Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ ما استحقَّ اسمَ السخاءِ من ذكَر العطاءَ ولا من لَمحَهُ بقلبه ، وإِنما يستحقّه مَنْ ذَسِيَه حتى كأَنه لم يُعطَ . . أبو عتمان النيسابورى قال : خرجنا جماعةً مع أستاذنا أَبى حفص النيسابورى إلى خارج نيسابور ، فجلسنا ، فتكلّم عاينا الشيخ فطابت أَنفسُنا. ثم بصُرْنا بأَيّلٍ (١) قد نزل من الجَبَل حتى بَرك بينَ يدِى الشيخ . فأَبكاه ذلك بكاءً شديداً. فلمَّا هدأَ الشيخُ سألناه فقلنا له : يا أُستاذ تكلَّمت علينا وطابت قلوبنا فلما جاءَ هذا الوحش وَبَرَكَ بين يديك أَزعجك وأَبكاك فأَحببنا أَن نَعْرف فِقه ذلك؟ فقال : نعم رأيت اجتماعكم حَولى وقد طابت قلوبكم ، فوقع فى قلبى لو أَن شاةً ذبحتها ودعوتهم عليها . فما تحكّم هذا الخاطرُ حتى جاءً (هذا ) الوحش فَبرك بين يدىّ فخُيّل لى أَنِّى مثل فرعون الذى سأَل ربَّه أَن يجرى له النيل، فأَجراه له . قلت: فما يؤمننى أن يكون الله تعالى يعطينى كلَّ حظ لى فى الدنيا وأَبقى فى الآخرة فقيرًا لاشىءَ لى ؟ فهذا الذى أَزْعجنى . تُوفىّ أبو حفص سنة سبعين ومائتين . ويقال سنة سبع وستين ، ويقال أربع وستين ، ويقال خمس وستين ، ولا نعرف له مسندًا(٢) إِلا أَنه قد رافق أَحمد بن خضرويهْ (٣) البَلْخى وغيره من العبّاد (والسلام)(٤) (١) الأيل : حيوان من ذوات الظلف، للذكر منه قرون متشعبة . (٢) ق: ولا يعرف له مسنداً)). وعليه يجب رفع (مسند) لأنه نائب فاعل ليعرف . (٣) ط : حصرويه . (٤) زيادة من ط . ١٢٢ ٦٨٥ - على بن شعيب السقاء : حجّ نَيّفًا وخمسين حُجّة . أَحرم فى كلّ حجّةٍ من نيسابور ، وكان يصلى فى البادية عند كلّ ميل ركعتين ، ثم يقول : قال الله عز وجل (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لهم)(١) وهذه منافع فى حَجّى(٢) (والسلام) ٦٨٦ - ابو صالح حمدون بن أحمد بن عمارة القصار : عبد الله بن مبارك قال : قيل لحمدون بن أحمد : مابال كَلام السلف أَنفع من كلامنا قال: لأَنهم تكلَّموا لِعِزّ الإِسلام ونجاةٍ النفوس ورضا الرحمن ، ونحن نتكلم لعز النفوس وطلَب الدنيا ورضا الخَلْقِ . وقال : كفايتك تُساق إليك من غير تعب ولانَصب ، وإِنما التعب فى الفضول (٣) . عبد الله بن مبارك قال : سَفِهَ(٤) رجل على حمدون ، فسكت حَمدون عنه وقال : يا أَخى لونقَصْتَنى كلّ نَقْص لم تنتقصْنى كنَقصى عندى (٥) . ثم قال : سفِهَ رجلٌ على إسحاق الحنظلى فاحتمله وقال لأَىِّ شىءٍ تَعَلَّمنا العِلْمِ .؟ عبد الله الحجَّام قال : قال حمدون: إِذا رأَيت سكرانًا فمايلْ لئلا تنعَى عليه (٦) فتُبتلَى بمثل ذلك. قال السلمى: وقال حَمدون : من نظر فى ◌ِيرَ السَّلف عَرف تَقصيره وتخلُّفه عن درجات الرجال. وقال لا تُفشِ على أَحدٍ ما تحبّ أن يكون مستورًا منك. (٢) ق : حجتى . وأثبت ما فى ط . (١) الحج ٢٨ . (٣) الزيادة وما يفضل عن الحاجة. (٤) سفه الرجل ( بضم الفاء وكسرها) : كان سفيهاً . (٥) نظرى وعند نفسى . (٦) يقال: نعى على الرجل شهوته: عابه بها . وفلان ينعى على فلان بالفاحشة: أ يظهرها ويشهرها . وفى ق : تبغى . ١٢٣ وقال : من استطاع منكم أن لايعمَى عن نقصانِ نفسه فليفعلْ . أَسند حمدون عن إبراهيم الزرّاد ، عن ابن نمير ، وصحب أبا تراب النخشبى ، وتوفىّ سنة إحدى وسبعين ومائتين بنيسابور . ٦٨٧ - أبو بكر عبد الله بن محمد بن زيد بن واصل النيسابورى : جمع بين علم الحديث والفقه والتقوى ، وسمع من محمد بن يحيى الذُّهلّ والحسن بن محمد الزعفرانى وعباس الدّورى ، فى خلق كثيرٍ ، وكان من الحفّاظ المتقنين . كان الدارقطنى يقول: ما رأينا فى مَشَايخنا أَحْفظ. منه للأَّسانيد ولمتون ، وكان أَفقه المشايخ . أبوبكر النيسابورى قال : أَعرف من أقام أربعين سنة لم ينم الليل ويَتَقوّت (١) كل يوم بخمس حبات، ويُصلى صلاة الغداة على طَهَارة ◌ِشاءٍ(٢) الآخرة. ثم قال: أَنا هو وهذا كلَّه قبل أَن أَعرف أم عبد الرحمن ، أَىّ شىءٍ أَقول لمن زوّجنى؟ ثم يقول(٣) فى أَثر هذا: ما أَراد إلا الخير . توفى أبوبكر النيسابورى فى شهر ربيع الآخر من (٤) سنة أربع وعشرين وثلمائة . ذكر المصطفين من عابدات نيسابور ٦٨٨ -- فاطمة النيسابورية : محمد بن الحسن بن على بن خلف قال : سمعت ابن ملوك وكان شيخًا كبيرًا رأَى ذا النّون المصرى قال: وسألته مَنْ أَجَلُّ مَن رأَيتَ ؟ (١) ط : يتقون (بلا واو). (٢) ط: ((يصلى صلاة الغداة على طهارة العشاء ... )). (٣) ط : قال . (٤) من : ساقطة من ط . ٠٠۔ ١٢٤ قال : ما رأيتُ أَجلّ من امرأة رأيتها بمكة يتمال لها فاطمة النيسابورية وكانت تتكلَّم فى فهم القرآن ، وتعجَّبت منها ، فسأَلت ذا النون عنها فقال لى : هى وليّة من أولياء الله عزوجل وهى أُستاذى . فسمعتها تقول : من لم يكن الله عز وجل منه على بال فإنه يتخطَّى فى كل ميدان ويتكلَّم بكل لسان ، ومن كان الله منه على بال أخرسه إِلا عن الصدق وألزمه الحياءً منه والإِخلاص . قال : وقالت فاطمة : الصادق المقرّب فى بحر تضطرب عليه أَمواجٌ ، يدعو ربه دعاءَ الغريق يسأل ربه الخلاص والنجاة . وقالت فاطمة : مَن عمل الله على المشاهدة فهو عارفٍ ، ومَن عملَ على مشاهدة الله إياه فهو مخلص . قال السَّلمى : كانت فاطمة النيسابورية من قُدماءِ نساءِ خراسان أتى إليها أبو يَزِيد البسطامى، وسأَلها ذوالنون عن مسائل ، وكانت مجاورةً بمكة ، وربما دخلت إلى بيت المقدس ثم رجعت إلى مكة . وقال أبويزيد البسطامى : ما رأيت فى عمرى إلا رجلاً وامرأة (١)، والمرأة فاطمة النيسابورية، ما أخبرتها عن مَقَام من المقامات إلا وكان الخَبَر لها عيانًا . وقال لها ذو النون : عِظينى، وقد اجتمعا ببيت المقدس، فقالت له : الزم الصدق وجاهد نَفْسك فى أَفعالك . ماتت فاطمة بمكة فى طريق العمرة سنة ثلاث وعشرين ومائتين. (١) أى : كاملين . ١٢٥ ٦٨٩ - عائشة بنت أبى عثمان سعيد بن اسماعيل الخيرى (١) النيسابورى: أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمى قال : كانت عائشة بنت أبى عثمان من أزهد أولاد أبى عثمان وأَوْرعهم وأحسنهم حالاً ووقتًا. وكانَت مجابة الدعوة ، سمعتُ ابنتها أُم أَحمد بنت عائشة تقول : قالت لى أُمى : لَاتَفْرَحِى بِفَانٍ، ولاتَجزعى مِن ذاهبٍ، وافرحى بالله عز وجل ، واجزعى من سُقوطك من عَين الله عز وجل . وسمعتها تقول : قالت لى أُمىّ الزمى الأَدب ظاهرًا وباطنًا فما أَساءَ أَحدُ الأَدب فى الظاهر إِلَّ عوقب ظاهرًا ولا أَساءَ أَحدُ الأَدب باطنًا إِلا عوقب باطنًا . وقالت عائشة : من استوحش من وحدته فذاك لقلَّة أَنسِه بربه. وقالت من تهاون بالعبد فهو من قلَّة معرفته بالسيد فمن أحب الصانع أَحبّ صنعته(٢). ماتت عائشة سنة ستٍّ(٣) وأربعين وثلثمائة . انتهى ذكر أهل نيسابور بحمد الله ومنّه( ٤) ذكر المصطفين من أهل طوس ٦٩٠ - محمد بن أسلم ، أبو الحسن الطوسى : أَبو عبد الله محمد بن القاسم الطوسى ، خادم ابن أسلم ، قال : سمعت إِسحاق بن راهويه يقول : لم أسمع بعالم منذ خمسين سنة كان أَشدّ تمسّكًا بأَثر النبى صلى الله عليه وسلم من محمد بن أسلم . (١) ط : أبى إسماعيل الخيرى ، خطأ . (٢) ضمير الهاء يعود على الصانع . (٣) ط : ستة ، خطأ . (٤) بحمد اللّه ومنه: ليست فى ط . ١٢٦ قال أبو عبد الله وكتب إلىّ أَحمدبن نصر أن كتُبْ إِلىّ بحال محمد ابن أَسلم فإنه رُكن من أَرْكان الإِسلام . قال أبو عبد الله: وقال لى محمد بن أسلم : يا أَبا عبد الله مالى ولهذا الخلق ؟ كنتُ فى صلب أبى وَخْدى ، ثم صرت فى بطن أمىِّ وَحْدى ثم دخلت الدنيا وَحدى ، ثم يُقبض روحى وحدى ، ثم أَدخل فى قبرى وحدى ، ثم يأتينى منكر ونكيرٌ فيسأَلانى وحدى فإن صرتُ إلى خيرٍ صرتُ وحدى ، ثم يُوضع عملى وذنوبي فى الميزان وحدى ، وإن بُعثت إِلى الجنة بُعثت وحدى ، وإن بُعثت إلى النار بُعثت وحدى فمالى وللناس؟ ثم تفكّر ساعة فوقعت عليه الرِّعْدة حتى خشيت أن يسقط . . وصحبتُه نيّفًا وعشرين لم أره يصلى حيث أَراه ركعتين من التطوع إِلا يَوم الجمعة ، ولايسبّح ولا يقرأ حيث أراه ولم يكن أَحد أَعلم بسرّه وعلانيته منِّی . وسمعته يحلف كذا كذا مرّة : لو قدرتُ أَن أَتطوع حيث لايرانى ملكاى لفعلت ، ولكنى لا أستطيع ذلك خوفًا من الرثاءِ . وكان يدخل بيتاً ويغلق بابه ويُدخل معه كوزًا من ماءٍ فلم أَدرما ما يصنع؟ حتى سمعت ابنًا له صغيرًا يحكى بكاءه فنهَتْه أُمّه فقلت لها : ما هذا البكاء ؟ فقالت : إن أبا الحسن يدخل هذا البيت فيقرأ القرآن ويبكى فيسمعه الصبى فيحكيه . وكان إذا أراد أن يخرج غسل وجهه واكتحل ولايُرى عليه أَثر البكاء . وكان يصِل قوماً ويعطيهم ويَكْسوهم فيبعث إليهم ويقول للرسول : انظر أَن لا يعلموا مَن بعثه إليهم ؟ وياتيهم هو بالليل فيذهب به إِليهم ، ١٢٧ ويخفى نفسه فربما بَليت ثيابهم ونَفِذ ما عندهم ولا يدرونَ من الذى أعطاهم ؟ ولا اعلم منذ صحبته وَصَلَ أَحدًا باقلّ من مائة درهم إِلا أَن لا يمكنه ذلك ، وكنت أَخبز له فما نخلت له دقيقاً إِلا أَن أُعصيَه. وكان يقول لى : اشترٍ لى شعيراً أسود قد تركه الناس فانه يصير إلى الكنيف ، ولا تشترى لى إلا ما يكفينى يوماً بيوم . وكان يقول : والله الذى لا إله إلا هو ما رأيت نفساً تصلىِّ إِلى القبلة شراً عندى من نفسى . ودخلت عليه قبل موته بأربعة أيام بنيسابور، فقال : يا أبا عبد الله تعال أَبشّرْك بما صنع الله بأخيك من الخير ، قد نزل بى الموت وقد منّ الله علىّ أنه ليس عندى درهم يحاسبنى الله عليه ، وقد علم ضعْفى فانى لا أَطيق الحساب فلم يدع عندى شيئاً يحاسبنى عليه . ثم قال: أَغلق الباب ولا تأُذَن لأَّحد علىّ حتى أَموت ، واعلم أنى أُخرج من الدنيا وليس أَدَع ميراثاً غير کسائی ولیدی وإِنائى الذى أَتوضا فيه ، وكتبى . وكانت معه صُرّة فيها نحو ثلاثين درهماً فقال : هذا لابنى أَهداه إِليه قريبٌ له ولا أعلم شيئاً أَحَلَّ (١) لى منه لأَن النبى صلى الله عليه وسلم قال (( أنت ومالك لأَبيك (٢))) فكفنونى منها فان أصبتم لى بعشرة دراهم ما يستر عورتى فلا تشتروا بخمسة عشر ، وابسطوا على جنازتى لبدى وغّوا علىّ بكسائى ، وتصدقوا بانائى ، أعطوه مسكيناً يتوضأ منه . ثم مات اليوم الرابع . (١) اسم تفضيل من الحلال . (٢) الحديث قوى كما في المقاصد. وأخرجه ابن ماجة في التجارات والطبراني في الأوسط، والبزار والبيهقى فى دلائل النبوة ، والإمام أحمد فى المسند . ١٢٨ سمع أبو الحسن بن أسلم من أصحاب الأَعمش وأصحاب الثورى والأوزاعى فى آخرين - وتوفى فصلىّ عليه ألف ألف تقريباً . ٦٩١ - أبو العباس أحمد بن محمد بن مسروق الطوسى : أَصله من طُوس ، لكنه سكن بغداد ومات بها . جعفر بن محمد بن نصير قال : سمعت أبا العباس بن مسروق يقول : قدم علينا شيخ فكان يتكلم علينا بكلام حسن ، وكان عَذْبِ اللّسان جيّد الخاطر ، فقال لنا فى بعض كلامه : كل ما وقع لكم فى خَوَاطر كم فقولوا لى . فوقع فى قلبى أنه يهودى وكان الخاطر يَقْوَى ولا يزول فذكرتُ ذلك للحريريّ فكبرُ عليه ذلك فقلت : لا بد من أَن أَخبر الرجل بذلك . فقلت له : تقول كل ما وقع فى خاطر كم فتقولوه لى ، إِذه يتمع لى أَنك يهودى . فأَطرق ساعةً ثم رفع رأسه وقال: صدقت أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله ، وقال : قد مَارسْتُ جميع المذاهب ، فأنتم على الحق وحَسُنَ إِسلامه . أَبو سعيد بن عطاء قال : إِن الجُنيد رأَى فيما يرى النائم قوماً من الأَبدال فسأل : هل ببغداد (أَحد من الأولياءِ ؟ فقالوا : نعم أبو العباس بن مسروق . قال : فقلت متعجّباً : أَبو العباس بن مسروق ؟ فقالوا : نعم أبو العباس بن مسروق من أَهل الأُنس بالله عز وجل . على بن عبد الله بن جهْضم قال : أَنا المفيد ، قال : سمعت أَحمد بن مسروق يقول : كانت والدتى إِذا كان يوم الجمعة تبكى ، ١٢٩ تعلم أنى لا أَنصرف من الجمعة إلا عليلاً لما قد سمعته من الشيوخ وكنت أنظر إلى شيوخى فتكون رُؤيّى لهم قوّتى من الجمعة إلى الجمعة . جعفر بن محمد بن نصير قال : سئل ابن مسروق : ما التوكل ؟ قال: اعتماد القلب على الله . قال السّلمى : وقال ابن مسروق : من راقب الله فى خَطَرَات قلبه عَصَمَه الله فى حركات جوارحه . وقال : أَنبت فى هَدْم عمرك منذ خرجت من بطن أُمّك . أَسند ابن مسروق الكثير ، وروى عن محمد بن بكار وشَيْبَان بن فَرّوخ وخَلْق كثير ، وصحب البرجلانى ومحمد بن منصور الطوسى والحارث المحاسبى وسَرّياً السقطى . وتوفى فى صفر سنة ثمانٍ وتسعين ومائتين ، ودفن فى مقابر باب حرْب(١) وبلغ أربعاً وثمانين سنة . انتهى ذكر أَهل طوس بحمد الله ومنّه (٢). ذكر المصطفين من أهل هراة (٢) ٦٩٢ - ابراهيم بن طهمان : وُلد بهراة ونشأً بنيسابور ورَحل فى طلب العلم ، وكان حسنَ الخلق سَخِياً واسع النفس ، مُطعمَ الطعام كلَّ من أَتاه من أَهل العلم . (١) مقابر مشهورة ، فيها دفن أحمد بن حنبل وبشر الحافى ومن لا يحصى من العلماء والعباد والصالحين وأعلام المسلمين ، وتنسب إلى حرب بن عبد الملك ، أحد قواد أبى جعفر المنصور ، وتقع فى ضاحية بغداد . (٢) بحمد الله ومنه : ليست فى ط . (٣) هراة ( بفتح الهاء) : مدينة عظيمة مشهورة من أمهات مدن خراسان . ( م ٩ - صفة الصفوة جـ ٤) ٠ ١٣٠ أَبو زُرعة قال : سمعت أَحمد بن حنبل ، وذُكر عنده إبراهيم ابن طهمان ، وكان متكئاً من علة فاستوى جالساً وقال: لا ينبغى أن يذكر الصالحون، فيتكأَ (١). ثم قال أحمد: حدثنى رجل من أصحاب ابن المبارك قال : رأيت ابن المبارك فى المنام ، ومعه شيخ مَهيب ، فقلت مَن هذا معك ؟ قال : أَما تعرف هذا ؟ هذا سفيان الثّوْرى. فقلت : من أين أُقبلتم؟ قال (٢) : نحن نزُور فى كل يوم إبراهيم بن طهمان ، قلت : فأَين تَزُورُونه (٣) ؟ قال: دارَ الصِّدِیقین دار يحيى بن زكريا . أُسند إبراهيم بن طهمان عن جماعة من التابعين كعبد الله بن دینار وأبی الزبير وأبى حازم وغيرهم ، وأقام بمكة حتى توفى بها فى سنة ثلاث وستين ومائة . المسعودى قال : سمعت مالك بن سليمان يقول : مات إبراهيم ابن طهمان سنة ثلاث وستين بمكة ولم يخلّف مثله . ٦٩٣ - أبو عبيد القاسم بن سلام: كان أبوه عبدًا رومياً لرجل من هَراة، وولد أَبو عُبَيْد بهَراة ورحل فى طلب العلم ، فسّمع من اسماعيل بن جعفر ، وشريك ، واسماعيل بن عَيّاش، وهُشيم ، وسفيان بن عُيينة ، واسماعيل بن عُلَيّة ، ويزيد بن هارون ، فى خَلْق كثير ، وكان عالماً بالقراءات واللغة والغريب ، وصنف الكتب الكثيرة فى فنونٍ ، وكان ذا فضلٍ ودينٍ وورع وجودٍ . (١) ط : متكئاً ، تحريف . (٢) ط : فقال . (٣) ط : ترونه . ١٣١ عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : عرضتُ كتابَ ((غريب الحديث))(١) لأبى عبيد على أبى فاستحسنه وقال جزاه الله خيرًا . ابن عَرْعَرَة قال : كان طاهر بن عبد الله ببغداد ، فطمع فى أَن يسمع من أبى عبيد وطمع فى أن ياتيه فى منزله . فلم يفعل أبو عبيد حتى كان هو ياتيه . فقدم علىّ بن المدينى وعيّاس العنبرى فأَرادا أَن يَشْمعا ( ريب الحديث ) فكان يحمل كل يوم كتابه وياتيهما فى منزلهما فيحدّثهُما به . أبو بكر بن الأنبارى قال : كان أبو عُبيد يُقسّم الليل أَثلاثاً : فيصلِّى ثلثه ، وينام ثلثه ، ويضع الكتب ثُلثه . أبو حاتم قال : قال أبو عبيد القاسم بن سلام : مثل الألفاظ. الشريفة والمعانى الظريفة (٢) مَثل القلائِد اللائحة (٣) فى الترائب الواضحة . سمعتُ إسحاق بن إبراهيم الحظلى يقول : أبو عبيد أَوْسعنا علماً وأكثرنا أدباً وأجمعنا جمعاً وإِنّا نحتاج إلى أبى عبيد، وأبو عبيد لا يحتاج إِلينا . ثعلب قال : لو كان أبو عبيد فى بنى إِسرائيل لكان عجباً . أحمد بن كامل القاضى قال : كان أبو عبيد القاسم بن سلام فاضلاً فى دِينه وعِلمه ربّانياً مُفَنّناً (٤) فى أَصناف عُلوم الإِسلام ، من القرآن والفقه والعربية والأخبار ، حسنَ الرّواية صحيحَ النقل لا أعلم أحداً من الناس طَعن عليه فى شىءٍ من أَمره ودينه . (١) لم يطبع هذا الكتاب بعد . (٣) قط : اللامحة . (٢) قط : المعانى الشريفة والألفاظ الظريفة. (٤) ب : مفتياً . ١٣٢ عبد الله بن طاهر قال : كان الناس أربعةً : ابن عباس فى زمانه ، والشعبىّ فى زمانه، والقاسم بن معن (١) فى زمانه وأبو عبيد القاسم ابن سلام فى زمانه . إبراهيم الحربى قال : أَدركت ثلاثة لن يُرى (٢) مثلُهم أَبداً تعجز النساءُ أَن يلدْنَ مثلهم ، رأيت أبا عبيد القاسم بن سلام ، ما مثِّلته إلا بجبلٍ نفتح فيه روح، ورأَيت بِشْر بن الحارث(٢)، ما شبهته. إِلَّ برجل عُجن من قرنه إِلى قدمه عقلاً ، ورأيت أحمد بن حنبل فرأيت كأَنّ الله جمع له علم الأولين والآخرين من كل صنف ، يقول ما شاءَ ويمسك عما شاءً . أقام أبو عُبيد ببغداد مدة طويلة ثم ولى القضاء بطَرَسوس (٤) ثم خرج إلى مكة فى سنة تسع عشرة ومائتين وأقام بها ، وتُوفى بها فى سنة ثلاث وعشرين وقيل أربع وعشرين ومائتين(٥) وهو ابن سبع وستين سنة . ٦٩٤ - ابراهيم بن علی الخراسانی الهروی : إِبراهيم الخواص قال: نزلت إلى مَشْرَعة الساج(٩) من بغداد وكان الماء مدّاً والريح تلعب بالموج ، فرأيت رجلاً بين الموج يمشى على الماءُ ، فسجدتُ وجعلت بينى وبين الله تعالى أن لا أَرفع رأسى حتى أَعلم مَن الرجل ؟ فلم أُطِل فى السجود حتى حركى وقال لى : قُم ولا تُعَاود فأَنا إبراهيم بن على الخراسانى . (١) قط: معين. وقوله بعدها: (في زمانه) ساقطة من ط ، هو قاضي الكوفة ، عالم بالعربية والإخبار والانساب والادب ، ومن اروى الناس للشعر والحديث ، يقال له شعبي زمانه توفي سنة ١٧٥ هـ (٢) ط : ترى . (٣) هو بشر بن الحارث الحافي تقدم برقم ٢٦١. (٤) بفتح الطاء والراء : مدينة بثغور الشام بين انطاكية وحلب وبلاد الروم . (٥) هذا القول ليس في ط . (٦) المشرعة: مورد الشاربة. والساج: شجر. .١٣٣ عبد الله الخياط. قال : قال إبراهيم الخراسانى : احتجتُ يوماً إِلى الوضوء فإِذا أَنا بكوزٍ من جوهر ، وسواكٍ من فضة رأسُه أَلْيَن من الخز، فأمسكتُ بالسِّواك ، وتوضأت بالماء وتركتهما وانصرفت . أبو سعيد الخرّاز قال: قال لنا إبراهيم الهروى : بينما أَنا فى بعض سيَاحَاتى وقد بقيت أياماً كثيرة لم أر فيها أحدًا من الناس ولا طائرًا ولا ذا رُوح ، وكنت فى تلك الحال مستقلاً بلا طعام ولا شراب ، فوقع فى نفسى أنى فى معنى (١) فخرج على شخص مع الخاطر لا أدرى من أين خرج ؟ فقال لى : يا إبراهيم ، ذلك(٢) المرائى تعرفه ؟ قلت : أَنا هو . قال : وكان إِلى جَنْبِىْ شجرةٌ فقال لى : قل لهذه الشجرة تحمل دنانير . قلت : احملى دنانير . فلم تحمل . ثم قال لها : احملى . فاذا بشاريخ (٣) دنانير معلقة فاشتغتُ أَنظر إليها ثم التفتّ فلم أَر الشخص وذهبَتْ الدّنانير من الشجرة . قال أبو سعيد : وسمعته يقول : بينما رجل فى مسيرٍ له فى يوم صائف إِذْ عَدل إِلى شِعْب (٤) فأَصاب فيه مَغارة . قال : فدخلت فيها فما لبثتُ أَن دخل علىّ ثعبان كأَنّه النخْلة (٥) فتطوق فى شقّ المغارة فجعل ينظر إلىّ فقلت فى نفسى : لَعَلَىّ رِزْقٌ له . وهالنى أَمره ، فما لَبِثَ (٦) أن خرج من المغارة. ثم أَقبل (٧) إِلىّ وفى فيه رغيف (١) كذا فى النسخ. ويمكن أن تكون مصدراً ميمياً من العناء وهو التعب والنصب. (٢) ط : ذلك. (٣) ط : شماريخ . والمفرد شمروخ وشراخ وهو أشبه بالعنقود من العنب. (٤) الطريق فى الجبل . (٥) قط : النخل . (٦) ط: لبثت، تحريف. وقوله (وهالى) فى ق: ويهلى (؟). (٧) ب : دخل . ١٣٤ حُوّارَى(١) قد ذهبت(٢) منه عضّة. فوضعه عند رأسى ورجع إلى موضعه فتطوق فيه . فقمت فأكلتُ الرغيف فلما برَد النهار خرجتُ فسرت فلقينى رِفقةٌ ، فقالوا : من أين جئت ؟ قلت : من هذا الشِّعب . قالوا : هل رأيت ما رأينا ؟ قلت: وما هو؟ قالوا : اعترضَ علينا فى الرّفقة ثعبان وقام على ذنبه ونَفَح (٣) وكان معنا إِنسان ظريف فيه أَدب فقال : أَظن هذا جائعاً . فرمى إليه رغيفاً حُوّارى فأخذه الثعبان ومضى . فقلت : أَنا أَكلت الرغيف . ومضيت وخلّيتهم . انتهى ذكر أَهل هَراة : ذكر المصطفين من أهل مرو ٦٩٥ - عبد الله بن المبارك: يكنى أبا عبد الرحمن كان أبوه تركياً عند رجل من التجار من بنى حنظلة . وكانت أمه تركية خُوارزمية . ولد سنة ثمانى عشرة ومائة ، وقيل تسع عشرة . الحسن قال : كانت أم ابن المبارك تركية ، وكان الشّبه لهم بيّناً فيه ، وكان ربما خلع قميصه فلا أرى على صدره وجسده كثير شعرٍ. وأخبرنى غير واحد من أَهلِه أنه ما دخل الحمّام قطّ .. قال : وكانت دار ابن المبارك بمرَو كبيرة صحن الدار نحو خمسين ذراعاً فى خمسين ذراعاً ، فكنتَ لا تحب أن ترى فى داره صاحب علم أو صاحب عبادة أَو رَجُلاً له مرُوءَة وقَدْر بمرو إِلّ رأيته فى داره ، يجتمعون فى كل يوم خَلْقاً يتذاكرون حتى إذا خرج (١) الحوارئ (بضم فشدة وآخره ألف مقصورة ) : الدقيق الأبيض . (٢) ق : ذهب . (٣) ب : نهج . ١٣٥ ابن المبارك انضمّوا إليه . فلما صار ابن المبارك بالكوفة نزل فى دار صغيرة وكان يخرج إلى الصلاة ثم يرجع إلى منزله لا يكاد يخرج منه ولا يأتيه كثير أحد (١). فقلت له: يا أبا عبد الرحمن ألا تستوحش هاهنا مع الذى كنت فيه بمرو ؟ فقال: إنما فَرَرْتْ من مرو من الذى تراك تحبه ، وأحببت ماهاهنا للذى أَراك تكرهه لى ، فكنت بمرو لا يكون أمر إِلاَّ أَتونى فيه ولا مسألة إِلاَّ قالوا : اسألوا ابن المبارك ، وأَنا هاهنا فى عافية من ذلك . قال : وكنت مع ابن المبارك يوماً فأتينا على سِقابة (٢) والناس يشربون منها ، فدنا منها ليشرب ولم يعرفه الناس فَزَحَموه ودفعوه فلما خرج قال لى : ما العيش إِلاَّ هكذا . يعنى حيث لم نُعْرَف ولم نُوقَّر . قال : وبينا هو بالكوفة يقرأ عليه كتاب المناسك ، انتهى إلى حديث وفيه : قال عبد الله وبه نأخذ(٣) . فقال: مَن كتب هذا من قولى ؟ قلت : الكاتب الذى (٤) كتبه . فلم يزل يحكّد بيده حتى دَرَسَ . ثم قال : ومن أَنا حتى يُكتب قولى . ؟ - قال الحسن وكنًّا على باب سفيان بن عُيَيْنة يومًا وأصحاب الحديث وهم يَرون أَن عنده بعض هؤلاءِ الكبار يحدّثه . فقال رجل : أَعْيانى أَن أَرى رجلاً يسوِّى بين الناس فى علمه. فقال له آخر : هذا عبد الله ابن المبارك . قال : نعم هاتٍ غيره ، أَتعرف غيره ؟ . (١) كذا فى ط. وفى ق: ((يخرج منه ولا كبيراً حد)). (٢) السقاية : موضع السق ، أو ما يبنى لجمع الماء . (٣) ق : يأخذ . وأثبت فى ما فى ط . (٤) أى أن ناسخ الكتاب هو الذى كتب ذلك . ١٣٦ فلما قدمتُ الكوفة ذكرتُ لابن المبارك قول الرجل وأنه فلان ولم أُعْلمه أنهم سمَّوْه . فقال أَفَلا قالُوا الفُضَيلُ بن عياض ؟. قال الحسن: ورأيت فى منزل ابن المبارك حمامًا طيّارة (١). فقال ابن المبارك : قد كنا ننتفع بِفِرَاخ هذه الحمام فليس ننتفع بها اليوم قلت : ولم ذلك؟ قال : اختلطت بها حمامٌ غيرُها فتزاوجَت بها فنحن نكره أن ننتفع بشىء من فراخها من أجل ذلك . قال الحسن : وصحبت ابن المبارك من خراسان إلى بغداد فمارأيته أَكل وحده . قال : وزوّج النضر بن محمد وَلَدَه دَعِىّ بن المبارك . فلما جاءً قام ابن المبارك ليخدم الناس فأَبَى النضر أَن يَدَعه وحلف عليه حتى جلس . عُبيد بن جناد قال : قال عطاءُ بن مسلم : يا عُبيد رأيتَ عبدالله ابن المبارك؟ قلت : نعم قال : مارأيت مثله ولايُرَى مثله . عبد الرحمن بن مهدى قال : مارأَتْ عيناىَ مثل سفيان ولا أَقدّم على عبدالله بن المبارك أَحدًا . عبد الرحمن بن عبيد الله قال كنَّا عند الفضيل فنُعىَ إليه ابن المبارك فقال : رحمه الله أما إنه ما خلَّف بعده مثلَه . عبد الرحمن بن مهدى قال : ما رأَتْ عيناىَ أَنْصَحَ لهذه الأُمة من عبد الله بن المبارك . نعيم بن حماد قال : كان عبد الله بن المبارك يُكثر الجلوس فى بيته فقيل له : أَلا تَسْتَوْحش؟ فقال : كيف أستوحش وأَنا مع النبى صلى الله عليه وسلم ؟ . (١) قط : طائرة . ١٣٧ شقيق بن ابراهيم قال : قيل لابن المبارك : إذا صلِّيتَ معنا لم تَجْلس معنا ؟ قال : أَذهب أَجلس مع الصحابة والنَّابعين . قلنا له : ومن أين الصحابة والتابعون ؟ قال : أَذهب أَنْظرُ فى علمى فأَدرِكُ آثارهم وأعمالهم ، ما أَصنع معكم؟ أَنتم تغتابون الناس ، فإِذا كانت سنة مائتين فالبُعد من كثير من الناس أَقُربُ إِلى الله ، وفِرّ من الناس كَفِرَارِك من أَسد ، وتمسّك بدينك يسلَمْ لك . الحسين بن الحسن المروزى قال : قال عبد الله بن المبارك : كن محبًّا للخُمول كراهيةً الشهرة ولاتُظهر من نفسك أنك تُحبّ الخمول فترفعَ نفسك فإِنَّ دعواك الزهدَ من نفسك هو خروجك من الزهد لأَنَّك تجرّ إِلى نَفْسك الثناء والمدْحة . أَشعث بن شُعبة المصَيْصِيّ قال : قدم هارون الرشيد الرّقة فانْجَفَل الناس خلف عبد الله بن المبارك وتقطّعت النِّعال وارْتَفَعَتْ الغبرة وأَشرفت أم ولد أمير المؤمنين من برجٍ من قصر الخشب فلما رأَت الناس قالت : ما هذا؟ قالوا : عالم من أَهل خراسان قدِمِ الرّقة يقال له عبد الله بن المبارك . فقالت: هذا والله المُلْك لأمُلْك هارون الذى لايجمع الناسَ إِلا بشُرَطٍ. وأعوان . سويد بن سعيد قال : رأيت عبد الله بن المبارك بمكّة أتى زمزم فاستقى منها ثم استقبل الكعبة فقال : اللهم إنّ ابن أبى الموالى حدّثنا عن محمد بن المنكدر عَنْ جابر عن النَّبِ صلَّى اللهُ عليه وسلم أنه قال : ((ماءُ زمزم لماشُرِب له))(١) وهذا أَشْربُهُ لعطشِ القيامة . ثم شربه. نعيم بن حماد قال : كان ابن المبارك إذا قرأ كتاب الرقاق فكأنه (١) الحديث صحيح، اخرجه ابن ماجة في المناسك الباب ٧٦ وأحمد في المسند ٣٥٧/٣ ١٣٨ بقرة منحورة ، من البكاء ، لايجترىء أَحد منَّا أَن يدنو منه أَويسأله عن شىء . قال سفيان : إنى لأَشتهِى من عمرى كلَّه أَن أكون سنة واحدة مثل عبد الله بن المبارك فما أقدر أَن أكون ولا ثلاثة أيام . عمران بن موسى الطَّرَسُوسىّ قال : جاءَ رجل فسأل سُفيان الثورى عن مسألة، فقال له من أين أَنت ؟ قال : من أَهل المشرق : قال : أَوَليس عندكم أعلم أهل المشرق ؟ قال : ومَنْ هويا أبا عبدالله ؟ قال: عبد الله بن المبارك . قال : وهو أعلم أهل المشرق؟ قال: نعم وأهلُ المغرب . قال ابن عُيَيْنة : نظرت فى أَمر الصحابة وأمر ابن المبارك فما رأيت لهم عليه فضلاً إِلا بصحبتهم النبيّ صلى الله عليه وسلم وغَزوهم مَعه . حِبّان بن موسى قال : عُوتب ابن المبارك فيما يَقرِى من المال فى البلدان ولا يفعل فى أَهل بلده كذلك، فقال : إِنى أعرف مكان قوم لهم فضلٌ وصدْق طَلبوا الحديث وأَحْسنوا الطلب، فاحتاجوا، فإِنْ تركْناهم ضاع عِلْمُهم وإِن أَعَنَّهم بَثَّوا العلم لأُمة محمد صلى الله عليه وسلم ، ولا أعلم بعد النبوة أفضل من بَثّ العلم . عبد الله بن ضُرَيس قال: قيل لعبدالله بن المبارك: يا أبا عبد الرحمن إلى متى تكتب هذا الحديث ؟ فقال : لعل الكلمة التى أَنتفع بها ما كَتَبْتُها بعدُ . الحسين بن الحسن. المروزى قال : سمعت ابن المبارك يقول : أهل الدنيا خرجوا من الدنيا قبل أَن يَتَطعّموا أَطيب مافيها . قيل له : وما أَطيبُ ما فيها ؟ قال : المعرفة بالله عزوجل . ١٣٩ قطن بن سعيد قال : ما أَفطر ابن المبارك ولارُئِى نائمًا (١) قطّ .. علىّ بن الحسن بن شقيق قال : سمعت ابن المبارك يقول : لأَن أَرُدَّ دِرِهمًا مِن شُبهة أَحبّ إِلىّ من أَن أَتصدّق بمائةٍ أَلف ومائةِ أَلف، حتى بلغ ستمائة ألف . عبد الله بن حُبَيق قال : قيل لابن المبارك: ما التواضع ؟ قال : التكبّر على الأغنياءِ. عيَّاش بن عبد الله قال: قال عبد الله بن المبارك : لو أن رجلاً أَبقى مائة شىء ولم يُبق شيئًا واحدًا لم يكن من المتَّقين . ولو تَوَرّع عن مائة شىءٍ ولم يتورّع عن شىءٍ واحد لم يكن وَرِعًا ومن كان فيه خلَّة (٢) من الجهل كان من الجاهلين . أما سمعت الله تعالى قال لنوح عليه السلام لماقال (إِنَّ ابْنِى من أَهلى) (٣) فقال الله تعالى (إِنِّى أَعِظُكَ أَن تكونَ من الجاهلين ) (٤)؟ . علىّ بن الحسن قال : سمعت عبد الله بن المبارك يقول : لايقع مَوْقعَ الكسب على العيال شيءٌ ، ولا الجهادُ فى سبيل الله عزوجل . عبد الله بن عمر السّرخَسِىّ قال : قال لى ابن المبارك : ما أَعيانى شىءٌ كما أَعيانى أَنِّى لا أَجد أَخًا فى الله عز وجل . سليمان بن داود قال : سأَلَّت ابن المبارك من الناس ؟ قال : العلماء. قلت فَمن الملوك؟ قال : الزّهاد. قلت : فمن الغوغاءِ؟ قال : خزيمة وأصحابه . قلت: فمن السَّفلة(٥) ؟ قال: الذين يعيشون بِدِينهم. (١) ق، ب : صائماً. وأثبت ما فى قط . (٢) الخلة ( بفتح الخاء وضمها) : الخصلة . (٣) هود : ٤٥ . (٤) هود : ٤٦ . (٥) سفلة القوم ( بفتح فكسر ، أو بكسر فسكون) : سقاطهم وغو غاؤهم . ٠ ١٤٠ فُضّيل بن عياض قال : سئل ابن المبارك : مَن الناس ؟ قال : العلماء . قال : فمن الملوك؟ قال : الزهاد . قال : فمن السَّفِلة ؟ قال : الذى بأكل بدينه . أحمد بن جميل المروزى قال : قيل لعبد الله بن المبارك : إِن إسماعيل ابن عُليَّة قد وَلِىَّ الصَّدقات . فكتب إليه ابنُ المبارك . ياجاعلَ العِلْمِ له بَازيًا يَصْطاد أموال المساكين بِحِيلةٍ تَذهبُ بالدِّينِ إِخْتَلْتَ للدّنيا ولذَّتِهما كُنتَ دَوَاءَ للمجانين فَصِرْتَ مَجْنُونًا بها بعدَ ما عن ابن عونٍ وابنِ سِيرينٍ ؟ أَينَ رِوَايَاتُك فى سَرْدِها لِزُومِ أَبوابِ السَّلاطين ؟ أين رواياتُك والقولُ فى زَلّ حِمار العِلْم فى الطِّينِ إن قلتَ أُکرِهْتُ فماذا كذا فلما قرأ الكتاب بكى واستغنى . محمد بن عليّ بن الحسن بن شقيق قال : سمعت أبى يقول : كان ابن المبارك إذا كان وقتُ الحج اجتمع إليه إخوانه من أَهل مرو فيقولون : نصحبك يا أبا عبدالرحمن فيقول لهم : هاتوا نَفقاتكم. فيأخذ نفقاتِهم فيجعلها فى صُندوق ويُقفل عليها ثم يكترِى لهم ويُخرجهم من مَرْو إلى بغداد، فلا يزال يُنفق عليهم ويُطعمهم أَطيب الطعام وأطيب الحلواءِ. ثم يُخرجهم من بغداد بأَحسن زِىّ وأكمل مُرُوءَة ، حتى يصِلوا إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فإِذا صاروا إلى المدينة قال لكل رجل منهم : ما أَمَرك عِيالك أَن تَشترىَ :