Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ قال السرى بن يحيى . فرأيته فى الليلة التى تُوفىَّ فيها وهو يقول لى: لا تَعجب (١) من شىءٍ غُرس لى يوم حدّثتُك(٢) وقد حَمل . قلت: حَمل بماذا ؟ قال . لاتسأَّل بمالا يَقدِر على صفته أَحد ؛ لم يُر مثلُ الكريم إِذا حلّ به مطيع . رضى الله عنه . ذكر المصطفين من أهل أصبهان ٦٦٤ - محمد بن يوسف بن معدان : أَبو عبد الله الأَصبهانى رضى الله عنه . كان ابن المبارك يسميه عَرُوس الزهّاد يحيى بن سعيد القطان قال : مارأيت رجلاً أَفضل من محمد بن يوسف الأصبهانى . وسمعت ابن مهدى يقول : مارأيت مثل محمد بن يوسف الأَصبهانى . يحيى بن سعيد القطان قال : كنت إِذا نظرت إلى محمد بن يوسف رأيت رجلاً كأَّنه قد عَايَنَ الموت . قال الدورقى: وسمعت رجلاً من أَهل أَصبهان يحدّث عن عبد عبد الرحمن بن مهدى قال : كتب أَخو محمد بن يوسف إلى محمد ابن يوسف يشكو إليه جَوْر العمال. فكتب إليه : يا أَخى بلغنى كتابك تَذْكر ما أَنتُم (٣) فيه وإنه ليس يَنْبِغِى لمن عمل بالمعصية أن ينكر العقوبة وما أَرى ما أنتم فيه إلا شؤم الذُّنوب . عطاء بن مسلم الحلبى قال : كان محمد بن يوسف الأصبهاني يختلف إِلىّ عشرين سنة لم أَعرفه ، يجىءُ إلى الباب فيقول : رجلٌ غريب يسأل حتى رأيته يومًا فى المسجد فقيل لى : هذا محمد بن يوسف الأَصبهانى . فقلت : هذا يختلف إِلىّ منذ عشرين سنة لم أعرفه . (١) ب: ((يقول ألا تعجب)). (٣) قط : أنت . (٢) قط : حديثك . ( ٢ ٦ - صفة الصفوة جـ ٤ ) ٨٢ أبو حاتم قال : بلغنى عن ابن المبارك قال : قلت لابن إدريس : أُريد الثغر، فَدُلَّنى على أفضل رجل به . فقال : عليك بمحمد بن يوسف الأَصبهانى . فقلت فأَين يسكن ؟ قال: المصيّصة(١) ويأتى السواحل . فقدم عبد الله بن المبارك المصيّصة فسأَل عنه فلم يُعرف فقال ابن المبارك : من فضلك لاتُعرف . يوسف بن زكريا قال : كان محمد بن يوسف لايشترى زَادَه من خَبَّازِ واحد ، ولا من بقَّال واحدٍ ، وقال : لعلهم يعرفونى فيحابُونى فأكون ممن يعيش بدِينه . سعيد بن عبد الغفار قال : قلت لمحمد بن يوسف . أَوْصِنِى . فقال . إِن استطعت أن لايكون شىء أَهمَّ إِليك من ساعتك فافعلْ . أيوب بن مَعمر قال حدَّثونى بالبصرة أَن محمد بن يوسف كان يأوِى بالليل إلى دار امرأة . قالت : فكان يدخل بعد العشاء ثم يخرج عند طلوع الفجر فلا ينصرف إلى العشاء . قالت . وكان يدخل بيتًا فى الدار ويردّ على نفسه الباب . قالت . فذهبت ليلة فاطَّلعتُ فى البيت فرأيت عنده سِرَاجًا يُزهِر(٢) قالت . ولم يكن فى البيت سِراج قالت: ففطن محمد أَنّا اطَّلعنا عليه فخرج من الغد ولم يَعُد إِلينا . قال عبد الرحمن بن مهدى . رأيت محمد بن يوسف فى الشتاء والصيف ، فلم يكن يضع جَنْبه . (١) المصيصة ( بفتح الميم وتشديد الصاد الأولى) ، ويجوز تخفيفها : مدينة من ثغور الشام على شاطىء جيحان، بين أنطاكية وبلاد الروم ، تقارب طرسوس . وكانت من مشهور ثغور الإسلام ، وقد رابط بها الصالحون قديماً . (٢) يزهر : يضىء. ٨٣ محمد بن أبى رجاء ومحمد بن قتيبة أوأحدهما : أن محمد بن يوسف خرج فى جنازة بالمصّيصة فنظر إلى قبر أبى إسحاق الفزارى ومخلد بن الحسين ، وبينهما موضع قبر. فقال لو أن رجلاً مات فدفن بينهما . قال : فما أَنْت عليه إلا عشرة أيام أونحوها حتى دُفن فى الموضع الذى أشار إليه . أَدرك محمد بن يوسف الثَّابعين : فروى عن يونس بن عُبيد الأَعمش، وقد روى عن الثورى والحمَّدَيْن وصالح المرْىّ وغيرهم إِلا أَنْه لم يكد يسند حديثًا إِنما كان يرسل الحديث شغلاً بالتعبد عن الرواية. وتوفى سنة أربعٍ وثمانين ومائة ولم يكمل له أربعون سنة . ٦٦٥ - أبو اسحاق إبراهيم بن عيسى الأصبهانى : كانت عِبَادته تُشبه عبادة الملائكة : قليلةً يقوم إِلى قريب الفجر