Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
٦٣٨ - عابد آخر :
عابد بَعبَّادان قال مكثت ستة أيام لم أَطعم شيئًا . قال : قلت
أُجرّب نفسى على الصبر. فلما كانت الليلة السابعة دخل فى قلبى
من ذلك سرور ، ورأيت أنى قد صبرت وعملت شيئًا فإذا بقائل
يقول : لم تبلغ كُنْهَ الصابرين، إنما الصابرون المستقلُّون لأَعمالهم(١)
الخائفون عليها من فَسادها ، الوَجِلون من ردّها عليهم ، فأولئك هم
الصابرون .
٦٣٩ - عابد آخر :
أَحمد بن محمد البزَّاز قال : كنت بعبَّادان وكانت ليلة عاشوراءَ،
فدخلت إلى دار السَّبِيل فرأيت فقيرًا جالسًا يأكل خبز الشعير وملحًا جَريشاً (٣)
فاحترق قلبى عليه وكان معى ألف دينار للتفرقة بعبَّادان فسألت عنه
فَقيل(٣)؛ هو أفضل مَن ههنا فى الزهد ومنازلة الفقر فقلت فى
نفسى: أَعطيه الدنانير التى معى فإِنِّى لا أعرف المستحقِّين.
فلما أَصبحنا قصدتُه وسلَّمت عليه وجلست إليه وباسَطنى وباسطتُه
فقلت له : رأيت الشيخ البارحة يأكل خيز الشعير وملحاً جَرِيشًا وأَعلم
أنه كان صائماً فحملت إليه شيئًا ليتحكم فيه . وقدّمت إليه الكيس
وقلت له هو ألف دينار فشدّد النظر وقال : خذه فإن هذا جزاء مَن
أَفشى سرُّه إلى الناس .
٦٤٠ - عابد آخر :
أَبو الخير الأسود المعروف بالعسقلانى قال : كان بعبَّادان رجل
زنجى مُغلفَل الشعر يأوى الخَربات (٤) ، فحملت معى شيئًا وطلبته
(١) يجدونها قليلة بالقياس إلى ما يجب عليهم نحو ربهم .
(٢) الجريش والمجروش: ما طحنته غير ناعم . ق : جريشياً ، تحريف.
(٣) ط : فقالوا .
(٤) مفردها : خربة ( بكسر فسكون) و (خربة)
بفتح فكسر . ق : الخرابات . وأثبت ما فى ط .

٦٢
فلما رفع بصره تبسَّم وأشار بيده إلى الأرض ، فرأيت حوالىّ حيث
أُرى دراهم ودنانير تلمعان . ثم قال لي : هات مامعك فناولته وهربت
وهالنى أمره .
٦٤١ - عابد آخر :
عبد الله بن محمد قال : كتب إلىّ إسحاق بن موسى الأَنصارى
يذكر أن عبَّاد بن كليب حدثهم قال : كنت بعبَّادان فرأيت شابًا من
قريش عليه جبة صوف فسمعته يقول : إِنَّ الله عِبادًا يسترْوِحون إلى
الْغُموم فقلت : يرحمك الله تلبس الصوف؟ فقال : إنما أنا عبد
فإِذا أُعتِقت لبست فذكرت ذلك لشريك فقال: ما أكره الصّوف لمثل
هذا ، ما خَرج هذا الكلام إلا من كنز .
٦٤٢ - عابد آخر :
بحر أبو يحيى العابد قال : رأيت عابدًا بعبَّادان يبكى عامة
الليل والنهار فقلت له : يا أخى كم تبكى فازداد بكاءً ثم قال لى :
فما أَصنع إذا لم أَبك ؟ فما أَصنع إذا لم أَبك؟ وغُشِى عليه .
ومن عابدات عبادان
٦٤٣ - عابدة :
صالح بن عبد الله قال . خرجنا إلى عبَّادان منذ نحوٍ من ستِّين
سنة ، فلما صِرْناه عند الجبل فى بعض تلك السِّكك ومعنا قارىء لنا
فقرأً فإذا امرأة على سطحٍ فصرخت ثم سقطت من السطح فحُمِلت
فأدخِلت دارًا ثم مابرحنا حتى ماتت .
قال : ونُودِى فى أهل البصرة فما رأيت يومًا أَحسن ولا أَكثر
جمعًا من ذلك اليوم إِنْتَهِى ذِكْرُ أَهْل عَبَّادان .

٦٣
٦٤٤ - ذكر مجنون بمهرجان قلق(١):
أبو همام ، إسرائيل بن محمد القاضى قال : كان بمهرجان قَذق
رجل يقال له سابق وكان معتوهًا ذاهب العقل قد توحَّش فكان مَأْواه
الخَرِبات والغِياض والمقابر قال: وكنت أُحب أَن أُكلّمه وأسمح
جوابه . فقيل لى يومًا : هو فى المقابر . فقمت حافيًا فدخلت المقابر
فإِذا أَذا به منكِّس رأسه فى قبر ، فلم يعْلم حتى سلَّمت فرفع رأسه فقال :
وعليكم السلام .
قال : وهِبْته فانقطعت ولم أَتكلَّم ، فرأَى ذلك فىّ فقال : يا إِسرائيل
خفِ الله خَوْفًا لايَشْغَلك عن الرّجاء فإِنك إِن أَلزمت قلبك الرجاء شغَلْته
عن الخوف، وفِّ إِلى الله ولاتفرّ منه فإِنَّهُ مُدركك ولن تعجزه ، ولاتُطع المَخْلوقَ
فى معصية الخالق واعلم أن الله تعالى يومًا تشخص فيه القلوب والأبصار،
مُهُطِعِين مُقْنِعِى رُؤُوسهم لايرتدّ إليهم طَرفهم وأَفئدتهم هواء(٢).
قال: ثم قام فتخطَّى حائطًا ومَضى (٣) فى الخرابات(٤) فقلت للذى
يحفر القبور: إِذا جاءَ فَأْتِنِى فأَعْلِمْنى .
فمكث شهرًا أو أكثر ، قال : وأَتانى الرجل فقال : قد دخل
الساعةَ المقابرَ فقمت إليه فى غير نَعل ولارداءٍ ، فلما بَصُرَبِى وَلَىّ
وأَسرعتُ فقلت : يا سابق لا أعود إليك بعد اليوم . فوقف فقلت :
علِّمنى كلمات أدعوبهنّ فقال: إِنَّ آخذَ(٥) الكلام للقلوب ماجاءً من
(١) لم يذكر هذا الموضع ياقوت ولا صاحب معجم ما استعجم.
(٣) ط: فمضى.
(٢) اقتباس من الآيتين ٤٢، ٤٣ من سورة إبراهيم .
(٤) كذا فى النسخ. وهى عامية، والصواب: الخربات، بكسر الراء وفتح الخاء ،
والخرائب .
(٥) كذا فى ق . وهى كذلك فى المطبوعة، إلا أن أصحابها صوبوها فى صفحة الاستدراك
إلى ((أحد)) بفتح الحاء وتشديد الدال .

