Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
٠٠
وهذان أمران لا ينفكّان: ربٌّ معبود، وعبدٌ مربوب، فالذي يتحقّق أنه عبد
مربوب يعلمُ ويتذكّر أن له رباً معبوداً، فَيَلْهجُ بذكره على قدر تحقّقه من هذه
العبودية. ولا سيما عند الشدائد، تراه يَفْزَع إلى ربه فيذكره بوجهٍ من وجوه الذكر،
فلا تشغلُه شدّة ولا رخاء عن ذكر مولاه عز وجل.
وتأمِّلْ قِوله ((قِرْنَه))! فإنه و﴿ لم يقل: عدوّه - مَثَلاً -، فقد يكون المقابلُ له،
المقاتِلُ له، أَضعفَ منه، وهو واثقٌ من غلبته له، فذكْره لربه حينئذ ذكرُ المطمئنُ
الواثق من قوته وغلبته على عدوّه.
أما إذا كان قِرناً له مكافئاً مماثلاً، فهو مضطربُ النفس خائفٌ من تغلُّب عدوّه
عليه، فذكره الله تعالى في تلك الساعة أعلى مقاماً، وأجلُ قدراً، وأدلَّ على تحققه
بالعبودية، وأجلُّ من هذا وذاك: ذكرُه الله تعالى أمامَ عدوٍ أقوى منه، فبذكره الله
يستمدُّ العونَ والنصر منه.
وهذا الحديثُ القدسيُّ الشريف من بابةِ الآية الكريمة: ﴿ يا أيها الذين آمنوا
إذا لقيتُم فِئةً فاثْبُتُوا، واذكروا الله كثيراً لعلكم تُفْلِحون﴾. فرتَّبِ الله عز وجلِ الفلاح
في الجهاد على أمرين: على الثبات أمامَ العدوِّ، وعلى ذكره جلَّ شأنُه ذكراً كثيراً،
ولم تقتصر الآية الكريمة على مجرَّد ذكر الله تعالى، بل أُمَرَتْ بالذكْر الكثير! وفّقنا
الله لذلك.

٢٦٢
٦٢ - عن الأغرِّ أبي مسلم قال: أشهد على أبي سعيد وأبي
هريرة، أنهما شهدا على النبي ◌َّل أنه قال: ((من قال: لا إله إلا الله والله
أكبر: صدَّقه ربُّه فقال: لا إله إلا أنا وأنا أكبر. وإذا قال: لا إله إلا الله
وحده: قال: يقول الله: لا إلّه إلا أنا وحدي. وإذا قال: لا إله إلا الله
وحده لا شريك له: قال الله: لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي. وإذا
قال: لا إله إلا الله، له الملك وله الحمد: قال الله: لا إله إلا أنا، ليَ
الملك ولي الحمد. وإذا قال: لا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله:
قال: لا إله إلا أنا، ولا حول ولا قوة إلا بي.
٦٢ - تخريجه: رواه الترمذي في كتاب الدعوات - باب ما يقول العبد إذا
مرض ٩: ١٢٨ (٣٤٢٦) وقال: حسن غريب، واللفظ له. ورواه النسائي في ((عمل
اليوم والليلة)) (٣٠) وابن ماجه في كتاب الأدب - باب فضل لا إله إلا الله ٢ :
١٢٤٦ (٣٧٩٤) بنحوه.
معناه: هذا الحديث جامعٌ لعدد من صِيَغ الأذكار التي تكون سبباً للنجاة من
- النار لمن وُفِّق لقولها.
وفيها جملةٌ واحدة مشتركة بين الجميع هي ((لا إلَه إلا الله)) التي هي أفضل
الذكر، كما قال ◌َّ#: ((أفضل الذكر: لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء: الحمد لله))
رواه الترمذي ٩: ٩٨ (٣٣٨٠) وقال: حسن غريب، ورواه ابن ماجه ٢: ١٢٤٨
(٣٨٠٠) وابن حبان ٣: ١٢٦ (٨٤٦) والحاكم ١ : ٤٩٨، ٥٠٣، وصححه، ووافقه
الذهبي .
والصيغ الأخرى فيها زيادات إما مؤكّدة للتوحيد، مثل: ((وحده)) ((لا شريك
له)). وإما زيادات فيها معنى جديد، مثل: ((والله أكبر)) ((له الملك وله الحمد)) ((ولا
حول ولا قوة إلا بالله)).

٢٦٣
وكان يقول: ((من قالها في مرضه ثم مات: لم تَطْعَمْه النارُ)).
والجملتان الأوليان فيهما: تعظيمُ الله تعالى: بالتكبير وإثباتُ الملك له،
والثناء عليه: بالتحميد. ومن الثناء عليه تعظيمه، سبحانه وتعالى، فيكون الجامعُ
لهما: الثناء على الله.
وأما الجملة الثالثة: ففيها غاية التفويض لله والاستسلام إليه، وذلك أن قائلها
ينفي عن كل أحد من مخلوقات الله تعالى: من إنس وجن وملائكة، أنْ يكون لأحد
منهم حركة يتحرك بها من قِبَل نفسه، أو قوةٌ يَقْوَى بها على فعلِ شيءٍ ما، إلا بإذن
الله ومشيئته، وبقوةٍ وقدرة من عنده يَمُدُّك بها .
فأيُّ معنىً إيمانيٍّ عظيم تَحمِله هذه الجملة: لا حركة لأحد، ولا قوة لأحد،
إلا بعون الله وإرادته وقدرته، تستمنحه إياها، فيمنحك، ولهذا كانت هذه الجملة
الواحدة كنزاً من كنوز العرش، كما جاءت بذلك عدة أحاديث.
ومما يُستفاد من هذا الحديث: ضرورةُ انتظار العبد الذاكر الله بهذه الأذكار
كأنه يستمع إلى تصديق الله له: صَدَق عبدي: لا إله إلا أنا، وأنا أكبر. لا إله إلا أنا
وحدي ... وهكذا، فالعبد يقول، والله يصدِّقه ويكرِّر قولَ عبده، فما أطيّها من
مناجاة ومحاورة ! .

