Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ فإذا قام على باب الجنة انْفَقَهَتْ له الجنةُ، فرأى ما فيها منِ الخير والسرور، فيسكُتُ ما شاء الله أن يسكتَ، ثم يقول: أيْ ربِّ، أُدْخِلْني الجنة. فيقول الله تبارك وتعالى له: أليس قد أعطيتَ عهودَك ومواثيقَك أن لا تَسألَ غير ما أُعطيتَ؟ ويلك يا ابنَ آدمَ ما أَغْدَرَك! فيقول: أيْ ربِّ، لا أكونُ أَشْقَى خَلْقِك. فلا يزالُ يدعو الله حتى يضحك الله عز وجل منه، فإذا ضحك الله منه قال: ادْخُل الجنة . ينقضُ ذلك كلّه، والله يذكّره بعهوده ومواثيقه، وهو يعلَم سبحانه وتعالى أن هذا العبدَ المسكينَ سوف يتدرَّج في مطالبه، لأنه تعالى هو يدرِّجُه في مِنَحه، كما جاء ذلك في رواية أنس عن ابن مسعود رضي الله عنهما في ((المسند) ١: ٣٩٢. ومن هذه المواقفِ الثلاثةِ نستفيد: أن الإِنسانَ إذا فُتح له بابُ الدعاء فليعلَمْ أنه قد فتح له باب الإجابة في عالم الغيب، فليدعُ العبدُ، ولْيكثِرْ من الدعاء، ولْيَستكثِرْ من الطَّلِبات، ولا يَستعظمْ على الله عز وجل شيئاً، فإن كلّ شيء موجودٌ في خزائن الله، ﴿وإنْ من شيءٍ إلا عندنا خزائنُه﴾. وقال ◌َله: ((إذا سأل أحدُكم فَلْيُكْثِرْ، فإنما يسأل ربَّه)). رواه ابن حبان (٨٨٩). وهذا العبدُ لم ييأسْ من السؤال مع أن حالَه لا تُسعفُه على السؤال، لما يعلّمه من سوءٍ ماضيه مع الله في الحياة الدنيا، ولم يَستحِ أن ينقضَ مواثيقَه، طمعاً منه في مسامحة الله له وعفوه. ونستفيد أيضاً أدباً من آداب الدعاء والمسألة: هو إظهار التضرُّر أمام الله عز وجل، فإنه وسيلةً من وسائل إجابة الدعاء: ((أي ربِّ اصرفْ وجهي عن النار، فإنه قد قَشَبني ريحها، وأحرقني ذَكاؤها)) فإن هذا يستنزلُ رحمةَ الله عليك وشفقته، جل جلاله. ومنه أيضاً: إظهارُ الذُّلِّ بين يدي الله والافتقارِ إليه: أيْ ربِّ لا أكونُ أَشْقَى خلقك. ونستفيد أيضاً: أن لا ييأسَ الداعي من الدعاء فينصرفَ عنه إذا لم يُجَبْ في المرة الأولى، أو الثانية، أو الثالثة! انظر إليه: ((فيدعُو الله ما شاء الله أن يدعوَه .. ، فلا يزالُ يدعو الله)). ٣٦٢ فإذا دخلها قال الله له: تَمَنَّه. فيسأل ربّه ويتمنى، حتى إن الله لَيُذَكِّره من كذا وكذا، حتى إذا انقطَعَتْ به الأمانيُّ قال الله تعالى: ذلك لك ومثله معه». قال عطاءُ بنُ يزيدَ: وأبو سعيدِ الخُدْريُّ مع أبي هريرةَ، رضي الله عنهما، لا يَرُدُّ عليه من حديثه شيئاً، حتى إذا حدَّث أبو هريرة أن الله عزَّ وجلَّ قال لذلك الرجل: ((ومثلُه معه)) قال أبو سعيد: ((وعَشَرَةُ أمثالِه معه، يا أبا هريرة». قال أبو هريرة: ما حفظتُ إلا قولَه: «ذلك لك ومثلُه معه)». وبعد هذا جاءته النعمة العظمى، والمِنَّة الكبرى: ((ادخُلِ الجنة))، وزاده فضلاً على فضل: ((تَمَنَّه)) !. فيسأل المسكينُ الضعيفُ ربَّه العظيمَ على مقدار عقله وما وَقَع تحتَ سمعه وبصره، وكأنه لم يعلم شيئاً عن عِظَم الجنة! ((حتى إن الله لَيذكّره من كذا وكذا)» أي: سَلْ من كذا وكذا، ولا تستكثر عليَّ شيئاً. ثم وثم ويُمهِلُه الله عز وجل في أمانيه قدر ثلاثة أيام من أيام الدنيا، كما جاء ذلك في رواية الإمام أحمد ٣: ٧٠، ٧٤: ((حتى إذا انقطعتْ به الأمانيُّ)) ولم يَبْقَ له عند الله سؤالٌ ورغبة يُسمِّيها ((قال الله تعالى: ذلك لك ومثلُه معه)). هذه رواية أبي هريرة رضي الله عنه. واستدرك عليه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن الذي حَفِظّه هو عن رسول الله ◌َ﴿ قوله: ((ذلك له وعَشرة أمثاله معه)). فإذا سمع هذا العبدُ المرحومُ ذلك العطاءَ المدهشَ، لم يتحمُّلْ قلبُه وعقلُه، فراح پخاطب مولاہ الکریم بما لا یلیق - والله يعذُره ويحتمل منه ذلك - فيقول: یا رِبِّ ((أَتَسْخَرُ بي وأنت الملِكُ)) العظيم الجبّار! فقال الله عز وجل له: ((إني لا استهزىءُ منك، ولكني على ما أشاء قادر)». سبحانك اللهم وبحمدك. ثم إن من تمام دَهْشَة هذا العبد أنه حينما دخل الجنة جاءتْه زوجتاه من الحور العين، وقالتا له: ((الحمد لله الذي أحياك لنا، وأحيانا لك)) فقال: ((ما أُعْطِيَ أحدٌ مثلَ ما أُعطِيتُ))! وهو صادقٌ في دعواه، لأنه ما رأى ما رآه غيره، وهذا لسانُ أهلِ الجنة جميعهم وجوابُهم، وسيأتي الحديث - برقم ١٠٠ - الذي يقول كلُّ واحد منهم ٣٦٣ قال أبو سعيد: أشهدُ أني حفظتُ من رسول الله وَلفي