Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
حديث في ذِكر
وقعة الحَرَّةُ(١) التي كانت أيام يزيد بن معاوية
٩٦٠- قال يعقوب بن سفيان(٢): حدثني إبراهيم بن المنذر، حدثني
ابن أفلح، عن أبيه، عن أيوب بن عبد الرحمن، عن أيوب / (ق٣٨٧) بن
بشير المُعافِرِي (٣): أنَّ النبيَّ ◌ََّ خَرَج في سَفَر من أسفاره، فلمَّا مرَّ بحَرَّة
زُهرة وَقَف فاستَرِجَعَ، فسَاءَ ذلك مَن معه، وظنُّوا أنَّ ذلك من أمرٍ سَفَرهم،
فقال عمرُ بن الخطاب: يا رسولَ الله، ما الذي رأيتَ؟ فقال رسولُ الله
وَلِّ: (( أَمَا إنَّ ذلك ليس في سَفَركم هذا)». قالوا: فما هو يا رسولَ الله؟
قال: ((يُقتَلُ بهذِه الحَرَّةِ خِيارُ أُمَّتي بعدَ أصحابي)».
هكذا رواه البيهقي (٤) من حديث يعقوب بن سفيان، وهو مرسل في
الظاهر، فإنَّ أيوب بن بشير وإن كان قد وُلِدَ في زمان النبيِّ ◌ٍَّ إلا أنه لم
يُدركه ولم يَسْمع منه، ولعلَّه إنما سَمِعَ هُذا من عمرَ بن الخطاب فإنه كان
في زمانه كبيرًا، وكان ممَّن جُرح يوم الحرَّة ◌َُّهُ.
(١) الحَرَّة: أرض ذات حجارة سوداء نخرة كأنها أُحرقت بالنار، والحِرَار في بلاد
العرب كثيرة، ومنه: حَرَّة واقِم، وفي هذِه الحَرَّة كانت وقعة الحَرَّة المشهورة في
أيام يزيد بن معاوية في سنة ٦٣. أنظر: ((معجم البلدان)) (٢٤٥/٢، ٢٤٩).
(٢) في ((المعرفة والتاريخ)) (٤٢٥/٣).
(٣) ضَبَّب عليه المؤلِّف لإعضاله.
(٤) في ((دلائل النبوة)) (٦/ ٤٧٣).

٨٢
حديث(١) في ذِكر الحَجَّاج بن يوسف الثَّقَفي
٩٦١- قال الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه ((دلائل النبوة))(٢):
أنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو النَّضر، ثنا عثمان بن سعيد الدَّارمي،
ثنا عبد الله بن صالح المصري: أنَّ معاوية بن صالح حدَّثه عن
شُريح بن عُبيد، عن أبي عَذَبة قال: جاء رجلٌ إلى عمرَ بن الخطاب
فَأَخبَرَه أنَّ أهلَ العراقِ قد حَصَبوا أميرَهم، فخَرَج غضبانَ، فصلَّى لنا
الصلاةَ، فسَهَا فيها، حتى جعل الناسُ يقولون: سبحان الله! سبحان الله!
فلمَّا سلَّم، أقبَلَ على الناس، فقال: مَن هُهنا من أهل الشَّام؟ فقام /
(ق٣٨٨) رجلٌ، ثم قام آخرُ، ثم قمتُ أنا ثالثًا، أو رابعًا، فقال: يا أهلَ
الشَّامِ، أَستعدُّوا لأهل العراق، فإنَّ الشيطانَ قد بَاضَ فيهم وفَرَّخ، اللهمَّ
إنهم قد لَبَّسوا عليَّ فالبِسْ(٣) عليهم، وعجِّل عليهم بالغلام الثَّقَفي يَحكمُ
فيهم بحكم الجاهليةِ، لا يَقبلُ من مُحْسِنِهِم، ولا يَتَجاوزُ عن مُسيئِهِم.
قال عبد الله بن صالح: وحدَّثني ابن لَهِيعة بمثله(٤)، قال: وما وُلِدَ
الحجّاجُ يومئذٍ.
وكذا رواه يعقوب بن سفيان(٥)، عن عبد الله بن صالح، عن معاوية بن
صالح.
ورواه عثمان الدَّارمي(٦) ويعقوب بن سفيان(٧).
(١) كَتَب المؤلِّف فوقها: ((أثر))، ولم يضرب على ما تحتها.
(٢) (٤٨٧/٦ - ٤٨٨).
(٣) ضبَّب عليه المؤلِّف، ولم يتبين لي وجهه.
(٤) وفي إسناده: عبد الله بن صالح: صدوق، كثير الغلط، كما في ((التقريب)).
(٥) في ((المعرفة والتاريخ)) (٥٢٩/٢، ٧٥٤ - ٧٥٥).

٨٣
كلاهما عن أبي اليَمَان، عن حَريز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن
مَيْسرة بن أزهر، عن أبي عَذَبة قال: قَدِمْتُ على عمرَ رابعَ أربعةٍ ... ، وذَكَر
الحدیث.
قال عثمان: قال أبو اليَمَان: عَلِمَ عمرُ أنَّ الحجّاج خارجٌ لا محالةَ،
فلمَّا أغضبوه أستَعجَلَ العقوبةَ التي لا بدَّ لهم منها(١).
قلت: وطريقه في علم هذا النقلُ عن النبيِّ وَليّة، كما سيأتي(٢) في
مسند أسماء بنت الصِّديق: أنَّ رسولَ الله قال: ((إنَّ في ثقيفَ كذَّابًا
ومُبِيرًا(٣)))(٤).
فالكذَّاب: المختار بن أبي عبيد، والمُبِيرُ هو: الحجّاج، كما فسَّرت
(١) ومن طريقه: أخرجه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٤٨٦/٦) وابن عساكر في (تاريخه))
(٨١/٦٧).
(٢) في الموضع السابق (٧٥٥/٢).
(٣) وإسناده ضعيف؛ لجهالة عبد الرحمن بن ميسرة. أنظر: ((تهذيب الكمال)) (١٧/ ٤٥٠).
وأبو عَذَبة، مختلف فيه، فوثَّقه يعقوب بن سفيان، وجهَّله الذهبي. أنظر: ((المعرفة
والتاريخ)) (٥٢٩/٢) و((الميزان)) (٤/ ٥٥١ رقم ١٠٤١٤) ..
وله طريق أخرى: أخرجها الخطيب في ((المتفق والمفترق)) (١٦٩٦/٣ رقم ١٢٠٨)
من طريق عمرو بن عثمان وكثير بن عبيد، عن بقيّة، عن صفوان بن عمرو، عن
شُريح، عن عمرو بن سُليم الحضرمي، عن عمرَ نظُته .. ، فذكره.
وإسنادها ضعيف، بقيَّة بن الوليد مدلِّس، ولم يصرِّح بالسماع.
(٤) يعني: في ((جامع المسانيد والسُّنن))، لكن مسند النساء ليس في المطبوع.
(٥) المبير: المُهلك المُسرف في إهلاك الناس. ((النهاية)) (١/ ١٦١).
(٦) أخرجه مسلم (١٩٧١/٤ رقم ٢٥٤٥) في فضائل الصحابة، باب ذكر كذاب ثقيف
ومُبیرها.

