Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
قال الفتح بن شَخرَف : فلما ثقل قلت له : كيف تجدك ؟ فقال :
ومالى سوى الإِطراق والصَّمتِ حيلةٌ ووضعیعلی خدِیبَدِی عندتذ كارى
تجرّعتها حتى إذا عِيلَ تَصْبارى
وانْ طرقَتْنِى عبرةُ بعد عَبرِةٍ
أَطِفِّى بها حَرَّا تضمَّن أَسرارى
أَفضت دموعًا جَمَّةً مستهِلَّةً
أَبِحِى محلّ الأُس مَعْ كُلّ زَوّارِ
فيا منتَهى سُؤْلٍ (١) المحبِّين كلَّهم
إِذا كنتَ فى الدارين ياواحدِى (٢) جارِى
ولستُ أُبالى فائتًا بعد فائتٍ
أَسند ذو النون أحاديث كثيرة من مالك والليث بن سعد وسفيان
ابن عُيَيْنَة والفُضيل بن عياض وابن لهيعة وغيرهم . وتوفى بالجيزة
وحُمل فى مركب إلى الفسطاط. خوفًا عليه من زَحمة الناس على الجسر،
ودُفن فى مقابر أَهل المَعافر(٣)، وذلك فى يوم الاثنين لليلتين خلتا
من ذى القعدة من سنة ست وأربعين ومائتين (٤).
٨٤٠ - الحسن بن الخليل بن مرة (٥) :
أحمد بن صالح قال : سمعت عبد الله بن وهب ، وذكر الحسن
ابن الخليل بن مُرَّه ، فقال : ذاك رجلُ صِدقٍ قد شغلته العبادة .
قال الحسن بن محمد بن باذا : وثنا عبد الله بن صالح قال :
ما رأيت بمصر مَن أُفضِّلُه على الحسن بن الخليل فى زهده وورعه ، ولقد
رأيته يحمل دقيقًا فى جِرَاب للناس بأجرةٍ يتقوّت بها فى كل جمعة
يحمل يومًا ، ثم زاد أمره فلم يكن يدّخر لوقتٍ يأتى ، وعليه مِدْرَعة
قيمتها أقلّ من درهم ، وأجمع أَهل مصر أَنه مستجاب الدعوة .
(١) ق : سول .
(٢) قط : يا أو حدى.
(٣) المعافر (بفتح الميم) : اسم بلد فى اليمن، تسكنه قبيلة بهذا الاسم أيضاً . فلعل
بعضهم نزح إلى مصر .
(٤) بعدها فى ط : والسلام .
(٥) مرة : بضم الميم وتشديد الراء .
( م ٢١ - صفة الصفوة جـ ٤)

٣٢٢
قال الحسين : وسمعت محمد بن رمح يقول : أتيت الحسن بن
الخليل لأَسمع منه شيئًا فإذا هو يقرأ سورة (ق) ويبكى. ثم غُشِىَ
عليه. فتركْتُهُ وقُمت وكان قد شَغَلَتْه العبادة عن الحديث .
وعُدت إليه غير مَرّة فلم يكن فيه فضل ، وكان مصفرّ اللون كثير البكاءِ.
قال الحسين : وحدثنا يحيى بن بكير قال : اعتلّ الحسن بن
الخليل فجاءَ الليث بن سعد يعوده ونحن معه فقراً على رأسه ثم قمنا
من عنده فقال هذا أَعبدُ مَن رأيت .
موسى بن هارون قال : رأيت الحسن بن الخليل بن مرَّةً بعرفات
وكلَّمته . ثم رأيته يطوف بالبيت فقات: ادعُ الله لى أن يقبل حجِّى .
فبكى ودعا ◌ِ . ثم أنيت مصر فقلت : إن الحسن كان معنا
بمكة . فتقالوا : ما حجّ العام . وقد كان يبلغنى أنه يمرّ إلى مكة فى كل
ليلة ، فما كنتُ أُصدّق ، حتى رأيته فعاتبنى وقال: شَهِّرتَنى، ما كنت
أُحبّ أَن تحدِّث بها عنِّى، فلا تَعُد بحقِّى عليك.
٨٤١ - محمد بن عمرو الغزى (١):
أَبو زُرعة قال : كان يأتى على محمد بن عَمْرو الغزِّى ثَمانية
عشر يومًا لايذوق فيها ذَواقًا ولاطعامًا ولاشرابًا. ما رأيت بمصر أَصلح
منه .
ابراهيم بن أبى أيوب قال : حدثنا محمد بن عمرو الغَزِّى ، وكان
يأكل فى (كل) شهر رمضان أَكلتين من غير تكلّف ، يأكل فى كلّ
خمسة عشر يومًا مرّة .
أَسند الغَزِّى عن الوليد بن مسلم وعثمان بن سعيد وعطّاف بن خالد
فى آخرين .
(١) نسبة إلى مدينة (غزة) بفتح الغين .

٣٢٣
٨٤٢ - أبو على الحسن بن أحمد المعروف بابن الكاتب من كبار
الصالحين (١) من مشايخ المصريين :
أحمد بن على بن جعفر قال : سمعت أبا علىّ الكاتب يقول :
إذا انْقُطَع العبدُ إِلى الله تعالى (٢) بالكُليَّة فأول ما يُفيده الله عز وجل
الاستغناءَ به عمَّن سِوَاه . وكان يقول : قال الله عزَّ وجل: من صَبر
علينا وصَل إِلينا .
وكان يقول : إِذا سكن الخوف فى القلب لم ينطق اللسان إِلَّ بما
يَعنيه .
أبوالقاسم المصرى قال: قال أبوعلىّ ابن الكاتب ان الله عز وجل
يرزق العبد حلاوةَ ذِكْرِه فإِن فرحَ به وشكره آنّسه بةربه ،
وإِنْ قصّر فى الشَّكر أجرى الذِّكْر على لسانه وسلَبه حلاوته .
صحب أبوعلىّ ابن الكاتب أبا على الرّوذَبارِى وغيره وتوفى بعد
الأَربعين والثلثمائة (والله أعلم ) .
ذكر المصطفين من عباد مصر المجهولى الأسماء
٨٤٣ - عابد :
يوسف بن الحسين قال : كنت قاعدًا بین یدی ذى النون وحوله
ناس ، وهو يتكلَّم عليهم ، والناس يَبْكون ، وشابٌ يضحك . فقال
له ذو النون : مالك أيها الشابّ؟ الناس يبكون وأَنت تضحك . فأَنشأً
يقول :
ويَرون النَّجَاة حظًّا جزيلا
کلَّهم يَعْبدون مِنْ خَوْفٍ نار
أَنسالا أَبتغِى بحبِّى بَديلا
ليس لى فى الجِنان والنارِ رَأْىٌ
(١) كذا فى ط. وفى ق: ((من كتاب مشايخ المصريين)).
(٢) ق : عز وجل ، وأثبت ما فى ط .

