيل ، وهو النهر الذي ليس في أنهار الدنيا له نظير في خفته ولطافته وبُعد مسراه فيما بين مبتداه
إلى منتهاه ، فمبتداه من الجبال القُمْر ، أي : البيض ، ومنهم من يقول: جبال القَمَر(٤) ، بالإضافة إلى
الكوكب ، وهي في غربيّ الأرض وراءَ خطُّ الاستواء إلى الجانب الجنوبي . ويُقال : إنَّها حُمْر يَنبعُ من
بينها عيون ، ثم يجتمعُ من عشر مَسِيلاتٍ متباعدة ، ثم يجتمعُ كلُّ خمسة منها في بحرةٍ ، ثم يخرجُ منها
أنهارٌ ستة ، ثم تجتمع كلها في بحيرة أخرى ، ثم يخرج منها نهر واحد هو النيل ، فيمرُّ على بلاد السُّودان
بالحبشة ، ثم على النوبة ومدينتها العُظمى دُمْقُلة ، ثم على أسوان ، ثم يفد على ديار مصر . وقد يحمل
إليها من بلاد الحبشة زياداتِ أمطارها ، وما اجترفَ(٥) من ترابها وهي محتاجة إليهما معاً ، إن مطرَها قليلٌ
لا يكفي زروعَها وأشجارَها ، وتربتُها رمالٌ لا تُنبتُ شيئاً حتى يجيءَ النيل بزيادته وطينه ، فينبتُ فيه
ما يحتاجون إليه ، وهي من أحق الأراضي بدخولها في قوله سبحانه وتعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّا نَسُوقُ الْمَآءَ إِلَى
الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَتُخْرِجُ بِهِ، زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَتْعَمُهُمْ وَأَنْفُهُمْ أَفَلَا يُصِرُونَ﴾ [السجدة: ٢٧] ثم يجاوزُ النِّيلُ مصرَ
قليلاً ، فيفترقُ شطرين عند قرية على شاطئه ، يقال لها : شَطَّنُوف (٦) ، فيمرُ الغربيّ منه على رشيد ويصبُّ
في البحر المالح . وأماالشرقيُّ فيفترقُ أيضاً عند جَوْجرَ فرقتين، تمرُّ الغربيّةُ منهما على دِمياط من
غربيِّها ، ويصبُّ في البحر، والشرقية منهما تمرٍّ على أشْمُونُ(٧) طَنَّاح، فيصبُّ هناك في بحيرة شرقي
دِمْياط ، يُقال لها : بحيرة تِنِّيس، وبحيرة دمياط. وهذا بُعد عظيم فيما بين مبتداه إلى منتهاه ، ولهذا كان
ألطف المياه . قال ابن سينا : له خصوصيات دون سائر مياه الأرض ، فمنها : أنه أبعدها مسافة من مجراه
(١) وقع في بعض الأصول: ((بالماء البارد))، وليست في المطبوع ولا في روايات الحديث كلمة ( البارد).
(٢) رواه البخاري في صحيحه (٣٢٦٢) في بدء الخلق وفي الطب (٥٧٢٦)، ومسلم (٢٢١٢) في الطب ، والترمذي في
جامعه ( ٢٠٧٣) في الطب، وابن ماجه في سننه ( ٣٤٧٢) في الطب، كلَّهم عن رافع بن خديج بلفظ «فأبردوها
بالماء)). وهو في الصحيحين أيضاً من حديث ابن عمر (البخاري ٣٢٦٤ ومسلم ٢٢٠٩)، وهو في البخاري
(٣٢٦١) من حديث ابن عباس، و(٣٢٦٣) من حديث عائشة رضي الله عنهم.
(٣) رواه أحمد في المسند (٢٣٨/٢ و٢٦٦) والبخاري في صحيحه (٥٣٣ و٥٣٤) في مواقيت الصلاة ، ومسلم في
صحيحه (٦١٥) (١٨٢ و١٨٣) في المساجد .
(٤) انظر ما قيل في تسمية جبال القمر حسن المحاضرة (٣٤٩/٢)؛ للسيوطي .
(٥)
في ب : واجتراف من .
(٦) انظر ما قاله ياقوت عن هذه القرية في معجم البلدان (٣٤٤/٣).
(٧) في معجم البلدان (١/ ٢٠٠) : أشْموم .

٤٩
فصل في البحار والأنهار
إلى أقصاه . ومنها أنه يجري على صخور ورمال ليس فيه خز ولا طحلب ولا أوحال ، ومنها أنه لا يخضرُ
فيه حجر ولا حصاة ، وما ذاك إلا لصحة مزاجه وحلاوته ولطافته ، ومنها أن زيادته في أيام نقصان سائر
الأنهار ، ونقصانه في أيام زيادتها وكثرتها ، وأما ما يذكره بعضُهم من أن أصل منبع النيل من مكان مرتفع
اطّلع عليه بعضُ الناس فرأى هناك هولاً عظيماً وجواريَ حِساناً وأشياءَ غريبةً ، وأن الذي اطّلعَ على ذلك(١)
لم يمكنْه الكلامُ بعد هذا ، فهو من خرافاتِ المؤرِّخين وهذيانات الأفَّاكين (٢).
وقد قال عبدُ الله بن لَهِيْعةً(٣) : عن قيس بن الحجّاج، عمَّن حدثه قال: لمّا فُتحتْ مصر ، أتى أهلها
عمرو بن العاص حين دخلَ بؤنة - من أَشْهُرِ العجم - فقالوا : أيُّها الأمير ! إن لنيلنا هذا سُنَّةٌ لا يجري إلا
بها . قال : وما ذاك ؟ قالوا : إذا كان لِثنتي عشرة ليلةً خلتْ من هذا الشهر عَمَدْنا إلى جاريةٍ بكْرٍ بين
أبويها ، فأرْضَيْنا أبويها وجعلنا عليها من الحليِّ والثياب أفضل ما يكون ، ثم ألقيناها في هذا النيل ، فقال
لهم عمرو : إن هذا لا يكون في الإسلام . إنَّ الإسلامَ يهدم ما كان قبله . فأقاموا بؤنةَ ، والنِّيلُ لا يجري
قليلاً ولا كثيراً . وفي رواية : فأقاموا بؤنةَ وأبيب ومِسْرى(٤) وهو لا يجري ، حتَّى همُّوا بالجلاء . فكتبَ
عمرو إلى عمرَ بن الخطّاب بذلك . فكتب إليه إنَّك قد أصبتَ بالذي فعلتَ ، وإني قد بعثتُ إليكَ ببطاقةٍ
داخلَ كتابي هذا فألقِها في النيل . فلما قدمَ كتابُه ، أخذَ عمرو البطاقة ففتحها فإذا فيها : من عبد الله عمر
أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر ، أما بعد : فإن كنتَ لا تجري إلا من قِبَلكَ فلا تَجْرِ ، وإن كان الله الواحدُ
القهَّارُ هو الذي يُجريك فنسألُ اللهَ أنْ يُجريَكَ . قال : فألقى البطاقةَ في النيل ، فأصبحَ يومَ السبت قد زادَ
ستةَ عشرَ ذراعاً في ليلة واحدة ، وقطعَ الله سبحانه وتعالى(٥) تلك السُّنَّة عن أهل مصر إلى اليوم(٦) .