ثم يركع ويتمّها ركعتين ، وليلةً يركع إلى قريب الفجر ثم يسجد ويتمها ركعتين ، وليلةً يسجد إلى قريب الفجر ثم يركع ويتمّها ركعتين ، ثم يدعو فى آخر الليل لجميع الناس ، ولجميع الحيوان والبهائم والوحْش ، ويقول فى اليهود والنصارى : اللهم اهْدهِم ، ويقول فى التجّار : اللهمّ سلِّم تجاراتِهم . وصحب معروفًا الكرخى وتوفى سنة تسعٍ وأَربعين ومائتين . ٦٦٦ - أبو عبيد الله محمد بن يوسف البناء(١) : كان يُفْتِى الناس بالأجْرة فيأُخذ منها دَانقًا لنفقته ويتصدّق بالباقى ،ويختم كلّ يوم ختمة . ولقى ستمائة شيخ، وكتب الحديث الكثير. (١) هو جد المحدث المشهور أبى نعيم الأصبهانى لأمه ، وأبو نعيم هو صاحب كتاب حلية الأولياء ودلائل النبوة وغيرها . ٨٤ وبلغنى عن أَبى علىّ بن شاذان قال : سمعت أباجعفر محمد بن قتادة (١) يقول : سمعت محمد بن يوسف يقول : كنت بمكة فكنت أَدعو الله عز وجل وأَقول: يارب إِما أَن تُدخلَ قلبى المعرفة أَو اقبضْنِى إِليك ، فلاحاجة لى فى الدنيا والحياة بلا معرفة . قال : فرأيت فى النوم كأَن قائلاً يقول : إِن أَردت هذا فصم شهرًا ولاتكلِّم أَحدًا من الناس فيه ، ثم ادْخُل قبَّةَ زمزم وسَلْ الحاجة . ففعلت ذلك وختمتُ كلّ يوم ختمة . فلما انقضى الشهر على ذلك دخلتُ قبة زمزم ورفعتُ يدى. ودعوت الله عز وجل ، وسألته الحاجة فسمعت من البئر هاتفًا يقول : يا ابن يوسف اختَر أَيّما أَحبّ إِليك: العِلمَ مع الغنى والدنيا أَم المعرفةَ مع الفقر والقلب ؟ فقلت : المعرفة مع الفقر والقلب . فسمِعت من البئر ، قد أُعطِيت، قد أُعطيتَ . وكان محمد بن يوسف من المتدينين الأتقياء - تُوفىّ فى سنة ستَ وثمانين ومائتين . ٦٦٧ - أبو جعفر احمد بن مهدى بن رستم : محمد بن حيان قال : كان أحمد بن مهدى ذامال كثير نحو ثلثمائة ألف درهم ، فأَنفقه كلَّه على العلم ، وذُكِرٍ أَنه لم يُعرف له فراش أربعين سنة . قال أحمد بن مهدى : جاءتْنى امرأة ببغداد ليلةً من الليالى فذكرَتْ أَنْها من بنات الناس، وأنها امْتُحِنَتْ بمحنةٍ وأَسْأَلك بالله أن تستُرنى. فقلت : وما محنَتك ؟ فقالت : أُكِرِهتُ على نفسى ، وأَنا حُبلى ، وذكرتُ للناس أَنك زَوْجى وأَن مابى من الحبَل منك، فلا تفضحْنى، (١) هذا ما فى قط . ب : فادة . والعبارة ليست فى ق . ٨٥ استرنى سَتَرك الله. فسكتّ عنها ومضَت. فلم أَشعر حتى وَضَعتْ وجاءً إِمام المحلَّة فى جماعة الجيران يهنِّئُونى بالولد فأظهرتُ لهم التهلُّل ووزنت فى اليوم الثانى دينارين ودَفَعْتهما إلى الإِمام فقلت : أَبلغ هذا إلى تلك المرأة لتنفقَه على المولود فإِنه سَبَق ما فَرَّقَ بينى وبينها . فكنت أَدفع كل شهر دينارين وأوصله إليها بيد الإمام وأقول : هذه نفقة المولود إِلى أَن أتى على ذلك سنتان ثمَّ توفى المولود فجاءتى الناس يعزُّونى، فكنت أُظهِر لهم التَّسْليم والرّضا فجاءتنى المرأة ليلة من الليالى بعد شهر ومعها تلك الدنانير التى كنت أَبعث بِها بيد الإمام فردَّتْها وقالت : ستّرك الله كما ستَرتنى . فقلت : هذه الدنانير كانت صلةً منى للمولود ، وهى لك فإنّك رَبَّيْتِهِ (١) فاعملى فيها ماتريدين . أَسند أبوجعفر الحديث الكثير(٢). ٦٦٨ - على بن سهل بن الأزهر أبو الحسن الأصبهانى: كان من المُتْرفين فتزهّد فكان يبقى الأيام الكثيرة لايأكل . أَبو حامد أحمد بن عبد الله بن رسته ، وكان من أصحاب على بن سهل ، قال : قال على بن سهل : استولى علىّ الشّوقُ فَأَلْهانى عن الأكل. أبو بكر محمد بن عبد الله الطبرى قال : سمعت علىّ بن سهل بن الأزهر يقول : المبادرة إلى الطاعات من علامات التَّوفيق ، والتقاعُد عن المخالفات من علامات حُسن الرّعاية، ومراعاة الأسرار. مِن علاماتِ التيقّظ.