٦٤
القلوب وإِنَّ أَفضلَ الأَعمال ما أُكرِ هَت عليه النفوسُ . ثم قال : قل
اللهم اجعل نظَرى عِبرة، وسكونى فِكْرة، وكلامى ذِكْرَاثم ولىّ مسرعًا .
ذکر من اصطفی من أهل تستر (١)
٦٤٥ ۔۔ سهل بن عبد الله بن یونس التستری یکنی أبا محمد رضى الله عنه:
العباس بن أحمد قال : سمعت سهل بن عبد الله يقول : آلة
الفقير ثلاثة أشياء : حِفْظ سرّه، وأَداء فرضه ، وصيانة فَقره .
أبوبكر الجوزى قال : سمعت سهل بن عبدالله يقول : ليس
كلّ مَن عملَ بطاعة الله صار (٣) حبيب الله، ولكن من اجتنب مانَهى
الله عنه صار حبيب الله ولايجتنب الآثامَ إِلَّ صديق مقرَّب وأَما
أعمال البرّ فيعملها البَرّ والفاجر .
أخبرنا محمد. قال : أَنا حمد قال : أَنا أَحمد بن عبد الله قال :
سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول : سمعت أبا بكر محمد بن المنذر
يقول : قال سهل بن عبد الله : من دَقّ الصراطُ عليه فى الدنيا عَرُض
عليه فى الآخرة ، ومن عَرُض عليه الصّراط. فى الدنيا دقَّ له فى الآخرة.
أَبو عبد الله محمد بن أحمد بن سلمة قال : سمعت سَهْل بن
عبد الله يقول : استَجلِبْ حَلاوةَ الزُّهد بِقِصَر الأَمل، واقْطَع أَسباب
الطَّمع بصِحَّة اليأس ، وتعرّض لرقَّة القلب بمجالسة أَهل الذِّكر ،
واستفتِح بابَ الحزن بطول الفِكر، وتزيَّنْ لله بالصدق فى كل
الأَحوال، وإِيَّاك والنَّسويف فإِنه يُغرق الهلكى، وإِيَّاك والغَفلة
فإِنَّ فيها سواد القلب ، واستجلِبْ زيادة النِعَم بعظيم الشّكر.
(١) ق: ((المصطفين من أهل تستر)). وأثبت ما فى ط. وتستر: (بضم التاء الأولى
وسكون السين وفتح التاء الثانية): مدينة فى إيران (عربستان).
(٢) ب : يصير .

٦٥
أبو حفص بن شاهين قال : قرأت على جعفر بن محمد الثقفى ،
سمعت سهل بن عبد الله يقول : أُول الحجاب الدعوى فإذا أخذوا فى
الدعوى حرموا .
أبوبكر أحمد بن محمد السائح قال : سمعت القاسم بن محمد
صاحب سهل يقول سمعت سهل بن عبد الله يقول : ليس بين العبد
وبين الله حجاب أغلظ. من الدعوى ، ولاطريق أقرب إليه من الافتقار.
على بن سالم : سمعت سهل بن عبد الله ، وقيل له أَىّ شىءٍ أَشدّ
على النفس ؟ فقال : الإِخلاص ، لأنه لها فيه نصيب .
محمد بن الحسن بن الصباح قال : سمعت سهل بن عبد الله
يقول: أَمسِ قد مات ، واليومُ فى النَزْعِ، وغدٌ (١) لم يولد .
أبو العباس الخوّاص ، جارنا بالدور ، قال ، كنت عند سهل
ابن عبد الله وكنت أُحِبُّ شيئًا من أمره الذى كان يُسرّه ، وقد كنت
سألت جماعة من أصحابه : من أين يقتات ؟ فلم يقف أحد منهم على
شىءٍ فيخبرَنى به ، فجئت ليلةً إلى مسجده وهو قائم يصلِّى فوقفت
طويلاً وهو لايرجع حتى جاءت شاة فَزَحَمَتْ باب المسجد وأَنا أَرَاها ،
فلما سمع سهل حركة الباب رَكَع وسجد وسلَّم وخرج إلى باب المسجد
ففتحه وقدّم الشاة إِليه ومسح يده عليها، وقد كان أَخرج معه قَدَحًا
أخذه من طاقٍ فى المسجد فَحلَب وشَرِب ثم مسح يده عليها وكلَّمها
بالفارسية فذهبت فى الصحراء ، ودخل هو إلى المسجد وقام فى محرابه .
محمد (٢) بن الحسن بن الصباح قال : قال سهل بن عبد الله
التُسْتَرى : مَن أَراد أن ينظر إلى مجالس الأنبياء فلينظر إلى مجالس
(١) كذا فى ق. وفى ط: وغداً. (٢) من هنا إلى نهاية الترجمة ساقط من ق .
(٢ ٥ - صفة الصفوة جـ ٤)

