Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ يقول: ((إن الله تعالى قال: إذا ابتليتُ عبدي بحبيبَتَيْه فصبر، عوَّضْتُه منهما الجنةَ)). وقوله: ((إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه)): هل هو فيمن وُلِد أعمى؟ أو وُلد بصيراً فَعِمي؟ الظاهر: الاحتمال الثاني، ولم أُرَ من نصَّ على هذا صراحةً إلا أن عبارة العلامة علي القاري رحمه الله تفيد هذا الذي استظهرته، فإنه قال في ((المرقاة)) ٣: ٣٦١: ((إذا ابتليتُ عبدي بحبيبتيه: أي: بفقد بصر عينيه)). والفقد - كما قال الراغب في ((مفرداته)» -: ((عَدَمُ الشيء بعد وجوده، فهو أخصُّ من العدم، لأن العدم يقال فيه، وفيما لم يُوجَد بعدُ». ٣٠٢ ٧٥ - عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله وَّه قال: ((يقول ٧٥ - تخريجه: رواه البخاري: كتاب الرِّقاق - باب العمل يُبْتَغَى به وجه الله ١١ : ٢٤١ (٦٤٢٤). غريبه: الصَّفِيُّ : الرجلُ الذي أحببتَه واصطفيتَه لك. احتسَبَه: ((صَبَر على فَقْده راجياً الأجرَ من الله على ذلك)). قاله في ((فتح الباري)». معناه: يخبر الله عز وجل في هذا الحديث عن أجر مَن صَبَر على فَقْد حبيبه، من: ولد، أو والد، أو أخ، أو زوجة، أو صديق .. ، أن من صَبَر على ذلك محتسِباً أجره عند الله على مصيبته هذه: فله الجنة. وجاء هذا الإِخبار بهذا الثواب العظيم بصيغة الحصر، زيادةٌ في تأكيد الخبر: ما لعبدي .. إلا الجنة. والحديثُ جاء بهذا الأجر بهذه الشروط: - أن يكون العبدُ مؤمناً، فلا علاقة للكافر هنا. - أن يكون فقيدُه عزيزاً عليه، صَفِياً له، صديقاً حميماً. - أن يحتسبَ مُصَابَه. وتحت الاحتساب شرطان: * الصبرْ، والصَّبْرُ أشدُّ مرارةً من الصَّبِر. * وابتغاءُ الأجر من الله تعالى. وقد جاءت أحاديثُ فيها الدلالةُ على إثابة الله تعالى بالجنة لمن فَقَد ولده وصَبَرَ، لكنْ هذا الحديث أعمُّ منها، فقد جاء بلفظ ((صَفِيَّه)) كما تقدم. ونسأل الله العافية . ٣٠٣ الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاءً إذا قبضتُ صفيَّه من أهل الدنيا ثم احتَسَبَه إلا الجنة)). وجاء في حديث آخر شرطً آخر، هو: أن يكون الصبرُ والاحتساب أولَ نزول المصيبة بصاحبها، أما أن يَجْزَعَ ويَفْزَعَ، ثم يَرَى أن لا مفرَّ له من قَدَر الله فيصبِّر نفسَه: فلا يدخل تحت هذا، كما يُستفاد من الحديث السابق برقم ٧٢، ٧٤. ٣٠٤ ٧٦ - عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلفيه قال: ((قال ٧٦ - تخريجه: رواه البخاري: كتاب التوحيد - باب ﴿يريدون أن يُبَدلوا كلامَ الله﴾ ١٣ : ٤٦٦ (٧٥٠٤)، وكان قد أخرج نحوه في كتاب الرقاق - باب من أحب لقاءَ الله أحبُّ الله لقاءه ١١: ٣٥٧ (٦٥٠٧، ٦٥٠٨) مرفوعاً نبوياً، ومثله في صحيح مسلم كتاب الذكر والدعاء - باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ٤: ٢٠٦٥ - ٢٠٦٧ (١٤ - ١٨) وشرح النووي ١٧ : ٩ - ١١. معناه: لقاء الله عز وجل يكون بالبعث من القبور، إلى ما وراء ذلك من ٠ مواقفَ يؤول إليها الخلائق في ذاك اليوم، وليس هو الموتَ، بل الموتُ مقدِّمةٌ لذاك اللقاء، وهو مرحلة متقدِّمة عليه. فالله تعالى يخبرنا أن العبد إذا أحبَّ لقاءَ ربِّه، فإن ربَّه يحبُّ لقاءه، وكذلك العكس: إذا كره العبد لقاءَ ربِّه، كره الربُّ سبحانه لقاء عبده. ولما حدَّث النبي ◌َّ بعضَ أصحابه بهذا الحديث من كلامه ◌َلير - كما في رواية البخاري ومسلم اللتين أشرتُ إليهما - قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: إنا لَنكرهُ الموتَ، وهذا القول منها ليس تفسيراً للّقاء بالموت، بل إنها تقول: نكرهُ الموتَ الذي هو مقدِّمة للّقاء، لما بعده من متاعب وأهوال. فقال لها عليه الصلاة والسلام: ((ليس ذلكِ، ولكنَّ المؤمنَ إذا حَضَره الموت بُشِّرَ برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحبَّ إليه مما أمامَه، فأحبَّ لقاء الله، وأحبّ الله لقاءه، وإن الكافر إذا حُضِر بُشَّر بعذاب الله وعقوبته، فليس شيءً أكره إليه مما أمامَه، فكرِه لقاءَ الله