وأما الفرات : فأصلُها من شمال أَرْزَن الروم ، فتمرُّ إلى قرب مَلطية ثم تمر على سُمَيْساط ، ثم على
إلبيرة(٧) قِبْليِّها، ثم تُشَرِّقُ إلى بالس(٨) وقلعة جعبر(٩)، ثم الرَّقّة، ثم إلى الرحبة شماليِّها، ثم إلى
(١) في ب : وأن الذي اطَّلِعَ عليها لم يمكنه .
(٢) انظر حسن المحاضرة؛ للسيوطي (٢/ ٣٥٠).
(٣) عبد الله بن لهيعة بن عقبة، أبو عبد الرحمن الحضرمي المصري، قاضي مصر، توفي سنة ١٧٤ هـ كان شيخاً صالحاً،
ولكن خلط بعد احتراق كتبه. واحترقت كتبه قبل موته بأربع سنين. انظر المجروحين؛ لابن حبان (١١/٢).
(٤) أسماء أشهر قبطية .
(٥) زيادة من ب .
(٦) كانت هذه الحادثة سنة (٢٣ هـ) كما في بدائع الزهور (١١١/١). وانظر حسن المحاضرة (٣٥٣/٢ - ٣٥٤).
وإسناد هذه الحكاية ضعيف، لضعف ابن لهيعة عند التفرد وجهالة من روى عنه شيخ قيس بن الحجاج.
(٧) البيرة : من نواحي حلب .
(٨) بالس: بلدة بالشام بين حلب والرقة. معجم البلدان (٣٢٨/١).
(٩) قلعة على الفرات، بين بالس والرقة، قرب صِفَّين. معجم البلدان (٢/ ١٤٢).

٥٠
فصل في دلائل عظمة الله تعالى
عانة ، ثم إلى هيت ، ثم إلى الكوفة ، ثم تخرجُ إلى فضاء العراق ، وتصبُّ في مصالح كبار ، أي :
بحيرات وترد إليها ، ويخرج منها أنهار كبار معروفة .
وأما سَيحان : ويُقال له : سَيْحون أيضاً ، فأوَّلُه من بلاد الروم ، ويجري من الشمال والغرب إلى
الجنوب والشرق ، وهو غربيّ مجرى جيحان ، ودونَه في القدْر ، وهو ببلاد الأرمن التي تُعرف اليوم ببلاد
سِيس ، وقد كانت في أول الدولة الإسلامية، فلما تغلَّب الفاطميون(١) على الديار المصرية ، وملكوا
الشام وأعمالَها عجزوا عن صَوْنها عن الأعداء ، فتغلب أليقفور الأرمني على هذه البلاد ، أعني بلادَ سيس
في حدود الثلاثمئة ، وإلى يومنا هذا - والله المسؤول عودُها إلينا بحوله وقوته ۔ ثم يجتمعُ سَیحان وجيحان
عند أذنةَ ، فيصيران نهراً واحداً ، ثم يَصُبَّان في بحر الروم بين إياسَ وطرَسوس .
وأما جيحان : ويُقال له : جيحون أيضاً ، وتسمية العامة جاهان . وأصلُه في بلاد الروم ، ويسير في
بلاد سِيس من الشمال إلى الجنوب ، وهو يُقارب الفرات في القدر ، ثم يجتمعُ هو وسيحان عند أذنَة
فيصيران نهراً واحداً . ثم يَصُبَّان في البحر عند إياسَ وطرَسوس ، والله أعلم .
* * *
فصل
قال الله تعالى: ﴿ اللَّهُ الَّذِى رَفَعَ السَّمَوَتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمِّرْ كُلِّ يَجْرِى لِأَجَلِ
مُسَغَّىَّ يُدَبِّرُ اْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ بِقَاءِ رَبَّكُمْ تُوقِنُونَ ﴿ وَهُوَ الَّذِى مَذَ اُلْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيَهَا رَوَسِىَ وَأَنْهَرًّاً وَمِن كُلِّ الثَّمَرَتِ
جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ آتْنَيْنِ يُغْشِى الَّيْلَ النَّهَارَّ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿ وَفِ الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَوِرَتُ وَجَنَّتٌ مِّنْ أَعْنَبٍ
وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَتُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِىِ الْأُكُلِّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ
يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٢ - ٤].
وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِّنَ السَّمَآءِ مَآءَ فَأَنْبَتْنَا بِهِ، حَدَآبِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا
كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنِتُوْ شَجَرَهَاً أَوِلَهُ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَلَهَا أَنْهَرًّا وَجَعَلَ
لَمَا رَوَسِى وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزَّْ أَِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [ النمل: ٦٠ -٦١].
وقال تعالى: ﴿هُوَ اُلَّذِىّ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَءَ لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجٌَ فِيهِ تُسِيمُونَ ﴿ يُنْبِتُلَكُمْ بِهِ
الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَبَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَتِّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَةً لِّقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ () وَسَخَّرَ لَكُمُ
الَّلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَّ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَتٌ بِأَمْرِوَّةٍ إِنَ فِ ذَلِكَ لَآَيَتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ () وَمَاذَرَاَ لَكُمْ فِى
اُلْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَنُهُ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةٌ لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ [ النحل: ١٠ -١٣].
(١) في أ: تعدت القاطنون.

٥١
فصل في دلائل عظمة الله تعالى
يذكر(١) تعالى ما خلقَ في الأرض من الجبال والأشجار والثِّمار والسهول والأوعار ، وما خلق من
صنوف المخلوقات من الجمادات والحيوانات في البراري ، والقِفار والبر والبحار مما يدلُّ على عظمته
وقدرته وحكمته ورحمته بخلقه ، وما سهَّل لكلِّ دابّة من الرزق الذي هي محتاجة إليها في ليلها ونهارها ،
وصيفها وشتائها، وصباحها ومسائها، كما قال تعالى: ﴿﴿ وَمَا مِن دَآبَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ .
مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَ عَهَا كُلِّ فِ كِتَبٍ مُبِينٍ ﴾ [ هود: ٦] .
وقد روى الحافظُ أبو يعلى عن محمد بن المثنى ، عن عُبيد بن واقد ، عن محمد بن عيسى بن
كَيْسان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، عن عمر بن الخطّاب، قال: سمعتُ رسولَ الله ◌َ لا يقول:
(( خلقَ الله ألفَ أُمَّة : منها ستمئة في البحر ، وأربعمئة في البرِّ ، وأوَّلُ شيءٍ يهلكُ من هذه الأمم الجرادُ ،
فإذا هلكَ تتابعتْ مِثْلِ النِّظام إذا قُطِعَ سِلْكُه)(٢) .
عبيد بن واقد: أبو عبَّاد البَصْري، ضعَّفهُ أبو حاتم(٣) ، وقال ابن عديّ(٤) : عامَّة ما يرويه لا يُتابع عليه،
وشيخه أضعف منه(٥). قال الفَلَّسُ(٦) والبخاريّ(٧): منكر الحديث. وقال أبو زُرْعة(٨): لا ينبغي أن
يُحدَّث عنه. وضعَّفه ابنُ حِبَّانُ(٩) والدار قطني(١٠)، وأنكر عليه ابن عديّ هذا الحديث بعينه وغيره(١١)،
والله أعلم .
وقال تعالى: ﴿ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَيْرٍ يَطِيرُ بِجَنَا حَيْهِ إِلَّ أُمُّ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِ اُلْكِتَبِ مِن شَىٍَّ ثُمَّ إِلَى
رَبِهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨].
(١) في ب : وذكرَ .
(٢) رواه أبو يعلى (٢٣٩٩ - المطالب العالية، النسخة المسندة) وحكم عليه ابن حبان بالوضع في ترجمته لابن كيسان.
(٣) الجرح والتعديل (٦/ الترجمة ١٨).
الكامل (١٩٩٠/٥) .
(٤)
(٥) يعني : محمد بن عيسى بن كيسان .
(٦) ساقه ابن عدي في الكامل عن الفلاس (٢٢٤٩/٦).
تاريخه الكبير (١/ الترجمة ٦٣٥)، والصغير (٢٧١/٢).
(٧)
(٨) سؤالات البرذعي (٥١٧/٢) .
(٩) المجروحين (٢٦٥/٢ -٢٦٦) بتحقيق السلفي .
(١٠) الضعفاء والمتروكون (٤٩٤).
(١١) الكامل (٦/ ٢٢٥٠).

٥٢
باب ذكر ما يتعلق بخلق السموات
باب ذكر ما يتعلّق بخلق السموات وما فيهن من الآيات
قد قدَّمنا أنَّ خلقَ الأرض قبل خلق السماء ، كما قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الْأَرْضِ
جَمِيعًا ثُمَّ أَسْتَوَىَ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّنُهُنَّ سَبْعَ سَمَنَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩].
وقال تعالى: ﴿﴿ قُلْ أَبِتَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِلَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِ يَوْمَيْنِ وَتَّحْعَلُونَ لَهُ: أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَلَمِينَ () وَحَعَلَ
فِيَهَا رَوَسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَرَكَ فِيهَا وَقَّدَّرَ فِيهَا أَقْوَتَهَا فِىَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءُ لِلِسَّآيِنَ ﴿٢ ثُمَّأَسْتَوَىّ إِلَى السَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ
جَ فَقَضَنُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِ يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِى كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَا السَّمَآءَ الدُّنْيَا
أثْنِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهَاً قَالَتَآ أَنْنَا طَيِعِينَ
بِمَصَبِيحَ وَحِفْظَأْ ذَلِكَ تَقْدِيُرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾
• [فصلت: ٩ - ١٢].
وقال تعالى: ﴿َأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقَا أَمِ السَّمَاءُبَهَا (٩َ رَفَعَ سَمَّكَهَا فَوَّنَهَا (٢) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَنِهَا (3) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ
دَحَنْهَا﴾ [ النازعات: ٢٧ - ٣٠]. وقد أجبنا عن قوله جلَّ ذكره: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَنهَا﴾. بأنَّ الدحي(١)
غير (٢) الخلق ، وهو بعد خلق السماء .
وقال تعالى: ﴿تَبَرَكَ الَّذِىِ بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِير ◌َ الَّذِى خَلَقَ الْمَوْنَ وَالْخَوَةَ لِبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَلَا
وَهُوَ الْعَزِزُ الْغَفُورُ (٥َ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ ◌ِبَانًا مَّا قَرَى فِى خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَوُبٍ، فَأَرْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن قُطُورٍ !
٣
ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيِرٌ (*) وَلَقَدْ زَيَّنَا السَّمَآَةَ الدُّنْيَا بِمَصَِيحَ وَجَعَلْنَهَا رُجُومًا لِلشَّيَطِيْنِّ وَأَعْتَدْنَا لَمْ
عَذَابَ السَّعِيرِ ﴾ [ الملك: ١ - ٥].
وقال تعالى: ﴿ وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا ( ١) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَاجًا﴾ [النبأ: ١٢ -١٣].
وقال تعالى: ﴿أَلَّتَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا (١٦) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيِهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ بِرَاجًا﴾ [ نوح:
١٥ -١٦ ] .
وقال تعالى: ﴿ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَنَغَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَ
اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلَّمَا﴾ [الطلاق: ١٢].
وقال تعالى: ﴿ نَبَارَكَ الَّذِى جَعَلَ فِى السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَجًا وَقَمَرًا غُنِيْرًا (١) وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ اُلَّيْلَ
وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦١ -٦٢].
وَحِفْظًّا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ (٥) لَّا يَتَمَّعُونَ إلَى الْعَلَا الْأَعْلَى
وقال تعالى: ﴿ إِنَّا زَبَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا ◌ِنَةٍ الْكَوَكِبِ
وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ ◌ِشَ دُحُوراً وَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ ﴿ إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَنْتَعَهُم ◌ِشِهَابٌ ثَاقِبٌ ﴾ [الصافات: ٦ -١٠].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّتَهَا لِلنَّظِرِينَ ﴿ وَحَفِظْنَهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانِ رَّجِيمٍ (٦
أَسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَنْبَعَمُ شِهَابٌ مُمِينٌ﴾ [الحجر: ١٦ -١٨].
إِلَّا مَنِ
-
(١) الدَّحي: والدَّخو : البسط والتوسع .
(٢) في ب : هو غير .

٥٣
باب ذكر ما يتعلق بخلق السموات
وقال تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءَ بَيْنَهَا بِأَبِيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧].
وقال تعالى: ﴿ وَحَعَلْنَا السَّمَآءَ سَقْفًا مَّحْفُوظَا وَهُمْ عَنْ ءَيْنِهَا مُعْرِضُونَ (٢) وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ الَّلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ
وَالْقَمِّرَ كُلِّ فِ فٍَ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٢ -٣٣].
