Indexed OCR Text
Pages 1-20
مِنْ صِحَاج
الأَعْاِيَةِ الْقُدِسَةُ
مِائَة حَدِيْثٍ قُدْسِيٍّ مَعَ شَرْحِهَا
شرح وتعليق
مُحمَد عَوَّامَة
دَار القبلة للثقافة الإسلامية
جدّة
مُؤْ شِيُ عَلُمُ القُرَات
جدّة
مِنْ صِحَاج
الأَجَائِيَةُ القُدِسَةُ
مِائَةٌ حَدِيْثٍ قُدْسِيٍّ مَعَ شَرْحِهَا
شرح وتعليق
مُحُمَّدَ عَوَّامَة
دَار القبلة للثقافة الإسلامية
جدّة
مُؤْ شِيُعَلَقُمُ الْقُرَاب
جدّة
جميع الحقوق محفوظة
الطبعَة الثّانيَة
١٤١٨ هـ / ١٩٩٧م
مُؤْ شِيُ عَلَمُ القُرَاب
دَارِ القِبلةُ لِلثقافة الإسلامية
المملكة العربية السعودية - جدة ص. ب: ١٠٩٣٢. الرمز: ٢١٤٤٢ -
ت: ٦٦٥٢٤٠٦ - ٦٦٥٩٩٥١. فاكس: ٦٦٥٩٤٧٦.
جميع الحقوق محفوظة
الطبعَة الثّانيَة
١٤١٨ هـ / ١٩٩٧م
مُكْ شِيُ عَلَوْمُ القُرَار
دَار القِبلة للثقافة الإسلامية
المملكة العربية السعودية - جدة ص. ب: ١٠٩٣٢. الرمز: ٢١٤٤٢ -
ت: ٦٦٥٢٤٠٦ - ٦٦٥٩٩٥١. فاكس: ٦٦٥٩٤٧٦.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، العفوِّ الغفور، المنعِم
المتفضِّل، ذي الجلال والإكرام، والطّوْل والإِنعام، له الأسماءُ الحسنى،
والصفاتُ العُلَى، تعالى فاتصف بكل كمال يليق بجلاله، وتقدَّس فتتزّه عن
كل نقصان لا يليق بكماله. فسبحانه من إله عظيم عَنَتْ لعظمته الوجوه،
وخَضَعت له الرقاب، وسَجَدت له الجِباه .
والصلاةُ والسلامُ الأتمان الأكملان على سيدنا محمد النبيِّ الأميِّ،
العربي الهاشمي، الطاهرِ الزَّكيِّ، الذي أوحى إليه الله عز وجل بصنوف
الوحي، فبلَّغ عنه بجميع وجوه التبليغ، فأدَّى بذلك الأمانة، وبلَّغ الرسالة،
ونصح الأمة، وأرشد الناس إلى خير الدنيا والآخرة، فصلَّى الله عليه وعلى آله
وأصحابه وأتباعه ومحبِّيه صلاةً وسلاماً زاكييْن دائمين بدوام ملك الله العظيم.
وعلينا معهم يا أكرم الأكرمين.
أما بعد: فإن الأحاديث القدسية تكلُّلَتْ بالنُّورَين: نورِ الكلام الإِلهي،
ونورِ البلاغ المحمدي، وإن المكثر من قراءتها، والمُمْعِنَ في فهمها - ولو
قَدْرَ مجلسٍ واحد من مجالس سَمَره - يَشعُر بروحانية خاصة تتخلَّل قلبه،
وبقدسية وجلال یَعْلُوان روحه، لا يُحسُ بمثلها في مواقفَ أخری مَرَّت به، ولو
أن القارىء الكريم قام بذلك، فقرأ الأحاديث من هذه المجموعة، متصلةً،
لشعر بما أصفه له.
ذلك أن جُلَّ الأحاديث القدسية يتحدَّث عن صفات الله العليّة: من
تفضُّله على عباده بالعطاء والرحمة والمغفرة، ومن غِناه عنهم وافتقارهم إليه،
ومن إقباله على من أقبل إليه، ولُطفه بمن أعرض عنه.
٦
ومن حديثٍ عن بعض مخلوقاته الكريمة، كالملائكة، وصِلَّتهم بعباده،
ومن إبرازه لهم بعضَ أعمالٍ عباده بالفضل العظيم، والثواب الجسيم.
وفيها الكثيرُ من الحديث والشرح لمواقف عوالم الآخرة المغيّية.
فيتنقّل القارىء المتوجِّه بقلبه من عالم أرضي دنيوي، إلى عالم رفيع
عُلوي، يحسُ بأن الله ینادیه، فهو يناجيه: يناديه: يا عبادي، يا عبادي،
فيناجيه: يا رب، يا رب !.
يسمع العبدُ أن الله أعدَّ لعباده الصالحين ما لا عين رأتْ، ولا أُذُن
سمعت، ولا خطَرَ على قلبٍ بَشَر، فيدعوه ويَضْرَع إليه: يا ربِّ اجعلني من
عبادك الصالحين.
يسمع العبد قولَ الله تعالى: أين المتحابُّون بجلالي؟ فيسرع ويقول: أنا
یا رب مع فلان وفلان .