قوله: ((ذلك لك وعَشَرَةُ أمثالِه)). قال أبو هريرة رضي الله عنه: وذلك الرجلُ آخِرُ أهل الجنةِ دخولاً الجنةً. الله سبحانه: ((ما لنا لا نَرضى وقد أعطيتنا ما لم تُعْطِ أحداً من خلقك؟)) فكلُّ واحد يقولُ هذا عن نفسه معتقِداً إياه)). نسأل الله المنعِم المتفضِّل أن يجعلنا من عباده المكرمين في الدنيا والآخرة بمحضٍ جودِه وفضله وإحسانه هذا، وإن النظر في أحاديث الباب ورواياتها المتعددة يحتِّم القولَ بتعدُّد القصة، وأن بعضَها في حقِّ آخِرِ داخلٍ الجنةَ، قادمٍ من أرض المحشر، إلى الصراط، إلى الجنة، وبعضَها في حقِّ آخرِ خارجٍ من النار داخلٍ الجنة، كما ذهب إليه جماعة من أهل العلم. والله أعلم. ٣٦٤ ٩٢ - عن الشَّعْبِيِّ، أنه سمعَ المغيرةَ بنَ شُعْبةَ على المِنبرِ، يَرْفَعُ الحديثَ إلى رسول اللهِوَّ قال: ((سألَ موسى ربَّه: ما أُدْنَى أهل الجنةِ منزلةً؟ قال: هو رجلٌ يَجيءُ بعدما أُدْخِل أهلُ الجنةِ الجنةَ، فَيُقَلُ له: أُدْخُلِ الجنَّةَ، فيقولُ: أيْ ربِّ كيف وقد نَزَلَ الناسُ منازِلَهم وأُخَذوا أَخَذَاتِهِمْ؟ فيقالُ له: أَتَرضَى أن يكونَ لكَ مِثْلُ مُلْكِ مَلِكٍ من مُلوك ٩٢ - تخريجه: رواه مسلم: كتاب الإِيمان - باب أدنى أهل الجنة منزلةً فيها ١: ١٧٦ (٣١٢) وشرح النووي ٣: ٤٥. غريبه: أَخَذَاتهم: منازلَهم التي أعدَّها الله لهم وأكرمهم بها. الذين أردت: الذين اصطفيت. معناه: هذا الكَرَمُ الإِلَھيُّ العظیمُ جاءنا العلمُ به بسبب سيدنا موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، إذْ سأل ربَّه عن أدنى أهل الجنة منزلةً فيها، وعن أعلاهم منزلةً فيها. فأما أدناهم منزلةً فيها: فرجلٌ أُمِر بدخول الجنة، فلم يَرَ مكاناً له فيها، حسبما رأى وخُيِّل إليه، كما جاء في رواية ابن مسعود: (( .. يقول الله تبارك وتعالى له: اذهبْ فادخُل الجنة، فيأتيها فيخيَّل إليه أنها مَلَّى، فيرجع .. )) ويتكرر منه ذلك مرتين، ثم يقول الله تعالى له: ((اذهبْ فادخل الجنةَ، فإن لكَ مثلَ الدنيا وعَشَرَةً أمثالها، أو: إن لك عشرةَ أمثال الدنيا)). والفرق بين هذين اللفظين يسير: مثلُ الدنيا، وعشرة أمثالها، فيكون مجموع حظّه من الجنة أَحَدَ عَشَرَ مثلاً للدنيا. أو: لك عشرة أمثال الدنيا. فهي عشرة أمثال فقط، لا أَحَدَ عَشَر. ٣٦٥ الدنيا؟ فيقولُ: رَضيتُ ربِّ. فيقول: لكَ ذلكَ، ومثلُه، ومثلُه، ومثلُه، ومثلُه، فقال في الخامسة: رَضيتُ ربِّ. فيقول: هذا لك وعَشَرةُ أمثالِهِ، ولكَ ما اشْتَهَتْ نَفْسُك وَلَذَّتْ عِينُك. فيقول: رضيتُ ربِّ. قال - موسى -: ربِّ فأعلاهُمْ منزلةً؟ قال: أُولئك الذين أَرَدتُ، لكن الفرق بينهما وبين الحديث المشروح كبير، فلفظُه بعد أنْ وَعَدَه ربُّه خمس مرات من أمثال الدنيا، قال: ((هذا لك)) أي الأمثال الخمسة ((وعشرة أمثاله))، فإذا أعدنا الضمير على الأمثال الخمسة كان حاصلُ ذلك الخمسةَ الأمثالِ معطوفاً عليها عشرة أمثالها، فالجميع: خمسة وخمسون مِثلًاً !. ولا يُسْتكثرَ على فضلِ الله وُجُودِه شيءٌ، لكن المرادُ تحقيقُ فهم الرواية. وهل يَقْرُب من جود الله جودً! وهل يليقُ بعاقلٍ أن يَتَقَاعس عن طلب الجنة، وعن الجِدِّ في طلبها؟. اللهم وفّقنا لذلك يا أكرم الأكرمين. وقد جاءتْ رواية ابن مسعود - هذه صريحةٌ في أن هذا فضل الله على آخر أهل النار خروجاً منها، وهو آخر أهل الجنة دخولاً إياها. ويزيده الله من فضله، فيقولُ له: ((لك ما اشتهتْ نفسُك، وَلَذَّتِ عينك)»: ﴿ فيها ما تَشْتَهِيهُ الأنفُس وتَلَذُّ الأَعْيُن) ولذلك يقولُ هذا الإِنسان: (ما أُعطِيَ أحدٌ مثلَ ما أُعطيتُ !! ((كما في ((صحيح مسلم)) ٣: ٤٤. والمرادُ: الأنفسُ والأعينُ الطيّبةُ التي قالتْ لها ملائكةُ الرحمن حين دخولها الجنةَ: ﴿طِبْتُمْ فادخُلُوها خالدين﴾. طأبُوا فلا يَشْتَهون إلا طيباً يَتَلاءَم مع طيب الجنة دارِ الكرامةِ، فصارتْ أنفساً وأعيناً جنانية لا أرضيّة دنيويّة. أما أعلى أهل الجنة منزلةً: فكان جوابُ الله تعالى لكليمه موسى عليه الصلاة والسلام مجملاً لا تفَصيل فيه، سوى أنه دلَّه على رِفعة مكانتهم لديه: ((أولئك الذين أردتُ، غَرَست .. )). ففرقٌ كبير بين من يُوصَف إكرامهم، وبين مَن لا يوصف، لِعظَمه. وفرق كبير بين من يقول الله له: (لك ما اشتهت نفسك، ولذَّت عينك))، وبين ٣٦٦ غَرَسْتُ كَرامَتَهِمْ بيدي، وخَتَمْتُ عليها، فلم تَرَ عينٌ، ولم تَسْمَعْ أُذُنّ، ولم يَخْطُر على قلبٍ بشٍ». قال: ومِصْداقُه في كتاب الله عز وجل: ﴿فلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لهم من قُرَّةِ أَعْيُنٍ ﴾. من يقول في وصف كرامتهم: ((لم تَرَ عينٌ، ولم تسمعْ أُذُن، ولم يخطُر على قلبٍ بشرٍ)). وليس المرادُ: أن كرامتهم تخطُر على قلب غيرِ البشر، كالملائكة، لا، بل المرادُ عموم النفي، من بشر، أو مَلَك، أو نبي مرسل، كما جاء التصريحِ بهذا في رواية ابن مسعود عند ابن أبي حاتم، ولفظُ الشاهد منها: ((ولا يَعلَمِه ملكٌ مقرَّب، ولا نبيِّ مرسَل)»، كما ذكره الحافظ في ((الفتح)) ٨: ٥١٦، وهو على شرطه في الصحة أو الحسن. هذا، وقد جَعَل الحافظ ابن حجر رحمه الله - في الموضع المذكور - هذا الحديثَ سبباً للحديث الذي قبله. والله أعلم. والله سبحانه وتعالى هو المسئولُ والمرجوُّ أن يُكرمَنا بما هو أهلُه دون سابقةٍ حساب أو عذاب أو عتاب. إنه هو أهلُ التقوى وأهل المغفرة. ٠ ٣٦٧ ٩٣ - عن مَعْبَد بن هلال العَنَزيِّ قال: انطلقْنا إلى أنس بن مالك وتَشَفَّعْنا بثابتٍ فانتهيْنا إليه وهو يُصلِّي الضَّحى، فاستأذنَ لنا ثابتٌ، ٩٣ - تخريجه: رواه البخاري في كتاب التوحيد - باب كلام الرب عز وجل يوم القيامة مع الأنبياء ١٣: ٤٧٣ (٧٥١٠)، ومسلم كتاب الإِيمان - باب أدنى أهل الجنة منزلة ١: ١٨٢ (٣٦٢)، ٣: ٦١ بشرح النووي، واللفظ لمسلم. غريبه: ماج الناس: اختلطوا واضطربت أمورهم. بُرَّة: واحدة البُرِّ، الحبة الواحدة من القمح. الجَبَّان: الصحراء، أو المقبرة. وظهرها: أعلاها. هِیهِ: أي: قولوا، اذکروا الحديث، وهاتوا ما تريدون قوله. وقوله هيه في المرة الثانية يريد بها: زيدوا مِن حديثكم، وأتموه. وكان الحسن البصري مختفياً من الحجاج الثقفي. وهو يومئذ جميع: أي: (مجتمعُ العقل، وهو إشارة إلى أنه كان حينئذ لم يدخُل في الكبرَ الذي هو مظِنّةُ تفرُّقِ الذهن، وحدوثٍ اختلاط الحفظ». كما في ((فتح الباري)). وأصلُه للنووي ٣: ٦٥. معناه: تَوَاتَرَ حديث الشفاعة عن النبيِ وَّه، فرواه عدد جمٍّ كبير، وبألفاظ متعدِّدة، ما بين اختصار وتطويل، وهذا واحد منها، وهذا لفظً من ألفاظه عن أنس رضي الله عنه. وجديرٌ به أن تجمعَ رواياتُه وألفاظه ويُشْرَحَ باستيفاء(١)، فإنه من أعظم الأحاديث الشريفة التي تُظْهِر جليّاً عظيمَ مقام سيدنا رسول الله وَير، على سائر الأنبياء والمرسلين، بَلْهَ غيرَهَمّ من الناس والملائكة المقرَّبين !. ١ - انظر ((فتح الباري) ١١: ٤٣٢ - ٤٤١، و(شرح المواهب)) للزرقاني ٨: ٣٧٠ - ٣٨٢. وما لم أخرجه فهو من ((فتح الباري))، وهو على مقتضى شرطه: صحيحٍ أو حسنٍ، حتى إنه عمدة الزرقاني في شرحه. ٣٦٨ فدخَلْنا عليه، وأجلسَ ثابتاً معه على سريره، فقال له: يا أبا حمزة إن إخوانك من أهل البصرة يسألونك أنْ تحدِّثهم حديثَ الشفاعة، قال: حدَّثنا محمد ﴿ قال: ((إذا كان يومُ القيامةِ مَاجَ الناسُىِ بعضُهم إلى بعض، فيأتونَ آدَمَ فيقولون له: اشفعْ لِذُرِّيتك، فيقول: لستُ لها، ولكنْ وأتكلُّم عليه بإيجاز حسبَ تسلسُل ألفاظِه هنا ومواقفِه. ١ - أولُ ما في هذا الحديث: أدبَ من الآداب مع ذوي الفضل والمقام الكريم، هو الدخولُ عليهم صحبةَ رجلٍ مقرَّبٍ لديهم. يقول راوي الحديث معبدُ بن هلال: انطلقنا .. وتَشَفَّعْنا بثابت، ولفظُه عند البخاري: ((اجتمعْنا ناسٌ من أهل البصرة .. وذهَبْنا معنا بثابت البناني)). وثابتٌ معروفُ الصحبةِ لأنسٍ، صحبه أمداً طويلاً. قال ابن حبان في ((الثقات)) ٤: ٨٩: (صحب أنساً أربعين سنةً!)). فَحُقَّ لمثله أن يُتَشفَّع به عند أنس، وحُقَّ لأنس أن يُكرِمَه ويُجلِسَه بجانبه علی سریره. ٢ - وفيه: إظهارُ مزيَّة الشفيعِ عند المتشفِّع به، وربما لو دخل ثابتٌ وحده لَمَا كان من أنس رضي الله عنهما ما كان منه أمامهم، لِمَا بينهما من الأنس وعدم الكُلْفة، لكنه أراد إظهارَ كرامته عنده أمامهم. فهذا أدبٌ ثانٍ. ٣ - وقولُ ثابت لأنس: ((يسألونك أن تحدِّثهم حديث الشفاعة)»: جاءت رواية البخاري مصرُّحة بطلبهم ذلك من ثابت، ففيها: ((وذهبْنا معنا بثابت البُنَّاني إليه يَسأله لنا عن حديث الشفاعة)». وفيه: مزيدُ أدبٍ من الصغير مع الكبير: أن لا يُبَاشِر بنفسه الطلبَ منه، بل يدخُلُ على طلبه بمن له عنده اختصاصٌ وقربٌ ومكانة. وهذا أدبُ ثالث. ٤ - معلومٌ من الروايات الأخرى لحديث الشفاعة: أن الذي يُحرِّك الناسَ لطلبهم الشفاعةً من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هو شدةُ الموقف عليهم، وطولُه، وأهوالُه، فكان من الطبيعي أن يفكروا فيما يُنْقِذهم، ففكّروا، فرأوا أن التوسُّل إلى الله عز وجل بصفوته من خلقه خير طريقٍ يسلُكُونها. ثم رأوا أن الأولى بذلك هو أبوهم، فلذلك قالوا له: ((اشفعْ لذريتك)». ورأوا ٣٦٩ عليكم بإبراهيم عليه السلام، فإنه خليلُ الله. فيأتون إبراهيمَ، فيقولُ: لستُ لها، ولكنْ عليكم بموسى عليه السلام، فإنه کلیمُ الله. فيه من المزايا الأخرى ما ذَكّرِوه في روايةٍ أخرى: ((أنت آدمُ أبو الخلق، خلقك الله بيده ونَفَخ فيك من روحه، وأَمَر الملائكةَ فسجدوا لك، اشفع لنا عند ربك، حتی يُريحنا من مكاننا هذا)». وفي هذا أدب آخر، هو تقديم الثناء على المرجوِّ منه المتشفِّع به، ثم ذِكْرُ الأمر المرجوِّ. ٥ - وفي بعض روايات البخاري: ((يجتمع المؤمنون فيقولون))، وفي غيرها: ((يجتمع الناس))، وفي هذه الرواية: ((ماج الناس)). ولا تعارض، فالذي يجتمع: هم جميع الناس، والذي يطلب الشفاعة: هم المؤمنون. كما في ((الفتح)) ١١: ٤٣٢. واستظهر عليّ القاري في ((المرقاة)) ١٠: ٢٧٧ أن الذين يأتون آدم فمن بعده: ((هم رؤساء أهل المحشر لا جميع أهل الموقف)». والله أعلم. ٦ - وفي جواب آدمَ عليه الصلاة والسلام لهم ((لستُ لها)): نُصْحَّ لهم، وبيانٌ للحقيقة، والأنبياء والمرسلون صلوات الله وسلامه عليهم هم دائماً وأبداً نَصَحَةٌ للأمم جميعهم، في الدنيا والآخرة. والآخرةُ هي الحاقَّة، فيها بيان للحقيقة. ونقل القاري ١٠: ٢٨٢ عن الطيبي رحمهما الله تعالى أن اللام في قوله ((لها)) لام الاختصاص، فيكون المعنى: لستُ مختصاً بها، ولا هي لي، أي: بل هي لغيري، وفيه إيذانً بأنه هو وغيره من الأنبياء المذكورين يعرفون أنها لمحمد ◌َه. وانظر نقولَه هناك. ثم دَلَّهم وأرشدهم أن يذهبوا إلى إبراهيم خليل الرحمن وشيخ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وعلَّل لِمَ أرشدهم إليه بقوله: ((فإنه خليل الله)). ٧ - فيأتون إبراهيم، فيقول لهم كما قال آدم، ويُرشدهم إلى موسى عليه الصلاة والسلام، ويبيِّن لهم لم أرشدهم إليه، لأنه ((كليم الله)). ٣٧٠ فيؤْتَى موسى فيقولُ: لستُ لها، ولكنْ عليكم بعيسى عليه السلام، فإنه روحُ الله وكلمته. فيؤتَى عيسى فيقولُ: لستُ لها، ولكنْ عليكم بمحمد ◌َّ. ٨ - فيأتون موسى، فيقول لهم كما قال آدم وإبراهيم من قبله، ويرشدهم إلى عيسى، لأنه ((روح الله وكلمتُه)). وكلُّ واحد من هؤلاء الثلاثة يَعتذِر ويبيّن لهم سبب اعتذاره، وهو أمر أو أمور فَرَطَتْ منه لا تَليق بمقامه العظيم، واختُصِر ذكرها هنا في هذه الرواية. وكذلك أُختصرُ الحديثَ عنها، لكني أقول: إنها لا تؤثّر على عصمتهم، ولا على مقامهم الكريم. كما اخْتَصرتْ الروايةُ هذه ذِكْرَ نوح عليه الصلاة والسلام، وهو مذكور في كثير من الروايات الأخرى الصحيحة. ٩ - فيأتون عيسى عليه الصلاة والسلام فيعتذرُ ويقول: ((لستُ لها)) ولا يذكر هنا سبباً وعذراً يؤخِّره عن الشفاعة، ولكنه يقول لهم «عليكم بمحمد #)) وبيَّن في روايات أخرى لِمَّ أمرهم بالذهاب إلى محمد﴿ بقوله: ((فقد غُفِرِ له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخر)). وذكر الحافظ في ((الفتح)) ١١: ٤٣٥ روايةً ثابت البناني عند سعيد ابن منصور: ((خاتم النبيين قد حَضَرَ اليوم، أرأيتم لو كان متاعٌ في وعاء قد خُتِم عليه، أكان يُقْدَر على ما في الوعاء حتى يُفضِّ الخاتم؟)). ١٠ - والظاهر أن كلَّ نبي يأتيه الناس، يمشي معهم إلى النبي الذي يُرشدهم إليه، فآدمُ يمشي معهم إلى نوح، ونوحٌ وآدمُ والناسُ يمشون إلى إبراهيم، وهكذا. يدلُّ على ذلك حديثُ أنسٍ في الشفاعة، الذي رواه أحمد ٣: ١٧٨: ((إني لقائم أنتظر أمتي تعبر على الصراط إذ جاءني عيسى فقال: هذه الأنبياء قد جاءتك يا محمد يُشتكون - أو قال: يجتمعون - إليك، ويَدْعون الله عز وجل أن يفرِّق جمعَ الأمم إلى حيثُ يشاء الله، لغَمِّ ما هم فيه)). ٣٧١ فَأُوتَى، فأقولُ: أنا لها، فأَنطلِقُ فَأُستأذِن على ربي، فيؤْذَنُ لي، ويدلُّ على ذلك حديث آخر، رواه مسلم في (صحيحه))(١) ٦: ١٠١ - ١٠٢ عن أبي بن كعب في حديثه في الأحرف السبعة، وضَرْبِ النبي #1 على صدره، وفي آخره