Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ [٣٨] بُشْرُ بْنُ سَعِيْدٍ! فَقُلْتُ لِيَحْيَى: بُشْرُ بْنُ سَعِيْدٍ؟ فَقَالَ: مَا تُنْكِرُ؟ فَقُلْتُ: إِنَّهُ رَوَى عَنْ مَوْلَى السَّفّاحِ(١)، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ؟ فَقَالَ: قَدْرَوَى شَقِيْقٌ(٢)، عَنْ عَبْدِ اللهِ(٣)؛ وَعَنْ رَجُلٍ، عَنْ عَبْدِ الهِ. [٣٨] بسربن سعيد. هو الإمام القدوة المدني، مولى بني الحضرمي. وَثَّقَهُ يحيى ابن معين، والنسائي. وقال ابن سعد: كان من العباد المنقطعين والزهاد، كثير الحديث. ورُوي أن الوليد سأل عمر بن عبد العزيز: من أفضل زمانه بالمدينة؟ فقال: مولى لبني الحضرمي، يقال له: بسر. توفي سنة مائة. وانظر: ((السير)) (٥٩٤/٤)؛ و ((تهذيب التهذيب)) (١ / ٤٣٧). وإمامنا ابن المديني إنما تشكك في سماع بسر من زيد ثابت، بسبب رواية بسر بالواسطة عن زيد، وقد أسلفت أن هذا مما يستدلون به على عدم السماع، ولكنه غير مطرد في جميع الحالات. وأحيانًا يروي الراوي عمن سمع منه بالواسطة، فيكون من باب (المزيد في متصل الأسانيد)، والفصل عندئذ في جعل الرواية من هذا أو ذاك، هو الحفظ والمعرفة، وَمَنْ عَرَفَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْرِف. ولهذا لما تشكك ابن المديني في سماع بسر من زيد، فحاققه شيخه القطان، أبدی حجته على هذا التشكك، وهي رواية بسر عن زيد بالواسطة. فأجابه القطان بأن الحجة ليست كافية؛ بل هي محتملة، ثم ضرب له مثلاً برواية شقيق عن ابن مسعود، وليس في سماع شقيق من ابن مسعود شك، ومع ذلك كان ربما يروي عن رجل عن ابن مسعود، (١) هو أبو صالح مولى السفاح وقد سبقت ترجمته في الفقرة (٢٩). (٢) هو الإمام الكبير، شيخ الكوفة، أبو وائل الأسدي - أسد خزيمة - الكوفي، مخضرم أدرك النبي ◌َّره، وما رآه. وكان من أئمة الدين. قال الأعمش: قال لي إبراهيم النخعي: عليك بشقيق؛ فإني أدركت الناس، وهم متوافرون، وإنهم ليعدونه من خيارهم. وقال ابن معين: أبو وائل ثقة، لا يسأل عن مثله. توفي في زمن الحجاج بعد الجماجم، سنة اثنتين وثمانين. وانظر: ((السير)) (٤/ ١٦١)؛ و(تهذيب التهذيب)) (٣٦١/٤). (٣) هو: ابن مسعود -رضي الله عنه. ١٦٢ علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ يعني بالواسطة. ومع ذلك لم ينف أحد سماعه من ابن مسعود، بسبب هذه الواسطة. أضف إلى ذلك: أن أحدًا لم ينف سماع بسر من زيد؛ بل الناس على سماعه منه. وهذا البخاري، ومن ورائه مسلم؛ يخرجون لبُسْر عن زيد احتجاجًا(١)، ولولا ثبوت سماعه منه عندهما ما أخرجا مثل هذه الترجمة، والله أعلم. (١) أخرج البخاري في ((صحيحه)) كتاب الآذان، باب صلاة الليل (٧٣١/ الفتح)، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب صلاة النافلة في بيته (٧٨١) حديث بُسرٍ، عن زيد بن ثابت، عن النبي ◌َّل: (خير صلاة الرجل في بيته؛ إلا المكتوبة). ١٦٣ علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ [٣٩] قَالَ عَلِيٍّ: قَيْسُ بْنُ أَبِيْ حَازِمٍ، سَمِعَ مِنْ أَبِيْ بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِيْ وَقَّاصٍ، وَزُبَيٍّ، وَطَلْحَةَ بْنِ عُبِيِّ اللهِ، وَأَبِئْ شَهْمٍ(١)، وَجْرِبْرِ ابْنِ عَبْدِ اللهِ البَجَلِيِّ، وَأَبِيْ مَسْعُوْدِ البَدْرِيِّ، وَخَبََّبٍ بْنِ الأَرَتِّ، وَالمُغِيْرَةِ بْنِ شُعْبةَ، وَمِرْدَاسٍ بْنِ مَالِكِ الأسْلَمِيِّ، وَالمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَادِ الفِهْرِيِّ، ودُكَيْنِ بْنِ سَعْدٍ المُزَنِيِّ، وَمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِيْ سُفْيَانَ، وَعَمْرو بْنِ العَاصِ، وَأَبِيْ سُفْيَانَ بنِ حَرْبٍ، وَخَالِدِ بْنِ الوَلِيْدِ، وَحُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُوْدٍ، وَسَعِيْدِ بْنِ زَيْدٍ، وَأَبِيْ جُحَيقَةَ. قِيْلَ لِعَلِيٍّ: هؤلاء كُلُّهُمْ سَمِعَ مِنْهُمْ قَيْسُ بْنُ أَبِيْ حَازِمٍ سَمَاعًا؟ قَالَ: نَعَمْ! سَمِعَ مِنْهُمْ سَمَاعًا، وَلَوْلاَ ذَلِكَ لَمْ نَعُدَّ لَهُ سَمَاعًا . (١) في الأصل: (أبو سهم)، وغيّرها الأعظمي إلى: (أبو رهم) معتمدًا على تصحيف وقع في مطبوعة السعادة من (تاريخ بغداد))، والصواب ما أثبتُه من ((تاريخ بغداد)) (ط بشَّار)، و((تاريخ دمشق))؛ و(تهذيب الكمال)؛ و((السَّنَن الأبين)). وقد جودها ناسخ ((السنن))؛ فوضع عليها علامتي (صح)، وكتب في الهامش: (ش) وصححها، كي لا يلتبس بغيره. وقد ضبطها كذلك: الدارقطني في ((المؤتلف)) (١٢٣٠/٣)؛ وابن ماكولا في ((الإكمال)) (٤/ ٤٠٠)؛ والذهبي في ((المشتبه)) (٣٧٧/١)؛ وابن ناصر الدين في ((التوضيح)) (٢/ ١٦٧)؛ والحافظ في ((التبصير)) (٢/ ٧٠٢)، وغيرهم. وأبوشَهْم: هو صاحب الجُبَيَذَة - تصغير جَبْذَة -، لا يعرف اسمه، ولا نسبه، وقال البغوي: سكن الكوفة، وذكر ابن السكّن أن اسمه: زيد أو يزيد بن أبي شيبة. وليس له إلا حديث واحد، ولا يرويه عنه إلا قيس بن أبي حازم، وهو ما أخرجه أحمد، والنسائي، والبغوي، من طريق قيس بن أبي حازم، عن أبي شهم - رضي الله عنه، قال: كنت رجلاً بطالاً، قال: فمرت بي جارية، في بعض طرق المدينة؛ إذ هويت إلى كشحها [يعني: خصرها]، فلما كان الغد، قال: فأتى الناس رسول الله ◌َّال# يبايعونه، فأتيته، فبسطت يدي لأبايعه؛ فقبض يده، وقال: (أحسبك صاحب الجبيذة - يعني: أما إنك صاحب الجبيذة أمس)؟ قال: قلت: يا رسول الله، بايعني! فوالله، لا أعود أبدًا. قال: (فنعم إذا). وانظر: ((الإصابة)) (١٠٣/٤)؛ و(تهذيب الكمال)) (٤٠٧/٣٤)؛ و ((تهذيب التهذيب)) (١٢٨/١٢). ١٦٤ علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ قِيْلَ لَهُ: شَهِدَ الجَمَلَ(١)؟ قَالَ: لاَ! كَانَ عُثْمَانِيًّ(٢). وَرَوَى أَيْضًا عَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ، وَعَنْ قَيْسٍ بْنِ قَهْدِ(٣)، وَرَوَى [ل٤/ب] عَنْ بِلاَلٍ، وَلَمْ يَلْقَهُ، وَعَنْ الصُّنَبِحِ بْنِ الأَعْسَرِ الأَحْمَسِيِّ، وَرَوَى عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَلاَ أَذْرِئْ سَمِعَ مِنْهُ، أَمْلاَ؟ وَعَنْ قَيْسِ بْنِ قَهْدِ سَمَاعًا. قَالَ: وَرَأَيْتُ أَسْمَاءَ ابْنَةً أَبِيْ بَكْرٍ . [٣٩] أخرج هذه الفقرة الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٤٣٣/١٣) عن علي بن محمد بن عبد الله المعدل. وأخرجها ابن رُشَيْدِ السبتي الفِهري في ((السَّنَن الأَبْين)) (ص١٦٩ -١٧٠) من طريق أبي الحسين بن بشران . كلاهما، عن عثمان بن أحمد الدقّاق، قال: قرئ على محمد بن أحمد بن البراء - وأنا حاضر- قال: قال علي بن عبد الله المديني: فذكره بحروفه. (١) الجَمّل: موقعة دارت رحاها بين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب من ناحية، وبين أم المؤمنين عائشة، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام -رضي الله تعالى عن الجميع -من ناحية أخرى سنة ست وثلاثين من الهجرة، على إثر مقتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه. للمطالبة بدم عثمان. ووضعت أوزارها وقد قتل طلحة والزبير، ونحر جمل عائشة رضي الله عن الجميع. وانتصر علي رضي الله عنه. وانظر تفاصيلها في ((تاريخ الرسل والملوك» لأبي جعفر الطبري (٤/ ٤٥٦-٥٤١). (٢) يعني: يقدم عثمان على علي في الفضل، وهذا هو أصل مذهب أهل السنة والجماعة، ويقابله: عَلّوِيّ، وهو من يقدم عليًّا على عثمان في الفضل، وهو مذهب مشهور لجماعة من أهل السنة بالكوفة. وانظر ((فتح الباري)) (حدیث ٣٠٨١). (٣) قهد: بفتح القاف، وسكون الهاء. وانظر: ((المؤتلف والمختلف)) للدارقطني (١٨٤٣/٤) وحاشيته؛ ولعبد الغني (ص ١٠٤)؛ و((الإكمال)) (٧٧/٧)؛ و(المشتبه)) للذهبي (٥١١/٢)؛ و((توضيحه)) لابن ناصر الدين (٢/ ٤٠٧). وقال السَّمْعَانِيُّ في (الأنساب)) (٩/ ٣٥٠/ المعلمي): ((فهد)) - بالفاء؛ فتعقبه ابن الأثير في ((لبابه)) (٤٤٧/٢): ((قلت: إنما هو ... فهد - بالقاف، لا بالفاء - والله أعلم)). وانظر: ((التاريخ الكبير)) (١٤٢/٧)؛ و ((الإصابة)) (٤٩٦/٥/ البجاوي). ١٦٥ علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ ومن طريق الخطيب: أخرجه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٤٥٩/٤٩/ الفكر)، و(٥٢/ ٣١٠/ إحياء التراث). وأخرجه ابن عساكر أيضًا في (الموضع السابق) عن ابن السمرقندي، عن أبي بكر محمد بن هبة الله، عن علي بن محمد المعدل (شيخ الخطيب)، بإسناد الخطيب. وزاد فيه ابن السمرقندي: (ولم يسمع قيس بن أبي حازم من أبي الدرداء، ولا سلمان)(١). وعلقه عن الخطيب: المزي في ((تهذيب الكمال)) (٢٤/٢١). وأخرجه الخطيب في ((تاريخه)) (٤٦٦/١٤) - ومن طريقه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) في الموضع السابق - عن الحسن بن علي الجوهري، عن محمد بن المظفر، عن محمد بن محمد بن سليمان الباغندي، عن علي بن المديني: فذكره. وأما قيس بن أبي حازم: فهو العالم الثقة الحافظ، أبو عبد الله البجلي الأحمسي الكوفي. أسلم، وأتى النبي ◌ّيه ليبايعه، فقبض النبي ◌َّ وقيس في الطريق، ولأبيه أبي حازم صحبة. وقيل: إن لقيس صحبة، ولم يثبت ذلك. وكان من علماء زمانه. قال أبو داود: أجود التابعين إسنادًا قيس. وقد روى عن تسعة من العشرة، ولم يرو عن عبد الرحمن بن عوف. وقال يحيى بن معين: قيس بن أبي حازم، أوثق من الزهري، ومن السائب بن یزید. توفي سنة سبع أو ثمان وتسعين . وانظر: ((السير)) (١٩٨/٤)؛ و((تهذيب التهذيب)) (٣٨٦/٨). وهذا النص المطول، من كلام ابن المديني، في التابعي الجليل قيس بن أبي حازم، - (١) نقل هذه الزيادة: العلائي في ((جامع التحصيل)) (ص ٢٥٧)، وعنه: ابن العراقي في ((تحفة التحصيل)) (ص ٤٢٥)، عن ابن المديني. ١٦٦ علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ وعدم طعنه فيه بشيء، ونقل الحفاظ لهذا النص عن ذلك الإمام مما استدل به الأئمة على بطلان ما حكي عنه، من طعنه في قيس، وذلك في قصة طويلة(١)، سردها الحافظ الخطيب البغدادي في ((تاريخه)) (١٣ / ٤٣٣)، ثم قال معلقًا عليها: ((أما ما حكي عن علي بن المديني، في هذا الخبر، من أن قيس بن أبي حازم، لا يُعْمَلُ على ما يرويه؛ لكونه أعرابيًّا بؤَّالاً على عقبيه؛ فهو باطل، وقد نزه الله عليًّا عن قول ذلك؛ لأن أهل الأثر - وفيهم عَلِيٍّ - مجمعون على الاحتجاج برواية قيس بن أبي حازم، وتصحيحها؛ إذ كان من كبراء تابعي أهل الكوفة، وليس في التابعين من أدرك العشرة المقدَّمين، وروى عنهم غيره؛ مع روايته عن خلقٍ من الصحابة، سوى العشرة، ولم يحكِ أحدٌ ممن ساق محنة أبي عبد الله أحمد بن حنبل، أنه نوظر في حديث الرؤية. فإن كان هذا الخبر المحكي عن ابن فهم محفوظًا؛ فأحسب أن ابن أبي دُؤاد، تكلم في قيس بن أبي حازم، بما ذكر في الخبر، وعزا ذلك إلى علي بن المديني، والله أعلم. وقد ذكر عليٌّ بن المديني قيس بن أبي حازم، وقال ما أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله المعدل)) فساق هذا النص، كالدليل على تبرئة عليٍّ مما نسبه إليه الشانئون، والله المَوْعِدُ! * وقوله: «وروی عن بلال، ولم یلقه». نقله عنه: العلائي في ((جامع التحصيل)) (ص٢٥٧)، وعنه: ابن العراقي في ((تحفة التحصیل» (ص ٤٢٥). * وقوله: ((وروى عن عقبة بن عامر، ولا أدري سمع منه، أم لا؟)). نقله عنه: العلائي في ((جامع التحصيل)) (ص٢٥٧)، وعنه: ابن العراقي في ((تحفة التحصیل» (ص ٤٢٥). وتعقبه العلائي قائلاً: ((في هذا القول نظر؛ فإن قيسًا لم يكن مدلسًا، وقد ورد (١) سبق ذكرها والإجابة عنها، في ترجمة ابن المديني من قسم الدراسة. ١٦٧ علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ المدينة عقب وفاة النبي ◌َّلقر، والصحابة بها مجتمعون، فإذا روى عن أحد؛ الظاهر سماعه منه)) . قلت: ولذلك خرَّج مسلم في ((صحيحه))، لقيس، عن عقبة بن عامر، في الأصول. وذلك في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل قراءة المعوذتين (حديث ٨١٤). والله أعلم. ١٦٨ علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ [٤٠] وَأَبُوهُ(١): أَبُوْ حَازِمٍ، وَاسْمُ أَبِيْ حَازِمٍ: عَوْفُ بْنُ [عَبْدٍ](٢) الحَارِثِ. [٤٠] أخرج هذه الفقرة من أخرج الفقرة السابقة (٣٩). واسم (أبي حازم) مختلف فيه: فيقال إنه عوف بن عبد الحارث. كما