Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
أثر فيه أنَّ الإمام يأذن للناس
عليه بحسب منازلهم في الإسلام والشّرَف،
وأنهم يجلسون منه كذلك
٧٤٥- قال الإمام أحمد(١): ثنا عمَّان، ثنا جرير بن حازم قال:
سَمِعتُ الحسنَ قال: حَضَر بابَ عمرَ بن الخطاب سهيل بن عمرو،
والحارثُ بن أبي هشام(٢)، وأبو سفيان بن حرب، ونَفَرٌ من قريش من
تلك الرءوس، وصهيبُ، وبلالُ، وتلك الموالي الذين شهدوا بدرًا،
فخَرَج آذنُ عمرَ، فأذن لهم، وترك هؤلاء، فقال أبو سفيان: لم أر
كاليوم قٌ! يأذن لهؤلاء العبيد، ويتركنا على بابه لا يلتفت إلينا! فقال
سهيل بن عمرو -وكان رجلًا عاقلًا -: أيُّها القوم، إنِّي والله لقد أرى الذي
في وجوهكم، إن كنتم غضابًا فاغضبوا على أنفسكم، دُعِيَ القوم ودُعِيتُم،
فأسرعوا وأبطأتم، فكيف بكم إذا دُعُوا يوم القيامة وتُرِكتُم؟!
/ (ق٢٨٢) أثر آخر :
٧٤٦- قال الزُّبير بن بكَار(٣): حدَّثني مصعب بن عثمان، حدثني
(١) في ((الزهد)) (ص ١٦٩ رقم ٥٩١).
وأخرجه -أيضًا - ابن المبارك في ((الجهاد)) (ص ٨٥ رقم ١٠٠) والحاكم (٢٨٢/٣)
والطبراني في ((الكبير)) (٢١١/٦ رقم ٦٠٣٨) وابن الجوزي في ((المنتظم)) (٢٦٠/٤)
من طريق جرير بن حازم، به.
وهذا منقطع بين الحسن وعمر ضائه.
(٢) كذا ورد في الأصل. وفي المطبوع: ((ابن هشام))، وهو الصواب.
(٣) لم أقف عليه في مظانِّه من مصنَّفاته المطبوعة، ومن طريقه: أخرجه ابن عساكر في
«تاريخه» (١١/ ٥٠٢-٥٠٣).

٤٢٢
نوفل بن عُمارة قال: جاء الحارث بن هشام وسُهيل بن عمرو إلى عمر بن
الخطاب، فجلسا عنده، وهو بينهما، فجعل المهاجرون الأَوَّلون يأتون
عمرَ، فيقول: هُهنا يا سُهيل، ههنا يا حارث، فيُنِّيهما عنهم، وجعل
الأنصار يأتون عمرَ، فيُنجِّيهما عنهم، حتى صاروا في آخر الناس، فلمَّا
خَرَجا من عند عمرَ، قال الحارث بن هشام لسُهيل بن عمرو: ألم تَرَ
ما صَنَع بنا؟! فقال له سُهيل: أيُّها الرَّجل، لا لومَ عليه، ينبغي أن
نرجع باللّوم على أنفسنا، دُعِيَ القوم فأسرعوا، ودُعِينا فأبطأنا، فلمَّا
قاموا من عند عمرَ أتياه، فقالا: يا أميرَ المؤمنينَ، قد رأينا ما فعلتَ
اليوم، وعَلِمنا أنَّا أُتِينَا من أنفسنا، فهل من شيء نستدرك به؟ فقال
لهما: لا أعلمُه إلا هذا الوجه، وأشار لهما إلى ثغر الرُّوم. فخَرَجا إلى
الشام، فماتا بها رها.
أثر آخر :
٧٤٧- قال الهيثم بن عَدي: أنا أبو بكر الهُذَلي، عن الحسن قال:
كَتَب عمرُ بن الخطاب إلى أبي موسى، وهو بالبصرة: بلغني أنك تأذن
للناس جمًّا غفيرًا، فإذا جاءك كتابي هذا، فَأُذَنْ لأهل الشَّرَف، وأهل القوَّة
والتَّقوى والدِّين، فإذا أخذوا مجالسَهم، فَأُذَنْ للعامَّة.
فهذِه آثار حسنة، وإن كان فيها أنقطاع.

٤٢٣
/ حديث في التحذير من أئمّة الضّلال والجور
٧٤٨- قال الإمام أحمد(١): ثنا عبد القدوس بن الحجّاج، ثنا
صفوان، حدثني أبو المُخارِقِ زُهَير بن سالم: أنَّ عُمَير بن سعد
الأنصاري كان عمرُ ولَّاه حمص ... (فذَكَر الحديث)(٢)، قال عمرُ -
يعني لكعب -: إني أسألك عن أمرٍ فلا تكتُمْني. قال: والله لا أكتُمُك
شيئًا أعلمُه. قال: ما أخوفُ شيء تخوَّفُهُ على أمةِ محمدٍ وَلَّ؟
قال: أئمَّةً مُضِلِّين. قال عمرُ: صَدَقتَ، قد أَسرَّ ذلك إليَّ وأَعلَمَنِيه
رسولُ اللهِ وَالـ
هذا إسناد جيد(٣)، وليس في شيء من الكتب السِّتة، ولم يَسرد الإمام
أحمد قصّة عُمَير بن سعد، وقد ساقها الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في
((مسند عمر))، وفيها غرابة.
٧٤٩- وقد روى الإسماعيلي - أيضًا-(٤) من طرق جيدة عن الشَّعبي،
عن زياد بن حُدير قال: قال لي عمرُ بن الخطاب: يا زيادُ، هل تدري
ما يَهدمُ دعائمَ الإسلام؟ قلت: لا. قال: زَلَّةُ العالِم، وجدالُ المنافقِ
بالقرآنِ، وحُكمُ الأئمَّةِ المضلين.
(١) في («مسنده)) (٤٢/١ رقم ٢٩٣).
(٢) كَتَب المؤلِّف فوقها: (كذا)).
(٣) في هذا نظر؛ فزُهَير بن سالم قال عنه الدارقطني: حمصي منكر الحديث، روى عن
ثوبان ولم يَسْمع منه. انظر: ((تهذيب التهذيب)) (٣٤٤/٣)، ثم هو منقطع، لأن زُهَير
بن سالم من الطبقة الرابعة، وهؤلاء جلُّ روايتهم عن كبار التابعين.
(٤) سيأتي تخريج هذِه الرواية (ص ٥٦٤، رقم ٩٦٠).