وكرِه الله لقاءَه)). وهذا التوهّم الذي عرَض للسيدة عائشة رضي الله عنها، عَرَض لتابعيِّ اسمُه شُرَيحُ بن هانىء، فجاء إليها يَستفسرُها، ففسَّرت له الحديث بوصفها حال المحتضر. ففي ((صحيح مسلم) ١٧: ١٠ أن شريحاً المذكور سمع أبا هريرة رضي ٣٠٥ الله عز وجل: إذا أحبَّ عبدي لقائي: أحببتُ لقاءَه، وإذا كَرِه لقائي: كَرِهتُ لقاءَه)). الله عنه يروي هذا الحديث، فجاء أمَّ المؤمنين عائشةً وقال لها: إن كان كذلكِ فقد هَلَكْنا! فقالت له: ((ليس بالذي تذهُب إليه - أي: ليس كما فهمتَ - ولكنْ إذا شَخْص البصرُ، وحَشْرَجَ الصدر، واقشعرَّ الجلد، وتَشَنَّجت الأصابع: فعند ذلك: من أحبَّ لقاءَ الله أحب الله لقاءَه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه)). وحاصل ذلك: أن الله يبشِّر المؤمن المحتضَر بكرامته عنده في الآخرة، فهي من عاجل بُشْرى المؤمن، وحينئذ يُقبِل ويحبُّ هذا العبدُ لقاءَ الله تعالى. والعكس بالعكس، والعياذ بالله. وقد بَوَّب العلامةُ القرطبيُّ المفسِّر الشهير، في كتابه ((التذكِرة)) ص ٥٧: ((باب لا تخرج روحُ عبدٍ مؤمن أو كافر حتى يُبشّر، وأنه يُصعد بها)»، ومما ذكره فيه: ((عن البراء بن عازب - رضي الله عنهما - في قوله ﴿تحيُِّهم يومَ يَلْقَوْنَه سَلَامٌ﴾: فيسلِّم ملكُ الموتِ على المؤمن عند قبض روحه، لا يقبض روحَه حتى يُسَلَّم عليه)). وهو بهذا اللفظ في «تفسيره)» ١٤ : ١٩٩. ثم ذكر حديث أبي هريرة عند ابن ماجه ٢: ١٤٢٣ (٤٢٦٢)، وصحح إسنادَه الْبُوصيريُّ في ((مصباح الزجاجة)) (١٥٢٤)، وأوَّله: ((الميتُ تَحْضُره الملائكة، فإذا كان الرجلُ صالحاً قالوا: اخْرُجي أيتُها النفسُ الطيّبة، كانت في الجسد الطيِّب، اخْرُجي حميدةً، وأَبْشِري برَوْحِ وَرَيْحان وربٍّ غيرِ غضبان، فلا يَزالُ يُقالُ لها حتى تخرج، ثم يُعْرَج بها إلى السماء فيفتح لها .. )). وكذلك العكس: (يقال: اخْرُجي أيتُّها النفسُ الخبيثةُ، كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمةٌ، وأُبْشِري بحميمٍ وغَسَّاق، وآخَرُ من شَكْله أزواجِّ، فلا يَزالُ يُقال لها ذلك حتى تَخْرُج، ثم يُعْرَجُ بها إلى السماء فلا يُفْتَح لها .. ))(١). والشاهدُ من هذا: أن الله تعالى يَكشِف للمحتّضَر في اللحظة الأخيرة عن مستقرَّه، فالمؤمن يتلهَّف شوقاً إلى ذاك المآل، ويتشوَّق إلى لقاء الله عز وجل والدار ١ - وانظر حديث عائشة رضي الله عنها المطبوع في ((فتح الباري)) ١١: ٣٥٩، وعزاه لعبد بن حميد، وليس في ((منتخب مسند عبد بن حميد)). ٣٠٦ الآخرة، وغيرُه يزداد تمسُّكاً بالدنيا التي عَمَرَها ويكرهُ النَّقْلَةَ عنها إلى لقاء الله عز وجل والدار الآخرة. وفي مقدمة ((سنن الدارمي)) - باب في إعظام العلم ص ١٦٢ حوارٌ طويل بين سليمان بن عبد الملك وأبي حازمٍ سلمةً بن دينار المخزوميِّ أحدٍ صغارِ التابعين طبقةً، ولكنه من أجِلائهم علماً وعملاً وفضلاً، وفيه يقول سليمان بن عبد الملك: - يا أبا حازم ما لَنا نَكْرَهُ الموت؟. فأجابه بجَراءَة الناصح الصادق: - لأنكم أَخْرَبْتُمُ الآخرةَ، وعَمَرتُم الدنيا، فَكرهْتم أن تُنْتَقلوا من العُمران إلى الخراب !. قال سليمان: أصبتَ يا أبا حازم، فكيف القدومُ غداً على الله؟. قال أبو حازم: أما المحسِنُ فكالغائب يَقْدَم على أهله، وأما المسيءُ فكالآَبِق يَقْدَم على مولاه !. قال: فبكى سليمان. وانظر الحوار هناك بتمامه، ففيه صدقُ السائل، ونُصْح المسؤول. ٣٠٧ ٧٧ - عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله و لو قال: ((لما خَلَقِ الله الجنةَ والنارَ: أرسلَ جبريلَ إلى الجنة فقال: انظُرْ إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها. قال: فجاءها ونَظَر إليها وإلى ما أعَدَّ الله لأهلها فيها، قال: فَرَجَع إليه، قال: فَوَعِزَّتِكُ لا يَسمعُ بها أحدٌ إلا دَخَلَها. فَأَمَرَ ٧٧ - تخريجه: رواه الترمذي في أبواب صفة الجنة - باب حُفَّت الجنةُ بالمكاره ٧: ٢٣٧ (٢٥٦٣) = ٤: ٦٩٣ (٢٥٦٠) وقال: حسن صحيح، وهو في أبي داود أيضاً كتاب السُّنَّة - باب