Indexed OCR Text

Pages 101-120

101
ترجمة الإمام الشّافعي
وعنده: أنَّ الخلوة لا تقرّر المهر في الجديد من مذهبه. وقال في القديم:
تقرّر كمذهب أبي حنيفة وأحمد إذا لم يكن ثمَّ مانعٌ من الوطءِ. وقال مالكٌ: لا
تقرّر إلاَّ بطول المدَّة، فإنَّ المهر يستقرُّ وإن لم يطأ. وقدَّر ابن القاسم طول هذه
المدَّة بعامٍ.
ومذهبه في أظهر القولين عنه أنَّ الوليمة واجبةٌ. والقول الآخر: إنَّها مستحبَّة
کقولهم .
فأمَّا المسألة الملقَّبة بالسَّريجيَّة وهي: إذا قال الرَّجل لامرأته: متى وقع عليكِ
طلاقي فأنت طالقٌ قبله ثلاثًا، فقد اختلف أصحابنا فيها على ثلاثة أوجهٍ، ولا
يوجد للإمام الشّافعي فيها نصِّ؛
أحدها: لا يقع عليها طلاقُ أصلاً، وهذا اختيار أبي العبَّاس ابن سريج،
وهو أوَّل من تكلّم فيها، ولهذا نسبت إليه، ورجَّحها أبو بكر ابن الحدَّاد والقفَّال
من كبار المذهب.
والثّاني: إذا قال لها بعد ذلك: أنت طالقٌ، فإنَّه يقع المنجرُّ ولا يقع من
المعلَّق شيءٌ.
والثَّالث: أنَّه يقع المنجرُّ ويكمل من المعلَّق حتَّى يبلغ الثَّلاث، وكذا مذهب
أصحابنا الثَّلاثة، مالكٌ وأبي حنيفة وأحمد، فهذه المسألة على الوجه الأوَّل، وهو
اختيار ابن سريج من مفردات الأصحاب لا من مفردات الإمام، والله أعلم.
واختلف قوله في المبتوتة من مرض الموت هل ترث أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنَّها لا ترث، وهو الجدید.
والثّاني: أنَّها ترث، كقول الثّلاثة، وإلى متى ترث؟ فيه ثلاثة أقوال في
المذهب.
أحدها: أنَّها ترث ما لم تنقضِ عدَّتها، وهو قول أبي حنيفة.
والثّاني: إلى أن تتزوَّج، وهو رواية عن أحمد.
والثّالث: ترث أبدًا.
ولو تزوَّجت كمذهب مالكٍ وهو رواية عن أحمد، وله قول: إنَّ الإشهار
شرطٌ في صحَّة الرَّجعة كابتداء النّكاح وهو يحصل عن أحمد. والقول الآخر:

102
طبقات الشافعية
ليس بشرطِ كقولهم، وله قول: إنَّ الإخلال يحصل بالنّكاح الفاسد. والثّاني: لا
كقولهم .
وقال في القديم: لا يلزم الولي إذا فاء كفَّارة لقوله: ﴿فَإِن فَآءُو فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
رَّحِيمٌ﴾ .
وقال في الجديد: يلزمه الكفّارة لقولهم.
والجديد من مذهبه: أنَّه لا يحرم على المظاهر القبلة واللَّمس لشهوةٍ.
والقديم: يحرم ذلك لقول مالكٍ وأبي حنيفة والمشهور عن أحمد.
وعنده: أنَّ الصَّائم عن كفَّارة الظّهار إذا جامع ناسيًا ليلاً أو نهارًا لا يفسد
صومه ولا يلزمه الاستئناف، بل يبني. وقال الثَّلاثة يستأنفه، واتَّفقوا على العمد.
وقال الشَّافعي في الملاعن إذا لاعن أن تقع الفرقة بينه وبين زوجته على
التَّأبيد؛ وإن لم يلاعن المرأة؛ وقال مالكٌ: لا تقعُ إلاَّ بلعانها، وهو رواية عن
أحمد؛ وقال أبو حنيفة في الرّواية الأخرى: لا تقع الفرقة إلاَّ بلعانها وحكمُ
الحاكم.
ومذهبه أنَّ الكفَّارة تجب في اليمين الغموس؛ وقال مالكٌ وأبو حنيفة وأحمد
في المشهور: هي أعظم من أن يكفّر.
ومذهبه أنَّ من عقد اليمين على أمرٍ يظنُّه فبان خلافه أنَّه يحنث.
وقال الثّلاثة: لا تنعقد يمينه والحالة هذه، وأدخلوا ذلك في لغو اليمين.
ولو حلف: لا تسكن هذه الدَّار وهو فيها، فخرج منها بنفسه دون رحله
وأهله فعنده يبرُّ وعند الثّلاثة لا يبرُّ حَّى يخرج أهله ورحله معه منها، والله أعلم.
ولو حلف لا يدخل هذه الدَّار فدخل بيتًا فيها له بابٌ شارعٌ إلى الطَّريق، أو
وقف على سطحها أو حائطها لم يحنث عند الشَّافعي حتَّى يدخل عرصتها،
وعندهم یحنث.
ولو حلف لا يكلِّمه حينًا ولم يعيِّن وقتًا برَّ عنده بأدنى زمانٍ. وقال مالكٌ
وأحمد: لا بدَّ من مضيِّ ستّة أشهرٍ؛ وعن مالكٍ: سنة.
ولو حلف لا يأكل الرُّؤوس حنث بأكل رأس الإبل والبقر والغنم، ولا
يحنث بما سواها. وقال أبو حنيفة: إنَّما يحنث برؤوس البقر والغنم فقط؛ وقال

