Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ ٣ - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلفيه: ((قال الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاءِ عن الشَّرك، من عَمِل عَمَلاً أشركَ فيه معيَ غيري، تَرَكْتُه وشِرْكَه)». ٣ - تخريجه: رواه مسلم في الزهد والرقائق - باب تحريم الرياء ٤: ٢٢٨٩ (٤٦)، وشرح النووي ١٨ : ١١٥. معناه: إن الله سبحانه وتعالى متفرِّد بالوحدانية المطلقة في ألوهيته وذاته وصفاته وأفعاله، ويريدُ من عباده أن يُفْرِدوه بالعبادة والتوجُّه إليه، ويوحِّدوه في القَصْد والعمل، ويُخلِصوا له العبادة والدين: ﴿وما أُمِروا إلا لِيَعْبُدُوا الله مخلصين له الدين حنفاءَ . . وفي هذا الحديث القدسيِّ يبيِّن تعالى بياناً ضِمْنُهُ الوعيدُ الشديدُ أنه مَن عَمِل شيئاً وَقَصَدَ به الله تعالى وآخَرَ معه: فإن الله تعالى يتركُه وشِرْكَه أي: يتركُه وهذه الجهةَ الأخرى التي أشركها مع الله عز وجل في القصد. وتَرْكُ الله عز وجل له: معناه: أن يتركَه ويتخلَّى عنه ويَكِلَه إلى نفسه ومَنْ قَصَده مع ربه، وقد خاب وخَسِر كلَّ الخُسْران من تخلَّى اللهُ عنه ووَكَلَه إلى نفسه أو إلى غيره. ذلك أن الله تعالى من عزَّته وعظمته: يَغَارُ أن يُقْرَن به غيره، ومَن الذي يَستحقُّ أن يُقْرَن مع الله تعالى أو يُشرَكَ معه في القصد والتوجُّه والعبادة ... وقدَّم سبحانه على بيان هذه النتيجة بجملةٍ بَيَّن فيها حقيّة إفراده بالقصد، وغِناه عن الشريك فقال: ((أنا أغنى الشركاء عن الشرك)). والحقيقة أنه لا شريكَ له ولا شُركاء، إنما هذا على حسب زعم الزاعمين، فإذا كان أولئك في زعم عابديهم أغنياءَ عن الشرك، فأنا أغنى منهم عن الشرك والشريك. ٤٢ أو أن (أغنى) هنا ليست على بابها من التفضيل، والمعنى: أنا غني، وأولئك محتاجون فقراءُ إليَّ. وقال النووي في بيان المعنى العام للحديث: ((أنا غنيّ عن المشاركة وغيرها، فمن عَمِل شيئاً لي ولغيري لم أقبله، بل أتركُه لذلك الغير. والمراد أن عملَ المرائي باطلٌ لا ثوابَ فيه ويأثم به)). ٤٣ ٤ - عن شُفَيِّ الأَصْبَحِيِّ أنه دَخَل المدينةَ، فإذا هو برجلٍ قد اجتمع عليه الناسُ، فقال: مَنْ هذا؟ فقالوا: أبو هريرةَ، فَدَنَّوْت منه حتى فَعَدتُ بين يَدَيْهِ وهو يحدِّث الناسَ، فلما سكتَ وخَلَ الناسُ قلتُ له: أَنْشُدُك بحقِّ وبحقِّ لمَّا حَدَّثْتَني حديثاً سمعته من رسول الله وَهـ عَقَلْتَه وعَلِمْتَه . فقال أبو هريرةَ: أَفعلُ، لُأَحَدِّثَنَّكَ حديثاً حدَّثنيه رسولُ اللهِ وَله عَقَلْتُهُ وعَلِمْتُه. ثم نَشَغَ أبو هريرةَ نَشْغَةً، فمكثَ قليلاً، ثم أفاقَ فقال: لُأَحَدِّثَنَّك حديثاً حدَّثنيه رسول الله ◌ِ ◌ّ﴿ في هذا البيتِ ما معنا أحدٌ غيري وغيرُه. ثم نَشَغَ أبو هريرةَ نشغةً أخرى، ثم أفاق، فمسح وجهه فقال: لأحدِّثنك حديثاً حدثنيه رسول الله وَّر وأنا وهو في هذا البيت ما معنا أحدٌ غيري وغیرُه. ثم نَشَغَ أبو هريرةَ نشغةً أخرى، ثم أفاق، ومسح وجهه فقال: أَفعلُ، لأحدثك حديثاً حدَّثنيه رسول الله وَ لِّ وأنا معه في هذا البيتِ ما معه أحدٌ غيري وغيرُه. ثم نشغ أبو هريرة نشغة شديدةً، ثم مالَ خارّاً على وجهه، فَأَسْنَدتُه ٤ - تخريجه: رواه الترمذي بهذا اللفظ المطوَّل في أبواب الزهد - باب الرياء والسُّمعة ٧: ١١٢ (٢٣٨٣) = ٤: ٥٩١ (٢٣٨٢) وقال: حديث حسن غريب. وأصلُه في صحيح مسلم في كتاب الجهاد - باب من قاتل للرياء والسمعة ٤٤ عليَّ طويلًا، ثم أفاق، فقال: حدثني رسول الله وَلّ: أن الله تباركَ وتعالى إذا كان يومُ القيامةِ ينزِل إلى العبادِ لِيَقْضيَ بينهم، وكلُّ أَمٍ جائيةٌ، فأوَّلُ مَن يَدْعُو به: رجلٌ جَمَع القرآنَ، ورجلٌ يُقْتَلُ في سبيل الله، ورجلٌ كثيرُ المالِ ، فيقول الله للقارىءِ: أَلَمْ أَعَلِّمْكَ ما أَنْزَلْتُ على رسولي؟! قال: بلی یا ربِّ. استحق النار ١٣: ٥٠، والنسائي كتاب الجهاد - من قاتل ليقال فلان جريء ٦: ٢٣ (٣١٣٧). غريبه: أنشدك: أسألك وأُقْسم عليك، وأصل النُّشْدان يكون مع رفع الصوت، شأْنَ المتَلَهِّف. لمّا: أي: إلا. عقلته: وعيته. نشغ: قال في ((النهاية)) ٥: ٥٨: ((النَّشْغ: الشهيق حتى يكاد يبلغ به الغَشْي، وإنما يفعل الإِنسان ذلك تشوُّقاً إلى شيء فائتٍ وأسفاً عليه)). جائية: مجتمعة، كل أمة جماعة. معناه: هذا الحديث