٨٤
ذلك للحجَّاج حين قَتَل ولدَها
نهى عنه.
وقد كان الحجّاجُ من الملوك الجبَّارين الذين طَغَوا في البلاد، وقَتَلَ
الجمَّ الغفيرَ من صدر هذِهِ الأُمَّة، ومع هذا فَأَمرُهُ إلى الله، فإنه لم يُتْرَف
بغير الظّلم وسفكِ الدِّماء، ولا يُلتفتُ إلى قول الرَّافضة (١) فيه من / (ق٣٨٩)
تكفيره، وتكفير مستنيبيه، بل هم من مُلُوك الإسلام، لهم ما لهم، وعليهم
ما عليهم.
(١) تقدم التعريف بهم (٣٩٦/٢)، تعليق رقم ٣.

٨٥
حديث في ذِكر الوليد
٩٦٢- قال الإمام أحمد (١): ثنا أبو المغيرة، ثنا ابن عيَّاش، حدثني
الأوزاعي وغيره عن الزهري، عن سعيد بن المسيَّب، عن عمر بن الخطاب
قال: وُلِدَ لأَخِي أَمِّ سَلَمة زوج النبيِّ نََّ غلامٌ، فَسَمَّوه الوليدَ، فقال النبيُّ
وَلَّهِ : ((سَمَّيْتُموهُ بأسماءِ فَرَاعنِكُم، لَيَكُونَنَّ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ رجلٌ يقالُ له:
الوليدُ، هو شرٌّ على هذِهِ الأُمَّةِ من فرعونَ لقومِهِ )).
هكذا رواه أحمد في مسند عمر، وإسناده جيد (٢)، ولم يخرِّجوه.
(١) في ((مسنده)) (١٨/١ رقم ١٠٩).
(٢) أعلَّه ابن حبان، فقال في ((المجروحين)) (١٢٥/١): هذا خبر باطل، ما قال رسولُ
الله ◌َ ﴾ هذا، ولا عمر، ولا سعيد حدَّث به، ولا الزهري رواه، ولا هو من حديث
الأوزاعيّ بهذا الإسناد ..
وقال ابن الجوزي في ((الموضوعات)) (٢٤٥/١): فلعلَّ هذا قد أُدخل على
إسماعيل بن عيَّش في كِبَرِهِ، وقد رواه وهو مختلط.
وقال الدارقطني في ((العلل)) (١٥٩/٢): يَرويه الأوزاعي، واختُلف عنه، فرواه
إسماعيل بن عيَّاش، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن ابن المسيّب، عن عمرَ،
وغيرُه يَرِويه عن الأوزاعي، ولا يَذكر فيه عن عمرَ، وهو الصواب.
ومما يدلُّك على نكارة هذا الحديث: ما أخرجه البخاري في ((صحيحه)) (١٠/ ٥٨٠
رقم ٦٢٠٠ - فتح) في الأدب، باب تسمية الوليد، من حديث أبي هريرة رضيالله قال:
لما رَفَع النبيُّ وَّر رأسَه من الركوع، قال: ((اللهم أَنْجِ الوليد بن الوليد .. )) الحديث.
قال الحافظ: لمَّا لم يكن هذا الحديث المذكور على شرط البخاري أومأ إليه
كعادته، وأورد الحديثَ الدالَّ على الجواز (أي: جواز التسمية بالوليد) فإنه لو كان
مكروهًا؛ لغيَّرَه النبيُّ نَّ كعادته، فإنَّ في بعض طرق الحديث المذكور الدلالة على
أنَّ الوليد بن الوليد المذكور قد قَدِمَ بعد ذلك المدينةَ مهاجرًا، كما مضى في
المغازي، ولم يُنقل أنه غيَّر اسمَه.
وانظر: ((القول المسدَّد)) (ص١٢ - ١٧).