103
ترجمة الإمام الشَّافعي
مالكٌ وأحمد: حنث بكلِّ ما يسمَّى رأسًا في حقيقة اللُّغة وعرفها.
ولو حلف لا يشمُّ البنفسج، فاشتمَّ دهنه لم يحنث عنده خلافًا للثَّلاثة.
ولو حلف لا يستخدم هذا العبد فخدمه العبد وهو ساكتٌ فعنده لا يحنث إن
لم يكن العبدُ ملكه، وإن كان فعلى وجهين في المذهب؛ وقال أبو حنيفة: إن
سبقت له خدمة قبل اليمين حنث وإلاَّ فلا؛ وقال مالكٌ وأحمد: يحنث مطلقًا
سواء كان له أو لغيره، أو تقدَّمت له خدمة أم لا. ولو حنث العبد المملوك يكفّر
بالصَّوم فللسيِّد منعه إن كان لم يأذن له في اليمين. وقال أصحاب أبي حنيفة: له
منعه مطلقًا إلاَّ في كفَّارة الظِّهار؛ وقال مالك: إن أضرَّ به الصَّوم فله منعه إلاَّ في
الظّهار؛ وقال أحمد: ليس له منعه مطلقًا .
ولا يحرم من الرَّضاع إلاَّ خمسٌ عند الشَّافعي وهو رواية عن أحمد، وعنه
ثلاثٌ، وعنه واحدةٌ كقول أبي حنيفة ومالكٌ.
ونفقة الصَّغير واجبةٌ على زوجها في قول الشَّافعي، والقول الآخر لا
كمذهب الثَّلاثة.
وقال الشّافعي بوجوب نفقة الآباء وإن علوا والأبناء وإن سفلوا فقط. وقال
مالكٌ: إنَّما تجب نفقة الأبوين الأدنيين وأولاد الصُّلب فقط، وقال أحمد: تجب
نفقة كلِّ من يرثه ويرث منه بفرض أو تعصيب. وقال أبو حنيفة: إنَّما تجب نفقة
كلِّ ذي رحمٍ محرمٍ، فلا يدخل ابن العمِّ ونحوه ممَّا ليس بمحرمٍ.
ومذهبه: أنَّ الأمَّ أحقُّ بحضانة الغلام، والجارية إلى سبع سنين، ثمَّ يخيَّر
كلٌّ منهما بين الأب والأمّ، وقال مالكٌ: الأمُّ أحقُّ بهما حتَّى يبلغ الغلام وتزوَّج
الجارية ويدخل بها الزَّوج، وعنه رواية: أنَّ الغلام يكون عندها حتَّى يثغر. وقال
أبو حنيفة وأحمد: الأمُّ أحقُّ بالغلام حتَّى يستقلَّ بنفسه في مطعمه ومشربه
وملبسه، ثمَّ الأب أحقُّ به منها. والجارية تكون عند الأمِّ إلى السَّبع ثمَّ تخيَّر،
وتنتقل الجارية إلى الأب من غير تخييرٍ والله أعلم.
ومن الجنايات إلى الحدود
إذا قتل واحدٌ جماعةً فمذهب الشَّافعي رضي الله عنه: إن قتلهم واحدًا بعد
واحدٍ قتل بالأوَّل، ووجبت الديَّة للباقين؛ وإن قتلهم دفعةً واحدةً أقرع بين

104
طبقات الشافعية
أوليائهم، فأيُّهم خرجت له القرعة أقيد له ووجبت الديَّة للباقين. وقال أبو حنيفة
ومالكٌ: يجب القود لجماعتهم، ولا يجب شيءٌ آخر. وقال الإمام أحمد: إن
طلب الأولياء الديَّة وجب لكلِّ قتيل ديَّة كاملة، وإن طلب القصاص أقيد عن
الجميع، ولا يجب شيءٌ آخر. وإن طلب بعضهم القصاص وبعضهم الديَّة أقيد
لمن طلب القصاص سواء كان متقدِّمًا أو متأخّرًا، وتجب الديَّة لمن طلبوا الديَّة،
ولو بدر وليُّ المقتول فقطع يدَ القاتل ثمَّ عفا عنه فإنَّه لا يجب عليه قصاص ولا
ديّةٌ عند الشّافعي رضي اللَّه عنه لأنَّه يستحقُّ كمال دمه، فكأنَّه اقتصَّ بعضه وعفا
عن الباقي. وقال أبو حنيفة: إن قطع يده ثمَّ عفا عنه غرم ديَّة يده، وإن لم يعفُ
عنه حتَّى قتله لم يلزمه شيءٌ. وقال أحمد بن حنبل: يلزمه ديَّة سواء عفا عنه أو
لن يعفُ عنه. وقال مالكٌ: يقتصُّ منه عن يده سواء عفا عنه أم لا، وكان
مأخذهما أنَّه إنَّما استحقَّ عليه القصاص في النَّفس، فأمَّا الطرف فلا سبيل له عليه
فيه إلاَّ أن يدخل ضمنًا، والله أعلم.
ومذهب الشَّافعي: أنَّه لا يجوز أن يقتصَّ من الطَّرف قبل الاندمال خلافًا
لهم.
ومذهبه: أنَّ من ضرب سنَّ رجلٍ فاسوذَّت أنَّه يجب عليه الحكومة. وقال
الثَّلاثة: تجب ديَّةٌ السنّ كاملةً. قال مالك: فلو سقطت السنُّ بعد ذلك وجبت ديَّةٌ
أخرى. وعن أحمد رواية أخرى: أنَّه يجب في تسويد السنِّ ثلث ديَّته.
وقال فيمن وطئ زوجته ومثلها ممَّن توطأ فأفاضها أنَّه تجب عليه الديَّة، وهو
رواية عن مالكِ، والأشهر عنه: أنَّه تجب الحكومة. وقال أبو حنيفة وأحمد: لا
شيء فأمَّا إن كانت لا توطأ فالديَّة عند الجميع.
وديّة اليهودي والنَّصراني عنه ثلث ديَّة المسلم في العمد والخطأ، وقال
مالكٌ: نصف ديَّة المسلم فيهما. وقال أبو حنيفة: كمال ديَّة المسلم فيهما. وقال
أحمد: إن كان عمدًا فديَّة مسلم، وإن كان خطأً أو قتله من هو مثله ورضوا بالديَّة
فثلث ديَّة مسلم، وعنه نصفها.
ومذهبه: أنَّه تجب الدِّية على قاتل من لم تبلغه الدَّعوة
خلافًا لهم في أنَّه لا تجب عليه ديَّةٌ.
ولو جنى عبد رجلٍ على آخر خطأً فسيِّده بالخيار بين أن يفديه بمبلغ