٤٢٤
طريق أخرى :
٧٥٠- وقال أبو الجهم العلاء بن موسى(١): ثنا سوَّار، ثنا مُجالِد،
عن أبي الوذَّاك، عن أبي سعيد، عن ابن عباس قال: خَطَب عمرُ، فقال:
إنَّ أخوف ما أخافُ عليكم تغيُّرُ الزَّمانِ، وزَيغةُ عالِم، وجدالُ منافقٍ
بالقرآنِ، وأئمَّةٌ يُضلُّون الناسَ بغير علم.
/ حديث آخر :
*
٧٥١- قال الحافظ أبو يعلى الموصلي (٢): ثنا مصعب بن عبد الله،
ثنا الدَّرَاوَردِي، عن محمد بن أبي حميد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن
عمرَ قال: قال رسولُ اللهِ وَلّهِ: ((ألاَ أُخبِرُكُم بخِيَارٍ أَئِمَّتِكم من شِرَارِهم؟
الذين تُحبونَهم ويُحبونَكم، وتَدعُون لهم ويَدْعُون لكم، وشِرارُ أَئِمَّتِكم
الذين تُبغضونهم ويُبغضونكم، وتَلعنونَھم ويلعنونكم )».
ورواه الترمذي في الفتن(٣)، عن بُندَار، عن أبي عامر العَقَدي، عن
محمد بن أبي حميد.
وقال: غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي حميد، وهو يضعَّف
من قبل حفظه (٤).
(١) في ((جزئه)) (ص ٥٤ رقم ٩٨).
وإسناده ضعيف؛ لضعف مُجالِد، وهو: ابن سعيد الهَمْداني.
(٢) في ((مسنده)) (١٤٨/١ رقم ١٦١).
(٣) من (سننه)) (٤٥٨/٥ رقم ٢٢٦٤) باب منه.
(٤) وقد أخرج مسلم في ((صحيحه)) (١٤٨١/٣ رقم ١٨٥٥) في الإمارة، باب خيار

٤٢٥
أثر في أنه يجوز استعمال الرَّجل القويّ
وإن كانت له ذنوب يَستَسِر بها
٧٥٢- قال أبو عبيد في ((الغريب)) (١): حدثني يزيد بن هارون، عن
هشام، عن الحسن قال: قال حذيفةُ لعمرَ: إنَّك تستعين بالرَّجل الذي فيه
-وفي رواية: بالرَّجل الفاجر-؟ فقال عمرُ: إنِّي أستعملُهُ لأستعين بقوَّته،
ثم أكون على قَفَّانِهِ.
قال الأصمعي: قَفَّان كلِّ شيء: جِمَاعُهُ، واستقصاءُ معرفتِه، يقول:
أكون على تَتَبُّع أمره حتى أستقصي عِلمَهُ وأعرفَهُ.
قال أبو عبيد: ولا أَحسِبُ هُذِه الكلمة عربية، إنما أصلها: قَبَّان،
ومنه قول العامَّة: فلانٌ قَبَّانٌ على فلان، إذا كان بمنزلة الأمين عليه،
والرئيس الذي يَتَتَبَّع أمرَه ويحاسِبُه، ومنه سمِّي هذا الميزان الذي يقال
له: القَبَّان.
الأئمَّة وشرارهم، من حديث عوف بن مالك رَظُبه مرفوعًا: ((خيارُ أئمَّتِكم الذين
تُحبونَهم ويُحبونَكم، ويُصلُّون عليكم وتُصلُّون عليهم، وشرارُ أئمَّتِكم الذين
تُبغضونَهم ويُبغضونَكم، وتَلعنونَهم ويَلعنونَكم ... )). الحديث.
(١) ((غريب الحديث)) (١٣٩/٤).
وإسناده ضعيف؛ لانقطاعه بين الحسن وعمر.

٤٢٦
أثر فيه أن الوالي
إذا طرأ عليه ما ينافي العدالة فإنه يُعزَل
٧٥٣- قال محمد بن سعد في ((الطبقات))(١): كان عمرُ بن الخطاب
قد أُستَعمل النعمان بن عديٍّ بن نَضلة على مَيْسان من أرض البصرة، وكان
يقول الشِّعر، فقال:
ألا هل أتَى الحسناءَ أنَّ حَلِيلَها
بمَيْسانَ يُسقَى في زُجَاجِ وحَنْتَم (٢)؟
إذا شئتُ غَنَّتني دَهَاقينُ قريةٍ
وَرَقَّاصَةٌ تَجِئُو(٣) على كُلِّ مَنْسِمٍ
فإنْ كنتَ نَدماني فبالأكبرِ اسْقِنِي
ولا تَسْقِني بالأصغرِ المُتَثَلِّمِ
لعل أميرَ المؤمنينَ يَسُوؤهُ
تَنادُمُنا في الجَوْسَقِ المُتَهَدِّمِ
(١) (٤/ ١٤٠) عن محمد بن عمر، قال: حدثنا خالد بن أبي بكر بن عبيد الله بن عبد الله
ابن عمر بن الخطاب قال: سَمِعتُ سالم بن عبد الله ينشد هذِه الأبيات، قال: فلما
بَلَغْ عمرُ قولَه ... ، فذكره.
وهذا إسناد تالف، محمد بن عمر، هو: الواقدي، وهو متروك، وسالم لم يَسْمع
من عمر.
(٢) الخَنْتم: جِرَار مدهونة خُضر كانت تُحمل الخمر فيها إلى المدينة، ثم أتسع فيها،
فقيل للخزف كله خَيْتم. ((النهاية)) (٤٤٨/١).
(٣) كذا ورد في الأصل. وكَتَب المؤلّف بجوارها: ((تجذو))، وكَتَب عليها: ((خ))، إشارة
إلى وروده في نسخة.
والجُثُو: الجلوس على الركبتين. ((النهاية)) (٢٣٩/١).