٢٦٤
٦٣ - عن أبي هريرةَ رضي الله عنه، أنه سَمِع النبيِّ ◌َلّ يقول:
((من قال: سُبْحانَ الله، والحمدُ لله، ولا إله إلا الله، والله أكبرُ، ولا حَوْلَ
٦٣ - تخريجه: رواه الحاكم في ((المستدرك)) ١: ٥٠٢ وقال: صحيح الإسناد
ولم يخرجاه، وقال الذهبي في ((تلخيصه)): صحيح، سمِعه الوليدُ بن مسلم - أحدُ
رواته - منه، أي: من شيخه إبراهيم بن عثمان بن عبدالله بن مَوْهَب. ونقله
المنذري في ((الترغيب)) ٢: ٤٣٥ ونقل كلام الحاكم وسكت عليه فلم يتعقّبه
بشيء.
معناه: هذا الحديث جامع لأشهر صِيغٍ ذكر الله تعالى، وفي فضيلةِ كلِّ جملة
على حِدَة، أو مقترنة بأخرى: أحاديثُ كثيرةٌ، تجدها في ((الترغيب)) للمنذري ٢ :
٤١٢ - ٤٤٦، وفي ((مجمع الزوائد)) ١٠: ٨١ - ٩٩.
ومعنى: سبحان الله: تنزيه الله، أي: أُنْزِّه الله عز وجل عن كل نقص وشَيْنٍ،
وَصَفَه به مَن كَفَر من السابقين واللاحقين، وعن كلِّ ما لا يليق بجلاله مما يخطر
بالبال أو يتوهّمه الخيال، فهو الله المقدَّس المُبَرَّأ من كل عيب.
والحمد لله: فيه إثبات الكمال لله، لأنه يُحْمَد على كمالاته.
فيكون - حينئذ - التسبيح والتحميد كلمتين جامعتين لصفات الله عز وجل على
وجه العموم والإِجمال: تنزيه عن النقائص، وإثباتٍ للمحامد. ولذلك نجدهما
مقترنين معاً في كثير من النصوص.
أما: لا إله إلا الله: فنفيّ لجنسِ ما يُتَصوَّر أن يُعبد سوى الله عز وجل: لا
معبود بحق إلا الله، ولا موجود بحق وجوداً ذاتياً إلا الله.
والله أكبر من كل كبير، وأعظمُ من كل عظيم، وأجلُّ من أن تُدركَ لذاته
حقيقةٌ، أو لصفاته كُنْهُ، فلذلك استحقَّ الإِفراد بالعبادة له.

٢٦٥
ولا قُوَّةَ إلا بالله: قال الله: أَسْلَمَ عبدي واسْتَسْلَمَ)).
ولا حَوْل ولا قوة إلا بالله: قال في ((النهاية)) ١: ٤٦٢: ((يقال: حال الشخص
يحول: إذا تحرك، المعنى: لا حركة ولا قوة إلا بمشيئة الله تعالى)).
فالحول إذاً: الحركة. والمعنى: لا حركة لأحد من خلق الله، في شأن من
شئونه من خير أو شر، أو نفع أو ضر، إلا بإذن الله ومشيئته، وكذلك لا قدرة له على
شيء مما ذُكر إلا بالله : بتوفيقه أو خذلانه.
فإذا استشعر العبد من نفسه فاعترف بهذه الحقيقة وتحقَّق بها: فقد حظي بكنز
من كنوز العرش، كما جاء في أحاديث كثيرة أنَّ: لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من
كنوز العرش، ومن كنوز الجنة، ومن تحت العرش من كنز الجنة.
وهذا العبد الذي يذكر الله تعالى بهذه المحامد: يأتيه الجواب من الله تعالى،
وفيه بيان المقام الذي ارتقى إليه العبد: ((أسلم عبدي واستسلم)).
والاستسلامُ أبلغُ من الإِسلام، لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، كما
قرره أهل العربية .
فالإِسلام: هو الانقياد لرب العالمين، وقد انقاد إليه وخَضَع له حينما أقرَّ له
بصفات الكمال (الحمد لله) ونزَّهه عنْ أَيِّ نقيصة (سبحان الله) ورَفَضَ وجودَ أَيِّ
معبود سواه فأقرَّ له بالوحدانية (لا إله إلا الله) واعتقد أنه أعظم من أي عظيم وأكبر
من كل كبير (الله أكبر).
فمن البَدَهيّ أن ينتج عن هذا: الاستسلامُ الكامل، والتفويضُ التام،
والخروج والبراءة من كل حَوْل له إلى حول الله، ومن كل قوة له إلى قوة الله العلي
العظيم (لا حول ولا قوة إلا بالله) وهذا هو الاستسلام.
فالإِسلام: بالصيغ الأربع الأولى، والاستسلام: بالصيغة الخامسة الأخيرة.
والله أعلم.
ومما ينَّه إليه في آخر الحديث عن ((لا حول ولا قوة إلا بالله)): أن كثيراً من
العوام يتلفظون بها تَلَفَّظاً مختصراً مُخِلَّ إخلالاً قبيحاً فيقولون: لا حول لله. ولا
يريدُ هذا المعنى أحدٌ من المسلمين، إذ المعنى كفر، وتصحيحُ التلفّظ واجبٌ،
فَلْيُتَنَّه له، وَلْيُنَّه إليه.

٢٦٦
٦٤ - عن أبي طلحةَ الأنصاريِّ رضي الله عنه، أن رسول الله وَه
جاء ذاتَ يومٍ والبُشْرى في وجهه، فقلنا: إنا لَنَرى البشرى في وجهك!
فقال: ((إنه أتاني الملَكُ فقال: يا محمد إن ربك يقول: أَمَا يُرْضيك أنه لا
يصلِّي عليك أحدٌ إلا صلَّيتُ عليه عشراً، ولا يُسَلِّمُ عليك أحدٌ إلا
سلّمتُ عليه عشراً؟ قال: بلى)).
٦٤ - تخريجه: رواه النسائي في كتاب الصلاة - باب: فضل التسليم على
النبي صل ٣: ٤٤، وأحمد ٤: ٣٠ في موضعين، والجملة الأخيرة من الحديث
((قال: بلى)) من الموضع الثاني، وعند ابن حبان ٣: ١٩٦ (٩١٥): ((بلى أيْ ربِّ)).
معناه: إن الله تعالى وَعَد نبيّه سيدَنا محمداً بَّةِ وَعْداً عاماً عظيمَ المَنْقَبَة بقوله
جلَّ شأنه: ﴿وَلَسَوفَ يُعْطِيكِ رِبُّكَ فَتَرْضَى﴾. وظهر هذا الوعد في مواقف شتى،
ومن ذلك: مقابلةُ الله عز وجل بالثواب العظيم، لمن يصلّي ويسلّم على النبي
الكريم، عليه أفضلُ الصلاةِ وأتمُّ التسليم، ولما عَلِم النبيُّ عليه الصلاة والسلام
بهذا الثواب سُرَّ واستنار وجهُه، وظهر البِشْرُ عليه، وانطلقتْ أساريره.
ورُوي نحوُ هذا الحديث عن عدد من الصحابة، وفيه أنه وَُّ سجد لله عز
وجل شكراً.
ففي ((المسند)) ١: ١٩١ عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: خرج
النبي ◌َ﴿، فتوجَّه نحو صَدَقته، فدخل فاستقبل القبلة، فخرَّ ساجداً، فأطال السجودَ
حتى ظننتُ أن الله عز وجل قبضَ نَفْسَه فيها، فدنوتُ منه، فجلستُ، فرفع رأسه
فقال: ((مَن هذا؟)) قلت: عبد الرحمن. قال: ((ما شأنُكَ؟)) قلت: يا رسول الله
سجدتَ سجدةً خشيتُ أن يكون الله عز وجل قد قبض نفسَك فيها! فقال: ((إن