105
ترجمة الإمام الشَّافعي
الجناية، وإن شاء سلَّمه إلى المجني عليه ليباع فيهما، فما فضل أخذه وما بقي
دفعه إلى المجني عليه. وقال الثَّلاثة: سيِّده بالخيار، إن شاء فداه وإن شاء سلَّمه
إليه ولا شيء له بعد ذلك. ووافق أحمد الشّافعي في رواية عنه.
وله قولٌ: أنَّه تجب ديَّة عاقلة قاتله خطأً. والقول الآخر عنه: أنَّه تجب في
ماله كالثَّلاثة.
وتضرب الديَّة على العاقلة، الغنيُّ نصف دينارٍ، والمتوسّط ربع دينارٍ، ولا
ينقص عن ذلك، ولا حدَّ لأكثره؛ وذلك رواية عن أحمد. وقال مالكٌ وأحمدٌ :
ليس فيه شيء مؤقّتْ، وإنَّما هو بحسب ما يمكن ويسهل، وقال أبو حنيفة: يسوَّى
بين جميعهم، فيؤخذ من ثلاثة دراهم إلى أربعة دراهم، ولا يزاد على ذلك، ولا
حدَّ لأقلِّه.
ومذهبه في الجديد: أنَّ القسامة إنَّما توجب الديَّة المغلَّظة. وقال في القديم:
توجب القود كمالكِ وأحمد؛ ولو كان الأولياء جماعةً فعنده قولُ: إنَّ كلَّ واحدٍ
يحلف خمسين يمينًا؛ والقول الآخر: يقسَّط عليهم. ويجبر الكسرُ. وهو مذهب
أحمدٍ والمشهورعن مالكٍ. وعن مالكِ روايةٌ ثانيةٌ: أنَّه يقسم رجلان من الأولياء.
وقال أبو حنيفة: يدرأ عليهم الأيمان، ويبدأ بأحدهم بالقرعة ثمَّ الذي بعده ثمَّ
بعده، ويدار عليهم حتَّى يفرغ من الخمسين.
ومذهبه: أنَّه يسمع أيمان النِّساء في القسامة عمدها وخطؤها. وقال مالكٌ:
تسمع في الخطأ لا في العمد. وقال أبو حنيفة وأحمد: لا تسمع أيمانهنَّ فيها لا
في العمد ولا في الخطأ.
ومذهبه: أنَّ من قتل بسحرٍ فإنَّه يقتل قصاصًا. وقال الثّلاثة: يقتل حدًّا.
ومذهبه: أنَّه تقبَل توبة السَّاحر إذا تاب. وقال مالكٌ وأبو حنيفة وأحمد في
المشهور عنه: لا يقتل: وعنه ذراري المرتدِّين الذين حدثوا بعد ردَّة أبيهم، هل
يسترقُون، قولان: أحدهما لا يسترقُون. والثّاني: بلى، وهو قول أحمد، وقال
مالكٌ وأبو حنيفة وأحمد: لا تسترقُّ ذراريهم، بل يجبرون على الإسلام إذا بلغوا.
وأمَّا ذراري ذراريهم فيسترقُون.
وله قولٌ آخر: وهو أنَّه يضمن أهل البغي ما أتلفوا على أهل العدل من نفسٍ
أو مالٍ. والجديد عنه كقول الثَّلاثة إنَّهم لا يضمنون كما لا يضمن أهل العدل ما
أتلفوا أهل البغي، والله أعلم.

106
طبقات الشافعية
ومن كانت معه دابَّةٌ فأتلف شيئًا بيدها أو رجلها أو فيها أو ذنبها فعليه
ضمانه. وقال أبو حنيفة: إن كان ذلك الموضع الذي ساقها فيه مأذونًا له لم
يضمن، وإلاَّ ضمن، والله أعلم.
ومن الجهاد والجزية والهدنة
مذهبه: أنَّه يجوز أن يُستعان بأهل الذمَّة إذا كانوا مناصحين للمسلمين، ولهم
حسنُ رأي فيهم، وكان في المسلمين قلَّةً عن عدوّهم. وقال أبو حنيفة: يجوز
الاستعانة بهم مطلقًا. وقال مالكٌ وأحمد: لا يجوز ذلك مطلقًا. قال مالكٌ: إلاَّ
أن يكونوا خدمًا للمسلمين في تجَّار العسكر أنَّهم لا يستحقُّون شيئًا في المغنَم وإن
قاتلوا. وقولٌ: إن قاتلوا استحقُّوا، وهو مذهب مالكِ وأبي حنيفة. وقولٌ: إنَّهم
يستحقُّون وإن لم يقاتلوا، وهو قول أحمد.
ومذهبه: أنَّ أموال الفيء تخمَّس كأموال المغانم خلافًا لهم، حيث قالوا: لا
يخمَّس بل يصرف كلُّه في مصالح المسلمين. وقال في القديم: لا يخمَّس من
أموال الفيء إلاَّ ما هربوا عنه فزعًا من المسلمين فقط. وله قولٌ في المجوس:
إنَّهم أهل كتابٍ، وقولٌ آخر: إنَّ لهم شبهة كتابٍ كقول الثَّلاثة. وله قول في الفقير
الذي لا كسب له من أهل الذمَّة أنَّه لا يعقد له، بل يبقى في بلاد الإسلام لئلاً
ينتقل عرضة الإسلام مجانًا. وقيل: تعقد له الذمَّة، فإذا جاء رأس الحول فإن لم
يؤدِّ أُخرج من بلاد الإسلام. وقيل: بل يقرَّر ويستقرُّ في ذمَّته، فيطالب إذا أيسر.
وقيل: لا شيء عليه حالاً ولا مالاً كقول الثَّلاثة.
ومذهبه: أنَّه يجوز أن يُفرض دينارٌ على الغنيِّ والفقير والمتوسِّط .
وقال مالكٌ: أربعة دنانير أو أربعون درهمًا على الغنيِّ والفقير جميعًا.
وقال أبو حنيفة وأحمد: على الغنيِّ ثمانية وأربعون درهمًا، وعلى المتوسِّط
أربعةٌ وعشرون، وعلى الفقير المعتلُ اثنا عشر درهمًا.
ومذهبه: أنَّ الذِّي إذا أسلم بعد انقضاء الحول أنَّه تجب عليه جزية ما
مضى. وفي أثنائه قولان. وقال الثّلاثة: لا تجب عليه جزية ما مضى إذا أسلم في
أثناء الحول ولا بعد انقضائه، ولو كان عليه جزية سنين متقدِّمة سقط أيضًا.
وله قول في المرأة إذا جاءت مسلمة أنَّه يردُّ مهرُها؛ والقول الآخر لا يردُ
كقولهم .
١

