Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ وقد أخبرنا(١) ابن ناصر قال: أَنبأَ أَبوالغنائم بن النَّرْسِّى(٢) قال : رابعة بالباءِ بنقطة من تحتها بصريَّة ، ورابعة بالياء باثنتين من تحتها شامية . أحمد بن أبى الحَوارِىّ قال : قلت لرابعة ، وهى امرأَتِى وقد قامت بليلٍ : قد رأينا أبا سليمان وتعبَّدنا معه، ما رأينا مَن يقوم من أول الليل . فقالت : سبحان الله مِثْلك يتكلَّم بهذا ؟. إنما أُقوم إذا نُوديت ، قال : وجلست آكل وجعلَت تذكِّرنى . فقلت لها : دَعينا يَهنينا طعامُنا . قالت : ليس أَنا وأَنت ممن يَتَنْغَّص عليه الطعام عند ذكر الآخرة . أحمد بن أَبى الحَوارِىّ قال: قالت لى رابعة: أَىْ أَخىٍ أَعَلِمِتَ أن العبد إذا عمل بطاعة الله أطلعه الجبّار على مساوىء عمله فَيَتَشَاغَل به دون خَلْقه ؟ . عن أحمد بن أبى الحَوارِىّ قال : كانت لرابعة أحوالٌ شتى فمرّةً يغلب عليها الحبّ، ومرةً يغلب عليها الأُنس ، ومرة يغلب عليها الخوف فسمعتُها تقول فى حال الحبّ : حَبيبٌ ليس يَعْدِلُه حَبيبُ ولا لِسواهُ فِى قَلبِ نَصيبُ حَبيبٌ غاب عن بصرى وشَخصى ولكن عن فؤادى ما يَغيبُ وسمعتُها فى حال الأنس تقول : ولقد جعلتُك فى الفؤاد محدّثى وأَبحْتُ جسْمى مَن أَرادَ جُلوسى (١) قط : أنباء. (٢) قط: الفوسى. تحريف. والنرسى: نسبة إلى النرس (بفتح النون وسكون الراء) : بلدة بالعراق منها الثياب الترسية . ٣٠٢ وحَبيبُ قَلْبى فى الفؤاد أنيسى فالجسمُ منى لِلْجَليس مُؤانِسٍ وسمعتُها فى حال الخوف تقول : أَلِلِزّاد أَبكى أَم لِطُول مَسافتى؟ وَزَادى قليلٌ ما أَراه مُبلِّغى فأَينِ رَجائى فيك؟ أين محبَّتى (١)؟ أَتَحرقنى بالنار يا غايةَ المُنى أَحمد بن أبى الحَوراىّ قال : سمعت رابعة تقول: إِنِّى لأَضِنّ باللُّقمة الطيبة أَن أَطعمها نفسى، وإنى لأُرى ذراعى قد سَمنَ فأحزن. قال : وربَّما قلت لها : أَصائمةٌ أَنتِ اليوم ؟ فتقول : ما مثلى يُفطر فى الدنيا . قال : وربَّما نظرت إلى وجهها ورَقبتها فيتحرّك قلبى على رؤيتها مالا يتحرّك مع مذاكراتى أصحابنا من أثر العبادة. وقالت لى: لست أُحبك حُبّ الأزواج إنما أُحبك حبّ الإِخوان ، وإِنما رغبت فيك رغبةً فى خِدْمتك، وإِنما كنت أُحِبّ وأَتمنى أن يأكل [مِلْكِى و] مالى مِثْلُك ومثلُ إِخوانك . قال أحمد : وكانت لها سبعة آلاف درهم فأنْفَقْتها علىّ . فكانت إذا طبخت قِدْرًا قالت: كُلَّها ياسيّدى فما نضِجت إلا بالتَّسْبيح . وقالت لى : لست أَسْتَحِلّ أَن أَمنعَك نفسى وغيرى ، اذْهبْ فتزوّج. قال : فتزوّجتُ ثلاثًا، وكانت تُطْعِمُنى اللحم وتقول : اذهب بقوّتك إِلى أَهلك. وكنت إذا أردتُ جِماعها نهارًا قالت: أَسأَلِك بالله لاتُفطِّرنى اليوم، وإذا أردتُها بالليل قالت: أَسأَلَك بالله لما وهبتَى الله الليلةَ. أَحمد بن أبى الحَوارِىّ قال: سَمِعْتُ رابعةً تقول: ما سَمِعْتُ الأَذان إِلَّا ذكرتُ مُنادىَ القيامة، ولا رأَيْت الثَّلج إِلَّ رَأَيْت تَطايُر الصّحف ، ولا رأيت جَرَادًا إِلَّ ذَكرتُ الحَشر . (١) قط : مخافى . ٣٠٣ أحمد بن أبى الحَوارِىّ قال: قالت لنا رابعة نَحُوا عنِّى ذلك الطَّسْت (١) ، فإِذَّما عليه مكتوب: مات أمير المؤمنين هارون الرشيد . قال أحمد : فنظروا(٢) فإذا هو مات ذلك اليومَ. أحمد بن أبى الحَوارِىّ قال : سمعت رابعةً تقول : ربَّما رأيت الجنّ يذهبون ويَجِيثون، وربما رأَيت الحُور العِينَ يستَتِرْنَ منِّى بأكمامهنَّ. وقالَت(٣) بيدها على رأسها. قال أحمد: ودعوت رابعةً فلم تُجبنى . فلما كان بعد ساعة أجابتنى وقالت : إِنَّما مَنعنى من أَن أُجيبك أن قلبى قد كان امتلأَّ فرحًا بالله ، فلم أَقْدِر أَنْ أُجيبك . ٨٢٤ - أم هارون : عبد العزيز بن عمير قال : قالت أم هارون ، وكانت من الخائفين العابدين: قد أَنزلتُ الدنيا منزلَتها . وكانت تأكل الخبز وحده . قالت : بأَبى الليلُ ما أَطيبه، إِنِّى لاغتمّ(٤) بالنَّهار حتى يجىء الليل، فإِذا جَاءَ الليْلُ قُمتُ أَوَّلُه، فإِذَا جَاءَ السَّحَرِ دَخَلَ الرّوحِ قَلْبِى. قال أَحْمد بن أبى الحَوارىّ: وخَرَجَتْ أُمُّ هارون مِنْ قَرْيَتها تُريدُ مَوْضِعَهَا . فصاحَ صبىّ بصبِىّ خذوه . فسقطتْ أُمُّ هارون فَوَقَعَتْ على حَجَرٍ فَدَمَيَت ، فظَهر الدم من مِقِنَعتها (٥). (١) الطست (بفتح فسكون السين): إناء من نحاس لغسل اليد ، مؤنثة أعجمية . إلا أن المؤلف أشار إليها بالمذكر . ط : الطشت ، بالشين ، وقد حكى ذلك أيضاً ، كما قيل ((الطس)) فتكون التاء مبدلة من السين. (٢) قط : فنظرت . (٣) أشارت وحركت يدها . (٤) قط : أهتم . (٥) المقنعة، والمقنع: ( بكسرهما): ما تستر به المرأة رأسها وتغطيه . ٣٠٤ قال : وقال أبوسليمان : من أراد أن ينظر إلى صَعْقٍ(١) صحيح فلينظر إلى أُمّ هارون . وقال أبوسليمان : ماكنت أرى أنه يكون بالشام مثلها . قال أحمد بن أبى الحَوارِىّ : وقالت لى رابعة : ما دهَنت أُمّ هارون رَأْسِها مُنْذُ عِشْرين سنة . فإِذا كشَفْنا رؤوسنا كان شعرها أحسنَ من شعورنا . وبالإِسناد قال أبوبكر القرشى : وبلغنى عن القاسم الجُوعى قال : مرضَتِ أُمّ هارون فأَتينا نعودها أَنا وصاحِبٌ لى ، فدخلنا عليها وهى على طَرف الدّرجَة فسألناها عن حالها : فقلت لها : أُمّ هارون أَيكون من العبّاد مَن يَشْغَله خوفُ النيران عن الشَّوْقِ إِلى الجِنان ؟ فقالت : آه وَسَقَطَتْ عن الدَّرجة مغشيًا عليها . قال قاسم : وكانت أُمّ هارون تأتى بيت المقدس من دمشق كلّ شهر مرة على رجليها . فدخلتُ عليها فَقالت : ياقاسم كُنْتُ أَمْشِى بِبَيْسان (٢) فإذا قد عَرض لى هذه الكابُ الأَسدُ فمشَى نَحوِى . فلما قَرُبَ مِنِّى نَظَرْتُ إليه فَقُلْتُ : تعالَ ياكلب ، إن كان لك رِزْقٌ فَكُلْ . فلمَّا سمع كلامى أَقعىُ ثم ولىّ راجعًا . أَحمد بن أبى الحَوارِىّ قال: قلت لأُمّ هارون: أَتحبِّين الموْت ؟ قالت : لا . قلت : ولِمَ ؟ قالت: لو عصيتُ آدميًّا ما أحببتُ لقاءه، فكيف أُحبّ لقاء الله وقد عَصَيتُه . (١) صعق الرجل (بكسر العين وفتح الصاد) صعقاً ( بفتح الصاد وسكون العين أو فتحها) : غشى عليه أو ذهب عقله من صوت يسمعه . (٢) بيسان ( بفتح فسكون) : قرية فى فلسطين جنوبى طبرية. ٣٠٥ ٨٢٥ - ثومية بنت بهلول (١): ابن أبى الحَوارِىّ قال : سمعت ثُوَيبة بنت بُهاول ، وكانت زاهدةَ دمشق، تقول قُرّةَ عَينى ماطابت الدنيا والآخرة إِلَّ بك فلا تجمع علىّ فقدَك والعذابَ . ٨٢٦ - حمادة(٢) الصوفية : علىّ (٣) بن أَبِىِ الحُرّ قال: دخلت أَنا وخُشَيش الموصلى من باب الجابية وفى يدى كتابٌ جاءنى من حمادة الصّوفية . فَقَرأَت فيه: أبلغْ كلَّ مخزونٍ بالشام عَنِّى السّلام . فانتحب خُشیش على رؤوس الناس . ٨٢٧ - البيضاء بنت المفضل : أَحْمد بن أبى الحوارىّ قال : سمعت أسماء الرملية ، وكانت من العابدات ، تقول : سأَلت البيضاء بنت المفضَّل . فقلت: يا أُختى هل للمحبّ لله دلائلُ يُعرَف بها ؟ قالت : يا أُختى والمحبُّ للسيد يخفى؟ لو جهدَ المحبّ للسيد أن يخفى ماخَفىَ. قلت: صِفيه لى. قالت: لورأيت المحبّ لله عز وجل لرأيتِ عجبًا عجيبًا من واله ما يقرّ على الأَرض، طائر مُسْتَوْحش أُنسُه فى الوحدة، قد مُنع الراحةَ، طعامُه الحُبّ عند الجوع ، وشُربه الحُبّ عِنْد الظمأُ ، لايمل من طُول الخدمة لله تعالى . ٨٢٨ - آمنة الرملية : جعفر بن محمد ، صاحب بشر ، قال : اعتلّ بشر بن الحارث فعادتَه آمنة الرملية من الرّملة (٤). فإِنها لَعِندَه إِذْ دخل أحمد بن حنبل (١) ثويبة: بضم الثاء وفتح الواو. وبهلول: بضم الباء. ق: توينة. والتصويب من ط . (٢) حمادة : بفتح الحاء وتشديد الميم . (٣) ق: ((أحمد)) بدل ((على)) وأثبت ما فى ط. (٤) مدينة مشهورة فى فلسطين . ( م .٢ - صفة الصفوة جـ )) ٣٠٦ يعوده. فقال: من هذه ؟ فقال هذه آمنة الرملية. بإنَها علَّى فجاءت من الرّملة تعودنى . قال: فَسْلها تَدعُو لنا. فقالت: اللهم إن بشْر بن الحارث وأحمد بن حنبل يستجيرانك من النار فأُجرْهما. قال أحمد : فانصرفْتُ فلما كان من الليل طُرِحَت إِلىّ رقعةٌ مكتوبٌ فيها : بسم الله الرحمن الرحيم ((قد فَعلْنا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ)) ذكر المصطفيات من عابدات الشام المجهولات الأسماء ٨٢٩ - مولاة لأبى أمامة - شامية (١): عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال : حدّثتنى مولاة أَبى أمامة قالت : كان أبو أمامة يحب الصَّدقة ويجمع لها ، ولا يردّ سائلاً ولو ببيضة ، ولو بتمرة أوبشىءٍ مما يؤكل . فأتاه سائل ذات يوم وقد أَقْفَر من ذلك كلَّه وما عنده إِلَّ ثلاثة دنانير. فسأله فأعطاه دينارًا. [ثم أَتاه سائل فأعطاه دينارًا. ثم أَتاه سائل فأَعطاه دينارًا]. قالت : فغضبتُ وقلت : لم تترك لنا شيئًا. قالت: فوضع رأسه للقائِلة(٢). قالت: فلما نُودِىَ الظُّهر أَيقظتُه فتوضَّأً ثم راح إِلى مَسجده . قالت : فرقَقتُ عليه وكان صائمًا، فاقْتَرَضْتُ ماجعلت له عَشَاءً وسَرَجْتُ له سِراجًا وجئت إلى فراشه لأُمهِّد له فإِذا بذهَبٍ فعددتُها فإِذا ثلثمائة دينار. قالت قلت: ما صَنع الذى صَنع إلَّا ولقد وَئِق بما خلَّف. فأقبل بعد العِشاء فلما رأى المائدة والسّراج تبسّم وقال : هذا خيرٌ من غيره . قالت : فقمت على رأسه حتى تعشّى. فقلت: رحمك الله خلَّفت هذه النفقة فى سبيل مَضْيعةٍ ولم تُخبرنى فأَرفَعَها ؟ قال : وأَىّ نفقة؟ (١) ق: الشامية، وأثبت ما فى ط . (٢) نوم القيلولة . ٣٠٧ ما خلَّفت شيئًا . قالت: فرفعتُ الفراش فلمَّا أَن رآه فَرح واشتدٌ تعجبه . قالت : فقمت فقطَعت زنَّارى وأسلمت . قال ابن جابر : فَأَدْرَ كتها فى مسجد حمص وهى تُعلِّم النِّساءَ القرآن والسُّنن والفرائض وتُفقِّههنّ فى الدِّين . ٨٣٠ - عابدة أخرى : أحمد بن أبى الحَوارىّ يقول: بينا أَناذات يَوْم فى بلادِ الشَّام فى قُبَّةً مِنْ قُباب المقابر ليس عليها باب، إِلَّا كساءٌ قد أَسبلته . فإِذا أَنا بامرأة تدقَّ الحائط.، فقلتُ : مَن هذا؟ قالت : امرأة ضالَّة ، ◌ُلَّى على الطريق رحمك الله . قلت : عن أَىّ الطريق تَسْأَلين ؟ فبكت ثم قالت : عن طريق النجاة . قلت هيهات ، إِن بيننا وبين طريق النجاة عقابًا(١) وتلك العقاب لا تنقطع إلَّا بالسير الحثيث، وتَصحيح المعاملة ، وحَذف العلائق الشاغلة من أمر الدنيا والآخرة. قال: فبكَت بكاءً شديداً ثم قالت: يا أَحمد سبحان من أَمْسكَ عليك جَوَارحك فلم تنقطع ، وحفظَ. عليك فُؤَادك فلم يتصدّع . ثم خرّت مَغْشيًا عليها . فقلت لبعض النساء : انظُرن أَىُّ شىءٍ حال هذه الجارية ؟ فقُمن إِليها ففتَّشنها فإِذا وصيّتها فى جَيبها : كفَّنونى فى أثوابى هذه فإِنْ كان لى عند الله خَير فهو أَسعَد ◌ِ ، وإِن كان غير ذلك فبُعدًا لنفسى . وحرّكوها فإِذا هى ميتة . فقلت : لمن هذه الجارية ؟ قالوا جارية قُرَشْية كانت تشكو إِلينا وجعًا بجَوفها فكنّا نَصِفها لمتَطَبّبِى الشام ، فكانت تقول : خَلُّوا بينى وبين الطبيب الراهب ، تعنى أَحمد بن أبى الحَوارىّ ، أشكو إليه بعض ما أَجد من بلائى، لعله يكون عنده شِفائى . (١) أى عقبات ومشقات. ج: عقبة. ٣٠٨ ٨٣١ - عابدة أخرى : محمد بن سعد التيمى قال : رأيت جاريةً سوداء فى بعض مدن الشام وبيدها خُوضٌ تَسفُّه(١)، وهى تقول مع سَفِّها : لكَ عِلْمٌ بما يُجنّ فؤادِي فارحَم اليومَ ذِلَّتى وانفِرادي فقلت : ياسوداءَ ما علامة المحبّ ؟ فإِذا رجلٌ قد صُرع بالقرب منها . فنظَرت إِلىّ وإِلى الرجل وقالت: يا بَطَّل ، علامة المحبّ الصادق له فى حبه أَن يقول لهذا المجنون قُم فيقوم . فإذا الرجل قد قام وإِذا الجنيّة تقول لها على لسانه: وحَقّ صدق حُبّك لربك لارجعتُ إليه أَبَدًا . انتهى ذكر أهل الشام بحمد الله ومنّه(٢). ومن المصطفين من أهل عسقلان (٣) ٨٣٢ - آدم بن أبى اياس العسقلانى (٤) : واسم أَبِى إِياس ناهية . وقال البخارى : هو آدم بن عبد الرحمن ابن محمد . ويكنى أبا الحسن، مُولَّى . أَصله من خراسان ومَنْشَؤه ببغداد وبها طلَب العلم، وكتب عن شيوخها ثم رحل إلى الكوفة والبصرة والحجاز والشام واسْتَوْطن عسقلان فعرف بالعَسقلانى ، وكان من الصالحين متمسّكًا بالسّنّة . أَبو على المقدسى قال : لما حضرت آدمَ بنَ أَبِى إِياسِ الوفاةُ ختم القرآن وهو مُسَجَّى. ثم قال : بحبىّ لك إِلَّ رفقتَ بى فى هذا المصرع كنتُ آمُلك لهذا اليوم كنت أرجوك . ثم قال : لا إله إلا الله . ثم قَضَى [نحبه] . (١) تنسجه . والخوص: ورق النخل. ج : خوصة. (٢) الكلمات الثلاث ليست فى ط . (٣) من أعمال فلسطين، على ساحل البحر ، بين غزة وبيت جبرين. (٤) العسقلانى : ليست فى ط . ٣٠٩ أسند آدم عن شعبة والليث بن سعد وخلقٍ كثيرٍ ، وتوفى سنة عشرين ومائتين . ذكر المصطفين من أهل مصر ٨٣٣ - حيوة بن شريح ، أبو يزيد التجيبى : وقال أَبو زُرعة : سَمع من عقبة بن مسلم ، ورَوى عنه الليث . خالد بن الفزر قال : كان حَيْوة بن شُرَيح دعّاءً ، من البكَّائين ، وكان ضَيْق الحال جدًا. فجلستُ إليه ذات يوم وهو مُتَخلِّ وَحْدَه يدعو . فقلت: رحمك الله لو دعوتَ الله عز وجل فوسّع عليك فى مَعِيشَتِك . قال : فالتفتَ يمينًا وشمالاً فلم يَر أَحدًا فأخذ حَصَاةً من الأرض فقال: اللهم اجعلها ذهبًا. قال: فإذا هىَ والله تَبْرَةَ(١) فى كفِّه ، ما رأيت أحسن منها . قال : فرمى بها إِلىّ وقال : ما خَيرٌ فى الدنيا إِلَّ الآخرة. ثم التفت إلىّ فقال: هو أَعلم بما يُصلح عبادَه . فقلت : ما أَصنع بهذه ؟ قال: اسْتَنفِقْها. فهبْتُه والله أَن أُرادَّ.(٢). ٨٣٤ - سليم (٢) ابن عتر : عن الحارث بن يزيد أَن سُلَيم بن عِتْرٍ كان يقرأ القرآن كلّ ليلة ثلاث مرّات . ٨٣٥ - الليث بن سعد يكنى أبا الحارث ، مولى لقيس : ولد سنة ثلاثٍ وتسعين ، واستقل بالفتوى والكرَم بمصر . أبو صالح قال : كنا على باب مالك بن أنس فامتنعْ علينا . فقلنا : ليس يُشبه صَاحبَنا قال: فسمع مالك كلامَنا فأُدخلنا عليه (١) قطعة ذهبية . (٢) راده الشىء ( بتشديد الدال ) مرادة : رده عليه . وراده فى القول : راجعه إياه . (٣) قط: سليمان (!) تحريف . وفى القاموس المحيط: ((سليم (بالتصغير) بن عتر التجرى قاضى مصر)). ٣١٠ فقال لنا : مَن صَاحبكم؟ فقلنا : الليث بن سعد . فقال : تُشبهونى برجلٍ كَتبنا إليه فى قليل عُصفُرٍ نَصْبغ به ثيابَ صبياننا وثيابَ جيراننا فأَنفذَ إِلينا ما صَبغْنا به ثيابَنا وثيابَ صبياننا وثيابَ جيراننا وبعْنا الفَضْلة بألف دينار ؟ محمد بن موسى الصّائغ قال : سمعت منصور بن عمار يقول : تكلمت فى جامع مصر يومًا فإذا رجلان قد وقَفًا على الحلقة فقالا : أَجب اللَّيث . فدخلت عليه فقال : أَنت المتكلِّم فى المسجد ؟ قلت : نعم: قال رُدَّ علىّ الكلامَ الذى تكلَّمتَ(١) به. فأَخذتُ فى ذلك المجلس بعينه . فرقَّ وبكى حتى رحمتُه . ثم قال: ما اسمك؟ قلتُ منصور . قال : ابن مَن؟ قلت: ابن عمَّر. قال: أَنت أَبوالسَّرىّ؟ قلت : نعم . قال : الحمد لله الذى لم يُمتْنى حتى رأيتك . ثم قال: ياجارية. فجاءَّت فوقَفَت بين يديه فقال لها : جيئى بكيس كذا وكذا . فجاءت بكيسٍ فيه ألف دينار فقال : يا أَبا السرِّئُ خذ هذا إليك وصُنْ هذا الكلام أَن تَقِف به على أبواب السَّلاطين، ولا تَمْدَحنّ أَحدًا من المخلوقين بعد مدْحَتِك لربّ العالمين ، ولك علىّ فى كل سنة مِثلها . فقلت : رحمك الله إن الله قد أحسنَ إِلىّ وأَنعمَ . قال : لاتردّ علىّ شيئًا أَصِلُك به، فَقَبَضْتُها وخرجت. قال: لاتُبطىء علىّ. فلما كان فى الجمعة الثانية أَتيته فقال لى: اذكُر شيئًا فتكلَّمت. فبكًا وكَثُر بكاؤه فلما أردت أن أَقوم قال : انظُر ما فى ثِنْىٍ هذه الوسادة وإِذا خمسمائة دينار . فقلت : عَهدى بصِلَتك بالأَمس (٢) . قال: لا تردّنَّ علىّ شيئًا أَصِلُك به . متى رأيتك ؟ قلت: الجُمعة الداخلة. (١) طلب منه إعادة الحديث الذى تكلم به فى جامع مصر. (٢) أى قريب . ٣١١ قال : كأَنك فَتَتَّ عضوًا من أعضائى . فلما كانت الجُمعة الداخلة أَتيته مُوَدْعًا فقال لى: خذ فى شىءٍ (١) أَذكُرك به. فتكلَّمت فيكا وكثُر بكاؤه. ثم قال لى يامنصور انظُر ما فى ثنْي الوسادة . فإذا ثلثمائة دينار قد أَعدّها للحج . ثم قال : ياجارية هاتى ثيابَ إِحرام منصورٍ . فجاءت بإِزارٍ فيه أربعون ثوبًا. قلت: رحمك الله أكتفِى بثوبين ، فقال لى : أَنت رجل كريم ويُصحبك قومٌ فأعطِهم . وقال للجارية التى تحمل الثياب معه : وهذه الجارية لك . سليم بن منصور قال : سمعت أبى يقول : دخلت على الليث بن سعد يوماً فإذا على رأسه خادِم . فغمَزه فخرج . ثم ضرب الليث بيده إلى مُصَلاَّه فاستخرجَ من تحته كيساً فيه ألف دينار ، ثم رَمى بها إِلىّ . ثم قال : يا أَبا السّرىّ لا تُعِلم ابنى فتَهون عليه . الحسن بن عبد العزيز قال : قال لى الحارث بن مسكين اشترى قوم من الليث بن سعد ثمرةً فاستغلَوْها(٢) فاستَقَالوه فأَقالهم . ثم دعا بخريطةٍ (٣) فيها أكياسٌ فأَمر لهم بخمسين ديناراً ، فقال له الحارث ابنُه فى ذلك ، فقال: اللهلم غُفْرًا إِنهم كانوا قد أَمَلُوا فيها (٤) أَملاً فأحببت أن أَعوّضهم عن أملهم بهذا . سعيدٌ الآدمُ قال مَرَرْت بالليث بن سعد فتنحنَح لى فرجعتُ إليه، فقال لى ياسعيد خُذ هذا الفُنْداق (٥)، ( فاكتب لى (١) أى باشر وابدأ بما تريد من الموعظة والكلام. (٢) قط : فاستقلوها . (٣) وعاء من أدم وغيره يشرح على مافيه أى يشد ويجمع. (٤) قط : فى ذلك . (٥) الفنداق ( بضم الفاء وسكون النون): صحيفة الحساب. ج فناديق . ط : القيذاق، تحريف ، وكذا فى موضعها التالى . ٣١٢ فيه مَن يلزم المسجدَ ممن لا بضاعة له ولا غُلّة . قال : فقلت : جَزَاك الله خيراً يا أبا الحارث . وأخذت منه الفُنداق ثم صِرُتُ إِلى المنزل ، فلما صلّيت أَوقدتُ السِّراج وكتبت بسم الله الرحمن الرحيم . ثم قلت : فلان بن فلان . ثم قلت : فلان . فبينا أنا على ذلك إِذْ أَتانى آتٍ فقال : ها الله (١) ياسعيد تأتى إلى قوم عاملوا الله عز وجل سِرّاً فتكَشِفُهم لآدمى؟ مات الليث ومات شُعيب بن الليث ، أليس مَرجِعهم إلى الله الذى عامَاوه ؟ قال فقمتُ ولم أكتب شيئًا . فلما أَصبحت أَتيت الليث ابن سعد - (٢) ) فلما رآنى تَهَلْل وجهه فناولته الفنداق فنشَره فأَصاب فيه (٣) بسم الله الرحمن الرحيم . ثم ذهبَ ينشره (٤) . فقلت له : ما فيه غير ما كتبت فقال لى : ياسعيد وما الخَبر ؟ فأخبرته بصدقٍ عما كان . فصاح صيحةً ، فاجتَمَعَ عليه الخَلقْ فقالوا : يا أَبا الحارث أَليس ء خيراً ؟ فقال : ليس إلا خيرٌ . ثم أُقبل علىّ فقال : ياسعيد تَبَيَّنْتَها (٥) وحُرِمتُها صَدقت - مات الليث أَليس مَرجِعُهم إلى الله ؟ قال عليّ بن محمد : سمعت مِقدام بن داود يقول : سعيدٌ الآدَم هذا يقال إنّه من الأَبدال ، وقد كان رآه مِقدامٌ . عبد الملك بن يحيى بن بكير قال : سمعت أبى يقول : وصَل الايثُ بنُ سعد ثلاثةَ أَنفس بثلاثة آلاف دينار : احترقت دارُ ابن لهيعَة فبعث إليه بأَلْف دينار، وحَجِّ فأَحدَى إليه مالك بن أنس رُطَباً (١) ط: والله .. (٢) سقط ما بين القوسين من ب وألحقها بالهامش بلفظ (فقال لى خذ هذا القيذاق (كذا) وأحص إلى فيه المنقطعين بالمسجد . فأخذته وجئت إليهم فوجدت فى المسجد جماعة فقلت : هاتوا أسماءكم لتجرى عليهم النفقة ... الليث بن سعد فقالوا: لا سبيل إلى هذا ... مات) وبعده محو . (٣) وجد . (٥) ط : بينتها . (٤) يفتحه . ٢١٣ على طبقٍ فردُّ إليه على الطبق أُلفَ دينار ، ووصّل منصور بن عمار بألف دينار ، وقال : لا يَسمُع بهذا ابنى فتَهُون عليه . فبلغ ذلك ◌ُعيب ابن الليث فوصَله بأَلْف دينار إلاّ ديناراً، وقال : إِنما نقصتُك هذا الدينار لئلا أُسُاوِى الشيحَ فى الْعَطِيّةِ. محمد بن رُمح قال : كان دخْلُ الليث بن سعد فى كل سنة ثمانين ألف دينارٍ وما وجَب لله تعالى عليه زكاةٌ قَطَّ .. سليم بن منصور قال : سمعت أبى يقول: كان الليث بن سعدَ يسْتِغِل فى كل سنة خمسين ألف دينار فيَحُول عليه الحَوْل وعليه دَيْن . أَسند الليث