يتعطّف الله تعالى على عباده فيناديهم سَحَرَ كل ليلة: هل من مُستغفِر
فَأَغفِرَ له؟ هل من تائب فأتوبَ عليه؟ هل من مسترزق فأَرزُقَه؟ هل من مبتلىَّ
فأَعافيَه؟ هل من كذا؟ هل من كذا؟ فيأخذُه الخَجَل والوَجَل: كيف يتعرَّض
المولى لعباده بالمغفرة والتوبة، والرِّزق والمعافاة .. وأنا غافل نائم !! كيف
يناديني الله تعالى وأنا عنه معرض ..!! كيف أشُحُ على المحتاجين وأخشى
الفقر والله تعالى يقول لي: يا عبدي أَنفِقْ أَنْفِقْ عليك؟! فهو يضمن ليَ العطاءَ
والخَلَف - وهو ملك الملوك - وأنا أخشى الفقر من بعد البذل؟ !.
وهكذا تكون المناداة والمناجاة، والتوجُّه والمبادرة، والسموُ بالروح
والقلب ...
ثم إن التحدُّث عن ذات الله وصفاته أمرٌ تضيق عنه الأُلسُن البشرية،
خشيةَ أن تَزِلَّ في الحديث عن الله فتصفَه بما لا يُرضيه، فتأتي الأحاديث
القدسية تُعبِّر عن الله بكلام منه سبحانه، ولا أَصدقَ ولا أكملَ من التعبير عن
الذات المقدَّسة بمثل كلام الله.
٧
وهذه مائةُ حديثٍ قدسي، أكرمَ الله تعالى وتفضَّلَ بالتوفيق إلى جمعها،
وتخريجها، وشرحها، وسأعرض للمنهج في ذلك بعد تعريفِ الحديث
القدسي، وشرحِ بعضِ مسائلَ علمية تتعلَّق به، والحديثِ عن أشهر
المؤلّفات فيه المتداولة.
تعريف الحديث القدسي :
الحديث القدسي: هو كلَّ قولٍ صريحٍ يرويه النبيُّ نَّه عن الله
عز وجل.
١ - وأصل هذا التعريف من ((شرح المنظومة البيقونية)) ص ٢١ لشيخنا
العلامة العمدة المحدث الشيخ عبد الله سراج الدين حفظه الله تعالى بخير
وعافية، قال: ((هو الذي يرويه النبي وَليل عن الله تعالى)). وقولي ((كل قول
صريح)): توضيح لقوله ((هو الذي)).
ففي هذا التعريف أربعة قيود يُحتَرَز بها عن غيرها.
الأول: القول، خَرَجَ به الفعل. فحديث البخاري في كتاب الأدب
١٠: ٤٣١ (٦٠٠٠): ((جَعَل الله الرحمة في مائة جزء، فأمسكَ عنده تسعةً
وتسعين جزءاً .. )): هذا حكايةُ فعلٍ لله عز وجل، لا يدخُل في مسمَّى
الأحاديث القدسية، ونحو هذا كثير.
الثاني: الصريح، خَرَج به غير القول الصريح، كقوله وَّهِ - في حديث
البخاري ١: ١٨٢ (٨٦) -: (( .. أُوحِيَ إليَّ أنكم تُفْتَنون في قبوركم مثلَ - أو
قريبَ - من فتنة المسيح الدجال ... )). وقوله في حديث مسلم ١٧ : ٢٠٠ :
(إن الله أَوحِى إليَّ أنْ تَوَاضَعوا، حتى لا يَفْخَرَ أحد على أحد، ولا يَبْغيَ أحد
على أحد)). أما إذا ورد: أوحى الله إليَّ، أو: إلى إبراهيم، أو: إلى موسى:
افعل، کذا، ونحوه: فهو قدسي.
ونحو هذا في عدم الصراحة: بعضُ الأحاديث الوارد فيها: فَيُنادي
منادٍ، أو: فيقال. كحديث ابن عباس عند البخاري ٦: ٣٨٦ (٣٣٤٩)،
٦
٨
ومسلم ١٧ : ١٩٤: ((إنكم محشورون حفاةً عُراةً غُرْلاً .. ، وإنه سيُجاء برجال من
أمتي، فيؤخَذُ بهم ذاتَ الشمال، فأقول: يا رب أُصَيْحابي! فيقال: إنك لا تدري
ما أحدثوا بعدك)). وسيأتي الكلام على هذا المثال آخر هذه المقدمة ص ٢٢ .
الثالث: يرويه النبي وَلغيره، خَرَج به ما كان من رواية غيره وَطير، كالذي
يُنْقَل في الإِسرائيليات ونحوها، ولو صحَّ سنده، وكالحديث الذي ذكره الشيخ
محمد المدني في آخر كتابه ((الإِتحافات السنية)) برقم ٨٦١: ((عن عمر بن
الخطاب رضي الله عنه قال: حُدِّثتُ أن موسی ۔ أو عیسی - قال: يا ربِّ ما
علامةُ رضاك عن خلقك؟ فقال الله عز وجل: أَنْ أُنزِلَ عليهم الغيث إِبَّانَ
زرعهم ... )). فهذا لا يعدُّ قدسياً بحالٍ ما.
وكذلك لا يعدُّ قدسياً إذا كان من رواية صحابي عن كتابٍ من كتب الله
السماوية، كحديث البخاري ٤: ٣٤٣ (٢١٢٥) عن عبد الله بن عمرو بن
العاص في صفة النبي وَله: ((أجَلْ والله، إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته
في القرآن: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً، وحِرْزاً للأميين،
أنت عبدي ورسولي ... )).
الرابع: أن يكون عن الله عز وجل، أما ما كان من روايته و ◌ّ عن ملك
من الملائكة، أو عن جبريل عليه السلام، فلا يعدُّ قدسياً أيضاً. كحديث بدء
الوحي مثلاً. وانظر ما يأتي صفحة ١٩ و٢١.