خلق الجنة والنار ٥: ١٠٨ (٤٧٤٤)، والنسائي - بنحوه - أول كتاب الأيمان والنذور - باب الحَلِف بعزَّة الله تعالى ٧: ٣. معناه: في هذا الحديث الإِلّهي: تنبيهً من الله عزَّ وجلَّ لعباده أن ينظروا إلى حقائق الأمور وعواقبها، وتحذيرٌ منه تعالى لهم أن يَغْتُرُّوا بمظاهر الأمور وعاجلها. وبيان ذلك: أنه خَلَق الجنة وأعدَّ فيها لأهلها ما لا عينٌ رأتْ ولا أُذُن سمعت، ولا خَطَر على قلب بَشَر، وجعلها دار رحمته وكرامته ورضوانه، بحيث إنه لا يَسمعُ بها أحد إلا خَطَبها وَمَّهَرها مهما كان الثمن. ثم إنه حفَّ طريقَها بالتكاليف الشرعية، فَبَدَتْ لناظرها أنه لن يدخُلَها أحد. فالعاقل مَنِ نَظَر إلى ما وراءَ التكاليف، حيثُ تكونُ الحقائق، ونظر إلى أن هذه التكاليفَ مؤقَّةٌ بِعُمُره المحدود بسنوات معدودات، وأن العواقب دائمةٌ مُؤْيِّدة، إذ يُذْبَح الموت في أول لحظة يَسْتقرُّ فيها أهلُ الجنة بنعيمهم، حتى لا يشعروا بمنغُصٍ يكدِّر عليهم نعيمَهم، وهو خشيتُهم من الإخراج من هذا النعيم. والأحمقُ: هو الذي تَحْجُبُه وتَصُدُّه عن الجنة هذه التكاليفُ الشرعية التي اقتضتْها حكمة الشارع الحكيم للاختبار ﴿ لِيَميزَ الله الخبيثَ من الطَّيِّب﴾. وإن الله عز وجل خَلَق النارَ، وجعل فيها من العذاب لأهلها «لو أن قطرةً من الزَّقُّومِ قَطَرتْ في دار الدنيا لأفسدتْ على أهل الدنيا معايشهم، فكيف بمن يكون ٣٠٨ بها فَحُفَّتْ بالمكاره، فقال: ارْجِعْ إليها، فانظُرْ إلى ما أعددتُ لأهلها فيها، قال: فرجع إليها فإذا هي قد حُفَّتْ بالمكاره، فرجع إليه فقال: وِزَّتِك لقد خِفتُ أن لا يدخُلَها أحد. طعامَه؟!))(١). ووصفها تعالى بقوله: ﴿تَكادُ تَمَيِّزُ من الغَيْظِ﴾ إلى ما هنالك، أعاذنا الله منها بمنُّه وكرمه، بحيث لا يَسمعُ أحدٌ ببعض ما فيها إلا وتجنَّب طريقَها وكلَّ ما يؤدِّي إليها . لكنه تعالى - بحكمته - حفَّ طريقَها بالشهوات العاجلة، وزيَّنها لناظريها، فبادروا إليه، ونَسُوا عاقبتها المُخِيفةَ وويلاتِها الدائمةَ. فالعاقلُ من نَظَر إلى حقيقتها وعاقبتها، ولم تَغُرَّه زخارفُها، ولم تَخْدَعْه الستائر البرّاقة التي عليها. وما مَثَلُ الجنةِ وما حُقَّت به، والنارِ وما حُفَّت به إلا كقطعة حلوى لذيذةٍ فيها شفاءُ صاحبها وبُرْؤُهُ من المرض، لكنْ عليها ذرَّاتٌ من غبار، تحتاج إلى إزالةٍ عنها، ثم تناولها. وإلى جانبها لقمةٌ من السُّمِّ الزُّعَاف القاتل لساعته، وعليها قِشرةً رقيقةٌ من الطَّعْم الحُلْوِ الخَلَّب. فإزالةُ ذرات الغبار عن الحلوى اللذيذة: تحتاجُ إلى تأنَّ ووقت، وفيها العاقبة الحسنة والبَلْسَم الشافي. واللونُ الحلوُ والطعم الحلو يجذِبُ الأحمق أو الطفل الصغير الذي لا يدركُ العواقبَ إلى تناوله، فأوَّلُ ما يُصيبُ لسانَه يجده حلواً، ولا يَتُمُّ شعوره بحلاوته إلا ويسقطُ على الأرض ميتاً بسُمُّه. وإن الله تعالى يُنادينا صباحَ مساءً: ﴿يا أيُّها الناسُ اتَّقُوا ربَّكم واخْشَوْا يوماً لا يَجْزِي والدّ عِن وَلَده، ولا مَوْلُودُ هو جَازٍ عن والده شيئاً، إن وَعْدَ الله حقٌّ، فلا تَغُرَّنْكُمُ الحياةُ الدنيا، ولا يَغُرَّنَّكم بالله الغرور﴾. قال الراغب الأصفهاني رحمه الله في ((مفرداته)) ص ٣٥٩: ((الغَرور: كلُّ ما يَغُرُّ الإِنسانَ من مال وجاهٍ وشهْوةٍ وشيطان، وقد فسِّر بالشيطان، إذْ هو أخبثُ ١ - رواه الترمذي ٧: ٢٥٤ (٢٥٨٨) وقال: حسن صحيح. ٣٠٩ قال: اذهبْ إلى النار فانظُرْ إليها، وإلى ما أعددتُ لأهلها فيها، فإذا هي يَركبُ بعضها بعضاً، فرجع إليه فقال: وعِزَّتِك لا يسمع بها أحدٌ فَيَدخُلَها. فأمر بها فَحُفَّتْ بالشهوات، فقال: ارجعْ إليها، فرجعَ إليها فقال: وعزَّتك لقد خشيتُ أن لا يَنْجُوَ منها أحد إلا دخلها)). الغارِّين، وبالدنيا، لِما قيل: الدنيا تَغُرُّ وَتَضُرُّ وَتَمُرُّ) أي: تَمْضي وتنتهي. روى البخاري في كتاب الرِّقاق من صحيحه ١٠: ٣٢٠ عن أبي هريرة، ومسلم أول كتاب صفة الجنة ونعيمها ١٧: ١٦٥ بشرحه عن أبي هريرة أيضاً وعن أنس، عن النبي ◌َّ﴿ أنه قال ((حُفَّت