Indexed OCR Text
Pages 661-680
663 الطّبقة الثَّامنة وقد بنى له نور الدِّين مدرسةً بحلب [وبحماه وبحمص وببعلبك، وبنى هو لنفسه مدرسةً بحلب](24)، وأخرى بدمشق وبها قبره وهو مشهور وكانت وفاته في الحادي عشر من رمضان سنة خمسٍ وثمانين وخمسمائة، رحمه الله. ومن شعره : أَيُّ صَفْوِ مَا شَانَهُ تَكْدِيرُ كُلُّ جَمْعٍ إِلَى الشِّتاتِ يَصيرُ والمَنَايَا فِي كلِّ وَقْتٍ تَسِيرُ أَنْتَ في اللَّهوِ والأَمَان مُقِيمٌ بِسَرَابٍ وَخُلَّبٍ مَغْرُورُ وَالذِّي غَرَّهُ بُلوغُ الأَمَانِي بالذّي أَخْفَتِ الصُدُورُ بَصِيرُ وَئِكِ بَا نَفْسُ أَخْلَصِي إِنَّ رَبِّي وله : تَمُرُّ بي المَوْتَى تُهَزُّ نُعوشُهَا أُؤَمِّلُ أَنْ أَخِيَا وَفِي كُلِّ سَاعَةٍ بَقَايَا لَيَالٍ فِي الزَّمَانِ أَعِيشُهَا وَمَا أَنَا إِلَّ مِنْهُم غَيْرَ أَنَّ لِي 712) عبد الرَّحمان(25) بن علي بن المسلِّم بن الحسين، الفقيه أبو محمَّد اللُّخمي الدِّمشقي الخِرَقِي الشَّافعي. معيد الأمينيَّة لجمال الإسلام. وروى عنه، وعن نصر اللَّه المصّيصي، وطاهر بن سهل الفقيه، وعبد الرَّحمان بن حمزة، وعلي بن أحمد بن قبيس، والحسين بن حمزة الشَّعري وغيرهم. وروى عن ابن الموازيني نُسخةَ ابن مشهر بمجرّد قوله، قاله ابن الأنماطي. وعنه الشَّيخ الموفَّق، والبهاء عبد الرَّحمان الحافظ، والضِّياء، ويوسف بن خليل، وخطيب مَرْدًا(26)، وجماعةٌ. قال عمر الحاجب: كان فقيها عدلاً صالحًا، يقرأ كلَّ يومٍ وليلةٍ ختمةً. ما بين القوسين ساقط من - ب -. (24) السُّبكي 153/7، والإسنوي 534/1، والتَّكملة 161/1. (25) معجم البلدان 104/5، قرية قرب نابلس. (26) 664 طبقات الشافعية وذكر غيره أنَّه أضرَّ في آخر عمره، وأقعد أيضًا، وحكي أنَّه احتاج مرَّة إلى الوضوء وكان ليلاً وليس عنده أحدٌ قال: فبينما أنا أفكّر في هذا الحال إذ بنورٍ من السَّماء قد دخل البيت، فبصرت بالماء فتوضَّأت، ذكر هذا لبعض أصحابه واستكتمه ذلك، فلم يحدِّث به إلاَّ بعد وفاته. وكانت وفاته في ذي القعدة من سنة سبع وثمانين وخمسمائة، رحمه الله. 713) عبد المحمود (27) بن أحمد بن علي، الفقيه، أبو محمَّد الواسطي. الشَّافعي. تفقَّه ببلده على أبي جعفر هبة اللَّه ابن البوقي، وسمع بالكوفة من أبي العبَّاس بن ناقة، وبالبصرة من المبارك بن محمَّد المواقيتي، وبمكّة من المبارك بن علي الطبّاخ، ودرَّس وأفتَى. ومات كهلاً في ربيع الأوَّل سنة خمسٍ(28) وثمانين وخمسمائة، بواسط، رحمه الله. 714) عبد الواحد(29) بن علي ابن القدوة أبي عبد الله محمَّد بن حقُّوَيْه، أبو سعد الجويني البُخَيْراباذي(30) . الفقيه الشَّافعي الصُّوفي. سمع من وجيه الشّحامي، وببغداد من أبي الوقت، وبهمذان من شهردار بن شیرویه، وغيرهم. وعنه الحافظ علي بن المفضَّل، والتَّاج ابن أبي جعفر، وآخرون. مات سنة ثمانٍ، وقيل: تسع وثمانين وخمسمائة، عن نحو ستِّين سنة. (27) التَّكملة 131/1. (28) في - ب - توفّي سنة 586 هـ. (29) التّكملة 178/1، وفيها: توفّي سنة 588 هـ. معجم البلدان 350/1، من قرى جوين من نواحي نيسابور. (30) 665 الطّبقة الثَّامنة 715) الملك المظفَّر(31) تقيُّ الدِّين عمر ابن الأمير نور الدِّين شاهنشَاه بن نجم الدِّين أيُّوب. صاحب حماه والد ملوكها . كان بطلاً شجاعًا فارِسًا مقدامًا، وسيفًا مسلَّطًا على الأعداء، وركنا من أركان البيت الأيّوبي. وكان من أكبر أنصار عمِّه الملك صلاح الدِّين، وأعيان أعوانه. استنابه عمّه صلاح الدِّين على مملكة الدِّيار المصريَّة، فلمَّا مرض الملك صلاح الدِّين بالشَّام، ونقل في المرض طمعت نفس الملك المظفَّر بملك الدِّيار المصريَّة، فلمَّا عُوفي السُّلطان بعث في طلبه من مصر، فتمنَّع ووقعت وحشة بينهما، ثمَّ سعى في الصُّلح الفقيه عيسى الهكَّاري أحد الأمراء الصلاحيَّة، حتَّى انتظم الحال وآل إلى الاعتدال، فتقرَّر الملك المظفَّر في ملك حماه، وأعطاه مع ذلك المعرَّة وسلميَّة وميافارقين وحرَّان والرَّها. وكان محبًّا للعُلمَاء ولديه فضيلةٌ وعنده أدبٌ جيِّدٌ وشعرٌ حسنٌ. وبنى للشَّافعيَّة بدمشق مدرسةٌ مشهورةً بهم، وروى الحديث عن الحافظ السِّلفي، والفقيه إسماعيل بن عوف، وروى عنه شيئًا من شعره(32) . وتوفّي وهو محاصر مَنَازْكَرْد(33) من أعمال أرمينيَّة في تاسع عشر رمضان سنة سبع وثمانين وخمسمائة، ونقل إلى حماه فدفن بها رحمه اللّه، ففجع به الملك صلاح الدِّين لأنَّه كان شجاعًا عظيمًا، وقرَّر ولده الملك المنصور ناصر الدِّين محمّد على مملكة حماه والمعرَّة وسَلَمِيَّة فقط، واستمرَّ لولده من بعده مملكة حماہ إلی زماننا هذا. (31) السُّبكي 242/7، ووفيات 456/3، والنُّجوم الزَّاهرة 113/6، والبداية 346/12، والعبر 4/ . 