٤٢٧
فلمَّا بَلَغ عمرُ قولَه، قال: نعم، واللهِ إنَّه لَيَسُوءِنِي، مَن لَقِيَهُ / (ق٢٨٥)
فليُخبِرْهُ أنِّي قد عَزَلتُه.
فَقَدِمَ عليه رجلٌ من قومه فأَخبَرَه بعزله، فقَدِمَ على عمرَ، فقال: واللهِ
ما صنعتُ شيئًا ممَّا قلتُ، ولكن كنتُ أمراً شاعرًا، وَجَدتُ فَضلًا من قول،
فقلتُ فيه الشِّعر. فقال عمرُ رَُّبِهِ: والله لا تعملُ لي على عملٍ ما بقيتُ،
وقد قلتَ ما قلتَ.
٧٥٤- وقد روى الحافظ أبو بكر ابن أبي الدُّنيا كَّفه(١) عن أحمد بن
محمد بن أيوب، عن إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق ... ، فذَكَر
مثله.
وحكى الزُّبير بن بكَّار مثل ذلك - أيضًا-، إلا أنه قال:
إذا شئتُ غَنَّتني دَهَاقِينُ قريةٍ
وَصَنَّاجةٌ(٢) تَجِذُو على كُلِّ مَنْسِمٍ
قال الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي عن شيخه أبي منصور: وهذا هو
الصحيح. والمِنسَمُ: استعارة، وإنما يقال ذلك للبعير، وهو من الإنسان
لظُفر.
قال: والجوسق: فارسيٌّ مُعرَّب، وهو القَصر الصغير، ويقال له:
الگوشك.
(١) في ((ذم المسكر)) (ص ٥٦ رقم ٤٤).
وهو منقطع بین محمد بن إسحاق وعمر.
(٢) الصَّنْج: من آلات الملاهي، جمعه صُنُوج، وهو ما يتخذ مُدوَّرًا يُضرب أحدهما
بالآخر، ويقال لما يُجعل في إطار الذُّفِّ من النحاس المُدوَّر صغارًا: صُنُوج أيضًا.
(المصباح المنير)) (ص ٢٨٦ -مادة صنج).

٤٢٨
٧٥٥- قال الزُّبير بن بكَّار(١): وحدَّثني محمد بن الضَّحَّاك بن عثمان
الحِزَامي، عن أبيه قال: لمَّا بلغ عمرُ بن الخطاب هذا الشِّعر، كَتَب إلى
النعمان: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿حَمّ ﴾ تَنْزِيلُ الْكِنَبِ مِنَ اللّهِ الْعَزِيزِ
الْعَلِيمِ ) تَنْزِيلُ الْكِنَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾﴾(٢)، أمَّا بعد، فقد بلغني
قولُك:
لعل أميرَ المؤمنينَ يَسُوؤهُ
تَنادُمُنا في الجَوْسَقِ المُتَهَدِّمِ
/ (ق٢٨٦) وايمُ الله، إنَّه لَيَسُوءنِي، وعَزَله. فلمَّا قَدِمَ على عمرَ بَأَتَه بهذا
الشِّعر، فقال: يا أميرَ المؤمنين، ما شَرِبتُها قظٌ، وما ذاك الشِّعر إلا شيءٌ
طَفَح على لساني. فقال عمرُ رَُّه: أظنُّ ذاك، ولكن لا تعمل لي على عملٍ
أبدًا.
فهذا مشهور من صنيع عمر رضي الله.
أثر آخر :
٧٥٦- قال الحارث بن مسكين: ثنا سفيان، عن شَبيب بن غَرقَدة،
عن المستَظِلِّ قال: سَمِعتُ عمرَ يقول: قد عَلِمتُ وربِّ الكعبة: متى
تَهلِكُ العرب، إذا ساسهم مَن لم يُدرك جاهلية، ولم يكن له قَدَمٌ في
الإسلام(٣).
(١) لم أقف عليه في مظانِّه من مصنَّفاته المطبوعة، ومن طريقه: أخرجه ابن الجوزي في
((المنتظم)) (١٣٨/٤)، وهو معضل؛ الضحاك بن عثمان هذا من الطبقة العاشرة.
(٢) غافر: ١ - ٣.
(٣) وأخرجه -أيضًا- ابن سعد (١٢٩/٦) والحاكم (٤٢٨/٤) من طريق سفيان.
وأبو عبيد في ((غريب الحديث)) (١٩١/٥) عن الحسين بن عازب. وابن أبي شيبة

٤٢٩
كتاب الأقضية
٧٥٧- قال البخاري تظّهُ(١): ثنا الحكم بن نافع، ثنا شعيب، عن
الزهري: حذَّثني حميد بن عبد الرحمن بن عَوف: أنَّ عبد الله بن عُتبة قال:
سَمِعتُ عمرَ بن الخطاب ظُّه يقول: إنَّ أناسًا كانوا يُؤخذون بالوحي على
عهد رسول الله وَله، وإنَّ الوحيَ قد أنقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظَهَر لنا
من أعمالِكم، فمن أظهر لنا خيرًا أَمِنَّه(٢)، ومَن أظهر لنا سُوءًا لم نأمَنْهُ،
ولم نُصدِّقْهُ، وإنْ قال: إنَّ سَريرتَه حَسَنة.
(٦/ ٤١٣ رقم ٣٢٤٦٢) في الفضائل، باب في فضل العرب، عن أبي الأحوص.
وأبو القاسم البغوي في ((الجعديات)) (٨٧٦/٢ رقم ٢٤٥٩) من طريق شريك.
جميعهم (سفيان، والحسين بن عازب، وأبو الأحوص، وشريك) عن شَبيب بن
غَرقَدة، به.
قال الحاكم: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي.
قلت: المستظل بن الحصين: مجهول الحال، تفرَّد بالرواية عنه شَبيب بن غَرقَدة،
وقد ذكره البخاري في ((التاريخ الكبير)) (٨/ ٦٢ رقم ٢١٥٨) وابن أبي حاتم في
((الجرح والتعديل)) (٤٢٩/٨ رقم ١٩٥٩) وسكتا عنه. وذكره ابن حبان في ((الثقات))
(٥/ ٤٦٢).
(١) في ((صحيحه)) (٢٥١/٥ رقم ٢٦٤١ - فتح) في الشهادات، باب الشهداء العدول.
(٢) زاد في المطبوع: ((وقَرَّبْناهُ، وليس إلينا من سَريرته شيء، الله يحاسِبُهُ في سريرته)).