٦٦
العلماء ويجىء الرجل فيقول : يافلان أَىّ شىءٍ تقول فى رجل حلف على
امرأته بكذا وكذا ؟ فيقول طُلِّقت امرأته، ويَجىءَ آخر فيقول بما (١)
تقول فى رجل حلف على امرأته بكذا وكذا فيقول : ليس يحنث بهذا
القَول . وليس هذا إِلَّ لنبىّ أَولعالم فاعرفوا لهم ذلك.
أَسْند سهل عن خاله محمد بن سوّار ، ولقى ذا النون ، وتوفى سنة
ثلاث وثمانين ومائتين ، وقيل ثلاث وسبعين - رضى الله عنه .
ومن المصطفين من أهل شيراز (٢)
٦٤٦ - أبو اسحق ابراهيم بن على بن يوسف الشيرازى :
ولد فى سنة ثلاث وتسعين وثلاث مائة ، وتفقَّه على جماعة منهم
أَبو الطيّب الطَّبرى ، ودخل بغداد فى سنة خمس عشرة وأربعمائة ،
وسمع الحديث من البرْقانى وأَبِى علىّ بن شاذان، ورأَى رسول الله
صلى الله عليه وسلم فى منامه ، فقال له : ياشيخ فكان يفرحُ ويقول
سمَّانى رسول الله صلى الله عليه وسلم شيخًا .
وقال : كنت أَعِيد كل درس مائة مرة وإِذا كان فى المسئلة بيتٌ
يُسْتَشْهد به حَفِظت القصيدةَ كلَّها لأَجله، وكان عاملاً بالعلم وصابرًا
على خُشُونة العيش .
وقال يومًا لبعض أصحابه : وَكَّلْتُك فى أَن تشترىَ لى دِبسًا بهذا
القُرْص على وجه الآخر (٣). فمضى واشترى وجاءَ به وشكّ بأَىِّ
القُرْصَيْن اشترى؟ فما أَكل الشيخ ، وقال : لاأدرى هل اشتريتَ
بالقرص الذى وكَّلتُك فيه أَم بالآخر ؟
(١) كذا، والأصوب : يم .
(٢) بلد عظيم مشهور فى بلاد فارس .
(٣) أى القرص الأعلى ، وتحته قرص آخر .

٦٧
وكان يومًا يمشى ومعه بعض أصحابه فَعَرَضَ فى الطَّريق كلبٌ
فزجره الصاحب ، فنهاه أبو إسحاق وقال : لِمَ طردتَه عن الطريق؟
أَما علمت أن الطريق بينى وبينَه مُشْترك.
وقال أبو الوفاء ابن عقيل : شاهدت شيخنا أَبا إِسحاق لايُخْرِج
شيئًا إِلى فقير إلَّا أَحْضَر النيّة، ولا يتكلم فى المسألة إِلا قدّم الاستعانة
بالله وإخلاص القَصد فى نُصْرة الحق دون التحسّن للخلق، ولاصَنَّف
مسألة إِلَّا بعد أن صلى ركعات ، فلاجرم شاع اسمه وانتشرت تصانيفه
شرقًا وغربًا - هذه بركات الإِخلاص ..
وتُوفى أبو إسحاق فى سنة ست وسبعين(١) ورَّئى فى المنام وعليه
ثياب بيض وعلى رأسه تاج فقيل له : ما هذا البياض ؟ فقال : شَرَف
الطاعة . قيل : والتاج ؟ قال عِزّ العلم . رضى الله عنه .
ومن المصطفين من أهل كرمان (٢)
٦٤٧ - شاه بن شجاع الكرماني :
يُكْنَيُ أَبا الفَوارِس كانَ مِنْ أَبْناءِ المُلوكِ فَتَزَهَّد رضى الله عنه .
أبو عبد الرحمن السلمى قال : سمعت جدّى أَباعمرو بن نَجِيد
يقول : كان شاه بن شجاع حادّ الفِراسة . وقيل : مَاأَخطأَت فِراسته.
وكان يقول : من غضَّ بصره عن المحارم وأَمسك نفسه عن
الشهوات ، وعَمرباطنه بدوام المراقبة، وظاهِرَه باتِّباع السُّنة، وعَوّد
نفسه أكل الحلال لم تُخطِ. [له] فِراسة .
(١) أى ٤٧٦ هـ .
(٢) کرمان ( بفتح الکاف وقد تکسر ) : بلد مشهور فى بلاد فارس .