٨٦
لكن قد رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب ((دلائل النبوة)) (١) عن
الحاكم وغيره، عن الأصمِّ، عن سعيد بن عثمان التَّنوخي، عن بشر بن
بكر، حدثني الأوزاعي، حدثني الزهري، حدثني سعيد بن المسيَّب قال:
وُلِدَ لأَخِي أُمِّ سَلَمة من أُمِّها غلامٌ فسَمَّوه الوليدَ، فقال رسولُ اللهِ وَّه :
((تُسمُّونَ بأسماءِ فَرَاعنِكُم، غيِّرُوا اسمَه -فسَمَّوه: عبد الله-، فإنَّه سيكونُ
في هَذِهِ الأُمَّةِ رجلٌ، يقالُ له: الوليدُ، هو شرٌّ لِأُمَّتي من فرعونَ لقومِهِ)».
هكذا وقع في رواية البيهقي مرسلًا.
وكذا رواه يعقوب بن سفيان(٢) عن محمد بن خالد بن العبّاس
السَّكسكي، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن
سعید، مرسلًا.
قال الوليد بن مسلم: فكان الناسُ يَرَون أنه الوليد بن عبد الملك، ثم
رأينا أنه الوليد بن يزيد لفتنة الناس به حين / (ق٣٩٠) خَرَجوا عليه، فقَتَلوه،
فانفَتَحتِ الفتنةُ على الأُمَّة والھَرْجُ.
قلت: أما الوليد بن يزيد بن عبد الملك، فكان فاسقًا مجاهرًا
بالمعاصي، وقد حَكَى عنه صاحب ((العِقد))(٣) وأصحابُ التاريخ شيئًا
فرِيًّا من أنه أَذِنَ لحبابَةَ مولاتِه، فصَلَّتْ بالناس الفجرَ وهي جُنُب! والله
أعلم بصحّة ذلك، وكانت مدَّة ولايته للسَّلطنة سَنَة وقريبًا من شهرين، ثم
خُلِعَ، وقُتِلَ، وعُلَّق رأسُه على حائط الجامع الشرقيِّ ممَّا يلي المصلِين
مدَّةً، ثم رُفِعَ، وغُسِلَت آثَارُ دمِهِ.
(١) (٥٠٥/٦).
(٢) في ((المعرفة والتاريخ)) (٤٥٠/٣).
(٣) انظر: ((العقد الفريد)) (١٩١/٥).

٨٧
وأمَّا عمُّه الوليد بن عبد الملك فامتدَّت ولايتُه نحوًا من عشر سنين،
فعمَّر فيها المسجدَ الجامعَ بدمشق، وزَخْرَفَهُ، وزَيَّنْهُ، وتأنَّق فيه جدًّا، ولم
يكن بناءً على وجه الأرض شرقًا ولا غربًا في زمانه أبهى منه ولا أحسنَ،
وصَرَف عليه من بيت مال المسلمين من الذَّهَب ما لا يُحدُّ كثرةً، مع أنه كان
موصوفًا بالشهامة والصَّرامَة، وكان فيه جبرية.
وقد روى ابن أبي الدنيا في كتاب ((أحكام القبور))(١)، عن عمرَ بن عبد
العزيز كَّلهُ: أنه لمَّا أَلحده في قبره شاهَدَ منه أمرًا منكرًا، فيه عظةٌ عظيمةٌ
للناس: رَوى أنه حين وَضَعه في اللَّحد جُمِعَتِ رُكَبَتَاه إلى عُنُقِهِ، ورَوى أنه
حُوِّل وجهُهُ عن القِبلة.
والذي أُشتَهَر من حاله أنه كان من مُلُوك الإسلام، وكانت له مملكةٌ
متَّسعةٌ في المشارق والمغارب، ومن أحسن ما روي عنه أنه كان يباشرُ
أحوالَ الرَّعيةِ / (ق٣٩١) بنفسِهِ، ويَصرفُ إلى الزَّمنَي والمرضى والمجذَّمين
ما يَكفيهم من بيت المال.
وأحسن من هذا ما روي عنه أنه قال: لولا أنَّ اللهَ وَّنْ قصَّ علينا خبرَ
قوم لوطِ ما ظننتُ أنَّ ذَكَرًا يَعلو ذَكَرًا!
حديث آخر :
٩٦٣- قال أحمد (٢): ثنا حسن، ثنا ابن لَهِيعة، ثنا أبو الزُّبير، عن
(١) (ص ١١٨ رقم ١٢٧) عن محمد بن الحسين، عن علي بن حفص، عن سلَام
الطّويل، عن عمرو بن ميمون قال: سَمِعتُ عمرَ بن عبد العزيز يقول: فذكره.
وهذا إسناد تالف؛ آفته سلَّام الطّويل، وهو: متروك، كما قال الحافظ في
((التقريب))، فكان الأولى بالمؤلّف الإعراض عن مثل هذا الخبر.
(٢) في ((مسنده)) (٢٣/١ رقم ١٥٢) و(٣٤٧/٣ رقم ١٤٧٣٥).

٨٨
جابر: أنَّ عمرَ بن الخطاب أخبَرَه أنه سَمِعَ رسولَ الله وَلَه يقول: « سيخرُجُ
أهلُ مكةَ ثم لا يعير(١) بها، أو يغير(٢) بها إلا قليلٌ، ثم تمتلِئُ وتُبنَى، ثم
يخرجون منها ولا يعودون فيها أبدًا)).
هذا إسناد جيد، لأنَّ ابن لَهِيعة قد صرَّح بالسماع فزال محذور
(٣)
تدليسه(٣).
حديث آخر :
٩٦٤- قال أحمد(٤): ثنا يحيى بن إسحاق، أنا ابن لَهِيعة، عن أبي
الزُّبير، عن جابر، أخبرني قال(٥): سَمِعتُ النبيَّ نَّه يقول: ((لَيَسِيرَنَّ
الرَّاكبُ في جَنَباتِ المدينةِ، ثم لَيَقولَنَّ: لقد كان في هذا حاضِرٌ من
المؤمنین کثیرٌ )».
وأخرجه -أيضًا- البزار (١/ ٣٥٠ رقم ٢٣٣) والفاكهي في ((أخبار مكة)) (٣٨٥/٢
رقم ١٦٨٩) من طريق بشر بن عمر. وابن شبَّة في ((تاريخ المدينة)) (٢٨٣/١) من
طريق الوليد بن مسلم. وأبو يعلى، كما في ((المقصد العلي)) (١/ ٢٦٧ رقم ٦١٠) من
طريق يحيى بن إسحاق. ثلاثتهم (بشر بن عمر، والوليد بن مسلم، ويحيى بن
إسحاق) عن ابن لَهِیعة، به.
لكن في رواية البزار وابن شبَّة: ((سيخرج أهل المدينة)).
(١) كذا ورد في الأصل. وكَتَب المؤلّف فوقها: ((كذا))، وفي المطبوع: ((لا يُعبَّرُ)).
(٢) كذا ورد في الأصل. وفي المطبوع: ((لا يَعْبُرُ)).
(٣) في هذا نظر؛ فأبو الزبير: مدلِّس، ولم يصرِّح بالسماع، وابن لهيعة: سيئ الحفظ،
وفي الرواية التالية ما يبين اضطراب ابن لهيعة في إسناده.
(٤) (٢٠/١ رقم ١٢٤) ..
(٥) كذا ورد في الأصل. والذي في مطبوع ((المسند))، و((إطراف المُسنِد المُعتَلِي))
(٢١/٥ رقم ٦٥٣٧): ((أخبرني عمرُ، قال)).