الشريف أصلٌ أَصيلٌ في تنبيه العباد إلى ضرورة الإِخلاص لله في القول والعمل، وأن الله تعالى لا يقبلُ من الأعمال إلا ما كان خالصاً له وابتُغِي به وجهُه. وخصَّ الحديثُ هذه الأصنافَ الثلاثة بالذكر: العلماءَ، وأصحابَ الأموال (التجار)، والمجاهدين (الجيش): لأنهم أهمُّ العاملين من الناس، وإلا فكلُّ ذي عملٍ مطالب بإخلاص عمله لله رب العالمين. فأول الثلاثة: رجل جَمَعِ القرآنَ فحفظه وعلمه، يقول الله تعالى له يوم القيامة - وهو أعلم بحاله -: ((ألم أُعَلَّمك ما أنزلتُ على رسولي؟)) قال له ذلك تمهيداً لإقامة الحجة عليه، فيقول: ((بلى، يا رب)). وهذا إقرارٌ بنعمة عظيمة تُستَوجبُ منه شكراً عظيماً، هي نعمة العلم : العلمِ بالقرآن الكريم، كلام رب العالمين، الذي جمع الله فيه الخير من أطرافه، فما من خير في الدنيا والآخرة إلا ودلَّنا عليه القرآن الكريم . ٤٥ قال: فماذا عَمِلْتَ فيما عَلِمْتَ؟ قال: كنتُ أقومُ به آناء الليل وآناء النهارِ، فيقولُ الله له: كذبتَ، وتقولُ له الملائكةُ: كذبتَ، ويقولُ الله: بلْ أردتَ أن يُقالَ: إن فلاناً قارىءٌ، فقد قيل ذاك. إلا أن هذا الرجل لم يكن من الموفَّقين، ولم يَصْدُقِ الله في دنياه، ولا في آخرته، فلما قال الله له: ((ماذا عَمِلتَ فيما عَلِمتَ؟ قال: كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار)). زعم أنه شَغَل نفسَه بالقرآن الكريم ساعاتِ الليل وساعاتِ النهار كلَّها، وغَفَل هذا المسكينُ عن روح الاشتغال بالقرآن وتفسيره وفقهه، وعن المقصود الأكبر من ذلك !. غَفَل عن أن الله سبحانه يحبُّ من عبده أن يُطَهِّر قلبَه وقَصْدَه من كل ما سواه، وأن واجب العبد إفرادُ الله تعالى بالإِرادة والتوجُّه. ومَن قرأ القرآن الكريم لا يَجهلُ هذه المعانيَ عِلْماً، لكنه قد يجهلُها عملاً وسلوكاً، كهذا الصنف من القُرَّاء. نسأل الله علماً نافعاً. ولذلك ((يقول الله تعالى له: كذبتَ، وتقول له الملائكة: كذبت)) ثم يبيّن الله له حقيقةً دَخِيلته فيقول له: ((بل أردتَ أن يقال: إن فلاناً قارىء، فقد قيل ذلك)) أي: قد وصلتَ إلى ما سعيتَ إليه، وحصلتَ على ما ابتغيتَه، فلم يبقَ لك مطلوب آخر. ثم يُؤمّر به فيُسحبُ على وجهه ويُلقَى في النار، كما جاء في رواية مسلم. فإن قيل: فما ينبغي أن يكون قصد طالب العالم؟ قلت: ينبغي أن يكون قصدُه الله ومرضاته. أن يكون قصدُه الله: في تعلُّمه ودراسته وكلِّ وسائل العلم، حتى في ذهابه وإيابه وشرائه الكتب ... واختياره الشيوخ الذين يَصحّبهم، فيصحبُ من يدلُّه على الله حاله ومقالُه أكثر من غيره ... حتى في زِيِّه وملبسه العلمي، يصحِّح نيتَه ویُحسِن قصده. وأما ابتغاؤه مرضاةً الله: ففي عمله بعلمه، وتطبيقه كلَّ خير يتعلَّمه، فما يمرُّ به أمرٌ إلَهيٌّ أو نبويٌّ إلا بادر إلى تطبيقه، وما يمرُّ به نهي منهما إلا انتهى عنه. فما تمضي عليه أيام إلا عُرف الخير في هَذْيه وسلوكه، وما تمضي عليه سنواتٌ قلائلُ إلا وهو عالم عامل. ٤٦ روى أبو داود ١: ٥٤٢ (٨٧١) والترمذي ١: ٣٥٢ (٢٦٢) وقال: حسن صحيح، عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، أنه صلَّى مع النبيِ ﴿، فكان يقولُ في ركوعه: ((سبحان ربي العظيم، وفي سجوده: سبحان ربيَ الأعلى)) وما أُتَّى على آيةِ رحمةٍ إلا وقف وسأل، وما أتى على آيةٍ عذابٍ إلا وقف وتعوَّذ. وهذا هَذْيَ نبويُّ عظيم، يعلِّمنا المبادرةَ إلى امتثال أمر الله ورسوله، ومنه أَخَذَ سلفُنَا حرصَهم على الإسراع بعمل ما يتعلّمون. روى الخطيبُ البغداديُّ رحمه الله في كتابه ((الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع)) ١: ١٤٥ عن أبي عثمان الحِيريِّ الزاهدِ الكبيرِ أنه خرج لصلاة العشاء في مسجده بإزار ورداء، فقال أبو عمرو بن أبي جعفر بن حمدان لأبيه: يا أبتِ أبو عثمان قد أحرم؟ فقال: لا، ولكنه هو ذا يَسمعُ مني ((المسند الصحيح)) الذي خرَّجتُه على كتاب مسلم، فإذا سمع بسنّةٍ لم يكنِ استعملها فيما مضى، أحبُّ أن يستعملَها في يومه وليلته، وإنه سمع في جملةٍ ما قُّرِىء عليَّ: أن النبيِ ﴿ صلَّى في إزار ورداء، فأحبُّ أن يَستعمل تلك السُّنَّةَ قبل أن يُصبح !. ومما يُحَذَّر منه طالب العلم في أيامنا هذه: انهماكُه في القيل والقال، وكثرة السؤال، والفضولِ في الكلام، والأخذٍ في الجدال والمراء، والإِغرابُ في المسائل والمحفوظات، والنقول عن غير المتداول من الكتب لدى العلماء، والأخذُ للعلم عن الكتب لا بالتلقّي من أفواه العلماء عن طريق مصاحبتهم ومزاحمتهم عليه بالرُّكَب. وكذلك انصرافُه عن أدب العلماء وأخلاقِهم مع سلفهم وشيوخهم، بل الازدراءُ بمن يتأدَّب بأدب العلماء، ووصفهُ بأوصاف مُزْرية تنفّر الناس منه، وظنُّ بعض الناس أن العلم ما هو إلا معلوماتٌ تُحفظ - أو تُحفظ أسماءُ المصادر التي تبحثُ في مسألة كذا وكذا - ويتشدَّق بها في المجالس، أو تُمْلُّ حواشي الكتب وتعليقاتُها بأسماء هذه المصادر، وحينئذ يُدْعَى صاحبها: بالعلامة المحقق، وعالم الوقت، ومحدث العصر ... وأبعدُ من هذا وذاك مَنْ لا يشتغل بشيء من العلم إلا بمعرفة ما طُبع وما صَدَر ٤٧ حديثاً، ومَنْ حقَّقه، وأين مخطوطاتُه ... وهو يَظنُّ أنه صار مَرْجِعَ العلماء، ومَحَطّ الفضلاء .. والعلمُ فوق هذا، وغيرُ هذا. العلم: هو الحفظ والفهم، والعمل والتطبيق، والتخلّق والتعبّد، والتصوُّن والتحقُّق، والمحاسبةُ للنفس والمراقبة لله، والاهتداء بهدي سيد الأنبياء عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام، والاقتداء بسيرة أصحابه وتابعيه بإحسان. وَلْيقرأُ - بشكل عام - سيرةَ السلف وتراجمهم وحياةَ الأئمة العلمية والعملية، وليقرأ - بشكل خاص -: ((الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع)) للخطيب البغدادي، و((تذكرة السامع والمتكلم)) لابن جَمَاعة، ومقدِّمة ((إحياء علوم الدين)) للإِمام الغزالي، و((شرح حديث أبي الدرداء: من سلك طريقاً يَلتمسُ فيه علماً)) و ((فضل علم السلف على الخلف)) كلاهما لابن رجب الحنبلي . فإنه إنْ قرأ هذا وأُشْرب قلبُه حبَّ ما يَقرأ: كان من المُفْلِحِين إن شاء الله. على أنه لا يُغْنيه شيء عن صحبة العلماء العاملين، فإنهم هم الكُتُبُ الناطقة . فإن سأل سائل: فماذا تُسمِّي مَنْ يَحْفَظ ويُصنَّف ويحقِّق ويُوصَف بالعالم والحافظ والفقيه .. وهو على غير ما رسمتَ ووصفتَ؟. فأقول في الجواب: أُسمِّيه بما سمّاه به الإِمام الوَرِع أبو محمد بن أبي جَمْرة الأندلسيُّ صاحبُ ((بهجة النفوس)) المتوفى سنة ٦٩٩ رحمه الله تعالى، وذلك فيما حكاه عنه تلميذه ابن الحاجِّ في كتابه الشهير ((المدخل)). قال رحمه الله في أوائله ١: ١٧: ((كان سيدي أبو محمد - ابن أبي جمرة - رحمه الله إذا ذُكِر له واحد من علماء وقته ممن يُنْسَب إلى طَرَف مما ذُكِر - أي العلم وقليل من العمل، بالنسبة إلى ذاك الزمان: أواخر القرن السابع - ويُثْنَى عليه إذ ذاك بفضيلة العلم، يقول: ناقل، ناقل، خوفاً منه رحمه الله على منصب العلم أن يُنْسَب إلى غير أهله، وخوفاً منه أن يكون ذلك كذباً، لأن الناقل ليس بعالم في الحقيقة، وإنما هو صانع من الصنَّاع)) !!. ٤٨ ويُؤْتَى بصاحب المالِ فيقولُ الله له: أَلَمْ أُوَسِّعْ عليك حتى لم أَدَعْك تحتاجُ إلى أَحَد؟! قال: بلى يا ربِّ. قال: فماذا عَمِلتَ فيما آَيْتُكَ؟ قال: كنتُ أَصِلُ به الرَّحِمَ، وأتصدَّقُ، فيقولُ الله له: كذبتَ، وتقولُ له الملائكةُ: كذبتَ، ويقول الله تعالى: بل أردتَ أن يقال: فلانٌ جَوَادٌ، فقد قِيْلَ ذاك. وهذه استطرادة دَعَتْ إليها الحاجة، أسأل الله أن ينفعني بها، وأعود إلى شرح الحديث الشريف. وأما ثاني الثلاثة: فصاحبُ المال، يعرِّفه الله بنعَمه عليه فيقول له: ((ألمْ أُوسُّعْ عليك حتى لم أُدَعْكَ تحتاج إلى أحد؟)). وهذه أقلُّ نِعم صاحب المال، أنه لا يَحتاج إلى أحد، وأن الله كفاه همَّ الحاجة وغَمَّ الفاقة، وكرب القلّة، ورَفَعه عن ذُلِّ السؤال، وحفظ يَده أن تكون اليدَ السفلى، فما أعظمَها من نعمة !. ولذلك خصَّها الله بالذكر، دون سائر نِعَم الغنى واليَسّار. ولا يملك هذا الإِنسانُ جواباً إلا الاعترافَ فيقول: ((بلى، يا رب، قال: فما عملتَ فيما آتيتك؟ قال: كنتُ أَصِل الرحم وأتصدَّقُ)). ولكن الله تعالى الذي يعلم السرَّ وأخفى، يَعلم أن ظاهره كذلك، وأن في باطنه دخيلةً تُفْسِد ما عمل، وهي أنه لم يُرِدْ بصلته الرحم وبصدقته وجه الله عز وجل، إنما أراد السمعةَ عند الناس، وثناءَهم عليه، ووصْفهم له بصالح القول، وقد حصل على ما أراد، فلمّ يبتغي عند الله شيئاً آخر؟ !. ولذلك ((يقول الله له: كذبتَ، وتقول له الملائكة: كذبتَ، ويقولُ الله تعالى: بل أردتَ أن يقال: فلان جَوَاد، فقد قيل ذاك)). وقد تقدم في الحديث الثالث قولُ الله تعالى في الحديث القدسي: ((أنا أغنى الشُّركاءِ عن الشرك، مَن عَمِل عملاً أشركَ فيه معيَ غيري تركْه وشِرْكَه)). وإن آفاتِ المال كثيرةٌ: الطغيانُ والْبَطَرِ، والسَّرَفُ والتَّرَفُ، والاستبداد والاستعلاءُ، والغفلةُ عن الحقِّ، والتقصيرُ في واجب الله عليه، والدعاوى العريضة، ونسيانُ فضل الله علیه. ٤٩ ويُؤْثَى بالذي قُتِلَ في سبيل الله فيقولُ الله له: فيماذا قُتِلتَ؟ فيقولُ: أَمِرتُ بالجهاد في سبيلكَ، فقاتلتُ حتى قُتِلتُ، فيقول الله تعالى له: كذبتَ، وتقولُ له الملائكةُ: كذبتَ، ويقولُ الله: بلْ أردتَ أن يُقالَ: فلانٌ جَريءٌ، فقد قِيْلَ ذاك. وقصة الثلاثة من بني إسرائيل: الأبرص والأقرع والأعمى مشهورة معروفة، حاصلُها أن اثنين من هؤلاء الثلاثة نَسِيا فضل الله عليهما بالغنى بعد الفقر، وتنكّرا للحق الذي عليهما، فهذا حال الأكثر. أما قصة قارون التي قصَّها الله تعالى علينا في سورة القَصَص: فهي عِبْرة العِبَر، وما أصدقَ أن يُقال فيها: خير العِبْرة: ما انسكبت عندها العَبْرة. وأما ثالث الثلاثة: فالمجاهد الشهيد في سبيل الله يُؤْتَى به «فيقول الله له: فيماذا قُتلت؟ فيقول: أُمِرتُ بالجهاد في سبيلك، فقاتلتُ حتى قُتلتُ، فيقول الله تعالى له: كذبتَ، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله: بل أردتَ أن يقال: فلان جريء، فقد قيل ذاك)). نعم قاتل حتى قُتِل، ولكنه لم يمحِّص نيتَه، ولم يُخْلِصها لله، والنبيُّ ◌َله يقول: ((إنما الأعمالُ بالنيات، وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوى)) فمن كان تعلُّمه وتعليمه، وصِلَتُه وصدقته، وجهاده واستشهاده: خالصاً لله، فهو لله، وما كان لغير ذلك فهو لما نواه . ولقد كان المخلصون حقاً يعرِّضون في كلامهم ويتنكِّرون لئلا يُعْرَفُوا ڤيُذكَروا، فكان جهادهم وبلاؤهم فيه درساً، وإخلاصُهم درساً آخر هو أعظم من الدرس الأول. قال ابن قتيبة في ((عيون الأخبار)) ١: ١٧٢: ((حاصر مَسْلَمة بن عبد الملك حِصناً، وكان في ذلك الحصن نَقْبَ - أي فتحةً في حائطه - فندبَ الناسَ إلى دخوله، فما دخله أحد، فجاء رجل من عُرْض الجيش - من طرف من أطرافه، لا يُعرف - فدخله، ففتح الله عليهم الحصن. فنادى مَسْلمة: أين صاحبُ النِّقْب؟ فما جاء أحد. ٥٠ ثم ضَرَبَ رسولُ اللهِ وَلِ على ركبتي فقال: ((يا أبا هريرةَ أولئك الثلاثةُ أولُ خَلْقِ الله تَسَعَّرُ بهم النارُ يومَ القيامة)). قال العلاءُ بنُ أبي حكيمٍ - وكان سَيّافاً لمعاويةَ -: دَخَلَ عليه رجلٌ فأخبره بهذا عن أبي هريرة، فقال معاويةُ: قد فُعِل بهؤلاء هذا، فكيف بمنْ بقيَ منَ الناس! ثم بكى معاويةُ بكاءً شديداً حتى ظَنًّا أنه هالك وقلنا: قد جاءنا هذا الرجلُ بشرِّ، ثم أفاق معاوية ومَسَحَ عن وجهه وقال: صَدَقَ الله ورسولُه: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحياةَ الدُّنْيَا وَزِيْتَتَها نُوَفِّ إليهمْ أَعْمالَهمْ فيها، وهُم فيها لا يُبْخَسُون. أولئكَ الذينَ ليسَ لهمْ في الآخرةِ إلا النارُ، وحَبطَ ما صَنَعُوا فيها، وباطلٌ ما كانوا يَعْمَلون﴾. فنادى: إني قد أمرتُ الأَذِنَ بإدخاله ساعةً يأتي، فعزمت عليه إلا جاء. فجاء رجل إلى الآذن فقال: استأذن لي على الأمير. فقال له: أنتَ صاحب النّقْب؟ قال: أنا أخبركم عنه. فأتى الآذِنُ إلى مسلمة، فأخبره عنه، فأُذِن له. فقال الرجل لمسلمة: إن صاحب النَّقب يأخذ عليكم ثلاثاً: أن لا تُسَوِّدوا اسمه - أي لا تكتبوا اسمه - في صحيفة إلى الخليفة - ولا تأمروا له بشيء، ولا تسألوه ممن هو؟ قال مسلمة: فذاك له. قال الرجل: أنا هو. فكان مسلمة بعد هذه الحادثة لا يصلّي صلاةً إلا قال: اللهم اجعلْني مع صاحب النّقْب)). ٥١ ٥ - عن عبدِ اللهِ بن عمر رضي الله عنهما، عن النبي ◌َ ◌ّ قال: ((إن الله تعالى قال: لقد خَلَقَتُ خَلْقاً ألسنتُهم أَحْلى من العَسَل، وقلوبُهم أَمَرُّ من الصَّبِر، ٥ - تخريجه: رواه الترمذي في أبواب الزهد - بابُ ١٢٧:٧ (٢٤٠٧) وقال: حديث حسن صحيح غريب من حديث ابن عمر، لا نعرفه إلا من هذا الوجه = ٤: ٦٠٤ (٢٤٠٥) وفيه: حسن غريب، وروى نحوه قبله مباشرةً عن أبي هريرة وسکت علیه. غريبه: لُأتيحنّهم: لُأُنزِلنَّ بهم. الحليم: العاقل. يجترئون: يتجاوزون حدودي ويستحقُّون بي . معناه: يذُّ الله تعالى طائفةً من الناس لاتِّصافهم بصفة النفاق والمكر، وهي صفةٌ لا تتفقُ مع صفات المسلمين الصادقين، وقد قال ◌َلي: ((المكر والخداع في النار))(١). وسواء كان مكرهم بالناس لإضرارهم، أو كان مكرهم بهم من باب تظاهرهم بالدین لیأکلوا به الدنيا. وقد روى الترمذي قبل هذا الحديث مباشرة حديثاً بنحوه من رواية أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: ((يخرج في آخر الزمان رجالٌ يَخْتِلون الدنيا بالدِّين، يَلْبَسون للناس جلود الضأن من اللِّين، ألسنتُهم أحلى من السُّكَّر .. )). فأفادت هذه الرواية أن الحديث وارد في ذمَّ من يشتري الدنيا بالدين من علماء السُّوء في آخر الزمان. حفظنا الله من ذلك. وصَفَهم تعالى فقال: ((ألسنتُهم أحلى من العسل، وقلوبُهم أمرُّ من الصُّبِر)) ١ - حديث صحيح، انظر تخريجه في ((الترغيب والترهيب)) ٥٧٢:٢، و((فتح الباري)) ٤: ٣٥٦. ٥٢ فَبِي حَلَفتُ: لُأتِيحَنَّهم فتنةٌ تَدَعُ الحليمَ حيرانَ، فَبِي يَغْتَرُّون؟! أمْ عليَّ يَجْتَرِئون؟!)). والصَّبِر: نباتٌ معروف شديد المرارة، فألسنتُهم أشدُّ حلاوةً من العسلِ تُغَري بسامعها أن يستمع، كما قال تعالى في صفة المنافقين: ﴿وإذا رأيتَهم تُعْجِبُكَ أجسامُهم، وإن يقولوا تسمعْ لقولهم﴾ إلا أنهم ﴿ خُشُبُ مُسَنَّدة﴾ لا تُغني شيئاً ولا تفید . وكيف تصدر عنهم فائدة ولا وَزْنَ لدين الله في قلوبهم، إنما الدنيا عندهم أجلُّ منه، فهم يسرقون دنيا الناس بالدين (يُتَاجِرون) به !!. أو كيف تصدُر عنهم فائدة، أو يُرجَى منهم خير وهم يحملون في قلوبهم الغِلَّ والحِقْد والبَغْضاء للمسلمين؟! فلا يُرجى خيرٌ ممن لا يرجو للمسلمين الخير. وجاءهم الوعيد الإلهي من رب العالمين العزيز الغالب، مع القَسَم بذاته المقدَّسة: ((في حلفتُ: لَأتِيحَنَّهم فتنة)) لُأنْزِلنَّ بهم عذاباً ونقمةً: (تَدَعُ)) أي تترك ((الحليم)) العاقلَ ذا الرأي منهم ((حيران)) لا يدري ماذا يَعمل، وكيف يتخلّص من البلاء النازل به وبذويه . ((فِي يَغْتَرون؟ أم عليّ يَجترِئون؟)) إن كان قد غرَّهم حلمي عليهم وإمهالي لهم فاغتروا وتجرؤوا على عصياني وإضرار عبادي، فما أجهلَهم بالله في خلقه وتدبير كونه !! نسأل الله العافية. ٥٣ ٦ - عن زيدٍ بن خالدٍ الجُهَنيِّ رضي الله عنه قال: صلَّى لنا رسولُ اللهِِّ صلاةَ الصَّبحِ بالحُدَيْبِيَةِ، على إِثْرِ سمَاءٍ كانتْ من الليل، فلما انصرف النبيُّ ونَ﴿ أَقْبَلَ على الناس فقال لهم: ((هل تَدْرون ماذا قال ربُّكم؟)) قالوا: الله ورسوله أعلمُ. قال: ((قال: أصبحَ مِن عبادي مؤمنٌ ٦ - تخريجه: رواه الإمام مالك في ((الموطأ)) كتاب الصلاة - العمل في الاستسقاء: الاستمطار بالنجوم ١٩٨:١. ومن طريقه البخاريُّ في أبواب الاستسقاء - باب قول الله تعالى ﴿وتَجْعَلون رِزْقكم أنكم تُكذّبون﴾ ٥٢٢:٢ (١٠٣٨)، ومسلمٌ أيضاً في كتاب الإِيمان - باب بيان كفر من قال مُطِرنا بالنّوْءِ ٨٣:١ (١٢٥) وشرح النووي ٥٩:٢. ثم رواه عن أبي هريرة بنحوه. غريبه: صِلَّى لنا: قال في (الفتح)) ٥٢٣:٢: ((أي: لأجلنا، أو اللام بمعنى الباء، أي: صلَّى بنا، وفيه: جوازُ إطلاق ذلك مجازاً، وإنما الصلاة للّه تعالى))، على أن لفظ مسلم في ((شرح النووي)): صلى بنا. في إِثْرِ سماءٍ: أي: عَقِبَ نزولِ مطرٍ، وأطلق عليه ((سماء)) لكونه ينزل من جهتها . فلما انصرف النبي ◌َّ﴾: أي: فرَغَ من صلاته. من عبادي: قال الحافظ: ((هذه إضافة عموم، بدليل التقسيم إلى مؤمن وكافر)) أي: وليستْ إضافةً تشريف. النَّوْء: خلاصةُ ما في ((النهاية)) لابن الأثير ١٢٢:٥، والنووي ٦١:٢ وابن حجر أن (النوء) مصدر: ناء النجم ينُوء نَوْءاً، إذا سقط، وإذا طَلَع، فهو من الأضداد، ومنازل القمر المذكورة في قوله تعالى ﴿والقمرَ قدَّرناه منازِلَ﴾ هي ثمانيةٌ وعشرون منزلاً، يَسقطُ في كل ثلاثةَ عَشْرَةً ليلةً نجمٌ منها في المغرب يسمّى ٥٤ بي وكافر بي، فأما مَن قال: مُطِرْنا بفضل الله ورحمته: فذلك مؤمنٌ بي كافرٌ بالكوكب. وأما من قال: مُطِرِنا بنّوْءِ كذا وكذا: فذلك كافرٌ بي مؤمنٌ بالکوکب». الساقط، ويَطِلُع آخَرُ مقابِلٌ له فوراً في المشرق يسمَّى الطالع، وينتهي آخر نجم نزولاً وسقوطاً بانتهاء العام. وكما أن النَّوْءِ مصدر، فقد يُستعمل اسمَ فاعلٍ بصيغته، فيقال: نّوْء كذا، ويراد به اسم الفاعل. وكان أهل الجاهلية