٦٨
ابن الحشا قال : قال شاه الكَرْمانى : مَنْ صَحِبِكَ ووافقك على
يحبّ، وخَالَفَك فيما يكره ، فإِنما يَصحب هواه ، ومن صَحِبَ
هواه فهو يطلب راحة الدنيا .
أبو علىّ الأَنصارى قال : سمعت شاه بن شجاع الكرمانى يقول :
لأَهل الفضلِ فضلٌ مالم يَروه ، فإِذا رَأَوْه فلافضلَ لهم ، ولأَهل الولاية
ولاية مالم يَروها ، فإذا رأَوها فلا ولايةً لهم .
صحب شاه بن شجاع أباتراب النخشى وأَبا عبيد البسرى
وغيرهما ، وَلانعلمه أَسند حديثًا .
وَحكى السّلَمىّ عن عبد الله بن محمد الرازى قال: أَظنه مات
بعد سبعين وَمائتين رضى الله عنه .
ومن المصطفين من أهل أرجان
٦٤٨ - عابدة (١):
عَبد ربِّه الخواص قال: قالت كان بأَرَّجَان امرأة فارسية تقول: (٢)
يامولاى تدبّرتُ حكمتَك فى (٣) خلقك فإِذا العدل منك يَقصمهم،
ثم رجعت بعدُ إِلى معرفتى بسعة رحمتك . فعلمت أَنَّ عَفْوَك يسعهم ،
مولاىَ أَخرت الخاطئين فلم تعجّل عليهم بالعقوبة فلقد أُطمعهم
حُسن إِنظارك(٤) لهم فى حُسن عفوك عن جرائم الخاطئين ، وما يمنعهم
من ذلك وَقد تقدّم إِلى الأُمم إِحسانك قبل ذلك ؟ .
قال وكانت تنوح على نحو هذا الكلام وَتبكى رضى الله عنها .
(١) ط : رضى الله عنها.
(٢) ط: ((قالت امرأة بأرجان فارسية)).
(٣) ط : بين .
(٤) الإنظار : الإمهال والتأخير .

٦٩
ومن المصطفين من أهل سجستان
٦٤٩ - أبو داود السجستانى :
وَاسْمُهُ سُلَيْمانِ بْنُ الأَشْعَثِ بنُ إِسْحَاق كان من أَكبر أَئمة
المحدّثين وعلمائهم بالنقل وَعِلَلِهِ، ولم يسبقه أحد إلى مثل تصنيفه
كتاب السنن ، وعرَضَه على أحمد بن حنبل فاستحسنه .
وقال إبراهيم الحربى : أُلِينَ الحديثُ لأَبى داود كما أُلِينَ الحديد
لداود ، وجَمع مع علمه الورعَ والتَّقْوى.
أبوبكر بن راشد قال سمعت أبا داود يقول : كتبت عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم خَمْسَ مائة ألف حديث وانْتَخَبْت منها ما ضمَّنته
هذا الكتاب ، يعنى كتاب السنن ، جمعت فيه أربعة ألف وثمان مائة
حديث ، ذكرتُ الصحيح وما يُشبهه وما يُقاربه ، ويكفى الإِنسانَ
لدينه من ذلك أربعةُ أَحاديث : أَحدُها : قوله صلى الله عليه وسلم
(الأعمال بالنيات)(١) والثانى: قوله صلى الله عليه وسلم: (من
حُسن إسلام المرءِ تركُه مالايعنيه)(٢) والثالث: قوله صلى الله عليه
وسلم (لايكونُ المؤمن مؤمنًا حتى يَرضى لأَخِيه ما يَرضاه لنفسه) (٣)
والرابع : قوله صلى الله عليه وسلم (الحلال بَيِّن والحرام بيِّن ، وبين
ذلك أُمور مشْتبهات)(٤) الحديث .
(١) الحديث صحيح بلفظ: ((إنما الأعمال بالنيات ... )) أخرجه البخارى فى سبعة
مواضع، ومسلم، والترمذى ، وابن ماجة ، وأحمد ، والدارقطى والبيهقى . أما رواية
( الأعمال بالنيات ) فقد أخرجها ابن الجارود فى المنتقى من طريق يحيى بن سعيد .
(٢) الحديث صحيح أخرجه الترمذى برقم ٢٣١٧ وابن ماجة، وأحمد، والطبرانى فى الأوسط.
(٣) الحديث صحيح بلفظ: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه مايحب لنفسه)).
أخرجه البخارى فى الباب السابع من كتاب الإيمان ، والترمذى برقم ٢٥١٧ والنسائى وابن
(٤) الحديث صحيح ، أخرجه البخارى فى الباب (٣٩)
ماجة والإمام أحمد .
من كتاب الإيمان ، ومسلم والترمذى فى البيوع ، والنسائى وأبو داود وابن ماجة .

٧٠
عبيد الله بن أحمد بن يعقوب المقرى قال : أخبرنى محمد بن
بكر بن عبد الرزاق فى كتابه قال : كان لأبى داود السجستانى كُمّ
واسع وكُمُّ ضيِّقَ ، فقيل له : يرحمك الله ما هذا ؟ قال : الواسع
للكتب والآخر لا يُحتاج إليه .
عن ابراهيم عن علقمة قال : كان عبد الله يشبّه بالنبى صلى الله
عليه وسلم فى هَذْيه ودلَّه، وكان علقمة يشبَّه بعبد الله .
وقال جرير بن عبد الحميد : كان ابراهيم يشبّه بعلقمة وكان
منصور يشبّه بابراهيم .
وقال ير جرير : كان سفيان يشبّه بمنصور .
وقال عمر بن أحمد : قال أَبو على القُومِسْتَانى : كان وكيع يشبه
بسفيان ، وكان أحمد بن حنبل يشبّه بوكيع ، وكان أبوداود يشبّه
بأَحمد بن حنبل - رضى اللهُ عنهم .
أَبو بكر بن أبى داود قال : سمعت أبى يقول : الشهوة الخفية
حُبّ الرّياسة.
كتب (١) أبو داود عن العراقيِّين والخراسانيِّين والشاميِّين والبصريِّين
والجزَرِيِّين (٢).
(٢) وغيرهم ، وسمع من مسلم بن ابراهيم وسليمان بن
حرب وَخَلْقٌ لايُحْصَوْن ، وكتب عنه أحمد بن حنبل حديثاً واحدًا
وأَصله من سجستان ثم سكن البصرة وقدم بغداد مرارًا
وتُوفى بالبصرة سنة خمس وسبعين ومائتين .
(١) من هنا إلى نهاية ترجمة أبى عبد الله الديبلى ساقط من ق.
(٢) نسبة إلى الجزيرة .