، وإظهار الدّعاوى من رُعونات البشريَّة، ومن لم تَصح مَبادى إِراداته لا يَسلم فى مُنتَهى عَواقبه . (١) قط: لأنك تربينه . ب : لأنك كنت تربينه. (٢) بعدها فى ط : والسلام . ٨٦ أحمد بن عبد الله قال : سمعت أبى و يره من أصحاب على بن سهل أنه كان يقول: ليس مَوتِى كَمَوْتِكم باعلال وأَسقام ، إنما هو دعاء وإجابة أُدعَى فأُجيبُ . فكان كما قال : كان يومًا قاعدًا فى جماعة فقال : لبيَّك ووقعَ ميتًا. أبوجعفر الأَصبهانى قال : قال علىّ بن سهل بن أزهر ، أُستاذى رحمة الله عليه: إنى لاأموت كما يموت أحدكم : يمدّ رجلاً ويرفع أُخرى ، إنما يُصاحُ بى يا علىّ بن سهل ! فأَقُول : لبيّك. فبينا هو جالس ذات يوم قال . لبيك ، وتمدَّد فإذا هو ميت أَو كما قال . قلت : کان علىّ بن سهل من أحسن الناس إشارة ، و کان یکاتب الجُنيد فيقول الجُنَيْد (١). ما أَشبَه كلامه بكلام الملائكة، وتوفى سنة سبع وثلمائة . ٦٦٩ - عابد أصبهانی عن عبد الواحد بن زيد قال : خرجنا أَنا وفَرْقَد السَّبَخِى ومحمد ابن واسع ومالك ابن دينار نزور أَخًا لنا بأَرض فارس . فلما جَاوَزْنا (مَهُرْهُزُ) إِذا نحن برجل مجلوم متفطّر قَيْحًا ودمًا . فقال له بعضنا : ياهذا لودخلتَ هذه المدينة فتداويت وتعالجت من بلائك هذا . فرفع طرفه إلى السماء ثم قال: إِلّهى أَتيتَ بهؤلاءِ ليُسخطونى عليك ؟ لك الكِرَامة والعُتبى بأَن لاأُخالفك أبدًا . (١) الجنيد: صوفى، من العلماء بالدين، عاش فى بغداد. وتوفى سنة ٢٩٧هـ. ٨٧ ذكر المصطفين من أهل الرى ٦٧٠ - جرير بن عبد الحميد بن جرير الرازى : على بن المدِينى قال : كان جرير بن عبد الحميد الرازى صاحبَ ليلٍ ، وكان له رسَن(١) يقولون: إِذا أَعيا تعلَّق به. يريد أنه كان يصلىِّ. سفيان بن عُيينة قال : قال لى ابن شُبْرُمَة : عجبًا لهذا الرّازى، يعنى جرير بن عبد الحميد ، عرضتُ عليه مائة درهم فى الشَّهر من الصّدقة فقال : يأخذ المسلمون كلُّهم مثلَ هذا؟ قلت : لا . قال : فلاحاجة لى فيها . ولد جرير سنةَ عشر ومائة وفيها مات الحسن . ورأى أيوب السختيانى وسمع من مغيرة وحُسين ومنصور بن المعتمر ، فى خلق كثير ، وتوفى سنة ثمان وثمانين ومائة . ٦٧١ - المعلى بن منصور الرازى : يحيى بن معين قال : كان المعليّ بن منصور الرازى يومًا يُصلِّى فوقع على رأسه كُور الزنابير(٢) فما التفت ولا انفتل حتى أَتمَّ صلاته فنظرُوا فإذا رأسه قد صار هكذا من شدة الانتفاخ . ٦٧٢ - أبو اسحق الدولابى : صاحب كرامات محمد بن منصور الطوسى قال : جئت مرة إلى معروف الكَرْخى فعَضَّ (٣) أَنامله وقال: هاه لو (٤) لحقتَ أَبا إِسحاق الدّولابى، كان هنا (٥) الساعة يسلم علىّ فذهبت أَقوم فقال لى: اجلس لعلَّه(٦) قد بلغ منزله بالرئ . (١) يريد الحبل . (٣) قط : فقبض على أنامله . (٥) ط : ههنا . (٢) هو عش الزنابير وموضعها . (٤) لو ، هنا : حرف تمن . (٦) ب : لعله يكون . ٨٨ ٦٧٣ - أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد الرازى: كان من كبار الحفّاظ. وسادات أَهل التقوى . عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : سمعت أبى يقول : ما جاوزَ الجسْرَ(١) أَحفظُ من أَبِى زُرعة . أبو عبدالله محمد بن مسلم بن واره يقول : كنت عند إِسحاق ابن ابراهيم ، فقال رجل من أَهل العراق : سمعت أحمد بن حنبل يقول : صحّ من الحديث سبعمائة ألف حديث وكَسْر ، وهذا الفتى - يعنى أَبا زُرْعة - قد حفظ. ستمائة ألف . محمد بن إسحاق الصَّاغانى قال فى حديث ذكره من حديث الكوفة ، فقال : هذا أَفادَنيه أَبو زُرعة . فقال له بعض من حضَر : يا أَبابكر أبوزُرعة من أُولئك الحفّاظ الذين رأيتهم . وذكر جماعة من الحفاظ. منهم الفَلَّس . فقال: أبوزرعة أَعلاهم لأَنّه جَمع الحفظ. مع التقوى والورَع ، وهو يُشبَّه بأَحمد بن حنبل . أبو العباس محمد بن جعفر بن حمدويه الرّازى قال : سئل أبو زُوعة الرازى عن رجل حلف بالطلاق أَن أَبازرعة يحفظ. مائتى ألف حديث هل حَنث؟ فقال: لا. ثم قال أبوزُرعة: أَحفظُ. مائتى ألف حديث كما يحفظ الإِنسان ((قل هو الله أحد))(٢). وفى المذاكرة ثلثمائة ألف . أَحمد بن سعيد الدّارِمى قال: صلَّى أبوزرعة الرّازى فى مسجده عشرين سنة بعد قدومه من السفر ، كان يومٌ من الأيام قدِمِ عليه قوم من أصحاب الحديث ، فنظروا فإِذا فى محرابه كتابةٌ ، قالوا (١) أى اجتازه وقطعه. ويريد به جسراً معيناً معروفاً لديهم . (٢) الإخلاص : ١ ٠ ٨٩ له : كيف تقول فى الكتابة فى المحاريب ؟ فقال : قد كَرِهَه قوم ممَّن مضى . قالوا له هُوَ ذا فى محرابك كتابة أَوَما علمت به؟ قال : سبحان الله ، رجل يدخل على الله تعالى ويَدرِى مابين يديه . أبو جعفر التُسْتَرى قال : حضرنا أَبا زُرعة وكان فى السوق ؛ وعنده أبو حاتم . ومحمد بن مسلم والمنذر بن شَاذَان وجماعة من العلماءِ، فذكروا حديث الثَّلقين، وقوله عليه السلام ((لَقِّنوا مَوْتاكم لا إله إلا الله(١))» فأستحْيَوْا من أَبِى زُرعة وهابوا أَن يلقِّنوه ، فقالوا تعالَوْا نذكر الحديث فقال محمد بن مسلم أنبأَ الضحاك بن مخلد عن عبد الحميد بن جعفر ابن صالح ولم يجاوز ، والباقون سَكَتوا ، فقال أبو زرعة وهو فى السَّوْقِ : ثَنَا بندار قال : ثنا أبوعاصم قال : ثنا عبد الحميد بن جعفر ، عن صالح بن أبى غريب ، عن كثير بن مرّة الحضرمى ، عن معاذ بن جبل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن كان آخرُ كلامه لا إله إلا الله وتُوفِىّ رحمه الله(٢) )). أسند أبوزرعة عن خلاَّد بن يحيى وأبى نعيم ، وقبيصة ، وخلقٍ كثير ، وجالَس أَحمد بن حنبل وذاكَره . وكان أحمد إِذا ذَاكَره يترك الشّغل ويشتغل بمذاكرته . وتوفىّ بالرىّ آخر يوم من ذى الحجة سنة أربعٍ وستين ومائتين، وكان مولده سنة مائتين . أحمد بن محمد، أبو العباس المرادى قال : رأيت أبا زُرعة فى المنام فقلت يا أَبا زرعة ما فعل الله بك؟ فقال : لقيت ربىّ عزوجل فقال (١) الحديث صحيح أخرجه مسلم فى الجنائز ، والتر مذى برقم ٩٧٦ وأبوداود برقم ٣١١٧ والنسائي وابن ماجة . (٢) الحديث صحيح أخرجه أبو داود في الجنائز واحمد بن حنبل في المسند ٢٣٣/٥ ونحوه في البخاري في الجنائز . ٩٠ لى : يا أَبا زرعة إنِّى أُوتىَ بالطفل فآمر به إلى الجنة فكيف بمن حفِظ السُّنن على عِبادى؟ تَبوّأُ مِن الجنة حيث شئتَ . ٦٧٤ - يحيى بن معاذ بن جعفر الرازى : يكنى أبا زكريا . نَزيل الرىّ، ثم انتقل إلى نيسابور فسكنها وبهامات وكانوا ثلاثة إِخوة : إسماعيل ويحيى وابراهيم ، فاسماعيل أكبرهم سنًّا، ويحيى أَوسطهم، وإِبراهيم أصغرهم، وكانوا كلهم زهادًا (١). محمد بن محمود السمرقندى قال : سمعت يحيى بن معاذ الرّازى يقول: الكلام الحسن حَسن، وأحسن من الحسن معناه (٢) وأحسن من معناه استعمالُه وأحسن من استعماله ثَوابه ، وأحسن من ثوابه رِضا مَن يُعْمَل له . قال: وسمعت يحيى يقول: إِلّهى حُجَّى حاجتى وعُدّتى فاقتى ، وَسِيلنِى إِليك نعمتُك علىّ، وشفيعى إليك إِحسانُك إِلَّ. طاهر بن إسماعيل قال : سمعت يحيى بن معاذ يقول : الذى حجَب الناس عن التوبة طولُ الأَمل ، وعلامة التائب إِسْبال الدّمعة ، وحبّ الخلوة ، والمحاسبة للنفس عند كل هَمّة . عن أبى عمران قال : سمعت يحيى بن معاذ يدعو : اللهم لاتجعلنا ممن يدعو إليك بالأَبدان ويَهْرُب منك بالقلوب، يا أكرم الأَشياء علينا لاتجعلْنا أَهون الأَشياء عليك . الحسن بن علويه يقول : سمعت يحيى بن معاذ يقول : عَمَلٌ كالسراب، وقلبُ من التقوى خراب، وذُنوب بعدد الرّمل والتراب، ثم تطمع فى الكواعب الأَتراب ؟ هيهات ، أَنت سكران بغير شَرَاب، (١) ب : عباداً . وهذا الخبر ليس فى ق . (٢) ط: وأحسن من الكلام معناه. ٠ ٩١ ما أَكْمَلك لو بادرت أَملك، ما أَجلَّك لو بادرت أَجلك ، ما أَقواك لو خالفتَ هواك . محمد بن إسماعيل بن موسى قال : سمعت يحيى بن معاذ الرازى يقول : كيف أَمتنع بالذنب من الدعاء ولا أَراك تمتنع بذنبى من العطاء؟ أبوبكر بن طاهر قال : كان ليحيى بن معاذ أَخ يقال له إسماعيل، وكان أَكبرَ منه ، فقال رجل : مع مَنْ يريد أَنْ يَعيش أخوك يحيى وقد هَجر الخلق؟ قال : فذكر ذلك ليحي فقال له يحيى : أَلاقلت له : مع من هجَرهم فيه ؟ . الحسن بن علويه الدّامغانى قال : سمعت يحيى بن معاذ يقول : ذَنْبِ أَفْتَقِر به إليه أَحبٌ إِلىّ من طاعة أفتخر بها عليه . عبد الله بن سهل قال : سمعت يحيى بن معاذ يقول : ليكن حظ المؤمن منك ثلاثًا : إِن لم تنفعْه فلاتضرّه ، وإِن لم تُفرحْه فلاتغمّه، وإِن لم تمدحْه فلا تذعّه . الحسن بن عاويه قال : سمعت يحيى بن معاذ يقول : على قناطر الفِتن جاوزوا إِلى خزائن المِنَن . وسمعته يقول : إِلهى كيف أَفرح وقد عصيتُك؟ وكيف لا أَفرح وقد عَرَفتك؟ وكيف أَدعوك وأَنا خاطىء ؟ وكيف لاأَدْعُوك وأَنْت كريم ؟ . جامع بن أحمد قال : سمعت يحيى بن معاذ الرازى يقول : ليكن بيتَك الخلوةُ وطعامَك الجوعُ، وحديثَك المناجاةُ فإمَّا أَنْ تموت بدائك أوتصل إلى دوائك . مكحول بن الفضل النَّسفى قال : قال يحيى بن معاذ : مصيبتان ٩٢ لم يسمع الأَوّلون والآخرون بمثلهما فى ماله (١) عند موته . قيل ماهما؟ قال يُؤْخَذُ منه كلُّه ويُسْأَّل عنه كله . عبد الله بن سهل قال : قال يحيى بن معاذ الكيّس من عمال الله يلهج بتقويم الفرائض والجاهل يعنى بطلب الفضائل وتقويم الأعمال فى تصحيح العزائم . الحسن بن علويه قال : سمعت يحيى بن معاذ الرازى يقول : هلمّ يا ابنَ آدم إلى دخول جوار الله تعالى بلاعمل ولانَصَب ولاعَنَاءِ، أَنت بين مامضى من عمرك ومابقى ، فالذى مضى تُصلحه بالتوبة والندم وليس شيئًا عملته بالأركان فإِذا أَنت ( إِنما هو أمر نويتَه وتمتنع فيما بقى من الذنوب وامتناعك إنما هو شىء نويتَه وليس شيئًا عملته بالأركان فإذا أنت - (٢) ) نجوت بغير عمل مع القيام بالفرائض وهذا ليس بعمل وهو أكبر الأعمال لأَّنه عمل القلب والجزاء لايكون إِلَّا على عمل القلب . الحسن بن علويه قال : سمعت يحيى بن معاذ يقول: دوائء القلب خمسة أشياء ، قراءة القرآن بالتفكر ، وخلاء البطن وقيام الليل، والتضرع عند السحر ، ومجالسة الصالحين . وسمعته يقول : إذاكنت لاترضى عن الله كيف تسأله الرضا عنك . الحسن بن على بن يحيى قال : قال يحيى بن معاذ : لولا أَن العفو من أَحب الأشياء إليه (٢) ما ابتلَى بالذنب أَكرمَ الخلق عليه. (١) أى فى مال الإنسان. وهو مفهوم من السياق. وفى ق: ( بمثلها) بدل ( بمثلهما) تحريف . (٢) ما بين قوسين من قط، وليس فى ب، وأكثر هذه العبارات ليس فى ق . (٣) أى إلى اللّه تعالى. 1 ٩٢ عبد الله بن سهل الرازى قال : سمعت يحيى بن معاذ يقول : كم من مستغفر ممقوت وساكتٍ مرحوم . ثم قال يحيى : هذا استغفَر الله وقلبُه فاجر ، وهذا سكت وقلبُه ذاكِر . أحمد بن عبد الجبار المالكى قال : سمعت يحيى بن معاذ الرازى يقول حقيقة المحبة أنها لاتزيد بالبرّ ولاتنقص بالجَفاءِ . السّرىّ بن سهل قال : سمعت يحيى بن معاذ يقول : الناس ثلاثة : رجل شغله مَعادُه عن معاشه ، ورجل شغله معاشه عن معاده ورجل مشتغل بهما جميعًا، فالأُولى دَرَجة الفائزين، والثانية درجة الهالكين ، والثالثة درجة المُخاطِرِين . الحسن بن علويه قال : سمعت يحيى بن معاذ يقول : ليس بعارفٍ من لم يكن غاية أَمله من ربه العفْز . عبد الله بن صالح قال : قال يحيى بن معاذ : الزاهدون غُرباءُ الدنيا والعارفون غُرباء الآخرة . محمد بن الحسين بن المعلى (١) البلخى قال سمعت يحيى بن معاذ يقول : يابن آدم طلبتَ الدّنيا طلبَ مَنْ لابدّ له منها، وطلبتَ الآخرة طلبَ مَن لاحاجة له إليها ، والدنيا قد كُفيتَها وإِن لم تطلبها ، والآخرة بالطَّلب منك تَنالها فاعقل شأنك . عبد الله بن سهل الرازى قال : سمعت يحيى بن معاذ يقول مَفَاوِز الدنيا تُقْطع بالأَّقدام ، ومَفَاوِز الآخرة تُقْطع بالقلوب - وسمعته يقول يا ابن آدم لايزال دينك متمزّقًا مادام قلبك بحب الدنيا مُتَعلقًا . وسمعته يقول ، وقيل له من أَىّ شىءٍ دَوَامُ شَمّك ؟ قال : من شىءٍ واحد قيل : ماهو ؟ قال: خلقنى ولا أدرى لم (٢) خلقنى. (١) ب : العلاء . (٢) ط : لا . ٩٤ وسمعته يقول ، لايفلحُ من شَمَمْت منه رائحة الرياسة . وسمعته يقول : من سعادة المرء أن يكون خصمه فهمًا وخَصْمى لافهم له . قيل له : ومن خَصمك؟ قال : نفسى تبيع الجنة بما فيها من النعيم المقيم بشهوة ساعة . وسمعته يقول : للتائب فخر لايعادله فخر ، فرح الله بتوبته . أبو العباس بن حكمويه الرازى قال : سمعت يحيى بن معاذ الرازى يقول: لا تَسْتبطىء الإِجابة إذا دعوتَ وقد سَدَدْتَ طُرقاتِها بالذنوب. وسمعته يقول : إِلهى إن كانت ذنوبى عَظُمت فى جنب نهيك فإنها قد صَغُرت فى جنب عفوك . وسمعته يقول : لوسمع الخلق صوت النِّياحة على الدنيا فى الغيب من ألسنة الفَناءِ لتساقطت القلوب منهمٍ حُزْنًا ، ولو رأت العقول بعيون الإيمان نزهة الجنة لَذَابت النفوس شَوْقًا، ولو أَدركت القلوب كُنَّه المحبة لخالِقِها لانْخَلَعَتْ مفاصلها ولَهَا، ولطارت الأرواح إليه من أبدانها دَهَشًا ، سبحان من أغفل الخليقة عن كنه هذه الأشياء ، وأَلْهَاهم بالوصف عن حقائق هذه الأنباءِ . الحسن بن على قال سمعت يحيى بن معاذ يقول الليل طويل فلا تُفَصّره بمنامك ، والنهار نقىٌّ فلاتُدَنِّسْه بآثامك .. عبد الله بن سهل قال : سمعت يحيى بن معاذ يقول حُفَّت الجنة بالمكاره وأنت تكرهها ، وحُفَّت النار بالشهوات وأَنْت تَطْلبها ، فما أَنْت إِلا كالمريض الشديد الداءِ ، إِن صَبَّر نفسه على مَضَض الدواءِ اكتسبَ بالصّبر عافِيةً وإِنْ جَزِعَت نفسه مما يلقى طالت به عِلَّة الصّنا . عبد الله بن محمد بن وهب قال : سمعت يحيى بن معاذ يقول أَلا إِن العاقل المصيب من عمل ثلاثًا : ترك الدنيا قبل أن تتركه ، وبنى قبره قبل أن يدخله ، وأَرضى ربه قبل أن يلقاه . ٩٥ وسمعته يقول : الدنيا خراب ، وأَخربُ منها قلبُ مَن يَعمُرها ، والآخرة دار عُمران ، وأَعمَرُ منها قلبُ مَن يَطْابها . وسمعته يقول : أَخوك من عرّفك العيوبَ، وصديقك من حذَّرك من الذنوب . وسمعته يقول : عجبت ممن يحزن على نُقْصان ماله كيف لايحزن على نقصان عمره . وسمعته يقول : على قدر خوفك من الله يَهابك الخلق ، وعلى قدر حبّك الله يحبك الخلق، وعلى قدر شغلك بالله يشتغل الخلق بأمرك . محمد بن محمود السمرقندى قال : سمعت يحيى بن معاذ يقول : إِنْ قال لى يومَ القيامة : عبدى ، ما غرّك بى ؟ قلت : إلّهى بِرُك بى . وسمعته يقول، وسئل: أَرِنا عارفًا (١)، قال : وأين أنتم فأُريكم ؟ عجبًا لقوم عَمُوا عن العُرفَاء يطلبون الخلفاءَ . وسمعته يقول : استسلم القوم عندما فهموا . وسمعته يقول : من قوة الیقین ترك ما یُری لما لايُرى . وسمعته يقول : أيها المريدون إِن اضطُررتم إلى طلب الدنيا فاطلبوها ولاتحبّوها ، وأَشغلوا (٢) بها أَبدانكم وعلِّقوا بغيرها قلوبكم، فإِنَّها دار مَمَرٌ وليست بدار مَقرَّ ، الزاد منها (٣) والمقيل فى غيرها. وسمعته يقول : رضى الله عن قوم فغفر لهم السّيئات ، وغضب على قوم فلم يَقْبل منهم الحسنات . (١) أى عارفاً بالله. ق: ((وقيل له)) بدل ((وسئل)). وأثب ما فى ط . (٢) ط : أشغلوا (٣) ق : فيها ، وأثبت ما فى ط . ٩٦ وسمعته يقول : يا ابنَ آدم ، مالك تأسف على مفقود لايردّه عليك الفَوْت؟ ومالك تفرح بموجود لايتركه فى يديك الموت ؟ وسمعته يقول : التوحيد فى كلمة واحدة ، ما تصوّر فى الأوهام فهو بخلافه . وسمعته يقول : طاعة لاحاجة بى إليها لاتمنعنى مغفرة لاغناءَ بى عنها . وسمعته يقول: هو أَلْقَاهم فى الذنب يوم سمَّى نفسه العفوّ الغفور. وسمعته يقول: ذنب أَفتقر به إِليه أَحب إِلىَّ من عمل أُدِلّ به عليه . وسمعته يقول: إِلهى كيف لا أَرجوك تغفِر لى ذنبًارجاوك أَلقانى فيه. ؟ وسمعته يقول : إِن الحكيم يَشْبع من ثمار فيه (١). وسمعته يقول : كيف أَحب نفسى وقد عَصَتْكَ (٢) ؟ وكيف لا أَحبها(٣) وقد عَرَفَتْك. ؟ وسمعته يقول : إِن وضع علينا عدله لم تبق لنا حسنة ، وإِن أَتي فضلُه لم تبق لنا سيئة . وسمعته يقول : إِن غفرتَ فخيرُ راحم ، وإِن عذّبتَ فغير ظالم وسمعته يقول : إِلّهى ضيعتُ بالذنب نفسى ، فارْدُدْها بالعفو علىّ . وسمعته يقول : إِلّهى ارحمنى لِقُدرتك علىّ أَوْ لحاجتِى إِليك. وسمعته يقول: مسكين مَن عِلْمُهُ حَجيجُه(٤) ولسانه، وفهمه القاطع لعذره(٥) . وسمعته يقول : ذنوب مزدحمة على عاقبة (٦) مبهمة . ثم قال : إلهى سلامة إِن لم تكن كرامة . (١) أى فيه . (٢) ط : عصيتك . (٣) ق : أحبها . والتصويب من ط . (٦) ط : عافية . (٥) كذا فى النسخ . (٤) أى الذى يحاجه . ٩٧ وسمعته يقول ، وسئل : ما العبادة ؟ فقال : حرفةٌ حانوتُها الخلوة ورِبْحها الجنة . وسمعته يقول : يامن ربَّانى فى الطَّريق بِنِعَمِه ، وأُشار لى فى الورود إلى كرمه معرفتى بك دليلى عليك ، وحبّى لك شفيعى إِليك . وسمعته يقول : يا من أَعطانا خير ما فى خزائنه : الإيمانَ به قبل السؤال ، لاتمنعنا عفوك مع السؤال . وسمعته يقول : إِلّهى إن إِبليس لك عدوّ وهو لنا عدو ، وإِنَّك لاتَغِيظه بشىءٍ هو أَنكاً له من عَفْوك، فاعف عنَّا يا أرحم الرّاحمين . وسمعته يقول : يامن يغضب على مَن لايسأله، لا تمنع مَن قَدْ سأَلك. وسمعته يقول : لاتقع للمؤمن سيئة إلا وهو خائف أن يؤخذ بها ، والخوف حسنة فيرجو أن يعفى عنها والرجاء حسنة . وسمعته يقول : إلّهى لاتنس لى دلالتى عليك وإشارتى بالربوبية إليك ، رفعتُ إِليك يدًا بالذنوب مغلولةً، وعينًا بالرجاءِ مكحولةً ، فاقبلنى لأَنْك ملك لطيف ، وارحمنى لأَنى عبدٌ ضعيف . وسمعته يقول : هذا سرورى بك خائفًا ، فكيف سرورى بك آمنًا؟ هذا سرورى بك فى المجالس فكيف سُرورى بك فى تلك المجالس؟ هذا سرورى بك فى دار الفناء فكيف يكون سرورى بك فى دار البقاء.؟ عبد الله بن سهل قال : سمعت يحيى بن معاذ يقول : من أُحبّ زينة الدنيا والآخرة فلينظر فى العلم ومن أحب أن يعرف الزُّهد فلينظر فى الحكمة ، ومن أحبّ أن يعرف مكارم الأخلاق فلينظر فى فُنون الآداب، ومن أَحبّ أَن يَسْتَوْثق من أَسباب المعاش فَلْيَسْتكثر من الإِخوان ، ومن أَحبّ أَن لايؤذَى فلايؤذِيَنّ، ومن أَحب رِفعة الدنيا والآخرة فعليه بالتقوى . ( م ٧ - صفة الصفوة جـ ٤) ٩٨ وسمعته يقول : من خان الله عزوجل فى السرِّ هتكَ سِرَّه فى العلانية. أبو محمد الإسكاف قال : سمعت يحيى بن معاذ يقول : لست آمركم بترك الدنيا ، أمركم بترك الذنوب - ترك الدنيا فضيلة وترك الذنوب فريضة، وأنتم إلى إقامة الفريضة أَحْوج منكم إلى الحسنات والفضائل - الحسن بن عاويه يقول : سمعت يحيى بن معاذ يقول: لاتكن ممن يفضحه يومَ موته ميراثُه، ويوم حشره ميرانُه . الحسن بن علويه قال: سمعت يحيى بن معاذ يقول : الدنيا خمرٌ. الشيطانِ ، مَن سكِرَ منها لايُفيق إلا فى عَسكر الموتى نادمًا بين الخاسرين. محمد بن محمود السمرقندى قال : سمعت يحيى بن معاذ يقول ، وقال له بعض الملحدين : أُخبرنى عن الله ماهو؟ قال : إلّه واحد . قال كيف هو؟ قال : ملك قادر . قال : أين هو؟ قال : بالمرصاد. قال ليس عن هذا سألتك . قال يحيى : فذاك إِذًا صفة المخلوقين ، وأمَّا صفة الخالق فما أُخبرتك به . سمع يحيى بن معاذ من اسحاق بن ابراهيم الرازى ومكى بن ابراهيم البلخى وعلى بن محمد الطنافسى وتوفى بنيسابور سنة ثمان وخمسين ومائتين والسلام . ٦٧٥ - ابراهيم بن أحمد بن اسمعيل الخواص : یکنی أبا اسحاق . أصله من سُرّ مَن رَأَی ،لكنه أقام بالرّی ومات بها. جعفر بن محمد الخلدى فى كتابه قال : سمعت إبراهيم الخواص يقول : سلكت البادية إلى مكة سبعة عشر طريقًا فيها طريقٌ مِن ذهب ، وطريقٌ من فضة . أبو مسلم السقاء قال : سمعت بعض أصحابنا يحكى عن إبراهيم ٩٩ الخوّاص أنه قال: كان لى وقتُ فَتْرةٍ (١)، فكنت أُخرج كلّ يوم إِلى شَطِّ نهرٍ كبير كان حَوَاليه الخُوصِ، وكنت أَقطع شيئًا من ذلك وأَسُفَّه (٢) قِفافًا وأَطرحه فى ذلك النهر فأَتسلَّى بذلك وكأَّنى كنت مطالبًا به . فجرى وقتى على ذلك أيامًا كثيرة فتفكرت يومًا وقلت . أَمْضى خلف ما أَطرحه فى الماءِ من القِفاف لأَنظر أين تذهب فمضيت على شاطىء النهر ساعات ولم أَعمل ذلك اليوم فإِذا عجوز قاعدة على شطٌّ. النهر تَبكى ، قلت : مالك تبكين ؟ فقالت : لى خمسة من الأَيتام مات أبوهم فأَصَابنى الفقر والشدة فأَتيت يومًا هذا الموضع فجاءَ على رأس الماءِ قِفاف من الخوص فأخذتها وبعتُها وأنفقت عليهم ، وأَتيت اليوم الثانى والثالث والقِفافُ تجئُ على رأس الماء فكنت آخذُها وأبيعها، واليوم ماجاءَت . قال ابراهيم : فرفعت يدى إلى السماء وقلت : اللهم لوعلمت أَن لى خمسةً من العيال لزدت فى العمل . وقلت للعجوز : لاتغتمِّى فإِنِى الذى كنت أَعمل ذلك . فمضيت معها فكانت فقيرة فقمت بأمرها وبأَمْر عِيالها سنين . أو كما قال . محمد بن زياد المقيم بكلواذَى وكان قد بكى (٣) حتى ذهبت عيناه. قال : سألت ابراهيم الخوّاص عن أعجب مارآه فى البادية فقال : كنت ليلة من الليالى فى البادية فيٍمت(٤) على حَجَر فإِذا أَنا بشيطان قد جاءَ وقال : قم من هاهنا . فقلت : اذهب. فقال: إِنِى أَرْفُسُك فتَهلِك . فقلت : افعل ماشئت . فرفَسنى فوقعَت رِجله علىّ كأنها (٢) أنسجه . (١) أى استراحة أو توقف عن العمل. ط : وقتاً، تحريف. (٣) بعدها فى ب وحدها: ((وكان فريكاً))؟. وكلواذى، بفتح أوله، وآخره (٤) قط : فقمت . مقصورة : موضع قرب بغداد . ١٠٠ خِرْقة ، فقال : أَنت ولىّ الله ، مَن أَنت ؟ قلت : أَنا ابراهيم الخواص. قال : صدقت . ثم قال : يا إبراهيم معى حلال وحرام ، فأَما الحلال فرمّان من الجبل المباح ، وأما الحرام فحِيتان(١)، مررت على صيَّادَيْن وهما يصطادان فَتَخَاوَنَا فأخذت الخيانة فكل أَنت الحلال ودَع الحرام. حامد الأَسود قال : كنت مع إبراهيم الخواص فى سفر فدخلنا إلى بعض الغِيَاض فلما أدركنا الليل إذا بالسباع قد أحاطت بنا فجزعتُ لرؤيتها وصعدتُ إلى شجرة، ثم نظرتُ إلى ابراهيم وقد استلقى على قفاه فأَقبلَتِ السباع تلحَسُه من قَرنه إلى قدميه ، وهو لايتحرّك . ثم أصبحنا وخرجنا إلى منزل آخر وبتنا فى مسجد فرأيت بَقَّةً وقعت على وجه إِبراهيم فلسَعتْه ، فقال: أَخّ . فقلت يا أَبا إِسحاق أَىُّ شىءٍ هذا التأَوّه؟ أين أنت من البارحة؟ فقال : ذاك حال كنتُ فيه بالله ، وهذا حال أنافيه بنفسى . علىّ بن محمد الحلوانى قال(٢) : كان ابراهيم الخواص جالِسًا فى مسجد الرىّ وعنده جماعة إِذ سَمع مَلاهِى (٣) من الجيران، فاضطرب ن ذلك مَن كان فى المسجد وقالوا : يا أبا إسحاق ما تَرى؟ فخرج ابراهيم من المسجد نحو الدار التى فيها المنكر فلما بلغ طرف الزّقاق إِذا كلب رابض فلما قرب منه ابراهيم نبح علَيْه وقام فى وجهه. فرجع ابراهيم إلى المسجد وتفكّر ساعة ثم قام مبادرًاً وخَرجَ فمرَّ على الكلب فَبَصْبَصَ الكلبُ(٤) له فلما قرب من باب الدّار خرج إليه شابًّ حسن الوجه وقال : أيها الشَّيخ لِمَ انزعجت؟ كنتَ وجَّهتَ ببعض من عندك فأَبْلِغ لك كلَّ ما تريد ، وعلىّ عهد الله وميثاقه (١) ج: حوت. (٢) هذا الخبر مؤخر فى ق إلى نهاية ترجمة إبراهيم الخواص. (٣) ط : ملأه، تحريف صوابه: ملاه. (٤) حرك ذنبه .