Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
٠
٠ ٠
وقد ذكر الحافظ هذه المعاني والاحتمالات بإيجاز في ((الفتح)) ١٣: ٥٣٤
فقال: هذا ((أمر بمعنى التعجيز، وهو على سبيل الترقي في الحَقَّارة، أو التنزُّل في
الإِلزام. والمرادُ بالذرّة إن كان النملة فهو من تعذيبهم وتعجيزهم بخلق الحيوان
تارةً، وبخلق الجماد أخرى، وإن كان بمعنى الهَبَاء فهو بخلْق ما ليس له چِرمٌ
محسوسٌ تارة، وبماله جِرمٌ أخرى. ويَحتمِل أن يكون ((أو) شكاً من الراوي)). والله
أعلم .

٢٤٢
٥٦ - عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي وسلم قال: ((إن الله
تعالى يقول: يا ابنَ آدمَ تَفَرَّغْ لِعبادتي أَمْلًا صَدْرَكَ غِنىِّ وَأَسُدَّ فَقْرَك، وإلا
تَفْعَلْ مَلُّاتُ يَدَيْكَ شُغْلاً ولم أَسُدَّ فَقْرَك)).
٥٦ - تخريجه: رواه الإمام أحمد في ((المسند)) ٢: ٣٥٨، والترمذي في
أبواب صفة القيامة - باب [من كانت الآخرة همَّه .. ] ٧: ١٧١ (٢٤٦٨) = ٤: ٦٤٢
(٢٤٦٦) وقال: حسن غريب، وابن ماجه ٢ : ١٣٧٦ .
معناه: يقول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إلا
لِيَعْبُدُونِ﴾ ويؤكِّد مولانا جلَّ وعلا هذا المعنى هنا بندائه لبني آدمَ جميعاً: ((يا ابن
آدم تَفَرَّغْ لعبادتي)» فإنك إنْ تفرَّغْتَ فقد تفرغتَ لما خُلِقتَ له. وحينئذ يمنحك الله
تعالى ما تكفَّل لك به، وهو الرزقُ، بل يمنحك ما هو أنفعُ لك من مجرَّد وجودٍ
المال بين يديك، ألا وهو الرِّضا بما قدَّر الله عز وجل لك وأعطاك إياه ويسَّره لك،
وإن كان قليلاً، فأنت تشعرُ بكِفَايته لك وبسدٍّ حاجاتك فيه، وهذا ما نسمِّيه بالقناعة،
وهو الذي جاء في الحديث ((أَملأ صدرك غِنى وأسدَّ فقرك)).
فالتوجُّهُ للعبادة - مع المال الكثير أو القليل - والشعورُ بالرضا والكفاية - هو الغنى
الحقيقي، وفيه الراحةُ في الدنيا من الكَدِّ وراء المال والدنيا والحُطام، وفيه الراحة
في الآخرة من عناء الحساب: ((من أين اكتسبه وفيم أنفقه)).
قال رسول الله وَ﴾: ((لا تزولُ قَدَمَا عبدٍ يومَ القيامة حتى يُسأل عن عُمُرِه فيما
أفناه، وعن علمِه فيمَ فَعَل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيمَ
أبلاه)) رواه الترمذي ٧ : ١٣٦ (٢٤١٩) عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه وقال:
حسن صحيح.
((وإلا تفعل)) فأعرضتَ عما خُلِقتَ من أجله، ولم تتفرَّغ لعبادة الله عز وجل:

٢٤٣
ملأت یدیك شُغْلاً - وفي رواية ابن ماجه: ملأت صدرك - أي قلبك - شغلاً،
والمعنى واحد - ولم أَسُدّ فقرك.
أي: إن الله يعاقبُ مَن لم يتفرَّغ لعبادته، بل يريد الدنيا، والازدياد منها،
يعاقبه بأخذ الدنيا منه ليتهالك عليها ويكدح وراءها، وهي هاربة منه، ويداه
مغسولتان منها، فهو فقير حسّاً ومعنىّ.
أو: بإعطائه الدنيا وفّتْحٍ بابها له على مصراعيها، لا يَذْري كيف يجمع المال
ويحسبُه، ولا يشعرُ إلا وبابٌ يُفتح عليه بعد باب، وهو يقول: هل من مزيد، فمثلُّه
كمثل الغريق: هو في كلِّ لحظةٍ يتسفِّل في الماء، والماء يغمره أضعافاً فأضعافاً،
حتى يُمِيتَه، وكذلك حالُ المال مع الغني، كحال الماء مع الغريق.
فهذا فقيرً معنىٌ، وهو يستحقُّ الإِشفاقَ عليه منا أكثرَ مما نُشْفِقٍ على ذاك
المُعَاقَب بأخذ الدنيا منه، فذاك قد يقفُ عند حدِّه ويرتدعُ لو جاءتْه الدنيا، فسدَّتْ
حاجته. أما هذا فكالجَرب، كلما زاد حِكَّةً كلما ازداد جَرَباً، وكلما زاد مالُه زاد
نَّهَمه، وزاد إعراضاً عن الله. نسأل الله العافية.
والعاقلُ من رُزِق المالَ في يده، ولم يتعلَّقْ به قلبه، بل تَرَكَ يدَه للمال، وقلبه
لله. فَيَدُه تشتغل بالمال، وقلبُه مشغولٌ بربِّه، يشاهدُ فَضْلَ الله عليه بالنعمة، وأنه
مُسْتَخْلَف فيها، وأن الله تعالى يُخاطِبُه - لا يخاطب غيره -:
{ يا أيُّها الذين آمنوا لا تُلْهِكُمْ أَموالُكُم ولا أولادُكُمْ عن ذِكْرِ الله، ومَنْ يَفْعَلْ
ذلكَ فأولئكَ هُمُ الخاسرون ﴾، فانظر إلى قوله عز وجل - وهو أصدق القائلين، وهو
العليم الخبير -: ﴿فأولئك هُمُ الخاسرون ﴾ كيف حَصَر الخسارة فيهم، وحَصَرهم
فيها. أعاذنا الله منها بفضله.