٧١
ومن المصطفين من أهل ديبل (١)
٦٥٠ - أبو عبد الله الديبلى :
محمد بن منصور الطوسى قال سمعت أبا عبد الله الدَّيْبُلّ
يقول : كلَّمنى بعض إِخوانى مرةً أَن أَشْترى لعيالى دارًا فاشتريت لهم
دارًاً وكان الله تعالى قد وهب لى طَىَّ الأَرض، فقُصّ جناحى، فبعث
إِلىّ بعض إِخوانى : إِلْقِنَا الليلة فى موضع كذا وكذا على مَسَافةٍ من
الأَرض، فبعثتُ إليهم قد قُصَّ جناحى فادعوا لى فبعَثُوا إِلىّ صِلةً من
الموضع الذى انقصَّ فرجعتُ فحرقْت الصَّكّ فردّالله علىّ ما كان ذهب
منى .
ذكر المصطفين من عباد البحرين (٢)
٦٥١ - خليفة العبدبى (٣) :
هلال بن دارم قال : كان خليفة العبدى جارًا لنا بالبحرين
فكان يقوم إِذا هدأت العيون فيقول : اللهم إِلَيْكَ قمت أَبتغى ما عندك
من الخيرات . ثم يعمد إلى محرابه فلايزال يصلَّى حتى يطلع الفجر.
قال : وحدّثتنى عجوز كانت تكون معه فى الدار قالت : كنت
أَسمعه يدعو فى السُّجود يقول : هَب لى إِنَابَة إِخْباتٍ (٤) وإِخْباتَ
مُنِيبٍ وزيِّفِى فى خَلقك بطاعتك ، وحبّبنى لديك بحسن خِدْمتك ،
وأكرمنى إذا وفد إليك المثَّقون فأَنت خير مسئول وخير معبود وخيرٌ
مشكور وخير محمود .
(١) ديبل ( بفتح الدال وضم الباء) : مدينة مشهورة على ساحل بحر الهند .
(٢) ق : ومن المصطفين من العبيديين . والمثبت عن ط .
(٣) ط : رضى الله عنه.
(٤) التخشع أمام اللّه سبحانه والخضوع له والتواضع.

وقالت : كنت أَسمعه إِذا دعا فى السحر يقول : قام البَطَّالون
وقُمت معهم ، قمنا إِليك ونحن متعرّضون لجودكَ ، فكم مِنْ ذِى
جُرْمٍ عظيم قد صفحتَ له عن جرمه ، وكم مِنْ ذى كَرْبٍ عظيم قد
فرّجْتَ له عن كربه ، وكم من ذى ضُرُّ كثيرٍ قد كشفتَ له عن
ضُرّه ، فَبِعِزَّتك ما دعانا إلى مسألتك بعد ما انطوينا عليه من معصيتك
إلا الذى عرّفتَنَا من جودك وكرمك، فأَنت المؤمِّل لكل خير ، والمرجوّ
عند كل نائبة .
بكر بن مصادر قال : قال خليفة العبدى، وكان ممن ينظر بنور الله
وينطق بحكمته : أصبح الخلق على خطر من الله عظيم ، وهم عن
ذاك مُعرضون فإنَّا لله وإنّا إليه راجعون.
قال: وكان خليفة قد أَخلقه الدّؤُوب والكَلَال .
يحيى بن بسْطَام قال: قال ضيغم صلى خليفة العبدى حتى انشقت قدماه .
٦٥٢ - عابد آخر :
ابراهيم بن عيسى اليشكرى قال : دخلت على رجل بالبحرين قد
اعتزل الناس وَتَفرّغ لنفسه فذاكرته شيئًا من أمر الآخرة وذكر الموت،
قال : فجعل والله يشهق حتى خرجت نفسه وأَنا انظر إليه قال فدخلَ
الناس عليه فقالوا : ياعبيد الله ما أردت إِلى هذا ؟ لعلك أن تكون
ذاكرته بشىءٍ من أمر الموت . قال : قلت أَجل والله لقد كان ذلك .
قال : فبكى رجل من جيرانه وقال : رحمك الله لقد خفت أن يقتلك
ذكر الموت حتَّى والله لقد قتلك . قال : ثم جهّزناه ودفنَّاه رضى الله عنه.
٦٥٣ - عابد آخر :
قال مِسمَع : سمعت عابداً من أَهل البحرين يقول فى جوف الليل،
ونحن على بعض السواحل : قُرّةَ عينى ، وسرورَ قلبى ، ما الذى أَسقطنى
(١) هو مسمع بن عاصم ، قال الذهبي في ميزان الاعتدال: قال العقيلي: لا يتابع على حديثه