وهل يشترط ليكون الحديث قدسياً أن يُصَدَّر بـ: قال الله تعالى، أو:
إن الله تعالى قال، أو: يقول الله تعالى؟ أو لا يشترط، كما هو الحال في
أحاديثَ كثيرةٍ مفتَتَحة بكلام للنبيِ وَّهَ، ويَرِدُ في أثنائها أو في آخرها جملةٌ
منسوبةٌ للّه عز وجل؟.
مثلُ حديثٍ مسلم الآتي برقم ٤٣: ((ما من يومٍ أكثرَ من أن يُعتقَ الله فيه
عبداً من النار: من يوم عرفةَ، وإنه لَيدنو ثم يُباهي بهم الملائكة فيقول: ما
أراد هؤلاء؟)).
٩
والجواب: أن الكلِّ يُسمَّى قدسياً، وقد تتبّعتُ كثيراً فلم أرَ نصاً على
ذلك، وسألتُ عدداً من شيوخي الكبار فاختلف عليَّ جوابهم. ثم رأيتُ
الحافظ ابن حجر رحمه الله قال في ((الفتح)) جملةً صريحة في أن الكلَّ
قدسئُّ.
قال البخاري رحمه الله في ((صحيحه)) ١٣: ٤٦٤: ((باب قول الله
تعالى: يريدون أن يبدِّلوا كلام الله)) وأورد تحته سبعةً عَشَرَ حديثاً، الخمسةُ
الأولى منها قدسيةٌ، وهي: ١ - ((قال الله تعالى: يُؤْذيني ابنُ آدم، يسبُّ
الدهر .. ))، و٢ - ((يقول الله عز وجل: الصومُ لي، وأنا أَجزي به .. ))
و٣ - ((بينما أيوبُ يغتسل عُرياناً خَرَّ عليه رِجْلُ جَرَاد من ذهب، فجعل يحثي
في ثوبه، فناداه ربُّه: يا أيوب .. )) و٤ - ((يتنزَّل ربُّنا تبارك وتعالى كلَّ ليلة إلى
السماء الدنيا حين يبقى ثلثُ الليل الآخر، فيقول: مَن يدعوني .. ))
و ٥ - ((نحن الآخرون السابقون يوم القيامة .. قال الله: أَنْفِقْ أَنْفِقْ عليك)).
قال الحافظ رحمه الله بعد أن تكلّم بإيجاز عن الحديث الأول
١٣: ٤٦٧ ((وهو من الأحاديث القدسية، وكذا ما بعده إلى آخر الخامس)).
وأنت ترى أن بعضَها - ١، ٢، ٥ - مصدَّر بنسبته إلى الله عز وجل. وبعضَها -
٣، ٤- لیس کذلك.
وهل الحديثُ القدسيُّ لفظُه ومعناه من الله عز وجل؟ أو لفظه من
النبي ◌َّر ومعناه من الله تعالى؟:
ذهب بعض أهل العلم إلى القول الأول، وذهب الجمهور إلى الثاني،
وإليك البيان :
أَقدمُ مَن وقفتُ على نقلٍ عنه - من الجمهور -: هو العلامةُ الطَّبيُّ
المتوفَّى سنة ٧٣٤ رحمه الله تعالى، قال: ((القرآنُ: هو اللفظُ المنزَّلُ به
جبريلُ على رسول الله ◌ََّ للإِعجاز، والقدسيُّ: إخبارُ اللّهِ رسولَه بالإِلهام أو
١٠
بالمنام، فأخبر النبيُّ وَ﴿ أَمتَه بعبارة نفسه، وسائرُ الأحاديثِ لم يُضِفْه إلى الله
تعالى، ولم يروه عنه تعالى))(١).
وقال العلامة الكِرماني شارح البخاري المتوفّى سنة ٧٨٦ رحمه الله
تعالى، في ((شرحه)) المذكور ٩: ٧٩ أوائل كتاب الصوم: ((فإن قلتَ: فهذا
قولُ الله وكلامُه، فما الفرقُ بينه وبين القرآن؟. قلتُ: القرآن لفظُه معجزٌ
ومنزَّلٌ بواسطة جبريل، وهذا غير معجز وبدون الواسطة، ومثلُه يسمَّى
بالحديث القدسي، والإلهي، والرباني.
((فإن قلتَ: الأحاديثُ كلُّها كذلك، وكيف لا وهو ما يَنطِق عن الهوى؟.
قلتُ: الفرق بأن القدسيَّ مضافٌ إلى الله ومروي عنه، بخلاف غيره ۔ یرید:
النبوي -، وقد يفرَّق بأن القدسي ما يتعلَّق بتنزيه الله تعالى وبصفاته الجلالية
والجمالية، منسوباً إلى الحضرة المقدسة، تعالى وتقدَّس)). ثم ذكر كلامَ
الطَّبي السابق.
وإلى هذا القول نحا العلامةُ السيد الشريف الجُرْجاني المتوفّى سنة
٨١٦ رحمه الله، في ((تعریفاته)) ص ٨٣.
وكذلك الإِمامُ العينيُّ المتوفّى سنة ٨٥٥ رحمه الله، في ((عمدة القاري))
٩: ١٠، نَقَل كلامَ الكِرمانيِّ والطّيبِيِّ، وسكت عنه.