قال:﴿: ((اللهم اغفِرْ لأمتي، اللهم اغفر لأمتي، وأخْرت الثالثة ليوم يَرغب إليَّ الخلقُ كلَّهم حتى إبراهيم ◌َا)). وهو في ((المسند)) أيضاًه : : ١٢٧، ١٢٩. فالناسُ ومعهم الأنبياء يرجعون إلى رسولنا محمد ﴿، يَرجُونه الشفاعة لهم عند الله عز وجل، وأن يفرِّق هذا الجمعَ الحاشدَ العظيمَ إلى جنة أو نار. فأعظِمْ به من مكرمة !. ١١ - قال ◌َله: ((فَأُوتَى، فأقولُ: أنا لها، فأَنطَلق .. )). وهذا الموقف وحده يكفي لإظهارِ عِظَمِ الفارق بين مقامه ◌َ *، وبين مقامِ أيِّ نبيّ آخر. نبيِّ يقول: لستُ لها، وأنا وراء وراء، ونفسي نفسي، ونبيُّ يقول: أنا لها أنا لها، ويقول: فَأَنطلِقٍ. والانطلاقُ: الذهابُ بسرعة، ومنه: ((الطَّلَق: جَرْيُ الفَرَسِ لا تَخْتَبِسُ إلى الغاية. وتَطَلَّق الظَّبِي: مرَّ لا يَلْوِي على شيء))(٢) ومنه قولهم: طَلْق اللسان: أي سريع النّطق. وانطلاقُه ◌َ﴿ِ هنا واضحٌ معناه ومَغْزَاه، وهو ناشىءٌ عن علمه برفعة مكانته عند ربه، وأنه هو الموعود بهذا المقام العظيم. وللعلماء كلام طويل في بيان: لم تقدم ◌َّاله وأحجم غيره، ومما قيل ما حكاه الإِمام ابن القيم رحمه الله تعالى في ((بدائع الفوائد)) ٤: ٢١٦ قال: ((قال أبو بكر عبد العزيز غلام الخلال: سمعت بعض شيوخنا يقول: إنما امتنع سائر الأنبياء من الشفاعة لأنهم عوتبوا قبل الغفران، فأحجمهم عن الهجوم عليه، ونبينا عليه الصلاة والسلام غُفِر له قبل العتاب)). ١٢ - ولا ريب أننا إذا كنا نعلم هذا في حقِّ نبينا محمد مرََّ، فَلَّنْ يَعْلمه إخوانُه من الأنبياء والمرسلين من بابِ أولى. فلمَ لمْ يُرشِدوا الخلائقَ إليه من أول الأمر؟. وسؤال آخر: إذا كنا نعلم أن هذا المقامَ خاصَّ بنبينا عليه أفضل الصلاة والسلام، فلمَ لمْ ننطلقْ إليه من أول أهوال القيامة، أو أولَ نبيّ؟. والجواب عن السؤال الأول: أن الله عز وجل يريدُ إظهارَ فَضْل محمد دَه ١ - وعزاه الحافظ ابن حجر في (الفتح)) ١١: ٤٣٦ إلى الترمذي، وهو غريب منه، فما كان في ((صحيح مسلم) لا يُعْزى إلى الترمذي، على أني لم أره في الترمذي أيضاً. ٢ - من ((المصباح المنير)). ٣٧٢ فأقومُ بين يديه فأَحْمَدُه بمحامدَ لا أَقدِر عليه الآن، يُلْهِمُنِيه الله، ثم أَخِرُ له ساجداً، فيقال لي: على سائر مخلوقاته، وإظهارُ الفضيلة يتمُّ ويزدادُ ظهوراً كلَّما اشتدَّت الحاجة، واستَعْصَت الأمور، وزادت الكُرُبات، وأَحْكَمَت الخطوبُ أبوابها. أما مَن جاءتْه المواهبُ والمِنْحِ عاجلاً ودون تَعَب: فلن يجدّ لها لذة: ومن أَخَذَ البلادَ بغير حرب يَهونُ عليه تسليم البلاد ومن اشتدَّ عليه الخوف وَجَدَ لذةَ الأمن، ومن أُخَذَت الهمومُ بِخِناقه - نسأل الله العافية - شَعَرَ بلذةٍ عظيمة عند الفَرَجِ والخَلَاص منها. ثم رأيت الإِمام التقي السبكيَّ رحمه اللّه أبدى في ((شفاء السَّقام)» ص ١٩٥ حكمة أخرى، قال: ((الحكمة فيه - والله أعلم - أنهم لو سألوه ابتداءً لأمكن أن يقول قائل: يحتمل أن غيره يقدر على هذا، فأما إذا بذلوا الجهد في السؤال والاسترشاد، وسألوا غيره من رسل الله تعالى وأصفيائه وأولي العزم، فامتنعوا ولم يألوهم جهداً في النصح والإِرشاد، فانتهوا إليه، وأجاب، وحصل غَرَضَهم: حَصَل العلم لكل أحد بنهاية مرتبته ، وارتفاع منزلته، وكمال قربه، وعظم إجلاله وأنسه، وتفضيله على جميع المخلوقين من الرسل الآدميين والملائكة)). وانظر لزاماً ((شفاء السَّقام)) للسبكي ص ١٩٥ . وعلى يدِ مَنْ يُظْهِر الله تعالى فضيلة محمد﴿ في خِضَمِّ تلك الشدائد؟ على يد خاصة أنبيائه ورسله، صلواتُ الله وسلامه عليهم: آدمَ أبي البشر والأنبياء، ونوحِ الأب الثاني، وإبراهيم الخليل ، وموسى الكليم، وعيسى روح اللّه وكلمته !! . أما الجواب عن السؤال الثاني: فقد قال ابن حجر رحمه الله في ((الفتح)) ١١: ٤٤١ في فوائد الحديث: إن الناس ((يُغَطَّى عنهم بعضُ ما علموه في الدنيا، لأن في السائلين مَن سَمِع هذا الحديث، ومع ذلك فلا يَسْتَحضرُ أحد منهم أن ذلك المقام يختصُ بهِ نبينا وََّ، إذْ لو استَحْضَروا ذلك لسألوه من أول وَهْلة، ولَمَا احتاجوا إلى التردُّد من نبي إلى نبي، ولعل الله تعالى أنساهم ذلك للحكمة التي تترتَّب عليه، من إظهار فَضْل نبينا ◌ِ﴿)). ١ - ذكره الذهبي في ((العِبَرِ)) ترجمة عبد الوهاب ١: ٢٤٥ حوادث سنة ١٩٤. ويستفاد من ((المصباح المنير)) أن السُّقْم: هو المرض، وأن السَّقَم: طول المرض. ٣٧٣ يا محمدُ ارفَعْ رأسَك، وقلْ يُسمعْ لك، وسَلْ تُعْطَّهْ، واشفعْ تُشَفِعْ. وتأمَّلْ هذا: إن الله تعالى رؤوفٌ رحيم بعباده، وقد ادُخر من رحمته تسعةً وتسعين جزءاً ليوم القيامة، وَوَضَع بين مخلوقاته - في عالم الدنيا على سَعَته - جزءاً واحداً، ومع ذلك فإنه تَرَكَ الناسَ يتنقلون بين الأنبياء - وسط زحام المحشر -، ولم يُلْهمْهم أن يذهبوا إلى محمد ﴿ من أول الأمر، كما أنه لم يَأْذَن لأنبيائه أن يَدُلُّوهم عليه أولاً. كلٍ ذلك لماذا؟ لِيُظْهَرَ مزيةً محمد ﴿ وفضيلته على سائر الأنبياء، وليبلُغَ العبادُ كلّ مبلغٍ من اللذة والسرور بشفاعته بعد عَنّاء طويل. صلوات الله وسلامه عليه، وعلى سائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين. ١٣ - وبعد ذلك يقوم * في مقام الحمد لله، والثناء عليه بمحامد يفتحها الله عليه، ويتجلَّى بها عليه، لم يكن يَعرِفُها ◌َله من قبلُ، إنما هي من إلهامات الوقت وفُيوضاته، ثم يخرُّ ساجداً لله، لوقتٍ طويل، جاء في بعض الروايات: ((فيخرُّ ساجداً قَدْر جُمُعة)». وهذا أدبٌ من قَبِيل ما تقدَّم بيانه تحت الفقرة الثالثة: تقديم الثناء والحمد والمدح بين يدي المرغوب فيه، وهاهنا حمدٌ وثناءً، وسجود وتذلُّل. ١٤ - وتأتي الكرامة الإلهية من الله عز وجل، ((فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك، وقلْ يُسمع لك، وسَلْ تُعْطَّه، واشفع تشفع)). وهذا هو الإِذْن له بالشفاعة العامة للإِراحة من طول الموقف. فيقول النبي : ((يا رب عجِّل على الخَلْق الحساب)»، كما في رواية البزار(١)، وهذا هو (المقامُ المحمودُ). ثم تكون له * الشفاعة لأمته المحمدية، وهي المذكورة في قوله: ١ - (شرح الزرقاني على المواهب)) ٨: ٣٧٣، ٣٨٢. ٣٧٤ فأقول: ربِّ أمتي أمتي . فيقالُ: انْطَلِقْ، فمن كان في قلبه مثقالُ حبَّةٍ من بُرَّةٍ - أو شعيرةٍ - من إيمانٍ فَأَخْرِجْه منها. فَأَنْطَلقُ فَأَفْعَلُ. ثم أَرْجعُ إلى ربي فأَحْمَدُه بمحامدَ، ثم أَخِرُّ له ساجداً، فيقال لي: يا محمدُ ارفعْ رأسَك، وقلْ يُسمِعْ لك، وسَلْ تُعْطَّهْ، واشفعْ تُشْفَّعْ. فأقول: يا ربِّ أمتي أمتي . فيقالُ لي: انطلقْ، فمن كان في قلبه مثقالُ حبَّةٍ من خَرْدَل مِنْ إيمان فأخرجه منها. فَأَنْطَلِقُ فأفعلُ. ثم أرجِعُ إلى ربي فأحمَدُه بتلك المحامِد، ثم أَخِرُّ له ساجداً، فيقال لي : يا محمد ارفعْ رأسَك، وقلْ يُسمعْ، وسَلْ تُعْطَّه، واشفعْ تشفَّعْ. فأقول: يا رب أمتي أمتي. (فأقولُ: ربِّ أمتي أمتي، فيقال: انطلقْ فمن كان في قلبه مثقالُ حيَّةٍ من بُرَّة - أو شعيرة - من إيمانٍ فأُخرِجْه منها)) أي: من النار. قال: ((فَأَنطلِقُ فأَفعلُ)). ثم يتكرّر منه الرجويُ والمحامدُ والسجودُ، فيؤمّرُ بإخراج مَن في قلبه مثقالُ حبّة من خَرْدل من إيمان، ثم بإخراج مَنْ في قلبه أدنى، أدنى، أدنى من مثقالٍ حيَّةٍ من خردل من إيمان. فهذه ثلاثُ مراتٍ بعد المرة الأولى التي تكونُ عامةً للناس جميعهم. ويأتي ﴿ للمرة الرابعة فيقومُ بواجب الحمد لله، والسجود له، ويَستأذِنُه بإخراج من قال: لا إله إلا الله. لكنْ قد سَبَق قَدَرُ الله تعالى وفضلُه أنْ يَسْتَأْثِر هو سبحانه وتعالى بذلك فقال: ((ليس ذاك إليك، ولكنْ وعزَّتي وكبريائي، وعَظَمتي ٣٧٥ فيقالُ لي : انطلقْ، فمن كان في قلبه أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِن مثقالِ حبةٍ مِن خردلٍ مِن إيمانٍ فَأَخْرِجْه من النار. فَأَنطلِقُ فأفعلُ)). هذا حديثُ أنسٍ الذي أنبأنا به. فخرجنا من عنده، فلما كنَّا بِظَهْر الجَبَّان قلنا: لو مِلْنا إلى الحسن فسلَّمنا عليه وهو مُسْتَخْفٍ في دار أبي خليفة. قال: فدخلْنا عليه فسلَّمْنا عليه فقلنا: يا أبا سعيدٍ جئنا من عند أخيك أبي حمزة، فلم نسمعْ مثلَ حديثٍ حدَّثَناه في الشفاعة ! . قال: هِيهِ. فحدَّثْناه الحديثَ. فقال: هِيهِ. قلنا: ما زادَنا. قال: قد حدَّثَنا به منذُ عشرينَ سنةً وهو يومئذٍ جميعٌ، ولقد تَرَكَ شيئاً، ما أدري أَنْسِيَ الشيخُ أو كَرِهِ أن يُحَدِّثَكم فَتَّكلوا. قلنا له: حدِّثْنا، فضحك وقال: خُلِقِ الإِنسان من عَجَل، ما ذكرتُ لكم هذا إلا وأنا أُريدُ أن أُحدِّ ثكموه: وجِبْريائي لُأُخْرِ جَنَّ من قال لا إله إلا الله)) أي: ولم يعملْ خيراً قطُّ، حتى إنه