٧٣
من عَينك يا مانح العصم(١) قال: ثم صرخ وبكى ثم نادى طُوبى:
لقلوب ملأَّتْها خشيتُك واستولت عليها محبَّتك فمحبتك مانعة لها من
كل لذة غير مناجاتك ، والاجْتهادِ فى خدمتك ، وخشيتُك قاطعة لها
عن كل معصية خَوْفًا لحلول سُخْطك . ثم بكى وقال : يا إِخوتاه ابكوا
على خوف فَوتِ الآخرة حيث لارجعة ولا حيلة .
ذكر المصطفيات من عابدات البحرين
٦٥٤ - منيفة بنت أبى طارق :
مسمع بن عاصم المسمعى قال : كانت بالبحرين امرأة عابدة
يقال لها مُنيفة ، فكانت إذا هجم الليل عليها قالت : بخ بخ يانفس
قد جاءَ سرور المؤمن . فتتحزَّم وتلبس وتقوم إلى محرابها فكأنها الجذع
القائم حتى تصبح ، فإِذا أَصبحت وأَمكنتْ الصلاة فإنما هى فى صلاة
حتى يُنادَى بالعصر، فإذا صلَّت العصر هَجَعَتْ إِلى غُرُوب الشمس
هذا دَأْبَها . فقيل لها : لوجعلتِ هذه النومة فى الليل كان أَهدأً لبدَنك
فقالت لاوالله لاأنام فى ظلمة الليل مادمت فى الدّنيا .
قال أبوسفيان (٢) فحدثنى رجل من أهلها قال : فمكثَت كذلك
أربعين سنة ثم ماتت .
قال أبوسفيان (٢) فحدثنى رجل من البحرين يقال له عامر بن مُليك
قال : رأيت مُنيفة بعد موتها فى منامى فقلت: ياأمُنيفة ماحالُ الناسِ
هناك؟ فاقبلت علىّ وقالت : عن أَىّ حالهم تسْأَّل؟ الدارُ واحدة لأَهل
الطاعة يتعالَوْن فيها بالأَعمال ، ولاتَسْأَّل عن حالٍ أَهل النار . قال :
فبكيت والله من قولها لاتسأَّ عن حال أهل النار . ثم ولَّیت فأُتبعتنى
(٢) ب : أبوسيار، وسيأتى هكذا باتفاق
(١) ط : ياصالح العضم.
النسختين (عن حاشية ط) . والعبارة لسيت فى ق .

٧٤
صوْتًا : يا عامر عليك بالجدوالاجتهاد لعلَّك أَن تَجْرِىَ فِى مَسَاعى
السّابقين غدًا . قال عامر : فمرضت واللهِ من هذه الروَّيا شهرًا .
قال أبوسيَّار : وحدثنى عامر بن مليك البحرانى عن أمه قالت :
بتْ ذات ليلة عند منيفة ابنةٍ أَبى طارق فما زادت على هذه الآية من
أول الليل إلى آخره تردَّدها وتَبكى(١) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وأَنتُم تُتلى
عَلَيْكُمْ آياتُ الله وفيكم رَسوله؟ ومَن يَعْنَصِمْ بِاللّه فَقَدْ هُدِىَ إِلى
صراط مستقيم)(٢).
٦٥٥ - ماجدة القرشية :
المنهال بن يحيى البصرى قال : حدثنى إياس بن حمزة ، رجل
من أَهلِ البحرين ، قال : قالت امرأة من قريش يقال لها ماجدة،
كانت تسكن البحرين : طَوَى أَملى طلوعُ الشمس وغروبُها ، فما
من حركة تُسمع ولا من قَدم تُوضع إِلا ظننْتُ أَن الموت فى أَثرها .
وكانت تقول : سكان دارٍ أُوذِنوا بالنقلة (٣) وهم حيارى يركضون
فى المُهْلَة كأَنَّ المراد غيرُهم، أَو النَّأُذِين ليس لهم والمعنَّى بالأمر سواهم ،
آه من عقولٍ ما أَنقصها، ومن جهالةٍ ما أَتْمَّها بؤسًا لأَهل المعاصى ماذا
غُرّوا به من الإِمهال والاستدراج .
وكانت تقول : بسطوا آمالهم فأُضاعوا أعمالهم ، ولونصبوا
الآجال وطَوَوا الآمال خفَّت عليهم الأعمال .
وكانت تقول : لم ينل المطيعون مانالوا من حُلول الجنان ورضا
الرحمن إلَّا بتعب الأبدان الله والقيام الله بحقه فى المنشط والمكره.
وكانت تقول : كفى المؤمنين طولُ اهتمامهم بالمعَاد شغلاً .
(٢) آل عمران ١٠١.
(١) ب : وتبكى وتقول .
(٣) أعلموا بالارتحال . وهو مثل لسكان الدنيا .

٧٥
وكانت تقول : لورأَت أَعين الزاهدين ثواب ما أَعدّ الله لأَهل
الإعراض عن الدنيا لَذَابَتْ أَنفسُهُم شَوْقًا إلى الموت لينالوا من ذلك
ما أَملّوه من تفضّله تعالى ، رضى الله عنه .
ذكر المصطفيات من عابدات البحرين المجهولات الأسماء
٦٥٦ - عابدة :
عن عبد الواحد بن زيد قال : رأيت امرأة بالبحرين تَنْشِجُ على
الآخرة نَشِيجًا، كلَّما نَشَجت نشجةً قلتُ : نفسُها خارجة معها .
قال : فحرصت على أَن أَجارِيَهَا شيئًا من الخير فلم أَقدر على
ذلك فكان أَولَ ما حفظتُ عنها وآخرَهُ أَن قالَت: تَشَاغَلْ أَيها المرءُ
بنفسك، فوالله ما هممتُ قطّ. بموعظة أَعظ بها غَيْرِى إِلا حال
تقصيرى فيما بينى وبين ذلك ، ولئن كان المرءُ لايعِظ. أَحدًا حتى
يتَّعظ. لقد أَمكن (١) إِبليسَ من نفسه يقوده حيث يشاء، والله ما أَنَا
بحامدة لنفسى فى ذلك ولودّ إبليس أنه قدر على ذلك من جميع الخلق
كما قدَر عليه منىّ، فلم يكن أحد يَحُضّر على طاعة الله ولكن مُرْ أَيّها
المرء بالبِرّ وإنْ لم تَسْتطعه، واحذَر أَن تنهَى عن الشرّ وتأتيَه.
ومن المصطفين من أهل اليمامة
٦٥٧ - يحيى بن أبي كثير مولى لطيئى :
كان من أهل البصرة فتحوّل إلى اليمامة ويكنى أبانصر . كذا
قال البخارى .
البخارى قال : قال موسى : سمعت وهيبًا يقول : سمعت أيوب
يقول : ما بقيَ على وجه الأرض مثل يحيى بن أبي كثير .
مسدّد قال : سمعت عبد الله بن يحيى بن أبى كثير قال : سمعت
أبى يقول : لايأتى العلم براحة الجسد .
(١) جواب القسم فى (لئن) وهو متقدم على الشرط ، فكان الجواب السابق.