٤٣٠
هكذا أورده البخاري، وليس هو عند أصحاب الأطراف(١).
وفيه دلالة على الحكم بالظاهر.
وقد روي من طريق أخرى:
٧٥٨- قال الإمام أحمد(٢): ثنا إسماعيل -يعني: ابن عُليَّة-، أنا
الجُرَيري سعيد، عن أبي نَضرة، عن أبي فِراس قال: خَطَب عمرُ بن
الخطاب، فقال: يا أيُّها الناسُ، ألا إنما كنّا نَعرِفُكم إذ بين ظَهْرينا(٣)
النبيُّ وَّةِ، وإذ ينزل الوحي، إذ يُنْبِّنا اللهُ من / (ق٢٨٧) أخباركم، ألا وإنَّ
النبيَّ وَّ قد انطلق، وانقطع الوحي، وإنمَّا نَعرِفُكم بما نقولُ لكم، من
أظهر منكم خيرًا ظَنًّا به خيرًا، وأحبَيْناهُ عليه، ومَن أظهر لنا شرًّا ظَنَّا به
شرًّا، وأبغضنَاهُ عليه، سرائرُكم بينكم وبين ربّكم ◌َت، ألا وإنَّه قد أتى عليَّ
حينٌ وأنا أَحسِبُ أنَّ مَن قرأ القرآنَ يريد اللهَ وما عنده، وقد خُيِّل إليَّ بأخرة
أنَّ رجالًا قد قرؤوه يريدون به ما عند الناس، فأريدوا اللهَ بقراءتِكم،
وأَريدوه بأعمالكم، أَلا إنيّ والله ما أُرسِلُ عُمَّالي إليكم ليضربوا
أبشارَكم، ولا ليأخذوا أموالَكم، ولكن أُرسِلُهُم إليكم لِيعلِّموكُم دينكم
وسُنتَكم، فمَن فُعِلَ به سوى ذلك؛ فليرفَعْه إليَّ، فوالذي نفسي بيده، إذاً
لأُقِصَّنَّهُ منه. فوَثَب عمرو بن العاص، فقال: يا أميرَ المؤمنين، أو رأيتَ إن
كان رجلٌ من المسلمين على رعيَّة فأدَّب بعض رعيته، أَثَّك لَمُقصُّه(٤) منه؟!
قال: إي، والذي نفس عمر بيده، إذًا لأُقِصَّتَّه منه، أنا لا أُقِصُّ منه، وقد
(١) وقال الحافظ في ((النكت الظّراف)) (٨/ ٥٢): أغفَلَه المزي، وهو في جميع الروايات.
(٢) في ((مسنده)) (٤١/١ رقم ٢٨٦).
(٣) كذا ورد في الأصل. وفي المطبوع: ((ظَهْرانينا)).
(٤) كذا ورد في الأصل. وفي المطبوع: ((لمقتَصُّه)).

٤٣١
رأيتُ رسولَ الله وَلّه يُقِصُّ من نفسِهِ؟ أَلا لا تضربوا المسلمين فتُذِلُّوهم،
ولا تُجمِّروهم(١) فَتَفتنوهم، ولا تَمنعوهم حقوقَهم فتُكفِّروهم (٢)، ولا تُنزلوهم
الغِياض(٣) فتُضيِّعوهم.
ورواه النسائي في القصاص (٤)، عن مؤمَّل بن هشام، عن إسماعيل بن
عُليَّة، مختصرًا: / (ق٢٨٨) رأيتُ رسولَ اللهِ وَّ أَقَصَّ من نفسِهِ.
وأخرجه أبو داود في الدِّيات(٥)، عن محبوب بن موسى، عن أبي
إسحاق الفَزَاري(٦)، عن سعيد بن إياس الجُرَيري، به.
وفيه خُطبة عمرَ: إِنِّي لم أَبعَثْ عُمَّالي ليضربوا أبشارَكم ... ، الحديث.
واختاره الحافظ الضياء(٧) من طريق أبي يعلى(٨)، عن عبد الله بن
محمد بن أسماء، عن ابن مهدي (٩)، عن سعيد الجُرَيري.
وقد رواه علي ابن المديني، عن عبد الأعلى، ورِبعي بن إبراهيم.
كلاهما عن الجُرَيري، بطوله.
(١) كَتَب المؤلف بجوارها في حاشية الأصل: ((تجمّروهم: أي: تطيلوا سجنهم)).
(٢) لأنهم ربما أرتدُّوا إذا مُنِعوا عن الحق. ((النهاية)) (١٨٧/٤).
(٣) الغِياض: جمع غَيْضة، وهي الشجر الملتف؛ لأنهم إذا نزلوها تفرَّقوا فيها، فتمكَّن
العدو منهم. ((النهاية)) (٤٠٢/٣).
(٤) من ((سننه)) (٤٠٣/٨ رقم ٤٧٩١) في القسامة، باب القصاص من السلاطين.
(٥) (١٥٢/٥-١٥٣ رقم ٤٥٣٧) باب القود من الضربة، وقص الأمير من نفسه.
(٦) وهو في ((السِّيَر)) له (ص ٢٩١ رقم ٥٢٧).
(٧) في ((المختارة)) (٢١٨/١ رقم ١١٦).
(٨) وهو في ((مسنده)) (١٧٤/١ رقم ١٩٦).
(٩) كذا ورد في الأصل. وصوابه: ((مهدي))، كما في المطبوع من ((مسند أبي يعلى))،
و((المختارة))، وهو مهدي بن ميمون الأزدي المِعْوَلي. انظر: ((تهذيب الكمال))
(٥٩٢/٢٨).