الجنةُ بالمكاره، وحُفَّت النار بالشهوات)) ولفظ البخاري: ((حُجِبت)) في الموضعين. قال الإمام النووي رحمه الله: ((معناه: لا يُوصَل الجنةَ إلا بارتكابَ المكاره، والنارَ بالشهوات، وكذلك هما محجوبتان بهما، فمن هَتَكَ الحجابَ وصل إلى المحجوب، فهْكُ حجاب الجنة: باقتحام المكاره، وهتكُ حجاب النار: بارتكاب الشهوات، فأما المكارهُ: فيدخل فيها الاجتهادُ في العبادة والمواظَبةُ عليها والصبرُ على مشاقُّها، وكظمُ الغيظِ، والعفوُ والحلمُ والصدقةُ، والإِحسان إلى المسيء، والصبرُ عن الشهوات، ونحو ذلك. ((وأما الشهواتُ التي النارُ محفوفةٌ بها : فالظاهر أنها الشهواتُ المحرَّمة، كالخمر والزنا، والنظر إلى الأجنبية، والغيبة، واستعمال الملاهي، ونحو ذلك. وأما الشهواتُ المباحةُ فلا تدخل في هذه، لكن يُكْرَه الإِكثارُ منها مخافةَ أن يَجرِّ إلى المحرَّمة أو يُقَسِّي القلب، أو يَشغَلَ عن الطاعات، أو يُحْوِجَ إلى الاعتناء بتحصيل الدنيا الصرْف فيها، ونحو ذلك». وقال المُنَاوي رحمه الله في ((فيض القدير)» ١: ٣٨٩: ((هذا تمثيلٌ حسن، معناه: يُوصَل إلى الجنة: بارتكاب المكاره، من: الجُهد في الطاعة، والصبر عن الشهوة، كما يُوصَل المحجوبُ عن الشيء إليه بهتْك حجابه، ويُوصّل إلى النار بارتكاب الشهوات، ومن المكاره: الصبرُ على المصائب بأنواعها، فكلّما صَبَر على واحدة قَطَعَ حجاباً من حُجُبِ الجنة، ولا يزالُ يقطعُ حُجُبها حتى لا يبقى بينه وبينها إلا مفارقةُ روحِه بَدَنَه، فيقالُ: ﴿يا أيتُها النّفْسُ المطمئَّةُ ارجِعي إلى ربِّك راضيةً مَرْضِيَّةً، فادخُلي في عبادي، وادخُلي جنَّتِي))). ٣١٠ ٧٨ - عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي وَ لو قال: ((قال الله عز وجل: سَبَقَتْ رَحْمتي غَضَبِي)). ٧٨ - تخريجه: رواه مسلم في كتاب التوبة - باب سَعَة رحمة الله تعالى وأنها تغلب غضبه ٤: ٢١٠٨ (١٥)، والنووي ١٧: ٦٨. وأحمد في ((المسند)) ٢: ٢٤٢. ورواه البخاري أولَ كتاب بدء الخلق ٦: ٢٨٧ (٣١٩٤) لكن بلفظ: ((لما قضى الله الخلق كتب في كتابه - فهو عنده فوق العرش -: إن رحمتي غلبت غضبي)) فهو نبويٌّ لا قدسيَّ، وهو بلفظ البخاري في مسلم الموضع السابق. معناه: عَهد الله عز وجل - وهو أصدقُ القائلين - على نفسه أن رحمته تَسبق غضبه، وتَغلِبه. وجاء هذا الفعل في الأحاديث بلفظ الماضي ويلفظ المضارع: سبقت وغلبت، وتغلب، إشارة إلى وقوع ذلك في الماضي الغابر، واستمراره في المستقبل الحاضر. فالسَّبْق في الماضي: خَلْقُه آدم عليه الصلاة والسلام بيده، وتكريمه بذلك، وكونُه في الجنة، وإيناسُه بحواء عليها السلام، ولما بَدَرَ من آدم ما بدر تاب الله عليه، وكرَّمه بالوحي الإِلَّهي وإنزال صحف عليه فيها الهداية لذريته من بعده. ﴿ قلنا اهْبِطوا منها جميعاً فإِمَّا يأتينكم مني هُدىًّ فمن تبع هُدَايَ فلا خوفٌ عليهم ولا هم يَحْزَنون. والذين كَفَروا وكذَّبوا بآياتِنا أولئك أصحابُ النارِ هم فيها خالدون ﴾. قال الطَّيبي رحمه الله - كما في ((الفتح)) ٦: ٢٩٢ -: ((في سَبْق الرحمة إشارة إلى أن قِسْطَ الخلق منها أكثرُ من قِسطهم من الغضب، وأنها تنالهم من غير استحقاق، وأن الغضبَ لا ينالُهم إلا باستحقاق، فالرحمةُ تشمل الشخص جنيناً ورضيعاً وفطيماً وناشِئاً قبل أن يَصدرَ منه شيء من الطاعة، ولا يلحقه الغضبُ إلا بعد أن يصدر عنه من الذنوب ما يَستحقُّ معه ذلك)). وأما الرحمة: فهي كلمة شاملة لكلِّ معاني الخير والإِحسان والإِفضال، ولهذا يدعى بها للميت فيقال: رحمه الله، لشمولها كلِّ وجوه الخير، فيصيبُ الميتَ وهو محتاج إليه . ٣١١ وأما الغضب: فيأتي بمعنى: الانتقام، والإِعراض، والمعاقبة. والرحمة والغضب صفتان لله عز وجل لا تُوصفان بسَبْق ولا غَلَبة، إنما آثارُهما توصف بذلك. قال ابن الأثير رحمه الله في ((النهاية)) ٣: ٣٧٧: في الحديث: ((إشارةً إلى سَعَة الرحمة وشمولها الخلقَ، كما يقال: غلبَ على فلانٍ الكَرَمُ، أي: هو أكثرُ خِصاله، وإلا فرحمةُ الله وغضبهُ صفتان راجعتان إلى إرادته للثواب