٢٤٤
٥٧ - عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي وسلم يقول: ((إن الله
عز وجل يقول: أنا مع عبدي إذا هو ذَكَرَني وتَحَرَّكتْ بي شَفَتَاه)».
٥٧ - تخريجه: رواه ابن ماجه في كتاب الأدب - باب فضل الذِّكْر ١٢٤٦:٢
(٣٧٩٢)، والإِمام أحمد في ((مسنده)) ٢: ٥٤٠، وذكره البخاري تعليقاً بصيغة
الجزم في كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ((لا تحرِّك به لسانَك)) ١٣: ٤٩٩،
ورواه مسنداً في كتابه ((خلق أفعال العباد)) (٣٤٤). ورواه آخرون.
معناه: هذا حديث عظيم في الدلالة على فضل ذكر الله تعالى. ذلك أن الله
عز وجل يُخْبر عن ذاته العليّة فيقول ((أنا)) الله الرحمن الرحيم، الكريم، الهادي،
اللطيف .. ، ((مع عبدي))، أنا معه بالرحمةٍ له، والكرم عليه، والهداية له، واللطف
به، فَأُوَفِّقُه للخير، وآخذُ بيده إلى الصالحات، وأدفعُ عنه الشرور والمكاره ...
متى؟ ولماذا؟
إذا ذكرني، ولفظُ البخاري المعلَّق بشرح الكِرْماني ٢٥: ٢١٧، والعيني ٢٠:
٣٧٧: ((حيثُما ذكرني))، ولفظُه في ((خلق أفعال العباد)): ((مع عبدي ما ذكرني)).
فروايةُ ((إذا ذكرني)): تُفيدُ أن معيَّة الله تعالى بالرحمة والخير تكون له بمجرّد
الذكر، قال تعالى: ﴿فاذكروني أذكرْكم﴾، وهي ثابتة متصلة دائمةً ما دام ذاكراً،
كما يُستفاد من رواية ((مع عبدي ما ذكرني))، وتفيدُ روايةُ ((حيثُما ذكرني)) أن الله
تعالى معه بهذه الصفات في أي مكان كان: في المسجد، وفي البيت، وفي
المَتْجَر، والسوق، وفي الجهاد ((وهو مُلَاقٍ فِرْنَه))(١)، وفي المدرسة، وفي الفراش،
والمسِير، وهكذا. وفي حديث أبي هريرة عند الشيخين الآتي برقم ٥٩: ((وأنا معه
إذا ذكرني .. )).
١ - انظر الحديث رقم ٦١.

٢٤٥
٠٠ ..
والذِّكْر يكون باللسان، وبالفعل، وبالقلب.
فذكر الله باللسان: يكون بالتسبيح، والتحميد، والتهليل، وقراءة القرآن،
والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله عليه، وبالأذكار المأثورة عامة، والمأثورة في
مناسبات خاصة، كالأذكار المأثورة حين دخول المسجد، والخروج منه، وعقب
الصلوات، وعند النوم والاستيقاظ منه، وعند الصباح والمساء، وسمَّى الله تعالى
خُطبة الجمعة ذكراً في قوله: ﴿فاسْعَوْا إلى ذكر الله﴾(١). وهذا ما صُرِّح به في
الحديث: ((وتحرَّكتْ بي شفتاه)).
وهو صريح في أن المعيَّة ثابتةٌ للذاكر بمجرَّد تحريك الفم: الشفتين واللسان،
إذا كانت الواو للحال لا للعطف، أما إذا جعلْناها عاطفةً فالمعيَّة ثابتة لمن جَمَع بين
الذكر اللساني والقلبي. قال العلامة القاري في ((مرقاة المفاتيح)) ٥: ٧١: ((وهذا
أولى، لأن المؤثّر النافع هو الذكر باللسان مع حضور القلب، وأما الذكر باللسان
- والقلبُ لاهٍ - فهو قليل الجدوى)). وأصلُ الفكرة للإِمام الغزالي رحمه الله في
((الإِحياء)» أوائل كتاب الذكر ١: ٢٩٤. وأنّبِّه إلى قوله: قليل الجدوى، أي: إن في
الذكر اللساني فائدةً، لكنها قليلة، فلا نمنع عنها العامة، بل ننبههم إلى ضرورة ذكر
القلب معه. وانظر لزاماً ((فتح الباري)) ١١: ٢٠٩.
وبالفعل: كالصلاة، فإنها مشتملة على ذكر الله تعالى.
وبالقلب - وهو الذِّكْرُ السِّرِّيُّ -، وبه يحضُر القلب ويَلِينُ ويطمئنُ ويخشع،
وينتج عنه النشاط للعبادة والخير بألوانه، وبه، وبه.
وقال الإِمام الغزالي رحمه الله تعالى في ((إحياء علوم الدين)) ١: ٣٠١ في
فصل فضيلة التسبيح والتحميد من كتاب الأذكار والدعوات: ((حضورُ القلب في
لحظةٍ بالذكْر، والذهولُ عن الله عز وجل مع الاشتغال بالدنيا قليلُ الجدوى، بل
حضورُ القلب مع الله تعالى على الدوام أو في أكثر الأوقاتِ هو المقدَّم على
العبادات، بل به تَشْرُفُ سائرُ العبادات، وهو غايةُ ثمرةِ العبادات العملية)).
١ - هذا أحد الأقوال في تفسير هذه الآية الكريمة، وهو قول قوي، ولا يتنافى مع غيره.