262 (32) خريدة القصر شعراء الشَّام 80، أورد له ترجمة وافية. معجم البلدان 202/5، وفيه: منازجرد، وأهله يقولون منازكرد، بلد مشهور بين خلاط (33) وبلاد الرُّوم يُعدُّ في أرمينيَّة، وأهله أرمنٌ ورومٌ. 666 طبقات الشافعية 716) عيسى(34) بن محمَّد بن عيسى، الأمير العالم الفقيه أبو محمَّد الهَّاري. الشَّافعي. أحد أمراء الدَّولة الصَّلاحيَّة. اشتغل قديمًا على الإمام أبي القاسم ابن البَزَري شيخ الشَّافعيَّة بها، واشتغل بحلب بالمدرسة الزجَّاجيَّة، ثمَّ اتَّصل بخدمة الأمير أسد الدِّين شيركوه، وصار إمامه في الصَّلوات، وتوجَّه معه إلى مصر، وكان من أكبر الأعوان على تمليك صلاح الدِّين الدِّيار المصريّة، هو والطواشي بهاء الدِّين قراقوش. وقد سمع الحافظ السِّلفي، وأبا القاسم ابن عساكر، وحدَّث بقيساريّة، فسمع منه القاضي محمَّد بن علي الأنصاري، وغيره. وكان له إدلال على الملك صلاح الدِّين كبيرٌ، يدخل إليه ومعه القصص الكثيرة فيقضيها له، وقد حصل له في وقتٍ أنَّه أسَّرَته الفرنج، وفُدِيَ بِستِّين ألف دينارٍ. وكانت وفاته في المخيَّم على عكًا سنة خمسٍ وثمانين وخمسمائة. 717) قاسم(35) بن إبراهيم بن عبد اللَّه، أبو إبراهيم المقدسي، ثمَّ المصري الشَّافعي. الشَّيخ الصَّالح، سمع من علي بن إبراهيم بن صَولة، وعبد الغني بن طاهر الزَّعفراني، وابن رفاعة الفرضي. وعنه علي بن المفضَّل، وغيره. توفّي في ثالث المحرَّم سنة ثمانٍ وثمانين وخمسمائة. 718) قاسم(36) بن فِيرَة(37) ابن أبي القاسم خلف بن أحمد الحفظة، العلاَّمة الضَّرير، أبو القاسم الرُّعيني الأندلسي الشَّاطبي. المقريء الشَّهير. صاحب القصيدة الموسومة بحرز الأماني(38)، ولم يُلحق فيها ولا سبق إلى مثلها، وكان مقيمًا بالدِّيار المصريَّة، وقرأ عليه الأعيان والأكابر. الشُبكي 7/ 255، والتَّكملة 123/1، والبداية 334/12. (34) (35) التَّكملة 168/1، وسير 229/21. (36) السُّبكي 270/7، والإسنوي 113/2، وغاية النّهاية 20/2، ونكت الهميان 228، ونفح الطيب 229/2، وحسن المحاضرة 496/1، ومعجم الأدباء 16/ 293. (37) فيرة، فيرُّو باللُّغة اللَّتينيَّة الحديد. هديّة 228/1، وفيها: حرز الأماني ووجه التَّهاني في القراءات السَّبع المثاني، المشهورة بالشَّاطبيَّة . (38) 667 الطَّقة الثامنة وتوفّي بها في جمادى الآخرة سنة تسعين وخمسمائة، وقد جاوز الخمسين سنة بيسيرٍ . ألحقه النّووي فيما استدركه على ابن الصَّلاح(39). 719) المبارك(40) بن المبارك، أبو طالب الكرخي. الفقيه الشَّافعي. أحد المبرَّزين في الفقه. تفقَّه بابن الخلِّ وصحبه مدَّة وعرف به، وسمع الحديث من أبي القاسم ابن الحصين، وأبي بكر الأنصاري. وبرع في المذهب وساد، وكتب الخطَّ المنسوب، وأذَّب ولدي أمير المؤمنين النَّاصر لدين الله، فصارت له وجاهةٌ عظيمةٌ ببغداد، إلى أن وَليَ تدريس النّظاميَّة في سنة إحدى وثمانين وخمسمائة بعد أبي الخير القزويني، وتفقَّه به جماعة، وكتب عنه أبو بكر الحازمي، وغيره. قال الموفَّق عبد اللَّطيف: كان ذا علم وعملٍ وعفافٍ ونسكٍ وورعٍ، وكان ناعم العيش، يقوم على نفسه وبدنه قيامًا حكّيمًا، رأيته يلقي الدَّرس فسمعت منه فصاحةً رائعةً ونغمةً رائقةً، فقلتُ: ما أفصح هذا الرَّجل، فقال شيخنا ابن عبيد النَّحوي: كان أبوه عوَّادًا وكان هو معي في المكتب وضرب بالعود وأجادَ وتحذَّق فيه حتَّى شهدوا له أنَّه في طبقة معبد، ثمَّ أنفَ واشتغل بالخطُّ إلى أن شُهد أنَّه أكتب من ابن البؤَّاب ولا سيَّما في الطومار والثُّلث، ثمَّ أنفَ منه واشتغل بالفقه فصار كما ترى، وعلَّم ولدي النَّاصر لدين اللَّه، وأصلحا مداسه. وتوفّي في ثامن ذي القعدة سنة خمسٍ وثمانين وخمسمائة، وله اثنان وثمانون سنة، رحمه الله. (39) ابن الصَّلاح 665/1 . السُّبكي 275/7، والإسنوي 2/ 353، والتَّكملة 122/1، والبداية 334/12، والعبر 4/ . 257 (40) 668 طبقات الشافعية 720) محمَّد (41) بن إسماعيل بن عبيدة ابن ودعة البغدادي، الفقيه أبو عبد اللَّه ابن البقَّال الشَّافعي. معيد النّظاميَّة. كان بارعًا في المذهب والخلاف، اخترمته المنيَّة شابًّا سنة ثمانٍ وثمانين وخمسمائة . 721) محمَّد (42) بن الحسن بن محمَّد ابن زرْقان، الفقيه أبو عبد الله الشَّافعي. تلميذ أبي الحسن محمَّد بن الخلِّ. وقد أعاد لأبي طالب محمَّد بن محمَّد الكرخي، وشهد على قاضي القضاة أبي طالب ابن البخاري وناب عنه أيضًا في القضاء وسمع من أبي الوقت. ومات بنواحي هراة تقريبًا سنة تسعين وخمسمائة. 