وقال تعالى: ﴿ وَءَايَةٌ لَّهُمُ الَّيَّلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم ◌ُظْلِمُونَ (٢٦) وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍ لَّهَأَ ذَلِكَ
تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴿ وَالْقَمَرَ قَذَّرْنَهُ مَنَازِلَ حَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيِ ﴿يَ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِى لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا
اَلَيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلُّ فِ فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٣٧ -٤٠].
وقال تعالى: ﴿ فَالِقُ اُلْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اَلَّيْلَ سَكَنَّا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (9) وَهُوَ الَّذِى
جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِهْتَدُواْ بِهَا فِى ◌ُلُمَتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِّ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [ الأنعام: ٩٦ - ٩٧].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِ سِنَّةٍ أَيَّامٍ ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِى الَّيْلَ اَلنَّهَارَ
يَطْلُمُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَتٍِ بِأَمَّيِّهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [ الأعراف: ٥٤].
والآيات في هذا كثيرة جداً، وقد تكلَّمنا على كل منها في ((التفسير)).
والمقصود أنه تعالى يُخبر عن خلق السموات وعظمة اتساعها وارتفاعها ، وأنها في غاية الحسن
والبهاء، والكمال والسناء، كما قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ [ الذاريات: ٧]، أي: الخلق الحسن ،
وقال تعالى: ﴿ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ ◌ِبَاقًا مَّا تَرَى فِى خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَوُنَّ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن قُطُورٍ (٥) ثُمَّ أَتَجع
الْصَرَ كَرَنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٣ - ٤]، أي: خاسئاً عن أن يرى فيها نقصاً أو
خللاً ، وهو حسير ، أي : كليل ضعيف ، ولو نظر حتى يعيا ويكلَّ ويضعف لما اطلع على نقص فيها
ولا عيب ، لأنه تعالى قد أحكم خلقها وزيَّن بالكواكب أُفقها، كما قال: ﴿ وَالنَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [ البروج:
١] أي: النجوم . وقيل : محالّ الحرس التي يُرمَى منها بالشهب لمسترقي السمع ، ولا منافاة بين
القولين، وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِ السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَهَا لِلنَّظِرِينَ (١٢) وَحَفِظْنَهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَنِ رَّجِيمٍ﴾
[الحجر: ١٦ - ١٧]. فذكرَ أنَّه زين منظرها بالكواكب الثوابت والسَّيَّارات: الشمس ، والقمر ، والنجوم
الزاهرات. وأنه صانَ حوزتَها٢) عن حلول الشياطين بها، وهذا زينة معناها، فقال: ﴿ وَحَفِظْتَهَا مِن كُلِّ
شَيْطَانِ رَجِيمٍ﴾ كما قال: ﴿ إِنَّا زَبَّنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِنَةٍ الْكَوَكِبِ (٥) وَحِفْظَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ فَارِدٍ (٥) لَّا يَسَّمَّعُونَ إلَى الْعَلَا
اَلْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ﴾ [ الصافات: ٦ -٨].
قال البخاري في كتاب بدء الخلق(٣): وقال قتادة: ﴿ وَلَقَدْ زَّيَّنَا السَّمَةَ الدُّنَا بِمَصَنِيحَ﴾ [ الملك "]
خلق هذه النجوم لثلاث : جعلها زينة للسماء ، ورجوماً للشياطين ، وعلاماتٍ يُهتدَى بها . فمن تأول
(١) في أ: ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنَا السَّمَّةَ الدُّنْيَا بِمَصَبِيحَ ... ﴾ [ الملك: ٥] وهو سهو من الناسخ.
(٢) حوزتها : حوزة الشيء : حدوده ونواحيه .
(٣) انظر فتح الباري (٦/ ٢٩٥) باب في النجوم .

٥٤
باب ذكر ما يتعلق بخلق السموات
فيها بغير ذلك فقد أخطأ وأضاعَ نصيبَه ، وتكلَّفَ ما لا علم له به .
وهذا الذي قاله قتادة مصرَّح به في قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَآءَ الذُّنْيَا بِمَصَنِيحَ وَجَعَلْتَهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِّ ﴾
[ الملك : ٥].
وقال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِهْتَدُ واْبِهَا فِ ظُلُمَتِ الْبَرِّ وَاَلْبَحْرِ﴾ [ الأنعام: ٩٧ ]. فمن تكلّف غير
هذه الثلاث، أي: من عِلْم أحكام ما تدلُّ عليه حركاتها ومقارناتها١) في سيرها، وأن ذلك يدلُّ على حوادث
أرضية فقد أخطأ ؛ وذلك أن أكثر كلامهم في هذا الباب ليس فيه إلا حَدْسٌ وظنون كاذبة ودعاوى باطلة .
وذكرَ تعالى أنَّه خلقَ سبع سموات طباقاً ، أي : واحدة فوق واحدة . واختلف أصحابُ الهيئة هل هُنَّ
متراكمات(٢) ، أو متفاصلات بينهن خلاء ؛ على قولين: والصحيح الثاني ، لما قدَّمنا من حديث
عبد الله بن عَميرة، عن الأحنف، عن العباس في حديث الأوعال؛ أنَّ رسولَ اللهِ ل قال: «أتدرون كم
بين السماء والأرض ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم . قال : بينها مسيرة خمسمئة عام . ومن كل سماء إلى
سماء خمسمئة سنة. وَكُثُفُ(٣) كلِّ سماءٍ خمسمئة سنة .. )) الحديث(٤) بتمامه . رواه أحمد وأبو داود
وابن ماجه والترمذي وحسّنه .
وفي الصحيحين : من حديث أنسٍ في حديث الإسراء ، قال فيه : ووجدَ في السماء الدنيا آدمَ ، فقال
له جبريل: ((هذا أبوكَ آدمُ فسَلَّم عليه، فسلَّمَ عليه (٥)، فردّ عليه السلام ، وقال : مرحباً وأهلاً بابني ،
نعم الابنُ أنت . . إلى أنْ قالَ : ثم عرجَ إلى السماء الثانية ، وكذا ذكرَ في الثالثة والرابعة والخامسة
والسادسة والسابعة)) .
فدلَّ على التَّفاصل بينها ، لقوله: ((ثُمَّ عُرِجَ بنا حتى أتينا السَّماءَ الثانية، فاستفتحَ ، فقيل: منْ هذا))
الحديث(٦) . وهذا يدلُّ على ما قلناه ، والله أعلم .
وقد حكى ابنُ حزم ، وابنُ المُنَيِّر ، وأبو الفرج بن الجوزي ، وغيرُ واحد من العلماء : الإجماعَ على
أنَّ السمواتٍ كُرَيَّةٌ (٧) مستديرة. واستُدلّ على ذلك بقوله: ﴿كُلُّ فِ فَلَكِ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣]. قال
في ب : ومقارباتها .