٣٢٤
فقيل له : فإِنْ طَرَدَك فماذا تفعل ؟ فأَنشأً يقول :
فإِذا لم أَجِد من الحبّ(١) وَصْلاً رُمتُ فى النار مَنزلاً ومَقِيلا
بُكرةً فى ضِرامها (٢) وأصيلا
ثم أزعجتُ أَهلَهَا ببكائى
أَنا عبدٌ أَحبِبْتُ مَوْلَ جليلا
مَعْشَر المشْرِكِين نُوحوا علىّ(٣)
فجَزانى به العذابَ الطَّويلا
لم أكن فى الذى ادّعيتُ مُحِقًّا
يوسف بن الحسين قال : كان شابّ يحضر مجلس ذى النون
ابن ابراهيم المصرى مدةً . ثم انقطع عنه زمانًا . ثم حضر عنده وقد
اصفرّ لونه ونحلَ جسمه وظهرت آثار العبادة والاجتهاد عليه فقال له
ذو النون : يافتى ، ما الذى أَكسَبتك خدمةُ مولاك واجتهادك من
المواهب التى منحك بها فوهبها لك واخْتَصّك بها ؟ فقال الفتى: يا أُستاذ
وهل رأَيت عبدًا اصْطَنَعه مولاه من بين عبيده واصطفاه وأعطاه مفاتيح
الخزائن ثم أَسرّ إليه سِرًّا أَيَحسن أَن يُفشى ذلك السرّ؟ ثم أنشأ
يقول :
لم يَأْمَنوه على الأَسْرار مَاعَاشا
مَنْ شاوَرُوه فأَبدَى السّرّ مجتهداً
وأَبدلوه من الإِيناس إيحاشا
وَبَاعَدُوهُ فلم يَسْعَد بِقُربهم
حاشا وِدادَهُم مِن ذالِكُمْحاشا(٤)
لايصطَفُون مُذيعًا بعضَ سرّهِم
٨٤٤ - عابد آخر :
عبد الملك بن هاشم قال : قلت لذى النون صف لنا مِن خيارِ مَن
رأَيت فذرفَت عيناه وقال : ركبنا مرةً البحر نريد جُدّةَ (٥)، معنا
(١) الحب: المحبوب (بكسر الحاء). وضبطت فى ق بضم الحاء .
(٢) كذا فى ط . وفى ق : صريعها .
(٣) كذا رسمت فى النسخ، وإنما الصوب (عليا) لتكون التفعيلة ساكنة الآخر
(٤) ط: ((ذاكم)) بدل ((ذلكم)).
(فاعلا متن) .
(٥) مدينة مشهورة على ساحل البحر الأحمر فى الحجاز .

٣٢٥
فتى من أبناءَ نيّفٍ وعشرين سنة قد أُلبس ثوبًا من الهيبة . فكنت
أُحبّ أُكلِّمه فلم أستطع فبينا نراه مُصلِّياً نراه قارئًا ونراه مسبحًا .
إِلى أَن رقد ذات يوم ووقعت فى المركب تُهمة فجعل الناس يفتِّش
بعضُهم بعضًا إِلى أَن بلغوا إِلى الفتى النائم . فقال صاحب الصُرّة:
لم يكن أحدٌ أَقربَ إِلىّ من هذا الفتى النائم .
فلما سمعتُ ذلك قمتُ فَأَيْقَظْته ، فما كلِّمنى حتى توضأً للصلاة
وصلَّى أَربع ركعات، ثم قال : يافتى مانَشاءُ ؟ فقلتُ: إِن تُهمةً
وقعت فى المركب وإِنَّ الناس لم يَزل يُفتِّ بَعْضُهم بعْضًا حتى بلغوا
إليك فالتفتَ إِلى صاحب الصرّة فقال : أَكما يقول؟ فقال : نعم
لم يكن أحدٌ أَقربَ إِلىّ منك . فرفع الفتى يديه يدعو وخفتُ على أهل
المركب من دعائه فخُيّل إلينا أن كل حُوتٍ فى البحر ، قد خرجت
فى فم كلّ حوت دُرّة . فقام الفتى إلى جوهرة فى فِيٍ (١) حوت فأخذها
فَأَلْقَاهَا إِلى صاحب الصُرّة وقال: فى هذه عِوَضٌ مما ذهب منك وأنت
فى حِلِّ .
وقد رُويت لنا هذه الحكاية على وجه آخر :
يوسف بن الحسين قال لما اسْتأنستُ بذى النون المصرىّ قلت :
أيها الشيخ ما كان بَدُو شأنك وما أَنت فيه؟ قال : كنت شابًّا صاحب
لَهو ولعب، ثم إِنِّى تبتُ وتركتُ ذلك كله وخَرَجْتُ حاجًّا إلى بيت
الله الحرام ومعى بُضَيّعة (٢) فركبت فى المركب مع تُجَّار من مصر ،
وركب معنا شابٌ صَبِيحٌ كأَنَّه يُشْرق وجهه . فلما توسّطنا فَقَد صاحبُ
(١) أى فى فم حوت. ط: ((جوهر)) بدل ((جوهرة)).
(٣) تصغير بضاعة .

٣٢٦
المركب كيسًا فيه مال. فأمر بحبس المركب وفَتَّش مَن فيه وأَتعَبهم .
فلما وصلوا إلى الشابّ ليُفتش ، وثب وثبةً من المركب حتى جلس على
موج من أَمواج البحر ، وقام له الموج سريرٍ على مثال وهو جالس عليه
ننظر إليه (١) من المركب . ثم قال: يامولاى إِن هؤلاءِ النَّهمونى وإِنِّى
أُقسم ياحبيبَ قلبى أَن تأُمر كل دابّة فى هذا المكان أَنْ تُخْرِجِ رُؤُوسها
وفى أَفواهها جَوهر . قال ذوالنون، فما تَمَّ كلامهُ حتى رَأَيْنا دَوَابٌ
البحر أمام المركب وحَواليه قد أُخرجت رُوسها وفى فم كل واحدةٍ
منها جوهرٌ مضىءٌ يتلألأ ويلمع . ثم وثب الشابّ من الموج إلى البحر
وجعل يَتَبَخْتَر على مَتن الماءِ ويقول (إِيَّك نَعبد وإِيَّاك نَستعينُ (٢)
حتى غاب عن عينِى (٣).
٨٤٥ - عابد آخر :
حكيم من الحكماءِ قالَ : مَرَرْت بعَريش مِصر وأَنا أُريد الرِّباط. (٤) ،
فإِذا أَنَا بِرَجُلٍ فِى مِظَلَّة(٥) قد ذهبت عيناه ويَداه ورجلاه ، وبه أَنواع
البلاء وهو يقول : الحمدلله حمدًاً يُوافى مَحامِدَ خَلقِك(٦) بما أَنْعِمْتَ عَلَىَّ
وفَضَّلتنى على كَثِيرٍ ممن خَلَقْتَ تفضيلاً. فقلت: لأَنظرنَّ أَشَىءٌ عَلِمه
أَم ألهمه الله إلهامًا؟ فقلت : على أَىّ نعمة من نِعَمه تحمده ؟ أم على
أَىّ فضيلة تشكره؟ فوالله ما أرى شيئًا من البلاءِ إِلَّا وهو بك. فقالَ:
أَلا ترى ماقد صنع بِيٍ؟ فوالله لوأرسل السّماءَ علىّ نارًا فَأَحْرَقتنى، وأمر
(٢) الفاتحة : (٤ - ٥).
(١) ب : عليه .
(٣) ط : بصرى .
(٤) عريش مصر: بلدة على البحر المتوسط بين مصر وفلسطين . والرباط : بالكسر ،
مدينة قديمة على الأطلسى وعاصمة المغرب اليوم .
(٥) خباء ، خيمة .
(٦) التفات من الغيبة إلى الخطاب.

٣٢٧
الجبال فَدَكْدَكَنْى (١)، وأَمر البحار فغرّقَتنى (٢) ما ازددتُ له إِلَّ
حمدًا وشكرًا وإِن لى إليك حاجة: بُنيَّةٌ لى كانت تخدمنى وتَتَعَاهَدُنى
عند إِفطارى انظر هل تُحِسّ بها؟ .
وقال عبد الوهاب بُنَىُّ كان لى فقلت : والله إنِّى لأرجو أن يكون
لى فى قضاء حاجةٍ هذا العبد الصالح قُربةٌ إِلى الله عزَّ وجل . فخرجت
أَطلبها بين تلك الرمال فإِذا السّبع قد أَكلها . فقلت : إِنَّا لله وإنّا إليه
راجعون ، من أين آتِى هذا العبد الصالح فأَخبره بموت ابنته؟ فأَّنيته
فقلت له: أَنت أعظم عند الله منزلةً أَم أَيّوب عليه السلام (٣) ؟ ابتلاه الله
فى ماله وولده وأهله وبدَنه حتى صار عَرَضًا للناس ؟ فقال : لابل أَيوب.
قلت : فإِنّ ابنتك التى أَمرتَنى أَن أَطلبها أَصبتُها وإِذا السَّبعُ قد أَكلها .
فقال : الحمدلله الذى لم يُخرجنى من الدنيا وفى قلبى منها شىءٌ .
فَشَهِقِ شَهْقة فماتَ . فقلت : إنالله وإنّا إليه راجعون ، مَن يُعينى
على غَسله ودفنه؟ فإذا أَنا بركب يُريدون الرّباط . . فأَشرت إليهم
فأَقْبَلوا إِلىّ فأَخبرتُهم بالذى كان من أَمره فغسلناه وكفَّنَّه ودفنَّاه فى
مِظَلَّته تلك . ومضى القوم . وبتّ ليلتى فى مظلته آنسًا به حتى
إذا مضى من الليل قدرُ ثُلثِهِ إِذا أَنابه فى روضة خضراءَ ، وإِذا عليه
حُلَّتان خَضراوان ، وهو قائم يتلو القرآن . فقلت : أَلَسْتَ صاحبى
بالأمس؟ فقال : بلى . فقلت : فما صَيَّرك إلى ما أَرى؟ قال : وردتُ
من الصابرين على درجةٍ لم ينالوها إِلَّ بالصّبر عند البلاء، والشّكر
عند الرخاء .
(١) دكلك الحفرة: ملأها تراباً. وتدكدكت الجبال: تهدمت.
(٢) ط : فأغرقتنى.
(٣) كذا فى ط. وفى ق: (( أنت أعظم منزلة عند الله عز وجل من أيوب عليه السلام)).

٣٢٨
٨٤٦ - عابد آخر :
عمرو بن عثمان المكى قال: لقيت رجلاً بين قرى مصر يدور .
فقلت : مالى أراك لا تَقرّ بمكان ؟ فقال : وكيف يَقرُّ مطلوب ؟
فقلت له : أَوليسَ أَنت فى قبضته فى كلّ مكان ؟ قال : بلى ، ولكن
أَخاف أن استوطِن الأَوطان فيأخذَنى على غِرّة الاسْتيطانِ مع المغرورين .
٨٤٧ - عابد آخر :
أبو بكر المصرى قال : خرجت من عَيْنونة(١) أُريد الرَّملة (٢). فبينا
أَنا أَمشى إِذا بفقير يمشى حافى القدمين حاسر(٣) الرأس، وعليه
خِرِقتان متَّزِرٌ بإِحْداهما(٤) مُرْتَدٍ بالأُخرى ليس معه زاد ولا رَكْوة .
فقلت فى نفسى: لو كان مع هذا ركْوة وحَبل ، فإِذا ورد الماءَ توضَّأَ
وصلَی کان خیرًا له .
فلحِقْت به وقد اشتدّت الهاجرة فقلت له . يافتى لو جعلتَ هذه
الخِراقة التى على كتفيك على رأسك تَتَوَقَّى بها الشمس كان خيرًا
لك . فسكت ومشى . فلما كان بعد ساعة قلت له : أَنت حافٍ ، أَىّ
شىءٍ ترى فى نعل تلبسها ساعةً وأَنا ساعة ؟ فقال: أَراك كثير
الفضول لَمْ تكتب الحديث ؟ قلت : بلى . قال : فلَم تكتُب عن
النبيّ صلى الله عليه وسلم ((إِنَّ من حُسن إِسلام المرءِ تَرْكُه مالا يعنيه)) (٥)
فسكت ومشَى . وعطشت وأَنا على ساحل البحر فالتفتَ إِلىّ فقال :
(١) كذا فى النسخ. والذى ذكره ياقوت والبكرى: ((عينون)) بلا هاء. وهى قرية
من قرى بيت المقدس . وقيل غير ذلك .
(٢) الرملة : بلدة مشهورة فى فلسطين شمال شرق القدس .
(٣) قط : مكشوف .
(٤) ط : بأحدهما ، خطأ .
(٥) الحديث صحيح . وقد مر فى ترجمة أبى داود السجستانى . وأخرجه الترمذى
برقم ٢٣١٧ وابن ماجة وأحمد والطبرانى فى الأوسط .