وقال عليُّ القاري المتوفَّى سنة ١٠١٤ رحمه الله في ((مرقاة المفاتيح))
٩٥:١: ((الفرق بين الحديث القدسي والقرآن: أن الأول يكون بإلهام، أو
منام، أو بواسطة ملك، بالمعنى، فيعبِّرِه بلفظه، وينسُبه إلى ربه، والثاني لا
يكون إلا بإنزال جبريل باللفظ المعيّن)).
ونحو هذا قال المناوي المتوفى سنة ١٠٣١ رحمه الله، في ((فيض
١ - كأن الطيبيَّ قال هذا في شرحه على ((مشكاة المصابيح))؟ ونقلتُه عنه بواسطة ((شرح الكِرْماني
على البخاري)) ٧٩:٩ .
١١
القدير)) ٤٩٤:٤ في آخر شرحه للأحاديث التي ذكرها السيوطي
رحمه الله تعالى في ((الجامع الصغير)) المصدَّرة بـ: قال الله تعالى.
وذهب غيرُ الجمهور إلى أن الحديث القدسي أُوحي بلفظه ومعناه إلى
النبيِ وَ﴿، وأقدمُ من عرفتُه قال بهذا القول: العلامةُ ابن حجر الهَيْتَمِيُّ المكيُّ
المتوفّى سنة ٩٧٤ رحمه الله، في ((الفتح المبين)) ص ٢٠١، وسيأتي نقل
كلامه بطوله .
وأشار إليه القاري نفسُه في موضع آخر من ((المرقاة)) ١٢٤:٥ فقال عند
شرح حديث أبي ذر: ((قال: قال رسول الله مَّ فيما يروي: أي: بواسطة، أو
بغيرها، يقظةً، أو مناماً، باللفظ، أو بالمعنى)). فجَوَّز الوجهين.
وأشار إليه أبو البقاء الكَفَوي المتوفى سنة ١٠٩٤ رحمه الله، في
((كلياته)) ٣٨:٤ فقال: ((وقال بعضهم: القرآن لفظ معجز ومنزل بواسطة
جبريل، والحديث القدسي: غير معجز وبدون الواسطة)) قال هذا بعد أن ذكر
مذهب الجمهور، فأفاد أن هذا (البعض) يقول بقول ابن حجر الهيتمي، وقد
يكون هو مرادَ الكَفَويِّ بقوله ((وقال بعضهم)).
ونقل القاضي محمد شريف الدين الفاروقي الفالمي رحمه الله، مصححُ
الطبعةِ الهندية لكتاب ((الإتحافات السنية)) للشيخ محمد المدني، نَّقَل آخر
الكتاب فوائد في معرفة الفوارق بين القرآن الكريم، والحديث القدسي،
والحديث النبوي، جاء في آخرها ما لفظُه: ((وفي ((فوائد الأمير حميد الدين)):
الفرق بين القرآن والحديث القدسي على ستة أوجه .. ، والخامس: أن القرآن
يجب أن يكون لفظه من الله تعالى، وفي الحديث القدسي يجوز لفظاً من
النبي وَ #))(١). فكأن الأصل عنده أن يكون لفظه موحى به من الله تعالى،
ويجوز أن يكون من النبي حَد.
والآن أنقل كلام الإِمام ابن حجر الهيتمي. قال رحمه الله في آخر شرحٍ
١ - ص ٣٣٨ من طبعة الشيخ محمود أمين النواوي بمصر سنة ١٣٩٨.
١٢
حديث أبي ذر - وهو الحديث الرابع والعشرون من ((الأربعين النووية)) -
ص ٢٠١: ((فائدة يعمُّ نفعها، ويعظُم وَقْعها، في الفرق بين الوحي المتلوِّ
- وهو القرآن - والوحي المروي عنه وَّر عن ربِّه عز وجل، وهو ما ورد من
الأحاديث الإلهية، وتسمى القدسية، وهي أكثر من مائة(١)، وقد جَمَعَها
بعضهم في جزء كبير(٢)، وحديثُ أبي ذر هذا من أجلُّها.
اعلم أن الكلامَ المضافَ إليه تعالى أقسام ثلاثة:
أولها - وهو أشرفُها -: القرآن، لتميُّزه عن البقية بإعجازه من أوجه
قدَّمناها أولَ الكتاب(٣)، وكونِه معجزةً باقية على ممرِّ الدهر، محفوظةً من
التغيير والتبديل. وبحرمةِ مسِّه للمحدث، وتلاوته لنحو الجنب، وروايته
بالمعنى، وتعيُّنه في الصلاة. وبتسميتِه قرآناً. وبأن كلَّ حرف منه بعشر
حسنات. وبامتناع بيعه في رواية عند أحمد، وكراهةٍ عندنا - أي السادة
الشافعية -. وبتسمية الجملةِ منه آيةً وسورةً.
وغيرُه من بقية الكتب والأحاديث القدسية لا يثبتُ لها شيء من ذلك،
فيجوز مسُّه(٤) وتلاوتُه لمن ذُكر، وروايته بالمعنى، ولا يجزي في الصلاة، بل
يبطلها، ولا يسمى قرآناً، ولا يعطى قارئه بكل حرف عشراً، ولا يُمنَع بيعه ولا
يكره اتفاقاً، ولا يسمَّى بعضُه آيةً ولا سورةً اتفاقاً أيضاً.
١ - كأنه رحمه الله يريد الصحيح منها، أما مطلقاً: فأكثر بكثير جداً جداً.
٢ - لعله يريد ابن بَلْبان المقدسي؟ وسيأتي الحديث عن كتابه ((المقاصد السنية في الأحاديث
الإلهية)) ص ٢١ .
