Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ قال شبيب : فقدِمت البصرة وأَتيت بغداد فحدَّثْتُ بهذا الحديث المهدىّ فقال: مائة نسمَةُ تعتَق على عَهد الأَعرابىّ(١). ٩١٧ - عابد آخر : بَهيم العِجلىّ قال : ركب معنا شابّ من بنى مُرَّة من أَهل البدْو فى البحر. فجعل يبكى الليلَ والنهار . فعاتَبه أَهل المركب على ذلك وقالوا : ارفُق بنفسك قليلاً . فقال: إِنَّ أَقلَّ ما يَنْبغى أن يكون لِنفسِى عِنْدى أَن أَبكيّهَا وأَبكى عليها أَيامَ الدنيا لِعِلمِى بما يمرّ عليها غدًا . قال : فما بقى فى المركب أحد إِلَّ بكى . ٩١٨ - عابد آخر : من بئى تَيم الله مسكين بن دينار قال : كان فى بنى (٢) تيم الله شيخ متعبّد يجتمع إليه فتيان الحىّ ونُسّاكهم(٣). قال: فيذكّرهم، فإذا أرادوا أن يتفرّقوا قال : يا إِخوتاه قُوموا قيامَ قومٍ قد يئسوا من المُعاودةِ لمجلسهم خوفًا من خَطَفات المؤكَّل بالنفوس. قال: فيبكى واللهِ ويُبَكِّى. ٩١٩ - عابد آخر : الأصمعى قال: كنت بالبادية أُعلِّمُ القرآنَ فإِذا أَنا بأَعرابى بيدِهِ سَيْفٌ يقطع الطريق. فلما دنا منِّى ليأخذ ثيابى قال لى: ياحَضَرِىٌّ، ما أَدخلك البدو؟ وقلت: أُعَلِّم القرآن. قال: وما القرآن ؟ قلت. كلام الله . قال : ولله كلام؟ قلت : نعم . قال : فأَنْشِدنى منه بيتًا فقلت: ((وفى السّماءِ رِزْقُكُمْ وماتُوعَدون)) (٤) قال فَرَمى بالسيف من يده وقال: (١) ط: ((مائة رقبة تعتق على عهدة الأعرابى)). (٢) بنى: ساقطة من ط . (٣) ط : ونساؤهم . (٤) الذاريات : ٢٢. ٣٨٢ أَسْتغفر الله، رِزقى فى السماءِ وأَنا أَطلبه فى الأَرض . ثم لقيتُه بعد سنةٍ فى الطَّواف فقال: أَلستُ صاحبك بالأمس؟ قلت : بلى . قال: فأَنشدنى بيتًا آخر فقلت: فورَبِّ السّماءِ والأَرضِ إِنَّهُ لحَقُّ مثلَ ما أَنَّكُمْ تَنطِقون)) (١) قال: فوقف وبكَى وجعل يقول : ومَن أَاجاً. إلى اليمين؟ فلم يَزل يردّدها حتى سقط. ميتًا. ٩٢٠ - عابد آخر : الأَصمعى قال : قال أَعرابى إنى لبِمَضلَّةٍ (٢) من الأَرض إِذ بَصُرتُ بأَعرابىّ قد افترس الاسدُ ابنَه ونفر به (٣) بعيرُهُ فَدَقَّ فخذَه وذلك بعد أَن نازل الأَسدَ فجدّ له(٤) فسمعته يقول: لله درّكِ من مصيبةٍ جدَّات فلطفَت وكبرتْ فصغُرتْ . لئن كنت أَحلات قلبى ترَحًا لقد أُورثتنِى فرحًا . وكيف لا تكونين كذلك وقد زُوِىَ بك (٥) عنى عظيمٌ وقد أَورثتنِى صبرًا جسيمًا؟ فقلت: الله يا أَعرابى مارأيت أَربط. منك جأُشّا ولا أصعب منك مِراسًا. فقال: يا هذا إِنَّ الصّبر والجزع ضِدّان أَحدهما بَصيرةٌ بنَجْدة والآخرة تهوّر بِغِرّة، وليس بحزم تَتَبَّع مافات تَطَلُّبهُ وعَزَّتْ (٦) أَوْبَتُه . ثم أنشأً يقول: وكذا أَشتَهِى لحادثِ ريبِ الدّب هر إذْ كان أن يكونَ عَظيما ٩٢١ - عابد آخر : عبد الرحمن بن أبى نوح قال : ذُكر لى عن رجل من العرب فهمٌ وخَير ، فقصدتُ له فى بعض البَوادِى حتى أَصبته يَسْنُوعلى بَعِير (٧) له. (١) الذاريات : ٢٣. الأرض التى يضل فيها الطريق . ط : لبضلة . (٢) المضلة ( بفتح الميم وكسر الضاد أو فتحها) : (٣) به : ليست فى ط . (٤) رماه أرضاً . ط : فحذله ، ولم يتضح صوابها لمصححى طبعة حيدر آباد . (٥) صرف وطوى ونحى . (٦) ق : مطلبه وعزبت . والمثبت عن ط . (٧) سنا الرجل على الدابة: استقى عليها . ٣٨٣ فقلت : قل لى كلامًا أَحفظه عنك يرحمك الله . قال : لا تُطلق لسانك(١) فإِنَّ الفعل أولى بك من القول. قلت: رحمك الله إِنَّ دليل العمل القولُ ومفتاحه المعرفة . فأُعْجِب بقولِ. ثم أقبل علىّ فقال : يا أخى إِنَّ الشفقة لم تزل بالمؤمن حتى أَوْفَدَتْه على خَير حالٍ ، وإِنّ الغفلة لم تزل بالفاجر حتى أسلمته إلى شرّ حال؛ وما خير عمر امرىء لا يَدرِى ماعاقبةٌ أَمره؟ وماخير عَيْشٍ لا يكمل ما حفظ. منه ؟ ولئن كانت الرغبة فى الدنيا هى المستولية على قلوبنا كما استولت على أبداننا لقد خِبْنا غدًا فى القيامة وخسرنا . ٩٢٢ - عابد آخر : يحيى بن معاذ قال : كنتُ فى سياحتى ، فبينا أَنا فى بَعْضٍ الفَاوات إِذْلاح لِ كوخٌ من قصب ، فقصدْت نحوه فإذا أَنا بشيخ مُبتلى ، قد أكل الدُّودُ لحمُه . فوقع له فى قلبى رحمةً . فقلت له : ياشيخ أَتحبُّ أَن أَسأَل الله تعالى أن يُبْرِئَكَ ؟ قال : فرفع رأسه وهو أعمى فنظر إِلىّ وقال : يا يحيى بن مَعَاذ الرّازى وإِنَّ لك عندَهُ هذه الدّالة فلمَ لاتَسْأَلُه أَن يبغض (٢) إليكَ شهْوةَ الرمَّان؟ قال يحيى : وكنت قد اعتقدتُ (٣) مع اللهعزوجل تركَ الشهوات ماخلا الرمَّان فلم أقدر على تركه لحبىّ له . ثم نظر إلىّ وقال آلى] يايحيى بن معاذ احذَر أَن تتعرّض لأولياءِ اللّه(٤) فتُفتضحَ عندهم . (١) ق، ب: ((انطلق لشأنك)) وأثبت ما فى قط. (٢) ينغص. (٣) اعتقد الرجل الأمر : عقد عليه قلبه وضميره، وتمسك به ، يريد : عاهد الله على ما ذكر . (٤) ق : لأوليائه ، وأثبت ما فى ط . ٠٠٠ ٣٨٤ ٩٢٣ - عابد آخر : أبو القاسم النصر آباذى قال : سمعت إبراهيم بن شيبان يقول : بقى ابراهيم (١) سنة فى البادية ما أَكل ولاشرب ولا اشْتهى (٢) شيئًا. فقال: عارضَتْنى نفسى أَنَّ لى عند الله عزوجل رتبةً فلم أَشعرُ أَنْ كلَّمنى رجلٌ عن يمينى فقال : يا ابراهيم تُرائِى الله فى ◌ِرِّك؟ فنظرتُ إليه فقلت: قد كان ذلك. فقال: بحمد الله كم لي ههنا لم آكل ولم أَشرب ولم أَشْتَهِ شيئًا وأَنَا زَمنُ (٣) مطروح؟ قلت : الله أعلم . قال : ثمانين يوماً وأَنا أَستحيى من الله عزوجل أَن يَقَعَ لى خَاطرك، ولو أَقسمتُ على الله عز وجل أن يجعل هذا الشّجر ذهبًا لجعله . فكانت بركة رؤيته تَنْبِيهًا لى ورجوعًا إلى حالَتِى الأُولى . ٩٢٤ - عابد آخر حجازى : أبو عبد الرحمن المغازلى قال : دخلت على رجل مُبتلى بالحجاز فقلت : كيف تَجِدُكَ؟ قال : أَجِدُ عافِيَتَه أَكْثَر مما ابْتَلانى به، وأَجد نِعَمه علىّ أكثر من أَن أَحصيها . قلت : أَتجد لِمَا أَنت فيه ألماً شديدًا؟ فبكى ثم قال: سلَّى نفسِى أَلمَ مابى: (٤) ماوعَد عليه سيدى أَهلَ الصبر من كمال الأُجور فى شدة يومٍ عسير . قال : ثم غُشِىَ عليه . فمكث مليًا ثم أَفاق فقال : إِنِّى لأَحْسب أَنَّ لأَهلِ الصبر غدًا فى القيامةِ مقامًا شريفًا لايتقدَّمُهُ من ثواب الأعمال شىءٌ ، إلا ما كان من الرّضا عن الله تعالى . (١) يعنى نفسه . (٢) ق: وما اشتهى. والمثبت من ط . (٣) زمن ( بفتح فكسر ) : مصاب باهة . (٤) ما : اسم موصول فاعل (سلى). ٣٨٥ ٩٢٥ - عابد آخر : الخادِى قال : خرجت سنة من السنين إلى البادية فبقيت أزبعةً (١) وعشرين يومًا لم أطعَم فيها طعامًا . فلما كان بعد ذلك رأيت كوخًا وفيه غلام فَتَصَدْت الكوخ فرأيت الغلام قائمًا يصلِى فقلت فى نفسى: بالعَشِىِّ يجىءَ إِلى هذا طعام فآكل معه . فبقيت تلك الليلة والغدَ وبعدَ غدٍ ، ثلاثة أيام لم يجئْهُ أَحد بطعام ولا رأيت أَحدًا . فقلت : هذا شيطان ليس هذا من الناس . فتركته وانصرفت . فلما كان بعد أشهر ، أَنا قاعد فى منزلىِ إِذا داقَ يدقّ الباب . فقلت : من هذا ؟ ادخل . فدخل الغلام وقال لى : ياجعفر أنت كما سُمّيت، جاعَ فرَّ(٢). ذكر المصطفيات من عابدات العرب(٣) وأهل البادية ٩٢٦ - خنساء بنت عمرو النخعية : عن عبد الرحمن بن مغراء الدّوسى ، عن رجل من خُزاعة قال : لمَّا اجتمع الناس بالقادسية دعت خنساء بنت عمرو النخعية بَنِيِها الأربعة فقالت : يابُنىّ إِنكم أسلمتم طائعين، وهاجَرْتم واللهِ ما نَبَتْ بكم الدّار ولا أَفْحَمتْكم السَّنة (٤)، ولا أَرْدَاكم الطمع، واللهِ الذى لا إِله إِلَّ هو، إِنكم لبَنو رجلٍ واحد كما أَنكم بنو امرأةٍ واحدة ، ما خنتُ أَباكم ولا فَضَحْت خالكم؛ ولا غيّرت نَسَبَكم ولا أَوْطَأْت حريمكم ، ولا أَبْحتُ حماكم فإِذا كان غدًا إِن شاءَ الله، فاغدُوا لقتال عدوّكم مستنصرين الله، مسْتبصِرين، فإذا رأيتم الحرب قد أَبدَت (١) فى النسخ جميعاً: أربعاً. والصواب تأنيث العدد. (٢) بعدها فى ط : والسلام . (٣) ط: الغرب. وكانت كذلك فى ق ثم أزيلت النقطة من فوق العين . (٤) السنة: الجدب . يقال: أقم القوم، وأقحمتهم السنة : أى أجدبوا فتركوا منازلهم لغيرها مما يكون فيه الخضرة والمياه . (م. ٢٥ - صفة الصفوة جـ ٤) ٣٨٦ ساقَها وقد ضَربت رُواقها فتيعَّموا وَطِيسَها وجالِدوا خميسها ، تظفروا بالمغنَم والسلامة ، والفوز والكرامة