٢٤٦
٥٨ - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلاته: ((إن
لله ملائكةٌ يَطُوفون في الطُّرُق، يَلْتَمِسُون أهل الذِّكْرِ، فإذا وجدوا قوماً
يذكرون الله تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إلى حاجتِكم. قال: فيحفّونهم بأجنحتهم إلى
السماء الدنيا. قال: ربُّهم عزَّ وجلَّ - وهو أعلمُ بهم -:
ما يقول عبادي؟ قال: تقول: يُسَبُّحونك، ويكبِّرونك،
ويَحْمَدونك، ويمجِّدونك. قال: فيقول: هل رَأَوْني؟ قال: فيقولون: لا
والله ما رَأَوْكَ. قال: فيقول: كيف لو رأوني؟ قال: يقولون: لو رأوك كانوا
أشدَّ لك عبادةٌ، وأشدَّ لك تمجيداً وتحميداً، وأكثرَ لك تسبيحاً.
٥٨ - تخريجه: رواه البخاري في كتاب الدعوات - باب فضل ذكر الله عز
وجل ١١: ٢٠٨ (٦٤٠٨)، ومسلم كتاب الذكر والدعاء - باب فضل مجالس الذكر
٤: ٢٠٦٩ (٢٥) وشرح النووي ١٧ : ١٤. ورواه الترمذي عن أبي هريرة أو أبي
سعيد الخدري رضي الله عنهما في أبواب الدعوات - باب [لله ملائكة سيَّاحون] ٩:
٢٢٦ (٣٥٩٥) = ٥: ٥٧٩ (٣٦٠٠).
غريبه: يلتمسون: يَقصِدون بالبحث.
هَلُمِوا: تَعَالَوْا، أَقْبِلوا.
يَحفّونهم: يلتفُونَ بهم ويحوطونهم.
يُمجّدونك: يُعظّمونك، ويذكرون فضلك عليهم.
معناه: في أولِ هذا الحديث القدسي الشريف وآخرِه بيانُ فضل الله تعالى
على عباده، ولو أنهم طائعون ذاكرون، فإنما أطاعوه وذَكَروه بفضله وتوفيقه؛ وفي
وَسَطه بيان فضل الذكر وأهله.
ففي أوَّله: فضلُ الله على عباده، إذْ يُرسِل ملائكةٌ كراماً تطوف في الأرض

٢٤٧
قال: يقول: فما يسألوني؟ قال: يسألونك الجنةَ. قال: يقول:
وهل رأُوْها؟ قال: يقولون: لا والله يا ربِّ ما رأوها. قال: فكيف لو أنهم
رأوْها؟ قال: يقولون: لو أنهم رأَوْها كانوا أشدَّ عليها حِرْصاً، وأشدَّ لها
طلباً، وأعظمَ فيها رغبةً .
قال: فَمِمَّ يَتَعَوَّذون؟ قال: يقولون: من النار. قال: يقول: وهل
رأوها؟ قال: فيقولون: لا والله يا رب ما رأوها، قال: يقول: فكيف لو
بحثاً عن الذاكرين الله عز وجل، فإذا وجدوا ضالّتهم المنشودة نادَوْا بعضهم بعضاً:
هلموا إلى ما تبغون ومَن تبغون: إلى مجالسِ الذكْرِ وأهل الذكر، فيحفّونهم
بأجنحتهم، ويكونُ بعضُهم فوق بعض ((حتى يملؤُوا ما بينهم وبين سماءِ الدنيا» كما
في رواية ذكرها الحافظ في ((الفتح)) ١١: ٢١٢.
ويسألُهم الله تعالى - وهو العليم الخبير - أين كانوا وماذا عندهم من علم
وخَبَر، ويكون الحوار المذكور في الحديث.
قال الحافظ في ((الفتح) ١١: ٢١٣: ((قيل: إن في خصوص سؤال الله
الملائكة عن أهل الذكر: الإِشارةَ إلى قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فيها من يُفْسِدُ فيها ويَسْفِكُ
الدماءَ ونحن نُسَبِّح بحمدك ونُقَدِّسُ لك﴾ فكأنه قيل لهم: انظُرُوا إلى ما حَصَلَ
منهم من التسبيح والتقديس مع ما سُلَّط عليهم من الشهوات ووساوس الشيطان،
وكيف عالجوا ذلك، وضاهَوْكم في التسبيح والتقديس)).
وفي آخره: فضل الله عز وجل من وجهين: تفضِّلُه عليهم بالعطاء والنوال
للذي يسألونه: نجاةٍ من النار، وحُظوةٍ بالجنة، وهذا هو الفوز العظيم ﴿ فمن زُخْزِحَ
عن النار وأُدْخِلَ الجنةَ فقد فاز﴾.
وهذا تفضُّل عظيم، ومرغُّب بذكر الله تعالى والحرص على البحث عن
مجالسه، وصحبةٍ أهله، لكنَّ الوجهَ الثاني أعظمُ وأدعى لمحبةَ العبدِ لربِّه، وأظهرُ
لفضل الله على عباده ولطفِه بهم وكرمه عليهم، هو أن الله تعالى يُكْرِمِ العبدَ الخَطَّاءَ
المذنبَ من أجلهم وبسببهم، لأنه جَلَس معهم جلوساً عابِراً غيرَ قاصد له، إنما
عرضتْ له حاجة للمكان أو لأحد الذاكرين من أهل المجلس، فدخل فجلس،

٢٤٨
رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشدَّ منها فِراراً، وأشدَّ لها مخافةً.
قال: فيقول: فَأَشْهِدُكم أني قد غفرتُ لهم.
قال: يقول مَلَكُ من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم، إنما جاء
لحاجةٍ! قال: هُمُ الجُلَساءُ لا يَشْقَى جَليسُهم)).
فشملتْه مغفرةُ الله الغفور الرحيم، وتداركتْه العناية الربانيّة بهذا الوعد الكريم:
((أُشْهِدُكم أني قد غفرت لهم، قال: يقول مَلَك من الملائكة: فيهم فلان، ليس
منهم .. )) وفي رواية: ((إن فيهم فلاناً الخطّاء لم يُرِدْهم)) لم يَقْصِد مجلسَهم ولا
مجالستهم ((إنما جاء لحاجة، قال: هم الجلساء لا يشقى جليسهم)).
وفي رواية: ((هم القوم)) قال في ((الفتح)): ((وفي اللام - أي أل التعريف
الداخلة على كلمة: قوم - إشعارٌ بالكمال، أي هم القوم كلّ القوم)).
وقوله (لا يَشْقَى جليسُهم)) فيها إشعارٌ ببيان علَّة عدمِ الشقاوة، وهي:
المجالسة، وجاءت روايةً أخرى تفيدُ علةً أخرى ولفظُها ((لا يَشْقَى بهم جليسهم))
أي: بسببهم، وفي رواية الترمذي المشار إليها في التخريج: ((لا يَشْفَى لهم جليسٌ))
أي: من أجلهم وإكراماً لهم.
وفي ((فيض القدير)) ١: ٤٤٢: ((قال النووي: كما يستحبُّ الذکر یُستحبُ
الجلوس في حِلَق أهله، وقد تظاهرت على ذلك الأدلة)».
فانظر فضل مجالس الذكر، وفضل مجالس الذاكرين.
وانظر فضل الصحبة لهم ما أعظمَها! فإذا كانت مجالستهم عن غير قصد
وإرادة تُنتج هذا الخيرَ العظيمَ - وزيادةً في تعظيمه أن الله تعالى أُشهدَ ملائكته عليه ۔
فكيف بما يَنْتَجِ عن مصاحبتهم وملازمتهم وتعلّقِ القلب بهم !. لا ريب أن ((المرء
مع مَن أحبَّ)».
ومن هنا يُستفادُ ضرورة اختيار الجليسِ الصالحِ والصاحبِ الخيِّر: ﴿ يا أيها
الذين آمَنوا اتَّقوا الله وكُونوا مع الصادقين ﴾.
قال العلامة الحكيمُ الراغبُ الأصفهانيُّ رحمه الله تعالى في ((الذَّريعة إلى
مكارم الشريعة)) ص ٢٢٥ كلاماً نفيساً في الصحبة وأثرها، أنقلُه بطُوله لنَفَاسته، قال:

٢٤٩
((حقُّ الإِنسان أن يَتَحرَّى بغاية جُهده مصاحبةَ الأخيار، فهي قد تجعلُ الشِّرِّيرَ
خَيِّراً، كما أن صحبةَ الأشرار قد تجعلُ الخَيِّر شِرِّيراً، قال الحكماء: مَنْ جالسَ خيِّراً
أصابته بركتُه، فجليسُ أولياءِ الله لا يَشْقَى وإن كان كلباً، ككلب أصحاب الكهف،
حيثُ قال جلَّ وعزَّ: ﴿وكلبُهم باسِطُ ذِراعَيْهِ بالوَصِيد ﴾ .
((ولهذا أوصت الحكماء بمنع الأحداث من مجالسة السفهاء، وقال عليَّ أمير
المؤمنين رضي الله تعالى عنه: لا تَصحبِ الفاجرَ فيزيِّنَ لك فعلَه، ويَوَدَّ أنك مثلُه،
وقيل: جالسِوا من تُذكّركم الله رؤيته، ويزيد في خيركم نطقه، وقالوا: إياك
ومجالسة الشُّرِّير، فإن طَبْعَك يَسرِق من طبعه، وأنت لا تَدري، بل قال ◌َ: ((مَثَلُ
الجليسِ الصالحِ والسَّوْءِ كحامل المسك ونافخ الكِير، فحاملُ المسكِ إما أن
يُحْذِيَك - أي يُعطَّك - وإما أن تبتاَعَ منه، وإما أن تَجِدَ منه ريحاً طَيِّبة، ونافخُ الكِيرِ
إما أن يَحرِق ثيابك، وإما أن تَجدَ ريحاً خبيثة))(١).
((وقال رَ﴿: ((المرء على دين خليله، فلينظُرِ أحدُكم من يُخَالِل))(٢) أي: يَجذبُه
خليلُه إلى دينه. ومن قوة هذا المعنى في النفوس شاع على الألسنة قول الشاعر(٣):
فكلُّ قرينٍ بالمقارَنِ يَقْتّدي
عن المرءِ لا تَسأَلْ وَسَلْ عن قرينه
وليس إعداءُ الجليس جليسه بمقاله وفِعاله فقط، بل وبالنظر إليه، فالنظرُ في
الصُّور يؤثِّر في النفوس أخلاقاً مناسبةً إلى خُلُق المنظور إليه، فإن مَن دام نظره إلى
مسرور ◌ُرَّ، ومن دام نظره إلى محزون حزِن.
وذلك ليس في الإِنسان فقط، بل وفي الحيوان وسائر النبات، فإن الجَمّل
الصَّعْبَ قد يصير ذَلولاً بمقارنة الذَّلول، والذلولَ يصير صعباً بمقارنة الصِّعاب،
والرَّيحانةَ الغَضَّةَ تذبُل بمقارنة الذابلة، ولهذا يَلْقُط أصحابُ الفِلاحة الرِّمَم - العظام
١ - هذا لفظ البخاري في كتاب الذبائح - باب الصيد ٩: ٣٢٢، وذكره الراغب بغير هذا اللفظ،
فأثبتُ لفظ البخاري.
٢ - هذا لفظ أحمد ٢: ٣٣٤، ورواه الترمذي ٧: ١١٠ (٢٣٧٩) بلفظ: ((الرجل على دين خليله .. ))
وقال: حسن غريب.
٣ - هو طَرَفة بن العبد، في معلَّقته.

٢٥٠
٠
البالية - عن الزروع لئلا تُفسدَها، ومعلومٌ أن الماء والهواء يَفسُدان بمجاورة الجيفة
إذا قُرُبتْ منهما، وذلك مما لا ينكره ذو تجربة.
وإذا كانت هذه الأشياء قد بلغتْ في قبول التأثير هذا المبلغَ، فما الظنُّ
بالنفوس البشرية التي موضوعُها لقبول صُوَرِ الأشياءِ: خيرِها وشرِّها؟!)).
ومع ذلك: فمما ينبغي أن يُعلَم أن الحكماءَ والمشتغلين بتهذيب النفوس نبَّهوا
إلى أن صحبةَ الأخيار وأهلَّ الصلاح وسيلةٌ لا غايةٌ، فلا ينبغي للعاقل أن يَشتغِل
بالوسيلة عن الغاية.
قال المُنَاويُّ رحمه الله تعالى في ((فيض القدير)) ١: ٤٤٢: ((قال الجنيد:
دخلتُ على السَّرِيِّ - السَّقَطي، وهو خالُ الجنيد - وهو يجودُ بنفسه - في حالة
الاحتضار - فجلسَتُ وبَكَيْتُ، فسقطتْ دموعي على خدِّه، ففتح عينيه ونَظَر إليَّ،
فقلتُ: أوصِني، قال: لا تَصْحَب الأشرار، ولا تَشْتَغِلْ عن الله بمخالطة الأخيار)).
فنّهه إلى أن صحبة الأخيار للدَّلالة على الله تعالى، فإذا حَصَلَتْ لك فلا
تَبْقَ متشاغلاً بصحبتهم عما وصلتَ إليه، بزَعْم أن صحبتهم خيرٌ، ومخالطتهم
فضيلة، فتبقى فيما كنتَ عليه، ولا تَرتفعُ إلى مقام أعلى، وكذلك لا تَنْسَ فضلَهم
عليك فلا تلتفت إليهم بالوفاء لهم !.
وانظر إلى هِمَّة الجنيد رضي الله عنه، فإنه لم يشأ أن تفوتَه فرصةُ الاستفادةِ
من خاله وهو في حالة النزع وسِياقٍ الموت، وهو يبكي عليه ودموعُه تتساقطُ على
خدِّه، بل اهْتَبَلَ الفرصة فسأله وصيةً غالية، هي وصيةُ مودِّع ومودّع.
وانظر إلى أثر الصحبة في نفوس القوم، فإنه آثَرَها على أيِّ وصية سِواها، وهو
في هذه الحال: آخِرِ لحظةٍ من لحظاته مع ابن أختِه وخليفته من بعده. رضي الله
عنهم وأرضاهم.
هذا عما في أول الحديث وآخره.
وأما ما في وسطه: فذِكْرُ الله تعالى، ومجالسُ الذكر، وأهلُ الذكر.
أما ذكرُ الله تعالى: فيكونُ بما جاء في هذه الرواية التي فيها نصٌّ على