722) محمَّد(43) بن عبد الله ابن الفقيه مجلِّي بن الحسين بن علي بن الحارث الرَّملي الأصل المصري، القاضي أبو عبد الله الشَّافعي، ويُعرف پِحسنُون. ناب في الحكم بالدِّيار المصريّة نحوًا من عشرين سنة، وهو والد القاضي أبي عبد اللَّه، وجدّه مجلِّي ولي عقد الأنكحة بالرَّملة. سمع من أبي الفتح سلطان بن إبراهيم الفقيه، وأبي صادق مرشد بن يحيى، وابن رفاعة. مات سنة تسعٍ وثمانين و خمسمائة . 723) محمَّد(44) بن عبد الواحد ابن العدل أبي غالب محمَّد بن علي، الفقيه أبو جعفر ابن الصبَّاغ البغدادي، الشَّافعي. تفقَّه على سعيد الرزّاز، وولي قضاء حريم دار الخلافة فلم تحمد سيرته السُّبكي 64/6، والإسنوي 269/1، والوافي 207/2 وفيه: إسماعيل بن عبيد اللَّه، (41) والتَّكملة 174/1. (42) التّكملة 215/1. (43) التَّكملة 182/1، والمقفَّى 102/6. الشُبكي 148/6، والوافي 64/4، التَّكملة 125/1. (44) 669 الطّبقة الثَّامنة فعُزل، وناب في التَّدريس بالنِّظاميَّة. وقد سمع الحديث من أبي السَّعادات ابن المؤمِّل(45)، وأبي القاسم ابن الحصين، وأجاز له ابن بيان الرزَّاز. وعنه سعيد بن هبة اللَّه، وعمر بن علي القرشي، وغيرهما. توفّي سنة خمسٍ وثمانين وخمسمائة، عن سبعٍ وسبعين سنة. 724) محمَّد (46) بن أبي بكر عمر ابن أبي عيسى أحمد بن عمر بن محمَّد، الحافظ الكبير، أبو موسى المديني الأصبهاني. أحد الأعلام. ولد في ذي القعدة سنة إحدى وخمسمائة. وتخرَّج بالإمام إسماعيل بن محمَّد الثَّيمي، وأخذ عنه المذهب وعلوم الحديث، وقد عرض عليه علوم الحاكم من حفظه. وسمع منه ومن غانم البرجي، وأبي علي الحدَّاد، ومحمَّد بن أحمد المطَهَّر العدناني، وتميم بن علي الواعظ، وعبد الكريم بن علي بن فورجة، وعبد الواحد بن محمَّد الدَّسج، وعثمان بن عبد الرَّحيم السكّي النيسابوري، وعلي بن عبد اللَّه النيسابوري الواعظ يرويان عن ابن مسرور. وسمع من جماعة أخرى كثيرين جدًّا ببلده وببغداد ويهمذان، وصنّف التَّصانيف المليحة المفيدة المشهورة منها(47): الطوالات في مجلَّدين، وتتمَّة معرفة صَّحابة ذيَّل به على كتاب أبي نعيم الحافظ، وكتاب تتمَّة الغريبين، وكان حافظًا : الدَّائرة جمَّ العلوم. قال أبو سعد السَّمعاني: كتب عنّي وسمعت منه وهو ثقةٌ صدوقٌ. وقال ابن الدَّبيئي: عاش حتَّى صار أوحد وقته وشيخ زمانه إسنادًا وحفظًا. وروى عنه جماعة كثيرة منهم: الحفّاظ الأربعة، أبو بكر محمَّد بن موسى الحازمي، وعبد الغني المقدسي وبه تخرَّج وانتفع، وعبد القادر الرُّهاوي، ومحمَّد ابن مكِّي، والنَّاصح ابن الحنبلي، وأبو نجيح محمَّد بن معاوية مقرئ أصبهان. في الأصل و- ب - المتوكّل، والإصلاح من التَّكملة، وفيه: أبي السَّعادات ابن المتوكّل (45) على الله. (46) السُبكي 160/6، والإسنوي 439/2، والوافي 246/4، وغاية النّهاية 215/2، والبداية 318/12، والعبر 4/ 246. هديَّة 100/2 . (47) 670 طبقات الشافعية وقال الحافظ عبد القادر الرُّهاوي: حصَّل له من المسموعات بأصبهان خاصَّة ما لم يحصل لأحدٍ في زمانه فيما أعلم، وانضمَّ إلى كثرة مسموعاته الحفظ والإتقان، وله التّصانيف الّتي أربى فيها على تصانيف بعض من تقدَّمه مع الثِّقة فيما يقول، وتعفُّفه الذي لم نره لأحدٍ من حفَّاظ الحديث في زماننا، له شيءٌ يسيرٌ يتربَّحُ به وينفق منه، ولا يقبل من أحدٍ شيئًا قطُّ، ثمَّ ذكر حكايات تدلُّ على هذا الورع والزُّهد التامّ والفراغ المطلق عمَّا في أيدي النَّاس والتَّواضع والقرب من النَّاس بحيث كان يعلِّم الصِّبيان القرآن في الألواح، ويرشد المبتدئين، ولا يدع أحدًا يمشي معه. توفّي رحمه الله في تاسع جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. وقد رأى بعض الصَّالحين ليلة مات الحافظ أبو موسى أنَّ رسول الله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قد مات، ومثل هذا إنَّما يُرى لكبار العلماء(48) . 725) محمَّد بن أبي منصور المبارك بن محمَّد بن محمَّد الخطيب، أبو المعالي. قاضي المدائن وابن قاضيها . روى عن أبي الوقت، وله شعرٌ. توفّي سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة. 726) محمَّد(49) بن محمَّد بن عبد الله بن القاسم بن المظفَّر بن علي، قاضي القضاة، محيي الدِّين أبو حامد ابن قاضي القضاة، كمال الدِّين الشَّهرَزُوري. قاضي حلب. تفقَّه على أبي سعيد ابن الرزَّاز ببغداد، ثمَّ ناب في الحكم عن أبيه بدمشق، السُّبكي: المرجع السَّابق وفيه: قال الحسين بن بَوْهن بن النُّعمان الباوري: كنت في (48) مدينة الخان فجاءني رجلٌ فسألني عن رؤيا فقال: رأيت كأنَّ رسول اللّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم توفّي فقلت: هذه رؤيا الكبار، وإن صدقت رؤياك يموت إمام لا نظير له في زمانه فإنَّ هذا الكلام رؤي حالة وفاة الشَّافعي والثّوري وأحمد بن حنبل، قال: فأمسينا حتَّى جاءنا الخبر بوفاة الإمام أبي موسى. (49) السُّبكي 6/ 185، والإسنوي 101/2، وخريدة القصر - قسم الشَّام 329/2، والمقفّى 1/ 32، والبداية 341/12. 