٣٢٩
أَنت عطشان ؟ فقلت : لا . فمشى ساعة وقد كظّنى العطش(١) ثم
انتفتَ إِلىّ فقال أَنت عطشان؟ فقلت : نعم ، وما تَقدِر أَن تعمل فى
مثل هذا الموضع؟ فأَخذ الرّكوة منى ودخل البحر وغرفَ الماءَ وجاءنى به ،
وقال : اشربْ . فشربت ماءً أَعذب من ماءِ النيلِ وأَصفى لونًا وفيه
حَشيش . فقلت فى نفسى هذا ولىّ الله ولكنى أَدَعه حتى إذا وافَينا
المنزل سأَلتُه الصّحبة . فوقف وقال: أَيّما أَحبّ إليك تَمشى أَوْ أَمشى؟
فقلت : إِن تقدّم فاتَنى ولكن أَتقدّم أَنا وأجلس فى بعض المواضع ،
فإِذا جاءَ سأَلتُه الصّحبة. فقال: يا أبابكر إِن شئتَ تقدّم وأجلس وإِن
شئتَ تأخر فإِنك لاتصحَبُنى . ومضى وتركنى . فدخلت المنزل
وكان لى به صديق وعندهم عليل فقلت لهم : رُشّوا عليه من هذا
الماءِ . فَرَشّوا عليه فَبرأَ وسأَلتُهم عن الشخص فقالوا : ما رأيناه.
٨٤٨ - عابد آخر :
عبد العزيز بن عُمير قال : كان فى خَرابات (٢) القبائل بمصر رجلٌ
مَجذوم وكان شابٌّ من أَهل مصر يختلف إليه ويَتَعَاهَدُه ويغْسِل خِرَقه
ويخدمه . فَتَقرَّأَ (٣) فتى من أهل مصرفقال للذى كان يخدمه : إنه بلغنى
أنه يَعرف اسم الله الأعظم فأَنا أُحبّ أَن أَجىءَ معك إليه فأَناه فَسَلَّم
عليه وقال : ياعَمّ إنه بلغنى أَنك تعرف اسم الله الأعظم فلو سأَلّته
أَن يكْشِف مابك؟ فقاك: يابن أَخى، هو الذى أَبلانى فأَنا أَكره أَن
أرادَّهُ .
(١) أى جهده وبهظه وكربه وغمه .
(٢) كذا فى النسخ. وهى عامية والصواب حذف الألف الأولى. والمفرد : خربة
(بكسر الخاء) أو (خربة) بفتح فكسر: موضع الخراب . ولعله جمع (الخراب)
وهو نقيض العمار . إلا أنه لا يجمع إلا على خراب ( بكسر الخاء) وأخربة .
(٣) تنسك وتزهد ..

٣٣٠
ومن عقلاء المجانين بمصر
٨٤٩ - رجل من أصحاب ذى النون (١) :
أبو الحسن الفارسى قال : بلغنا أن رجلاً من أصحاب ذى النون
أُصيب بعقله فكان يطوف ويقول : آه أين قلبى؟ أين قلبى؟ من وجَد
قلبى؟ من وجَد قلبى؟ والصبيان قد أُولعوا به يَرمونه من كل جانب.
فقُضِىَ (٢) أَنه دخل يومًا بعضَ سِكَك مصر(٣) وقد هرب من الصبيان
فجلس يستريح ساعةً إِذسمع بكاءَ صبِىِّ تَضْربه والدته ثم أُخرجَتِه
من الدار وأغلقت(٤) دونه البابَ . فجعل الصبى يلتفت يميناً وشمالاً
لا يَدرِى أين يذهب؟ وإلى أين يقصد؟ فلما سكَن مابه عَادَ نَاكِصًا على
عقبيه حتى رجع إلى باب دار والدته فوضع رأسه على عتبة (٥) الدار
فذهب به النوم . ثم انتبه فجعل يبكى ويقول: يا أُمَّه مَن يفتح لى
الباب إِذا أُغلقتِ عنِّى بابك؟ ومَن يُدنِينى من نفسه إذا طردتِنى من
نفسِك؟ ومَن الذى يُربّينى بعد أَن غضبتٍ علىّ ؟
قال : فرحمتْه أُمه فقامت فنظرت مِن خَلل الباب فوجدت ولدها
تَجرى الدموع على خدّيه متمعِّكًا (٦) فى التراب. ففتحت الباب وأخذته(٧)
حتى وضعته(٨) فى حِجْرها وجعلت تقبَّله وتقول: ياقُرّة عَينى وياعزيزَ نفسى،
أَنت الذى حملتَنى على نفسك ، وأنت الذى تعرّضت لما حلّ بك ،
لوكنتَ أَطعتَنى لم تلقَ منِّى مكروهًا .
(١) العنوان إضافة من عندنا .
(٣) السكة : الطريق .
(٥) ط : عقبة ، تحريف .
(٦) متمرغاً ومتدلكاً .
(٧) ط : فأخذته .
(٨) قط: جعلته.
(٢) اتفق وصادف .
(٤) ط : وغلقت ، وهى لغة رديئة .