٣ - خلاصة ما قاله في شرح المقدمة ص ٢٢ - ٢٣: ((وجوهُ إعجاز القرآن لا تنحصر، فمنها: إيجازُه
وبلاغتُه .. ، ومنها: خروجُه عن جنس كلام العرب نظماً ونثراً، وخطباً وشعراً، ورَجَزاً
وسَجْعاً .. ، ومنها: أن قارئَه لا يَمَلُّه، وسامعَه لا يَمُجُّه .. ، ومنها: ما فيه من الإِخبار بما كان
مما علِموه ومما لم يعلَموه .. ، ومنها: اشتمالُه على علوم الأولين والآخرين، مع كونِ الآتي به
أقام بينهم أربعين سنة قبل تكلُّمه به أمياً لا يُحسن نظم كتاب، ولا عقد حساب .. )).
٤ - نصَّ ابن عابدين من السادة الحنفية ١١٦:١، ١١٧ على حرمة مس المحدث حدثاً أكبر أو
أصغر للكتب السماوية ما عُلم أنه غير مبدّل منها، فما نقله عنهم الدكتور وهبة الزحيلي في
كتابه ((الفقه الإسلامي وأدلته)) ١ :٢٩٦ غير دقيق.
١٣
ثانيها: كتبُ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبل تغييرها وتبديلها.
ثالثها: بقية الأحاديث القدسية، وهي ما نُقل إلينا آحاداً عنه وَير، مع
إسناده لها عن ربه، فهي من كلامه تعالى، فتضاف إليه - وهو الأغلب،
ونسبتُها إليه حينئذ نسبةُ إنشاء، لأنه المتكلُّم بها أولاً، وقد تُضاف إلى
النبي وَ﴿، لأنه المخبر بها عن الله تعالى، بخلاف القرآن، فإنه لا يُضاف إلا
إليه تعالى، فيقال فيه: قال الله تعالى، وفيها: قال رسول الله وَّر فيما يروي
عن ربه .
ولا تَنحصِر تلك الأحاديثُ القدسيةُ في كيفية من كيفيات الوحي، بل
يجوز أن تتنزّل بأي كيفية من كيفياته، كرؤيا المنام، والإلقاء في الرُّوع، وعلى
لسان الملك.
ولراويها صيغتان: إحداهما: أن يقول: قال رسول الله وَ لقر فيما يروي
عن ربه. وهي عبارةُ السلف، ومن ثَمَّ آثرها المصنف فيما مرَّ(١).
ثانيتهما: أن يقول: قال الله تعالى فيما رواه عنه وَّه. والمعنى واحد)).
وقد علَّق شيخنا العلامة المحدث فضيلة الشيخ عبد الله سراج الدين
أمتع الله المسلمين به في ((شرحه على المنظومة البيقونية)) ص ٢٤، على قول
ابن حجر الهَيْتَمي: ((ونسبتُها إلى الله حينئذ نسبةُ إنشاء)) فقال: ((هذا صريح
في أن الأحاديث القدسية هي كلام الله تعالى، ولكن لم يبلغ حدَّ الإِعجاز
والخصائص التي اختّص بها القرآن الكريم، كما أن بقية الكتب الإلهية النازلة
على الرسل السابقين صلوات الله تعالى عليهم أجمعين لم تبلغ حدَّ الإِعجاز،
ولم تنلْ خصائصَ القرآن الكريم)».
وقد عبَّر الدكتور محمد عبد الله درَاز المتوفّى سنة ١٣٧٧ رحمه اللّه،
١ - يريد: الإِمامَ النوويُّ رحمه الله تعالى. والذي مرَّ: هو قولُه أولَ الحديثِ المشروح - حديثٍ
أبي ذر -: ((عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، عن النبي {8# فيما يرويه عن ربه عز وجل)).
قلت: لفظ روايته في مسلم يتفق مع محل الشاهد منه.
١٤
عن وجهة نظر الجمهور، في مقدمة كتابه ((النبأ العظيم)) ص ١٥ فقال: ((هذا
هو أظهر القولين عندنا، لأنه لو كان منزلاً بلفظه لكان له من الحرمة والقدسية
في نظر الشرع ما للنظم القرآني، إذْ لا وجهَ للتفرقة بين لفظين منزّلين من عند
اللّه، فكان من لوازم ذلك وجوبُ المحافظة على نصوصه، وعدمُ جوازٍ روايته
بالمعنى إجماعاً، وحرمةِ مسِّ المحدِث لصحيفته. ولا قائلَ بذلك كلِّه(١).
وأيضاً فإن القرآن لما كان مقصوداً منه - مع العمل بمضمونه ـ شيءٌ
آخرُ، وهو التحدِّي بأسلوبه، والتعبُّد بتلاوته: احتيج لإِنزال لفظه. والحديثَ
القدسي لم ينزل للتحدِّي ولا للتعُّد، بل لمجرد العمل بما فيه. وهذه الفائدة
تحصّل بإنزال معناه .
فالقولُ بإنزال لفظه قولٌ بشيء لا داعي في النظر إليه، ولا دليل في
الشرع عليه، اللهم إلا ما قد يلوح من إسناد الحديث القدسي إلى الله تعالى
بصيغة: يقول الله تبارك وتعالى كذا. لكن القرائن التي ذكرناها آنفاً كافيةٌ في
إفساح المجال لتأويله، بأن المقصود نسبة مضمونه لا نسبة ألفاظه.