اختاره ابن المديني. ويقال: عبد عوف بن الحارث. ويقال: حصين بن عوف. وفي نسبه اختلاف شدید کما یقول الذهبي !. : وقد أخرج حديثه البخاري في ((الأدب المفرد))، وأبو داود، وصححه، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم؛ كلهم من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن أبيه: أنه جاء، والنبي ◌َيرٍ يخطب، فقام في الشمس، فأمر به فتحول إلى الظل. وقد قتل بصفین، رضي الله عنه ورحمه. وانظر: ((الإصابة)» (٤٠/٤)، و ((تهذيب الكمال)) (٢١٩/٣٣). (١) يعني: أبا قيس بن أبي حازم المتقدم في أول الفقرة (٣٩) السابقة. (٢) ليست في الأصل، وقد أثبتتها جميع المصادر التي نقلت كلام ابن المديني، فتنظر في التعليقة على الفقرة (٣٩). ١٦٩ علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ [٤١] وَرَوَى(١) عَنْ عَمَّارٍ؛ وَاخْتَلَفُوا عَن ابْنِ أَبِيْ خَالِدٍ (٢) فِيْهِ: فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنِ ابْنِ أَبِيْ خَالِدٍ، عَنْ يَحْتَى بْنِ عَابِسٍ، قَالَ عَمَّارٌ: إِذْنِنُونِيْ فِيْ ثِیاہِيْ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِسْمَاعِيْلُ، عَنْ قَيْسٍ، قَالَ عَمَّارٌ : إِذفنُونِي فِيْ ثِيَامِيْ. [٤١] أخرج هذه الفقرة من أخرج الفقرة (٣٩)؛ فتراجع. وقد ذكر فيها ابن المديني (رواية قيس عن عمار بن ياسر)؛ ولكنه علق ثبوت روايته عنه، على صحة الطريق إلى قيس بذلك. وقد ذكر أن مدار الطريق إلى قيس، على إسماعيل بن أبي خالد، وأنه قد اختلف علی إسماعيل من وجهين : * الوجه الأول: إسماعيل بن أبي خالد، عن يحيى بن عابس، قال عمَّار: وهذا أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٤٥٨/٢)، و(٤٤٦/٦)؛ وابن سعد في ((الطبقات الكبري)) (٢٦٢/٣) - ومن طريقه: ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٤٧٨/٤٣/ الفكر)، (٣٢٥/٤٦/ إحياء التراث) - عن وكيع. وأخرجه ابن عساكر في (الموضع السابق) من طريق موسى بن داود، عن وكيع، وحفص . وأخرجه في (نفس الموضع) من طريق محمد بن أبي داود الأنباري، عن عبدة بن (١) الضمير هنا يعود على (قيس بن أبي حازم)، وليس كما توهمه الدكتور الأعظمي، ومن بعده: بوقريص؛ أنه يعود على (أبي حازم) والد قيس. والسياق، والواقع يأبيانه؛ فأبو حازم لم تذكر له رواية إلا عن النبي ◌َّة، كما ذكر مترجموه، والله تعالى أعلم. (٢) في الأصل: (يزيد بن أبي خالد)، وليس بشيء، وما أثبته؛ فمن المصادر التي خرَّجت كلام ابن المديني. و(ابن أبي خالد) هو: إسماعيل، وهو من أكثر الناس حديثاً عن قيس. ١٧٠ علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ سليمان. ثلاثتهم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن يحيى بن عابس، سمعت عمار بن ياسر، يقول: فذكره. وأخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٤٦٦/٦) عن عيسى بن يونس، عن إسماعيل بن أبي خالد، قال: سمعت يحيى بن عابس، يخبر قيس بن أبي حازم، عن عمار. ومن طريق عيسى بن يونس أخرجه: ابن عساكر في (الموضع السابق). وفيه: (یحدث قیس). وأخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف»(٤٥٨/٢) عن عيسى بن يونس. وأخرجه ابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (١ / ٢٠٧/ ٢٧٠) من طريق عيسى بن یونس. لكن وقع عند الأخيرين: (يحيى بن عابس، يحدث عن قيس بن أبي حازم، عن عمار). والظاهر أن هذا تصحيف، وأن الصواب: (يحيى بن عابس، يحدث قيس بن أبي حازم، عن عمار)، والله أعلم. * الوجه الثاني: إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن عمار. وهذا أخرجه البيهقي في ((السنن الكبري)) في كتاب الجنائز، باب ما ورد في المقتول بسيف أهل البغي (٤/ ١٧) من طريق آدم بن أبي إياس. وأخرجه البيهقي كذلك (١٨٥/٨) - ومن طريقه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٤٧٧/٤٣ / الفكر)، و(٣٢٥/٤٦/ إحياء التراث) - من طريق وهب بن جرير. وأخرجه ابن عساكر في (الموضع السابق) من طريق يعقوب بن شيبة، عن شاذان - واسمه الأسود بن عامر-، وموسی بن داود، ویحیی