٣٣١
قال : فتواجد الفتى وصاح حتى اجتمع عليه الخَلْق فقالوا : ما الذى
أَصابك؟ فقال : قد وجدتُ قلبى ، قد وجدتُ قلبى. فلمَّا بصُر بذى
النون قال : يا أبا الفيض قد وجدتُ قلبی فی سِكَّة كَذا وكذا عندفلانة .
وسمّاها . ثم لم يزل إِذا تواجَد يقول ذلك .
ذكر المصطفيات من عابدات مصر
٨٥٠ - فاطمة بنت عبد الرحمن بن عبد الغفار الحرانى :
علىّ بن أبى سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى
المصرى قال : أَنبأَ أَبى قال : فاطمة بنت عبد الرحمن تُكنى أُم محمد،
مولدها ببغداد، وقدمَ بها إِلى مصر وهى حَدَثة(١) . سمعتْ من أَبيها
وطال عمرها حتى جاوزت الثمانين، وكانت تُعرف بالصّوفية لأنها أَقامت
تلَبس الصوف ولا تنام إِلَّ فى مُصلَّاها بلاوطاءٍ فوق ستين سنة .
توفيت سنة اثنتى عشرة وثلثمائة .
٨٥١ - أم أيمن بنت على امرأة أبى على الروذبارى . واسمها عزيزة:
أبوعبد الرحمن محمد بن الحسين قال : سمعت بعض أصحابنا
يقول: كانت عزيزة امرأةٌ أَبى علىّ تقول : كيف لا أرغب فى تحصيل
ما عندَك وإليكَ مرجعى؟ وكيف لاأُحبّك وما لقيت خيرًا إِلَّ منك؟
وكيف لا أشتاق إليك وقد شوّقتنى إليك؟. وحُكِىَ عنها أنهاقالت : لاينتقع
العبد بشىءٍ من أفعاله كما ينتفع بطلب قُوتِه من حَلال .. قال : وخرجت
يومًا من مصر وقت خروج الحاجّ والجِمالُ تمرّ بها وهى تبكى وتقول :
واضعفاه . وتُنشد على أَثره وتقول .
أَكُنْ طوعَ أَيديكُم كما يفعل العبدُ
فقلتُ : دَعُونی واتّباعی رِ کابكم
وقد عَلموا أَنْ ليس لى منهُم بُدُّ
وما بالُ رغمِى لا يَهون علیھمُ
(١) فى مقتبل العمر.

٣٣٢
وتقول : هذه حَسْرةُ مَن انْقَطع عن الوصول إلى البيت ، فكيف
ترى حسرة من نقطع عن الوصول إلى ربّ البيت ؟
٨٥٢ - تحية النوبية (١) :
أبوعبد الرحمن محمد بن الحسين السُلَمى قال : سمعت المالِينى (٢)
الصّوفى يقول : دخلت على تحيةً زائرًا فسمعتُها من داخل البيت وهى
تُناجى وتقول فى مُنَاجاتها : يا من يُحبّنى وأُحبَّه .
فدخلتُ إِليها وسلَّمت عليها وقلت: ياتحيَّة هَى أَنك تحبّين الله
تعالى فمن أين تعلَمين أَنَّه يحبّك؟ فقالت: نعم إنِّى كنت فى بلد
النُّوبة وأَبواىَ كانا نَصرانيِّين . وكانت أمى تحملنى إلى الكنيسة
وتجىءُ بى عند الصّليب وتقول : قبّلى الصّليب ، فإِذا هممتُ بذلك
أرى كفَّا تخرج فتردّ وجهى حتى لا أُقبّله. فعلمتُ أَن عِنَايته بى قديمة (٣)
ومن المجهولات الأسماء
٨٥٣ - عابدة :
أبو عبد الله ، محمد بن شجاع الصوفى قال : كنت بمصر أيام
سِياحتى فَتَاقَت نفسى إلى النساءِ فذكرت ذلك لبعض إِخوانى فقال
لى : ههنا امرأة صوفية لها ابنة مثلها جميلة قد ناهزت البلوغ . قال :
فخطبتها وتزوّجتها . فلما دخلت إِليها وجدتها مستقبلةً القبلة تصلى.
قال : فاسْتَحْيَيْت أَن تكون صبيَّةٌ فى مثل سنّها تصلِّى وأنا لا أُصلِّ .
(١) نسبة إلى (النوبة) بضم النون : وهى بلاد واسعة من السودان جنوبى مصر ، بعد
أسوان .
(٢) بكسر اللام . وهو أبو سعد أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله الأنصارى، كان
أحد الرحالين فى طلب الحديث. مات بمصر سنة ٤١٢ هـ. ونسبته إلى (مالين): قرية على
شط جيحون . ق : المالينى ، تحريف .
(٣) بعدها فى ط : والسلام.

٣٣٣
فاستقبلتُ القبلة وصلَّيت ما قُدّر لى حتى غلبَتنى عَينى فيِمْت فى
مُصلَّىَ ونامت فى مُصَلَّاها . فلما كان فى اليوم الثانى كان مثلُ ذلك
أيضًا . فلما طال علىّ قلت : ياهذه أَلا جتماعِنا معنّى؟ قال : فقالت لى:
أَنا فى خدمة مولاىَ ومَن له حَقّ فما أَمنعه . قال : فاسْتَحْيَيْت من كلامها
وتماديت على أمرى نحو الشهر . ثم بدالى(١) فى السفر ، فقلت لها :
ياهذه . قالت : لبيّك . قلت : إِنِّى قد أردت السفر . قالت مُصاحَبًا
بالعافية . فقمت فلما صرتُ عند الباب قامت فقالت لی : یاسیدی کان
بيننا فى الدنيا عهدٌ لم يُقضَ بِتَمامه عَسَى فى الجنة إِن شاءَ الله . فقلت
لها : عسى . فقالت: لى أَستودعك الله خيرَ مستودَع. قال: فتودّعتُ
منها وخرجتُ .
قال : ثم عدت إلى مصر بعد سنين فسألت عنها ؟ فقيل لى : هى
على أفضل مما تركتها عليه من العبادة والاجتهاد . انتهى ذكر أهل
مصر .
ذكر المصطفين من عباد الاسكندرية
٨٥٤ - أسلم بن زيد الجهنى (٢) :
ابراهيم بن أدهم قال : لقيت رجلاً بالاسكندرية يقال له أسلم
ابن زيد الجهنى . فقال : من أَنت ياغلام؟ فقلت : شابّ من أَهل
خراسان . قال : ما حملك على الخروج من الدنيا؟ فقلت : زهدًا فيها
ورجاء ثواب الله تعالى . فقال : إن العبد لايتم رجاؤه لثواب الله تعالى
حتى يَحمِل نفسه على الصّبر . فقال له رجل ممن كان معه : وأَىُّ شىءٍ
الصبرُ ؟ فقال : إِنّ أَدنى منازل الصّبر أَن يَروضَ العبدُ نفسه على
(١) أى بدا لى بداء ، أو خاطر.
(٢) بضم الجيم وفتح الهاء ، نسبة إلى جهينه .