وهذا تأويل شائع في العربية، فإنك تقول حينما تنثر بيتاً من الشعر:
يقول الشاعر كذا، وتقول حينما تفسر آيةً من كتاب الله بكلامٍ من عندك:
يقول الله تعالى كذا. وعلى هذه القاعدة حكى الله تعالى عن موسى وفرعون مضمونَ
كلامهم بألفاظٍ غيرِ ألفاظهم، وأسلوب غير أسلوبهم، ونَسَب ذلك إليهم.
فإن زعمتَ أنه لو لم يكن في الحديث القدسي شيء آخرُ مقدَّس وراء
المعنى، لصح لنا أن نُسَمي بعض الحديث النبوي قدسياً أيضاً، لوجود هذا
المعنى فيه ! .
فجوابه: أننا لما قطعنا في الحديث القدسي بنزول معناه، لورود النص
الشرعي على نسبته إلى الله تعالى بقوله ومالر: قال الله تعالى كذا: سميناه
قدسياً لذلك، بخلاف الأحاديث النبوية، فإنه لما لم يَرِدْ فيها مثلُ هذا النصِّ
١ - انظر مذهب الحنفية في مسِّ المحدث صحيفةً فيها ما لم يبذَّل من كتاب سماوي، فيما تقدم
تعليقاً ص ١٢ رقم ٤.
١٥
جاز في كل واحد منها أن يكون مضمونه معلّماً بالوحي، وأن يكون مستنبطأ
بالاجتهاد والرأي، فَسُمي الكلُّ نبوياً، وقوفاً بالتسمية عند الحدِّ المقطوع به،
ولو كانت لدينا علامةٌ تُميِّز لنا قسم الوحي لسمَّيناه قدسياً كذلك)).
وأقول: إن هذا البيان - والله أعلم - معبِّر تمامَ التعبير عن وجهة نظر
الجمهور، وهو مؤلّف من شِقَّين:
- نفي المشابهة بين القرآن الكريم والحديث القدسي، ويلزم من نفي
المشابهة أن نلحق الحديث القدسي بالنبوي حينئذ.
- تأويل قول النبي صل﴿ أولَ الحديث القدسي: قال الله تعالى كذا.
١ - أما الشق الأول - وهو ذِكْر الفوارق الكثيرة بين القرآن والحديث
القدسي - فهذا أمر مسلَّم به، وبأن القدسي لا يتصف بخَصِيصة من خصائص
القرآن الكريم التي تقدم ذكرها في كلام ابن حجر الهَيْتَمي، ولكن: هل يلزمُ
من نفي المشابهة بينهما أن نُلحق القدسي بالنبوي؟.
الجواب: لا، ذلك أن الكلام الذي أوحى الله تعالى به إلى أنبيائه أربعة
أقسام، هي الثلاثة التي تقدمت في كلام ابن حجر الهيتمي، يضاف إليها:
الحديث النبوي :
١ - القرآن الكريم، ذو الخصائص. ٢ - الكتب السماوية الأخرى سواه،
وليس لها خصائص القرآن. ٣ - الحديث القدسي. ٤ - الحديث النبوي.
فقول الدكتور دراز: ((لو كان - الحديث القدسي - منزلاً بلفظه لكان له
من الحرمة والقدسية في نظر الشرع ما للنظم القرآني، إذْ لا وجه للتفرقة بين
لفظين منزلين من عند الله)): في محل المنع، فأين هو عن الكتب السماوية
الأخرى؟! إذ أنها منزلة من عند الله تعالى بلفظها ومعناها اتفاقاً، وليس لها من
الخصائص ما للقرآن العظيم اتفاقاً.
وبالتالي: لا يلزم من نفي المشابهة بين القرآن والقدسي: أن نلحق
القدسي بالنبوي، لأننا إذا لم نلحقه بالنبوي، أُلحق بالقرآن !!. لا. إننا حينما
١٦
نقول: لفظه ومعناه من عند الله، نقول: هو ليس كالقرآن الكريم، فإن قيل:
إذاً هل له نظير في الكلام المضاف المنسوب إلى الله عز وجل؟ قلنا: نعم، هو
كالكتب السماوية الأخرى سوى القرآن، لفظها ومعناها من عند الله، وهذا كذلك.
٢ - أما الشق الثاني في كلام الدكتور دراز - وهو تأويل قول النبي وَل
في صدر الحديث القدسي: قال الله تعالى كذا - فهو على ما بين المشبّه
والمشبَّه به من فارق - أقول فيه: إنما يصار إلى التأويل عند اللزوم، ولا لزوم
هنا، ما دمنا قد أَزَلْنا الإِشكال الذي عبّر عنه بقوله: ((لو كان منزلاً بلفظه لكان
له من الحرمة والقدسية في نظر الشرع ما للنظم القرآني)) بأن هذا التلازم غير
صحيح، إنما هو ناشىء من قِبَل حصر الكلام المنسوب إلى الله في القرآن
الكريم والحديث النبوي :
فالقرآن الكريم: لفظه ومعناه من عند الله، وهو معجز ومختصُّ
بخصائص.
والحديث النبوي: لفظه من النبي وَلقر، ومعناه من عند الله تعالى، إلا
ما دلَّ الدليل الواضح على كونه من اجتهاد النبي صلاته.