107
ترجمة الإمام الشَّافعي
ومذهبه أنَّه يؤخذ العشر من أموال أهل الحرب إذا شُرط عليهم عند الأمان.
وقال مالكٌ وأحمد: يؤخذ وإن لم يشترط. وقال أبو حنيفة: إذا كانوا يأخذون من
تجّارنا أخذنا منهم وإلاَّ فلا. وله قول فيمن انتقض عهده من أهل الذمَّة أنَّه يردُ إلى
مأمنه. والقول الآخر: أنَّ الإمام فيه بالخيار بين القتل والسبي وهو قول أحمد.
وقال مالكٌ: يقتلون، وهو المشهور عنه.
ومذهبه: أنَّه لا يمكَّن مشركٌ من دخول مساجد المسلمين إلاَّ بإذنٍ. وقال أبو
حنيفة: يجوز مطلقًا. وقال أحمد ومالك: لا يجوز مطلقًا.
كتاب الحدود والأقضية والشَّهادات والإقرار
قال الشّافعي رضي الله عنه في أحد قوليه: إنَّ اللَّئط حدُّه حدُّ الزَّاني فيعتبر
إحصانه. والقول الآخر: إنَّه يرجم بكلِّ حالٍ محصنًا كان أو لا كقول مالكٍ
وأحمد في المشهور عنه. وقال أبو حنيفة: يعذر باللَّواط أوَّل مرَّةٍ، فإن تكرَّر منه
قُتل .
ومذهبه: أنَّه تقبل شهادة الزِّنا سواء كان المجلس واحداً أو مجالس متفرّقة
خلافًا للثّلاثة حيث قالوا. متى تفرَّقت مجالسهم فهم قذفة.
وله قولُ فيما إذا لم يتكمَّل بينة الزِّنا أنَّهم لا يحدُّون، ومأخذه أنَّهم إنَّما أتوا
بما شهدوا به على قصد الشَّهادة لا على وجه القذف كمذهب الثَّلاثة لقصَّة عمر
رضي الله عنه في جلدٍ أبي بكرة وصاحبه رضي الله عنهم. وعنه: أنَّ المرأة إذا
ثبت زناها بالبيِّنة حفر لها، وإن ثبت بإقرارها لم يحفر لها. وقال مالكٌ وأحمد:
يحفر لها بكلُ حالٍ. وقال أبو حنيفة: ذاك إلى رأي الإمام.
ومذهبه: أنَّ حدَّ الخمر كما يجري بالسَّوط يجري بالأيدي والنِّعال وأطراف
الثّياب؛ وقالوا: لا بدَّ من السَّوط.
ومذهبه: أنَّ أقلَّ نصاب السَّرقة رُبع دینارٍ ، وما قيمته رُبع دینارٍ .
وقال مالكٌ وأحمد: رُبع دينارٍ أو ثلاثة دراهم. أو ما يساوي واحدًا منهما.
وقال أبو حنيفة: عشرة دراهم أو دينارًا وما يساوي أحدهما.
وعنده فيما إذا سرق أحد الزَّوجين من الآخر، ثلاثة أقوال:
أحدها: لا يقطع واحدٌ منهما مطلقًا كقول أبي حنيفة وأحمد في رواية.

108
طبقات الشافعية
والثّاني: أنَّه إن كانت السَّرقة من حرزٍ خاصٍّ بالمسروق منه قطع السَّارق من
كلِّ واحدٍ منهما كقول مالك وأحمد في رواية.
والثّالث: يقطع الزَّوج إذا سرق من مال زوجته لأَنَّه لا شبهة له فيه. ولا
تقطع هي إذا سرقت منه لأنَّ لها حقوقًا عليه.
ومذهبه: أنَّ .... لقطَّاع الطَّريق كالنَّاظور والمكثر سوادهم والمعين لهم
من غير أن يباشر معهم القتل يعزَّر. وقال مالكٌ وأبو حنيفة وأحمد: هو كأحدهم،
يقتل معهم.
وله قولٌ: إنَّ قاطع الطَّريق إذا مات قبل أن يُقدر عليه وكان قد أخذ مالاً أنَّه
لا يُسقط قطع يده. والقول الآخر: إنَّه الجميع كقولهم. وأمَّا بقيّة المحارم كالسَّرقة
وشرب الخمر والزِّنا فمذهبه في أحد القولين عنه: أنَّه إذا تاب ومضى عليه سنةٌ
أنَّها تسقط الثّوبة حدودها، وهذه رواية مشهورة عن أحمد، إلاَّ أنَّه لا يشترط مضيَّ
سنةٍ .
والقول الثّاني عن الشَّافعي؛ والرِّواية الأخرى عن أحمد. وقول مالكٍ وأبي
حنيفة إنَّ الثَّوبة لا تسقط الحدود، والله أعلم.
ومذهبه أنَّ من أتى محرمًا لا حدَّ فيه ففيه التَّعزير، وذلك إلى رأي الإمام إن
شاء عزَّره وإن شاء عفا عنه. وقال أحمد: يجب تعزيره. وقال مالكٌ وأبو حنيفة:
إن غلب على الظنِّ أنَّه لا يصلحه إلاَّ الضَّرب وجب وإلاَّ فلا.
وعنده: أنَّ من عزَّره الإمام فتلف ضمنه؛ وقالوا: لا يجب ضمانه، وهو
مفرَّعُ على ما تقدَّم من وجوب التَّعزير.
وعنده: أنَّه لا يزادُ في التَّعزير على تسع عشرة ضربة. وقال أبو حنيفة: لا
يزاد على تسع وثلاثين، وقال مالكٌ: ذاك إلى رأي الإمام، إن شاء زاد على
الحدود. وقال الإمام أحمد: إن كان التَّعزير يتعلَّق بالوطءِ، كمن وطىءَ جاريةً
امرأته أو وطىء جاريته المزوَّجة أو وطىءَ أجنبيَّةً فيما دون الفرج فيجلد في هذا
ونحوه مائة سوطٍ إلاَّ سوطًا واحدًا؛ وإن كان فيما عدا هذا من المحارم كالقبلة
وسرقة ما دون النِّصاب وشتم إنسانٍ فعنه روايةٌ يعزَّر بسوطٍ واحدٍ، ورواية بعشرةٍ
أسواطٍ. ورواية أخرى: أنَّه لا يبلغ به أدنى الحدود كقول الشَّافعي وأبي حنيفة.
ومذهبه: أنَّه يكره الحكم في المساجد إلاَّ أن يدخل للصَّلاة فيعرض له حكم