يزعمون أن مع هذا السقوط والطلوع يكون مطر، فلذا ينسبونه إلى النوء ويقولون: مُطِرنا بنوء كذا. فالباء سببية. معناه: جاء الإِسلامُ الحنيفُ يربط عقيدة المسلم بربِّه في كلِّ مجالاته، ويبيِّن له أن الفاعلَ الحقيقيَّ ومسبِّبَ الأسباب هو الله عز وجل، وكلّ ما يجري في الكون فبإرادته، وإذا جرتْ عادة الله تعالى في أمرٍ ما أن يُحدِثه بقرينة دالة عليه فليس معنى ذلك أن القرينةَ هي المؤثّرة في وجود ذلك الأمر، لا، إنما المؤثّر في وجوده وفي وجود تلك القرينة، وفي وجود ذلك الأمر عند تلك القرينة إنما هو الله عز وجل. وحصل انحرافٌ للجاهليين من جملة ما حَصَل لهم، أنْ ربطوا الأمور بقرائنها، فَنَسَبوا ما يحصُل عند ظهور القرينة إلى القرينة نفسها، واعتقدوا أنها هي المؤثرة فيه . ومثال ذلك فيما نحن فيه: أن العادة الإلهية جرتْ أن يحصل مطر عند سقوط نجم وطلوع آخر، ومع استمرار الزمن واستحكام العادة - حسب استقرائهم - ظنوا أن النجم الساقط - أو الطالع، على اختلاف كلام العلماء - هو الذي ينزِّل المطر، وجهلوا أن ذاك النجم إن هو إلا قرينة وعلامة، وليس له من التأثير شيء، فما هو إلا كاستمرار حركة القلب دليل على استمرار حياته، ووقوفها دليل على انقطاع حياته. ولهذا سمى الله تعالى اعتقاد ذلك كفراً فقال في هذا الحديث القدسي: ((من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك کافر بي مؤمن بالكوكب». وشهد سبحانه وتعالى بالإِيمان به لمن ردَّ الأمور إليه وعرف الحقائق فقال: «من قال مطرنا بفضل الله ورحمته: فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب». ٥٥ . . ٠ ٠٠ وبناءً على هذا: فمن عرف أن الله تعالى هو المسبّبُ، وهو الخالق للقرائن وما يكون عندها: فلا يحكم عليه بالكفر وإن قال تلك الكلمة، إذ يكون مراده وتفسير كلامه أن المطر إنما حصل عند نوء كذا، فالباء (عِنْدية) لا سببية، إنما ننبهه إلى اجتناب هذا التعبير، لما فيه من اشتباه بقول أهل الجاهلية، ويكره للمسلم أن يتلفظ بالمشتبهات. قال الإِمام الشافعي رحمه الله تعالى في كتابه ((الأم)) ١: ٢٥٢: ((وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا على ما كان بعض أهل الشرك يعنون من إضافة المطر إلى أنه أمطره نَوْءُ كذا: فذلك كفر، كما قال رسول الله وَله، لأن النوءَ وقتٌ، والوقت مخلوق لا يملك لنفسه ولا لغيره شيئاً، فأما من قال مطرنا بنوء كذا: على معنى: مطرنا بوقت كذا، فإنما ذلك كقوله: مُطِرنا في شهر كذا، ولا يكون هذا كفراً، وغيره من الكلام أحبُّ إليَّ منه)) نَّهني إلى هذا النقلِ الحافظ في ((الفتح)) ٢: ٥٢٣. وعلّق على الجملة الأخيرة منه فقال: ((يعني حسماً للمادة)) أي: تجنباً للشبهة . وفصَّل هذا المعنى ابن الأثير والنووي، وقال - أعني النووي -: ((اختلفوا في كراهته - أي التعبير نفسه مع الاعتقاد السليم - والأظهر كراهته، لكنها كراهة تنزيه لا إثم فيها، وسببُ الكراهة أنها كلمة متردِّدةٌ بين الكفر وغيره، فَيُسَاءُ الظنُّ بصاحبها، ولأنها شعارُ أهل الجاهلية ومن سلك مسلكهم». وحينئذ فتأوَّل كلمة ((كافر)) المذكورة في الحديث، على معنى: كافر بنعمتي، فهو كفر نعمة، لا كفر إيمان. ويشهد لهذا المعنى رواية مسلم المشار إليها في تخريج الحديث، عن ابن عباس قال: ((مُطِر الناس على عهد النبي ◌َّ، فقال النبي : ((أصبح من الناس شاكر، ومنهم كافر. قالوا: هذه رحمة الله، وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا .. )) فقابل الكافر بالشاكر، فدلَّ على أنه کفران نعمة . وفي رواية أخرى عند مسلم أيضاً عن أبي هريرة: ((ألم تروا إلى ما قال ربكم؟ قال: ما أنعمتُ على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين يقولون: الكواكب وبالكواكب» فقوله ((بها)) يعود على النعمة، أي: كافرين بالنعمة. والله أعلم. ٥٦ ٧ - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَ له: ((قال الله عز وجلّ: يُؤْذِيني ابنُ آدَمَ، يَسُبُّ الدهرَ، وأنا الدهر، ٧ - تخريجه: رواه البخاري في كتاب التفسير - تفسير سورة الجاثية ٨: ٥٧٤ (٤٨٢٦) وفي كتاب الأدب - باب لا تسبُّوا الدهر ٥٦٤:١٠ (٦١٨١)، ومواضع أخرى، ورواه مسلم أولَ كتاب ألفاظٍ من الأدب وغيرها - باب النهي عن سبُّ الدهر ١٧٦٢:٤، وشرح النووي ٢:١٥ . معناه: قال المناوي في ((الفيض)) ٤: ٤٨٠: ((قال الطَّيبِيُّ: الإِيذاءُ إيصالُ مكروهٍ إلى الغير وإنْ لم يؤثِّر فيه، وإيذاؤه تعالى عبارةٌ عن فعل ما لا يرضاه)). وقال الحافظ في ((الفتح)) ٥٦٦:١٠: ((الدهرُ مدةُ زمانِ الدنيا، وعرَّفه بعضهم بأنه أمدُ مفعولاتِ الله في الدنيا، أو فعلُه لما قبل الموت)). وزاد ابن الأثير في ((النهاية)) ٢: ١٤٤: ((الدهر: اسم للزمان الطويل)). فيكون معنى الحديث: يقول ابن آدم ما لا أَرضاه، فَيَعْصِيني حين ينسُب الأمور التي أقدِّرها عليه وعلى غيره: إلى الدهر، وهل الدهرُ إلا مخلوقٌ من مخلوقاتي أو ظرف يستوعب أقداري؟. ذلك أن الأمر بيدي أصرِّف شئون عبادي كما أشاء، والأزمنةُ من جملة ذلك وإن مِن جَهْل العرب في جاهليتهم أنهم لا ينسبُون إلى الدهر خيراً، مع أنه ظرف يَستوعبُ ما يحُبُّون وما لا يحبون، إنما يقتصرون على نسبة الشّرِّ والنكبات إليه، حتى حكى الله تعالى عنهم ذلك في القرآن العظيم ﴿ ... وما يُهْلِكُنا إلا الدهرُ﴾ وما عُرِف عنهم إضافةُ شيء من الخير إليه، فلذا خصَّه الله تعالى هنا في الحديث القدسي بذکر سبِّهم له. وقوله ((وأنا الدهر)): حاصلُ ما قيل في تفسيره، ثلاثة أوجه: أحدها: أن ٥٧ بيدي الأمرُ، أقلِّبُ الليل والنهار)). المراد به: المدبِّر للأمور الكائنة فيه. ثانيها: أنه على حذف مضاف، أي: أنا صاحبُ الدهر وخالقه، ثالثها: أنْ يُقدَّر المضاف المحذوف: مقلِّب الدهر، يدلُّ عليه قوله عَقِبه: ((بيدي الأمر أقلِّب الليل والنهار)). ورواية الإِمام أحمد ٤٩٦:٢: ((لا تسبُّوا الدهر، فإن الله عز وجل قال: أنا الدهر، الأيامُ والليالي لي، أجدِّدُها وأَبْلِيها، وآتي بملوكٍ بعد ملوك)). وسنده صحيح، كما قاله الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) ١٠ : ٥٦٥. ثم نقل الحافظ عن القاضي عياض قوله: ((زَعَم بعضُ مَن لا تحقيقَ له أن الدهر من أسماء الله، وهو غلطٌّ، فإن الدهر مدة زمان الدنيا)» فهو مخلوقٌ من مخلوقات الله، فكيف يكون اسماً من أسمائه !. وقال قبله بقليل: ((قال المحققون: من نَسَب شيئاً من الأفعال إلى الدهر حقيقةً كَفَر، ومن جَرَى هذا اللفظ على لسانه غير معتقِد لذلك فليس بكافر، لكنه يكره له ذلك، لشبهه بأهل الكفر في الإطلاق)». وتقويم اللسان وتنزيهه عن المشتبهات أمر مطلوب شرعاً . وقد ختم الإِمام ابن أبي جمرة رحمه الله شرحه هذا الحديث بقوله في ((بهجة النفوس) ٤: ١٨٠: ((فيا هذا إذا تأملتَ مثلَ هذه الأمور وأدلةَ الشرع وجدت الدين من شيئين، ويدور على قاعدتين: الامتثال والأدب، فمن امتثل فقد وفَّى ما به أُمِر، ومن تأذَّب فقد نجا مما عنه نُهِي، وله كُرِه. وفقنا الله وإياك لذلك الامتثال والأدب بمنِّه)) آمين. ٥٨ ٨ - عن أبي هُريرةَ رضي الله عنه، عن النبي ◌َّه قال: ((قال الله تعالى: كذَّبني ابنُ آدم، ولم يكُنْ له ذلك، وشتمني ولم يكُنْ له ذلك. ٨ - تخريجه: رواه البخاري في كتاب التفسير - تفسير سورة الإخلاص مرتين متتاليتين ٧٣٩:٨ (٤٩٧٤ وهذا لفظه، ٤٩٧٥) ورواه قبل في تفسير سورة البقرة - عند قوله تعالى: ﴿وقالوا اتخذ الله ولداً، سبحانه﴾ ١٦٨:٨ (٤٤٨٢)، ورواه من قبل أول كتاب بدء الخلق مختصراً ٦: ٢٨٧ (٣١٩٣). غريبه: الشتم: هو الوصف بما يقتضي التنقيص. ابن آدم: أَطْلَقَ الكل وأراد البعض، فهو من العامِّ الذي أريد به الخصوص، أو أراد به الجنس. الأحد: هو الواحد المنفرد في ذاته وصفاته، فهو وصفٌ ينفي وجودَ نظير للّه تعالى أو شريك أو مثيل في ذاته وصفاته، وينبىء عن تنزيه الله عن كل نقص، وإثبات كل كمال. كما قاله العلّامة علي القاري في ((المرقاة)) ٩٦:١. الصمد: هو السيِّد والملجأ الذي لا يمكن الخروجُ عنه، لإحاطة أمره، فهو بمعنى: المقصود في الحوائج كلها. كُفُواً: هو: الكُفْو، أي: المكافِىءُ المماثل، فليس لله كفوٌ، أي: لا يُشابه اللهَ عز وجل أحدٌ في ذاته أو صفاته أو أفعاله، بل ﴿ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ﴾. معناه: يحكي الله تعالى عن طائفتين من بني آدم اعتقاداتٍ مكفِّرةً، حَمَلَهما على ذلك: الجهل، وتجاوز العبد حدَّه. أما الطائفة الأولى: فهي التي تَكْذِب على الله تعالى - وتكذّبه في قوله - فتقول - كما حكى الله ذلك عنهم -: ﴿إِنْ هي إلا حياتنا الدنيا نموتُ ونحيا وما يُهلِكنا إلا ٥٩ فأما تَكْذِيبُه إيايَ فقولُه: لنْ يُعيدَني كما بَدَأَني؛ وليسَ أَوَّلُ الخَلْقِ بأهونَ عليَّ مِن إعادته، وأما شَتْمُه إيايَ فقولُه: اتَّخَذَ الله وَلَداً؛ الدهر﴾ وتقول: ﴿أَإذا مِتْنا وكنا تُراباً، ذلك رَجْعَ بعيدٌ﴾ ﴿أإذا مِتْنا وكنا تُراباً وعِظاماً، أإنا لمبعوثون. أَوَ آبَاؤُنا الأوَّلون ﴾. مع أن الله سبحانه وتعالى قرَّر في كتبه السماوية، وفي القرآن العظيم خاصةً، بالبراهين الساطعة حقيَّةً اليوم الآخر، وأقام على ذلك الحجةَ. ومن جملة ذلك: ما قاله هنا: ((وليس أولُ الخلقِ بأهونَ عليَّ من إعادته)». وبيان ذلك: أن الحججَ قائمة على أن الله خالق الخلق، وذلك من خلال خلقه وموجوداته، فوجودُها برهانٌ على الله تعالى، ونَرَاها تنقُص - بموت بعضهم - وتزيد - بتوالد بعضهم - وقد شَرَع لهم الشرائعَ، وأخبرهم بالمحاسبة على تطبيقها، وإخباراتُه صادقةٌ لا تتخلَّف، وبما أنه سبحانه هو الذي ابتدأ خلقهم، فإن تنفيذ وعده بالإِحياء بعد الإِماتة سهل هيِّن عليه، فإن مَن ابتدأ صُنْعَ شيء هان عليه صُنعه ثانيةً، بل إن من شأن البشر أن يكون الصنعُ الثاني أهونَ من الصنع الأول. وعلى هذا المعنى جاء ظاهر قوله تعالى: ﴿وهو الذي يبدأُ الخَلْقَ ثم يُعيدُه، وهو أَهْونُ عليه، وله المَثَلُ الأَعْلَى في السمواتِ والأرضِ ، وهو العزيزُ الحكيمُ ﴾ وإلّ فالخلقُ الأولُ والثاني ... كلَّه هَيِّن على الله عز وجل، لأنه يكون بكلمة ((كن)) لا بجهدٍ ومُزاولة وتجربة ... معاذ الله وحاشاه، ولكن الله تعالى - من رأفته بعباده - يخاطبهم بما يعقلون، وهذا معنى قولهم إن ((أفعل)) هنا جاءتْ على غير بابها، أي: إن قولَه تعالى ﴿أهونُ﴾ الذي هو على وزن ((أفعل)) التفضيل يفيد في أصلٍ وَضْعِه أن مقابلَه يكون مفضولاً مرجوحاً، وهذا أفضلُ وأرجح، فأهونُ: يكونَ مقابلُه ((هين)). فالمعنى: أن الخلقَ الأولَ هيِّن على الله تعالى وهذا - أي الخلقُ الثاني والإِحياءُ ثانيةً بعد الإِماتة - أهونُ عليه. وليس الأمر كذلك بالنسبة للّه عز وجل، فالكلُّ عليه سواء. وخلاصة ذلك: أن طائفةً من بني آدم تزعُم عدمَ الإِعادة بعد الإِماتة، وفي هذا الزعْم كذبٌ على الله تعالى، وتكذيبُ له في قوله وإخباره: ﴿قل: بَلَى وربي ◌َتُبْعَثُنَّ ثم لَتُنَبِئُنَّ بما كنتم تعملون﴾. ٦٠ وأنا الأَحَدُ الصَّمدُ، ولم أَلِدْ ولم أُوْلَدْ، ولم يكنْ لي كُفُواً أَحَدٌ)). وأما الطائفةُ الثانيةُ التي تَصِف الله عز وجل بما يُوجب نِسبةَ النقص إليه جل وعلا: فهي التي حكى الله قولها في كتابه العظيم: ﴿وقالوا اتَّخذَ الله ولداً، سبحانه، بلْ له ما في السموات والأرض كلَّ له قانتون﴾، وهو زَعْم الطائفة العُزَيْرية من اليهود، والنصارى، والعرب حيث نسبوا البناتِ إلى الله، تعالى الله عن ذلك. وفي هذا القول من مستَلْزَمات النقصِ لله عز وجل الشيءُ الكثير. فاتَّخاذ الولد: يَستلزمُ الزوجةَ، ويستلزم الحاجةَ إليها، وتَجدُّدَ الحاجة إليها، والشبيهَ للّه تعالى. ويستلزمُ وجودَ قدماءَ مع الله تعالى، أو حاجته إلى حوادث، ... وما إلى ذلك. ولهذا قال: ((وأنا الأُحَدُ الصمد)): ذكر اسم ((الأحد)) هنا، لأنه ينفي عنه وجودَ نظيرٍ أو شريك أو شبيه، وكلَّ نقص، وذكر اسم ((الصمد)) لأنه يُثبت له تعالى الغِنى المطلق، فكلُّ ما سواه مفتقر إليه محتاجٌ، وهو المقصودُ من قِبَلهم، فلا حاجة به إلى أحد، بل الكلُّ إليه محتاجون، وله قاصدون. وحاشاه أن يَلد، لأنه غيرُ محتاج إلى ولد وما سواه، وحاشاه أن يولد من أمّ وأبٍ والكلُّ مفتقرون إليه فكيف يفتقر في وجوده إلى أم وأب. وجَهلتْ هذه الطائفة أنه ليس لي مماثلٌ أو شبيه أبداً. ختم تعالى حديثه بهذا النفي المستأصِل للمكافىء المشابه له، لتقريرِ واقعٍ ثم ردِّه: وهو أن الولدَ يُشْبه أباه ولا بَدَّ، فنسبةُ الولد إليه: نسبةُ شَبيهٍ إليه، والله تعالى يقول عن نفسه - ومَن أصدقُ مِن الله قِيلًا -: ((لم يكنْ لي كُفُواً أحدٌ)). وأما بيانُ وجِهِ تجاوزِ العبدِ حدَّه: فإن الله تعالى ذَكَر جهالةَ الطائفة الأولى وقال: ((ولم يكنْ له ذلك))، وذكر جهالةَ الطائفة الثانية وقال: ((ولم يكن له ذلك)) ومعنى هذه الجملة: ولم يكن ينبغي له ذلك، ولا ينبغي له ذلك، لأن قوله هذا قول بجهلٍ وعن جهلٍ، ولا ينبغي للعاقل أن يتعدَّى طوره، فيتعاطى ما لا يعلمه، ويقولُ ما يجهلُه، ورحم الله امرءاً عرف حدَّه ووقف عنده فلم يتجاوزه. وسبحان الله ربِّ العرش العظيم.