٧٦
مسدّد : ثنا عبد الله بن يحيى بن كثير قال سمعت أبى يقول :
ميراث العلم خير من الذهب ، والنفس الصالحة خير من اللؤلؤ .
حميد الكندى قال : سمعت يحيى بن أبى كثير يقول : تَعَلَّم
الفِقْهِ صَلاةُ، وقِرَاءَةُ القرآن ودراستُه صلاةٌ(١).
الأَوزاعى قال : حدثنى يحيى بن أبى كثير قال : العالم مَن يخْشَى
الله عزوجل .
يحيى بن عبد الله قال : أَنباً يحيى بن أبي كثير قال : يقول
الناس : فلان الناسك ، وإنما الناسك الورِع .
عن أبي عمرو، عن يحيى بن أبى كثير قال : ماصلَح منطق
رجل إلا عرفت ذلك فى سائر عمله .
الوليد قال: سمعت الأوزاعی یقول: قال یحیی بن أبی کثیر
إِنَّ ذِكرك حَسناتك ونسيانك سيئاتك غِرّةٌ .
عن الأوزاعى عن يحيى أنه قال له رجل: إِنِّى أُحبك قالَ : قد عرفتُ
ذلك من نفسى .
- عامر بن يساف قال : كان يحى بن أبى كثير حسن اللباس
حسن الهيئة ، ومات ولم يترك إلّ ثلاثين درهمًا كفّنوه بها .
أسند يحيى عن أنس وابن أبى أَوفى وغيرهما من الصحابة ،
وتوفى سنة تسع وعشرين ومائة .
قال أبونعيم ، الفضل بن دُكين : وقال ابن المدينى : سنة ثنتين
وثلاثين ومائة .
(١) ط: ودراسة القرآن صلاة .

٧٧
٦٥٨ - عابدة من البحرين أو اليمامة:
عن ابن يسار يعنى مسلمًا قال : قدمت البحرين أو اليمامة فى
تجارة فإِذا أَنا بالناس مُقْبلين ومُدبرين نحو منزل ، فقصدت إليه
فإِذا أَنا بامرأة جالسة فى مصلىَّ لها ، عليها ثياب غليظة وإِذا هى
كئيبة محْزونة قليلة الكلام، وإذا كلُّ ما رأيتُ ولُدها وخَوَلها(١)
وعَبيدُها والناس إليهم بالبياعات والتّجارات . فقضيت حاجتى ثم
أتيتها فودّعتها فقالت : حاجتُنا إليك أن تأتينا إِن عُدت إلينا لحاجة
فتنزل بنا حاجتك .
قال : فانصرفتُ فلبثت حينًا ثم إِنِّى توجهت إلى بلدها فى حاجة
فلما قدِمتها لم أَردُونَ منزلها شيئًا مما كنتُ رأيت ، فأَتيت منزلها
فلم أر أحداً . فأَتيت الباب فاسْتَفْتَحْتُ فإذا أَنا بضحك امرأةٍ وكلامها
فَفُتحَ لى فدخلت فإذا بها جالسة فى بيت وإذا عليها ثياب حسنة
رقيقة وإذا الضحك الذى سمعت ضحِكُها وكلامُها ، وإذا امرأة معها
فى بيتها فقط.، فاستنكرت وقلت : لقد رأيتك على حالَيْن
فيهما عَجَبُ : حالك فى قدْمتِى الأُولى وحالُك هذه . قالت لاتعجُب
فإِن الذى رأيت من حالى الأُولى أَتِّى كنتُ فيمارأَيتَ من الخير
والسعة ، وكنت لاأُصاب بمصيبة فى ولَد ولافى خَوَلِ ولامالٍ ولا أُوجِّه
فى تجارة إِلا سلِمَتْ، ولايُبتاعُ لى شىءٍ إِلا أَربح فيه فتخوّقت أن
لا يكون لى عند الله عزَّ وجل خير، فكنت مُكْتَئِبةً لذلك ، وقلت :
لو كان لى عند الله خيرٌ ابتَلانى. فَتَوَالتْ علىّ المصائب فى وَلَدِى الذى
رأَيتَ، وخَوَلَى ومالى ، فما بقى لى منه شىءٌ، ورجوت أن يكون
(١) ولدها: خبر المبتدأ (كل) و(ما) اسم موصول. والحول: العبيد والإماء وبري }

٧٨
الله عزوجل قد أرادبى خيرًا فابتلانى ، وذكرنى ففرحت لذلك ، وطابت
نَفْسی .
قال : فانصرفت فلقيت عبد الله بن عمر فأخبرته خبرها فقال :
أَرى والله هذه مافاتها أيوب النبى صلى الله عليه وسلم إِلَّ بقليل ، لَكنى
قد تخرق مطرفى هذا، أو كلمة نحوها(١)، فأمرت به أن يصلح
فلم يُعمل كما(٢) كنتُ أريد فأَحزننى ذلك. انتهى ذكر أهل البحرين
ذكر المصطفين من أهل الدينور
٦٥٩ - ممشاد (٣) الدينورى رضى الله عنه :
أبوبكر الرّازى قال : قال ممشاد : طريقُ الحق بعيدٌ والصبر
مع الحق شدید .
وقال : ما أَقبح الغفلة عن طاعة مَن لايغفل عن بِرّك ، وعن
ذكر مَن لايغفل عن ذكرك .
وقال : صحبة أهل الصلاح تُورث فى القلب الصلاح ، وصحبة
أهل الفساد تورث فيه الفساد .
صحب ممشاد يحيى الجلاء ونُظَرَاءَه من المشايخِ، وتُوفى فى سنة
تسع وتسعين ومائتين رضى الله عنه .
٦٦٠ - أبو الحسن على بن محمد بن سهل الصائغ الدينورى :
ممشاد قال : خرجت ذات يوم إلى الصحراء فبينما أَنا مارّ إِذا أَنا
بَنَسر قد فَتح جناحه فتعجّبت منه فاطلعت فإذا بأبى الحسن الصائغ
الدِّينَوَرىّ قائم يصلِّى والنسر يُظلّه.
(١) قوله: ((أو كلمة نحوها)) شك منه واحتراس.
(٢) ط : على ما .
(٣) مشاد: بالدال فى النسخ. وكذا فى الحلية والطبقات الكبرى للشعرانى . وفى طبقات
(٤) تقدم برقم ٣٩٠.
الصوفية للسامى بالذال .