109
ترجمة الإمام الشَّافعي
فيحكم فيه. وقال أبو حنيفة ومالكٌ: لا يكره وقال مالكٌ: بل هو السنّة.
وهل للحاكم أن يحكم بعلمه، فيه ثلاثة أقوالٍ في المذهب:
أحدها: نعم مطلقًا، وهو رواية عن أحمد.
والثّاني: لا مطلقًا، وهو قول مالك، ورواية عن أحمد.
والثَّالث: له أن يحكم بعلمه فيما عدا الحدود.
وقال أبو حنيفة: له أن يحكم بعلمه بعد الولاية فيما عدا الحدود، حاشا حدَّ
القذف، فله أن يحكم فيه بما علمه بعد الولاية.
ولو تداعى الزَّوجان متاع البيت ولا بيِّنة، فعنده أن يُقسم بينهما جميع ما
فيه، وقال أحمد: ما اختصَّ بها فلها، وما يختصُ به فله، وما صلُح أن يكون
لكلٍّ منهما مشتركٌ. وقال مالكٌ: ما اختصَّ بكلٍّ منهما فهو له، وما صلُح لهما
فهو للزَّوج. وقال أبو حنيفة: ما اختصّ بكلٍّ منهما فهو له، وما صلُح لهما
فللرَّجل في الحياة، وفي الموت للباقي منهما.
ولو تحاكم رجلان إلى رجلٍ للقضاء في نفسٍ أو مالٍ فحكم بينهما،
فللشّافعي قول: أنَّه لا يلزم حتَّى يتراضيا به بعد الحكم. والقول الآخر: أنَّه يلزمه
بنفس الحكم، وهو قول مالك وأحمد، وليس لحكم البلد نقضه وإن خالف رأيه،
إذا كان ممَّا يسوغ فيه الاجتهاد. وقال أبو حنيفة: إذا خالف رأي قاضي البلد فله
نقضه وإبطاله .
ومذهبه: أنَّه يقبل في استهلال الطّفل شهادة أربع نسوةٍ. وقال مالك: يكفي
اثنتان، وقال أحمد: بل واحدةٌ، وقال أبو حنيفة: أمَّا بالنّسبة إلى ثبوت الإرث فلا
بدَّ من رجلين أو رجل وامرأتين، وبالنّسبة إلى تغسيله والصَّلاة عليه فيكفي شهادة
امرأة واحدةٍ، وهكذا خلافهم في ثبوت الرِّضاع سواء. ومذهبه أنَّه تُقبل شهادة كلِّ
واحدٍ من الزَّوجين للآخر خلافًا لهم.
وله قولٌ: أنَّه لا بدَّ أن يشهد على كلٍّ من شهود الأصل شاهدان من شهود
الفرع. والثَّاني: أنَّه لا يكفي أن يشهد اثنان على كلِّ من شهود الأصل كقولهم.
ولو شهد شاهدان بمالٍ فحكم به، ثمَّ رجعا عن الشَّهادة، ففي قوله القديم:
لا غُرم عليهما. وقال في الجديد: عليهما الغرامة كقول الثَّلاثة.

110
طبقات الشافعية
ولو نكل المدَّعى عليه عن اليمين لم يحكم عليه حتَّى يحلف المدَّعي
ويستحقُّ في سائر الدَّعاوى، وتسمَّى اليمين المردودة. وقال أبو حنيفة وأحمد:
يحكم عليه بمجرَّد نكوله. وقال مالكٌ: تردُّ اليمين على المدّعي فيما يقبل فيه
شاهدٌ ويمينٌ، وشاهدٌ وامرأتان، ولا يردُّ فيما عدا ذلك.
ولو أقرَّ المريض لوارثٍ بمالٍ ، ففي قبوله منه قولان للشَّافعي: الجديد
نعم، والقديم لا، كقول أبي حنيفة وأحمد. وقال مالكٌ: إن كان منهما فيه لم
يقبل، وإلاَّ قُبل؛ ومثاله: أن يترك بنتًا وابن أخ، فإن أقرَّ لابن أخيه قُبل منه لأنَّه
ليس بمتَّهم عليه؛ بخلاف ما لو أقرَّ لابنته فإنَّه يخشى أن يكون قد حابى.
ولو أقرَّ أحد الابنين بأخ ثالثٍ فعنده لا يصحُّ ولا يشارك. وقال أبو حنيفة:
يصحّ الإقرار ويدفع إلى المقرَّ نصف ما في يده، وقال مالكٌ وأحمد: يدفع إليه
المقرُّ ثلثَ ما في يده، والله أعلم.
وهذا ما تيسَّر جمعه ههنا على وجه الإيجاز والاختصار، لا على سبيل
الإطناب والإسهاب؛ فأمَّا بسط ذلك وتقريره فله موضع آخر، وباللّه الثّقة وعليه
التَّكلان، إنَّه كريمٌ وهَّابٌ، والحمد للَّه أوَّلاً وآخرًا، وصلَّى اللَّه على أكرم خلقه
وخاتم رسُله محمَّدٍ وآله وصحبه وسلَّم.

كتاب طبقات الشّافعيَّة رضي الله عنهم
من جمع الشَّيخ الفقيه الإمام العلاَّمة الأوحد المتقن جامع الفضائل مرجع
الأواخرِ والأوائلِ عماد الدِّين أبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء القرشي
الحصيلي البصروي ثمَّ الدِّمشقي الشّافعي، أجزل اللَّه ثوابه وأحسن مآبه بمحمَّدٍ
وآله والصَّحابة آمين.
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد، فهذا ذكرُ تراجم أصحاب
الطبقة الأولى من النَّقلة عن الإمام أبي عبد الله محمَّد بن إدريس الشَّافعي رضي
اللَّه عنه، مرتَّبين على حروف المعجم، على حسب ما سردناهم أوَّلاً في ترجمة
الإمام، وبه المستعان وعليه التَّكلان، ولا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله العليِّ العظيمِ، ثمَّ
ليعلم أنَّ فيهم من هو دون ذلك في الشُّهرة، وفيهم من هو معروف بأنَّه من غير
مذهبه، وفيهم جماعة من أئمّة(1) الحديث، أحببنا أن نترجمهم لأجل روايتهم عن
الشَّافعي، ولا يخفى عليك من هو من أصحابنا منهم، فإن كان فيه غموضٌ نبَّهت
عليه .
(1) في - ب - أهل.

الطَّبقة الأولى
1) إبراهيم(1) بن خالد بن أبي اليمان، أبو ثور الكلبي البغدادي.
الفقيه الإمام العلاَّمة. أخذ الفقه عن الشَّافعي، وأحمد بن حنبل، وطبقتهما،
وروى عن جماعةٍ من مشائخ الإمام أحمد.
وروى عنه أبو داود، وابن ماجة، ومسلم في غير الصَّحيح، وأبو حاتم
الرَّازي، وخلقٌ، وأثنى عليه غير واحدٍ من الأئمّة.
قال الإمام أحمد: أعرفه بالسنَّة منذ خمسين سنة، وهو عندي في مسلاخ(2)
الثَّوري. وسئل أحمد عن مسألة فقال للسَّائل: سَلْ عَافَاكَ اللَّه غَيرِنَا، سلْ الفقهاء،
سل أبا ثور.
وقال النَّسائي: ثقةٌ مأمونٌ، أحد الفقهاء.
وقال ابن حبَّان: هذا أحد أئمّة الدُّنيا فقهًا وعلمًا وورعًا وفضلاً وديانةً وخيرًا،
ممَّن صنَّف الكتب، وفرَّع على السُّنن، وذبَّ عن حوضها، وقمع مخالفيها.
وقال الحافظ أبو بكر الخطيب(3) البغدادي: كان أحد الثّقاتِ المأمونين،
ومن الأئمَّة الأعلام في الدِّين.
وله كتب مصنّفة في الأحكام(4)، وجمع فيها بين الحديث والفقه. قال:
السُّبكي: الطَّقات الكبرى 74/2، والإسنوي: طبقات 1/ 25، وابن خلكان: وفيات 1/
(1)
26 ، وابن قاضي شهبة: طبقات 3/1 وابن أبي حاتم الرازي: الجرح 2/ 98، والمزِي:
تهذيب الكمال 159/1.
(2)
المسلاخ في اللُّغة، الجلد والإهابُ، وهو المنزلة.
(3)
الخطيب: تاريخ بغداد 65/6 .
البغدادي: هديّة العارفين2/1.
(4)