ونقضُ هذا الحصر يكون بالتنبُّه إلى الكتب السماوية الأخرى، وأنها
باتفاقٍ كلامُ الله لفظاً ومعنى - قبل أن يطرأ عليها الدخيل والتحريف -، فنلحق
الأحاديث القدسية بها، إعمالاً لظاهر قول النبي وَ ظافر: قال الله تعالى كذا، وإن
الله تعالى قال كذا .. حتى لو لم يكن هناك كلام منسوب إلى الله عز وجل
لفظه ومعناه من اللّه، وهو غير معجز - كالكتب السماوية - لما كان بنا ضرورةٌ
إلى تأويل هذا التعبير منه وَ ل#، ونقول نحن من عند أنفسنا: القرآن كلامُ الله
المعجزُ المتحدَّى به، والحديث القدسي كلامُ اللّه غيرُ المعجز وغير المتحدَّى
به. وثمة فائدة كبرى نستفيدها من القول بأن القرآن لفظه ومعناه من الله تعالى
وهو معجز، والأحاديث القدسية لفظها ومعناها من اللّه تعالى، وهي غير
معجزة، تلك هي أن الحجةَ تقوم على الكافرين حينئذ بوجه أقوى، وذلك
حينما يقول لهم النبي مية: إنه يأتيني كلام لا تستطيعون الإِتيان بمثل بعضه.
١٧
وكلامُ تستطيعون الإِتيان بمثل بعضه، والكلَّ من عند الله تعالى، فهذا إمعانٌ
في التحدي للكافرين. والله تعالى أعلم.
المصنفات في الأحاديث القدسية:
لم يكن معروفاً شائعاً - منذ سنين خَلَتْ - من كتب الأحاديث القدسية
إلا كتاب ((الإِتحافات السنية)) للعلامة المُنّاوي رحمه الله، جمع فيه
٢٧٢ حديثاً قدسياً مع عزوها إلى مُخْرِجيها من أئمة الحديث. وطُبع شرحٌ
عليه اسمه ((النفحات السلفية)) باسم الشيخ محمد منير الدمشقي صاحب
المطبعة المنيرية، وجُدِّد طبعه بمصر أيضاً من سنوات قليلة، نَشَرته مكتبة
التراث الإسلامي، وكانت كتابة هذا الشرح سنة ١٣٦١ هـ أيام الحرب
العالمية الثانية، كما جاء ذلك أثناء شرحه للحديث ١٩٨ .
وطُبع بالهند كتابٌ آخر يحمل الاسم نفسه: ((الاتحافات السنية في
الأحاديث القدسية)) للشيخ محمد بن محمود المدني الحنفي المتوفّى سنة
١٢٠٠ هـ، ثم طبع مرات بالبلاد العربية، فيه ٨٦٤ حديث(١).
ومنذ أكثر من خمسين سنة طَبَعَ الأستاذ الشيخ محمد راغب الطباخ
المتوفّى سنة ١٣٧٠ رحمه الله، بمطبعته العلمية بحلب رسالة واحدة جمعت
رسالتين في الأحاديث القدسية، إحداهما ((مشكاة الأنوار)) للشيخ محيي الدين
ابن عربي الطائي، جمع فيها ١٠١ حديث قدسي، وثانيتهما للشيخ علي
القاري، جَمَع فيها أربعين حديثاً قدسياً.
ثم عَهِد المجلس الأعلى للشئون الإِسلامية بمصر إلى لجنة من شيوخ
الأزهر، لاختيار مجموعة من الأحاديث القدسية، فقاموا بذلك، جزاهم الله
خيراً، وطُبع باسم ((الأحاديث القدسية))، فيه ٤٠٠ حديث، وكُرِّر تصويره
ببيروت .
١ - لا (٨٦٣) كما جاء في مقدمة ناشره ص ١٣ .
١٨
ثم قام الأخوان الفاضلان الأستاذ الشيخ محيي الدين مستو، والدكتور
محمد العيد الخَطراوي - الأديب السعودي - قاما بتحقيق ونشر ((المقاصد
السنية في الأحاديث الإلهية)) لابن بَلْبَان المقدسي (٦١٢ - ٦٨٤) رحمه الله
تعالى، وجزاهما الله خيراً على ما بَذَلا من جهد في إخراجه. وكانت طبعته
الأولى سنة ١٤٠٣، ثم أعادا طبعه.
فالكتب المتداولة الآن في الأحاديث القدسية هي هذه الأربعة.
١ - أما كتاب العلامة المناوي: فيضاف إلى ما تقدم عنه أمران: التزم
إخراج الأحاديث القدسية التي لم يتخلَّلْها كلام نبوي أبداً - إلا نادراً - ولم
يلتزم الصحة أو الحسن فيما يذكره، فهو جامع لما صحَّ ولما لم يصح.
٢ - وأما كتاب الشيخ محمد المدني: فكتابُه أوسعُ بكثير من كتاب
المناوي، ويتفق معه في التخريج وعدم التزام الصحة، لكنه قَسَم كتابه إلى
ثلاثة أبواب: ((الباب الأول: فيما صُدِّر بلفظ: قال. والباب الثاني: فيما صدِّر
بلفظ: يقول. والباب الثالث: فيما لم يصدَّر بهما، بل يُذكَر في أثناء الحديث
كلامُ الله تعالى ممزوجاً بالحديث)). وعمدتُه فيه: ((الجامع الكبير)) للسيوطي
رحمه الله .
وعدد أحاديث القسم الأول: ١٦٨ حديث، وعدد أحاديث القسم
الثاني: ٩١ حديثاً، فمجموعهما ٢٥٩، وهو في هذين القسمين يشترك مع
عُظْم كتاب المناوي.