٨٩
قال أحمد: ولم يَجز به حسن الأشيب جابرًا(١).
وهذا - أيضًا - جيد(٢)، والله أعلم.
وقد تقدَّم في كتاب الجهاد(٣) من حديث عبد الله بن عمر السَّعدي،
عن سعيد بن عمرو بن سعيد، عن أبيه، عن أبيه، سَمِعَ عمرَ بن الخطاب
يقول: لولا أنِّي سَمِعتُ رسولَ اللهِ نَّه يقول: ((إنَّ اللهَ سَيَمنعُ الدِّينَ
بنصارى من ربيعةً على شاطئِ الفُرَاتِ ))؛ ما تَرَكتُ عربيًا إلا قَتَلتُهُ أو يُسلِمُ.
رواه النسائي(٤)، وهو غريب(٥).
(١) وروايته في ((المسند)) (٣٤١/٣ رقم ١٤٦٧٨)، وتابَعَه موسى بن داود، وقتيبة،
وروايتهما في ((المسند)) أيضًا (٣٤٧/٣ رقم ١٤٧٣٦).
(٢) في هذا نظر، وهذه الرواية صورة من صور اضطراب على ابن لهيعة، وقد أخرج
البخاري (٨٩/٤ رقم ١٨٧٤ - فتح) في فضائل المدينة، باب من رغب عن
المدينة، ومسلم (١٠٠٩/٢ رقم ١٣٨٩) في الحج، باب في المدينة حين يتركها
أهلها، من حديث أبي هريرة ظُبه مرفوعًا: ((تتركون المدينةَ على خير ما كانت، لا
يَغشاها إلا العوافي -يريد: عوافي السِّباع والطّر-، وآخر من يحشر راعيان من
مُزينة .. )). الحديث.
(٣) (٢٩٨/٢ رقم ٦٢٨).
(٤) في ((سننه الكبرى)) (٩٠/٨ رقم ٨٧١٧ - ط مؤسسة الرسالة).
(٥) تقدَّم الكلام عليه (٢٩٨/٢، تعليق رقم ٥).

٩٠
أحاديث المعجزات
والمناقب والفضائل، وهي مرتّبة على أسماء الأعيان،
ثم القبائل، ثم البلدان
٩٦٥- قال الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي
تَّقُ(١): ثنا أبو هشام، ثنا ابن فضيل، ثنا ابن أبي زياد، عن عاصم بن
عبيد الله / (ق٣٩٢) بن عاصم، عن أبيه، عن جدِّه عمرَ قال: كنّا مع النبيِّ
وَّه فِي غَزَاة، فقلنا: يا رسولَ الله، إنَّ العدوَّ قد حَضَر وهم شِباعٌ، والناسُ
جياعٌ، فقالت الأنصار: ألا نَنحَرُ نواضِحنا فنُطعِمَه للناس؟ فقال النبيُّ
وَلَه: ((مَن كان عندَه فضلُ طعام؛ فلَيَجِئ به))، فجعل الرَّجلُ يجيءُ
بالمُدِّ والصَّاعِ، وأكثرَ وأَقلَّ، فكان جميعُ ما في الجيش بِضعًا وعشرين
صاعًا، فجلس النبيُّ وَّةٍ إلى جنبه، فدعا بالبركة، فقال النبيُّ وَّل: ((خُذُوا
ولا تَنْتَهِبُوا))، فجعل الرَّجل يأخذُ في جِرابِهِ، وفي غِرارتِهِ، وأخذوا في
أوعيتهم، حتى إنَّ الرَّجلَ لَيَربِطُ كُمَّ قميصِهِ فَيَملَأَه، فَفَرغوا والطَّعامُ كما
هو، ثم قال النبيُّ رَّهِ: ((أشهدُ أن لا إله إلا اللهَ، وأَنِّي رسولُ الله، لا يأتي
بهما عبدٌ مُحِقٌّ إلا وَقَاهُ اللهُ حَرَّ النَّارِ)).
ثم رواه - أيضًا- (٢)، عن إسحاق بن إسماعيل الطَّالْقاني، عن جرير،
عن يزيد بن أبي زياد ... ، فذَكَره، وسمَّى الغزوة تبوك.
تنبيه: كَتَب المؤلِّف بحاشية الأصل ما نصّه: ((يتلوه الوريقة))، إلا أنّي لم أجد هذِه
الورقة ضمن أوراق المخطوط.
(١) في («مسنده)) (١٩٩/١ رقم ٢٣٠).
(٢) لم أقف عليه في المطبوع من ((مسنده)) من هذِه الطريق، وأورده الهيثمي في ((المقصد
العلي)) (١٦٢/٣ رقم ١٢٩٠ - رواية ابن المقرئ).