114
طبقات الشافعية
وكان أبو ثورٍ أوَّلاً يتفقَّه بالرَّأي، ويذهب إلى قول أهل العراق حتَّى قدم الشَّافعي
بغداد فاختلف إليه أبو ثور، ورجع عن الرَّأي إلى الحديث.
فأمَّا قولُ أبي حاتم الرَّازي(5) عن أبي ثورٍ: أنَّه رجلٌ يتكلّم بالرَّأي(6)
فيخطئ ويصيب، وليس محلُّه محلَّ المُسْمعين(7) في الحديث، ففيه مبالغة، فإنَّه ما
من أحدٍ إلاَّ ويؤخذ من قوله ويُردُّ، إلاَّ رسول الله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فإنَّ قوله
كلُّه(8) مقبولٌ.
ولأبي ثورٍ إفرادات واختيارات غريبة، منها: إباحة نكاح نساء المجوس الّتي
قال فيها بسببها الإمام: أبو ثور كاسمه، والظَّاهر أنَّه هجره لأجلها، فالله أعلم،
ولهذا لمَّا (9) مات أبو ثورٍ سنة أربعين ومائتين(10) (لم يشهد جنازته)(11) الإمام
أحمد .
قال عبد اللَّه ابن الإمام أحمد: لمَّا رجعت من جنازته قال أبي: أين كنت؟
قلت: في جنازة أبي ثور، فقال: رحمه اللّه لقد كان فقيها.
قرأت على شيخنا أبي الحجّاج يوسف بن الزكيِّ عبد الرَّحمان المزي رحمه
الله، أخبرك الشّيخ أبو العزّ يوسف بن يعقوب ابن المجاور، أخبرنا أبو منصور
عبد الرَّحمان بن محمَّد القزَّاز، أخبرنا الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي، قال:
أنبأنا أبو عبد اللّه محمَّد بن عبد الواحد، حدَّثنا أبو علي محمَّد بن أحمد بن يحيى
القطشي، حدَّثنا محمَّد بن صالح بن ذُريح العكبري حدَّثنا أبو ثور، حدَّثنا محمَّد
ابن إدريس عن مالك عن نافع عن ابن عمر رضي اللَّه عنهم، أنَّ رسول اللَّه صلَّى
الله عليه وسلَّم فرض زكاة الفطر من رمضان صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شعيرٍ
هو محمَّد بن إدريس الرَّازي، أبو حاتم، محدِّث حافظ، برع في المتن والإسناد، جمع
(5)
وصنَّف، وعدَّل وجرَّح، وصحّح وعلَّل، توفّي ببغداد 890/277 كحالة: معجم المؤلّفين
. 35/9
(6)
بالرَّأي ساقطة من - ب -.
(7)
في الأصل: المستمعين، وكذلك في - ب - والتَّصحيح من السُّبكي.
(8)
في - ب - و کلمه .
لمَّا ساقطة في الأصل، وهي في - ب -.
(9)
(10)
ابن خلّكان 7/1/ توفّي سنة 246 هـ.
ما بين المعقوفين ساقطة من الأصل، ومثبتة في - أ -.
(11)

115
الطّبقة الأولى
على كلِّ حرِّ أو عبدٍ ذكرٍ أو أنثى من المسلمين.
هذا حديث صحيح، متّفقٌ على صحّته، رواه الجماعة(12) في كتبهم، أعني
البخاري، ومسلم، وأبا داود، والتّرمذي، والنَّسائي، وابن ماجة من طرق عن
مالك .
وقرأت على شيخنا أيضًا: أخبرك ابن أبي عمر وابن البخاري، قال كلٌّ
منهما: أخبرنا الكندي وابن طبرزد قالا: أخبرنا القاضي أبو بكر محمَّد بن عبد
الباقي الأنصاري أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عمر البرمكي أخبرنا أبو محمَّد عبد
اللَّه بن إبراهيم بن أيُّوب بن ماسي البزَّاز حدَّثنا إبراهيم بن موسى الجوزي حدَّثنا
أبو ثورٍ إبراهيم بن خالد الكلبي حدَّثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن حميد عن بكر
يعني ابن عبد اللَّه عن أبي رافع عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ رسول اللَّه
صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لَقِيَهُ في طريقٍ من طرق المدينة وهو جنبٌ ، فانسلَّ، وذهب
فاغتسلَ، ففقده رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فلمَّا جاء قال: ((أين كنتَ يا أبا
هريرة))؟ قال: يا رسول اللَّه لقيتني وأنا جنبٌ، فكرهتُ أن أجالسك، قال: ((إنَّ
المؤمن لا ينجس))؛ هذا حديث صحيح عالي الإسناد، رواه الجماعة(13) في كتبهم
من طرق، عن بكر بن عبد اللَّه المزني به.
2) إبراهيم(14) بن محمَّد بن العبَّاس بن عثمان بن شافع الشَّافعي المكِّي.
ابن عمّ الإمام الشَّافعي. روى عن أبي عبد اللّه محمَّد بن إدريس الشَّافعي،
وجماعة من أهل العلم.
وحدَّث عنه ابن ماجة في سننه، ومسلم في غير صحيحه، وروى النَّسائي
عن رجلٍ عنه. وروى عنه بقيُّ بن مخلد الأندلسي، ويعقوب بن شيبة السَّدوسي،
وجماعة. قال حرب الكرماني: سمعت أحمد بن حنبل يحسن الثّناء عليه. وقال
أبو حاتم: صدوق. وقال النَّسائي والدَّار قطني: ثقة.
(12)
(13)
رووه كلّهم في كتاب الزَّكاة.
رواه البخاري: في كتاب الغسل، والجنائز، ومسلم: في كتاب الحيض، وابن ماجة،
والنَّسائي، وأبو داود: في كتاب الطَّهارة.
السُّبكي 2 / 80، وابن أبي حاتم: الجرح 12 / 13، وابن الجزري: تهذيب 130/1.
(14)