671 الطَّبقة الثَّامنة ثمَّ ولي قضاء حلب، ثمَّ ولي قضاء الموصل، ودرَّس بها بمدرسة أبيه، وبالنّظاميَّة بها، وتمكَّن عند ملكها عزِّ الدِّين مسعود بن زنكي، واستولى على أموره، وكان جوادًا سِرِيًّا. وقد سمع الحديث من عمِّ أبيه أبي بكر محمَّد بن القاسم، وكتب عنه القاضي أبو عبد اللَّه محمَّد بن علي الأنصاري. قال ابن خلِّكان(50): قيل إنَّه أطلق في بعض رسائله إلى بغداد على الفقهاء والأدباء والشُّعراء عشرة آلاف دينار أميريَّة، ويقال: إنَّه في مدَّة حكمه بالموصل لم يعتقل غريمًا على دينارين فما دونهما بل يوفيهما عنه. ولمَّا ولي قضاء حلب، وكان بعد عزل ابن خيران (51)، تمكّن أيضًا من صاحبها الملك الصَّالح إسماعيل بن نور الدِّين غاية التمكَّن، وفوَّض إليه تدبير مملكة حلب. ثمَّ فارق حلب في سنة ثلاثٍ وسبعين، وتوجَّه رسولاً إلى الخليفة غير مرَّة، وتحكى عنه رئاسةٌ ضخمةٌ ومكارمٌ كثيرةٌ، قال: وأنشدني له بعض الأصحاب في جرادةٍ : وَقَادِمِتَا نَسْرٍ وَجُؤْجُوُ ضَيْغَمٍ لَهَا فَخِذَا بكرٍ وَسَاقَا نَعَامَة عَلَيْهَا جِيَادُ الخَيْلِ بِالرَّأْسِ والفَمِ حَبَثْهَا أَفَاعِي الرمْلِ بَطْئًا وَأَنْعَمَتْ وله أيْضًا(52) : قَصَمَتْ ظُهُورَ أئِمَّةِ التَّعطيلِ قَامَتْ بِإِثْبَاتِ الصَّفَاتِ أَدِلَّةٌ وَطَلَائِعِ التَّنْزِيهِ لَمَّا أَقْبَلَتْ فَالحَقُّ مَا صِرْنَا إِلَيْهِ جَمِیعُنا من لَمْ يَكُن بِالشَّرعِ مِقْتَدِيًا فَقَد هَزَمَت ذَوِي الثَّشْبِيهِ والتَّمْثِيلِ بِأَدِلَّةِ الإِخْبَارِ والتَّتْزِيلِ أَلْقَاهُ فَرْطِ الجَهْلِ فِي التَّضْلِيلِ (50) وفيات 246/4 . (51) في - ب - ابن أبي جرادة. البداية . (52) 672 طبقات الشافعية توفّي رحمه اللَّه في رابع جمادى الأولى سنة ستّ وثمانين وخمسمائة بالموصل عن اثنتين وسبعين سنة. 727) محمَّد(53) بن منجح بن عبد الله، أبو شجاع. الفقيه الشّافعي الصُّوفي الواعظ. تفقَّه على أبي القاسم البزري بالجزيرة، وببغداد على عبد اللَّه ابن أبي بكر الشَّاشي، وسمع من قاضي المرستان، وأجاز له محمَّد بن طاهر. ثمَّ قدم دمشق وتولَّى قضاء بعلبك، ثمَّ عاد إلى بغداد فتوفّ بها في ثامن عشر ربيع الأوَّل سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، عن ستُّ وسبعين سنة، ومن شعره : عَلَى ضَيْعِهِ (55) شَمْأَلٌ وَجَنُوبُ سَلاَمٌ عَلى وَادِي الغَضا(54) مَا تنَاوَحَت إِذَا آَنَ مِنْهَا (56) بِالعَشِيِّ هُبُوبُ أُحَمْلُ أَنْفَاسَ الخزَامَى تَحِيَّةً وَحَالَتْ صُرُوفٌ دُونَنَا وَخُطُوبُ لَعِمْرِي لَئِن(57) شَطَّتْ بِنَا غِرْبَةُ النَّوَى وَلا كُلُّ مَاءٍ عِمْتَ فِيهِ شُرُوبُ وَمَا كُلَّ رَمْلٍ جِثْتَهُ رَمْل عالج لَدَيْهِ وإِنْ أَكْثَرْتَهُنَّ(58) ذُنُوبُ رَعَى اللَّه هَذَا الدَّهْرَ كُلَّ مَحَاسن وذكروا أنَّه كان فيه دعابةٌ وظرفٌ، قيل: إنَّه لمَّا ورد واسط وطاب لهم وعظه وسألوه أن يذكر لهم يومين في الأسبوع، فأجابهم إلى ذلك وجعل كلَّما عيَّن لهم يومًا يعتذرون بشغل الفراء إلى أن فرغت الجمعة، فقال: لو علمتُ هذا جئت معي بيوم آخر من بغداد. الشبكي 401/6، والإسنوي 114/2، والوافي 65/5. (53) معجم البلدان 4/ 205، الغضا ماءً لبني عامر بن ربيعة ما خلا بني البكاء. (54) (55) الوافي وفيه: ضفَّتیه. (56) في ب، و- ج -: إذا ما رمتها. (57) الأسنوي وفيه: لقد. في ب وج: وإنَّ كثيرهنَّ، والبداية 12/ 347. (58) 673 الطَّبقة الثَّامنة 728) محمَّد(58) ابن الموفَّق بن سعيد بن علي بن الحسن، الشَّيخ نجم الدِّين أبو البركات الخَبُوشاني. وخبوُشَان(60) قريةٌ من قرى نيسابور. الفقيه الصُّوفي الزَّاهد الورع المتقشّف أحد الآمرين بالمعروف القائمين به الصَّادعين بالحقِّ. قال ابن خلِّكان(6): كان فقيها ورعًا، تفقَّه بنيسابور على محمَّد بن يحيى، وكان يستحضر كتابه المحيط حتَّى قيل: إنَّه عدم الكتاب فأملاه من خاطره، وله(62) كتاب تحقيق المحيط، في سنَّة عشر مجلّدًا رأيته قال: وكان السُّلطان صلاح الدِّين يقرِّبه ويعتقد في علمه ودينه، وعمَّر له المدرسة المجاورة لضريح الشَّافعي، قال: ورأيت جماعةً من أصحابه وكانوا يصِفون فضله ودينه وأنَّه كان سليم الباطن. وقال المنذري(63): كان مولده بأستوا بخَبُوشَان في رجب سنة عشرٍ وخمسمائة . وحدَّث عن أبي الأسعد هبة الرَّحمان القشيري، وقدم مصر سنة خمسٍ وستِّين، فأقام بالمسجد المعروف به بالقاهرة على باب الجوانيَّة مدَّة، ثمَّ تحوَّل