٢٥١
التسبيحِ ، والتكبير، والتحميد، والتمجيد، وسؤال الله الجنةَ والاستعاذة به من النار.
وجاءت روايات أخرى ذكرها الحافظ في ((الفتح)) ١١: ٢١٢ فيها النصُ على:
التهليل ((لا إله إلا الله)) وتعظيم آلاء الله، - وهذا مردُّه إلى التحميد والتمجيد -
والسؤال لآخرتهم ودنياهم - وهذا يشمل سؤالَ الجنة والاستعاذةَ من النار، وكلَّ
دعاء لصلاح دنياهم وآخرتهم (١) - وتلاوة القرآن الكريم، والصلاة على النبي ◌ّ. فهذه
خمسةُ أمور زائدةً على الخمسة المذكورة، وقد تُدْمَج فتبقى ثمانية أو تسعة.
فهذه مشتَمِلاتُ مجالس ذكر الله تعالى المشروعةِ، لذلك كانت بُغيةَ الملائكة
الكرام وطِلْبَتهم: ((إذا وجدوا قوماً يذكرون الله تَنَادَوْا: هلُموا إلى حاجتكم)).
ويحقُّ لهم أن يتفضَّل الله تعالى عليهم بما تقدَّم بيانه.
قال الحافظ بعد بيان الروايات التي أشرتُ إليها: ((وفي دخول قراءة الحديث
النبوي ومدارسة العلم الشرعي، ومذاكرته، والاجتماع على صلاة النافلة في هذه
المجالس: نظرٌ، والأشْبهُ اختصاصُ ذلك بمجالسٍٍ التسبيح والتكبير ونحوهما
والتلاوةِ: حَسْبُ، وإنْ كانت قراءةُ الحديث ومدارسةُ الَعلم والمناظرةُ فيه: من جملة
ما يدخُل تحت مسمّى ذكر الله تعالى)).
روى الترمذي ٩: ١٧٥ (٣٥٠٥) عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله (الخيل
قال: ((إذا مَرَرْتُم برياض الجنة فارْتَعُوا)) قالوا: وما رياضُ الجنة؟ قال: ((حِلَقُ الذِّكْر))
وقال: حسن غريب.
وروى قبله عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ويليقول: ((إذا مررتم
برياض الجنة فارْتَعُوا)) قلت: يا رسول الله وما رياضُ الجنة؟ قال: ((المساجد))
قلت: وما الرَّتْعُ يا رسول الله؟ قال: ((سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله
أكبر)». وقال: حسن غريب(٢).
١ - قال في ((الفتح)) ١١: ٢١٢: وفي حديث أنس عند البزار: ((ويعظّمون آلاءَك، ويتلون كتابك،
ويصلّون على نبيك، ويسألونك لآخرتهم ودنياهم)).
٢ - هكذا في المطبوعة، وفي ((الترغيب والترهيب)) ٢: ٤٣٧: ((رواه الترمذي وقال: حديث غريب.
قال الحافظ - أي المنذري -: وهو مع غرابته حسن الإسناد)). والرَّتْع في اللغة: هو الأكل
والشرب - كما يشاء - في خِصْب وسَعَة.

٢٥٢
فهذه مجالس الذكر وهذا هو الرُّتع فيها، وهو يؤيِّد ما استظهره الحافظ ابن
حجر رحمه الله .
وأما حديث ابن عباس مرفوعاً: ((إذا مررتم برياض الجنة فارتعُوا)) قالوا: يا
رسول الله وما رياضُ الجنة؟ قال: ((مجالسُ العلم)): فرواه الطبراني في ((المعجم
الكبير)) ١١: ٩٥، وقال عنه المنذري في ((الترغيب)) ١: ١١٢، والهيثمي في
(المجمع)) ١ : ١٢٦: ((فيه راو لم يُسَمَّ)).
وأما أهلُ الذكر: ففضائلُهم ومَكْرُماتُهم عند الله تعالى كثيرة، ويكفيهم فضلاً
أن الله يغفر لمن جاَلَسهم مجلساً - ولو قصيراً - غير مقصود ولا متعمَّد، بسببهم
ولكرامتهم عند ربهم.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الذاكرين له كثيراً والذاكرات، على الوجه
المشروع دون حَيْف ولا زيغ، وهو الهادي والموفق.