٩١
وهذا إسناد حسن(١)، ولم يخرِّجوه، وله شاهد في ((الصحيح))(٢) من
حديث سَلَمة بن الأكوع في غزوة تبوك.
حديث آخر (٣) :
٩٦٦- قال أبو يعلى(٤): ثنا زُهَير، ثنا يونس بن محمد، ثنا يعقوب
ابن عبد الله الأشعري، ثنا حفص بن حميد، عن عكرمة، عن ابن عباس،
عن عمرَ قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنيِّ مُمْسِكٌ بحُجزِكم / (ق٣٩٣) هلِّمَّ
عن النَّارِ، هلُمَّ عن النَّارِ ... )). الحديث.
وقد تقدَّم في تفسير سورة براءة(٥).
(١) في هذا نظر؛ فيزيد بن أبي زياد وعاصم بن عبيد الله: كلاهما ضعيف.
(٢) أخرجه مسلم (١٣٥٤/٣ رقم ١٧٢٩) في اللَّقطة، باب استحباب خلْط الأزواد
إذا قَلَّت، من حديث سَلَمة بن الأَكوع ◌َظُه قال: خَرَجنا مع رسولِ اللهِ وَّ فِي
غزوة، فأصابَا جَهِدٌ، حتى هَمَمنا أنْ نَنحَرَ بعضَ ظَهرِنا، فَأَمَر نبيُّ الله وَّ فِجَمَعنا
مَزَاوِدَنَا، فَبَسَطْنا له نِطَعًا، فاجتمع زادُ القومِ على النِّطَعِ، قال: فَتَطاوَلْتُ لِأَحْزِرَهُ
كم هو؟ فَحَزَرتُهُ كَرَبْضَةِ العَنْزِ، ونحن أربعَ عشرةَ مائةً، قال: فأَكَلنا حتى شَبِعْنا
جميعًا، ثم حَشَونا جُرُبَنَا، فقال نبيُّ الله وََّ: ((فهل من وَضوءِ؟)). قال: فجاء رجلٌ
بإداوة له فيها نُطْفٌ، فَأَفرَغَها في قَدَح، فَتَوضأُنا كُلُنا، نُدَغْفِقُهُ دَغْفَقَةً، أربعَ عشرةَ
مائةً. قال: ثم جاء بعد ذلك ثمانيةٌ، فقالوا: هل من طهور؟ فقال رسولُ الله وَلّ:
((فَرِغَ الوَضوءُ )).
(٣) تنبيه: كَتَب المؤلِّف فوقه: ((مكرَّر تقدَّم))، وقد تقدَّم تخريجه والكلام عليه (٥٦٦/٢
رقم ٨٥٥).
(٤) لم أقف عليه في المطبوع من ((مسنده))، وهو من رواية ابن حمدان، وأورده الهيثمي
في ((المقصد العلي)) (٢١٥/١ رقم ٤٨٦ - رواية ابن المقرئ).
(٥) بل: في سورة المؤمنون (٥٦٦/٢-٥٦٧ رقم ٨٥٥).

٩٢
حديث آخر :
٩٦٧- قال الحافظ أبو بكر البزَّار(١): ثنا عمر بن الخطاب -يعني
السِّجستاني - ثنا أصبَغ بن الفَرَج، ثنا عبد الله بن وهب، عن عمرو بن
الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن عُتبة بن أبي عُتبة، عن نافع بن
جُبير، عن ابن عباس قال: قيل لعمرَ: حدِّثنا عن شأن العُسرة، فقال عمرُ:
خَرَجنا مع رسولِ اللهِ وَِّ إلى تبوكَ في قَيظٍ شديدٍ، فنزلنا منزلًا أصابنا فيه
عطشٌ شديدٌ حتى ظنّنا أنَّ رِقابَنَا ستنقطعُ، حتى إن كان أحدُنا يذهبُ
يلتمسُ الخلاءَ فلا يرجعُ حتى يظنَّ أنَّ رَقَبتَه تنقطعُ، وحتى إنَّ الرَّجلَ
لَيَنْحَرُ بعيرَه فيَعصِرُ فَرِثَه فيَشرَبُهُ ويَضعُهُ على بطنِهِ، فقال أبو بكرِ الصِّديق
رَظُه: يا رسولَ الله، إنَّ اللهَ قد عَوَّدك في الدُّعاء خيرًا، فَادْعُ لنا. فقال النبيُّ
وَله: ((أتحبُّ ذلك يا أبا بكر؟)). قال نعم. قال: فَرَفَع رسولُ الله وَلَّ يديه،
فلم يَرجعْهُما حتى قالتِ السماءُ، فَأَظلَّت(٢)، ثم سَكَبت، فملأوا ما
معهم، ثم ذهبنا ننظرُ، فلم نَجدْها جاوزتِ العسكرَ.
ثم قال البزَّار: لا نَعلمه يُروى إلا بهذا الإسناد.
قلت: وقد رواه الإمام الحَبْر محمد بن إسحاق بن خزيمة في
((صحيحه))(٣) عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب.
والحافظ أبو حاتم محمد بن حبان البُسْتي في ((صحيحه)) أيضًا (٤)، عن
عبد الله بن محمد بن سَلْم، / (ق٣٩٤) عن حَرمَلَة، عن ابن وهب، به.
(١) في ((مسنده)) (٣٣١/١ رقم ٢١٤).
(٢) كذا ورد في الأصل. وفي المطبوع: ((حتى مالتِ السماءُ فأطلَّت)).
(٣) (٥٢/١ رقم ١٠١).
(٤) (٢٢٣/٤ رقم ١٣٨٣ - الإحسان).

٩٣
قال الحافظ أبو الحسن الدارقطني(١): وكذا رواه أحمد بن صالح،
عن ابن وهب. ورواه يعقوب بن محمد الزهري، عن ابن وهب، فلم يذكر
في الإسناد عُتبة بن أبي عُتبة. قال: والقول: قول مَن أثبتَه.
حديث آخر :
٩٦٨- قال الحافظ أبو يعلى(٢): ثنا إبراهيم بن الحجّاج، ثنا حماد،
عن علي بن زيد، عن أبي رافع، عن عمرَ بن الخطاب: أنَّ رسولَ الله
كان بالحَجُون(٣) وهو كَئِيبٌ، فقال: ((اللهمَّ أَرِنِي اليومَ آيَةً لا أُباِي مَن
كذّبَنِي بعدَها من قومِي)). فنادى شجرة من قِبَلِ عَقَبة أهلِ المدينةِ، فناداها،
فجاءت تَشقُّ الأرضَ حتى أَنْتَهَتْ إليه، فسَلَّمَتْ عليه، ثم أَمَرها فَذَهَبتْ.
قال: فقال: ((ما أُبَالِي مَن كَذَّبَنِي بعدَها من قومِي )».
وهكذا رواه الإمام علي ابن المديني عن حَرَمي بن عُمارة، عن
حماد بن سَلَمة، به.
وقال: هذا إسناد بصري، ولا نعرفه إلا من حديث حماد.
وكذا رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب ((دلائل النبوة))(٤) من
حديث عبيد الله بن محمد بن عائشة، عن حماد بن سَلَمة، به.
(١) في ((العلل)) (٢/ ٨٣ رقم ١٢٧).
(٢) في («مسنده)) (١٩٠/١-١٩١ رقم ٢١٥).
(٣) الحَجُون: الجَبَل المُشرف مما يلي شِعب الجزارين بمكة. وقيل: هو موضع بمكة
فيه اعوجاج. والمشهور: الأول. ((النهاية)) (٣٤٨/١).
(٤) (٦/ ١٣).
وأخرجه -أيضًا - ابن سعد (١/ ١٧٠) والبزار (٤٣٨/١ رقم ٣١٠) من طريق حماد
ابن سَلَمة، به.