عن خلق كثير من التابعين كَعَطاء ، ونافع ، وأبى الزّبير، والزُهْرىّ . وقيل إنه أَدْرك نيّفاً وخمسين تابعياً . وَتُوفى يوم الجمعة لأَربع عشرة ليلةً بقيت من شَعْبان من سنة خمس وسبعين ومائة ودفن بعدَ الجُمعة . ٨٣٦ - المفضل بن فضالة القتبانى (١) : وقِتْبان من اليمن . قاضى مصر سمع عقيل بن خالد - كذا (٢) ذكره البخارى . ابن رغبة قال كان مفضّل بی فُضالة قاضياً علينا، وكان مجابَ الدعوة، وكان مع ضعفه طويل القيام، وحدثنى مَن أَثِقِ به أنه دعا الله عز وجل أَنْ يَذهب عَنْه الأَّمل ، فذهب عنه فلم يَصبر فَدعا الله أن يردّه عليه . ومن الطبقة التى تلى هؤلاء ٨٣٧ - عبد الله بن وهب مولى لقريش : أَحمد بن سعيد الهمدانى قال: دَخَل ابن وَهْب الحّمامِ فَسَمِعَ قارئاً (١) نسبته إلى قتبان (بكسر القاف وسكون التاء): وهو موضع فى نواحى عدن. (٢) ط : كذلك . ٣١٤ يَثْرَأَ: ((وإِذ يتَحاجُون فى النَّارِ (١))) فسقطً. مغشياً عليه فغسلت عنه النُورة (٢) وهو لا يَعَقل . خالد بن خِداش قال : قرىُ على عبد الله بن وهب كتابُ أَهْوال القيامة فخرّ مغشياً عليه . فلم يتكلم بكلمة حتى مات بعد ذلك بأيام ، وذلك بمصر سنة سبع وتسعين ومائة . أَسند ابن وهب عن الأئمة كالثورى ومالك وشُعبة . ٨٣٨ - أبو يعقوب يوسف بن يحيى البويطى : أَبو الوليد بن أبى الجارود قال : كان أَبو يعقوب البَوبْطِى جَارِى . قال : فما كنت أَنتبه ساعةً من الليل إلا سمعته يقرأ ويصلىّ . قال الربيع : كان أبو يعقوب أَبداً يحرّك شفتيه، يَذكر الله عز وجل أَو نَحْوَ ما قال . الربيع بن سليمان قال : رأَيت البُوَيَطِى على بَغل فى عُنقهُ غُلَّ ، وفى رجليه قَيْد ، وبين الغُلّ والقَيد سلسلةُ حديدٍ فيها طُوبة (٣) وزنها أربعون رطلًا، وهو يقول: والله لأَموتنّ فى حديدى هذا حتى يأتى مِن بعدِى قومٌ يعلمون أنه قد مات فى هذا الشأن قومٌ فى حَدِيدهم ، ولئن أُدُخِلت إليه لأَصْدُقته . يعنى الواثق . أَسند البويطى عن عبد الله بن وهب والشافعى وغيرهما . و کان قد جَمع بين الفقه والتقوى وامتُحن فلم (٤) يُجِب . على بن عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى المصْرى قال : حدثنا أبى قال : حُمل البويطى من مصر أيام الفتنة والمحنةٍ (١) غافر : ٤٧ . (٢) بضم النون: حجر الكلس ممزوجاً بأخلاط أخرى ، تستعمل لإزالة الشعر . (٣) آجرة ، ج طوب . وهى بلغة أهل مصر. (٤) إشارة إلى المحنة بالقرآن وخلقه فى العراق . ٣١٥ بالقرآن إلى العراق فأَرَادوه على الفِتْنة فامتنع فسُجن ببغداد وقُيّد وأَقام مسجوناً إِلى أَن توفىّ فى السجن والقيدِ ببغداد سنة اثنتين وثلاثين ومائتين - وقال غيره : سنة إحدى وثلاثين . ٨٣٩ - ذو النون المصرى ابن ابراهيم، أبو الفيض : أصله من النوبة (١) وكان من قرية من قرى صعيد مصر يقال لها إخميم(٢) . فنزل مصر ويقال اسمه الفيض. ويقال ثَوْبان، وذو النون لقب. وكان أبوه إبراهيم مولىّ لإسحاق بن محمد الأنصارى، وكان له أربعة بنين : ذو النون ، وذو الكِفْل، وعبد البارى ، والهميْسَع . ابن الجلاء قال : لقيت ستمائة شيخ ما لقيتُ فيهم مثل أربعة : أحدهم ذُو النون . أبو بكر محمد بن خلف المؤَدِّب قال : رأيت ذا النون المصرى على ساحل البحر فلما جُنّ الليل خرج فنظر إلى السماءِ والماءِ فقال : سبحان الله ما أَعظم شأنكما . بل شأْنُ خالِكما أعظمُ منكما ومن شأُنكما . فلما تهوّر الليل(٣) لم يزلُ ينشد هذه الأَّبيات إِلى أَن طَلع عَمودُ الصباح(٤): مثلَ ما وَجَدْتُ أَنَا لِنْفُسِكُمْ اطلبوا ليسَ فى هَوَاهُ عَنا(٥) قد وجدتُ لى سكَناً أَو قَرُبْتُ مِنه دَنا إِن بَعُدْتُ قرّبَنى يوسف بن الحسن يقول : سمعت ذا النون يقول : بصحبة (١) بضم النون : بلاد واسعة من السودان ، جنوبى مصر ، بعد أسوان . (٢) بكسر أوله : على شاطىء النيل . (٣) تهور الليل: ذهب . وقيل: ولى أكثره وانكسر ظلامه. (٤) ط : الصبح . (٥) تعب . ٣١٦ الصالحين تطيب الحياة والخير مجموع فى القرين الصّالح إن نسيتَ ذكّرك ، وإِن ذكّرتَ أَعانك . إسرافيل قال: حضرتُ ذا النون فى الحبس ، وقد دخل الجِلْواز(١) بطعامٍ له فقام ذو النون فنفض (٢) يده فقيل له : إِن أخاك جاء به. فقال: إنّه على يدى ظالم . قال: وسمعت رجلاً سأل ذا النون فقال : رحمك الله ما الذى أَنصَبَ العباد وأَضْنَاهم ؟ فقال له : ذِكْر المقام ، وقلّة الزّاد ، وخوفُ الحساب . ولَم لا تَذوب أَبدان العمّال وتَذهل عقولُهم ، والعَرْضُ على الله أَمَامَهم وقِراءَةُ كتبهم بين أَيْديهم ، والملائكة وقوف بين يدى الجبّار يَنْتظِرون أَمره فى الأَخْيَارِ والأَشْرار؟ ثم قال : مثَّلوا هذا (٣) فى نفوسهم وجعلوه نَصب أعينهم. قال : وسمعت رجلاً يسأل ذا النون: متى تصحّ عُزلة الخلق؟ فقال : إِذا قَويتَ على عُزلة النفس . يوسف بن الحسين قال : قلت لذى النون فى وقت مَفَارقتى له : من أُجَالس ؟ قال : عليك بصحبة مَن تُذكّرك الله عزّ وجل رؤيتُه، وتقع هيبتُه على باطنك ، ويزيد فى عملك مَنطِقُه ، ويزهّدك فى الدنيا عَملُه ، ولا تَعصى الله ما دمتَ فى قُربه، يَعظُكَ بلسانِ فِعْله، ولا يَعَظك بلسان قوله . وسمعت ذا النون يقول سَقَمُ الجسد فى الأَوْجاع ، وسَقَمُ القلوب فى الذّنوب، فكما لا يجد الجسد لدّة الطعام عند سَقَمِه، كذلك لا يَجد القلب حلاوةَ العِبادة مع الذنوب . وسمعته يقول : من لم يَعرف قدر النّعم سُلبَها من حيث لا يَعلم . ١ ١ (١) الجلواز: (بكسر الجيم) الشرطى . ج . جلاوزة. (٢) ب : فقبض. (٣) ط : هذه، خطأ . ٣١٧ يوسف بن الحسين قال : سمعت ذا النون يقول : ما خلع الله عزّ وجلّ على عبدٍ من عَبِيده خِلْعةً من العَقل ، ولا قدّده قِلادةً أجملَ من العِلم ، ولا زيّنه بزينةٍ أَفضلَ من الحِلْم ، وكمالُ ذلك كلّه التقوى. عبد القدوس بن عبد الرحمن قال : سمعت ذا النون يقول : إِلهى لو أَصبتُ مَوْئِلاً فى الشدائد غيرَك، أَو ملجأً فى النَّوَازِل ◌ِوَاك لحقّ لى أن لا أَعرِض إليه بوجهى عنك، ولا أَختاره عليك لقديم إِحسانك إِلىّ وحديثهِ ، وظاهر مِنّتك علىّ وباطِنها ، ولو تقطّعت فى البلاءِ إِرْبا إِزْباً أَو انْصَبّت علىّ الشَّدائد صَبّاً صَبّاً ولا أَجد مْشتكى لبثّى غيرَك ولا مُفرّجاً لِما بِى ◌ِواك ، فياوارث الأَرض ومَن عليها ، وياباعث جميع مَن فيها وَرّث آمِلى فيك مني أَملى، وبلغ هِمّتى فيك مُنتهى وَسائلى. محمد بن أحمد بن سَلمة النيسابورى قال : سمعت ذا النون يقمول احذَرْ أَن تنقطع عنه(١) فتكونَ مخدوعًا. قلت : فكيف ذلك؟ قال : لأَن المخْدوع مَن ينظر إِلى عَطَاياه فينقطع عن النظر (٢) إِليه بالنظر إلى عطاياه . ثم قال : تعلَّق الناسُ بالأسباب وتعلَّق الصّدّيقون بِوَلِىّ الأسباب . ثم قال : علامةُ تعلُّق قلوبهم بالعطايا طَلبُهم منه العطايا ، ومن علامة تَعَلُّق قلبِ الصديق بولىّ العطايا انْصِبَابُ العطايا عليه وشُغله عَنها به . ثم قال: ليكن اعْتِمَادك على الله عز وجل فى الحال ، لا على الحال مع الله . ثم قال : اعقِل فإِنَّ هذا من صفة التوحيد . محمد بن أحمد بن سلمة قال : سمعت ذا النون يقول ، وقد سأَلْتُه عند الفراق أَن يُوصيَنى فقال: لايَشْغَلنَّك عيوبُ الناس عن (١) أى عن الله تعالى. (٢) ب : عن الله. وهذه الجملة الأخيرة ليست فى قط. ٣١٨ عَيْب نفسك ، لستَ عليهم برقيب . ثم قال : إن أُحبّ عباد الله إلى الله عز وجل أَعقلُهم عنه، وإنما يُستدَلّ على تمام عقل الرجل وتواضُعه فى عقله بحُسن استماعه المحدّث إِن كان به عالماً وسرعة قبوله للحق وإن كان ممن هو دونه ، وإقراره على نفسه بالخطأ إذا جاءَ منه . سعيد بن عثمان قال : سمعت ذا النون يقول : من ذكر الله على حقيقةٍ نَسى فى جنبه كلّ شىءٍ ، ومن نَسِىَ فى جَنْب الله كلّ شىءٍ حفظ. الله عز وجل عليه كلّ شىءٍ، وكان له عِوضًا من كلّ شىءٍ. قال : وسمعته يقول : أَكثر الناس إِشارةً إِلى الله فى الظاهر أَبعَدُهم من الله . قال : وسمعته يقول : إِلَّى إِن كان صغُر فى جنب طاعتك عَملى فقد كَبُر فى جَنب رجائك أَملِى . وسُئل عن الآفة التى يُخدع بها المريد عن الله عز وجل ؟ فقال : برؤية الكرامات. قيل (١) فبمَ يُخدع قبل وصوله إلى هذه الدرجة؟ قال : بِوَطْءٍ(٢) الأَعقاب وتعظيم الناس له . قال: وسمعته يقول : من ذَبح حَنْجَرة الطَّمع بسيف اليأس، ورَدمِ خَنْدَقَ الحِرص ؛ ظفِر بكيمياءِ الخدمة ، ومن استقى بحبل الزّهد على دَلْو المعروف ؛ استقَى من جُبّ الحكمة ، ومن سللَك أَودية الكَمد جَنَى حياة الأَبد، ومن حَصد عشب الذنوب بِمِنْجَل الورَعِ أَضاءَت له رَوْضة الاسْتِقَامة ، ومن قطَع لسانه بشَفْرة الصَّمْت وجَد عذوبة الراحة ، ومن تَدَرّع دِرْعَ الصّدق قوِىَ على مُجَاهَدَة عسكر الْبَاطل، ومن فرح بِمِدْحةٍ الجاهلِ أَلْبَسَه الشيطان ثَوب الحماقة. (١) ط : فقيل . (٢) ط : بوطىء. ٣١٩ أبو عثمان ، سعيد بن عثمان، قال : سمعت ذا النون يقول : ماطابت الدنيا إِلَّ بذكره (١)، ولاطابت الآخرة إِلَّ بِعَفْوه، ولا طابت الجنة إِلَّا برؤيته . يوسف بن الحسين قال : سمعت ذا النون يقول : دَوام الفقر إلى الله تعالى مع النَّخْليط. أُحبّ إِلىّ من دوام الصفاءِ مع العُجب(٢). محمد بن عبد الملك قال : سمعت ذا النون يقول ما أَعزّ الله عز وجل عبدًا بعزِّ هو (٣) أَعِزُّ له من أَن يَدُلَّه على ذلّ نفسه، وما أَذلّ الله عز وجل عبدًا بذُلُّ هو أذلّ له من أَن يحجبه عن ذلّ نفسه . هلال بن العلاء قال : قال ذو النّون: من تَطأطأً لَقط. رُطَبًا ومن تَعالى لِقِىَ عطَبًا . سعيد بن عثمان قال : سمعت ذا النون يقول : لا تثِقنّ بمودّة مَن لا يحبّك إِلَّا معصومًا. وقال: من صحبك ووافقك على ما تحبّ، وخالفك فيما تكره فإِنما يَصْحَب هواه، ومن صحب هَواه فإِنَّما هو طالبُ راحة الدنيا . وسمعته يقول : كلّ مطيعٍ مُسْتَأَنس ، وكل عاصٍ مستوحش ، وكلّ محبٌّ ذليلٌ ، وكل خائفٍ هاربُ ، وكلّ راج طالبٌ . يوسف بن الحسين قال : سمعت ذا النون يقول : أَنت مَلك مقتدر وأَنا عبدٌ مفتقر، أسألك العفو تذلُّلاً فأعطنيه تفضُّلاً. وسمعْته يقول : مِن المُحال أَن يَحسُن منك الظن ولايَحسن منه المنّ . أبوعثمان ، سعيد بن عثمان الخيَّاط ، يقول : سمعت ذا النون يقول: لم أَرَ شَيْئًا أَبعث لطلب الإِخلاص مثلَ الوحدة، لأَنّه إذا خلا (١) أى بذكر الله. (٢) التيه والكبرياء. (٣) ق : وهو ، وأثبت ما فى ط . ٣٢٠ لم يَرغير الله ، فإذا لم يَرغير الله لم يحرّكه إِلَّ حُكم الله ، ومن أُحبٌ الخُلْوة فقد تعلَّق بعمود الإِخلاص . قال فتح بن شَخْرَف(١) : دخلت على ذى النون عند موته فقلت له : كيف تَجدك ؟ فقال : ولا رَوِيَتْ من صِدْق حُبّك أَوْ طَارِى أَموت وَمَا مَاتَتْ إِليك صَبابَتی وأَنت الغِنَى كلُّ الغِى عند إِقْتَارِى مُنَاىَ المُتِى كلّ المنى أَنت لى مُنِّى ومَوْضِع آمالى وَمَكْنونُ إِضْمَارِى وأنت مدی سُؤْلی(٢) وغائُ رغبتی وإِن طال ◌ِرِّى فيك أوطال إظهارِى تضمَّن قلبى منك مالَك قد بَدَا وبينَ ضُلوعى منكَ مَالا أَبُّه سَرائرُ لايَخْفَى عليك خَفِيُّها فَهَب لى نَسيمًا منك أَخْيَا بِرُوحه ولم أُبدِ باديه لأَهلٍ ولاجارٍ وإِن لم أَبُح حتى النَّنادِى بأسرارِى وجُدلى بيُسر منك يطرُد إِعسارِى من العلم فى أيديهمُ عُشرَ مِعشار أَنرتَ الهُدى للمهتدين ولم يكن وعَلْمتهم عِلْمًا فبأتُوا بنوره وبانت(٣) لهم منه مَعالِمُ أَسرارِ لِما غاب عنها منه حاضِرةُ الدار مُعَاينةً للغيب حتى كأَّها تراكَ بأَوهامِ حَديداتِ أَبصار وأَبْصَارهم مَحْجوبة وقلوبُهم على قدرٍ والهمّ يَجرى بمقدار جمعتَ لها الهمّ المفرّق والتقَى وعصمةً من أمسی علی جُرُفٍ هارِ ألستَ دليل القوم (٤) إِن همتحيِّروا؟ (١) بفتح الشين والراء. كان أحد العباد السياحين. ثم سكن بغداد. وكان قليل المسانيد كثير الحكايات توفى سنة ٢٧٣ هـ . (٢) ق: سولى، وهو مخفف (سولى). (٣) وضحت وظهرت . ط : وباتت ، تصحيف . (٤) ط : الركب ، وهى رواية نسخة أخرى كما فى هامش ق .