٢٦٧
٠٠
جبريل عليه السلام أتاني فبشّرني فقال: ((إن الله عز وجل يقول: من صلَّى عليك
صلَّيتُ عليه، ومن سلَّم عليك سلَّمتُ عليه، فسجدتُ لله عز وجل شكراً))(١). وهذا
حديث قدسي .
وفي رواية أبي يعلى ١: ٣٨٨ (٨٤٣) أن ذلك كان في بستان من بساتين
الأسْواف - بالفاء - وهو موضع بالمدينة المنورة عند المسجد المشهور فيها باسم:
مسجد أبي ذر، ويتحرَّف في كثير من المطبوعات إلى: الأسواق - بالقاف - فليصحح.
ثم إن في هذا الحديث مقابلةَ صلاةِ الله لصلاةِ عبدِه بعشرِ صلوات، والسلامُ
كذلك. وفي ذلك أحاديث أخرى كثيرة.
وجاء في أحاديثَ أخرى زيادةُ فضيلةٍ واجٍ .
ففي ((المسند)) ٣: ١٠٢، ٢٦١، وابن حبان ٣: ١٨٦ (٩٠٤) عن أنس بن
مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَطاهر: ((من صلى عليَّ صلاة واحدة صلى اللّه
عليه عشر صلوات، وحَطَّ عنه عشر خطيئات)).
وزاد في رواية للنسائي - كما في ((الترغيب)) ٢: ٤٩٤، ويريد ((سننه الكبرى))
- عن أنسٍ نفسِه، ولفظُها: (( .. صلَّى الله عليه عشر صلوات، وحَطّ عنه بها عشر
سیئات، ورَفَعه بها عشر درجات)».
وفي حديث أبي بُردةً بن نِيَارٍ رضي الله عنه زيادة: ((وكتب له بها عشر
حسنات)). رواها الطبراني، وأصلُ الحديث رواه البزار ورجاله ثقات، كما في
(المجمع)) ١٠ : ١٦٢.
فهذا أربعةُ أمور: عشرُ صلواتٍ من الله تعالى، ورفعُ عشرِ درجات، وکَتْبُ
عشر حسنات، وحطّ عشر سيئات.
وجاء أَثَر في عدد الصلوات فيه زيادةٌ على العشر.
فروى أحمد في ((المسند)) ٢: ١٧٢، ١٨٧ عن عبدالله بن عمرو بن العاص
١ - قال الهيثمي ٢: ٢٨٧: ((رجاله ثقات)) وانظر فيه الأحاديث الأخرى.

٢٦٨
٠٠
رضي الله عنهما من قوله موقوفاً عليه: من صلَّى على رسول الله وَ﴿ صلاةٌ صلى الله
عليه وملائكتُه سبعين صلاةٌ، فَلْيُقِلَّ عبدٌ من ذلك أو لِيُكْثِرْ.
وهذا مما لا يُقال بالرأي، وموضوعُه ليس مما له صلةٌ بالكتب السماوية
الأخرى التي كان عبدالله بن عمرو يقرأ فيها.
فصلى الله عليه وعلى آله وسلَّم أفضلَ ما صلَّى على نبي من أنبيائه، إلى يوم
الدين، عددَ خَلْقِهِ ورضاءَ نفسِه وزِنَةَ عرشه، ومداد كلماته.
ثم ما معنى الصلاة، والسلامِ عليه، ﴿﴿؟.
أما الصلاة: فإنها تكون من الله عز وجل، ومن الملائكة الكرام عليهم الصلاة
والسلام، ومن المؤمنين.
وقد اشتهر عن سيدنا عبدالله بن عباس رضي الله عنهما أن الصلاة من الله
تعالى رحمة، ومن الملائكة استغفار، ومن العباد دعاء.
فحينما نقول: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، نكون قد دَعَوْنا الله
أن يَرْحَم محمداً ◌َله وأن يرحَم آله، لأن الصلاة من الله رحمة.
وإن في مقابل صلاتنا عليه صلاةَ الله علينا عشر صلوات، أي: أن الله
يَرْحَمُنا عشر رَحَمات، لأن الصلاة من الله رحمة.
ويُشْكِل على هذا التفسير قولُ الله تعالى عن الصابرين: ﴿أولئك عليهم
صَلَوَاتٌ من ربهم ورحمة﴾ فَعَطَّفَ الرحمةَ على الصلوات، والعطفُ يقتضي
المغايرةَ بين المعطوفِ والمعطوفِ عليه.
وأجيبَ عن الإِشكال بأن الصلواتِ رَحَمَاتٌ خاصة، أي: نوعٌ خاصٍّ من
الرحمة، فيكون العطف في الآية من باب عطفِ العامِّ على الخاص، فهو من
التغاير الجزئي لا الكلي .
وعلى هذا فالصلاةُ من الله تعالى رحمةٌ خاصة يُنْزِلها على نبيِّهِوَ﴿ تَليق
بمقامه، ورحمةٌ خاصة يُنزلها على المصلِّين على نبيِّهِ وَهَ تَلَيق بمقام كلِّ مصلٍّ.