بن أبي بكر. ١٧١ علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ خمستهم، عن شعبة بن الحجاج، عن إسماعيل، عن قيس بن أبي حازم، عن عمار. وأخرجه ابن عساكر كذلك في (الموضع السابق) من طريق الحسين بن إسماعيل المحاملي، عن أبي هشام الرفاعي، عن محمد بن فضيل، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قیس، عن عمار. وهذه متابعة لشعبة؛ لو كانت صحيحة؛ وإلا فإنها لا تصح عن ابن فضيل؛ وذلك أنها من رواية أبي هشام الرفاعي، عن ابن فضيل. وأبو هشام الرفاعي، واسمه محمد بن يزيد بن محمد بن كثير بن رفاعة الكوفي قاضي بغداد. وإن كان من رجال مسلم؛ فإن البخاري قال فيه: ((رأيتهم مجتمعين على ضعفه)). وقال فيه رفيقه ابن نمير: ((كان أضعفنا طلبًا، وأكثرنا غرائب)). وقال ابن حبان: ((يخطئ)). وقال الحافظ: ((ليس بالقوي))(١). فيغلب على الظن أن هذا من غرائبه؛ فإن هذا الوجه معروف بشعبة، ورواه عنه ستة من الثقات. والله أعلم. (١) وانظر: ((الجرح والتعديل)) (١٢٩/٨)؛ و((الثقات)) لابن حبان (١٠٩/٩)؛ و((من تكلم فيه وهو موثق)) (ص١٧٢ / رقم ٣٢١)؛ و(تهذيب التهذيب)) (٥٢٦/٩)؛ و ((التقريب)) (٦٤٠٢). ١٧٢ علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ النظر في الخلاف: أما رواة الوجه الأول؛ فهم: [١] وكيع بن الجراح. وهو ثقة حافظ، إمام رفيع القدر، عابد ورع، لم يعدل به ابن مهدي أحدًا في الأعمش، وقدمه على أبي معاوية وغيره، وكان أحمد يرفع قدره جدًا، وقد سبقت ترجمته في الفقرة (٣). [٢] حفص بن غياث. وهو ثقة ثبت إذا حدث من كتابه، وتغير حفظه قليلاً في آخر أمره. وتأتي ترجمته في الفقرة (١٣٢). [٣] عبدة بن سليمان. وهو ثقة ثبت، مستقيم الحديث جدًا. وتقدمت ترجمته في الفقرة (١٤١). [٤] عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي. ثقة مأمون عالي القدر، وكان يحج عامًا ويرابط عامًا. وانظر: ((تهذيب التهذيب)) (٢١٢/٨/ الفكر)؛ و((التقريب)) (٥٣٤١). وأما رواة الوجه الثاني؛ فهم: [١] شعبة بن الحجاج. أمير المؤمنين في الحديث، عالم أهل البصرة وشيخها، ثقة ثبت؛ بل فوق الثقة. وقد سبقت ترجمته في الفقرة (٢). وبالنظر في رواة الوجهين؛ يتبين أن الوجه الأول أكثر عددًا من الثاني؛ الذي رواه شعبة وحده، ومتابعه مجمع على ضعفه! وشعبة وإن كان غاية في الثقة؛ فليس يعرى عن الخطأ والتصحيف أحد! وقد حكم العلماء على شعبة هنا بالخطأ، وصوبوا الوجه الأول. فقال عباس الدوري: سمعت یحیی بن معین، يقول: ((حديث شعبة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، قال: قال عمار: (ادفنوني في ثيابي). وإنما هو: إسماعيل، قال: سمعت يحيى ابن [عابس] يحدث في مجلس ١٧٣ علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ قیس))(١). وقال موسی بن داود۔بعد روايته للوجه الأول۔: (يذكرون: أن الإسناد(٢) ما جاء به حفص ووكيع. قال: إنما قال إسماعيل: (حدثني يحيى بن عابس)، في مجلس قيس بن أبي حازم)) (٣). وبناءً على هذا؛ فإذا كان هذا الطريق هو مُعوَّ ابن المديني، وحجته في إثباته رواية قيس عن عمار - كما يلوح من كلامه فقد ظهر أن الطريق المذكور، لا يثبت، وعليه لا تثبت رواية قيس، عن عمار. والله تعالى أعلم. (١) ((تاریخ یحیی بن معین)) برواية الدوري (٥٠٧/٣/ رقم ٢٤٧٧). (٢) أي: الإسناد الصحيح، أو الصواب. انظر مثالاً قريبًا لهذا الاستعمال، من كلام إمامنا ابن المديني في الفقرة (١)، والله أعلم. (٣) (تاريخ دمشق)) (٤٧٧/٤٣/ الفكر)، و(٣٢٦/٤٦/ إحياء التراث). وموسى بن داود هو - على الأغلب - الضبي الطرسوسي القاضي، وهو صدوق فقيه زاهد؛ وثقه الأكثرون، وقال أبو حاتم: مضطرب الحديث. وقال الحافظ :... له أوهام. وانظر: ((تاريخ بغداد)) (٢١/١٥)، ((تهذيب الكمال)) (٥٧/٢٩)، و ((التقريب)) (٦٩٥٩). ١٧٤ علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ [٤٢] قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ! سَمِعَ مِنْ سَعْدِ بْنِ مَسْعُوْدٍ، عَمِّ المُخْتَارِ، وَكَانَ فِي أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َله. وَلَمْ يَسْمَعْ قَيْسُ بْنُ أَبِيْ حَازِمٍ مِنْ أَبِيْ الدَّرْدَاءِ، وَلاَ سَلْمَانَ. [٤٢] سعد عم المختار؛ صحابي، يقال إن عليًّا ولاَّه بعض عمله، ثم استصحبه معه إلى صفين. وانظر: ((التاريخ الكبير)) (٤/ ٥٠)؛ و ((الإصابة)»(٣٧/٢). وأما سماع قيس بن أبي حازم، من سعد بن مسعود عم المختار بن أبي عبيد؛ لم يذكره غير ابن المديني في هذا الموضع، ولم يرد لقيس ذكر، عند كل من ترجم لسعد عم المختار؛ وإنما ذكروا جميعًا قيسًا في ترجمة (سعد بن مسعود الكندي)، وذلك فيما رواه البخاري في ((التاريخ الكبير)) (٤٩/٤) من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: دخلنا على سعد بن مسعود نعوده؛ فذكر قصته(١). وأما عدم سماع قيس من أبي الدرداء، وسلمان؛ فتنظر له الفقرة (٣٩)، والله أعلم. (١) هذه القصة؛ ذكرها أبو موسى المديني في ((تذييله))، تبعًا للطبراني في ترجمة (سعد بن مسعود الأنصاري)، وهذا وهم. على حد قول الحافظ في ((الإصابة)) (٣٦/٢). ١٧٥ علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ [٤٣] قَالَ عَلِيٍّ: سَمِعَ الحَسَن(١) مِنْ عُثْمَانَ بْنِ عَقَّانَ - وَهُوَ خُلَامٌ - يَخْطُبُ(٢)، وَمِنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِيْ العَاصِ، وَمِن أَبِيْ بَكْرَةَ. [٤٣] الحسن؛ هو ابن أبي الحسن يسار البصري، أبو سعيد، مولى زيد بن ثابت الأنصاري، ويقال: مولى أبي اليسر كعب بن عمرو السلمي. وكانت أمه مولاة لأم سلمة أم المؤمنين المخزومية. ولد لسنتين بقيتا من خلافة الفاروق عمر رضي الله عنه. وفي أخبار القضاة (٥/٢): كانت أم سلمة تبعث أم الحسن في الحاجة، فيبكي وهو طفل، فتسكته أم سلمة بنديها، وتخرجه إلى أصحاب رسول الله وَليلٍ وهو صغير، وكانت أمه منقطعة إليها، فكانوا يدعون له، فأخرجته إلى عمر، فدعا له وقال: اللهم فقهه في الدین، وحَبِّهُ إلی الناس . قال محمد بن سعد: كان الحسن رحمه الله جامعًا، عالمًا، رفيعًا، فقيهًا، ثقةً، حجةً، مأمونًا، عابدًا، ناسكًا، كثير العلم، فصيحًا، جميلاً، وسيمًا. وما أرسله؛ فليس بحجة. وقال أبو بردة: ما رأيت أحدًا أشبه بأصحاب محمدپژ منه. ومناقبه جمة غزيرة. توفي - رحمه الله تعالى - في أول رجب سنة عشر ومائة. وكانت جنازته مشهودة، صلوا عليه عقيب الجمعة بالبصرة، فشيعه الخلق، وازدحموا عليه، حتى إن صلاة العصر لم تقم في الجامع. (١) والشريف حاتم بن عارف العوني - من المعاصرين - ((المرسل الخفي، وعلاقته بالتدليس؛ دارسة نظرية وتطبيقية على: مرويات الحسن البصري))، وهي أطروحة تقدم بها لنيل درجة الماجستير، من جامعة أم القرى، وطبعتها دار الهجرة بالرياض سنة ١٤١٨ هـ. وقد تتبع فيها روايات الحسن عن مشايخه، وبحث مسائل السماع منهم، ودرس روايته عن بعض مشايخه، ولا تخلو من فوائد ودراسات رائقة. وقد وقفت عليها بأخَرَةٍ، بعد إنجازي جل ما يتعلق بالحسن، ولو كنت وقفت عليها قبل ذلك؛ لوفرت عليَّ جهدًا طويلاً، ولكن ( ... فعسى أن تكرهوا شيئًا، ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا). (٢) في الكلام طي ونشر مرتب، وأصل الكلام: سمع الحسن، وهو غلام، من عثمان ابن عفان، وهو يخطب. ١٧٦ علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ وانظر: ((السير)) (٥٦٣/٤)؛ و((تهذيب التهذيب)) (٢٦٣/٢). [١] وأما سماع الحسن من عثمان بن عفان: فإنه لم يسمع منه إلا خطبته المذكورة؛ فحسب، وكان الحسن ساعتئذ صغيرًا. وقد رآه بعد ذلك، ولكنه لم يسمع منه حديثاً آخر. وقد وافق ابن المديني على ذلك: ١ - أبو زرعة الرازي. وذلك فيما ذكره عنه ابن أبي حاتم في ((المراسيل)) (ص ٣١٪ رقم ٩٢)، والعلائي في ((جامع التحصيل)) (ص ١٦٢)، وأبو زرعة ابن العراقي في ((تحفة التحصيل)» (ص ٨٢ / رقم١٧٨)، قالوا: سئل أبو زرعة: لقي الحسن أحدًا من البدريين؟ قال: رآهم رؤية؛ رأى عثمان بن عفان، وعليًّا. قيل له: سمع منهما حديثاً؟ قال: لا. ٢- يحيى بن معين. ففي ((تاريخ)) ابن معين (٤٢٥٧/٢٦٠/٤/ الدوري): قيل لابن معين: سمع [أي الحسن] من عثمان بن عفان؟ قال: يقول في بعض الحديث: رأيت عثمان قام خطيبًا . ٣- أبو بكر البزار. وذلك فيما نقله الزيلعي في (كتاب الطهارات) من ((نصب الراية)) (٩٠/١)، عن ((البحر الزَّخار))، وفيه قوله: ((وقد رأى جماعة جلة: منهم عثمان بن عفان)» . ٤ - الإمام الذهبي. وذلك قوله في «سيره)) (٥٦٤/٤): ((وحضر الجمعة مع عثمان، وسمعه یخطب، وشهد یوم الدار، وله يومئذ أربع عشرة سنة)). وينظر: خبر سماع الحسن لخطبة عثمان بن عفان في: ((الطبقات الكبرى)) (١٥٧/٧)؛ و((المحلى)) لابن حزم (٤٠٠/٧)، و((التمهيد)) (٢٢٤/١٤)؛ و((السير)) (٥٦٨/٤) و(٣١٧/١٠)؛ و((فيض القدير)) (١١٢/١). [٢] وأما سماع الحسن، من عثمان بن أبي العاص. فمختلف فيه: أثبته قوم، ونفاهآخرون. وقد وافق ابن المدیني على إثباته: ١٧٧ علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ ١- أبو عيسى الترمذي. فقد أخرج في ((جامعه)) في كتاب الصلاة، باب ما جاء في كراهية أن يأخذ المؤذنون على الأذان أجرًا (٢٠٩/٤٠٩/١) حديث الحسن، عن عثمان بن أبي العاص، قال: (إن آخر ما عهد إليَّ رسول الله وَليل أن أتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا). ثم قال: ((حديث عثمان حديث حسن صحيح)). وتصحيحه للحديث من طريقه كالإقرار منه بسماعه من عثمان. وإلا؛ فلو لم يصح سماعه عنده، لبينه. والله أعلم. ٢- أبو بكر البزار. وذلك فيما نقله الزيلعي في (كتاب الطهارات) من ((نصب الراية)) (٩٠/١)، عن ((البحر الزخار))، وفيه قوله: ((وروى عن عثمان بن أبي العاص، وسمع منه». ٣- أبو الحجاج المزي. فإنه بعد ذكر رواية الحسن، عنه، قال (٩٨/٦): ((ويقال: لم يسمع منه)). فهذا تضعيف لنفي السماع، فيكون تقوية لإثباته، والله أعلم. وأما من نفی سماعه منه، فهم : ١- ابن معين. ففي ((التاريخ)) له برواية الدوري (٤٢٥٧/٢٦٠/٤) قوله: «ويقال: إنه رأى عثمان بن أبي العاص)). وهذا منه تمريض لرؤية الحسن لابن أبي العاص؛ ولا يلزم من الرؤية - إن ثبتت - السماع. والله أعلم. ٢- أبو عبد الله الحاكم. فقد أخرج في ((مستدركه)) في كتاب الطهارة، باب وقت النفاس أربعون يومًا (٦٤٣/٤٠٩/١) حديث الحسن، عن عثمان بن أبي العاص، قال سمعت رسول الله ◌َّ يقول: ((وُقِّت للنساء في نفاسهن أربعين يومًا))، ثم قال: ((هذه سُنَّة عزيزة، فإن سلم هذا الإسناد من أبي بلال؛ فإنه مرسل صحيح؛ فإن الحسن لم يسمع من عثمان بن أبي العاص)). وسكت عليه الذهبي في ((تلخيصه)). ٣ - الحافظ ابن حجر. قال في ((تهذيب التهذيب)) (٢٦٤/٢) وهو يسرد مشايخ الحسن: (( ... وعثمان بن أبي العاص ... ولم يسمع منهم)). ١٧٨ علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ [٣] وأما سماعه من أبي بكرة. فمختلف فيه كسابقه. فمن وافق ابن المديني في إثباته : ١- بهز بن أسد العمي - وهو الثقة الثبت، صاحب شعبة - وقد ذکر عنه ابن أبي حاتم في ((المراسيل)) (ص ٣١/ رقم ٩٢)، والعلائي في ((جامع التحصيل)) (ص ١٦٢)، وأبو زرعة بن العراقي في ((تحفة التحصيل)) (ص ٨٢ / رقم ١٧٨): أن جريرًا سأله، عمن لقي الحسن من أصحاب النبي ◌َّير؟ فقال: (( ... وسمع ... ومن أبي بكرة شيئًا». ٢- محمد بن إسماعيل البخاري. وقد أخرج في «صحيحه» عدة أحاديث للحسن احتجاجًا، عن أبي بكرة. وهو لا يكتفي باللقاء، حتى يثبت السماع. ومن هذه الأحاديث: ما أخرجه في كتاب الأذان، باب إذا ركع دون الصف (٢/ ٢٦٧/ ٧٨٣) من طريق زياد الأعلم، عن الحسن، عن أبي بكرة، وساق قصة، وفيه قوله ◌َّقه لأبي بكرة: (زادك الله حرصًا، ولا تَعُدْ). ٣- أبو بكر البزار. وذلك فيما نقله الزيلعي في (كتاب الطهارات) من ((نصب الراية» (٩٠/١)، عن ((البحر الزخار))، وفيه قوله: ((فأما الذين سمع منهم، فهم : ... وأبو بكرة)). ودليل هؤلاء المثبتين هو ما ذكره البخاري في ((صحيحه)) كتاب الصلح، باب ابني هذا سيد (٣٦١/٥ الفتح)، وأسنده البخاري في ((التاريخ الأوسط)) (١٢٢/١ برواية زنجويه)، و(١٩٩/١ برواية الخفاف) قال: حدثنا علي [هو: ابن المديني] قال: ثنا سيفان، قال: ثنا إسرائيل أبو موسى ... ثنا الحسن ... وفيه: قول الحسن: ((ولقد سمعت أبا بكرة، يقول: بينما النبي وَلؤ يخطب، جاء الحسن [ابن علي] ... وساق الحديث)). ثم قال البخاري: قال علي: إنما صح عندنا سماع الحسن، من أبي بكرة، بهذا الحديث. وأما من نفاه، فهم : ١٧٩ علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ ١- يحيى بن معين. في ((تاريخ الدوري، عن ابن معين)) (٤٥٩٧/٣٢٢/٤): ((سمعت يحيى يقول: لم يسمع الحسن من أبي بكرة. قيل له: فإن مبارك بن فضالة، يقول: عن الحسن، قال حدثنا أبو بكرة. قال [يحيى]: ليس بشيء)). فيحيى يرى هنا أن قول الحسن (حدثنا) إنما هو خطأ من فضالة؛ ليس إلا. وعليه لم ير للحسن سماعًا من أبي بكرة. والله أعلم. وقد نقل الذهبي، عن ابن معين: مثل هذا في ((السير)) (٤/ ٥٦٦). ولعل ابن معين، لو وقف على ما ذكره البخاري، عن شيخه ابن المديني، من وجود التصريح من قبل الحسن بسماعه من أبي بكرة، بطريق صحيح = لغير رأيه ولقال بالإثبات. والله أعلم. ٢- أبو الحسن الدارقطني. ففي (سؤالات الحاکم له)) (ص ٢٠٨) قال عن حديث: ((وفيه إرسال؛ لأن الحسن لم يسمع من أبي بكرة)». ولهذا تعقب البخاري في «تتبعه» (ص ٣٢٣) فقال: ((وأخرج البخاري أحاديث الحسن، عن أبي بكرة: منها الكسوف، ومنها زادك الله حرصًا، ولا تَعُدْ. ومنها لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة. ومنها: ابني هذا سيد. والحسن لا يروي إلا عن الأحنف، عن أبي بكرة)). وأدلة النافين - كما يمكن استنباطها من أقوالهم -: ١- عدم ورود تصريح الحسن بالسماع من أبي بكرة، بطريق صحيح. وهذا يؤخذ من قول ابن معين السابق، ويجاب عن هذا: بأن ابن معين إذا لم يقف على ذلك من طريق يثبت عنده؛ فقد وقف ابن المديني، والبخاري، على هذا التصريح بطريق صحيح ثبت، لا مطعن فيه. ومن عرف حجة على من لم يعرف، والمُثْتُ مُقَدَّم على النَّافي. فكان ماذا؟! ٢- رواية الحسن عن أبي بكرة بالواسطة، وهذا ما اعتل به الدارقطني حيث قال: ((والحسن لا يروي إلا عن الأحنف، عن أبي بكرة)). وقد أجاب عن هذا الاعتلال العلائي في ((الجامع)) (ص ١٦٢)، ونقله ابن العراقي في ((التحفة)) (ص ٨٧) فقال بعد نقل قول ١٨٠ علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ الدارقطني السابق: ((وذلك لا يمنع من سماعه منه ما أخرجه البخاري)). وقال ابن العراقي: ((وقد تقدم قول بهز بن أسد: أنه سمع منه، وفي ((سنن النسائي)) أن أبا بكرة حدثه، فذكر رجوعه قبل أن يصل الصف)). وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في ((هدي الساري)) (ص ٣٨٦)، وأنقله على طوله لنفاسته -: (( ... ولا زلت متعجبًا من جزم الدار قطني، بأن الحسن لم يسمع من أبي بكرة؛ مع أن في هذا الحديث، في البخاري: (قال الحسن: سمع أبا بكرة يقول)، إلى أن رأيت في ((رجال البخاري)»(١) لأبي الوليد الباجي، في أول (حرف الحاء) للحسن بن على ابن أبي طالب ترجمة، وقال فيها: ((أخرج البخاري قول الحسن: (سمعت أبا بكرة)، فتأول أبو الحسن الدارقطني وغيره، على أنه الحسن ابن علي؛ لأن الحسن [يعني البصري] عندهم، لم يسمع من أبي بكرة. وحمله البخاري وابن المديني، علي أنه الحسن البصري؛ وبهذا صح عندهم سماعه منه ... قال الباجي: وعندي، أن الحسن الذي سمعه من أبي بكرة؛ إنما هو الحسن بن على بن أبي طالب)). قلت: أوردت هذا متعجبًا منه؛ لأني لم أره لغير الباجي. وهو حمل مخالف للظاهر، بلا مستند؛ ثم إن راوي هذا الحديث - عن البخاري - عن الحسن، لم يدرك الحسن بن علي؛ فيلزم الانقطاع فيه. فما فر منه الباجي، من الانقطاع بين الحسن البصري وأبي بكرة؛ وقع فيه بين الحسن بن علي والراوي عنه. ومن تأمل سياقه عند البخاري، تحقق ضعف هذا الحمل، والله أعلم. وأما احتجاجه بأن البخاري أخرج هذا الحديث، من طريق أخرى، فقال فيها: عن الحسن، عن الأحنف، عن أبي بكرة؛ فليس بين الإسنادين تنافٍ لأن في روايته له عن الأحتف، عن أبي بكرة زيادة بينة، لم يشتمل عليها حديثه عن أبي بكرة، وهذا بيِّن من السياقين، والله الموفق)). (١) هو المطبوع باسم ((التعديل والتجريح لمن خرج له البخاري في الجامع الصحيح))، وهذا النص فيه (٤٨٦/٢)، وقد تصرف الحافظ فیه تصرفا یسیرًا.