(١)
(٢) في ب : متراكبات .
(٣)
((وَكْثُفُ )): سماكة.
تقدم الحدیث و تخريجه ص ١٧ .
(٤)
(٥)
سقطت من المطبوع .
(٦) رواه البخاري في صحيحه (٣٤٩) في الصلاة ، ومسلم في صحيحه ( ١٦٣) في الإيمان.
(٧) في المطبوع : كرة .

٥٥
باب ذكر ما يتعلق بخلق السموات
(الحسن)١): يدورون، وقال ابن عباس: في فلكةٍ مثل فَلْكةِ المِغزل(٢). قالوا: ويدلُّ على ذلك أن الشَّمسَ
تغربُ كلَّ ليلة من المغرب ، ثم تطلعُ في آخرها منَ المشرق ، كما قال أميَّةُ بن أبي الصلت: [ من الكامل ]
والشمس تبدو كلَّ آخِرِ ليلةٍ حمراءَ تصبحُ لونها يتوَرَّدُ
تَأبى فما تبدُو لنا في رسلها إلَّ مُعَذَّبَةً وإلَّا تُجْلَدُ
-
فأما الحديث الذي رواه البخاريُّ، حيث قال(٣): حدَّثنا محمد بن يوسف ، حدَّثنا سفيان ، عن الأعمش ،
عن إبراهيم التَّيمي، عن أبيه، عن أبي ذرِّ، قال: قال رسولُ الله ◌ََّ لأبي ذرِّ حينَ غربتِ الشَّمسُ: (( تدري أينَ
تذهبُ ؟ قلت : الله ورسوله أعلمُ . قال : فإنَّها تذهبُ حتى تسجدَ تحتَ العرش فتستأذنُ ، فيُؤذنُ لها ، ويُوشكُ
أنْ تسجدَ فلا يُقبل منها ، وتستأذنُ فلا يُؤذنُ لها . ويُقالُ لها : ارجعي من حيثُ جئتِ ، فتطلعُ منْ مَغْربها ، فذلك
قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَّجْرِى لِمُسْتَقَرٍ لَّهَأَذَلِكَ تَقْدِيُرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [ يس: ٣٨] (٤).
هذا لفظه في بدء الخلق ، ورواه في التفسير(٥)، وفي التوحيد(٦) : من حديث الأعمش أيضاً . ورواه
مسلمٌ في الإيمان: من طريق الأعمش(٧)، ومن طريق يُونس(٨) بن عبيد(٩)، وأبو داود (١) : من طريقٍ
الحَكم بن عُتَيْبة، كلُّه من [ حديث] إبراهيم بن يزيد بن شَريك، عن أبيه، عن أبي ذرِّ به ، نحوه . وقال
الترمذي(١) : حسن صحيح .
إذا عُلمَ هذا فإنه حديث لا يُعارِضُ ماذكرناه من استدارة الأفلاك التي هي السموات على أشهر القولين،
ولا يدلُّ على كرية العرش ، كما زعمه زاعمون . قد أبطلنا قولهم فيما سلفَ ، ولا يدلُّ على أنه تصعدُ إلى
فوق السموات من جهتنا حتى تسجدَ تحتَ العرش، بل هي تغربُ عن أعيننا ، وهي مستمرّة في فلكها الذي
هي فيه ، وهو الرابع فيما قاله غيرُ واحد من علماء التفسير(١٢) . وليس في الشرع ما ينفيه ، بل في الحسِّ ،
(١) أثبتها من ب .
(٢) ((فلكة المغزل)»: قطعة مستديرة من الخشب ونحوه تجعل في أعلاه، وتثبت السِّنّارة من فوقها وعود المغزل من تحتها.
(٣)
ديوانه ( ص ٣٦٥) وتقدم ( ص ٢١) .
(٤)
صحيح البخاري ( ٣١٩٩) .
نفسه (٤٨٠٢) و (٤٨٠٣).
(٥)
نفسه (٧٤٢٤) و(٧٤٣٣) .
(٦)
(٧)
صحیح مسلم (١٥٩) (٢٥١) .
(٨)
في أ: (( ابن يونس )»، وهو سهو .
(٩) صحيح مسلم (١٥٩) (٢٥٠) .
(١٠) أبو داود (٤٠٠٢) في الحروف والقراءات .
(١١) الترمذي (٢١٨٦) في الفتن، و(٣٢٢٧) في التفسير.
(١٢) في بعض النسخ : التسبير .

٥٦
باب ذكر ما يتعلق بخلق السموات
وهو الكسوفات ما يدلُّ عليه ويقتضيه، فإذا ذهبتْ فيه حتى تتوسّطه ، وهو وقتُ نصف الليل مثلاً في اعتدال
الزمان ، بحيث يكونُ بينَ القُطْبين الجنوبي والشمالي، فإنها تكونُ أبعد ما يكونُ من العرش، لأنه مُقَبَّبٌ من جهة
وجه العالم ، وهذا محلُّ سجودها كما يُناسبها ، كما أنها أقربُ ما تكونُ من العرشِ وقتَ الزوالِ من جهتنا ، فإذا
كانت في محلِّ سجودِها استأذنتِ الرَّبَّ جلَّ جلالُه في طلوعها من الشرق(١) فيؤذَنُ لها ، فتبدو من جهة الشرق ،
وهي مع ذلك كارهةٌ لِعُصاةِ بني آدمَ أنْ تطلعَ عليهم ، ولهذا قال أميةُ(٢) بن أبي الصَّلْتِ: [من الكامل ]
تأبى فما تبدو لنا في رِسْلها إلَّا مُعذّبةٍ وإلَّا تُجْلدُ
فإذا كانَ الوقتُ الذي يُريدُ الله طلوعَها من جهة مغربها ، تسجدُ على عادتها ، وتستأذنُ في الطُّلوع من
عادتِها ، فلا يُؤْذَنُ لها ، فجاء أنها تسجدُ أيضاً ، ثم تستأذن فلا يُؤذن لها ، وتطولُ تلك الليلة - كما ذكرنا
في ((التفسير )(٣) فتقول : يا ربِّ! إن الفجرَ قد اقتربَ، وإنَّ المدى بعيد. فيُقال لها : ارجعي منْ حيثُ
جئتِ ، فتطلعُ من مَغْرِبها ، فإذا رآها النَّاسُ آمنوا جميعاً. وذلك قوله تعالى: حينَ ﴿لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَتُهَا لَرْ
تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِيَّ إِيَمَنِهَا خَيْرً﴾ [الأنعام: ١٥٨]. وفسَّروا بذلك قوله تعالى: ﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِى
لِمُسْتَقَرِّ لَّهَأَ﴾ قيل: لوقتها الذي تُؤْمَر فيه أنْ تطلعَ من مغربها. وقيل : مستقرُّها : موضعها الذي
تسجد فيه تحت العرش . وقيل : منتهى سيرها ، وهو آخر الدنيا .