٢٦٩
.
والرحمةُ تقتضي كلُّ خيرٍ وإحسان من الراحم للمرحوم، ودفعَ كلِّ شرِّ وضُرِّ.
وقد عدَّد ابن الأثير رحمه الله في (النهاية)) ٣: ٥٠ بعضَ وجوه هذه الرحمة
بالنسبة للنبي # فقال: ((أما قولُنا ((اللهم صل على محمد)): فمعناه: عظّمْه في الدنيا
بإعلاء ذِكْره، وإظهار دعوته، وإبقاءٍ شريعته، وفي الآخرة بتشفيعه في أمَّته،
وتضعیف أجره ومثوبته)».
وأما رحمته تعالى للمصلِّينِ على النبيِ ﴿ من المؤمنين فآثارُها ذَكَرَها الله
تعالى في قوله: ﴿هُو الذي يُصَلِّي عليكُم وملائكتُهُ لِيُخْرِجَكُم من الظلماتِ إلى
النور، وكان بالمؤمنين رحيماً ﴾.
فمما يَستفيده المؤمنُ إذا صلَّى على رسول الله ﴿ أن الله تعالى يُخْرِجه من
الظلمات إلى النور: من ظلمات شُبَه الكفرِ إلى نور حقائق الإِيمان، ومن ظلماتٍ
المعاصي والآثام إلى نور الطاعات والمَبَرَّات، ومن ظلمات الجهل إلى نور العلم، ومن
ظلمات الشكُّ إلى نور اليقين، ومن ظلمات الهموم والكُرُبات إلى نور السرور
والفَرَج، وهكذا ....
روى الترمذي في «سننه» ٧: ١٦٤ (٢٤٥٩) وقال: حسن صحيح، عن أبي
ابن كعب رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﴿ إذا ذَهَبَ ثُلُثا الليل قام فقال: ((يا
أيها الناسُ اذكروا الله، اذكروا الله، جاءت الراجفةُ تَتْبَعُها الرادِفة، جاء الموتُ بما
فیه، جاء الموت بما فيه)).
قال أُبِيُّ: قلت: يا رسول الله إني أَكْثِرُ الصلاةَ، فكم أجعلُ لك من
صلاتي(١)؟.
فقال - رَلز -: ((ما شئتَ)).
قال: قلت: الرُّبُعَ؟ قال: (ما شئتَ، وإن زِدْتَ فهو خيرٌ لك)).
قلت: النصفَ؟ قال: ((ما شئتَ وإن زدت فهو خير لك)».
١ - قال الحافظ المنذري في ((ترغيبه)) ٢: ٥٠١: ((معناه: أُكْثِر الدعاءَ، فكم أجعلُ لك من دعائي
صلاةٌ عليك)).

٢٧٠
قلت: فالثلثين؟ قال: ((ما شئت وإن زدت فهو خير لك)).
قلت: أجعلُ لك صلاتي كلَّها؟ قال: ((إذاً تُكْفَى همِّك، ويُغْفرَ لك ذَنْبُك)).
أما صلاةُ الملائكة على النبي ◌َّر: ففي ((صحيح البخاري)) عند تفسير هذه
الآية ٨: ٥٣٢ عن أبي العالية: ((صلاةُ الملائكةِ: الدعاءُ، قال ابن عباس:
يُصَلُّون: يبرِّكون)). قال الحافظ في ((شرحه)): ((بيرِّكون على النبي أي: يدعون له
بالبركة. فيوافق قولَ أبي العالية، لكنه أخصُّ منه)). أي: فسَّر أبو العالية صلاتَهم
بالدعاء مطلقاً، وقيَّده ابن عباس بدعاء معيّن هو الدعاء بالبركة. فلا تنافي بينهما.
والبركة لها معنيان: الثبوت والدوام، والزيادة والنَّماء، فيكون دعاء الملائكة
بالبركة أي: بدوام ما أكرمَ الله تعالى به النبيَّ الكريم صلوات الله وسلامه عليه،
وبزيادته ونمائه.
ولا ريب أن صلاة الملائكة عليه وَله هي لهم صلاةُ تشريف، لا صلاة
تكليف، فهم يتشرَّفون بالصلاة على النبي ◌َّيهِ، وليسوا من أهل عالم التكليف،
لیکلّفوا بها.
أما صلاتهم على المؤمنين الذين يصلُّون على النبي ◌َّ: فهي دعاؤهم لهم
واستغفارهم.
قال ابن كثير رحمه الله في ((تفسيره)) الآية: ﴿هو الذي يصلِّي عليكم
وملائكته﴾ ٣: ٤٩٦: ((وأما الصلاة من الملائكة فبمعنى الدعاء للناس والاستغفار،
كقوله تبارك وتعالى: ﴿الذين يَحْملون العرشَ ومَنْ حولَه یُسبِّحون بحمد ربهم،
ويؤمنون به، ويستغفرون للذين آمنوا، ربَّنا وَسِعْتَ كلِّ شيءٍ رحمةً وعلماً، فاغْفِرْ
للذين تابوا واتّبَعوا سبيلَك وَقِهِمْ عذاب الجحيم، وأُدْخِلْهِمْ جنَّاتِ عدنٍ التي وَعَدتَهم
ومَن صَلَح مِن آبائهم وأزواجهم وذرِّيَّاتِهم، إنك أنت العزيز الحكيم. وَقِهِمُ
السيئات ... ) الآية)).
ثم إن الله تعالى أمرنا بالصلاة على النبي ◌َله بقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا
صلُّوا عليه وسلِّموا تسليماً﴾ ولما سُئِل ◌َّهَ: أَمَرَنا الله أن نُصلي عليك يا رسول
الله، فكيف نُصلِّي عليك؟ قال: ((قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل

٢٧١
.
محمد .. )) كما في صحيح مسلم ٤: ١٢٤ من حديث أبي مسعود الأنصاري.
وهنا يَسبق إلى الذهن إشكال: كيف يأمرُنا الله عز وجل بالصلاة على رسوله
وَ* ثم يأتينا الأمر بأنْ نقولَ: اللهم صل على محمد، فنحيل على الله تعالى الصلاةَ
على النبي ◌َ﴾؟
والجواب: ما قاله ابن الأثيرِ رحمه الله في ((النهاية)) ٣: ٥٠: ((لما أَمَرَ الله
سبحانه بالصلاة عليه - وَ﴿ - ولم نَبْلُغْ قَدْرَ الواجب من ذلك: أَحَلْناه على الله وقلنا:
اللهم صل، أنت على محمد، لأنك أعلمُ بما يَلَيق به)).
هذا كله يتعلَّق بالصلاة.
أما السلام: فقد أطال العلامة الآلوسي رحمه الله في تفسيره ((روح المعاني))
٢٢: ٧٩ الكلام عليه عند قوله تعالى: ﴿وسلموا تسليماً﴾.
وحاصلُ كلامه وخلاصتُه: ١ - أن السلام مصدر بمعنى السلامة، أي: ادعوا الله
تعالى أن يُسلِّم نبيَّه تسليماً تاماً من النقائص والأفات. ورجَّحه.
٢ - أن السلام اسم من أسماء الله تعالى، فهو مداومٌ على حفظك ورعايتك
ومُتَوَلِّ لك وكفيلٌ بك. وهذا متكلَّف بالنسبة للآية الكريمة، وقريبٌ لقولنا في
التشهد: السلام عليك أيُّها النبيُّ ورحمة الله وبركاته.
٣ - ﴿وسَلِّموا تسليماً﴾ أي: انقادوا له انقياداً، ويكون المعنى أيضاً في قولنا
((صلى اللّه عليه وسلم)) أي: سلَّم له العبادُ وانقادوا له ولشريعته. فهو إنشاء ودعاء
بلفظ الخبر.
وهذا التأويلُ يميلُ إليه من أجاز إفرادَ الصلاة على النبي ◌َلاغير، دون كراهة،
فلا يكره قولنا - مثلاً -: قال رسول الله عليه السلام، أو: اللهم صلّ على محمد،
دون ذكر للسلام مع الصلاة، والمشهورُ عند المحدثين كراهةُ ذلك.
ومن الغريب قول بعض المفسرين في تفسير ﴿وسلِّموا تسليماً﴾: أي حيُّوه
بتحية الإسلام.

٢٧٢
٦٥ - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ويلفه: ((إن
٦٥ - تخريجه: رواه البخاري في مواضع، منها: كتاب الأدب - باب من
وصل وصله الله ١٠ : ٤١٧ (٥٩٨٧)، ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب ٤:
١٩٨٠ (١٦) و١٦: ١١٣ واللفظ له.
غريبه: الرَّحِم: أصلُ معناها: محلُّ احتواءِ الجنين في بطن أمه، ثم أُطْلِق
على القرابة، وهو المراد هنا، وهي أمر معنويَّ لا حسِّيٍّ.
فَرَغ منهم: الفراغ يلزم منه الانشغال، والله تعالى منزه عن أن يشغله أمر عن
أمر، لذلك فسَّروا الفراغ بالإِتمام. أي: أتمَّ الله خلق الخلائق. قال القرطبي في
((التذكرة)) ص ٤١١: ((معناه: تمَّم عليهم حسابهم وفَصَل بينهم، لأنه لا يَشْغَلُه شأن
عن شأن، سبحانه وتعالى)).
العائذ: المستجير.
معناه: هذا الحديث الشريف فيه تطييبٌ من الله الرحمن الرحيم لخاطر
الرَّحِم، وفيه ترغيب وترهيب للناس.
وذلك: لما خلق الله عز وجل مخلوقاتِه بتقديره لها علماً، أو بإظهاره لها إلى
حيِّز الوجود، قامت الرَّحِم وتكلَّمت واستعادت بالله تعالى من القطيعة.
.. وقيامُها وكلامُها على سبيل الحقيقة لا المجاز، عند بعضهم، وعلى سبيل
المجاز عند آخرين. والمعروف في كثير من النصوص الشرعية: القرآنية والنبوية،
أن المعنويات والجمادات تتمثَّل وتتكّلُّم، وهي لكثرتها لا تدخل تحت الحصر.
قال الإِمام أبو محمد بن أبي جمرة رحمه الله تعالى في كتابه ((بهجة النفوس
وتَحَلِّيها)) ٤: ١٤٧: ((هل كلامُ الرحم للحقُّ جل جلاله بلسان المقال أو بلسان
الحال؟ وإن كان بلسان المقال: هل كان ذلك بعد ما جَعَلها في جوهر - یرید:
تمثّلتْ وتشكّلتْ ـ ووضع فيها الحياة والعقل، أو هي على حالها؟.

٢٧٣
الله خَلَقِ الخَلْقَ حتى إذا فَرَغ منهم قامت الرَّحِم فقالتْ: هذا مَقَامُ العائدِ
من القطيعة، قال: نعم، أُمَا تَرْضَيْنَ أن أُصِلَ من وصلكِ، وأقطعَ من
((الكلام على هذا مثلُ كلام العلماء على كلام الجمادات، وهي على ثلاثة
وجوه، لأن منهم من قال: إنَّ كلام الجماد بلسان حاله: ما أظهره الله فيه من أثر
قدرته، ومنهم من قال: إنه خلق لهم حياة وعقلاً، وحينئذ تكلموا، ومنهم من قال:
إنهم تكلَّموا وهم على حالهم. وهو الأظهر، وإن كانت القدرة صالحةً للوجوه
الثلاثة .
لكن الوجهان فيهما تخصيصٌ لعموم لفظ القرآن والحديث بغير دليل شرعي،
وحصرٌ لقدرة القادر التي لا يَحصُرها شيء، لأن قدرته عز وجل صفةٌ من صفاته،
فکما ذاتُه الجليلةُ لا تنحصر بوجه من الوجوه، فکذلك کلّ صفاته لا تنحصر بوجه من
الوجوه، فكذلك كل صفاته لا تنحصر منها صفة من الصفات بوجه من الوجوه، لأن
الصفةَ لا تُفارق الموصوف)».
وممن حَمَله على المجاز: القاضي عياض، ومما قاله - كما في شرح النووي
على صحيح مسلم ١٦: ١١٢ -: ((ذِكْر قيامِها هنا وتعلَّقِها: ضربُ مَثَل وحسنُ
استعارة على عادة العرب في استعمال ذلك، والمرادُ تعظيمُ شأنها وفضيلةُ واصليها،
وعظيمُ إثم قاطعيها بعقوقهم .. ، ويجوز أن يكون المراد: قام مَلَك من الملائكة
وتعلَّق بالعرش وتكلّم على لسانها بهذا، بأمر الله تعالى)).
وأما قوله: ((أنْ أَصِلَ من وصلكِ .. )): ((فهو كناية عن عظم الإِحسان، فإن
أعظمَ ما يُعطي المحبوبُ لحبيبه الوصالُ، وهو القربُ منه ومساعدته في مرضاته،
وهذه الأمور في حقِّ مولانا سبحانه مستحيلة أن تكون على ما نَعرِف من صفات
المحدَث الفاني، بل هي كنايةٌ عن قدر الإِحسان منه لعبده وعظمه .. ، ومعنى:
أقطعَ من قَطَعَكِ: فهو كناية عن شدَّة الحرمان والعذاب، لأن القطع ضدُّ الوصل،
فكما عبّر عن عظم الأجر بالوصل، عبّر عن عظم البلاء بالقطع. أعاذنا الله من البلاء
بمنِّه)). قاله ابن أبي جمرة أيضاً.
والظاهر من قول الرحم: ((هذا مقام العائذ من القَطِيعة)): أنها تستجير بالله
خوفاً على نفسها أن يَقطعَها قاطع، وكلام عليَّ القاري رحمه الله تعالى يفيد أنها
تستجير خوفاً على قاطعِها أن يَقطعَها فيقعَ في غضب الله عز وجل.