٣٣٤
احْتِمال مَكارهِ الأَّنفس. قال: قلت ثُم مَه (١) ؟ قال : إِذا كان محتملاً
للمكاره أورث اللهعزوجل قلبه نورًا ، قلت : فماذا النور؟ قال :
يسِراج يكون فى قلبه يَفرُق بين الحق والباطل والمتشابه : ثم قال :
ياغلام إياك إذا صحبتَ الأَخيار وجاريت الأَبرار أَن تُغضبهم ، عليك ،
لأَن الله تعالى يَغضب لغضبهم ويَرضى أرضاهم ، وذلك أَن الحكماءَ هُم
العلماءُ ، هُم الراضون عن الله إذا سخِط. الناس . ياغلام احفظ. عنِّى
واعقِل واحتمل ، ولاتعجَل ، إِيَّاك والبُخل. قلت : وما البُخل ؟ قال :
أَما البخل عند أهل الدنيا فهو أن يكون الرجل ضَنينًا بماله، وأما
عند أَهل الآخرة فهو الذى يضنّ بنفسه عن الله . ألا وإن العبد إِذا
جَادَ بنفْسه لله أَوْرَثَ الله قلبه الهُدى والتَّفى، وأُعطىَ السّكينة والوقار
والحلم الراجح والعقل الكامل .
٨٥٥ - عابد آخر :
العبّاس بن يوسف الشُّكلى قال : دخلت الإسكندرية فسألت :
اهل بها أَحد من الزّهّاد؟ فقالوا: فَتَّى قد كان يصوم النهار ويقوم الليل
فإِذا أَفطر أَفطر على الشهوات ، فرأى روَّيًا هالَته فأَخذ فى التقلّل وصار
فِطره فى كل خمسة عشر يومًا مرّة . فقلت فعلى أَىّ شىءٍ يُفطر إذا
أَفطر؟ فقيل لى : على شىءٍ من الكُسْب (٢) وتمراتٍ يَعجنها فهى فِطره
من الوقت إلى الوَقْت . فقلت : فما الرؤْيا التى رآها؟ قالوا : رأَى
فتىّ وقف عليه فقال له .
تَجَوّعْ فإِنْ الجوعِ يُورث أَهلَه مَصادِرَ بِرِّ خيرُها الدهرَ دائمُ
(١) أى ثم ماذا ؟ وقد استبدلت بالألف هاء السكت.
(٢) بضم الكاف وسكون السين : ثفل الدهن وعصارته .

٣٣٥
فتُصبحَ فى الدنيا . وقلبُك هائمُ
ولاتكُ ذا بَطنِ (١) رغيبٍ وشهوةٍ
٨٥٦ - عابدة :
عن حجّاج بن ريَّان قال : دخلت أنا وابن أبى رفاعة مسجد الاسكندريّة
فإِذا أَنا بامرأة قد اعتزلت عن النساء وجَعَلَتْ حَوْلَها حظيرةً مِنْ حجارة ،
فتقدَّم إِليها ابن أبى رفاعَة فقال لها: مالى أراك قد اعتزلت النساء
وجعلتِ حَوْلك هذهِ الحِجَارة؟ فقالَتْ: يا أَبا عَبْدَ الرحمن كلمةً من
هذه، وكلمةً من هذه، وقد ذَهَبَ الصيام (٢) قال: فالتفتَ إِلىّ ابن
أبى رفاعة فقال: أَترى(٣) هذه سَمِعْتُ مِنْ مالِك بن أنس شيئًا؟ يعنى
أن الله تعالى هو الذى بصّرها
ومن المصطفين من أهل أبلة (٣)
٨٥٧ - أبو صخر يزيد بن أبى سمية الايلى :
محمد بن عُمَر قال : كان أبوصخر من العبّاد. وكانَ يُصَلِّى ليْلَةَ
أَجمعَ وَيَبْكى. وكانت مَعَهُ فى الدارِ امْرَأَة يهودية ساكنَة تبكى رحمةً
له ، فَقالَ ليلةً (٥) فى دُعائِهِ: الُهُم إِنَّ هَذهِ اليهودية قد بكَت (٦) رحمةً
لى ودِينها مخالفٌ لدينى فأَنتَ أَولى بِرَحْمَتى. وكان يُوَافى الموْسِم
عَامٍ مع محمد بن المُنْذِرِ وصَفْوانُ بن سَليم ويَزيدُ بن خُصيفة وأَبی
حازم، فيلقَوْن عمر بن ذرّ فيقُصّ عَلَيْهِمْ ويذكِّرَهُم أَمْرَ الآخرة .
فلايَزَالُون كذلك حتى يَنقضِىَ الموسم ثم لايلتقُون بعدُ إِلَّ فى كل موسم
(١) قط: نطق. وفى ق: ((رغبت)) بدل ((رغيب)) والتصويب من ط .
(٢) أى أن ما تتكلم به هذه أو تلك من النساء ، يذهب بالصيام.
(٣) ق : ترى . وأثبت ما فى ط .
(٤) بفتح فسكون : مدينة على ساحل بحر القلزم . وقيل هى آخر الحجاز وأول الشام .
(٥) ب : يوماً.
(٦) ب : تبكى .