٤٣٢
وقال: إسناده بصري حسن.
وقال في موضع آخر: لا نعلم في إسناده شيئًا يُطعنُ فيه، وأبو فِراس
رجل معروف من أسلم (١)، روى عنه أبو نَضرة، وأبو عمران الجَوْني.
قلت: ولا يُعرف أسمه، ومنهم من سمَّاه: الرَّبيع بن زياد الحارثي (٢)،
وأنكر ذلك بعضُهم، وفرَّق بينهما(٣)، فالله أعلم.
(١) وخالف أبو زرعة، فقال: لا أعرفه. ((الجرح والتعديل)) (٤٢٣/٩ رقم ٢٠٨٢).
(٢) منهم: حماد بن سَلَمة، وروايته عند إسحاق بن راهويه في ((مسنده))، كما في
((المطالب العالية)) (٣٨٨/٢ رقم ٢١٤٤) وابن سعد (٢٨٠/٣) وعنه: البلاذُري في
((أنساب الأشراف)) (ص ١٨٦).
(٣) منهم: الإمام أبو أحمد الحاكم، ونصُّ عبارته، كما في ((تهذيب الكمال)) (٣٤/ ١٨٤):
إنْ كان إسحاق بن إبراهيم حفظ اسم أبي فِراس الراوي عن عمرَ أنه الرَّبيع بن زياد
الحارثي، ولم يُلقِه من ذات نفسه فهما أثنان، وإن لم يحفظه فهو على ما قاله
البخاري [انظر: ((التاريخ الكبير)) (٢٦٨/٣ رقم ٩١٥)] والرَّبيع بن زياد حارثي،
كناه خليفة بن خياط أبا عبد الرحمن، ولا أُبعِدُ أن يكون إسحاق سمَّاه من ذات نفسه
فاشتبه عليه، ولا أعرف أبا نَضرة روى عن الرَّبيع بن زياد شيئًا، إنما روى عنه
أبو مِجْلَز وقتادة، وذكره الشَّعبي في بعض أخباره، وأبو فِراس الذي روى عنه أبو
نَضرة هو النَّهدي آخر على ما ذَكَرِه البخاري.
وقال -أيضًا-، كما في ((تهذيب الكمال)) (٧٩/٩) في ترجمة الرَّبيع بن زياد:
ولا أُبعِدُ أن تكون تكنيته بأبي فِراس خطأ.

٤٣٣
حديث فيه أثر عن
عمر في التحذير من غائلة ولاية القضاء
٧٥٩- قال هشام بن عمَّار، عن صَدَقة، عن الشُّعيثي، عن زُفَر بن
وَثِيمة: أنَّ عمرَ دعا رجلًا إلى القضاء، فأَبَى عليه، قال: لم؟ قال: سَمِعتُ
رسولَ اللهِ وَ سَلّ يقول: ((القضاةُ ثلاثةٌ: قاضٍ في الجنَّةِ، وقاضيانٍ في
النَّارِ ... )) الحديث.
هكذا رواه أبو بكر الإسماعيلي في ((مسند عمر)) من حديث هشام بن
عمَّار.
٧٦٠- وقد روى أبو بكر ابن أبي عاصم، والترمذي(١) من حديث
معتمر بن سليمان، عن عبد الملك بن أبي جميلة، عن عبد الله بن موهَب:
أنَّ عثمانَ قال لابن عمرَ: أذهب فاقض بين الناس، قال: أَوَ (تُعافيني)(٢)
يا أميرَ المؤمنين، قال: فما تكره من ذلك، وقد كان أبوك يقضي؟ قال:
إِنِّي سَمِعتُ رسولَ اللهِ وََّ يقول: ((من كان قاضيًا، فقَضَى بالعدلِ،
فَبِالحَرِي أن يَنفَلِتَ منه كفافًا))، فما أرجو بعد ذلك؟!
وفي الحديث قصَّة ... (٣) غريب، وليس إسناده عندي بمتَّصل.
(١) في ((سننه)) (٦١٢/٣ رقم ١٣٢٢) في الأحكام، باب ما جاء عن رسول الله وَ لا في
القاضي، وفي ((العلل الكبير)) (ص ١٩٨ رقم ٣٥١).
(٢) كَتَب المؤلِّف فوقها: ((تعفني))، ولم يضرب على ما تحتها.
(٣) في هذا الموضع بضع كلمات مطموس بعضها في الأصل، ويشبه أن يكون المؤلّف
بصدد نقل كلام الإمام الترمذيِّ على الحديث، كما يظهر من السِّياق، ونصُّ كلام
الترمذي: حديث ابن عمر حديث غريب، وليس إسناده عندي بمتَّصل، وعبد الملك
الذي روى عنه المعتمر هذا، هو عبد الملك بن أبي جميلة.