٩٤
قال: وقد رويناه في ((المبعث)) عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن
أنس، نحوه.
حديث آخر :
٩٦٩- قال الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب ((دلائل النبوة))(١): ثنا
أبو عبد الله الحافظ (٢) إملاء وقراءة، ثنا أبو سعيد عمرو بن محمد بن
منصور العدل - إملاء-، ثنا أبو الحسن محمد بن إسحاق بن إبراهيم
الحنظلي، / (ق٣٩٥) ثنا أبو الحارث عبد الله بن مسلم الفهري -قال أبو
الحسن: هذا من رهط أبي عُبيدة بن الجرَّاح- أنا إسماعيل بن مسلمة، أنا
عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جدِّه، عن عمرَ بن الخطاب
قال: قال رسولُ الله وَِّ: ((لَمَّا أَقتَرَفَ آدمُ الخطيئةَ، قال: ياربُّ، أسألُكَ
بحقِّ محمدٍ إلا غَفَرَتَ لِي، فقال اللهُ وَقَ: يا آدمُ، كيف عرفتَ محمدًا ولم
أخلُقْهُ بعدُ؟ قال: ياربُّ، لأنَّك لمَّا خَلَقَتَنِي بيدِكَ، ونَفَختَ فيَّ مِن رُوحِك،َ
رَفَعتُ رأسي، فرأيتُ على قوائم العرشِ مكتوبًا: لا إله إلا اللهُ، محمدٌ
رسول الله، فعَلِمتُ أنَّك لم تُضِفْ إلى أسمِكَ إلا أحبَّ الخلقِ إليكَ. فقال
اللهُ: صَدَقتَ يا آدمُ، إنَّه لأحبُّ الخلقِ إليَّ، وإِذْ سَأَلْتَنِي بحقِّه، فقد غَفَرتُ
لك، ولولا محمدٌ ما خَلَقتُكَ)).
ثم قال البيهقي: تفرَّد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم من هذا الوجه،
وهو ضعيف(٣)، والله أعلم.
(١) (٤٨٨/٥).
(٢) وهو في ((المستدرك)) (٤٨٨/٥).
(٣) وخالف الحاكم، فقال: صحيح الإسناد (!).
فتعقّبه الذهبي بقوله: بل موضوع، وعبد الرحمن واهٍ، وعبد الله بن مسلم الفهري :

٩٥
ومن فضل الصِّديق
٩٧٠- قال الحافظ أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي: ثنا محمد
ابن عَلَّويه الفقيه، ثنا أبو شعيب السُّوسي، ثنا يحيى بن سعيد العطَّار، ثنا
فُرَات بن السَّائب، عن ميمون، عن ابن عمرَ: أنَّ أبا موسى إذ كان واليًا
على البصرة، كان إذا خَطَب يومَ الجمعةِ حَمِدَ اللهَ، وأثنى عليه، وصلَّى
على النبيِّ وَّةِ، ثم ثَنَّى بعمرَ يَدعو له، ولا يَتَرَجَّمُ على أبي بكرٍ ◌َُه،
فَتَقَدَّم إليه ضَبَّة بن مِحصَن يقول: أين أنت / (ق٣٩٦) من ذِكر صاحبِهِ قبلَهُ
تَذكره بفضِلهِ؟ ففعل ذلك جُمَعَ، ثم كَتَب إلى عمرَ بقول ضَبَّة بن مِحصَن،
فَكَتَب إليه عمرُ يأمُرُه بتسريحه إليه، فلمَّا أتاه الكتابُ، قال: أَشخَص إلى
لا أدري من هو؟
وقال الشيخ الألباني في ((السلسلة الضعيفة)) (٨٩/١): والفِهري هذا أورده في
((ميزان الاعتدال)) لهذا الحديث، وقال: خبر باطل، رواه البيهقي في ((دلائل
النبوة)). اهـ
وقال أبو العباس ابن تيمية في ((قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة)) (ص ٦٩):
ورواية الحاكم لهذا الحديث مما أُنكِر عليه، فإنَّه نفسه قد قال في كتاب ((المدخل
إلى معرفة الصَّحيح من السَّقيم)): عبد الرحمن بن زيد بن أسلم روى عن أبيه
أحاديث موضوعة، لا يخفى على من تأمّلها من أهل الصَّنعة أنَّ الحمل فيها عليه.
قلت: وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف باتِّفاقهم، يَغلِط كثيرًا.
وقال الشيخ الألباني في ((السلسلة الضعيفة)) (١/ ٩١): وجملة القول: أنَّ الحديث
لا أصل له عنه وَّهِ، فلا جَرَم أن حَكَم عليه بالبطلان الحافظان الجليلان الذهبي
والعسقلاني .. ، وممَّا يدلُّ على بطلانه أنَّ الحديث صريح في أنَّ آدم،فَلَّ عَرَف
النبيَّ وَّهِ عَقِبَ خَلقه، وكان ذلك في الجنَّة، وقبل هبوطه إلى الأرض، وقد جاء في
حديث إسناده خيرٌ من هذا على ضَعفه أنه لم يَعرفه إلا بعد نزوله إلى الهند، وسماعِهِ
باسمه في الأذان، أنظر الحديث (٤٠٣) اهـ