وعن ابن عباس أنه قرأ٤) : ( والشمس تجري لا مستقرَّ لها ) أي : ليست تستقرُّ، فعلى هذا تسجدُ
وهي سائرة . ولهذا قال تعالى: ﴿ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِى لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا الَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلُّ فِ فَلَكِ
يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] أي: لا تُدرك الشمسُ القمرَ فتطلعُ في سلطانه ودولته، ولا هو أيضاً ﴿ وَلَا الَّيْلُ
سَابِقُ النَّهَارِ ﴾ أي: ليس يسبقُه بمسافة يتأخَّرُ ذاك عنه فيها ، بل إذا ذهبَ الليلُ جاءَ النهار في إثره متعقباً
له، وإذا ذهب النهار جاءَ الليل في إثره متعقِّباً له، كما قال في الآية الأخرى: ﴿يُغْشِى الَّيْلَ النَّهَارَ يَطْبُ
حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَتٍ بِأَمَّيِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [ الأعراف: ٥٤].
وقال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ اَلَيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةٌ لِّمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦٣].
أي: يخلفُ هذا لهذا، وهذا لهذا، كما قال رسولُ الله وَلَةِ: ((إذا أقبلَ اللَّيلُ من هاهنا وغربت الشَّمْسُ
(١) في ب : المشرق .
(٢)
في ب : قال أميَّةُ ، دون نسب .
(٣)
انظر تفسير القرآن العظيم ( ٧٠١/٣ ).
(٤) شواذ القرآن؛ لابن خالويه (ص١٢٦) وتفسير القرطبي (٢٨/١٥ - ٢٩) وهي قراءة ابن مسعود أيضاً، ونقل القرطبي
عن أبي بكر بن الأنباري أنه قال : وهذا باطل مردود على من نقله ؛ لأن أبا عمرو روى عن مجاهد عن ابن عباس ،
وابن كثير روى عن مجاهد عن ابن عباس ﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرِّ لَّهَا﴾ فهذان السندان عن ابن عباس - اللذان
يشهد بصحتهما الإجماع - يبطلان ما روي بالسند الضعيف مما يخالف مذهب الجماعة وما اتفقت عليه الأمة.

٥٧
باب ذكر ما يتعلق بخلق السموات
فقد أفطرَ الصائمُ)(١) والزمانُ المحقَّق ينقسمُ إلى ليل ونهار ، ليس(٢) بينهما غيرهما . ولهذا قال تعالى :
﴿ يُولِجُ الَّلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِى الَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلِّ يَجْرِىّ إِلَىَ أَجَلِ(٣) مُسَنَّى﴾ [لقمان: ٢٩]
فيُولج من هذا في هذا ، أي : يأخذ من طول هذا في قِصَر هذا فيعتدلان ، كما في أول فصل الربيع يكونُ
الليل قبل ذلك طويلاً والنَّهارُ قصيراً ، فلا يزالُ اللَّيْلُ ينقصُ ، والنَّهارُ يتزايدُ حتى يعتدلا ، وهو أول
الربيع . ثم يشرعُ النَّهارُ يطول ويتزايد والليل يتناقصُ [ إلى آخر فصل الربيع، ثم يتراجعُ الأمر ، وينعكس
الحالُ ، فيشرع النهار يتناقصُ والليل في ازدياد ]٤) حتى يعتدلا أيضاً في أول فصل الخريف . ثم يشرعُ
الليلُ يطولُ ويقصرُ النهار إلى آخر فصل الخريف . ثم يترجَّح النَّهار قليلاً قليلاً ، ويتناقصُ الليل شيئاً فشيئاً
حتى يعتدلا في أول فصل الربيع - كما قدَّمنا - وهكذا في كل عام. ولهذا قال تعالى: ﴿ وَلَهُ أُخْتِلَفُ الَّيْلِ
وَالنَّهَارِ ﴾ [ المؤمنون: ٨٠] أي: هو المتصرِّفُ في ذلك كلِّه، الحاكمُ الذي لا يُخالَف ولا يُمانع ، ولهذا
يقول في ثلاث آيات عند ذكر السموات والنجوم والليل والنهار ﴿ ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾ [الأنعام: ٩٦]٥)
أي : العزيز الذي قد قهرَ كلَّ شيء، ودانَ له كلُّ شيءٍ، ولا٦) يُمانَع ولا يُغالَبُ ، العليمُ بكلِّ شيءٍ ،
فقدَّر تقديراً على نظام لا يختلف ولا يضطرب .
وقد ثبتَ في الصحيحين : من حديث سفيان بن عُيَيْنَةَ ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن
أبي هريرة، قال: قال رسول الله مَله: ((قال الله عزَّ وجلّ(٧): يؤذيني ابنُ آدَمَ يسبُ الدهرَ وأنا الدهرُ ،
بيدي الأمر أقَلِّبُ اللَّيلَ والنَّهَارَ )(٨) وفي رواية: ((وأنا الدهرُ أُقَلِّبُ ليله ونهاره)(٩) .
قال العلماء : كالشافعي ، وأبي عُبيد القاسم بن سلام ، وغيرهما : يسبُّ الدهرَ ؛ أي : يقولُ : فعلَ
بنا الدَّهرُ كذا، يا خيبةَ الدَّهر! أيتمَ الأولادَ، أرْمَلَ النساءَ. قال الله تعالى: ((وأنا الدهر)) أي: أنا الدهرُ
الذي يعنيه ، فإنَّه فاعلٌ ذلك الذي أُسْنِدُه إلى الدهرِ، والدَّهرُ مخلوقٌ ، وإنما فعلَ هذا هو الله ، فهو
(١) رواه البخاري في صحيحه (١٩٥٤) في الصوم، ومسلم في صحيحه (١١٠٠) في الصيام، وأبو داود (٢٣٥١)
في الصوم ، والترمذي ( ٦٩٨) في الصوم . عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه .
(٢)
في ب : وليس .
(٣) في الأصول: لأجل ؛ ولا وجه لها هنا، ولعلها التبست بآية أخرى، كالآية رقم (٢) من سورة الرعد، أو الآية (١٣)
من سورة فاطر .
(٤) مابين حاصرتين سقط من المطبوع .
(٥) و [ يس: ٣٨] و [ فصلت: ١٢ ].
(٦)
في ب : فلا .
(٧)
زيادة من ب .