والعقاب، وصفاتُه لا تُوصَف بغلبة أحدهما الأخرى، وإنما هو على سبيل المجاز، للمبالغة)». ونحو هذا المعنى قاله الإمام النووي في ((شرح مسلم)) ١٧: ٦٨ ونسبه إلى العلماء عامة . ومن مظاهر سَعَة رحمة الله عز وجل: ما جاء في الحديث الذي رواه البخاري ١٠: ٤٣١ (٦٠٠٠) ومسلم ١٧: ٦٨ عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي واؤه قال: ((جَعَل الله الرحمةَ مائةَ جزءٍ، فأمسك عنده تسعةً وتسعين، وأنزِلَ في الأرض جزءاً واحداً، فمن ذلك الجزء تَتَراحم الخلائقِ، حتى ترفعَ الدابةُ - وفي رواية البخاري: الفرسُ - حافِرها عن ولدها خشيةَ أن تُصيبه)). وكان ﴿ يتخوَّل أصحابَه أن يُرِيهم أثراً من آثار هذا الجزء الواحد للرحمة الإِلَهية. فروى البخاري ١٠ : ٤٢٦ (٥٩٩٩) ومسلم ١٧: ٧٠ - واللفظ له - عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: قُدِم على رسول اللهِوَ لَهُ بِسَبْيٍ، فإذا امرأةٌ من السبي تبتغي ، إذا وجدتْ صبياً في السَّبي أخذتْه فألصقتْه ببطنها وأرضعتْه، فقال لنا رسول الله وَله: ((أَتُرَوْن هذه المرأةَ طارحةً ولدَها في النار؟)) قلنا: لا والله، وهي تقدِرُ على أن لا تطرحَه. فقال رسول الله وَّ: «لَلَّهُ أرحمُ بعباده من هذه بولدها». وروى البخاري ١١: ٣٠١ (٦٤٦٩) جزءاً من حديث، وهو عند مسلم ١٧ : ٧٠ حديث مستقلّ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي وَلا﴾ قال: ((لو يعلمُ المؤمنُ ما عند الله من العقوبة ما طَمِع بجنته أحدٌ، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قَنِط من جنته أحد)). ٣١٢ ٧٩ - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي وَّه: («تَحَاجَّت الجنة والنار، فقالت النار: أُوثِرْتُ بالمتكبِّرين والمتجبِّرين، وقالت الجنة: ما لي لا يدخُلُني إلا ضُعَفاءُ الناسِ وسَقَطُهم؟ قال الله تبارك وتعالى للجنة: ٧٩ - تخريجه: رواه البخاري في التفسير - تفسير سورة ق باب: ((وتقولُ هل من مَزيد)» ٨: ٥٩٥ (٤٨٥٠)، وغيره، ورواه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها - باب النار يدخلها الجبارون ٤: ٢١٨٦ (٣٥، ٣٦) وشرح النووي ١٧ : ١٨١ - ١٨٤. غريبه: المتكبرين والمتجبرين: في ((الفتح)): المتكبر: المتعاظم بما ليس فيه، والمتجبر: الممنوع الذي لا يُوصَل إليه)). سَقَطُهم: ضعفاؤهم والمحتقَرون منهم. يُزْوَى: يجتمعُ وينضمُ. يُنشىء: يَخلق خلقاً جديداً. قط قط: قال النووي: ((حسبي يكفيني هذا، وفيه ثلاث لغات: بإسكان الطاء، وبكسرها مُنَونَةً وغيرَ منَوَّنة». معناه: تحاجَّت الجنة والنار: أي: تجادلتا وتَخَاصَمَتا إلى الله عز وجل. وقولُه عليه الصلاة والسلام: تحاجَّتْ، وقالت النار، وقالت الجنة، وتقول - النار -: كلّ هذا من باب الحقيقة لا المجاز، وهو على ظاهره فلا تأويلَ، كما تقدَّم الكلام عليه بإيجاز مع شيء من الأدلة في شرح حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، رقم ١٢ . وكانت شكوى النار: أنها خُصِّت بالمتكبِّرين والمتجبِرين! فالمتَّصفون بهذه الصفة: الترفُّع عنِ الناس والتَّعَالي عليهم، يُشْتَكَى منهم، حتى إن نار جهنم لَتَشْتكي: لمَ لا يدخُلها إلا هم !. ٣١٣ أنت رحمتي أرحمُ بك من أشاءُ من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي، أُعذّبُ بك من أشاءُ من عبادي، ولكلٍّ واحدةٍ منهما مِلْؤُها. فأما النار: فلا تَمتلىءُ حتى يَضَعَ رِجْلَه فتقول: قَطٍ، قَطٍ، قَطٍ، واشتكت الجنةُ: لَمَ خُصِّت بالضعفاء والعَجزة والمحتَقَرين. أي: هذه صفاتُهم في أعين الناس وميزانِهم، أما عند الله عز وجل فهم كرام الناس: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكم عند الله أتْقَاكم﴾. ولا ريب أن هذه الصفاتِ هي صفاتُ غالبِ أهل الجنة وأهل النار. فبيَّن الله عز وجل للنار مهمَّتَها ووظيفتَها: أنها دارُ مَن شاء الله عذابَه، ولها مِلْؤها وكفايتها . وبيّن للجنَّة كذلك: أنها دار مَن يشاءُ رحمته وكرامته، ولها مِلْوُها وكفايتها. أما النار فتمتلىءُ، لأنها مظهرُ العذاب والغَضَب