٩٦
أمير المؤمنين. فلمَّا قَدِمَ المدينةَ أستأذن على عمرَ، فدخل عليه، فقال:
أنت ضَبَّة بن مِحصَن؟ قال: نعم. قال: فلا مَرحبًا ولا أهلًا. قال: أمَّا
المرحبُ فمن الله، وأمَّا الأهلُ فلا أهلَ ولا مالَ، فعَلَاَم اُستَحلَلتَ
إشخاصي من مصرَ يا عمرُ بلا ذنبٍ ولا جنايةٍ ولا سوءٍ أتيتُهُ؟! قال:
وما تَبوء بذنبٍ تعتذرُ منه؟ قال: لا. قال: فما شَجَر بينك وبين عامِلِكَ؟
قال: كان إذا خَطَب يومَ الجمعةِ صلَّى على النبيِّ نَّهَ، ثم ثَتَّى بِك يَدعو
لك، ولا يَتَرحَّمُ على أبي بكرٍ، فكان ذلك ممَّا يغيظني منه. قال: أنت كنتَ
أوفَقَ منه وأفضلَ، فهل أنت غافرٌ ذنبي إليك؟ قال: نعم، يَغْفِرُ اللهُ لك.
فاستبكى عمر، حتى أنتَحَبَ، ثم قال: واللهِ ليومٌ أو ليلةٌ من أبي بكرٍ نَظُه
خيرٌ من عمرَ وآل عمرَ من لدن وُلِدوا، أمَّا ليلتُهُ فإنَّه لمَّا توجَّه مع النبيِّ وَل
إلى الغار جعل يمشي طورًا أمامَهُ، وطُورًا خلفَهُ، ومرَّة عن يمينه، ومرَّة عن
يَسَاره، فقال له رسولُ الله ◌َّه: « ما هذا من فِعلك يا أبا بكر؟)). قال: بأبي
أنت وأُمِّي، أذكرُ الرَّصَدَ (١) فَأَكونُ أمامَكَ، وأذكرُ الطَّلبَ فَأَكونُ خَلفَكَ،
وأَنفضُ الطريقَ يمينًا وشمالاً. قال: ((إنَّه ليس عليك بأسٌ))، وكان النبيُّ
وَلجر حافيًا، ولم يكن مخصَّرَ القدمين، فحَفِيَ، / (ق٣٩٧) فحَمَله أبو بكر
الصِّديق ربّه على كاهله حتى أنتهى به إلى الغار، فلمَّا ذهب لِيَدخُلَهُ،
قال: لا ، والذي بَعَثك بالحقَّ لا تَدخلُهُ حتى أستبرئَهُ، فدخل، فنظر، فلم
ير شيئًا يَريبه، فدخلا، فلمَّا قَعَدا فيه هُنيَّةً أسفَرَ لهما الغارُ بعضَ الإسفارِ،
فأبصر أبو بكرٍ إلى خَرقٍ في الغارِ فألقَمَهُ قَدَمَهُ، مخافةَ أن يكونَ فِيه دابَّةٌ
فتخرجُ إلى رسول الله وَّهِ فَتُؤذيه، فهُذِه ليلتُهُ رَضُه.
(١) الرَّصَد: من التَّرصُّد، وهو: التَّرَقُّب، والرَّصَد: القوم يَرصُدون. ((مختار الصحاح))
(ص ١٥٤ -مادة رصد).

٩٧
وأمَّا يومُهُ، فإنَّه لمَّا قُبِضَ رسولُ اللهِ وَّهَ ارتدَّ مَن أرتدَّ من العرب،
وقالوا: نصلّي، ولا نزِّي، ولا نُجَبَى، فأتيتُهُ لا آلوه نصحًا، فقلتُ:
يا خليفةَ رسولِ اللهِ تألَّفِ الناسَ، وارفُق بهم، فإنَّهم بمنزلة الوحش.
فقال: رَجَوتُ نُصرَتَكَ وجئتني بخذلانك! جبَّارًا في الجاهلية! خوَّارًا
في الإسلام! بماذا عَسَيتَ أن أتأَلَّفَهم؟! بِشِعرٍ مُفتَعل! أو بِسِحِرٍ مفتَرى!
هيهات! هيهات! مضى النبيُّ نَِّ وانقطع الوحي، والله لأَجَاهِدنَّهم
ما استمسك السَّيفُ في يدي وإن مَنَعوني عَقَالًا. قال: فوَجَدتُهُ في ذلك
أمضىُ منِّي وأصرمَ، وأَدَّبَ الناسَ على أمورٍ هانت عليَّ كثير من مؤنتهم
حين وَلِيتُهُم، هذا يومُهُ(١).
وهذا إسناد غريب من هذا الوجه، ويحيى بن سعيد العطَّار هذا
حمصي، فيه ضعف، ولكن لهذا شواهد كثيرة من وجوه آخر.
/ (ق٣٩٨) حديث آخر :
٩٧١- قال الحافظ أبو بكر البزَّار(٢): ثنا إبراهيم بن سعيد، ثنا ابن
أبي أُوَيس، ثنا سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن
(١): وأخرجه علي بن بَلبَان المقدسي في ((تحفة الصَّديق في فضائل أبي بكر الصَّديق))
(ص١٢٤) من طريق عبد الرحمن بن إبراهيم الرَّاسبي، عن فُرَات بن السَّائب، عن
ميمون بن مهران، عن ضَبَّة بن محصن قال: كان علينا أبو موسى أميرًا .. ، فذكره.
قلت: وهو مخالف لإسناد الإسماعيلي حيث جَعَله عن ميمون، عن ضَبَّة بن
محصن، ليس فيه ابن عمر !.
ومداره: على عبد الرحمن الرَّاسبي، وقد قال عنه الذهبي في («الميزان)) (٥٤٥/٢):
أتى عن فُرَات بن السَّائب، عن ميمون بن مهران، عن ضَبَّة بن محصن، عن أبي
موسى بقصَّة الغار، وهو يُشبه وضعَ الطُرُفِيَّة.
(٢) في ((مسنده)) (٣٧٣/١ رقم ٢٥١).