116
طبقات الشافعية
ومات سنة سبع، ويقال: ثمانٍ وثلاثين ومائتين، رحمه الله.
3) إبراهيم(15) بن محمَّد بن هَرٍم.
أظنُّه مصريًّا، ولكن لم أره في تاريخ ابن يونس(16)، والله أعلم.
روي عن الإمام الشَّافعي أنَّه قال في قوله تعالى: ﴿كَلَّ إِنَّهُمْ عَنْ زَِّهِمْ يَوْمَدٍ
◌َّحْجُوُونَ﴾(17). فلمَّا حجبهم في السُّخط كان في هذا دليل على أنَّهم يرونه في
الرِّضا، رواه البيهقي عن الحاكم، عن أبي محمَّد بن جعفر بن محمَّد ابن أبي
الحارث، عن أبي عبد الله الحسين بن محمَّد بن الضخَّاك المعروف بابن بحر،
عن المزني أنَّه قال: سمعت ابن هرم، وكان من علية أصحاب الشَّافعي يقول عن
الشَّافعي، فذكره.
4) إبراهيم (18) بن المنذر بن عبد الله بن المنذر بن المغيرة بن عبد الله بن
خالد بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزَّى بن قصي بن كلاب القرشي
الأسدي الحِزامي المدني. إمام ثقة جليل كبير القدر مشهور.
روى عن خلقٍ من الأئمّة والكبار، وحدَّث عنه البخاري في صحيحه، وابن
ماجه في سننه، وعبد اللَّه ابن عبد الرَّحمان الدَّارمي في مسنده، وأبو حاتم وأبو
زرعة الرَّازيان. قال ابن معين(19): ثقة. وقال أبو حاتم الرَّازي: صدوق. وقال
النَّسائي: ليس به بأس. وذكر أبو حاتم الرَّازي: أنَّ الإمام أحمد بن حنبل هجره
لأَنَّه خلط في القرآن، يعني في القول بخلق القرآن.
قالوا: ومات في محرَّم سنة ستّ وثلاثين ومائتين(20) مرجعه من الحجّ
بالمدينة .
(15)
السُّبكي 81/2.
علي بن عبد الرَّحمان ابن يونس الصَّدفي المصري له: تاريخ أعيان مصر، توفّي سنة 399
(16)
هـ/ 1009م .
(17)
الآية 15 سورة المطفّفين.
(18)
الجرح: 139/2، والشُبكي 82/2، والمزِّي: تهذيب 138/1.
(19)
في - ب - ابن المغيرة.
الشُبكي 2 / 82، وفيه: قيل مات سنة 235 هـ.
(20)

117
الطَّقة الأولى
5) أحمد (21) بن محمَّد بن حنبل بن هلال بن أسد الشَّيباني، أبو عبد الله
المروزي، ثمَّ البغدادي.
أحد أئمَّة الإسلام، والهداة الأعلام، وأحد الأربعة الذين تدور عليهم
الفتاوى والأحكام في بيان الحلال والحرام، قدم به أبوه وأمُّه وهو حَمْلٌ من مرو
إلى بغداد، فوُلد بها ونشأ، وطلب العلم، وطاف البلاد في سماع الحديث
والعلم، فدخل الكوفة والبصرة (ومكّة)(22) والمدينة واليمن والشَّام والجزيرة،
وروى عن الجمِّ الغفير والعدد الكثير من أهل العلم ومشائخ الحديث، وأخذ الفقه
عن جماعة من أجلُهم إمامنا الشّافعي كما تقدَّم في ترجمة الإمام الشَّافعي: أنَّ
الإمام أحمد صحبه مدَّة مقامه ببغداد في الرّحلة الثّانية، وأنَّه سلك مسلكه ونهج
منهجه، وقال: كلُّ مسألةٍ ليس عندي فيها دليلٌ فأنا أقول فيها بقول الشَّافعي.
روى عنه أُمَمّ لا يحصون كثرةً، منهم الإمام الشَّافعي، وهو من شیوخه،
وكذا يزيد بن هارون أيضًا، وإسحاق بن منصور الكوسج، وإسماعيل بن سعيد
الشَّالجي، وبقيُّ بن مخلد الأندلسي، وحرب الكرماني، وابناه صالح وعبد الله،
ومحمَّد بن يحيى الذُّهلي، ويحيى بن معين، وأبو حاتم وأبو زرعة الرَّازيان.
وله من المصنَّفات (23): المسند المشهور، وهو من أجلٌ كتب الإسلام. وقد
وقع (لنا)(24) روايته بكماله ولله الحمد، وكتاب الزُّهد، ويقال: إنَّه جمع تفسيرًا
جمع فيه نحوًا من مائة ألف حديثٍ وعشرين ألفًا.
وقد أطبقت الأمَّة على تعظيمه وتوقيره، وإجلاله واحترامه في علمه وزهده
وورعه وسعة فنونه وصبره على المحنة وقيامه للَّه بالسنَّة، فهو حِبْرُ الأمَّة، وإمام
الأئمَّة في زمانه، والمبرَّز على سائر أهل عصره وأقرانه.
قال حرملة: سمعت الشَّافعي يقول: خرجت من بغداد، وما خلَّفت فيها أفْقَهَ
ولا أزْهَدَ ولا أوْرَعَ من أحمد بن حنبل.
السُّبكي 2 /27، وابن قاضي شهبة 4/1، والخطيب: تاريخ بغداد 12/4 والمزِّي:
(21)
تهذيب 68/1، وابن الجزري: غاية / 112/1.
(22)
مكَّة، ساقطة من - ب -.
البغدادي: هديَّة 48/1 ،.
(23)
لنا - ساقطة من - ب - .
(24)

118
طبقات الشافعية
وقال يحيى بن سعيد القطّان: أحمد بن حنبل حِبْرٌ من أحبار هذه الأمَّة.
وقال إسحاق بن راهويه: أحمد بن حنبل إمامنا، وقال مرَّةً: قال لي أحمد
ابن حنبل: تعال حتَّى أُرِيكَ رَجُلاً لم تَرَ مثله، فذهب بي إلى الشَّافعي.
قال إسحاق: وما رأى الشَّافعي مثل أحمد بن حنبل، قال: ولولاً أحمد
وبذل نفسه لِمَا بَذَلها له لذهب الإسلام.
قال الميموني: [قال لي علي بن المديني لمَّا ضرب أحمد وحُبس: يا
ميموني ما قام أحدٌ في الإسلام بما قام به أحمد بن حنبل](25). وقال الميموني:
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: إنَّ أبا بكر الصديق رضي اللَّه عنه لمَّا قام في أهل
الردَّة وجد أنصارًا وأعوانًا، وإنَّ أحمد بن حنبل لم يجد ناصرًا، وأقبل أبو عبيد
يطري أبا عبد الله ويقول: لست أعلم في الإسلام مثله.
وقال أبو جعفر (البعلبكي)(26): كان أحمد بن حنبل من أعلام الدِّين.
وقال مهنَّى بن يحيى الشَّامي: ما رأيت أحدًا أجمع لكل خيرٍ من أحمد بن
حنبل، وما رأيت مثله في فقهه وعلمه وزهده وورعه.
وسئل أبو ثور عن مسألةٍ فقال: قال [أبو] عبد الله أحمد بن حنبل شيخنا
وإمامنا فيها كذا وكذا.
وقال حجَّاج بن الشَّاعر: ما رأت عيناي روحًا في جسدٍ أفضل من أحمد بن
حنبل .
وقال أحمد بن سعيد الدَّارمي: ما رأيت أسود الرَّأس أحفظ لحديث رسول
اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم ولا أعلم بفقهه ومعانيه من أحمد بن حنبل.
وقال أبو زرعة الرَّازي: كان أحمد يحفظ ألف حديث، فقيل له: وما
يدريك؟ فقال: ذاكَرتُه فأخذت عليه الأبواب.
وذِكْرُ مناقبه رحمه اللَّه ورضي الله عنه يطول شرحه، وقد جمع النَّاس في
ذلك مصنَّفات مفردة، ومن أحسنها وأبسطها ما ألَّفه الشَّيخ أبو الفرج الجوزي
(27)
رحمه الله.
ما بين المعقوفين ساقط من - ب -.
(25)
(26)
في - ب - النَّفيلي، .
مناقب الإمام أحمد.
(27)