٣٣٦
ذكر المصطفين من أهل المغرب
٨٥٨ - أبو عبد الله المغربى واسمه محمد بن أسمعيل :
ابراهيم بن شيبان قال : سمعت أَبا عَبْدَ الله المَغْربى يقول :
ما رَأَيْتُ ظُلمةً مِنْذُ سنين كَثيرةً . قال إِبراهيم : وذلك أنه كان يَتَقَدّمُنا
بالليل المُظْلِم ونحنُ نَتْبعهُ وهو حافٍ حاسر، وكان إِذا عَثر أَحدُنا (١)
يقولُ يميناً وشمالاً (٢) ، ونحن لانرى مابين أيدينا. فإِذا أَصْبَحْنَا نظرنا
إِلى رِجْلِه كَأَنَّهَا رِجْلُ عَروس خرجَتْ من خدرها . وكَانَ يَقْعُدُ لأَصْحابه
يتكلَّمْ عَلَيْهم فما رَأَيْتُهُ انزعج إِلَّا يومًا واحدًا: كنا على الطُّور (٣)
وهو قد اسْتَنَدَ إِلى شَجرةٍ خَرّوب(٤) وهو يتكلَّم علينا. فقال فى كَلامِهِ
لاينالُ العبدُ مُرَادَه حتى ينفرِدَ فردًا بفَرَد. فانزعَجَ واضْطَرب ورأيتُ
الصّخورَ قد تَدَكْدَكَت (٥) ، وبقَ فى ذلِكَ ساعاتٍ فلما أفاقَ كَأَنَّهُ نُشِرَ
من تبر .
ابراهيم بن شيبان قال سمعت أبا عبدالله المغربى يقول: أَفْضَلُ
الأَعمال عمارَةَ الأَوقاتِ فى الموافقات . وقال : أَعظم الناسِ ذُلاَّ فقيرٌ
داهَنَ غَنيًّا وتَوَاضَع له .
أَسندَ أَبوعبد الله المغْربى الحديثَ عن عمروبن أَبِى غَيلان وتُوفَّ على
جَبَلِ الطُّور فى سنة تسع وتسعين ، وقيل تِسْعٍ وسبعين ومائتين ،
وأَوْصَى أَن يُدفن إلى جانب أَسْتاذِهِ علىّ بن رَزَين . وعاش كل واحد
منهما عشرين ومائة سنة . فهما على جَبَلِ الطُّور .
وكان المغربى أُستاذُ إِبراهيم الخوّاص .
(١) زل وسقط بسبب الظلام .
(٣) أى خذوا يمينوأو سيروا شمالا ...
(٢) هو جبل الطور المشهور .
(٤) شجر معروف، وهو بفتح الخاء وتشديد
الراء . وفى ط : خرنوب) بضم الخاء) وهو لفة فيه .
(٥) تحطمت وتهدمت أو تفتقت .

٣٣٧
ذكر المصطفين من عباد المغرب المجهولى (١) الأسماء
٨٥٩ - عابد (٢)
سعيد بن عثمان قال : سمعت ذا النّون قال : بينا أنا سائر فى
بلاد المغرب إِذا أَنا بِرَجُلٍ على عَريش من البلُّوط. وعندَه عَيْنُ مَاءٍ تجرِى
فَأَقَمْتُ عَلَيْهِ يومًا وليلةً أُريد أَن أَسمع كلامَهَ . فَأَشْرف علىّ بوجهه،
فسمِعْته يقول : شهِدَ قلْبى لله بالنّوازلِ ، وكيفَ لايشْهَدُ قلبى بذلك؟
هيهات هيهات لقد خابَ لديْكَ المقَصِّرُون ، سيدى ما أحلى ذِكرك ،
أَليسَ قَصدكَ مُؤْمِّلُوكَ فنالوا ما أَمَّلُوا ، وَجُدْتَ لهم بالزيادةِ على ماطلبوا؟
فقلتُ له : ياحبيبى إنى مقيمُ عليكَ منذ يومٍ وليلةٍ أُريد أن أسمع
مِنْ كلامِكِ. فقال لى: قد رأيتُكَ يا بطَّلُ حين أَقبلتَ ، ولكن
ما ذهبَ رَوعك من قلبى إلى الآن . فقلت له : ولمَ ذلك؟ وما الذى
أَفزعكَ مِنِّى فقال : بِطالتُك يومَ عَمَلِكَ، وتركُك الزَّاد ليومِ مَعَادِك ،
ومُقَامُك على المظنون . فقلت له : يا حبيبى ماهاهنا فِتيةٌ تستأنس بهم ،
فقال : بلى ، هاهنا فِتْيةٌ متفرّقونَ فى رؤُوسِ الجِبالِ . قلتُ : فما
طَعَامُهم فى هذا المكان ؟ قال: أَكلُهم الفِلَقُ (٣) من خُبز البلُّوط.،
ولباسُهم الخِرَق من القِّياب، قد يَئِسوا مِنَ الدُنيا ويَئِسَتِ الدنيا منهم،
أَعْطَوا المجهودَ من أنفسهم ، فلما دَبِرت المفاصل (٤) من الركوع وفرٍحَت
الجِباه من السجود وتغيّرت الأَاوانٌ من السفر ضجُّوا إِلى الله عز وجل
بالاستغاثة (٥)
(١) ق : المجهولين. وأثبت ما فى ط .
(٢) بعده فى ط : رضى الله عنه.
(٣) بكسر الفاء وفتح اللام : ج . فلقة : القطعة . وما فلق أو شق من الشىء.
(٤) كان فيها قرحة أو ما يشبه الجراحة التى تحدث من الرحل أو طول الركوع ونحوه .
(٥) ب : بالاستعاذة .
( م ٢٢ - صفة الصفوة جـ ٤)

٣٣٨
٨٦٠ - عابد آخر :
يوسُفُ بن الحسين قال : قال ذو النون : وُصف لى رجلٌ بالمغرب
وذُكر لى من حِكْمتهٍ وكلامه ما حملنى على لقائه. فرَحلت(١) إِليه إلى المغرب
فأَذَمْت على بابه أربعين صباحاً على أَن يَخْرُجَ من منزله إلى المسجد
ويَقَعُدَ . فكان يخرُجُ وقْتَ كل صلاةٍ يُصلىّ ويَرْجِعُ كَالْوَالِهِ لا يُكلّمُ
أَحدًا فقلت له يوماً : ياهذا إِنّى مُقِيمٌ ها هنا منذُ أربعين صباحاً
لا أراكَ تُكلِّمنى. فقال لى: ياهذا لسانىَ سَبُعٌ إِن أَطْلقته أُكلَنى. فقلتُ:
له عِظْنِى رحمك الله بموعظةٍ أَحفظها عنك . قال : وتفعل ؟ قلت :
نعم إن شاء الله ، قال : لاتحب الدنيا وعدّ الفقر غنى والبلاء من الله
نِعْمةً، والمنعَ من الله عطاء ، والوحْدة مع الله أُنساً، والذلَّ عِزَّا والطاعةً
حِرفةً والتوكّل معاشاً والله تعالى لكِّل شديدةٍ عُدّة .
ثم مكث بعد ذلك شهرا لا يكلِّمنى . فقلتُ له رَحِمَك الله إِنى أُريد
الرجوع إلى بَلدِى فإِنْ رأَيتَ أَن تَزيدَنى فى الموعظة فقال: اعْلَم أَنَّ
الزاهِدَ فى الدنيا قُوتُه ما وَجد ومسكنه حيثُ أَدرِكِ ولَبَاسُهُ ما سَتَرَ(٢)
الخلوةُ مجلِسه ، والقرانُ حديثه ، والله الجبَّارُ العزيز أَنيسه والذِّكر
رَفيقه، والصَّمْتُ جُنّته (٣) والخوفُ سَجِيَّته، والشوْقُ مطيتِه،
والنصيحة نَهْمَته(٤) والصبر وساده، والصدِّيقون إِخوانه والخكمة
كَلامَه، والعقلُ دَاياه، والجوعُ أُدْمُه(٥) والبكاءُ دأبه ، والله عز وجل
◌ُدَّته. قلت ا (٦) تتبّينُ الزيادةُ من النُقْصان ؟ قال: عند المحاسبة
للنفوس (٧).
(١) ط : فدخلت ، تحريف شديد .
(٣) وقايته. ويجوز قراءتها بفتح الجيم .
(٥) ما يؤتدم به .
(٧) بعدها في ط: ((رضي الله عنه)).
(٢) ط: ماستره.
(٤) شهوته ورغبته .
(٦) كذا باثبات الألف .