٩٨
عائشة، عن عمرَ رَظُه أنه قال: كان أبو بكرٍ أحبَّنا إلى رسول الله وَله
ثم قال البزَّار: لا يُروى إلا من هذا الوجه.
ورواه الترمذي(١) عن إبراهيم بن سعيد الجوهري به. وقال: صحيح
غريب.
وأخرجه ابن حبان في ((صحيحه))(٢) عن محمد بن إسحاق الثَّقَفي، عن
إبراهيم بن سعید، به.
ولفظهما: أبو بكر سيِّدنا وخيرُنا، وأحبُّنا إلى رسول الله وَلَةَ(٣).
طريق أخرى :
٩٧٢- قال البخاري(٤): ثنا أبو نعيم، عن عبد العزيز بن أبي سَلَمة،
عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: قال عمرُ رَضُله: أبو بكر سيِّدُنا،
وأَعتَقَ سيِّدَنا. يعني: بلالًا.
(١) في ((جامعه)) (٥٦٦/٥ رقم ٣٦٥٦) في المناقب، باب مناقب أبي بكر الصديق.
(٢) (٢٧٨/١٥ رقم ٦٨٦٢ - الإحسان).
(٣) تنبيه: جاء بحاشية الأصل تقييد بخطّ الحافظ ابن حجر هذا نصُّه: هذا الحديث عزاه
للترمذي عن إبراهيم بن سعيد الجوهري، وهو في ((صحيح البخاري)) [٣٦٦٨] عن
إسماعيل، بهذا الإسناد مطوَّلًا، في فضائل أبي بكر، فالعَجَب من هذا الحافظ
کیف خفي عليه؟ !.
(٤) في ((صحيحه)) (٩٩/٧ رقم ٣٧٥٤) في فضائل الصحابة، باب مناقب بلال بن رباح.

٩٩
حديث آخر
في فضل الصِّديق، وفيه شَرَف عظيم لعمر
٩٧٣- قال الحافظ أبو بكر الخطيب(١): أنا القاضي أبو العلاء
الواسطي، أنا أحمد بن محمد بن عَمرويه بن آدم ببغداد، ثنا محمد بن
جعفر بن أحمد بن اللَّيث، ثنا علي بن عبد الله بن جعفر الهَمداني، ثنا
عبد الله بن محمد بن جَيهان، ثنا عبد الله بن بكر السَّهمي، ثنا مبارك بن
فَضَالة، ثنا ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الرحمن
ابن أبي بكر الصِّديق قال: قال رسولُ الله وََّ: ((حدَّثني عمرُ بن الخطاب
أَنَّه ما سابقَ أبا بكرٍ إلى خيرٍ قظّ إلا سَبَقَهُ به)).
فإن كان هذا محفوظًا ففيه رواية رسول الله وَالدّ عن عمرَ بن
الخطاب، فيكونُ من أحسنٍ ما يُذكر في باب رواية الأكابر عمَّن
دونهم، كما في ((الصحيح)) (٢) أنه ◌ُالَّلا أخبر بقصَّة الدجال عن خبر تميم
الدَّاريِّ له بذلك.
وقد تقدَّم لهذا الحديث في كتاب الزكاة، وفي تفسير قوله تعالى:
﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ فَنِعِمَّا هِىَّ﴾ شواهد(٣).
٩٧٤- وقال حماد بن سَلَمة، عن علي بن زيد، عن سعيد بن
المسيَّب: أنَّ عمرَ قال:
ما سَابَقْتُ أبا بكرٍ قطّ إلى خيرٍ؛ إلا سَبَقَني به.
(١) في ((تاريخه)) (٧٦/٥ - ٧٧).
(٢) أخرجه مسلم (٢٢٦١/٤ رقم ٢٩٤٢) في الفتن، باب قصة الجسَّاسة.
(٣) انظر: (٣٩٢/١-٣٩٤ رقم ٢٤٨ -٢٥٠) و(٤٩٠/٢-٤٩١ رقم ٨٠٢).

١٠٠
أثر آخر :
٩٧٥- قال عبد الله بن المبارك: عن ابن سُوقة(١)، عن محمد بن
جُحادة، عن سَلَمة بن كُهَيل، عن هُزَيل بن شُرَحبيل قال: قال عمر:
لو وُزِنَ إيمانُ أبي بكرٍ بإيمانِ أهلِ الأرضِ لرَجَحَ بهم(٢).
قلت: وقد روي عن ابن عمرَ مرفوعًا، ولا يصحُ (٣).
(١) كذا ورد في الأصل. والصواب: ((ابن شوذب))، كما في مصادر التخريج الآتية.
(٢) ومن طريق ابن المبارك: أخرجه إسحاق بن راهويه في ((مسنده)) (٦٧١/٣) وخيثمة
الأطرابلسي في ((فضائل أبي بكر)) (ص ١٣٣) والبيهقي في ((شعب الإيمان))
.(١٨٠/١ رقم ٣٥) وابن عساكر في ((تاريخه)) (١٢٧/٣٠).
وأخرجه -أيضًا - القَطيعي في ((زوائده على فضائل الصحابة)) (٤١٨/١ رقم ٦٥٣)
وابن الحطّاب الرازي في ((مشيخته)) (ص٢١٦ رقم ٧٩) وابن عساكر في ((تاريخه))
(١٢٧/٣٠) من طريق أيوب بن سُوَيد، عن ابن شَوذَب، به.
وصحّح إسنادَه العراقي في ((المغني عن حمل الأسفار)) (١/ ٥٢ - بهامش الإحياء)
والسَّخاوي في ((المقاصد الحسنة)) (ص٤١٢ رقم ٩٠٨).
وانظر: ((علل الدارقطني)) (٢٢٣/٢ رقم ٢٣٦).
(٣) أخرجه ابن عدي (٤/ ٢٠١) من طريق عبد الله بن عبد العزيز بن أبي رَوَّاد، عن أبيه،
عن نافع، عن ابن عمرَ، مرفوعًا.
وهذا منكر، تفرَّد به عبد الله هذا، وقد قال عنه ابن عدي: يحدِّث عن أبيه، عن
نافع، عن ابن عمرَ بأحاديثَ لا يُتابعه أحدٌ عليه.