٧٩
أبو عثمان المغربى قال : لم أَر فيمن رأيت من المشايخ أكثر هيبة
من أبى الحسن الصائغ .
أَسند أبو الحسن الحديث وتُوفى بمصر سنة ثلاثين وثلاث مائة.
٦٦١ - أبو جعفر الدينورى (١) رضى الله عنه
أبو بكر الكتَّانى قال: رأيت كأن القيامة قد قامت، فأول
مَن خرج من عند الله عز وجل أبوجعفر الدّينورى وكتائبُه بيمينه
وهو يضحك ، ثمَّ خرج ابراهيم الخوّاص بعده وكتابه بيمينه وهو
يدرس القرآن .
ومن المصطفين من أهل همذان
٦٦٢ - يوسف بن أيوب الهمذانى رضى الله عنه
قدِمِ بغداد بعد الستِّين والأَربعمائة، وتفقّه على أبى إسحاق الشِّيرازى
حتى برَع فى الفقه والنظر ، ثم اشتغل بالتعبّد فاجتمع فى رِباطه
بمروخَلْقٌ زائد على الحدّ من المنقطعين إلى الله تعالى .
وكان يقول: دخلت جبل زرّ (٢) لزيارة عبد الله الخونى فوجدت
ذلك الجبل كثير المياه والشجر معمورًا بالأولياء، على رأس كل عينٍ
واحدٌ من الرجال مشتغل بالمجاهدة ، فطفْتُ عليهم ولا أَعلم فى ذلك
الجبل حجرًا لم تُصبه دَمْعَتى .
ثم عاد يوسف ودخل بغداد فى سنة ست وخمسمائة ووعظ. بها
ووقع له القبول التام ، فقام إليه رجل متفقِّه يقال له ابن السّقَّاءَ،
فآذاه فى مسْأَلَةِ فقال له : اجلس فإِنِّى أَجد مِنْ كلامك رائحة الكفر
ولعلَّك تموت على غير دين الإِسلام .
(١) هذه الترجمة ساقطة من ق. والدينورى ( بكسر الدال وفتح النون والواو) نسبة
إلى ( الدينور) وهى مدينة مشهورة فى بلاد فارس .
(٢) لم يذكره صاحبا معجم البلدان ومعجم ما استعجم .
١

٨٠
فاتَّفق بعد مدة أن ابن السقاء خرج إلى بلاد الروم وتنصّر . وقام
يومئذ إلى يوسف شابًّان فقيهان فقالا له : إِن كنت تتكلَّم على مذهب
الأَشعرى وإلا فَلا تتكلَّم . فقال : اجلسا لامتَّعكما الله بشبابكما .
فماتا ولم يبلغا الشيخوخة .
ومن المصطفين من أهل قزوين
٦٦٣ - والان بن عيسى، أبو مريم القزوينى رضى الله عنه
السرىّ بن يحيى بعبَّادان ، عن وَالَآن بن عيسى أَبى مريم ، رجلٍ
مِنْ أَهْلِ قَزَوْينَ كَانَ مِنَ الصَّالحينَ قالَ: غَرَّنِى القَمَرُ(١) لَيْلَةً فَخَرَجْتُ
إلى المسجد فصلَّيت أماقضى الله لى، وسبَّحت ودعوت . فغلبتنى
عيناىَ ، فرأيت جماعة أعلم أنهم ليسوا من الآدميين بأيديهم أطباق
عليها أرغفة ببياض الثلج ، فوق كل رغيف دُرَّ أَمثالُ الرمّان ، فقالوا
كُلْ . قلت أُريد الصّوم . قالوا : يأمرك صاحب هذا البيت أَن تأكل.
فأَكلت وجعلت آخذ ذلك الدرّ لأَحتمله فقيل لى : دعه نغرِسْه لك
شجرًا يُنبت لك خيراً من هذا . فقلت : أَين ؟ فقيل . فى دارٍ لا
لاتخرب ، وثمر لايتغير ، ومُلكٍ لاينقطع ، وثياب لاتبلى ، فيها
رضىً وغنىٌ(٢) وقُرْة العين أَزواج وَضِيئات(٣) مِرْضِيَّات راضيات،
لايغَرن ولايُغَرن، فعليك بالانكماش(٤) فيما أَنت فيه ، فإِنَّما هى
غفوة حتى ترتحل فتنزل الدار .
فما مكث إِلا جُمعتين حتى تُوفِىّ .
(١) أى خدعه، حتى ظن أن الفجر قد اقترب أو ظهر. وفى ط : اغترنى. ثم صوبت
فى صفحة الاستدراك إلى ((اغترب)) !!
(٢) ط: رضى وقرة. (٣) مفردها وضيئة وهى النظيفة الحسنة. وفى ط: رضيات.
(٤) الانكماش : الإسراع .