رواه البخاري في صحيحه (٤٨٢٦) في التفسير، و(٧٤٩١) في التوحيد، ومسلم في صحيحه (٢٢٤٦) (٢)
(٨)
في الألفاظ .
(٩) رواها مسلم في صحيحه (٢٢٤٦) (٣) في الألفاظ.

٥٨
باب ذكر ما يتعلق بخلق السموات
يسبُّ فاعلَ ذلك ويعتقدُه الدهر. والله هو الفاعلُ لذلك، الخالقُ لكلِّ شيءٍ، المتصرِّفُ في كلِّ شيءٍ ، كما
قال: (( وأنا الدَّهرُ بيدي الأمرُ أُقلِّبُ ليله ونهارَه)) وكما قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَلِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِ الْمُلْكَ مَنْ
تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَن تَشَاءُ وَتُعِزُ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُ مَن تَشَأَةٌ بِيَدَِّكَ الْخَيْرٌ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ (٢) تُولِجُ الَّيْلَ فِ النَّهَارِ
وَتُولِجُ النَّهَارَ فِ الَّيْلِّ وَتُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ آل عمران: ٢٦ - ٢٧]
وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءُ وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِنَعْلَمُواْ عَدَدَ السّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ
ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَتِ لِقَوْمِ يَعْلَمُونَ ﴿ إِنَّ فِ اخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِ السَّمَوَتِ وَاْأَرْضِ لَيَتٍ
لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٥-٦] أي: فاوتَ(١) بين الشمس والقمر في نورهما، وفي شكلهما، وفي وقتهما،
وفي سيرهما ، فجعلَ هذا ضياءً، وهو شعاعُ الشمس برهانٌ ساطعٌ وضوءٌ باهرٌ ظاهرٌ ﴿وَالْقَمَرَ نُورًا ﴾ أي:
أضعف من برهان الشمس ، وجعله مستفاداً من ضوئها ، وقدَّرها منازلَ ، أي : يطلعُ أوَّل ليلةٍ من الشهر
صغيراً ضئيلاً ، قليلَ النور لقربهِ من الشمس ، وقلَّةِ مقابلته لها ، فبقدر مقابلتهِ لها يكونُ نورُه ، ولهذا في
الليلة الثانية يكونُ أبعدَ منها بضعفِ ما كان في الليلة الأولى ، فيكون نورُه بضعفِ النُّور أوَّل ليلةٍ ، ثمّ كلما
بَعُدَ ازدادَ نورُه ، حتى يتكاملَ إبدارُه ليلةَ مقابلتهِ إيَّاها من المشرقِ ، وذلك ليلةَ أربعَ عشرةَ من الشهر . ثم
يشرعُ في النقص لاقترابه إليها من الجهة الأخرى إلى آخر الشهر فيَسْتَسِؤُ(٢) حتى يعودَ كما بدأ في أول الشهر
الثاني. فبه(٣) تُعرف الشهورُ، وبالشمس تُعرف الليالي والأيام، وبذلك تعرفُ السنينُ والأعوامُ ، ولهذا قال
تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءُ وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السّنِينَ وَاَلْحِسَابِ﴾ [ يونس: ٥].
وقال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا الَّلَ وَالنَّهَارَ ءَايَنَيْنِّ فَحَوْنَآ ءَايَةَ الَّيْلِ وَجَعَلْنَآ ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِنَّعْلَمُواْ
عَدَدَ السّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَىْءٍ فَصَلْنَهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء: ١٢] وقال تعالى: ﴿﴿ يَسَْلُونَكَ عَنِ الْأَمِلَّةِ قُلْ هِىَ
مَوَاقِيْتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [ البقرة: ١٨٩] .
وقد بسطنا القول على هذا كله في (( التفسير))(٤). فالكواكبُ التي في السماء منها سيَّارات ، وهي
المتحيزة(٥) في اصطلاح علماء التفسير ، وهو علم غالبُه صحيح ، بخلاف علم الأحكام فإن غالبه باطل ،
ودعوى ما لا دليل عليه ، وهي سبعة : القمر في سماء الدنيا ، وعُطارد في الثانية ، والزَّهرة في الثالثة ،
والشَّمس في الرابعة ، والمرِّيخ في الخامسة ، والمُشْتري في السادسة ، وزُحَل في السابعة . وبقية
الكواكب يُسمونها الثوابت، وهي عندهم في الفلك الثامن، وهو الكرسيُّ في اصطلاح كثير من المتأخرين.
وقال آخرون : بل الكواكبُ كلُّها في السماء الدنيا ، ولا مانعَ من كون بعضها فوقَ بعضٍ ، وقد
(١) في ب : قارب .
في المطبوع : فيستتر ، واستسرَّ الشيءُ : اختفى ولم يظهر .
(٢)
(٣)
في ب : به .
(٤) تفسير القرآن العظيم (٥٠٢/٢).
(٥) في ب : المتحيِّرة . وفي المطبوع : المتخيرة .

٥٩
باب ذكر ما يتعلق بخلق السموات
يُستدلُّ على هذا بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَا السَّمَةَ الدُّنْيَا بِمَصَبِيحَ وَجَعَلْنَهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِّ﴾ [ الملك: ٥].
وبقوله : ﴿فَقَضَنْهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِ يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِ كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَنِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيُرُ
اُلْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت: ١٢] فخصَّ سماءَ الدنيا من بينهنَّ بزينةِ الكواكب، فإنْ دلَّ هذا على كونها مرضَّعةً
فيها فذاك ، وإلا فلا مانعَ مما قاله الآخرون ، والله أعلم .
وعندهم أنَّ الأفلاك السبعةَ، بل الثمانية، تدورُ بما فيها من الكواكب الثوابت والسيَّارات [في اليوم والليلة
دورة كليّة من الشرق إلى الغرب، وعندهم أن كل واحد من الكواكب السيّارات}(١) يدورُ على خلاف فلكهِ من
الغرب إلى الشرق ، فالقمرُ يقطع فلكه في شهر ، والشمس تقطع فلكها - وهو الرابع - في سنة . فإذا كان
السيران ليس بينهما تفاوتٌ ، وحركاتُهما متقاربةٌ ، كان قدرُ السماء الرابعة بقدر السماء الدُّنيا ثنتي عشرة مرةً ،
وزُحلُ يقطعُ فلكه - وهو السابع - في ثلاثين سنةً ، فعلى هذا يكون بقدر السماء الدنيا ثلثمئة وستين مرة .