الإِلَهي، أما الجنة فلا تمتلىءُ حتى يُنْشِىءَ الله عز وجل لها خلقاً يملؤونها، ذلك لأن رحمة الله تَغْلِب غضبه، فلذلك قال: ((ولكلِّ واحدةٌ منهما مِلْؤُها)). ثم ذكر كيف يكون امتلاءُ النار حتى تقولَ كلمةَ الممتلىءِ الذي لا يتحمّل الزيادة: قطٍ، وتكرِّرُرها ثلاثَ مرات، إيذاناً بشدة امتلائها. وقولُه ((حتى يَضَعَ رِجْلَه)): قال النوويُّ رحمه الله: ((هذا الحديث من مشاهير أحاديث الصفات، والعلماءُ فيها على مذهبين، أحدهما - وهو قول جمهورِ السلف وطائفةٍ من المتكلِّمين -: أنه لا يُتْكَلَّم في تأويلها، بل نؤمنُ أنها حقٌّ، على ما أراد الله، ولها معنىً يليقُ بها، وظاهرها غير مراد. والثاني - وهو قول جمهور المتكلمين - : أنها تُتَأوَّلُ بحسب ما يليق بها)). ثم نقل عن القاضي عياض رحمه الله قوله: ((قالوا - أي كافة العلماء المأولَين وغيرهم -: ولا بدَّ من صرفه عن ظاهره، لقيام الدليل القطعيِّ العقليِّ على استحالةِ الجارحةِ على الله تعالى)). وأما الجنةُ: فتمتلىءُ بمن يُنْشِئُه الله تعالى من جديد، أما قبلَ ذلك فیکون فيها فضلٌ وزيادةٌ، كما جاءت في الرواية الثانية للبخاري: ((ولا تَزالُ الجنةُ تَفْضُلُ حتى يُنْشىءَ الله لها خلقاً فُسْكنَهم فضلَ الجنة)). ٣١٤ فهنالك تمتلىء، ويُزْوَى بعضُها إلى بعض، ولا يَظْلِمُ الله عزَّ وجلَّ من خَلْقه أحداً. وأما الجنة: فإن الله عز وجل يُنْشِىءُ لها خَلْقً)). قال الحافظ في شرح ((تفضُل)) ١٣: ٣٧١: ((كذا بصيغة الفعل المضارع، ووقع في رواية المستملي بموحدة مكسورة وفاء مفتوحة وضاد معجمة ساكنة، وكأن الباء للمصاحبة)). أي: في رواية المستملي: بفَضْلٍ، أي: بزيادة. وقال النووي رحمه الله: ((قوله وله: وأما الجنة فإن الله ينشىء لها خلقاً: هذا دليل لأهل السنة أن الثواب ليس متوقّفاً على الأعمال، فإن هؤلاء يُخْلَقون حينئذ ويُعْطَوْن في الجنة ما يُعطَّون بغير عمل، ومثلُه أمرُ الأطفال والمجانين الذين لم يعملوا طاعةً قطُّ، فكلُّهم في الجنة برحمة الله تعالى وفضله)). ٣١٥ ٨٠ - عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول اللهِ وَهُ: ((يقول الله عزَّ وجلَّ: يا آدم، فيقول: لَبَّيْك وسَعْدَيك، والخيرُ ٨٠ - تخريجه: رواه البخاري في مواضع من ((صحيحه))، منها كتاب الرقاق - باب قوله عز وجل: ﴿إن زلزلة الساعة شيء عظيم﴾ ١١: ٣٨٨ (٦٥٣٠) وهنا شَرَحه ابن حجر، ومسلم آخر کتاب الإِيمان - باب بيان کون هذه الأمة نصفَ أهل الجنة ١: ٢٠١ (٣٧٩)، وشرح النووي ٣: ٩٧، واللفظ له. غريبه: بَعْثَ النار: مصدر أريد به اسم المفعول، أي: مبعوثَ النار، فمعناه: ميِّز أهل النار من غيرهم، من ذريتك. شطر: كلمة تطلق على الجزء مطلقاً، وعلى النصف، وهو المراد هنا. الرَّقمة: قطعة بيضاء تكون في باطن عضو الحمار والفرس، وتكون في قوائم الشاة. نقله في ((الفتح)) ١١: ٣٨٨ عن ابن التين. معناه: في هذا الحديث حكايةٌ لمشهدٍ يكون من أوائل مشاهد يوم القيامة ومواقفها، كما يشير إليه الحديث الذي رواه البخاري قبلَه مباشرة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي ◌َّ قال: ((أولُ مَن يُدعَى يوم القيامة آدمُ، فَتَرَاءَى ذريتُه، فيقال: هذا أبوكم آدم، فيقول: لبيك وسعديك، فيقول: أخرج بَعْثَ جهنمَ من ذريتك .. )). وأصرحُ منه: حديثُ مسلمٍ ١٨: ٧٥ - ٧٦، عن عبدالله بن عمروٍ رضي الله عنهما، وفيه: ذكرُ الدجال وهلاكُه، ثم الريحُ الباردة تَقبِضُ أرواح المؤمنين، ثم النفخة الأولى، ثم الثانية قال: ((فإذا هم قيام ينظرون، ثم يُقال: يا أيها الناس هَلُمَّ إلى ربكم، وقِفُوهم إنهم مسؤولون، ثم يقال: أُخْرِجوا بَعْثَ النار، فيقال: مِن کمْ؟ .. )». ٣١٦ في يديك، قال: يقول: أُخْرِجْ بَعْثَ النار، قال: وما بَعْثُ النار؟ قال: من كلِّ ألفٍ تسعَمائةٍ وتسعةً وتسعين. قال: فذاك حين يَشيب الصغير، وما أشدَّه من موقفٍ! وما أثقلَه على القلب! أن يقدِّم الأبُ أبناءَه إلى نار جهنم الخالدة المؤبَّدة! لكنْ لما كان الكفر قاطعاً للرَّحِم في عرف أهل الإِيمان، ولما كان آدم عليه الصلاة والسلام يَعرفُهم من قبلُ، ويَعرفُ أنهم من أهل الشقاوة والنار، هان الأمر عليه. ومن المعلوم أن نبينا محمداً ﴿ قد رأى آدم عليه السلام ليلةَ الإِسراء في السماء الدنيا، وعن يمينه أُسْودَة، هم أهلُ اليمين والنجاة، وعن شماله أُسْوِدَة هم أهل الشمال والهلاك. فهو عارف بهذه النتيجة. ثم إنه نبيٌّ لله، وتنفيذُ أوامر الله أحبُّ إليه من كلِّ حبيب. فَيُؤْمَر أن يقدِّم إلى النار من أهل الموقف - وكلُّهم من ذريته - تسعَمائة وتسعةً وتسعين شخصاً من كل ألف، فماذا بقي؟ اللهم اجعلنا من الناجين بفضلك يا أكرم الأکرمین . فلذلك يشتدُّ الأمر على الناس، ويأخُذ الهولُ منهم كلَّ مأخذ، ويكون حالُهم بحيث لو قُورِن بحال الدنيا لكانٍ يَشِيبُ الصغيرُ قبلَ أوانٍ شيبه، وتضعُ الحامل قبل أوان وضعها، ولا ترى إلا امرءاً غَطَّت الأهوال عقله وفكره، يتخبّط في أموره تخبُط السكران، وما هو سكران !. ومعلومٌ أن القيامة ليس فيها حَمْلٌ ولا رَضاع. فما في الحديث الشريف هو من المجاز وتقريب الأمور الغيبية إلى الواقع الحسيِّ. هذا قول. وقيل: إن هذه الأمور الثلاثةَ تَحصُل للناس في الدنيا، وذلك في آخر لحظاتهم فيها، وحدَّدَ الحافظ ابن حجر وقتها بين النفختين، وكلامُه اللاحقُ يُشعر بميله إلى هذا، وقال قبله احتمالاً آخر: ((يَحتَمِل أن يُحمل على حقيقته، فإن كل أحد يُبَعث على ما مات عليه، فَتُبعَثُ الحاملُ حاملاً، والمرضعُ مرضعةً، والطفلُ طفلاً، فإذا وقعت زلزلة الساعة، وقيل ذلك لآدم، ورأى الناسُ آدمَ وسمعوا ما قيل له: وَقَعَ بهم من الوَجَلِ ما يَسقُط معه الحمل، ويَشيبُ له الطفل، وتَذْهَل به المرضعة)». ٣١٧ وتَضَعُ كلُّ ذاتٍ حَمْلٍ حَمْلَها، وترى الناس سكارى وما هم بسُكارى، ولكنَّ عذابَ الله شديد. قال: فاشتدَّ ذلك عليهم قالوا: يا رسول الله أيُّنا ذلك الرجلُ؟ فقال: أَبْشِروا فإن من يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ ألفاً، ومنكم رجلٌ. قال: ثم قال: والذي نفسي بيده إني لأُطْمَعُ أن تكونوا رُبُعَ أهلِ الجنة، وصدَّر هذا الاحتمال بـ ((أقول)) فَأَشْعَرَ بأنه قائلٌ لهذا الاحتمال من عنده غيرُ مسبوق به، مع أن الفخر الرازي حكاه في تفسير أول سورة الحج عن القفال. والله أعلم. ومهما يكنْ من احتمالات وتفسيرات: فـ: ﴿إن زلزلةَ الساعةِ شيءٌ عظيم ﴾. وهو يومٌ وَصَفَه الله عز وجل: ﴿يوماً يَجْعَلُ الولدانَ شِيباً﴾. وذلك لِمَا يكون فيه من عظائم الأمور ومنها ﴿ السماءُ مُنْفَطِرٌ به﴾ وهذا أمر حاصل لا محالةَ ولا مفرّ منه ◌ِ كان وَعْدُه مفعولاً ﴾. وذكرتُ قبل قليل حديث أبي هريرة الذي رواه البخاري، وفيه أنه يقال لآدم: ((أَخْرِجْ بَعثَ جهنمَ من ذريتك)) فقوله ((من ذريتك)): صريحٌ في أن يأجوج ومأجوج من ذرية آدم عليه الصلاة والسلام ومن نسله(١). ثم جاءت البشارةُ النبوية، وتخفيف الوطأة عن قلوب الصحابة رضي الله عنهم: ((أَبْشِروا، فإن من يأجوج ومأجوج ألفاً، ومنكم رجلٌ)) واحدٌ مقابلَ الألف، يدخل النار. ثم زادهم بشارةً مقرونة بالقَسَم: ((والذي نفسي بيده إني لُأَطْمع أن تكونوا رُبُع أهل الجنة)) فسُرُّ الصحابة رضي الله عنهم وكَبَّروا الله وحَمِدوه، فجاءت بشارةً ١ - وقولُ كعب الأحبارِ إنهم من ولد آدم من غير حواء: ردّه ابن كثير في ((تفسيره)) أواخر تفسير سورة الكهف، واستغربَ من النووي - رحمهما الله - حكايتَه في ((شرح مسلم)) ٣: ٩٨ دون أن يتعقّبه. وهو الصواب، وتأويلُ الحافظِ له في ((الفتح)» ١٣ : ١٠٦: فيه تكلّف، ولا يعرف هذا عن غير كعب. وكلامُ النووي في ((فتاويه)) ص ١٨٣ سليم لا شيء فيه، ونقلُ الحافظِ عنه في (الفتح)) ١٣: ١٠٧: فيه عكسٌ وقلب له، كأن في نسخةِ الحافظ من ((الفتاوى)) خللاً، أو أنّه یکتب من ذاكرته؟. ٣١٨ فحمِدنا الله وكُبِّرنا، ثم قال: والذي نفسي بيده إني لأطمعُ أن تكونوا ثُلُثَ أهل الجنة، فحمدنا الله وكبّرنا، ثم قال: والذي نفسي بيده إني لأطمعُ أن تكونوا شَطْرَ أهل الجنة. إن مَثَلَكم في الأمم كمثل الشعْرة أعلى منها مع القَسَم أيضاً: ((إني لأطمع أن تكونوا ثلثَ أهل الجنة)) فحمدوا الله وكبروه، ثم البشارة العظمى: ((إني لأطمع أن تكونوا شطر أهل الجنة)). وإن الله عز وجل أكرمُ من أن يُخَيِّب طمعَ حبيبه الأعظم المصطفىِ وَِّ، فهو طَمَع محقَّق، بفضل الله تعالى . وهل بعد النصف مطمع آخر؟ أقول: وردت روايات ضعيفة ذكرها الحافظ ابن حجر رحمه الله في ((الفتح)) ١١: ٣٨٧ تفيد بمجموعها القول بحصول الزيادة على نسبةٍ نصفٍ أهل الجنة لهذه الأمة المحمدية، كرامةً من الله تعالى لنبيها سيد الأنبياء والمرسلين صلَى الله عليه وعليهم وسلم أجمعين. وتَصلُ الزيادة إلى الثلثين. ويتأيد ذلك بحديثٍ: ((أهلُ الجنة عشرون ومائةُ صفٍّ، ثمانون منها من هذه الأمة، وأربعون من سائر الأمم)). رواه الترمذي ٧ : ٢٢٥ (٢٥٤٩) وغيره عن بُرَيدةً بن الحُصَيب مرفوعاً وقال: حديث حسن(١)، وورد بهذا اللفظ وبنحوه عن ابن مسعود عند أحمد ١: ٤٥٣، وهو حسن أيضاً، وعن ابن عباس عند الطبراني ١٠: ٣٤٨ (١٠٦٨٢)، وعن معاوية بن حَيْدَة القُشَيريِّ عند الطبراني أيضاً. وهاهنا فائدة. إن النزولَ عندما يَقْسِمه الله تعالى ويهيِّؤه لعباده، والرضا به، والاعترافَ لله تعالى بالفضل فيه، فينتج عنه حمدُه وشُكْرُه: إن هذا الموقفَ من العباد يَستنزل من الله خيرَه وبركته. وهذا مستفادٌ من فعل الصحابة رضي الله عنهم، لما أخبرهم عليه الصلاة والسلام بأنهم ربعُ أهل الجنة: رَضُوا بهذا الفضل الإِلّهي والعطاء الجزيل، فكَبَّروا الله وحمِدوه على منّته، فأوحى الله تعالى إلى نبيِّه وحبيبه، أن يبشِّرهم بالزيادة، ١ - ولم يصححه، كما نقله عنه ابن حجر في ((الفتح)) ١١: ٣٨٨ !. ٣١٩ البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالرَّقْمَة في ذراع الحمار)). فبشّرهم أنهم ثلثُ أهل الجنة، فزادوا على شكرهم شكراً، فزادهم الله فضلاً على فضل. فعلى المسلم أن يكون مع الله تعالى دائماً بالحمد والشكر على ما يُوليه من نِعَم، فإنه هو المنعم المتفضِّل، وإلا فأيُّ حقّ له عليه !!. ٣٢٠ ٨١ - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبيَّ وَلِّ قال: ((إن عبداً أصابَ ذنباً - وربما قال: أُذْنَبَ ذنباً - فقال: ربِّ أذنبتُ ذنباً - ٨١ - تخريجه: رواه البخاري في كتاب التوحيد - باب ﴿يريدون أن يبدِّلوا كلام الله﴾ ١٣ : ٤٦٦ (٧٥٠٧). ومسلم في كتاب التوبة - باب قبول التوبة من الذنوب ٤: ٢١١٢ (٢٩) وشرح النووي ١٧ : ٧٥. معناه: في هذا الحديث الشريف دلالةً على عظيم فضل الله تعالى على عباده، من وجه آخر، فليست التوبة لمن أذنب وتاب مرة واحدة، إنما الله يتوب على من تاب إليه ولو بعد عودته إلى الذنب مرات ومرات، فكلما أحدث ذنباً أحدث توبة، وكلما عاد إلى الذنب نفسه أو غيره جدَّد التوبة - بشروطها - فإن الله من فضله ورأفته بعباده يقبل منهم هذا العود والتكرار لها. قال في ((الفتح)) ١٣: ٤٧١: ((قال القرطبي في ((المُفْهم)): يدلُّ هذا الحديث على عظيم فائدة الاستغفار، وعلى عظيم فضل الله وسَعَة رحمته وحلمه وكرمه، لكن هذا الاستغفار هو الذي ثبت معناه في القلب مقارِناً للسان، لينحلَّ به عَقْد الإِصرار - على الذنب - ويحصُلَ معه الندم، فهو ترجمة للتوبة. ويشهد له حديث ((خيارُكم كل مُفْتَنِ تَوَّاب))(١). ومعناه: الذي يتكرر منه الذنب والتوبة، فكلما وقع ١ - سيعزوه الحافظ بعد أسطر إلى ((الفردوس)) للديلمي ٢: ١٧٣ (٢٨٦٢)، ورواه البيهقي في ((شُعَب الإِيمان)) كلاهما عن علي رضي الله عنه، وفيه راو مجهول، وفي ((المسند)) ٣: ٨٠، ١٠٣ من زوائد عبد الله، عن عليّ مرفوعاً: ((إن الله يحب العبد المؤمن المفتن التواب)) وعزاه الهيثمي في ((المجمع)) ١٠: ٢٠٠ إلى أبي يعلى أيضاً وقال: ((فيه من لم أعرفه))، وفي ((الحِلْية)) ٣: ٢١١ عن ابن عباس مرفوعاً: ((إن المؤمن خُلِقٍ مُفْتناً تواباً نَسِيّاً إذا ذُكِّر ذَكَر)) وفيه عتبة بن يقظان ضعيف. انظر ((شرح الإحياء)) ٨: ٥٩٥. ويمكن بهذه الروايات تحسين الحدیث. ومعنى المفتن: العبد الممتحن، يمتحنه الله تعالى بالذنب، ثم يتوب، ثم يعود ثم يتوب، =