٢٥٣
٥٩ - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي ◌َله: ((يقول الله
تعالی: أنا عند ظنّ عبدي بي،
٥٩ - تخريجه: رواه البخاري في كتاب التوحيد - باب ﴿ويحذُّرُكُمُ الله نفسَه﴾
١٣: ٣٨٤ (٧٤٠٥) مطوَّلاً هكذا، ورواه مسلم أول كتاب الذكر والدعاء ٤:
٢٠٦١، وشرح النووي أول الجزء السابع عشر.
غريبه: الظنُّ - هنا -: العلم واليقين.
الملأ: أشراف القوم.
الباع: قَدْر اليدين مفتوحتين ممدودتين والصدرُ بينهما.
معناه: هذا لون آخر من ألوان إكرام الله تعالى لعباده الذاكرين، مع بيان أنواع
الذکر السرِّيِّ والجهري.
وجاء في صدر هذا الحديث الذي فيه هذا الإكرام وهذا البيان، جاء في
صدره بيان عظيم كرم الله على عباده: ((أنا عند ظن عبدي بي)).
فالله جل جلاله يُطمئن عباده: أن لا تخافوا ولا تحزنوا، ما دمتم ترجون مني
المغفرة، معتقدين أني أغفر لكم: فَثِقُوا بأني قد غفرت لكم.
وإنْ دعوتموني معتقدين الإِجابةَ والنوالَ، راجين مني جزيل العطاء: فثقوا
بذلك، وتحققوا الإِجابة، فأنا عند اعتقادكم ورجائكم.
وهكذا سائر أحوال العبد، ينبغي أن يكون فيها واثقاً بربه أن يعامله بما هو له
أهل، سبحانه وتعالى، ولذا جاء في رواية من روايات الحديث: ((أنا عند ظن عبدي
بي، فليظُنَّ ما شاء))(١): إجابةً لدعاء، وشفاء من مرض، وغنىٌ من فقر، ونُصْرةً من
ظلم، ومغفرة لذنب، وعلماً بعد جهل .. وهكذا.
١ - رواها الإمام أحمد ٣: ٤٩١ والطبراني في ((الأوسط))، قال الهيثمي ٢: ٣١٨: ((رجال أحمد
ثقات))، وهي أيضاً عند الحاكم ٤: ٢٤٠ وصححها، ووافقه الذهبي على شرط مسلم.

٢٥٤
وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه: ذكرته في نفسي،
ومن هنا ((قال علماؤنا: ليس في خصال الخير وإنْ جلَّتْ، ولا في أنواع
الأعمال وإن عظمت، أعلى من حسن الظن بالله تعالى. ونظمه بعض الشعراء فقال:
من نجاحٍ أرجى لما أنت راجي
أيُّها العبدُ كنْ لما لست ترجو
من شُعاع قد لاح، واللیل داجي
إن موسى مضى لَيَقْبِسَ ناراً
ـه وناجاه، وهو خير مناجي
فأتى أهلَه وقد كَلِّم الد
ـد دَنَتْ منه راحةُ الانفراج(١)
وكذا الكرب كلما اشتد بالعبـ
ثم يذكر الله تعالى فضل الذاكرين، ويجعل ذكرهم له على نوعين: سِرِيِّ
وجهري، وذلك بعد أنْ ذكر فضلاً عظيماً منحهم إياه، هو المعيَّ الإِلّهية الخاصة
بهم، إذ قال: ((وأنا معه إذا ذكرني). وفي رواية لمسلم: ((وأنا معه حين يذكرني))
ورواية الترمذي: ((وأنا معه إذا دعاني)).
وكلُّها متَّفقة غيرُ مختلفة، فهو سبحانه مع ذاكريه حين يذكرونه، وتمتدُّ هذه
المعيَّة فلا تنقطعُ، كما يُستفاد من التعبير بـ (إذا) الظرفية لما يستقبل من الزمن،
ويشهد لذلك إحدى روايات الحديث المتقدم برقم ٥٧: ((أنا مع عبدي ما ذكرني
وتحركت بي شفتاه».
والذكر شامل للدعاء وغيره من تسبيح وتحميد ... كما تقدم هناك.
وهذه المعيَّة الخاصة، ليس معيةً بالعلم فقط، كما قال في ((الفتح)) ١٣: ٣٨٦،
بل هي معيّة بها و ((بالرحمة والتوفيق والهداية والرعاية)) كما قال الإمام النووي ١٧ : ٢،
فلا يحصُّل له إلا ما فيه رحمة، ولا يصدُر عنه إلا ما فيه رحمة، ولا يقدَّر له إلا
التوفيق، ولا يصدُر عنه أمر إلا والتوفيقُ حليفُه، وهكذا سائر شؤونه، تحفّه فيها
العِناية الإِلَهية، والحفظ والوقاية.
ثم ذَكَرَ الله تعالى النوع الأولَ من الذكر: «فإن ذكرني في نفسه: ذکرتُه في
نفسي)). ففضلُ الله تعالى دائماً غالبٌ ظاهر: إذا ذكره العبد في نفسه، تفضّل
سبحانه على العبد فذكره في نفسه، وذكرُ الله للعبد أشرفُ من ذكر العبد لله.
١ - من ((سراج الملوك)) للإمام أبي بكر الطّرطوشي رحمه الله تعالى، أواخر الباب التاسع والخمسين
ص ٢٩٠.

٢٥٥
وإِن ذَكَرْنِي فِي مَلُّ: ذكرتُه في مَلأُّ خيرٍ منهم،
ومعنى ((إِنْ ذكرني في نفسه)): واضح: أن يذكر العبدُ ربَّه تعالى في نفسه
سراً، بتسبيحه وتهليله وتحميده ...
أما الذكرُ المقابلُ له: فمعناه: كما نَقَله النووي عن المازّري: ((إذا ذكرني
خالياً أثابه الله وجازاه عما عَمِل بما لا يطّلع عليه أحد)).
وقال الحافظ فى ((الفتح)): ((أي: إن ذكرني بالتنزيه والتقديس سراً، ذكرته
بالثواب والرحمة سراً». والمعنى واحد. والرحمة التي سيذكره الله تعالى بها سراً، لا بدَّ
أنها تُناسب حالَ الذاكرِ وحاجته، ولسان حاله الذي يَسأل به ربه، فإنْ ذَكَر العبدُ ربَّه
وهو خائف، ذكره الله بالرحمة فأمَّنه، وإن ذكره وهو مستوحِشَ آنَسَه، كما قال الإِمام
ابن أبي جمرة رحمه الله تعالى، فلا منافاة بين ما قاله ابن حجر في تفسيره الذي
نقلتُه، وبين تفسير ابن أبي جمرة الذي نقله عنه ابنُ حجر نفسُه، إنما جاء كلام
الحافظ عاماً، وكلام ابن أبي جمرة كالمثال على بعض الحالات.
ومِن دواعي الذكر السري: الإِخلاصُ فيه وتجنبُ الرياء، وكلَّما تمكَّن هذا
الملحظ في نفس الذاكر، كان ذكره أدعى للقبول ، ولإِعظامِ الثواب عليه، ولذكرٍ
الله تعالی له في نفسه.
ويشهد لذلك رواية البزار عن ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ: ((قال الله
تعالى: يا ابن آدم إذا ذكرتّني خالياً: ذكرتك خالياً). قال الهيثمي في ((المجمع))
١٠: ٧٨: ((رجاله رجال الصحيح غيرَ بشر بن معاذ العقدي وهو ثقة)).
وأما النوع الثاني من الذكر: فهو الذكر الجهري: ((وإن ذكرني في ملأ: ذكرتُه
في ملأ خيرٍ منهم)).
وصار الملأ الثاني خيراً من الملأ الأول، لأن الله سبحانه وتعالى مع من يذكر
هذا الذاكر، وإلا لكان ظاهر الحديث يفيد أن الملائكة أفضلُ من البشر، وهو خلافُ
مذهب جمهور أهل السنة. ولا ريب أن ذِكر كلِّ ذاكر على حسبه، فذِكْر الله له
بالرحمة، وذكر الآخرين - الملائكة - بالدعاء.
قال في ((الفتح)) ١: ٣٨٧ قال ((القاضي كمال الدين ابن الزَّمَلْكاني في الجزء