وقد تكلَّموا على مقادير أجرام هذه الكواكب وسيرها وحركاتها ، وتوسَّعوا في ذلك(٢) حتَّى تعدّوا إلى
علم الأحكام، وما يترتَّبُ على ذلك من الحوادث الأرضيَّةِ، بما لا علمَ لكثيرٍ منهم به . وقد كان اليونانيون
الذين كانوا يسكنونَ الشام قبل زمنِ المسيح - عليه السلام - بدهور لهم في هذا كلامٌ کثیر یطولُ بَسْطُه، وهم
الذين بنوا مدينةَ دمشق ، وجعلوا لها أبواباً سبعةً ، وجعلوا على رأسِ كلِّ بابٍ هيكلاً على صفة الكواكب
السَّبْعة، يعبدونَ كلَّ واحدٍ في هيكلِه ، ويدعونه بدعاءٍ يأثره عنهم غيرُ واحد من أهلِ التواريخ(٣) وغيرهم.
وذكره صاحبُ كتاب (( السر المكتوم في مخاطبة الشمس والقمر والنجوم)(٤) وغيره من علماء
الحرنانيين(٥) - فلاسفة حرَّان في قديم الزمان - وقد كانوا مشركين يعبدونَ الكواكبَ السبعة ، وهم طائفة
من الصابئين، ولهذا قال الله تعالى: ﴿ وَمِنْ ءَايَتِهِ الَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرْ لَا تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ
وَلَا لِلْقَمَرِ وَأَسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِى خَلَفَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧] وقال تعالى إخباراً عن
الهُدْهُدِ أنَّه قال لسليمان عليه السلام ، مخبراً عن بلقيسَ وجنودِها ، ملكة سبأ في اليمن وما والاها :
﴿ إِنِّ وَجَدَثُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ﴿ وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ
وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (﴿ أَلَّا يَسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِى يُخْرِجُ الْخَبَْ فِ السَّمَوَتِ
(١) ما بين حاصرتين سقط من المطبوع.
(٢) في ب : في هذه الأشياء .
(٣) انظر مختصر تاريخ دمشق؛ لابن منظور (٤٦/١).
نُسب الكتاب إلى الفخر الرازي ، وقيل: ليس له ، وعليه ردود. انظر كشف الظنون (٩٨٩/٢ ).
(٥) الحرنانيون: جمع حرنانيّ ؛ نسبة إلى حرَّان - على غير القياس - وهي مدينة في الجزيرة الفراتية، بينها وبين الرقة
يومان . قال ياقوت : وكانت منازل الصابئة ، وهم الحرَّانيون الذين يكرههم أصحاب كتب الملل والنحل . انظر
معجم البلدان (٢٣٥/٢ - ٢٣٦) والفهرست؛ لابن النديم (ص ٣٨٣).
(٤)

٦٠
باب ذكر ما يتعلق بخلق السموات
وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ رَِّ اللَّهُ لَآَ إِلَهَ إِلَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾﴾ [ النمل: ٢٣ -٢٦].
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِىِ السَّمَوَتِ وَمَن فِىِ الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَاَلِبَالُ وَالشَّجَرُ
وَالدَّوَآتُ وَكَثِرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌّ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اَللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ ﴾﴾
[ الحج ١٨] وقال تعالى: ﴿أَوَّلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ يَنَفَيَّوْاْ ظِلَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَابِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ
دَخِرُونَ ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ مِنْ دَآبَةٍ وَالْعَلَتَبِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﴿يَ يَخَافُونَ رَهُم مِّنْ فَوْفِهِمْ
وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾﴾ [النحل: ٤٨ - ٥٠] وقال تعالى: ﴿وَلِلَِّ يَسْجُدُ مَن فِ السَّمَوَنِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَلُهُم
بِالْغُدُوِّ وَاْلْأَصَالِ ﴾﴾ [الرعد: ١٥] وقال تعالى: ﴿ نُسَيِّعُ لَهُ الَّمَوَتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيِهِنَّ وَ إِن مِن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِعُ مِدِهِ،
وَلَكِنْ لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾ [الإسراء: ٤٤][ والآيات في هذا كثيرة جداً }(١)
ولما كان أشرفُ الأجرام المشاهدة في السموات والأرض هي الكواكبُ ، وأشرفهن منظراً ، وأشرفهن
معتبراً الشمس والقمر ، استدلَّ الخليلُ على بطلان إلهية شيءٍ منهنَّ، وذلك في قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا جَنَّ
عَلَيْهِ الَِّّلُ رَءَا كَوْكَبٌّ قَالَ هَذَا رَبِّ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ الْآَفِينَ﴾ [ الأنعام: ٧٦] أي: الغائبين: ﴿ فَلَمَّا رَءَا
الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّ فَمَّا أَفَلَ قَالَ لَيِنِ لَّمْ يَهْدِنِ رَبِّي لَأَكُونَ مِنَ الْقَوْمِ الضَّآلّينَ (٧) فَلَمَّا رَءَا الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا
رَبِي هَذَا أَكْبَرٌ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَقَوْمِ إِى بَرِىٌّ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (٢) إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ
حَنِيفًاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٧ - ٧٩] فبيَّنَ بطريق البرهان القطعيّ أن هذه الأجرامَ المشاهدة من
الكواكب والشمس والقمر لا يصلحُ شيءٌ منها للإِلّهية، لأنها كلها مخلوقة مربوبةٌ ، مدبرة مسخّرة في
سيرها لا تحيد(٢) عما خُلقتْ له، ولا تزيغُ(٣) عنه إلا بتقدير مبيّن(٤) محرَّرٍ لا يضطرب ولا يختلف. وذلك
دليلٌ على كونها مربوبة مصنوعة، مسخّرة مقهورة، ولهذا قال تعالى: ﴿ وَمِنْ ءَايَتِهِ الَّيْلُ وَالنَّهَارُ
وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَأَسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾
[ فصلت: ٣٧] وثبتَ في الصحيحين في صلاة الكسوف: من حديث ابن عمر(٥)، وابن عباس(٦)،
وعائشة(٧)، وغيرهم من الصحابة (٨): أنَّ رسولَ الله ◌ِوَّهِ قال في خطبته يومئذ: ((إنَّ الشمسَ والقمر آيتان
من آياتِ الله عزَّ وجلّ ، وإنَّهما لا ينكسفان لموتِ أحدٍ ولا لحياتهِ )) .
(١) ما بين حاصرتين سقط من (( ب)).
(٢) في أ : لا محيد .
(٣)
لا تزيغ : لا تميل .
(٤)
في المطبوع : متقن .
(٥)
البخاري (١٠٤٢)، ومسلم (٩١٤) .
البخاري (١٠٤٦) و(١٠٥٢) و(١٠٥٩)، ومسلم (٩٠٢).
(٦)
(٧) البخاري (١٠٤٦) و(١٠٤٧) و(١٠٥٨)، ومسلم (٩٠١).
ينظر جامع الأصول (١٦٦/٦ - ١٩٠).
(٨)