إلَى تربة الشَّافعي، وتبثّل بعمارتها وعمارة المدرسة التي إلى جانبها فأقام بها مدَّةً طويلةً وأفتى ووضع في المذهب كتابًا مشهورًا. وقال الموفَّق عبد اللَّطيف: كان فقيها صوفيًّا، سكن خانقاه السميساطي(64) بدمشق، وكانت له معرفة بنجم الدِّين أيُّوب وأخيه أسد الدِّين، وكان قشفًا في السُبكي 14/7، والبداية 12/ 347، والمقفَّى 225/7. (59) (60) معجم البلدان 400/2، بليدة بناحية نيسابور، وقيَّدها بفتح الخاء. (61) وفيات 239/4. (62) هديَّة 102/2. (63) التَّكملة 161/1. منادمة 276، الخانقاه السَّميساطيّة معروفة مشهورة عند باب الجامع الأموي الشَّمالي، (64) وكان هذا الباب يسمَّى باب النَّاطفيِّين، كانت في مبدإ أوَّلها دارًا لعبد العزيز بن مروان، ثمَّ إلى ابنه عمر بن عبد العزيز حتَّى قدم أبو القاسم السَّميساطي دمشق وسكن بدرب الخزاعيَّة وإليه كان بفتح باب هذه الدَّار، واشترى الدَّار وبنى بها الضفّة القبليّة وجنبها لا غير ... وواقفها هو علي بن محمَّد بن يحيى، أبو القاسم السُّلمي الحبيشي 674 طبقات الشافعية العيش يابسًا في الدِّين، وكان يقول: أصعد إلى مصر وأزيل ملك ابن عبيد اليهودي فلمَّا صعد أسد الدِّين منعه ونزل بمسجد، وصرح بثلث أهل القصر وجعل لشيخه منهم فحاروا فيه، وأرسلوا إليه بمالٍ عظيم نحوًا من أربعة آلاف دينار، فردَّ الذي جاؤوا به في سرجيَّةٍ وصرفه، وما ازداد إلاَّ شدَّةً وغلظةً، وهو الذي جرَّأ صلاح الدِّين على الخطبة لبني العبّاس فانتظم ذلك ولله الحمد، وذكر أنَّ الملك صلاح الدِّين كان شديد التَّعظيم له، وأنَّه كان يأمره وينهاه بعنفٍ ولا يباليه، حتّى إِنَّه كان يزوره ويعظُّمه. وقد زار القاضي الفاضل الشَّافعي مرَّة، فوجد الخَبوشاني في الدَّرس، فجلس معه على سرير التَّدريس، وكان صبيًّا، فاستدبر القاضي الفاضل ببعض يديه فصاح به قمْ، قمْ استدبرت الإمام، فقال القاضي الفاضل: أنا وإن استدبرتُه بقالبي فإِنِّي مستقبلٌ له بقلبي، فقال: قم قم ما تُعبِّدْنا بهذا، فقام خجلاً وهو لا يعقل. وذكر أنَّ الملك العزيز ابن النَّاصر صلاح الدِّين زاره فصافحه ثمَّ استدعى بماء ليغسل يده من مصافحته، وقال: لعلَّ غلمانك لا يحترزون من صيانة اللِّجام من البولِ والنَّجاسة، فقال له الملك: فاغسل وجهك أيضًا فإنَّك مسحته بيدك ففعل أيضًا فغسل يديه ووجهه، ولهذا كان إذا ركب حماره يُوطَّى تحته بأكسيةٍ كثيرةٍ حتَّى لا يناله منه عرقٌ ولا شيءٌ. وكان إذا مرَّ به راكب ضربه حتَّى ينزل فكانوا يتحامونه، حتَّى إنَّه مرَّ به الطَّبيب المعروف بابن شوعة فتحامق الطّبيب أن ينزل فضربه الشّيخ بالمقرعة فأبدر عينه وذهبت هدرًا، وكان مع هذه الشدَّة والقوّة في غاية الصَّلابة والتقشُّف والزُّهد والورع، لم يأكل من مال الملوك لقمةً، ولا أخذ من ريع المدرسة فِلْسًا ولا جامكيَّة (65) ولا شيئًا، ولكن كان من أهل بلده تاجر بمصر، فكان يأكل من ماله، وکان قليل الرِّزق. ولمَّا توفّي في ذي القعدة سنة سبع وثمانين وخمسمائة، كفّن في كسائه الذي جاءً به من خبوشان. السَّميساطي، متقدِّمًا في علم الهيئة والهندسة، مطّلعًا على علوم الشّريعة وعلى أقاويل الأوائل، توفّي سنة 453 هـ، ودفن في الخانقاه المذكورة. (65) الجامكية، هي المرتَّب الحكومي. 675 الطَّبقة الثَّامنة 729) محمَّد(66) بن عبد الرَّحمان بن محمَّد بن مسعود بن أحمد بن الحسين بن مسعود، أبو عبد اللَّه البَنْجَدِيهِي. كان فقيهًا فاضلاً شافعيًّا من أهل الفضلِ والأدبِ. أصله من بنج ده من أعمال مرو من خراسان، وكان يكتب بخطّ. ورد بغداد ثمَّ سافر إلى الشَّام واستوطن دمشق ووجدَ بها قبولاً وحسن اعتقادٍ، وفُتحت عليه الدُّنيا، واقتنى كتبًا كثيرةً لم يحصل لغيره مثلها، ثمَّ علم أنَّ الدُّنيا فانيةٌ، والمنيَّة دانيةٌ، فوقف كتبه على الرِّباط السَّميساطي، وشرح المقامات الحريريَّة في مجلَّدين(67)، وله نظمٌ فيه: لسلوة وعزاءِ فقلتُ: ما ذاك منّي مِنْ طُولٍ عمرِ بُكَائِي لكن دموعي شَابت سُئل عن مولده فقال: سنة إحْدَى وعشرين وخمسمائة(68) . وتوفّ بدمشق ليلة السَّبت التّاسع والعشرين من شهر ربيع الأوَّل سنة أربعٍ وثمانين وخمسمائة، ودفن في سفح جبل قاسيون، رحمه اللّه. 730) محمَّد(69) بن موسى بن عثمان بن موسى بن عثمان بن حازم، الحافظ أبو بكر الحازمي الهمذاني. مؤلّف النَّاسخ والمنسوخ وغيره. مولده سنة ثمانٍ أوتسع وأربعين وخمسمائة، فسمع بهمذان من أبي الوقت حضورًا، ومن شهردار بن شِيرويه، وأبي زرعة بن محمَّد بن طاهر، ومعمَّر بن الفاخر وخلق. ورحل وجال، وسمع ببلاد شتَّى الحجاز والشَّام والحرمين وبغداد والكوفة والبصرة وواسط والموصل وغيرها من البلدان. (هذه التَّرجمة لم ترد في - ب -)، انظر: الإسنوي 458/2، وفيه: يعرف بالمسعودي. (66) هديَّة 101/2، وفيها له: مغاني المقامات في معاني المقامات. (67) الإسنوي وفيه: ولد ليلة الثلاثاء غرَّة ربيع الآخر سنة 522، وكذلك في المقفّى. (68) السُّبكي 13/7، والإسنوي 413/1، ووفيات 421/3، وتذكرة الحفّاظ 4/ 1363، والعبر (69) 254/4، وتاريخ إربل 122/1، والبداية 332/12. 676 طبقات الشافعية وتخرَّج بالحافظ أبي موسى المديني، وكان أبو موسى يقول: هو أحفظ من عبد الغني المقدسي، وما رأيت شابًّا أحفظ منه. قال ابن الدَّبيثي: وقدم بغداد واستوطنها، وتفقَّه بها على مذهب الشَّافعي، وجالس علماءَها، وتميَّز وفهم، وصار من أحفظ النَّاس للحديث وأسانيده ورجاله، مع زهدٍ وتعبُّدٍ ورياضةٍ وذکرٍ . صنّف في علم الحديث عدَّة مصنَّفات، وأملى عدَّة مجالس، وسمعت منه و معه . وكان كثير المحفوظ، حلو المذاكرة، يغلب عليه معرفة أحاديث الأحكام، وأملى طرق الأحاديث الّتي في كتاب المهذَّب لأبي إسحاق وأسندها، ولم يتمَّه. قلت: قد سلك بعده في هذا الحافظ أبو الفضل محمَّد بن عسكر بن اللّحية وأتمَّ الكتاب وهو مفيدٌ جدًّا، وسنذكر في ترجمته إن شاء الله تعالى. وقال أبو بكر النجَّار: كان أبو بكر الحازمي من الأئمَّة الحفّاظ العالمين بفقه الحديث ومعانيه ورجاله، ألَّف (70) كتاب النَّاسخ والمنسوخ، وكتاب عجالة المبتدي في الأنساب، والمؤتلف والمختلف في أسماء البلدان، وأسند الأحاديث التي في المهذَّب، وأملى بواسط مجالس، وكان ثقةً حجَّةً نبيلاً زاهدًا عابدًا ورعًا ملازمًا للخلوة والتَّصنيف ونشر العلم. أدركه أجله وهو شابٍّ فتوفِي في الثَّامن والعشرين من جمادى الأولى سنة أربع وثمانين وخمسمائة، عن خمسٍ وثلاثين سنة . وذكره ابن الصَّلاح مختصرًا(71)، ولم يؤرِّخ وفاته. 731) محمَّد(72) بن علي ابن أبي طالب بن عبد اللَّه ابن أبي الرَّجاء، الأستاذ أبو طالب التَّميمي الأصبهاني، المعروف بالقاضي. صاحب الطّريقة في الخلاف، كان من كبار الأئمَّة، من تلامذة محمَّد بن (70) هديَّة 101/2. (71) . 276/1 السُّبكي 286/7، والإسنوي 2/ 175. (72) 677 الطَّبقة الثَّامنة يحيى تلميذ الغزّالي، وكان له في الوعظ اليدُ البيضاء، وكان ذا فُنونٍ كثيرةٍ، وعلوم غزيرةٍ . تفقَّه به جماعةٌ من أهل أصبهان. وتوفِّي في شؤَّال سنة خمسٍ وثمانين وخمسمائة. 732) مشرَّف (73) بن المؤيَّد بن علي أثير الدِّين، أبو المحاسن الهمذاني الأبَرْقُوهي، أخو جدِّ شرف الدِّين الأبرْقوهي الشَّافعي القزَّاز، ويعرف بابن الحاجب. سمع من هبة الله بن الفرج بن أخت الطّويل، وأبي الفتوح الطَّائي، وبدمشق من أبي المظفَّر الفلكي. ودخل مصر فاستوطنها، وسمع بها من أبي الحسن علي ابن بنت أبي سعد، وغيرهم. وحدَّث بمصر. وتوفّي بها في ثامن جمادى الأولى سنة خمسٍ وثمانين وخمسمائة. 733) موسى بن عبد الله بن هلوات، أبو عمران الجذامي البابلي المصري، الفقيه الشَّافعي المقري الضَّرير. تفقَّه على القاضي المجلِّي ابن جميع المخزُومي، وقرأ على محمَّد بن إبراهيم الكيراني، وعلي بن عبد الرَّحمان نفطويه، وسمع الحديث من منجب المرشدي . وعنه ابنه حرمي، وجماعة. توفّي في ذي القعدة سنة إحدى وثمانين وخمسمائة . 734) يحيى(74) بن حَبَش بن أميرَكَ، الشِّهاب السَّهر وَرْدِي. هكذا نسبه القاضي شمس الدِّين ابن خلّكان(75)، وقال: كان شافعيَّ (73) الشُبكي 371/8. الإسنوي 442/2، ومعجم الأدباء 314/9، وسير 207/21. (74) (75) وفيات 268/6، ولسان الميزان 156/3. 678 طبقات الشافعية المذهب، وقرأ الحكمة والأصول على مجد الدين [محمَّد بن يوسف بن نصر الفقيه الشَّافعي الجيلي صاحب محمَّد بن يحيى الشَّهيد](76) الجيلي شيخ الفخر الرَّازي . وله في النّظم والنَّثر أشياء، وكان يتَّهم بانحلال العقيدة والتَّعطيل، ويعتمد مذهب الحكماء المتقدِّمين، اشتهر ذلك عنه، وأفتى علماء حلب بإباحة دمه، وكان أشدُّهم عليه مجد الدِّين وزين الدِّين ابنا جهبل، قال: وكان أصحابه يلقّبونه بالمؤیَّد بالملكوت. قال ابن خلِّكان: قال السَّيف الآمدي: اجتمعت بالسَّهرَوردي بحلب، فرأيته كثيرَ العلم، قليل العقل، قال لي: لا بدَّ أن أملك الأرض، رأيت كأنّي قد شربت ماء البحر، فقلت: هذا يكون اشتهار العلم وما يناسب هذا، فرأيته لا يرجع، ولمًّا أن تحقَّق هلاك نفسه قال: أرى قدمي وهان دمي أراق دمي فهـا نـمـي قال ابن خلِّكان: حبسه الملك الظَّاهر ثمَّ خنقه في خامس رجب سنة سبعٍ وثمانين وخمسمائة . وقال بهاء الدِّين ابن شدَّاد: قيل: ثمَّ صلب أيَّامًا، قال: وأخرج من الحبس ميِّتًا في سلخ سنة سبع وثمانين، فتفرَّق عنه أصحابه. وقال ابن أبي أصبيعة(77): اسمه عمر، كان