فى دار الخلد والْمَقَامة . فانصرف الفِتية من عندها وهم لأمرِها طائعون ، وبنصحها عارفون فلما لقُوا العدوّ شدّ أَوّلهم وهو يقول : قد أَشْرَبَتْنا إِذْ دَعتنا البارحَهْ يا إِخوتا إِنَّ العجوز النَّاصِحَةْ فباكِروا الحربَ الضَروس(١) الكَالِحِهْ نصيحةٌ ذاتَ بيانٍ واضِحَهُ مِنْ آلِ ساسان كِلابًا نَابِحَةْ فإنما تلقُون عند الصَّائحـهْ فَأَنْتُمُ بينَ حياةٍ صَالِحِهْ قد أيقنوا منكم بوقْع الجائِحَةْ أَوميتةٍ تُورِث غُنمًا رَابِحَهْ ثم شدَّ الذى يليه وهو يقول : قد أَمرَتْنا حدَبًا وعَطْفَا والله لا نَعْصِى العجوزَ حَرْفَا. فَبَاكِرِوا الحرب الضَّروسَ زَحفًا منها وبِرَّا صَادِقًا ولُطْفَا وتَكْشِفُوهم عَنْ حِمَاكم كَثْفًا والقتلَ فيهمِ نَجْدَةً وعُرْفَا حتى تَكُفُوا آل كِسْرَى كفّا(٢) إِنَّا نَرَى التَّقْصِيرَ عنْهِمْ ضَعْفَا ثم شدّ الذى يليه وهو يقول : لستَ لخنْساءَ ولا للأحْـزمِ إن لم تزُر فى آلِ جمع الأَعْجمِ ولا لعَمرو ذِى السَّناء الأَقْدمِ جَمْعَ أَبى ساسانَ جمع رُستم ماضٍ على الهوْل خِضَمُ خضرِمِ بكلّ محمودٍ اللقاءِ ضَيْغَمِ أَو لحياة فى السَّبيل الأكرم (٣) إمَّا لقهرٍ عَاجِلِ أَو مَغْنَمِ نَفوز فيها بالنَّصِيب الأُعْظَمِ (١) ق : الظروس . (٢) ق: ((حتى تلقوا آل كسرى لفا)). وأثبت ما فى ط . (٣) هذا البيت ساقط من ب . ٣٨٧ ثم شدّ الذى يليه وهو يقول : والنَّظرِ الأَوفقِ والرَّأْىِ السَّدَدْ إِن العجوزَ ذاتُ حَزْمٍ وجلَدْ نصيحةً منها وبِرًّا بالولَدْ قد أَمَرَتْنا بالصّواب والرَّشَدْ إِمَّا لقهرٍ واحتيازٍ (٢) للبلد فباكِروا الحرب نماءً(١) فى العَدَدْ فى جنَّة الفردوس فى عيشِ رَغَدْ(٣) أُو میتة تُورث خُلدًا للأبدْ فقاتلوا جميعا حتى فتح الله عز وجل للمسلمين ، وكانوا يُعطون ألفين (٤) فيجيئون بها فَيُصبّونها فى حُجرها فتقسم ذلك بينهم حفنةً حفنةً ، فما يغادر واحد من عطائه درهمًا . ٩٢٧ - منفوسة بنت زيد الفوارس : الأصمعى قال : حدثنى رجل من بنى ثُعَل قال : كنت ببعض نواحى نجد فرُفِعَت لى فيه قُبَّة من أَدمِ فَقَصدتُها فإِذا (٥) أصوات نساءٍ مُعْولات، فَدَنَوْت منهنّ وسأَلتهن عن شأنهن؟ فقلن : منفوسة بنت زيد الفوارس أُصيبتْ بابنها. وإذا هو فى حَجرها وهى تقول: والله لَتقدُّمك أَمامى أحبّ إِلىّ من تأخرك ورائى، واصبرِى عنك أَجدَى من جزَعى عليك، وماحَظً. مصيبةٍ تحلّ من التلف (٦) محلَّك، وتُورث من العطب مثل مضجعك؟ ولئن كان فراقك حسرة إِنّ توقَّع أَجرك لخِيرَة . ثم قالت : لله درّ عَمرو بن معدِى كرب حيث يقول : وإنا لقومُ لا تَفيضُ دُمُوعُنا على هالكٍ مِنَّا وإن قُصِمَ الظَّهرا ٩٢٨ - عائكة المخزومية : ابراهيم بن محمد المخزومى قال : بَكَتْ امرأةٌ من بنى مخزوم يقالُ لها عاتِكَةُ حتى ذهَبَ بَصَرُهَا . فَعُوتبت فى ذلك وقيل لها : (١) النماء: الزيادة. ط : بماء، تصحيف. (٢) ط : واختيار ، تصحيف . (٣) العيش الرغد ( بفتح الراء والغين) : الذى طاب واتسع. (٤) أى من الغنائم .. (٦) كذا فى ط . وفى ق : القلب. (٥) ط : قصدتها وإذا . ٣٨٨ ما بَعد ذهابِ البصرِ شىءٌ؟ فقالت : ما ينبغى للمُخوَّف بالنار أَن تجفَّ له دمعةٌ حتى يُعرَفَ مَوْقِعُ الأَمانِ من ذلك . فلم تَزَلْ على ذلك البكاءِ حتى ماتَتْ عليه . ٩٢٩ - منيرة السدوسية: وبالإِسناد حدثنا أبو بكر القرشى قال : حدثنى محمد بن الحسين قال : حدثنى عبد الله بن محمد بن حميد بن أبى الأسود قال : حدثنى أبو سلمة ، رجل من بنى سَدوس ، قال : كانت لنا عجوز فى الحىّ لم ندركها نحن ، أدركها أَشْيَاخُنَا يقال لها : مُنيرة . فكانت تقول إذا جاءَ الليل: قد جاءَ الهول، قد جاءت الظلمة ، قد جاءَ الخوف ما أشبه هذا بيوم القيامة . ثم تقوم فلا تزال تُصَلّى حتى تُصبح . ٩٣٠ - طلحة العدوية : وبالإِسناد حدثنا القرشى قال: حدثنا عبد الله بن عيسى الطّفاوىّ قال : أرسلنى أبى إلى طلحة العدوية. فدخلنا عليها وبين يديها زَنْبيلان(١) أَحدهما فيه زَبيب ونَبْق وباقِلِى (٢)، فقيل لى: إنها تُسَبِّح به وتأكل منه أحيانًا(٣). ٩٣١ - أم سالم الراسبية : وبالإِسناد حدثنا القرشى قال : قال محمد بن الحسين : حدثنى أبوسمير ، رجل من الأَزد ، قال : أتيت أُم سالم الراسبيَّة بين الظهر والعصر . فاستأذنتُ عليها فأَذِنت لى . فدخَلْتُ عليها وإِذا هِىَ تُصَلّى قائمةً فلم تَنْفَتِلْ من صلاتها ولم تلتفِتْ إِلىّ حتى نُودى بصلاةِ العصرِ فخرجتُ فصلَّيتُ ثم دخلتُ عليها فقالت : إِذا كانت لك حاجة (١) ق : زبيلان. وهما بمعنى . أى القفة أو الوعاء، أو الجراب. (٢) النبق (بفتح فسكون): دقيق حلو يخرج من لب جذع النخلة. والباقلى (ويجوز المد) الفول. (٣) ط : والسلام. : ٣٨٩ فلا تأْنِى فى هذا الوقت فإن الذى يدَعُ الصلاةَ فى هذا الوقت فإِنَّما يُضَيِّعُ(١) حَظَّ نَفْسِهِ . ٩٣٢ - أم نهار العدوية : عن عُتبة بن صالح الهلالى قال : شهدت أُعرابية بالجُفر ، جَفرٍ بنى عدىّ ، يقال لها أُم نهار العدويّة واقفةً على قبر رجلٍ ونحن ندفنه . فقالت: أيها الناس إِنَّكم من الله عز وجل فى نعمةِ ستْرٍ ، ومن الناس بمحلّ تزكية ، فإِيَّكم ومصاداة زخاريف(٢) الرخاء فإِنَّها ليستْ من صفة الأَّلِبّاءِ (٣) فَأَجْلُوا شماذير (٤) الغفلة عن قلوبكم ، وتأمَّلوا أَهل هذه العَرصات الخُرْس والربوع الصُّموت وارجعوها(٥) صورًا بوَهْمِكم (٦): تتنسَّمون (٧) روح الحياة فنادُوهم يسمعوا واسالوهم يُخبّروا . فاحيُوا بموتهم وتيقَّظوا لغفلاتهم وخُذُوا خَوْفكم من أَمنهم ، وحذركم من غُرورهم ، وانظروا بهم إلى أثر البلى فى أجسامكم ، والخراب فى مَسَاكنكم، وکیف حكم فيهم التراب اذ ولىَ الحُكم فيهم ، فأَبدلَهم بالنطق خرساً وبالسمع صَمَمًا وبالحركات سكونًا . رحِمَ الله امرءًا أَبصر فتدبّر، واتّعظَ. فاعْتَبر ، وعَمِلَ لیومِ الحساب وخَشِىَ وقتَ العقاب . ثم قالت : (١) قط : يدع. (٢) مصاداة: مداراة. والزخاريف: كذا جمعت، وإنما هى الزخارف ج زخرف : وهو حسن الشىء ( بضم الحاء) . (٣) ج لبيب. ط : الأولياء. (٤) ق : شمادير. ط: فأخلوا شماذير . وكل ذلك تصحيف ، والصواب (سمادير) بالسين والدال المهملة. ففى اللسان: ((السمادير: هو الشىء الذى يتراءى للإنسان من ضعف بصره عند السكر من الشراب، وغشى النعاس، والدوار )) . وظاهر أن المعنى فى النص على المجاز . (٥) ط : فارجعوها . (٦) ق : توهمكم . والتصويب من ط . (٧) ط : تلسمون ( بتاء واحدة). ٣٩٠ ما أَحْسَبُ الموتَ يُبقِى جِدَّةِ الأَبد الموت يُفْنِى ولا يُبقِى على أَحَدٍ من أقربيه ومن أَهلٍ ومن ولد یاموتُ کم من کریم قد فَجعت به ثم قالت : تغمّدكم الله بالرحمة وبلغ بكم شرف الهمّه . ٩٣٣ - عاتكة الغنوية : وبالإِسناد حدثنا القرشى قال : ذكر محمد بن الحسين قال : حدثنى عبيد الله بن محمد التيمى قال : حدَّثَنى جليسٌ لنا كان يُقَال لَهُ ضرار الطفاوىّ ، قال: لقيَّتنى امرأة من غَنِىٌّ(١) عابدة يقال لها عاتكة. فقالت : ياضِرارٍ توسّل إلى مولاك بجميع ما يمكنك من الوسائل ، فإِنَّك تجدُ ذلك لك موفرًا عند حلول الأُمور الجلائل ، وانقطع إليه فى حوائجك لديه يأت لك عليها على غير تَعب منك ولا نصَب . واعلم أنه لن ينال المطيعون فى الدنيا لذة أحلى فى صدورهم من الازدياد لله فى طاعته بقربه ، ولحلاوة ساعة من مُطِيع أَلَذّ فى قاوب المريدين من جميع ما أُخرج إلى الدنيا من زهرة ولذة ، ولن يجد المريد ؟ فَقْدَ شىءٍ تركه رجاء ثواب الله. فجِدّ أَىْ أَخى قبل أن لا يمكنك الجِدّ ، وبادر قبلَ فوات المبادرة فإِنَّ الدنيا لا تَطيب لعارفها وإنَّما تورَّطَها أَهل الغِرّة وعما قليل فسوف يعلمون . قال : أَمسكَتْ فقامَتْ . ٩٣٤ - عليلة (٢) بنت الكميت : أبو خالد القرشى قال : استأذنّا على عليلة بنت الكميت وكانت من العابدات قال : وذلك وقْتَ الظهر . فقالوا : هى تُصلِّ فلمْ تَزَلْ ننتظِرُها إلى العصر فلما صلَّت العصر أَذِنت لنا . فدخلنا عليها فقلنا : رحمك الله لم نزل قُعودًا منذ الظهر ننتطركِ . قالت : سبحان الله (١) غنى: اسم قبيلة، والنسبة إليها غنوى (بفتحتين). (٢) شكلت فى ق بضم العين هنا وفى سياق ترجمتها . ٣٩١ قُعودًا لمْ تُصلّوا(١) بين الظهر والعصر ؟ قلنا لا : قالت ما ظننت أن أحدًا لا يصلَّى بين الظهر والعصر . قال : وانقبضَت عنا انقباضاً شديدًا . ٩٣٥ - هنيدة (٢) : عامر بن أسلم الباهلى ، عن أبيه قال : كانت لنا جارية فى الحىّ يقال لها هُنَيدة فكانت تقوم إِذا مَضَى من الليل ثلثه أو نصفه فتُوقِظ. وَلَدها وزوجها وخَدَمها فتقول لهم قُوموا فتوضأُوا وصلّوا فَسَتَغْتِبطون بِكَلامى هذا . فكان هذا دَأْبَها معهم حتى ماتت . فرأى زوجها فى منامه : إِنْ كنت تحب أَن تَزَوّجَهَا هناك فاخْلُفْها فى أَهلها بمثل فعلها . فلم يزل دأبَ الشيخ حتى مات. فأَتى أكبر ولَده فى منامه فقيل له: إِن كنت تحبُّ أَنْ تُجَاورَ أَبويك فى درجتهما من الجنة فاخلفهما فى أَهلهما بمثل عَملهما . قال : فلم يزل ذلك دأبَه حتى مات . فكانُوا يُدْعُون القوّامين. ذكر المصطفيات من عابدات العرب(٣) وأهل البادية المجهولات الأسماء ٩٣٦ - عابدة من بنى عبد القيس: عن أبى بكر الهُذَلى قال : كانت عَجُوز من بنى عبد القيس مُتَعبَدة . فكانت تقول : عامِلوا الله على قَدر نِعَمه عليكم وإِحسانِهِ إليكم ، فإن لم تُطِيقوا فَعلى قَدْرِ سَتْرِه . فإن لم تُطيقوا فعلى الحياء منه فإن لم تُطيقوا فَعَلىَ الرجاء لِثَوَابه . فإِن لم تطيقوا فعَلى خوف عِقَابه . عن أبى بكر الهُذَلى قال : كانت عجوز فى عبد القيس متعِّدةً فكان إِذا جاءَ الليل تَحَرمت ثم قامت إِلى المِحْرَاب . وكانت تقولُ (١) ط : قعود لم تصلون . (٢) بضم الهاء ، مصغر هند. (٣) ط : الغرب. ٣٩٢ المحِبُ لا يَسْأَّم من خِدْمة حَبيبهٍ . فإذا جاءَ النهار خرجتْ إِلى القبور . فبلغنى أنها عُوتِبَتْ فى كثرة إتيانها المقابر . فقالت : إن القلب القاسى إِذا جَفًا لم يُلِّينه إلا رُسوم البِلىَ، وإنى لآتى القبور فكأَنّ أَنظر وقد خرجوا من بين أَطْباقها ، وكأَنى أنظر إلى تلك الوجوه المتعفِّرة(١) وإِلى تلك الأجسام المتغيّرة وإِلى تلك (٢) الأكفان الدّسِمة . فياله من منظر كريةٍ لو أَشْرَبِه العِبادُ قلوبهم ما أَنْكَل (٣) مرارته للأَّنفس وأَشدّ إِتلافه للأبدان .. ٩٣٧ - عابدة أخرى : الأصمعى قال: مات ابنٌ لاعرابية فما زالت تبكى حتى خَدّ(٤) الدمعُ فى خدّها . ثم استرجَعت فقالت: اللهم إنك قد عَلِمْتَ فَرطَ حُنوّ الوالدين على ولدهما فلذلك لم تأمرهما بيِرَهِ ، وقد علمِت قَدْرَ عقوق الولدِ لوالديه فمن أَجْلِ ذلك حَضَضْتَه على طاعتهما ، وأَلزمَته بِرَّهما . وقد كان وَلدى من البرِّ بوالديه على ما يكون الوالدان بولدهما، فأُجُرْه بذلك منِّى صلاةً ولقِّه سرورًاً ونَضْرةً . فقال لها أَعرابىُّ : نِعْمَ ما دعوتِ له ، لولا أَنك شِبْتِه من الجزع بما لا يُجدِى عليه. فقالت: إِذا وقعَت الضّرورات لم يَجْرِ عليها حكم المكتسبات ، وجزَعى على ابنى غير ممكن فى الطّاقة صَرفُه، ولا فى القُدرة مَنْعه، والله وَلِىَ عُذرى بفضله فقد قال عز وجل: ((فَمَنِ اضْطُرَّ غيرَ باغٍ ولاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عليْهِ إِنّ الله غَفُورٌ رحيم(٥))) . (١) ط : المتغيرة، صوابها: المتغيرة (بالباء). (٢) تلك : ليست فى ط . (٣) ق : ما أثكل. وأثبت ما فى ط . (٤) خد : أثر . (٥) البقرة ١٧٣. ٣٩٣ ٩٣٨ - عابدة أخرى : أبو عبد الرحمن القُرَشى ، عن رجل من بنى ثعلب ، قال : شهدت امرأة من أهل البادية تُوصِى أَبنا لها وأراد سَفَراً فقالت : يابنّى أوصيك بتقوى الله ، فان قليلها أجدى عليك من كثير عقلك وإيّاك والنِّمائم فانها تزرع الضَّغائن وتفرِّقُ بين المحبين، ومَثِّلْ لنفسك ما تَستحْسِنه من غَيْرِكَ مِثَالًا ثم اتخذه إِماماً واعلم أنه مَن جمع بين الحياء والسخاء فقد استَجادَ الحُلّة إِزارَها ورداءَها . ٩٣٩ - عابدة أخرى : الصّلت بن حكيم قال : حَدَّثَنِى ابن السماك أَن نَفَراً وَرَدوا على عجوز فى بعض البوادى يسألونها بَيْح شاةٍ . فقالت : ما كنتُ لأَبيع ابن السبيل شيئاً ، ولكن خُذوها على ما عندَ الله . ثم بكى أبو العباس يعنى ابن السماك، وقال : رحمها الله فقِهَت فى بَدْوِها (١) . ٩٤٠ - عابدة أخرى : أَبو بكر (٢) الشيرازى قال تِهِتُ فى بادية العراق أياماً كثيرة فلم أجد شيئاً أَرتَفق به . فلما كان بعد أيام رأيت فى الفلا(٣) خِباءً شعرٍ مَضْروبا فقصَدْته فإِذا بيتٌ وعلَيه ستر مُسبَل . فسلَمت فردَّتْ علىَّ عجوزٌ من داخِلِ الخِباء وقالتْ : ياإِنسانُ من أَيْنَ أَقبلتَ ؟ قلتُ : من مَكَةً قالت : وأين تريد ؟ قلت : الشام . فقالت أُرى شبح إِنسان بطال أَلا لزمتَ زاويةً تجلس فيها إلى أن يأتيك اليقين ؟ ثم تنظر هذه الكِسرة من اين تأكلها ؟ ثم قالت : تقرأ القرآنَ ؟ قلت : نعم فقالت : اقرأ علىَّ آخر سُورَةِ الفرقان فقرأتُها فشهقتْ وأُغمىَ عليها (١) فى أول أمرها وبدء ظهورها . (٢) ط : أبو زكرى . (٣) الفلا: ج فلاة . ٣٩٤ فلما أفاقت بَعدِ هُوِىّ قرأتْ هى الآيات فأَخذت منى قراءتها (١) أُخذاً شديداً . ثم قالت : ياإنسان اقرأها ثانية فقرأتها فلحِقها مثلُ ما لحقها فى الأَّوّل ، وصبرت أكثر من ذلك ولم تُفِقِ . فقلت أَستكشِف حالها ماتت أم لا ؟ فتركتُ البيت على حاله ومشيت أَقلَّ من نصفٍ میلٍ فأَشرفتُ على وادٍ فيه أَعراب فأَقبل إلى غلامان معهما جارية ، فقال أَحد الغلامين : يا إنسان أَتيتَ البيت فى الفَلاة ؟ قلت نعم . قال وتقرأ القرآن ؟ قلت : نعم . قال : قتلتَ العجوز وربِّ الكعبة . فمشيت مع الغلامين حتى أَتَيْنا البيتَ فدخلتُ الجارية فكشفَت عنها فإِذا هى ميّتة . فَأَعْجَبَنَى خاطِرُ الغلام فقلتُ للجارية: من هذان (٢) الغلامان ؟ فقالت : هذانِ جَعَافِرةُ وهذه أَختهم منذ ثلاثين سنة ما تستأنس بكلام الناس ، إذا نزلنا تُوارِى بيتها فى الفلاة تأكل فى كل ثلاثة أيامٍ أَكلةً وشربة (٣). ٩٤١ - عابدة أخرى : عن هشام ، يعنى ابن حسان ، قال خرجنا حُجَّاجاً فنزلنا منزلاً فى بعض الطريق فقراً رجلٌ كانُ مَعنا هذه الآية (« لها سبعة أبوابٍ لكل بابِ منهم جُزْءٍ مَقسومٌ)) (٤) فسمعَتْ امرأةٌ فقالت أَعِدْ رحَمِكَ الله . فأَعادَها . فقالتْ : خلفتُ لى فى البيت سبعة أَعْبُدِ أُشهِدكم أَنهم أحرار . لكل (٥) باب واحد منهم . (١) الهوى (بضم الهاء أو فتحها مع كسر الواو وتشديد الياء) . يقال: مضى هوى من الليل، أى هزيع أو قسم منه. والعبارة فى قط: (( فلما أفاقت لقد هزنى قراءتها فى الآيات فأخذت من أخذاً ... )) وقد اعتمدها أصحاب طبعة حيدر آباد ولا معنى لها . (٢) ط : هذا ، خطأ . (٤) الحجر ٤٤ . (٥) ط : كل . (٣) أى وتشرب شربة . ٣٩٥ ٩٤٢ - عابدة أخرى : مسمع قال: قالت امرأة من العَرب (١) ذاتَ عقلٍ ودِين : سبحانك إِلّهى، إِمهالُك المذنبين أَطمَعهم (٢) فى حُسن عفوك عنهم ، سبحانك إِلّهى، لم يزل قلبى يَشهد برضاك لِمِن نال (٣) عِفْوَك، سبحانك إِلّهى تفضّلًا منك وامتناناً على خلقك . ٩٤٣ - عابدة أخرى : ابن عائشة قال : نظرت أعرابية إلى فتّى حسن الوجه بضِّة فقالت إلى لأَرى وجهاً ما غَضَّنهَ(٤) بَدْدُ وضوءِ السَّحَر . ٩٤٤ - عابدة أخرى : الأصمعى قال : قال أَعرابى : خرجتُ فى ليلة ظلماءَ فإذا أَنا بجارية كأَنَا عَلَمِ (٥). فأَرَدْتها فقالت : ويلَك أَمالَك زاجِرٌ من عَقل إذا لم يكن لك ناه من دين ؟ فقلت : إبها والله ما يرانا إِلاَّ الكواكب . فقالت : وأَين مُكَوكِيها (٦) ؟ ٩٤٥ - عابدة أخرى : محمد بن سلَّام الجمحى قال : سمعتُ خارجةَ بن زياد ، رجلاً من بنى سَليم (٧) ، يذكر قال: هويتُ امرأةً من الحىِّ فكنت أَتْبَعُهَا إِذا خَرَجَت إلى المسجد فعرِفَت ذلك منِّى فقالت لى ذات ليلة : أَلكَ حَاجَةً ؟ قلت : نعم . قالت : وما هى ؟ قلت : مَوَدَّتِكِ قالت : دَعْ ذلك ليوم الثَّغابُن قال : فأَبَكنْنى واللهِ فما عدتُ إِلى ذلك . (١) ط : الغرب ، تصحيف . (٢) ق: أطعمنى لهم. والمثبت من ط . (٣) ط: قال، تصحيف. وقوله ((لمن)) كذا جاء فى النسخ فيعلق بيشهد لأن الرضى (٤) أى ما جعده . ط : ما عضه . یتعدی بین . (٥) العلم : المنارة . (٦) لم يستعمل فعل (كوكب) فى المعاجم متعدياً. وإنما يقال: ((كوكب الحديد كوكبة: برق و توقد )» . (٧) يعنى أن خارجه هو رجل من بنى سليم. ((رجلا)) بدل من خارجة. ٣٩٦ ٩٤٦ - عابدة أخرى : بلغنا عن أبان بن تغلِب (١) أنه قال: رأيت أعرابية تمرُّضُ ابناً لها وهو لِما (٢) به. فلما فاظ (٣) أَغْمَضَتْه ثم تَنَحْت عن مَقْعدِها عند رأسه ورجعت إلى مجلسها تجاهه فقالت : يافلان ما حقّ مَن أُلبِس العافية وأُسبِغت عليه النعمة وأُطِيلت (٤) له النظرة أن يعجز عن التوثق لنفسه قبل حَلّ عُقْدته والحلول بعقوبته ، والحِيال بينه وبين نفسه قال : فأجابها أَعرابى: إِنّا لم نزل نسمع أن الجزع إنما هو للنساء فلا يَجْزَ عنّ رجل بمصيبةٍ بعدك ولقد كَرُمَ صبرك ، وما أَشْبهت النساء . فأَقبلَت عليه بوجهها ثم قالت: ما ميزَّ رجل بين الصَّبر والجزع إلا أصاب بينهما مَنْهِجَين بعيدَىِ الثَّفاوت فى حاليهما ، أَما الصبر فحسَنُ العلانية محمود العاقبة ، وأَما الجزع فغیر مُعوّض مع مأُثَمِه ، ولو كانا رجلين فى صورة ، كان (٥) أولاهما بالغلبة وحسن الصورة مع كرم الطبيعة فى عاجله من الدين وآجله من الثواب ، وكفى ما وعد الله عز وجل فيه لمن ألهمه إيّاه . انتهى ذكر أهل البَوادِى . (١) قارىء لغوى، كوفى ثقة. ويقال إنه أول من صنف فى ((غريب القرآن)). توفى سنة ١٤١ هـ وفى ط: ((ثعلب)) بدل ((تغلب)) تصحيف . (٢) أى أنه فى حال من الإعياء أو الكرب الشديد. وهذا التعبير شائع فى أساليب القدماء. ( انظر مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة ج ١٧). (٣) فاظ: مات. ط: فاض. وهما لغتان . (٤) قط : وأصيبت . (٥) ظاهر العبارة يدل على أن اسم كان ضمير مستتر يعود على الصبر. و (أولاهما) خبرها . ٣٩٧ ذكر المصطفين من العباد الذين لم يعرف لهم مستقر (١) وانما لقوا فى أماكن ذكر المصطفين ممن لقى منهم فى طريق مكة ٩٤٧ - عابد : أبو يوسف ، عبيد الله بن أبى نوح ، وكان من العابدين ، قال صحبتُ شيخاً فى بعض طريق مكة فأَعجبتنى هَيْئته . فقلت : إِنى أحبّ أَن أَصحبك . قال: أَنت وما أَحببت . قال : فكان يَمشى بالنهار فإِذَا أَمْسِى أَقَامَ فى منزلٍ كان (٢)، أَو غيرِهِ . قال : فيقوم الليل يصلِّى، وكان يَصومُ فى شِدةِ ذلك الحَر فإِذا أَمْسَى عَمد إِلى جَرِيبٍ معه فأَخرج منه شيئاً فألقاه إلى فيه مرَّتين أو ثلاثًا . وكان يدعونى فيتقمول هلّم فأَصِبْ من هذا فأُقول فى نفسى والله ما هذا بمُجزيك أَنت، فكيف أَشركُك فيه ؟ فلم يَزل على ذلك ودخلَت له فى قلبى (٣) هيبة عند ما رأيتُ من أَجْتِهاده وصَبْره . قال : فبينا (٤) نحن فى بعض المنازل إِذ نظر إلى رجل يَسوق حماراً فقال لى : انْطَلِقٍ فاشتَر ذلك الحمار. فانطلقتُ وأَنا أَقول فى نفسى : والله ما معی ثمنه ولا أعلم معه ثمنه فکیف أَشْتَرِيه ؟ قال : فأُتيت صاحب الحمار فَسَاوَمْته به فأَّبِى أَن ينقصه من ثلاثين ديناراً . قال فجئت إليه وقلت : قد أَبى أَنْ ينقصه من ثلاثين ديناراً قال خذه . واستخِر الله قلتُ : الثَمن ؟ قال: سَمّ الله ثم أُدخِل يدك فى الجِراب فخُذْ الثَمنَ فأعطِهِ . قال : فأَخذتُ الجِراب ثم : (١) ب : مستقرهم. قط: أسماؤهم. (٢) أى فى منزل كان مسكوناً أو هو قديم مهجور . (٣) فى : ساقطة من ط . (٤) ط : فبينما . ٣٩٨ قلت : بسم الله وأَدخَلْتُ يدِى فيه فإِذا صُرَّةُ فيها ثلاثونَ ديناراً لا تزيدُ ولا تنقصُ . قال : فدفعتُها إلى الرجُلِ وأَخذتُ الحِمارَ وجِئْتُ به فقال لى : اركب فقلتُ له : أَنت أَضْعف متّى فاركب أَنت . قال فلم يرادنىٍ(١) الكلامَ. وركب فكنت أَمشى (٣) مع حماره فحيثُ أَدَرَاكَهُ الليلُ أَقامَ . فإِنَما هُو رَاكع وساجد حتى أَتينا عُسْفان (٣) . فلقيه شيخ فسلِّم عليه ثم خلَوا فَجَعلا يبكيان . فلما أراد أن يتفرّقا قال صاحبى للشيخ: أُوصِنى . قال نعم ، أَلزِمِ التقوى قلبَك وانصب ذِكْر المعَاد أمامك .. قال : زِڈنى . قال : استقبل الآخرة بالحُسنی من عملك ، وباشِر عَوارض الدنيا بالزّهد من قلبك، واعْلَم أَن الأَكْياس هم الذين عَرفوا عَيْب الدنيا حين عَمِىَ على أهلها والسلام عليكم ورحمة الله . قال : ثم افترقا فقلت لصاحبى : مَن هذا الشيح رحمك الله ، فما رأيت أَحسن كلاماً منه ؟ فقال : عبدٌ من عبيد الله . قال فخرجنا من عُسْفان حتى أَتينا مكة فلما انتهينا إلى الأَبطح (٤) نزل عن حماره وقال لى : اثبِتُ مكانك حتى أنظر إلى بيت الله نظرةً ثم أعود إليك إِن شاءَ الله . قال: فانطلَق وعَرضَ لى رجل فقال : تبيع الحمار ؟ قلت : نعم قال : بكم ؟ قلت : بثلاثين ديناراً . قال : قد أَخذته منك. قلت: ياهذا والله ما هَوَ لى وإِنما هو لرفيق لى وقد ذَهب إلى المسجد ولعلّه أَن يَجِيءَ الآن قال: فإِنِّ لأَكّلمه إذ طلع الشيخ فقمت إليه فقلت : إنّ قد بعت الحمار بثلاثين (١) راده الشىء: رده عليه. وراده فى الكلام: راجعه إياه. ط: فلم يراد فى الكلام. (٢) ط : فكنت أمشى حماره . (٣) بضم العين : منهلة من مناهل الطريق قرب مكة . (٤) ط : واجعل . (٥) مسيل واسع فيه رمل ودقاق الحصى . والأبطح يضاف إلى مكة تارة وإلى منى تارة أخرى ، لأن المسافة بينه وبينهما تكاد تكون واحدة . ٣٩٩ ديناراً. قال أَما (١) إِنك أو كنت استزدتَه لزادك إِن شاءَ الله فأَمًّا إِذ بعتَ فأَوْجِر . فأخذت من الرجل ثلاثين ديناراً ودفعت الحمار إليه وجئت بالدنانير فقلت : ما أصنع بها ؟ قال : هى لك فأَنفقها. قلت لا حاجةَ لى بها . قال : فأَلقِها فى الجِراب. قال : فألقيتُها فى الجِراب . قال فطلبنا منزلاً بالأَبطحِ فنزلناه فقال أَبغنَى دواةً(٢) وقِر طاساً . فأَتَيْتُه بدواةٍ وقرطاس . قال : فكتب كِتابين ثم شدهما إِلىّ وقال : انطلِقْ به إلى عباد بن عباد وهو نازل فى موضع كذا وكذا فادفَعه إليه وأَقره منّى السلام ومن المسلمين . ثم دفع الآخر إلىّ وقال : ليكن هذا معك فإِذا كان يوم النّحر فاقرأه إِن شاءَ الله . قال فأَخذت الكتاب فأَّتيت به عبّاد بن عباد وهو قاعد يحدّث وعنده خَلْق كثيرٍ فَسَلَّمت ثم قلت : ،رحمك الله ، كتابُ بعض إخوانك إليك . فأخذ الكتاب فإِذا فيه . بسم الله الرحمن الرحيم ، أَمّا بعد ياعبّاد فإِنِى أَحدّرك الْفَقْر يوم يَحْتَاج الناس إِلى الذَّخر ، فإنَّ فقر الآخرة لا يَسْده غِنَّى وإِنَّ مُصاب الآخرة لا تُجبَر مصيبتُهُ أَبداً، وأَنا رجل من إخوانك وأَنا ميّت الساعة إِن شاءَ الله فاحضُرنى لِتلينى (٣) وتولَّ الصلاة علىّ وإِدخالى حُفْرَتى (٤) وأَستَودعُك الله وجميع المسلمين ، واقرأ السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليكم جميعاً السلام ورحمة الله )). قال فلما قرأَ عبّاد الكتاب قال : ياهذا أَين هذا الرجل ؟ قلت : بالأَبْطح . قال فمريضُ هو ؟ قلت لا ، تركته الساعة صَحِيحاً قال : فقام وقام الناس معه حتى (١) ط : ما ، تحريف. (٢) يقال : أبغنى كذا : أى أعنى فى طلبه، أو أطلبه لى وابحث عنه. (٣) ولى الشىء وعليه: قام به وملك أمره. ط : ليلتى ، تحريف. (٤) أى قبره . ٤٠٠ دخل عليه فإِذا هو مستقبل القبلة ميّت مُسَجى ، عليه عباءة . فقال لى عباد : وهذا صاحبك ؟ قلت : نعم : تركَته الساعة صحيحاً ؟ قال: فجلس يبكى عند رأسه ثم أَخذ فى جِهازه وصلَّى عليه ودَفنهُ . قال : واحتشد الناس فى جنازته . فلما كان يوم النحر قلت : والله لأقرأن الكتاب كما أمرنى ففتحته فاذا فيه : بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد ، وأنت يا أَخى فنفعك الله بمعروفك يوم يحتاج الناس إلى صالح أعمالهم، وجزاك عن صُحْبتنا خيراً فان صاحب المعروف تَجِدُه لجنبه يوم القيامة مُضُطجعاً وانّ حاجتى إليك إِذا قضى الله نُسكك أَن تَنْطلق إلى بيت المقدس فتدفع مِيرائى إِلى وَارِثى والسلام عليك ورحمة الله )) . قال : فقلت فى نفسى كلُّ أَمرك رحمك الله عَجبٌ وهذا من أعجب أَمرك . كيف آتى بيت المقدس ولم تُسمّ لى أَحداً ولم تصِف لى موضعاً ، ولا أدرى إِلى مَن أَدفعه ؟ قال : وخلف قدحاً وجِرابَه ذلك وعَصاً كان يتوكُأَ عليها . قال: وكَّفنّاه فى ثوَبْى إحرامه وَلَفَفْنا العباءَ فوق ذلك. قال: فلما انقضى الحجّ قلت: والله لأَنْطَلِقِنّ إلى بيت المقدس فعلَّى أَن أَقع على وارث هذا الرجل . قال : فَانْطَلَقْت حتى أتيت (١) بيت المقدس، فدخلت المسجد، وثَمَّ حَلقُ قومٍ فقراءَ(٢) مساكين . قال : فبينا أَنا أَدور لأَّتصفّح (٣) الناسَ، لا أدرى عَمِّن أَسأَل، إِذْ نادانِى رجل من بعض تلك الحلق باسمى : يافلان . فالتفت (١) قط: آتى . (٢) ب: وثم حلق فقراء. قط: وهم حلق قوم فقراء. ق: وهم حلق حلق قوم فقراء . وقد صوبنا العبارة بابدال (ثم) من (هم) . وثم : بفتح الثاء وتشديد الميم : أى هناك . (٣) ق : أتصفح . وأثبت ما فى ط .