٣ - أما كتاب ((الأحاديث القدسية)) اختيار اللجنة الأزهرية: فقد اعتمدت
في جمعها على الكتب الستة و((الموطأ))، والأحاديث التي في البخاري نقلتْ
شرحَها من ((إرشاد الساري)) للقسطلاني رحمه الله، وما كان في ((صحيح
مسلم)) نقلتْ شرحه من ((شرح النووي)) رحمه الله. وما كان في غيرهما
تخيَّرت شرحه من عدة مصادر.
وفي اختيار الأحاديث وجمعها، وفي شرحها: جهد مشكور طيب،
١٩
أجزل الله لهم المثوبة. ولشهرته وتداوله أحببتُ أن أُبديَ ما وقفتُ عليه من
ملاحظات، ابتغاء النفعِ ، ثم لاستدراكها.
١" - بلغ عدد أحاديث الكتاب - حسب ترقيمه - ٤٠٠ حديث، لكنْ
فيه تكرار كثير، سببُه نقلُ ألفاظ الحديث الواحد من كتاب واحد ، أو من
عدة كتب.
مثال ذلك: حديث (تحاجَّت الجنة والنار .. ))، ذكروا لفظه بتمامه من
((صحيح البخاري))، ثم ذكروا لفظه من ((صحيح مسلم))، ثم ذكروا مغايرات
روايات مسلم، ثم ذكروا لفظه من ((سنن الترمذي)). وقد أَخَذَ هذا الحديث
الواحد منهم عشرة أرقام من ٣٦٨ إلى ٣٧٧! والكل حديث واحد، وهذه
المغايراتُ يُستفاد منها أحياناً في شرح الحديث.
٢" - إن الكتاب وُضع لجمع الأحاديث القدسية من هذه الكتب: الستة
و((الموطأ))، مع أنه قد جاء فيه جملةٌ غيرُ قليلة لا ينطبق عليها اسم الحديث
القدسي !.
من ذلك - وليس على سبيل الاستقصاء - الأحاديث ذوات الأرقام: (٦،
١٠٠ - ١١٠، ١٩٠، ١٩٦، ١٩٧، ٢٥٠ - ٢٥٨، ٢٨٧، ٢٨٨، ٢٩١،
٣١١ - ٣١٤، ٣٣٣).
فليس كلُّ حديثٍ فيه ذكر جبريل (٢٨٧، ٢٨٨) أو مَلَكٍ ما
(١٠٠ - ١١٠)، أو ذكر النداء أو القول يوم القيامة في أرض المحشر (١٩٠،
٢٩١، ٣١١ - ٣١٤) يعتبر حديثاً قدسياً.
وقد يُروى الحديثُ الواحد على وجهين، فيكون قدسياً صراحةً في
وجه، وليس قدسياً أبداً في وجهه الآخر، فلا ينبغي ذكر الوجه الثاني، مع
أنهم یوردونه.
مثال ذلك: حديث (٣٠١) ولفظه: ((قال الله عز وجل: إذا أحبَّ عبدي
لقائي .. ))، فهذا قدسي صريح، وقد ذكروه، ثم ذكروا بعده (٣٠٢، ٣٠٣)
٢٠
اللفظ الآخر: ((من أحبَّ لقاءَ الله أحب الله لقاءَه))، وهو غير قدسي - وقد نبّهوا
إلى هذا، فأحسنوا - ومع ذلك فلا داعي إلى ذكره.
في حين أنهم لما ساقوا روايات حديث ((تحاجَّت الجنة والنار)) لم ينبِّهوا
إلى أن بعضَها غير قدسي.
فلو حُذفت الأحاديث المكررة، وما ليس قدسياً: لما جاوز عددُ أحاديثه
المائة .
٣" - من مزايا الكتاب الجيدة: أن الصحة غالبة على أحاديثه، ولو
استَغْنَوْا عن عدد يسير من أحاديثه الضعيفة لكان أولى، ولاتَّصف الكتاب
بمزية عالية. ومن أحاديثه الضعيفة: الأحاديث ذوات الأرقام (٩، ٢٠٤،
٣٠٠، ٣٥٧).
٤" - في بعض أحاديث الكتاب سقطُ جُمَلٍ من الإِسناد أو المتن - وهذا
قد يُعتبر من الأخطاء المطبعية - لكنْ أثَّر هذا السقْط في اعتبار بعض الأحاديث
قدسياً، إذِ الساقطُ منه الجملةُ الدالةُ على أنه قدسي .
مثال ذلك: حديث (٢٨٦): ((فقال: يا محمد إن ربك يقول: أَمَا
يُرضيك .. ))، سقط منه جملة: ((إن ربك يقول))، فلم تُوجَد فيه علامة كونه
قدسياً.
٥ " - حَصَل - على سبيل الندرة - تحريفٌ في اللفظة الدالة على كون
الحديث قدسياً.
مثال ذلك: الحديث (٢٠٢)، نَقَلوه عن ((سنن النسائي))، وفي آخره:
((فيقول: ادخلوا أنتم وآباؤكم)) أي: فيقول الله .. ، وعلى هذا فهو قدسي،
لكن لفظ النسائي في النسخ المتداولة بين أيدينا ٤: ٢٥ (١٨٧٦): ((فيقال:
ادخلوا الجنةَ أنتم وآباؤكم)). ولا يلزم منه أن يكون قدسياً، فقد يكون القائل
ملكاً. واللجنة تعتمد طبعة ((سنن النسائي)) القديمة الواقعة في مجلدين.