٢٧٤
قطعكِ؟ قالت: بلى، قال: فذاكِ لكِ. ثم قال رسول الله وَّهِ: اقرؤوا إنْ
شئتم: ﴿فهل عَسَيْتُم إنْ تولَّيْتُم أن تُفْسِدوا في الأرض وتُقَطّعوا
قال في ((مرقاة المفاتيح)) ٩: ١٩٦: والمعنى: أن سببَ عِياني وباعثَ لِيَاذي
بذيل رحمتك التي وسعتْ كلِّ شيء أن يقطعَني أحد فيقعَ في غضبك وسخطك)».
وهذا دالّ على رأفة الرَّحِم المشتقّة من الرحمة، فهو ألطفُ وأقربُ. والله أعلم.
أما الرحم التي تُوصَل: فهي - على ما صوَّبه النووي ١٦: ١١٣ -: ((كلُّ
رحمٍ من ذوي الأرحام في الميراث، يَستوي فيه الرَّحِمُ المَحْرَم وغيرُه)). فيدخُل
أولاد الأعمامِ والأخوالِ في حكم الصِّلة، ولا تجوز قطيعتهم.
وما حكمُ صِلَةِ الرحم؟: ((قال القاضي عياض: ولا خلاف أن صلة الرحم
واجبةٌ في الجملة، وقطيعتُها معصيةً كبيرة، ولكن الصلة درجات، بعضُها أرفعُ من
بعض، وأدناها تركُ المُهَاجَرة، وصلتُها بالكلام ولو بالسلام، ويختلف ذلك باختلاف
القدرة والحاجة، فمنها واجبٌ، ومنها مستحبٌ، لو وُصل بعضَ الصلَة ولم يَصِلْ
غايتها: لا يسمَّى قاطعاً، ولو قصَّر عما يقدر عليه وينبغي له: لا يسمى واصلاً)).
فالأصلُ فِي صلة الرحم: الصلةُ الكاملةُ، ومن الطرفين، وفي حال الشغل
والحاجة تُقَدَّر ظُروفُ كلِّ واحد منهما، ويحاسَب ويؤاخذ عما نَقَص.
والأصلُ كذلك فيها: أن تكون على وَفْق شرع الله عز وجل، فإذا كانتْ صلتُه
للرحم تُوقِعُه في الإِثم: فلا، ودرءُ المفاسدِ مقدَّم على جلب المصالح، كمن يزور
عمه، فتُجالِسُهِ زوجةُ عمِّه وبناتُ عمِّه كاشفاتٍ عن رؤوسهن مع المصافحة والزينة
والسَّمَر أمام التِّلفاز، و ... ما وراء ذلك !!. وكلَّ واحدةٍ من هذه المنكرات يكفي
لإسقاط وجوب صلة الرحم عليه.
وليستْ صلةُ الرحمِ بالزيارة فقط، بل تكونُ الصلةُ بوجوهٍ، يُقَدَّر فيها حاجة
الموصول.
قال الإِمام ابن أبي جمرة رحمه الله تعالى ٤: ١٤٦: ((وأما كيفيةُ الوصل
للرحم: فهو على ضروب مختلفة، منه ما يكونُ ببذل المال، ومنه ما يكون ببذل
العَوْن على ما يحتاجون إليه - أعني أهلَ رحمه - ومنه ما يكونُ بالزيارة لهم، ومنه ما
يكون بالدعاء لهم، ومنه ما يكون بإكرامهم والبشاشة لهم، ومنه ما يكونُ بدفع

٢٧٥
أرحامكم. أولئك الذين لعنهم الله فأُصَمَّهم وأعمى أبصارهم. أفلا
يتدبَّرون القرآنَ أم على قلوبٍ أقفالُها))).
المضارِّ عنهم. والمعنى الجامعُ له: إيصالُ ما أمكنه من الخير إليهم على قدر
طاعتك، بنية القربة إلى الله تعالى.
((إلا أن ذلك بشروط ذكرها العلماء، وهي أن يكون على الاستقامة، وإلا
فمقاطعتُهم من أجلِ الله هو إيصالٌ لهم، بشرط أن تبذل جُهدك في وعظهم
وزَجْرهم والإنكار عليهم، لأنه إذا قيل لك في الأجنبي الذي هو أخوك في الإِسلام
((نصره ظالماً أو مظلوماً) - وهو ردُّه عن الظلم - فالأقربُ من باب أولى، فبعد ذلك
يكونُ الهِجْران لهم، وتُعْلِمُهم أن هِجْرانك لهم إنما هو من أجل تخلّفهم عن
الحق، فإذا استقاموا وَصَلْتَهم قَدْر طاقتك في ذلك.
((لكنْ يَبقى عليك من صلّتهم عند المقاطعة الدعاء لهم بظهر الغيب: أنْ
يُصلح الله حالهم ويُجیرهم بفضله)).
فانظر يا أخي ذوقَ الإِسلام ورحمته! وقل: الحمد لله على دين الإِسلام.