لم يُكَررها مرةً ثانية في حياتِه، لأن تكرارَه لها خير وعملٌ زائدً على المرة الأولى التي دَخَل بها قنطرة الإِيمان. قال النووي رحمه الله تعالى: ((معناه: لَأَتَفَضَلَنَّ عليهم بإخراجهم من غير شفاعة، كما تقدم في الحديث السابق - عنده ٣: ٣٢ - : ((شَفَعَت الملائكة، وشَفَع النبيون، وشَفَع المؤمنون، ولم يَبْقَ إلا أرحم الراحمين» سبحانه وتعالى !!. وهذا مظهر عظيم من مظاهر الجود الإِلّهي حتى على من فرَّط في جنب الله وقصَّر وأعرض !. وهذا أيضاً موقفٌ عظيم بل هو أعظمُ موقفٍ دالٌّ على عِظَم أثرٍ ((لا إلّه إلا الله))! فإن الله سبحانه أحبُّ أن يكون هو الذي يَظْهرُ بمظهر الجود والتفضّل عليهم. ٣٧٦ (ثم أرجعُ إلى ربي في الرابعة فأَحَمدُه بتلك المحامد، ثم أُخِرُّ له ساجداً، فيقالُ لي: يا محمدُ ارفعْ رأسَك، وقل يُسمع لك، وسَلْ تُعْطَهْ، واشفعْ تُشَفِعْ. فأقول: يا ربِّ ائذنْ لي فيمن قال: لا إلّه إلا الله !. قال: ليس ذاكَ لكَ - أو قال: ليس ذاكَ إليك-، ولكنْ وعزَّتي وكَبْريائي وعَظَمتي وجِبْرِيائي لُأُخْرِجنَّ من قال: لا إلّه إلا الله)). قال: فأشهدُ على الحسن أنه حدَّثنا به أنه سمع أنس بن مالك، أراه قال: قبل عشرين سنة وهو يومئذ جميعٌ . وأَقدِّرُ أن عدد المشفوع فيهم في المرات الثلاثة الأولى أكثرُ من عدد هؤلاء، لكنْ لما كان هؤلاء من التقصير بِدَرَكٍ نازلة جداً، لم يكنْ هناك من يتداركُهم ويشملُهم عفوه سوى الله ربِّ العالمين، وأكرم الأكرمين، ذي الجلال والإكرام، والطّوْل والإِنعام. وإني أسأل الله العظيم، ربَّ العرش العظيم، أن يُدخلَني الجنة بغير حساب، ووالديُّ ومشايخي، وأهلي وذوي الحقوق عليٍّ. إنه سميع مجيب، کریم وهّاب. 1 ٣٧٧ ٩٤ - عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي وَلاغير قال: ((يقول الله: أُخْرجوا مِن النار مَن ذَكَرني يوماً، أو خافني في مقام)). ٩٤ - تخريجه: رواه الترمذي في أبواب صفة جهنم، باب ما جاء أن للنار نَفَسَين ٧: ٢٦٠ (٢٥٩٧) = ٤: ٧١٢ (٢٥٩٤) وفيهما قول الترمذي: حديث حسن عريب . معناه: ما يزالُ سيدنا رسول الله ﴿ يُخْبرنا عن كرم الله عز وجل على عباده ورحمتِه بهم، وتتجلَّى هذه الرحمة في ذلك اليوم العَصِيب الرهيب: ﴿يومَ يَفِرُّ المرءُ من أخيه، وأمِّه وأبيه، وصاحبتِهِ وَبَنِيه. وفَصِيلته التي تُؤْيه. ومَنْ في الأرض جميعاً ﴾. ففي ذلك اليوم يُعامِلُ المولى الكريم عبادَه برحمته التي ادخّرها عنده إلى يوم القيامة، وهي الرحمة العظيمة التي أخبر النبي ## عن عظمتها يوم القيامة بقوله: ((إن لله مائةَ رحمة أنزل منها رحمةٌ واحدةٌ بين الجن والإنس، والبهائم والهوامِّ، فَيِها يتعاطفون، وبها يَتَراحمون، وبها تَعطِف الوحش على ولدها، وأُخْر الله تسَعاً وتسعين رحمةً يرحم بها عباده يوم القيامة)). رواه الشيخان، وهذا لفط مسلم ١٧ : ٦٩ . فمن مظاهر هذه الرحمة العُظمى المدَّخَرة إلى يوم القيامة: أن الله تعالى يُشَفِّع بعضَ مخلوقاته الكرام ببعضِ مَنْ حقَّ عليه العذاب - سوى المخلّدين في النار - ثم يَشْفَع هو سبحانه وتعالى، فَيُخْرِج أقواماً من النار. فمنهم: هذان الصنفان المذكوران في هذا الحديث: ((مَن ذَكَرَني يوماً، أو خافني في مقام)». أما الصنف الأول: فهو مَن ذكر الله في وقت من الأوقات، وليس المرادُ يوماً بكامله. ومعنى ذكر الله يوماً. أي: خَطَر بباله الله ربُّ العالمين، فتذكّره بعد أنْ كان غافلاً عنه، فسبَّحه وحَمِده ووحَّده. ٣٧٨ فالله سبحانه وتعالى يَحْمَد له هذا الموقف، فيذكره له أشدَّ ما يكونُ حاجةٌ إليه، فيكون سبباً لنجاته عند ربه . وأما الصنف الثاني: فهو مَن خاف الله عز وجلَّ في ساعةٍ من الساعات، وموقفٍ من مواقف حياته. إما أن يُذكَّرَه مذكّر بالله، فيرتدعٍ، أو يخوِّفَه مظلومٌ فيخاف، أو يكون هذا المسكين غارقاً في معاصيه، فتهبُّ على قلبه نفحةٌ إيمانية ... ألا تَرَى إلى الرجل من بني إسرائيل، لما تمكّن من ابنة عمه، فذكَّرَتْه بالله وقالت: اتقِّ الله، فتركها لله وخوفاً منه له، فلما ألجأه المبيتُ إلى غار - ومعه اثنان - وسُدَّ فمُ الغار بصخرةٍ عظيمة، وأَيسوا من النجاة، قام كلُّ واحد منهم يذكُر عملاً صالحاً له، فقام هذا الرجل فذكّر هذه الحسنة: أنه ترك ابنة عمه الله، فانزاح عنهم جزءً من الصخرة. والحديث معروف. فهذا قد خاف الله في