٤٣٤
ولفظ ابن أبي عاصم، عن عبد الله بن موهَب، عن ابن عمرَ: سَمِعتُ
رسولَ اللهِ وَلَه يقول: ((مَن كان قاضيًا، فقَضَى بحقِّ، سأل التَّفْلُتَ كفافًا))
-قال ابن عمرَ: فما أرجو بعدُ إذَا- ((ومَن كان قاضيًا، فقَضَى بجهلٍ كان
من أهلِ الثَّارِ، ومَن كان قاضيًا، فقَضَى بجَورٍ فهو من أهلِ النَّارِ)).
ففي سياق ابن أبي عاصم مايبيِّن أتِّصال الحديث، لكن عبد الملك
هذا لم يرو عنه سوى معتمر، ولهذا قال فيه أبو حاتم(١): مجهول. وأما
ابن حبان، فذَكَره في ((الثقات))(٢).
وعلى كلِّ حال، فهذا أولى ممَّا رواه الإسماعيلي في ((مسند عمر))،
فلعلَّه تصحّف عليه بعثمان، وإن كان محفوظًا، فلعلّهما واقعتان،
والله أعلم.
وقال في ((العلل)): سألت محمدًا عن هذا الحديث، وقلت له: مَن عبد الملك هذا؟
فقال: هو عبد الملك بن أبي جميلة، وعبد الله بن مَوهَب عن عثمان مرسل.
(١) كما في ((الجرح والتعديل)) (٣٤٥/٥ رقم ١٦٣١) و(العلل)) لابنه (١ /٤٦٨).
(٢) (١٠٣/٧).
وأخرجه في «صحيحه)) (١١/ ٤٤٠ رقم ٥٠٥٦ - الإحسان) عن الحسن بن سفيان،
عن أُميَّة بن بسطام، عن معتمر بن سليمان، عن عبد الملك بن أبي جميلة، عن
عبد الله بن وهب، عن عثمان ... ، فذكره.
هكذا جعله من رواية عبد الله بن وهب عن عثمان! ثم قال: ابن وهب هذا، هو
عبد الله بن وهب بن الأسود القرشي، من المدينة، روى عنه الزهري.
قال ابن الملقن في (البدر المنير)) (٥٥٨/٩): هذا كلامه، وعليه بعد تسليم ثقة عبد
الملك اعتراضان:
أحدهما: إرساله، كما شهد بذلك الترمذي، والبخاري، وأبو حاتم.
ثانيهما: يخالف الترمذي في إبدال ((عبد الله بن موهَب)) بـ: ((عبد الله بن وهب)).
وأخرجه -أيضًا - أبو يعلى (٩٣/١٠ رقم ٥٧٢٧) عن شيبان. والطبراني في ((الكبير))

٤٣٥
أثر في صفة القضاء
٧٦١- قال إبراهيم بن بشَار الرَّمادي(١)، ويحيى بن الرَّبيع المكي
-واللفظ لإبراهيم-، كلاهما عن سفيان بن عيينة، حدَّثنا والد عبد الله بن
(٢٦٩/١٢ -٢٧٠ رقم ١٣٣١٩) من طريق أُميَّة بن بِسطام. كلاهما (شيبان، وأُميَّة)
عن معتمر، به.
قال الطبراني: عبد الله بن وهب هذا، هو عندي عبد الله بن وهب بن زَمْعة،
والله أعلم.
تنبيه: وقع في مطبوع ((مسند أبي يعلى)): ((عبد الله بن موهب))، ثم علَّق محقّقه
الأستاذ حسين أسد قائلًا: في الأصلين: ((وهب))، وهو خطأ (!)
قلت: هذا التصويب من المحقق غير مرضي، والصواب ما في الأصلين، كما يدل
على ذلك رواية ابن حبان، والطبراني، فتنبّه.
زد على هذا: أنه قال في تعليقه: ((إسناده جيد))، فتعقَّبه الشيخ الألباني في ((ضعيف
الترغيب والترهيب)) (٦٦/٢) فقال: عبد الملك بن أبي جميلة مجهول من أتباع
التابعين، وتوهّم المعلِّق على ((مسند أبي يعلى)) أنه تابعي ثقة سَمِعَ من ابن عمر! في
خلطٍ له وتجويد لإسناده، كما بيَّنته في ((الضعيفة)) (٦٨٦٤).
(١) وأخرجه -أيضًا- وكيع بن خَلَف في ((أخبار القضاة)) (١/ ٧٠) والخطيب في ((الفقيه
والمتفقه)) (٤٩٢/١ رقم ٥٣٥) من طريق إبراهيم بن بشّار. والبيهقي (٦٥/٦)
و (١٠٦/١٠، ١١٩، ١٣٥، ١٨٢، ٢٥٣) من طريق يحيى بن الربيع. والدارقطني
(٤ /٢٠٧) من طريق عبد الله بن الإمام أحمد. والهروي في ((ذم الكلام)) (٥/٤ رقم
٧١٦) من طريق ابن أبي عمر العَدَني. جميعهم (إبراهيم بن بشار، ويحيى،
وعبد الله، والعَدَني) عن ابن عيينة، به.
قال الشيخ الألباني في ((الإرواء)) (٢٤١/٨): وهذا إسناد رجاله ثقات رجال
الشيخين، لكنه مرسل؛ لأن سعيد بن أبي بُرْدة تابعي صغير، روايته عن عبد الله بن
عمر مرسلة، فكيف عن عمرَ؟! لكن قوله: ((هُذا كتاب عمر)) وِجادة، وهي وِجادة
صحيحة من أصحِّ الوجادات، وهي حجّة.
وقال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على ((المحلى)) (١/ ٦٠) في معرض ردِّه على ابن حزم