٢٧٦
٦٦ - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: ((إن
الله إذا أحبَّ عبداً
٦٦ - تخريجه: رواه مسلم في كتاب البر والصِّلَة - باب إذا أحب الله عبداً
حيِّيه إلى عباده ٤: ٢٠٣٠ (١٥٧)، وشرح النووي ١٦: ١٨٣. ورواه البخاري في
ثلاثة مواضع مقتصراً على الجملة الأولى منه فقط التي فيها المحبة: في بدء الخلق
- باب ذكر الملائكة ٦: ٣٠٣ (٣٢٠٩) وفي كتاب الأدب - باب المِقَة من الله ١٠ :
٤٦١ (٦٠٤٠) وفي التوحيد باب كلام الرب مع جبريل ونداء الملائكة ١٣ : ٤٦١
(٧٤٨٥).
معناه: في هذا الحديث الشريف ترغيبٌ وترهيبٌ، وعلاماتُ أَمْنٍ وحَذَر، وكلُّ
ذلك من فضل الله على العباد، ليزدادَ الصالح صلاحاً ويعلمَ أنه على هَذْي صالح،
وليرتدعَ عن غَيُّه ويعلمَ أنه على غيرِ صراطٍ مستقيم.
أما ما في الحديث من ترغيب وأمْن وعلامة استقامة الرجل: ففي الجملة
الأولى: ((إن الله إذا أحبَّ عبداً ... )). ومَن الذي يحبُّ الله تعالى؟
بَّن ذلك بعضُ روايات الحديث، وأحاديثُ أخرى.
قال في الحديث القدسي المتقدم برقم (٣٤): ((إن الله عز وجل قال: من
عادَى لي وليّاً فقد اذَنْتُه بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحبَّ إليَّ ما افترضتُه
عليه، وما يزالُ عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنوافل حتى أُحِبّه ... )).
فبيّن سبب حبِّ الله تعالى لعبده: هو أداؤُهُ فرائضَ الله عليه ونوافلَه،
فالصلاة: المفروضة ونوافلُها الراتبةُ والعامة، والزكاةُ: المفروضة والصدقات العامة
والمساهمة في الأعمال الخيرية، والصيامُ: المفروضُ ونوافلُه المحدّدة والعامة،
والحج والعمرة كذلك، وتعلُّم العلم وتعليمُه، والجهادُ: فرضه العيني والكفائي،
واجتنابُ المحرمات، وأداءُ حقوق العباد، والتحاكمُ إلى شرع الله والرضا به، ...

٢٧٧
دعا جبريلَ عليه السلام فقال : إني أُحِبُّ فلاناً، فأَحِبَّه، قال: فَيُحِبُّه
جبريل، ثم يُنادِي في السماء فيقول: إن الله يحبُّ فلاناً فأحِبُّوه،
فكلُّ هذا سببٌ لحبُّ الله تعالى لعبده كما نصَّ عليه الحديث القدسي المشارُ
إليه: ((وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحبَّ إليَّ مما افترضتُه عليه ... )).
أما بعضُ روايات الحديث الذي نحن بصدد شرحه، وهي دالةً على سبب
حب الله للعبد: فمن ذلك: روايةُ الترمذي ٨: ٣٠٨ آخِرَ تفسير سورة مريم: ((إذا
أحبَّ الله عبداً نادى جبريل: إني قد أحببتُ فلاناً، فأحبُّه، قال: فينادي في السماء،
ثم تَنزِلُ له المحبةُ في أهل الأرض، فذلك قولُ الله ﴿ إن الذين آمنوا وعَمِلوا
الصالحاتِ سَيَجْعَلُ لهم الرحمنُ وُدّاً﴾ .. )).
والودُّ: المحبةُ، فَمَنِ الذين سَيَجْعل لهم الرحمنُ محبةً في قلوب عباده؟ هم
الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
روى الإِمام أحمد في «مسنده)) ٥: ٢٧٩ عن ثوبانَ رضي الله عنه، عن
النبيِ وَ﴿ قال: ((إن العبدَ لَيَلْتَمِسُ مرضاة الله، ولا يزالُ بذلك، فيقول الله عز وجل
لجبريل! إن فلاناً عبدي يَلتمسُ أن يُرْضِيَني، ألا وإن رحمتي عليه، فيقول جبريل:
رحمةُ الله على فلان، ويقولُها حَمَلَةُ العرش، ويقولُها مَن حولهم، حتى يقولَها أهلُ
السموات السبع، ثم تُهْبَطُ له إلى الأرض».
فأفاد هذا الحديثُ أن الذي يُحبُّه الله هو العبدُ القائمُ بالفرائض والنوافل،
وَآمَن وعمِل صالحاً - كما تقدم - وأفاد معنى زائداً على ذلك هو: بحثُ هذا العبدِ
عن عملٍ صالح، لا أنه إذا علم بعملٍ صالح عَمِله، لا، بل إنه يَلتَمسُ ذلك
ويتطلّبه.
ومعنى آخر زائداً على هذا: (ولا يزال بذلك)): أي إنه مستمر دائم على
تطلُّب العمل الصالح، والعمل به.
فمن كان كذلك: أحبُّه الله عز وجل و«دعا جبريلَ عليه السلام فقال: إنيٍ
أحبُّ فلاناً فأحبَّه، فيحبُّهِ جبريل، ثم يُنادي في السماء فيقول: إن الله يحبُّ فلاناً
فأَحِبُّوه)) ويقول مثلَه حَمَلَةُ العرش ومَن حولهم وأهلُ السمواتِ السبعِ ، كما تقدم في