٢٥٦
وإنْ تَقَرَّب إليَّ شبراً: تقرَّبت إليه ذراعاً، وإنْ تَقَرَّب إليَّ ذراعاً: تقرَّبتُ
إليه باعاً، وإن أتاني يمشي: أتيتُه هرولةً)».
الذي جمعه في الرفيق الأعلى: إن الله قابَلَ ذِكْرَ العبدِ في نفسه: بذكره له في نفسه،
وقابَلَ ذِكْرَ العبدِ في الملأ: بذكره له في الملأ، وإنما صار الذكر في الملأ الثاني خيراً
من الذكر في الأول، لأن الله هو الذاكر فيهم، والملا الذين يذكرون - والله فيهم -
أفضلُ من الملأ الذين يذكرون وليس الله فيهم».
وقد جاء في روايةٍ عند الطبراني في ((معجمه الكبير» عن معاذ بن أنس الجهني
رضي الله عنه وصف هذا الملأ الثاني بأنه ((الرفيق الأعلى)) وحسَّنها المنذري
٢: ٣٩٤، والهيثمي ١٠: ٧٨.
وما حكمةُ ذكر الله تعالى في الملأ والرفيق الأعلى، لمن ذكره في ملأ؟ قال
المناوي رحمه الله ٤ : ٤٩٦: ((مباهاةٌ بك - بالذاكر في الملأ - وإعظاماً لقَدْرك)). أي:
إن الله تعالی یُباهي بهذا العبد ملائكته الکرام ویُرفع من قدره لدیھم. وكأنه یشیر بذلك إلى
المعنى الذي تقدم نقلُه ص ٢٤٧ عن الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) أن الله تعالى يريد
أن يُريَ الملائكةَ برهانَ قولِه لهم: ﴿إِني أعلَمُ ما لا تَعْلَمون﴾ حين قالوا له: ﴿أَتَجْعَلُ
فيها من يُفْسِدُ فيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونحن نُسَبِّحُ بحمدِك ونُقَدِّس لك﴾. ولا ريب أن
حِكْمَ الله تعالى في أموره أجلُّ وأعلى.
وأما قولُه عزَّ شأنه ((وإنْ تَقَرَّب إليَّ شِبْراً تقرَّتُ إليه ذراعاً، وإن تَقَرَّب إليّ
ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولةُ)): ففي هذا القول الكريم
عظيمُ فضلِ الله ولطفِه وكرمه على عباده المُقْبلين عليه بالتوبة والإنابة .
ونقل الإِمام الترمذي رحمه الله تفسيره - عقبَ روايته له - عن الأعمشِ أحدٍ
رواة هذا الحديث، وهو إمامٌ مشهور بالقراءات ورواية الحديث، توفي سنة بضع
وأربعين ومائة، قال: ((ويُرْوَى(١) عن الأعمش في تفسير هذا الحديث ((من تقرَّب
مني شِبْراً تَقَرَّبتُ منه ذراعاً)): يعني بالمغفرة والرحمة، وهكذا فسَّر بعضُ أهلِ العلم
هذا الحديث، قالوا: إنما معناه: يقول: إذا تقرَّبَ إليَّ العبد بطاعتي وبما أَمَرتُ،
١ - ليس مرادُ الترمذي تضعيفَ هذا النقل عن الأعمش بالتعبير (يُروى)). ولا يُعْرَفُ للعلماء
المتقدمين مثلُ هذا الاصطلاح، ولا للإِمام البخاري في معلقاته.

٢٥٧
تُسَارُ إليه مغفرتي ورحمتي)). ونحو هذا التفسير قولُ قتادة عقب روايته للحديث:
(فالله تعالى أسرع بالمغفرة)) كما في ((المسند)) ٣: ١٣٨. وتوفي قتادة قبل الأعمش
بنحو ثلاثين سنة .
وقال النووي رحمه الله في شرح مسلم ١٧: ٣: ((هذا الحديث من أحاديث
الصفات، ويَستحيل إرادةٌ ظاهره، ومعناه: من تقرَّب إليّ بطاعتي تقرَّبتُ إليه
برحمتي والتوفيق والإعانة، وإن زاد: زدتُ، فإن أتاني يمشي وأُسْرَعَ في طاعتي:
أتيته هرولةً، أي: صببت عليه الرحمة وسبقتُه بها، ولم أُحْوجه إلى المشي الكثير
في الوصول إلى المقصود. والمراد: أن جزاءه يكون تضعيفُه على حسب تقرُّبه)).
وقال ابن الأثير في ((النهاية)) ٥: ٢٦١ في تحديد معنى الهرولة، والمعنى
العام للجملة: ((الهَرْوَلة: بين المشي والعَدْو - أي الركض - وهو كنايةٌ عن سرعة
إجابة الله تعالى، وقبول توبة العبد ولطفه ورحمته)).