119
الطبقة الأولى
ومات الإمام أحمد بن حنبل يوم الجمعة الثّاني عشر من ربيع الآخر سنة
إحدى وأربعين ومائتين(28)، عن سبع وسبعين سنة على المشهور، وشهد جنازته
عددٌ كبيرٌ، وجمٍّ غفيرٌ، قيل: ثلاثمائة ألف، وقيل: ثمانمائة ألف، وقيل: ألف
ألف، وقيل: أكثر، وقيل: ألف ألفٍ وسبعمائة ألف، فالله أعلم.
وأسلم خلقٌ كبيرٌ يومئذ من اليهود والنَّصارى والمجوس، قيل: عشرون ألفًا،
والله أعلم.
وذكر الشّيخ أبو إسحاق الشّيرازي في طبقات أصحاب الشَّافعي البغداديِّين
فقال: قال الحسن بن محمَّد بن الصبَّح الزَّعفراني: ما قرأت على الشَّافعي حرفًا
إلاَّ وأحمد حاضرٌ، ولا ذهبت إلى الشّافعي مجلسًا إلاَّ وجدت أحمدَ فيه.
وقال إبراهيم الحربي: الشَّافعي أستاذ الأستاذين، أليس هو أستاذ أحمد؟.
وقال صالح بن أحمد: مشى أبي مع بَغْلَةِ الشَّافعي فبعث إليه يحيى بن معين فقال:
أما رضيتَ إلاَّ أن تمشي مع بغلته؟ فقال: يا أبا زكريَّاء، لو مشيتَ إلى جانبها
الآخر لكان أنفع لك، وقد تقدَّمت هذه الحكايات مع غيرها مسندة في ترجمة
الشَّافعي رضي اللَّه عنه، ولله الحمد والمنَّة.
قرأت على شيخنا الحافظ الجهَذِ أبي الحجّاج المزِّي رحمه اللَّه قلت:
أخبركم الشّيخ الإمام العلاَّمة شيخ الإسلام أبو الفرج عبد الرَّحمان ابن أبي عمر
رحمه اللَّه، أخبرنا حنبل بن عبد اللَّه الرُّصافي المكبِّر، أخبرنا هبة الله بن الحصين
الشَّيباني، أخبرنا أبو علي بن المذهب التَّميمي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن
حمدان بن مالك القطيعي، أخبرنا عبد اللَّه ابن الإمام أحمد بن حنبل، حدَّثني
أبي، حدَّثنا محمَّد بن إدريس الشَّافعي، حدَّثنا مالك عن الزُّهري، عن عبد
الرَّحمان بن كعب بن مالك، عن أبيه رضي اللَّه، قال: قال رسول الله صلَّى اللَّه
عليه وسلَّم: ((إنَّما نسمة المؤمن طائرٌ يعلق في شجر الجنَّة حتَّى يرجعه اللَّه إلى
جسدہ یوم یبعثُه)).
وهذا حديثٌ جِيِّدُ الإسناد قويٌّ عزيزٌ من هذا الوجه، فإنَّه اجتمع فيه ثلاثة
(28) السُّبكي 34/2، وفيه: لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأوَّل. وقد غلط ابن قانع
وغيره فقالوا: ربيع الآخر.

120
طبقات الشافعية
من الأئمّة الأربعة رضي الله عنهم، وقد رواه التّرمذي والنَّسائي(29) وابن ماجة (30)
من حديث الزُّ هري، وصحَّحه التِّرمذي، وفيه بشارة عظيمة لعموم المؤمنين من
الصَّالحين، وثبت في الصَّحيحين له شاهد في شأن الشُّهداء ولله الحمد والمنّة.
6) أحمد (31) بن خالد الخَلاَّل، أبو جعفر البغدادي.
الفقيه قاضي الثَّغرِ. روى عن الإمام الشَّافعي، وسفيان بن عيينة، وإسحاق
الأزرق، وجماعة.
وحدَّث عنه جماعة منهم: التِّرمذي، والنَّسائي، وأحمد بن علي الأبَّار،
وعمر بن محمَّد بن بُجَيْر البُجَيْري.
قال أحمد بن عبد اللَّه العجلي: كان امرءاً صالحًا. وقال الدَّارقطني: ثقةٌ
قديمُ الوفاة.
مات سنة ستِّ، وقيل: سبع وأربعين ومائتين.
7) أحمد (32) ابن أبي سُريج، واسمه الصبّاح، أبو جعفر النَّهشلي مولاهم
الرَّازي، ثمَّ البغدادي المُقري.
روى عن الإمام الشَّافعي، وجماعة.
وحدَّث عنه البخاري، وأبو داود، والنَّسائي، وأبو حاتم، وأبو زرعة
الرَّازیان، وجماعة.
قال يعقوب بن شيبة: كان أحد أصحاب الحديث، وكان ثقةً ثبتًا.
ومات بالرِّي قديمًا. وقال أبو حاتم(33): صدوق. وقال النَّسائي: ثقةٌ.
كتاب الجنائز، باب أرواح المؤمنين، .
(29)
(30)
کتاب الزُّهد.
السُبكي 2/ 5، وابن أبي حاتم 49/2، والمزي 38/1 والخطيب 126/4.
(31)
(32)
السُّبكي 25/2، وفيه، قيل في اسمه أحمد بن عمر بن الصبَّاح، ولم يؤرِّخ وفاته، وابن
الجزري: طبقات القرَّاء 1/ 63، وفيه توفّي سنة 230 هـ، وابن حجر: تهذيب 44/1
وفيه: مات بعد سنة 240 هـ، والمزِّي: تهذيب 49/1،.
الجرح 56/2، وفيه: وسئل أبي عنه فقال: أحمد بن الصبَّاح النَّهشلي، ابن سريج.
(33)