مقامٍ، في ساعة من ساعات حياته، ففرَّج الله عنه، ولم يُضيِّعْ له هذا الموقفَ، كما أن الله تعالى أكرمُ من أن يَجعل ثوابَه عليه في الدنيا فقط، ويفوَّتَ عليه ثوابه في الآخرة. قال الله عز وجل: ﴿ولمنْ خافَ مَقَّامَ ربِّه جنتان﴾. أي: خاف مقامَه وموقفه بين يديْ ربُّه للحساب، فترك المعصية. وقال مجاهد وإبراهيم النخعي: هو الرجل بَهُمُ بالمعصية فيذكر الله - أي: فيتذكَّر الله - فيدعُها من خوفه. والجنتان: جنةً لخوفه من ربه، وجنة لتركه شهوته(١). ١ - انظر تفسير القرطبي ١٧ : ١٧٦. ٣٧٩ ٩٥ - عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن النبي ﴿ قال: (إذا دخل أهلُ الجنة الجنةَ، وأهلُ النارِ النارَ، يقولُ الله: من كان في ٩٥ - تخريجه: رواه البخاري: كتاب الإِيمان - باب تفاضُل أهل الإيمان في الأعمال ١: ٧٢ (٢٢) وكتاب الرِّقاق - باب صفة الجنة والنار ١١ : ٤١٦ (٦٥٦٠)، وهذا لفظُه، ومسلم: في كتاب الإِيمان - باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحّدين من النار ١: ١٧٢ (٣٠٤) و٣: ٣٥. غريبه: امتحشوا، الحبة، السيل: تقدم معناها برقم ٩١. حُمَّماً: جمع حُمَمَة، والمعنى: صاروا فحماً! وفي الرواية الأولى: ((قد اسْوَدُوا)). حميَّة السَّيل: قال العيني في ((عمدة القاري)) ١٩: ٨٨: ((أي: معظم جَرْيه واشتداده)). وفي روايةٍ لمسلم: ((حَمِئة)) قال النووي: ((هي الطين الأسود))، زاد العيني: ((الطين الأسود المنتن)). معناه: هذا موقفُ ترغيب وترهيب، وإن شئتَ فقل: موقف خوف ورجاء. صورةٌ تَقشَعرُ منها جلود الموقنين بيوم القيامة يومَ جزاء وحساب، وجنة ونار، فلا بدَّ من طائفة من العُصاة يُدخِلها الله تعالى ناره، وهم أصنافٌ وألوان، ويكونون فيها على ذَرَكات، ومنهم من يكونُ عذابُه شديداً مديداً، مع أنه من أهل لا إلّه إلا الله محمد رسول الله ◌َچ . ومن الثابت في الأحاديث الكثيرة - وبعضُه في القرآن الكريم - أنه تكون في يوم القيامة شفاعات لعدَّة أصناف من كِرامٍ خَلْق الله عز وجل، ذُكِرَ بعضُهم في روايةٍ لمسلم ٣: ٣٢: ((فيقول الله عز وجل: شَفَعَت الملائكة، وشَفَع النبيون، وشَفَع المؤمنون، ولم يبقَ إلا أرحم الراحمين)) وذَكَر نحو الحديثِ المشروحِ. ٣٨٠ قلبه مثقالُ حبَّة من خَرْدَلٍ من إيمانٍ فأخْرجوهِ، فَيُخْرَجون قد امتُحِشُوا وعادوا حُمَماً، فَيُلْقَوْن فِي نَهَر الحياة، فَيَنْبُتُون كما تَنْبُتُ الحِبَّةُ فِي حَمِيل أما مَن يُشْفَع فيه: فأناسٌ ذَوُو مراتبَ في الإِيمان والخير، وقد ذُكِر منهم في الحديث المشار إليه أصنافٌ: منهم مَن أخذتِ النار إلى نصف ساقَيْه، وإلى رُكبتيه، ومَن في قلبه مثقالُ دينارٍ من خير، ومثقالُ نصفِ دينار، ومثقالُ ذرّة من خير، ثم مَن لم يعمل خيراً قطُ. وَوُصِفوا في روايتنا هذه بأنهم في قلوبهم مثقالُ حبٍ من خردلٍ من إيمان. فهذا هو يوم النَّصَفَة: ﴿ لا ظُلْمَ اليوم ﴾. يُخْرَجون من النار وقد انكشفَ اللحم عن العَظْم من عِظَم الاحتراق، واسودُوا فصاروا كالفحم، فَيُلْقَوْن في نَهْر الحياة، فينبتون كما تنبُت الحِبَّة في حَميل السيل. أما موضع نهر الحياة: فعلى باب الجنة، جاء ذلك في رواية مسلم المذكورة قبل قليل: ((فَيُلقيهم في نَهَرٍ في أفواه الجنة يقال له: نهر الحياة)) وأفواه: جمع فُوّهة، قال الإِمام النووي، رحمه الله تعالى: ((أفواه الأزقّة والأنهار: أوائلُها. قال صاحب ((المطالع)): كأن المراد في الحديث مُفْتَتَحٌ من مسالك قُصور الجنة ومنازلها)». أما خَصِيصَتُه: فهو الماء الذي أصاب رُشَاشُه حوتَ موسى وفَتّاه وهو في المِكْتَل ميتٌ، فَحَيِي، واتَّخذ سبيلَه في البحر سَرَباً (١). أما الماء الذي نَشربُه فهو أحدُ العناصر الأربعة التي عليها قوام الحياة: الماء والهواء، والحرارة والبرودة، وليس هو المرادَ بالآية والأحاديث، فليُتَنَّه لهذا، فإنه خطأ شائع ذائع. وتقدم شيء من هذا في الكلام على الحديث العاشر. ثم ذكر عليه الصلاة والسلام صفتين لما ينبت في حَمِيل السيل: صفراء ملتوية، والمراد بذلك ما تقدَّم في كلام النووي رحمه الله: أنها سريعةُ النبات، على ضَعْفها. ١ - انظر ((صحيح البخاري)) ٨: ٤٢٢ (٤٧٢٧) قوله: ((قال سفيان: وفي حديث غير عمرٍو قال: وفي أصل الصخرة عين يقال لها: الحياة، لا يُصيب من مائها شيء إلا حَيِيَ)). وانظر كلام ابن حجر عليه قبلُ ٨: ٤١٥.