٢٥٨
٦٠ - عن أبي سعيد الخُدْريِّ رضي الله عنه قال: قال رسول
الله ◌َ﴾: ((يقولُ الرِبُّ عزَّ وجلَّ: مَنْ شَغَلَه القرآنُ وذِكْري عن مسألتي:
٦٠ - تخريجه:" رواه الترمذي آخر أبواب ثواب القرآن ٨: ١٢٥ (٢٩٢٧) =
٥: ١٨٤ (٢٩٢٦) وقال: حديث حسن غريب.
معناه: يبِيِّن الله عز وجل في الشطر الأول من الحديث فضلَ طائفةٍ من عباده،
على طائفة أخرى هي فاضلةٌ صالحة أيضاً.
فالطائفة الثانية: طائفةُ السائلين الله لهم الداعين له أن يرزقهم المال والولد ..
وأن يُصلح شأنهم، وأن يُعافيهم ... وأن يغفر لهم ويرحمهم ...
والطائفة الأولى: هي طائفةُ المشتغلين المُنْهَمِكين بتلاوة كتاب الله، وبذكر
الله: من تسبيح وتقديس، وتحميد وتمجيد، وصلاة على النبي صل*، والسؤال بما
يُصلح لهم آخرتهم ودنياهم ... كما تقدم تعداده صفحة ٢٤٥، ٢٥١، ومن جملة ذكر
الله تعالى ما تقدَّم هناك: تلاوة كتاب الله تعالى، فيكون قوله هنا: ((مَنْ شَغَلَه القرآن
وذكري .. )) من باب عطف العام على الخاصِّ، لبيان شرف هذا الخاص، لذلك
خصَّه بالذكْر من بين الأذكار.
على أنه تقدم هناك ص ٢٥١ أن من جملة الذكر ((يسألونك لآخرتهم ودنياهم))
فالسؤال من جملة الذِّكر، فكيف جَعَل الكلَّ هناك ذاكرين - ومقتضاه أن يكونوا
متساوين - وهنا فاضَلَ بينهم، فجعل السائلين مفضولين، وأولئك فاضلين؟ .
والجواب: أن المقتضى المذكور في الاعتراض غير صحيح، ألا ترى أن
أفراد المشتغلين بذكر واحد ليسوا سواءً في الرتبة، فكذلك المشتغلون بأذكار
مختلفة تختلف مراتبهم، فليس كلُّ من اشتغل بالقرآن الكريم في مرتبة واحدة، ولا
كلّ من اشتغل بالتسبيح كذلك، وهكذا، فكذلك المشتغلون بالتسبيح ليسوا في
مرتبة المشتغلين بالقرآن الكريم، وإن كان الجميع ذاكرين الله تعالى.

٢٥٩
أعطيتُه أَفضلَ ما أُعْطِي السائلين؛ وفضلُ كلامِ الله على سائر الكلام
كفضْل الله على خَلْقه».
على أنه يمكن أن يقال جواب آخر: إن ((السائلين)) المذكورين هنا قد يكون
سؤالهم متمحِّضاً قاصراً على أمور دنيوية، فكونُهم سائلين: يجعلُهم في ذكر،
لكنهم ذاكرون لله تعالى لمصالحهم الدنيوية، أما المشتغلون بالقرآن والألوان
الأخرى من الذكر فأجلُّ وأرفعُ رتبةً. والله أعلم.
ولماذا كان المشتغلون بالقرآنِ وذكرِ الله أفضلَ قدراً عند الله عز وجل؟
الجواب - والله أعلم -: أن السائلين يسألون لأنفسهم من الله، أما أولئك
فمشغولون بالله عن أنفسهم، وفرقٌ عظيمٌ لا يُقْدَرُ قَدْرُه بين المقامين.
وتقدَّم قبل قليل: أن عطف ((وذكري)) على ((القرآن)) من عطف العام على
الخاص، لبيان شرف هذا الخاص، وهو القرآن الكريم.
وبياناً لمقدار شرف هذا الخاصِّ قال جل جلاله ((وفضلُ كلام الله على سائر
الكلام كفضل الله على خلقه)».
فالقرآن كلامُ الله، وتاليه تالٍ لكلام الله وذاكرً لله بكلامه تعالى، أما المسبِّحُ،
الحامدُ، الممجّد، المهلِّل ... فهو ذاكرٌ لله بكلام من عند نفسه.
فلذلك خصَّ القرآنَ بالذكر، ولذلك جاء بالشطر الثاني من الحديث مع الشطر
الأول، مع أن الشطر الأول قِيل لتفضيل طائفة على طائفة، والشطر الثاني لتفضيل
كلام على كلام. والله أعلم.

٢٦٠
٦١ - عن عُمَارة بن زَعْكَرَةَ رضي الله عنه قال: سمعت رسول
اللّهِ وَل﴿ يقول: ((إن الله عز وجل يقول: إن عبدي كلّ عبدي الذي
یذکرني وهو مُلاقٍ قِرْنَه)».
٦١ - تخريجه: رواه الترمذي في أبواب الدعوات ٩: ٢١٨ (٣٥٧٥) = ٥:
٥٧٠ (٣٥٨٠) وقال: ((حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده
بالقوي)). ونقل المناوي رحمه الله في ((فيض القدير)) ٢: ٣١٠ عن ابن حجر أنه
قال: ((لا يُعرف له إلا هذا الحديث، وهو حسن غريب. وقولُ الترمذي: ليس
إسناده بقوي: يريد ضعف عُفَيْر، لكنْ وجدت له شاهداً قوياً مع إرساله، أخرجه
البغوي، فلذلك حسِّنْتُه، وقول الترمذي ((غريب)): أراد غرابته من جهة تفرُّد عُفَير
بوصله، وإلا فقد وُجد من وجه آخر)).
غريبه: قِرْنه: في ((النهاية)) ٤: ٥٥: ((القِرْن: الكُفء والنَّظير في الحرب
والشجاعة)).
معناه: يمتدحُ الله عزَّ وجلَّ صنفاً من عباده امتداحاً عظيماً، ذلك لأنهم حازوا
صفةٌ عظيمة، هي التحقّق بصفة العبودية لله تعالى، وذلك في قوله ((إن عبدي كلَّ
عبدي» .
وما هي علامة هذا التحقّق؟ وماذا ظهر منهم للناس؟ قال: ((الذي يذكرني
وهو مُلاقٍ قِرْنه».
فمن ذَكَرَ ربَّه في معضلاتٍ وشدائدَ كهذه: كان ذلك علامةَ تحقَّقِه بالعبودية
لرب العالمين، ولماذا؟ لأن من شأن العبد أن يعلم أن له رباً فيذكُرَه، ومن كان
عريقاً في العبودية متحقِّقاً بها تمامَ التحقُّق: كان على ذِكْرٍ لربه دائماً وأبداً، ومتذكراً
له.