٢٧٨
فَيُحبُّه أهلُ السماء، قال: ثم يوضع له القبول في الأرض.
وإذا أبغضَ الله عبداً دعا جبريلَ فيقول: إني أُبْغِض فلاناً،
فَأَبْغِضْه، فيبغِضُه جبريل، ثم يُنادِي فِي أهل السماء: إن الله يُبْغِضُ
فلاناً، فأبغِضوه، قال: فَيُبْغِضونه، ثم تُوضَع له البغضاءُ في الأرض)).
رواية ثوبان، ((فيحبُّ أهل السماء ثم يُوضَع له القبول)) أي المحبةُ والرضا عنه ((في
الأرض)).
وحاصلُ ذلك: أن العبد إذا صَلَح أمره واستقام وداوم أحبُّه الله وأَمَرَ أهلَ
سمواتِه: جبريلَ وحملةً العرش فمن دونهم، بحبِّه، ووَضَع له المحبةَ في أهل
الأرض، فمحبةُ أهلِ الأرض له علامةٌ على قبول الله لأعماله الصالحة وبشارةً خيرٍ
له، وترغيبٌ له بالدوام على ما هو عليه. فكان ذلك من فضل الله عليه.
وكذلك العكس: إذا فسد عمل الرجل، فعملَ السيئاتِ أبغضه الله، وأَمَرَ أهلَ
سمواته: جبريلَ وحَمَلَةَ العرش فمن حولهم أن يبغضوه، وتُوضَع له البَغْضاء في أهل
الأرض.
فتكون بَغْضاؤهم له علامةٌ على عدم صلاحِ أمرِه، فهذا ترهيبٌ له وتخويفٌ
من عاقبة السوء، ونذارة له أن يرجع عما هو عليه، فيكون ذلك من فضل الله عليه،
فقد تنفعه الذِّكْری، فیرجعُ إلی الله ویتوبُ إلیه، ویختم له بخير.
فإذا كان العبد الذي يحبُّه الله ويامرُ أهل السماء بحبِّه، ثم تُوضَعِ له المحبة
في الأرض: إذا كان هذا لا يكون إلا للعبد الصالح، فَمَنِ الذي يُحبُّه مِن أهل
الأرض؟.
لا ريبَ أنه لا يحبُّ الصالحَ إلا الصالحون أمثالُه، وعن حبِّهم له ینشأُ حبُّ
مَن دونهم في الصلاح له، ولا عبرةَ بحبُّ غَوغاءِ الناسِ ودَهْمائهم للإِنسان وإنْ
كَثُروا، فقد يُحبُّون غيرَ الصالح، ومَن لا يَعملُ بشرع الله، بل إنك لَتَراهم يُحبُّون
دعاةً فسادِ الأخلاقِ والمجونِ أكثَرَ من حبِّهم للعلماء العاملين، وأولياءِ الله
الصالحين !! إن الله لا يَعبأُ بهؤلاء ولا هؤلاء، لا بالمحبين ولا بالمحبوبين.
وما معنى محبة الله للعبد، ومحبةِ الملائكة له، ومحبةِ العبادِ أهلِ الأرض له؟

٢٧٩
.
قال النووي رحمه الله تعالى في ((شرح مسلم)) ١٦: ١٨٣ - ١٨٤: ((قال
العلماء: محبة الله تعالى لعبده هي: إرادتُه الخيرَ له وهدايتُه وإنعامُه عليه ورحمتُه،
وبُغضُه: إرادةُ عقابه أو شقاوته. وحبُّ جبريل والملائكة يَحتّمِل وجهين، أحدهما:
استغفارُهم له وثناؤُهم عليه ودعاؤُهم. والثاني أن محبتّهم على ظاهرها المعروفِ
من المخلوقين، وهو ميلُ القلب واشتياقُه إلى لقائه. وسببُ حبِّهم إياه كونُه مطيعاً لله
تعالی محبوباً له».
وقال الحافظ في ((الفتح)) ١٠: ٤٦٢ - بعدما لخّص هذا -: ((وقد تُطلقُ محبةُ
الله تعالى للشيء على إرادةِ إيجادِهِ، وعلى إرادةٍ تكميله، والمحبةُ التي في هذا
الباب من القبيل الثاني. وحقيقةُ المحبة عند أهل المعرفة من المعلومات التي لا
تُحَدُّ - أي لا تُعَرَّف - وإنما يَعْرِفها مَن قامتْ به وجداناً لا يمكن التعبير عنه. والحبُّ
على ثلاثة أقسام: إِلَهِيٌّ، وروحانيٌّ، وطبيعيٍّ، وحديثُ الباب - أي الذي نشرحه -
يَشتملُ على هذه الأقسام الثلاثة، فحبُّ الله للعبد حبّ إلَهِيٌّ، وحبُّ جبريلَ
والملائكةِ له: حبُّ روحانيّ، وحبُّ العبادِ له حبُّ طبيعي)).
اللهم إنا نسألك حبَّك، وحُبّاً يُبلِّغنا حبُّك.

٢٨٠
٦٧ - قال أبو إدريسَ الخَوْلاني: دخلتُ مسجدَ دمشقَ، فإذا فتىِّ
شابٌّ بَرَّاقُ الثنايا، وإذا الناسُ معه إذا اختلفوا في شيء أُسْنَدوه إليه
٦٧ - تخريجه: رواه الإمام مالك في ((الموطأ)): كتاب الجامع - ما جاء في
المتحابين في الله ٣: ١٢٩ من ((تنوير الحوالك)).
وروى الإِمام أحمد في مواضع من ((مسنده)) منها ٥: ٢٣٦ عن أبي مسلم
الخولاني بنحو قصة أبي إدريس، وفيه قولُ معاذ: ((سمعتُ رسول اللهِوَ لل يحكي عن
ربِّه يقول: المتحأبُّون في الله على منابِرَ من نورٍ في ظِلِّ العرشِ يومَ لا ظِلَّ إلاَ ظِلُه))
قال أبو مسلم: فخرجتُ حتى لَقيتُ عُبادة بن الصامت، فذكرت له حديث معاذ بن
جبل فقال: سمعتُ رسول اللّه وَّهَ يحكي عن ربِّه عزَّ وجلَّ يقول: ((حَقَّتْ محبَّتي
للمتحابِّين فيَّ، وحَقَّتْ محبتي للمتباذِلين فِيَّ، وحَقَّت محبتي للمتزاورين فيَّ،
والمتحأبُّون في اللّه على منابر من نورٍ في ظِلُّ العرش يومَ لا ظلَّ إلا ظلَّه)).
وإسناد أحمد فيه: حدثنا وكيع، حدثنا جعفر بن بُرْقان، عن حبيب بنِ أبي
مرزوق، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي مسلم الخولاني. وروى الترمذيُّ في
كتاب الزهدِ - باب ما جاء في الحب في الله ٧: ١١٩ (٢٣٩١) الجزء الأولَ منه:
حدثنا أحمد بن مَنيع، حدثنا كثير بن هشام، حدثنا جعفر بن بُرْقان، به، بلفظ:
((المتحأبُّون في جلالي لهم منابر من نور يَغْبِطُهم النبيون والشهداء)) وقال: حديث
حسن صحيح.
غريبه: فتى شابٌ: كان عُمُر معاذ رضي الله عنه لما توفِّي أربعاً وثلاثين سنةٌ
أو نحوها، وكانت وفاته في طاعون عَمَواس ناحيةَ الأردنِّ سنة ثماني عَشْرة. انظر
((طبقات)) ابن سعد ٣: ٥٨٣ وما بعدها.
برَّاق الثنايا: قال ابن الأثير رحمه الله تعالى: ((وَصَف ثناياه - مقدَّم أسنانه ـ
بالحُسْن والصفاء، وأنها تلمع إذا تبسَّم كالبرق، وأراد صفة وجهه بالبِشْر والطلاقة».