٤٣٦
إدريس قال: أتيتُ سعيدَ بن أبي بُرْدة، فسألته عن رسائل عمرَ التي كان
يكتب إلى أبي موسى، وكان أبو موسى قد أوصى إلى أبي بُرْدة، قال:
فأخرَجَ إليَّ كُتُبًا، فرأيتُ في كتاب منها: أمَّا بعدُ، فإنَّ القضاءَ فريضةٌ
مُحكَمَةٌ، وسُنَّةٌ مُتَبَعةٌ، فافهم إذا أُدلِيَ إليك، فإنَّه لا ينفعُ تَكلُّم بحقِّ
لا نفاذَ له.
آسِ بين الأثنين في مجلسك ووجهك، حتى لا يطمعَ شريفٌ في
حَيْفِك، ولا ييأس وَضِيعٌ - أو / (ق٢٨٩) قال: ضعيفٌ- في عدلك.
الفَهمَ الفَهمَ فيما يتلجلجُ في صدرك ويُشكِلُ عليك.
اعرِفِ الأشباهَ والأمثالَ، ثم قِس الأمورَ بعضَها ببعض، وانظر أقربَها
إلى الله، وأشبهها بالحقِّ، فاتَّبِعْه. وأعهد(١) إليك، ولا يمنعك قضاءٌ قضيتَه
بالأمس راجعتَ فيه نفسَك، وهُدِيتَ فيه لرُشْدِك أن تُراجِعَ الحقَّ، فإنَّ
مراجعة الحقِّ خيرٌ من التَّمادي في الباطل.
في تضعيفه لهُذِه الرسالة: وخير هذِه الأسانيد -فيما نرى- إسناد سفيان بن عيينة،
عن إدريس -وهو إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأَودي، وهو ثقة- أنَّ سعيد بن
أبي بُرْدة بن أبي موسى أراه الكتاب، وقرأه لديه، وهُذِهِ وِجادةٌ جيدةٌ في قوَّة الإسناد
الصحيح، إن لم تكن أقوى منه، فالقراءة من الكتاب أوثق من التلقّي عن الحفظ.
وقال الحافظ في ((التلخيص الحبير)) (١٩٦/٤) بعد أنَّ ذكره من طريق الدارقطني
والبيهقي: وساقه ابن حزم من طريقين، وأعلَّهما بالانقطاع، لكن اختلاف
المخرج فيهما مما يقوِّي أصل الرسالة، لا سيَّما وفي بعض طرقه أن راويه أخرج
الرسالة مكتوبة.
وقال أبو العباس ابن تيميَّة في ((منهاج السُّنة)) (٧١/٦): ورسالة عمر المشهورة في
القضاء إلى أبي موسى تداولها الفقهاء، وبَنَوا عليها، واعتمدوا على ما فيها من
الفقه، وأصول الفقه.
(١) كذا ورد في الأصل. وعند وكيع في ((أخبار القضاة)): ((واعمِد إليه)).

٤٣٧
المسلمون عُدُولٌ بعضُهم على بعض، إلا مجلودًا في حدٍّ، أو مجرَّبًا
عليه شهادة زُور، أو ظِّينَا في وَلاَء، أو قَرَابة.
اجعل لمَن أدَّعى حقًّا غائبًا أمدًا يَنتهي إليه، أو بيِّنّةً عادلةً، فإنَّه أَثبتُ
في الحجّة وأبلغُ في العذر، فإن أَحضَرَ بيِّنْتَه، وإلَّ وجَّهتَ عليه القضاء.
البيّنة على من أذَّعى، واليمينُ على من أنكر.
إنَّ الله تولَّى منكم السَّرائرَ، ودراً عنكم الشُّبهاتِ.
إِيَّاك والقلقَ، والضَّجرَ، والتأذِّيَ بالناس، والتَّنكُرَ للخصم في مجالس
القضاء.
إلى أن قال: والصلحُ جائزٌ بين المسلمين، إلا صُلحًا أحلَّ حرامًا، أو
حرَّم حلالًا.
ومَن تَزِيَّن للناس بما لم يعلم اللهُ منه شانَه اللهُ، فما ظنُّك بثواب غير الله
في عاجل دنيا وآجل آخرة.
هُذا أثر مشهور، وهو من هذا الوجه غريب، ويسمَّى وِجَدة(١)
،
والصحيح: أنه يحتجُّ بها إذا تحقّق الخظُ، لأنَّ أكثرَ كُتُب رسول الله
وسلم
إلى ملوك / (ق٢٩٠) الأقطار كذلك، وقد بَسَطِتُ القولَ بصخّتها في أوَّل
شرح البخاري، ولله الحمد.
وقد ورد هذا الأثر من وجه آخر:
(١) الوجادة: عرَّفها المؤلِّف في ((اختصار علوم الحديث)) (١/ ٣٦٧) فقال: صورتها:
أن يجدَ حديثًا أو كتابًا بخطّ شخص بإسناده، فله أن يَرويه عنه على سبيل الحكاية،
فيقول: وَجَدتُ بخط فلان: حدثنا فلان، ويُسنِده، ويقع هذا أكثر في ((مسند الإمام
أحمد))، يقول ابنه عبد الله: ((وَجَدت بخطّ أبي: حدثنا فلان ... ))، ويَسوق
الحديث، وله أن يقول: ((قال فلان)) إذا لم يكن فيه تدليس يُوهم اللُّقي.

٤٣٨
٧٦٢- كما رواه الحافظ البيهقي في ((سننه)) (١) فقال: أنا الحاكم، أنا
الأصمُّ، ثنا محمد بن إسحاق الصَّاغاني، ثنا محمد بن عبد الله بن كُناسة،
ثنا جعفر بن بَرقان، عن معمر البصري، عن أبي العوَّام البصري قال: كَتَبَ
عمرُ إلى أبي موسى: إنَّ القضاءَ فريضةٌ مُحكَمةٌ، وسُنَّةٌ مُتبعَةٌ، فعليك
بالعقل والفَهم وكثرة الذِّكر، فافهم إذا أَدلى إليك الرَّجلُ الحُجَّةَ، فاقضٍ
إذا فَهِمتَ، وامضٍ إذا قضيتَ، فإنَّه لا ينفَع تكلّم بحُكم لا نفاذ له.
وآسٍ بين الناسِ في وجهِكَ، ومجلسِكَ، وقضائِكَ، حتى لا يَطمعَ
شريفٌ في حَيفِكَ، ولا يَأْسَ ضعيفٌ من عدلِكَ.
والبِّنةُ على مَن أَدَّعى، واليمينُ على مَن أَنكَرَ.
والصلحُ جائزٌ بين المسلمين، إلا صُلحًا أَحلَّ حرامًا، أو حرَّم حلالًا.
ومَن أَذَّعى حقًّا غائبًا أو بيِّنَةً، فاضرِبْ له أَمَدًا يَنتهي إليه، فإنْ جاء
بينتِهِ أعطيتَهُ حقَّهُ، وإِنْ أَعجَزَهُ ذلك استَحْلَلتَ عليه القضيَّةَ، فإنَّ ذلك أبلغَ
في العذرِ، وأجلى للعَمَى.
(١) (١٠/ ١٥٠).
وأَعلَّ هُذِه الطريق الشيخ الألباني في ((الإرواء)) (٢٤٢/٨) فقال: وإسناده إلى أبي
العوَّام صحيح، وأمَّا أبو العوَّام البصري، ففي الرواة ثلاثة كلَّهم يُكنى بهُذِه الكنية،
وكلُّهم بصریون، وهم :
١- فائد بن كيسان الجزار مولى باهلة.
٢- عبد العزيز بن الرَّبيع الباهلي.
٣- عمران بن داور القطان.
ولم أتبين أيُّهم المراد هنا، وثلاثتهم من أتباع التابعين، وكلّهم ثقات إلا الأول، فلم
يوثّقه غير ابن حبان، ولم يُذكر في ترجمة أحد منهم أنه روى عنه معمر، والله أعلم،
وعلى كلِّ حال، فهذِه الطريق معضلة، وفيما قبلها كفاية. اهـ