أوحدًا في العلوم الحكميَّة، جامعًا لفنون الفلسفة بارعًا في أصول الفقه مفرط الذَّكاء، كان لم يناظر أحدًا إلاّ أربى عليه، وكان علمه أكثر من عقله. قال فخر الدِّين المارديني: ما أذكى هذا الشَّاب وأفصحه، إلاَّ إنِّي أخشى عليه تَكَبُّره وانتهاره. وذكر أنَّ الفقهاء لمَّا قرَّبه الملك الطّاهر غازي صاحب حلب قاموا عليه وكتبوا إلى الملك النَّاصر صلاح الدِّين أنَّه يخشى أن يفسد عقيدة ولده غازي، فكتب صلاح الدِّين إلى ولده الطَّاهر غازي بخطّ القاضي الفاضل أنَّه لا بدَّ ما بين القوسين ساقط من - ب -. (76) عيون الأنباء 167. (77) 679 الطَّقة الثَّامنة من قتله ولا سبيل إلى أن يطلق ولا يبقى بوجهٍ، فلمَّا لم يبق إلاَّ قتله، اختار هو أن يترك في بيته حتَّى يموت جوعًا، ففعل به ذلك في أواخر سنة ستِّ وثمانين، وعاش ستًّا وثلاثين سنة. ثمَّ ذكر حكايات تدلُّ على حجر فيه [ومعرفة السِّيما التي لا يناسب فعلها وتعاطيها لأهل الإيمان](78) . قلت: إنَّما ذكرته في الطَّبقات ليعرف حاله، وليفرِّق بينه وبين الشَّيخ شهاب الدِّين السَّهرَوردي شيخ الصُّوفيَّة وأحد الصَّالحين الآتي ذكره في الطَّقة التَّاسعة. وله من المصنَّفات(79): التَّلويحات اللَّوحيّة والقرشيَّة، وكتاب هياكل النُّور، وكتاب المعارج، وكتاب حكمة الإشراق، وكتاب المُطارحات، وكتاب اللُّمحة، وغير ذلك من الكتب المشتملة على الفلسفة وعلم الأوائل التي ساقه قدر الله بسببها إلى قتله، وجعله مثلة في النَّاس يرتدع به من كان على طريقه ومنهجه، ولو أنَّه اقتفى بالآثار النَّبويَّة والأخبار المصطفويَّة المنقولة بالسَّند الصَّحيح عن خير البريَّة لأُجِير من هذه البليَّة، ولرفع يوم القيامة إلى الجنّة، ولكن ما وقع به مقدَّرًا وكان على جبينه مسطورًا. 735) الملك(80) النَّاصر صلاح الدِّين يوسف ابن الأمير نجم الدِّين أبي المظفَّر أيُّوب شاذي بن مروان بن يعقوب الدُّوِيني. الملك النَّاصر صلاح الدِّين الذي فتح بيت المقدس من أيدي الكفرة اللَّئام من عبدة الصُّلبان والأوثان، بيَّض اللَّه وجهه وأعلى درجته في منازل الجنان. كان مولده بتكريت (81)، وأبوه متولّي قلعتها سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة، ثمَّ قدموا حلب، فكانوا تحت كنف الأتابك زنكي ملكها والد نور الدِّين الشّهيد، وتربَّى صلاح الدِّين يوسف في خدمة عمِّه أسد الدِّين شيركوه، وباشر والد نجم ما بين القوسين ساقط من - ب -. (78) (79) هديّة 521/2 . السُّبكي 339/7، وفيات 141/7 و218، والنَّوادر السُّلطانيَّة، والبداية 2/13، وسير 21/ (80) . 278 (81) معجم البلدان 38/2 بلدة بين بغداد والموصل. 680 طبقات الشافعية الدِّين أيُّوب نيابة بعلبك لزنكي، ثمَّ لمَّا تملَّك نورالدِّين حلب بعد أبيه سنة إحدى وأربعين وترعرع صلاح الدِّين [حظي عنده لشهامته ورئاسته، ولمَّا صار إلى دمشق ملكًا استخدم صلاح الدِّين في شحنكيَّة](82) دمشق، وكان فيه إذَّاك لعبٌ وشربٌ، فلمَّا دخل مع عمِّه إلى الدِّيار المصريَّة لنجدة العاضد بسفارة شاور الوزير استوزر العاضد لأسد الدِّين شيركوه، فلم يلبث فيها إلاَّ قريبًا من شهرين حتَّى مات، فتولَّى صلاح الدِّين يوسف الوزارة بمصر للعاضد، وعاهد اللَّه وتاب ممَّا كان فيه، وأناب وسعى في الإصلاح وسداد الأمور، وأمر الخطباء بذكر الخليفة العبّاسي أمير المؤمنين المستضيء بأمر الله، ففعل ذلك بعد العاضد، ثمَّ قدَّمه عليه في الذِكر، ثمَّ أمر بترك ذكر العاضد ففهم العاضد أنَّ المراد إتلافه وإذهابه، فعاجل نفسه ونحِيّ حتَّى مات، وباد بموته ملك الفاطميِّين عن الدِّيار المصريَّة وغيرها من البلاد، ولله الحمد قال الشّاعر: يَفْتح ذُو بِذْعَةٍ بِمِصْرِ فَمَا تُوفِّيَ العَاضِدُ الذَّعيُّ فَمَا يُوسفها فِي الأمورِ مُختَكمَا بِمِصر فرعونهَا انقضَى وَأَتَى فلمَّا كان ذلك مكَّن الله تعالى ولله الحمد الملك صلاح الدِّين يوسف في البلاد، وتسلَّم الحواصل العاضديَّة بل الفاطميَّة برمّتها وما فيها من الأموال والتُّحف والكتب العظيمة التي لم يوجد في الأقاليم مثلها على ما ذكره الشّيخ شهاب الدِّين أبو شامة في الرَّوضتين(83)، فكتب الملك صلاح الدِّين إلى نور الدِّين الشّهيد بما وقع، وبعث بالهدايا العظيمة والُّحف العزيزة، وذلك في سنة سبعٍ وستِّين، وجرت أمور يطول ذكرها، وابتنى صلاح الدِّين سور القاهرة ومصر بمباشرة الأمير قراقوش الخادم، ثمَّ لمَّا توفّي الملك نور الدِّين سنة تسع وستِّين، وترك بعده في المملكة ولده الصَّالح إسماعيل وهو صغير ابن إحدى عشرة سنةٍ فسد نظام الدَّولة بسبب صغر الملك، ودخل في الأمور الأمراء، وطمعت الفرنج في الأطراف، ركب صلاح الدِّين