٣٣٩
٨٦١ - عابدة(١) من أهل أفريقية :
محمد بن حفص قال : مررتُ على أَخ لى من أَهل مصر ونحن
بالثغر، فأخرجَ إِلى شِكالاً . فقال (٢): انْظُرْ مِنْ أَىّ شىءٍ هذا الشِّكَال ؟
فنظرت فإِذا شِكالٌ من شَعرٍ ، كأَنه مِنْ صَفائِهِ وشِدّةِ سَوادِهِ قد دُهِنَ
بالدَّهِنِ . فقلت : هذا عندى من أَعرافِ الخيْلِ العِتاق الكِرام . فقال :
لا. والله، ولكنه من شَعر امرأةٍ من أَهل إِفريقَّية جعلت منه شِكالًا ،
ثم أرسلتْ به إِلَّى فقالت : اجعَله شِكالَ فَرِسِ غازٍ فى سبيل الله عز وجل
فأَنِّى طالَما تمَّعْتُ به فى غَيْر طاعةِ الله قلت : إِنما يُنظر (٣) إِلى ذلِّ هذه
المرأةِ لله تعالى وقَصدِها لا إلى صورة فِعلها لأنها جهِلت أن هذا الفعل
لا يجوز .
ذكر المصطفين من عباد الجبال (٤)
الجبال على ضربين : جبال مسمّاة معروفة ، وجبال غيرُ مسمَّةٍ .
فنبدأُ بالمعرفة .
ذكر المصطفين من عباد جبل اللكام (٥)
وهم قِسْمَانِ : من يُعرف اسمه ، ومن لا يُعرف - فمن
المعرفين :
٨٦٢ - اسحاق بن ابراهيم الجمال :
كان ينزل جبل الُّلّكَّام عبد الله بن محمد الزنجانى قال: دخلت
جبل اللُّكّام فَغَلِطتُ فوقعتُ على شيخٍ منَّزِرٍ بجلدٍ مُنَّشِحٍ بِمِسْح. فقال :
(١) ب : عابدة أخرى .
(٢) حبل تشد به قوائم الدابة . أو : وثاق بين يد الدابة ورجلها .
(٤) بعدها فى ط : رضى الله عنهم.
(٣) ط : ننظر.
(٥) بضم اللام وتشديد الكاف ويجوز تخفيفها : جبل مشرف على أنطاكية وما حولها
من الثغور .

٣٤٠
الله أكبر، جِنِّىَّ أَمْ إِنسىّ ؟ قلتُ: بل إِنْسِىِّ. قال: ضلَلْتَ الطريق؟
قلت : نعم . قال: فعلِّمْنى كُلَيماتٍ . ودَفع إِلىَّ عصًا وقال : خذ هذه
العصا فإنَّها تدلَّكَ على الطريق فاذا بلغت مُرادَكَ فأَلَقِ العَصا. فمشيتُ
قليلا فإِذا أَنا على باب أَنْطَاكِيَةً فَأَلقيتُ العَصَا . فلا أَدْرى كيف كان
ذلك ؟ فرآنِ قومُ فقالوا : من أَينَ ؟ قلت : من اللُّكَّام ، ضالتُ
الطريق فوقعتُ على شيخ فدلَّنى وعلَّمَنِى كلمات وقال لى : منذُ ثلاثين
سنة ما رأيتُ إِنْسِيِّاً . قالوا : نعم ، كان ها هنا أَخَوان يَقْطَعان الطريق
فوقعا على هذا الشيخ فدعا لهما فتابا فليسَ اليوْمَ فى هذه النواحى
أَصْلَحَ مِنْهما . وهذا الشيخ إسحاقُ بن إبراهيم الجمَّال .
القسم الثانى : من لايعرف اسمه من عبّاد جبل اللكّام
٨٦٣ - عابد :
أبو سليمان الدَّارانى قال: مَرَرّتُ فى جَبَلِ اللُّكَامِ فى جَوْفِ الليلِ
فسمعتُ رجُلاً يقولُ فى دُعائه : ياسيِّدى وأَملى ومُؤَمِّلى ومَن به تمَّ عملى
أَعوذُ بِكَ من بدَنِ لا يَنْتَصِبُ بين يديك ، وأَعوذ بك من قلبٍ
لا يشتاق إليكَ، وأَعوذُ بك من دعاءٍ لا يصل إليك، وأَعوذ بك من
عينٍ لا تبكى عايك فعلمت أنَّهُ عَارِفُ فقلتُ له : يافَتِى إِن للعارفين
مقامات ، وللمشتاقين علامات . قال : وما هىَ ؟ قلت : كِتْمان
المصيبات ، وصيانات الكرامات .. فقال لى : عِظنى. فقلت : اذهَب
ولا تُرِد غيره ولا تَرُدّ خيره ولا تبخل بشيئِه عنه . قال : زِدنى . قلت :
اذهب فلا تُرِدِ الدنيا، واتّخِذ الفقر غِنِىٌ، والبلاءَ من الله عز وجل
شفاءً، والتوكل معاشاً ، والجوع حرفة ، واتخذ الله لكل شِدّةٍ عُدّة
فصَعِقٍ صعقة فتركته .