٤٣٩
ولا يمنعك من قضاء قضيته اليوم فراجَعتَ فيه لرأيك، وهُدِيتَ فيه
لرُشدِكَ أن تُراجِعَ الحقَّ، لأنَّ الحقَّ قديم، لا يُطِلُ الحقَّ شيءٌ، ومراجعةٌ
الحقِّ خيرٌ من التَّمادي في الباطل.
والمسلمون عُدُول بعضُهم على بعض في الشَّهادات، إلا مجلودًا في
حدٍّ، أو مجرَّبًا عليه شهادة الزُّور، أو ظنِّنًا في وَلاَء ... (١) ، فإنَّ اللهَ تولَّى
من عباده السرائر، وسَتَرَ عليهم الحدودَ إلا بالبيِّات والأيمان.
والفهمَ الفهمَ فيما أُدِيَ إليك ممَّا ليس في قرآن أو سُنَّة، ثم قايس
الأمورَ عند ذلك، واعرِفِ الأشباهَ والأمثالَ، ثم أعمد إلى أحبِّها إلى الله
فيما ترى وأشبهها بالحقِّ.
وإِيَّاك والغضب، والقلق، والضَّجر، والتأذِّي بالناس عند الخصومة
والنظر، فإنَّ القضاء في مواطن الحقِّ يُوجِبُ اللهُ به الأجرَ، ويحسن به
الذِّكر، فمَن خَلُصَت نيَّته في الحقِّ ولو على نفسه، كَفَاه الله ما بينه وبين
الناس، ومَن تَزيَّن لهم بما ليس في قلبه شانَه اللهُ، فإنَّ الله لا يقبل من العباد
إلا ما كان له خالصًا، وما ظنُّك بثواب غير الله في عاجل رزقه وخزائن
رحمته. ثم قال البيهقي: وقد رواه سعيد بن أبي بُرْدة.
وروى عن أبي المليح الهُذَلي أنه رواه(٢).
وهو كتاب معروف مشهور، لابدَّ للقضاة من معرفته والعمل به.
(١) في هذا الموضع طمس بمقدار ثلاث كلمات.
(٢) ومن هذا الوجه: أخرجه الدار قطني (٢٠٦/٤) عن أبي جعفر محمد بن سليمان بن
محمد النُّعماني، عن عبد الله بن عبد الصمد بن أبي خداش، عن عیسی بن یونس،
عن عبيد الله بن أبي حميد، عن أبي المليح الهُذَلي قال: كَتَب عمر بن الخطاب إلى
أبي موسى ...
وأعلَّه الشيخ الألباني في ((الإرواء)) (٨/ ٢٤١) فقال: وعبيد الله بن أبي حميد متروك

٤٤٠
أثر آخر :
٧٦٣- قال الحافظ أبو بكر ابن أبي عاصم (١): ثنا أبو بكر بن
أبي شيبة (٢)، ثنا علي بن مُسْهِر، عن الشَّيباني، عن الشَّعبي، عن شُريح
-يعني: ابن الحارث القاضي -: أنَّ عمرَ بن الخطاب ظُبه كَتَب إليه: إذا
جاءك شيءٌ في كتاب الله فاقض به، ولا يغلبنَّك عليه الرِّجال، وإذا جاءك
ما ليس في كتاب الله؛ فانظر سُنَّة رسول الله وَّ فاقض بها، فإن كان أمرًا
ليس في كتاب الله، ولا في سُنَّة رسول الله وَّةِ، ولم يتكلَّم فيه قبلَك أحدٌ
فاختر أيَّ الأمرين شئتَ، إن شئتَ أن تجتهدَ رأيَك وتُقْدِمَ، فتقدَّم، وإن
شئتَ أن تتأخّر فتأخّر، أَلا وإِنَّ التأخّر خيرٌ لك.
وأخرجه النسائي في ((سننه))(٣) بنحوه، عن بُندَار، عن أبي عامر، عن
الثوري، عن الشَّيباني، به.
واختاره الحافظ الضياء في كتابه.
الحديث، كما قال الحافظ في ((التقريب)).
(١) لم أقف عليه في مظانِّه من مصنَّفاته المطبوعة، ومن طريقه: أخرجه الضياء في
((المختارة)) (٢٣٩/١ رقم ١٣٤) لكن سقط منه ذِكر شُريح.
(٢) وهو في ((المصنَّف)) (٥٤٤/٤ رقم ٢٢٩٨٠) في البيوع والأقضية، باب في القاضي
ما ينبغي أن يبدأ به في قضائه.
(٣) (٦٢٣/٨ رقم ٥٤١٤) في آداب القضاة، باب الحكم باتفاق أهل العلم.
وأخرجه -أيضًا- وكيع في ((أخبار القضاة)) (١٨٩/٢-١٩٠) وابن عبد البر في
((جامع بيان العلم وفضله)) (٨٤٦/٢ رقم ١٥٩٥) والخطيب في ((الفقيه والمتفقه))
(٤٢١/١، ٤٩٢ رقم ٤٤٤، ٥٣٤) من طريق سفيان، به.
وأخرجه الدارمي (٢٦٥/١-٢٦٦ رقم ١٦٩) في المقدمة، باب الفتيا وما فيه من
الشدة، ووكيع في «أخبار القضاة)) (١٨٩/٢، ١٩٠) والبيهقي (١١٥/١٠) من طريق
أبي إسحاق الشيباني، عن الشعبي، به.