إلى دمشق سنة سبعين فأخذها وأقرَّ حلب بيد نور الدِّين مع مسارقة الأمور، وأمر ببناء قلعةٍ على جبل المقطّم بمصر في سنة ستُّ وسبعين، ما بين القوسين ساقط من - ب -. (82) .214 /2 (83) 681 الطَّبقة الثَّامنة وفي سنة ثمانٍ وسبعين عبر الفرات وفتح حرَّان وسروج والرُّها والرقّة والبيرة وسنجار ونصيبين وآمد وحاصر الموصل وملك حلب وتسلّم البوازيج وشهرزور، وفي سنة ثلاثٍ وثمانين فتح طبريَّة، ونازل عسقلان وكسر فيها الفرنج كسرةً عظيمةً على حطّين، وأخذ صليبهم الأعظم عندهم وكان الفرنج أربعين ألفًا فقتل من نجا منهم، وقتل الرَّئيس صاحب الكرك بيده لأجل ما سبق منه من السبِّ للجناب النبويُّ، وأوقعه اللَّه في أسر صلاح الدِّين وكان قد نذر قتله، فأمكنه الله منه، وسار فأخذ بيروت وعكًا وقلعة كوكب والسَّواحل، وسار فأخذ القدس يوم الجمعة، فكان يومًا مشهودًا عظيمًا عمريَّ المعنى، وكان أخذه إيَّاها صلحًا بعد قتالٍ ليس بشديدٍ، وكان هذا الفتح من أكبر سعاداته الدُّنيويَّة والأخرويَّة، وصار علمًا عليه، لا يعرف ولا يُتميَّز إلاَّ به، ويا حبَّذا يقال صلاح الدِّين الذي فتح القدس . ومن فتوحاتِه أيضًا الكرك ونابلس وصيدا وحصون كثيرة يطول ذكرها، ثمَّ تمالت ملَّة الفرنج على صلاح الدِّين انتصارًا لصليبهم الأصغر، وجاؤوا فحاصروا عكًا، وجاء صلاح الدِّين لاستنقاذها، فحصرهم وحاصروا البلد وكبّر المسلمون. وجرت له خطوبٌ وحروبٌ يطول ذكرها، وقد أحسن إيرادها الشَّيخ شهاب الدِّين في الرَّوضتين، فمكثَ كذلك قريبًا من ثلاث سنين، إلى أن عيل صبره رحمه الله، ثُمَّ استمرَّت يد الفرنج عليها ففتحوها في يوم جمعة، فإنَّا للَّه وإنّا إليه راجعون. فرجع صلاح الدِّين إلى دمشق كئيبًا، ومرض فقَصَدَهُ من لا خبرة له، فلم يستمرَّ في مرضه سوى أربعة أيَّام حتَّى مات رحمه الله بعد صلاة الصُّبح من يوم الإربعاء السَّابع والعشرين من صفر سنة تسع وثمانين وخمسمائة بقلعة الجبل، وكان يومًا عظيمًا على المسلمين، كثر فيه البكاء والعويل والضَّجيج، وَبَكَاهُ أهل الأقاليم والآفاق حتَّى بكته الفرنج لحسن وفائه وصدق عهوده رحمه اللَّه، فغسله الدَّولعي، وأخرج في تابوتٍ، وصلَّى عليه القاضي محيي الدِّين ابن الزَّكي، وأعيد إلى الدَّار التي في البستان التي كان متمرِّضًا فيها ودفن في الضّفَّة الغربيَّة منها ثمَّ بنى ولده الملك الأفضل علي صاحب دمشق له قبَّةً شمالي جامع دمشق ونقله إليها يوم عاشوراء من سنة اثنتين وتسعين ومشى بين تابوته، وأراد العلماء حمله فقال: يكفيه منكم الدُّعاء، فصلَّى عليه عند باب النِّسر القاضي محيي الدِّين أيضًا بإذن ولده السُّلطان الملك الأفضل، ودخل ولده لِلَحده، وجلس هناك للعزاء ثلاثة أيَّام. 682 طبقات الشافعية وكان رحمه الله حسنَ الخلق والخُلق كريمًا شجاعًا شهمًا معظّمًا حرًّا عفيفًا، توفِّي وليس في خزانته سوى سبعة وأربعين درهمًا ودينار صوري. وكان يحفظ الحماسة، وسمع الحديث من السِّلفي، والقطب النيسابوري، وعبد الله بن برِّي، وجماعة، وحدَّث وأسمع بين الصفَّين في مكان لم يسمع أحدٌ فيه، وكان كثير الهيبة والمحبَّة للعلماء، لا يخالف في رغبته، وكان الحبش يتشبَّهون بأخلاقه وشمائله وطرقه ودلِّه وسمته وهديه، وحصل له من الملك ما لم يحصل لأحدٍ من بعده من هؤلاء الأتراك من ملك الدِّيار المصريّة واليمن وأطراف المغرب ودمشق وحلب والجزيرة وكثيرًا من الأقاليم والحصون والقلاع، وترك أولادًا كثيرةً منهم: العزيز عثمان صاحب مصر، والأفضل علي صاحب دمشق، والظّاهر غازي بحلب، فلمَّا مات العزيز تملَّك الدِّيار المصريَّة عمُه العادل أبو بكر ابن أيُّوب، ثمَّ جاء فأخذ دمشق من الأفضل علي وأعطاه صرخد، وأقرَّ الظَّاهر بحلب لأجل أنَّه كان زوج ابنته غازية، ثمَّ صار الملك في ذرّية العادل، إلاَّ بحلب على ذريَّة صلاح الدِّينِ، إلى أن كان آخرهم الملك النَّاصر صلاح الدِّين يوسف بن العزيز بن الظَّاهر فتملَّك دمشق آخرًا، وبنى بها النَّاصريَّتين البرَّانية والجوَّانية، تمَّ أحوال بني أيُّوب وزال عنهم الملك وصدق فيهم قول القاضي الفاضل: اتَّفق آباؤهم فملكوا واختلف أبناؤهم فهلكوا، وحاصل القضيّة أنَّه افتتح ملك بني أيُّوب صلاح الدِّين يوسف الملك النَّاصر القديم وختم بحفيد ولده الملك النَّاصر وصلاح الدِّين يوسف، ولله الأمر من قبل ومن بعد، ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَلِكَ الْمُلْكِ تُؤْنِ الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَن تَشَاءٍ وَثُعِزُّ مَنْ تَشَآءُ وَتُذِلُ مَن تَشَدٍ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (84) (84) الآية 26 سورة آل عمران.