Indexed OCR Text
Pages 1-20
صِفَةُ الصَّفُوهُ صر ! .دهان للإمَام الْعَالم جَمَال الدّينُ أي الفَرَج إبن الجَوْزي ٥١٠ - ٥٩٧ مِجُرّيّة طبعة مصححه ومنقحة وفريدة بفهَارس للأحاديث وللأعلام المترجم لهَم خَرَّج أحاديثَه حَققَهوَعَّقَ عَلَیَهُ د.محمّ رواسهلوچي محمُوٍفاخوري الجُزء الرابع دار المعرفة لِلِطّبَاعَةِ وَالنَّشْرِ وَالتَّوْزِيْعِ جَيْعُ الْحُقُوق ◌َحَفُوظَة لِلْمُحَقِّقِ وَلأُخَرِّجِ الأَحَادِيث ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥م الطبعة الثالثة دار المعرفة لطباعة والنشر هاتف: ٨٣٤٣٠١ -٨٣٤٣٣٢ - صَربِ: ٧٨٧٦ - بَرُقيًّا: مَعْرفُكَار -بَيْروت - لبنان بسْـِالَّهِالرَّمِنِ الرَّحِيَّمْ مقدمة اعتمدت فى تحقيق الجزء الرابع من ((صفة الصفوة)) على النسخ التالية : ١ - نسخة (ق) (١): وتشمل : (أ) ما تبقّى من الجزء الثالث: ومقداره (٣٧) ورقة (١٤٥ - ١٨٢) (٢) منها أربع عشرة ورقة (١٦٨ - ١٨٢) كتبها ناسخ متأخر ، فحرف واختصر ، وذلك قبيل نهاية الترجمة (٦٢٨) حتى آخر هذا الجزء ، ويتفق ذلك مع آخر الترجمة (٦٧٧ ) التى سقط. منها السطران الأخيران مع الترجمة (٦٧٨) أيضاً. (ب) الجزء الرابع : ويبدأ بذكر المصطفين من أَهل بسطام (الترجمة ٦٧٩). وعنوانه ((صفة الصفوة)) ويقع فى (١٧١) ورقة. كتبه إبراهيم بن يحيى العسقلانى الحنبلى سنة (٦٧٧) هـ . وينفرد هذا الجزء عن الأجزاء الثلاثة السابقة بخط النسخ الجيد، ودقة . الشكل والإِعجام فى المواضع التى تحتاج إلى ذلك . وسقطت منه ورقة بين الورقتين (١٢٠،١١٩) وتبين لى بعد ذلك أنها وضعت خطأً فى غير موضعها قُبيل نهاية الكتاب وأُعطيت رقم (١٦٨). (١) سبق التعريف بها فى آخر الجزء الأول، وفى مقدمة الجزأين الثانى والثالث. (٢) يراجع ما ذكرناه فى وصف هذا الجزء فى مقدمة الجزء الثالث من طبعتنا هذه . ٤ ٢ - طبعة حيدر آباد : (ط.) : طبع جزؤُها الرابع سنة ١٣٥٧هـ. وقد صححه جماعة من علماء دائرة المعارف العثمانية ، واعتمدوا على النسختين التاليتين : (١) النسخة الإِسلامبولية (قط.). (ب) النسخة المحفوظة بالمتحف البريطانى بلندن (١) (ب) : وهى ناقصة من أولها حتى أثناءَ الترجمة (٦٣٠). وتختص بإثبات الأسانيد ولكنها دون نسخة (ق) فى ذلك . وقد تابعت نسخة (قط. ) فى أسانيدها ، وزدت عليها من (ق) ما رأيتُه ضروريًا لاستقامة النص ، واستفدت مما ذكره أصحاب هذه الطبعة من فروق بين نسختى (قط. ، ب) ورمزت بحرف (ط.) إِلى ما اتفقت فيه هاتان النسختان، وأطلقت كلمة ((النسخ)) على ما اتفقت فيه النسخ الثلاث (ق، قط.، ب) . كما أننى وضعت بين قوسين [ ] مازدته من طبعة حيدر آباد وخلت منه نسخة (ق) ، وأشرت إلى كثير من مواضع التحريف والوهم التى صادفتها فى تلك الطبعة ليصححها من يقتنيها . ولله الحمد أولاً وأخيرًا ، فهو الموفق إلى الصواب ، وهو ولينا وبه نستعين . محمود فاخورى حلب - ٩ جمادى الآخرة ١٣٩١ - ١ آب ١٩٧١ . (١) نقلنا عنهم فى مقدمة الجزء الثانى أنها محفوظة بدار حكومة الهند . وقد صوبوا هنا ما ذكروه آنفاً . بسِْاللَّهِالرَّحْمنِ الرَّحِيَّمْ ومن (١) الطبقة السابعة من أهل البصرة ٥٦٦ - عبد الرحمن بن مهدى : يكنى أَبا سعيد العنبرى (٢) ويقال : هو مولى للأرد . ولد فى سنة خمسٍ وثلاثين ومائة (٣) على بن المدِينى قال : كان عبد الرحمن بَّنِ مَهْدِى يختِم فى كل ليلتين وكان وِرْدُه فى كل ليلةٍ نصفَ القرآن . هارون بن سفيان قال : سمعت عُبَيْدَ الله بنَ عُمَرَ الْقَوَارِيرِى يقول أَمْلَى على عبدُ الرحمن ابنُ مَهْدِى عشرين ألفَ حديثٍ حِفْظاً . عبد الرحمن بن عمر قال : سمعت عبد الرحمن بن مَهْدى يقول : كان يقال إذا لَقِىَ الرجل مَنْ فَوْقَه فى العلم : كان يوم غنيمة ، وإِذا لَقَىَ مَن هو مثلُه دَارَسَهُ وتعلَّم منه، وإِذا لقَ مَن هو دونه تواضع له وعلَّمه. ولايكون إِمَامًا فى العلم من يُحدِّث بكلَّ ماسمع ولا يكون إِمامًاً فى العلم مَن يُحدِّث عن كل أَحَدٍ ، ولا يكون إِمامًا فى العام من يحدث بالشَّاذِّ (٤) من العلم والحِفْظ. الإِتقان . قال : وسمعت عبد الرحمن بن مهدى يقول : لَوْلا أَنى أَكْرِهُ أَنْ يُعصىَ اللهُ ثَمِنَّيتُ أَنْ لايَبْقَى فى هذا المِصْرِ أَحدٌ إِلَّا وَذَعَ فِىَّ واغْتَابنى ، (١) سقط من نسخة (ب) من هنا إلى أثناء ترجمة شعوانة رقم ٦٣٠. (٢) ق: العبدى، تصحيف. والتصويب من قط وتقريب التهذيب (٤٩٩/١). (٣) هذا السطر ساقط من المطبوع . (٤) قط: ((إماماً من يحدّث بالشاذ)». ٦ فأَى (١) شىءٍ أَهْنأُ من جسنةٍ يجدها الرجل فى صحيفته يومَ القيامة لم يَعملها ولم يعلمَ بها . وسمعت عبد الرحمن بن مهدى يقول ، وأراد أن يبيع أرضًا له فقال : الدَّلَّال: أَعطيت بالجريب خمسين ومائتى دينار ولكن نظر إلى أرضٍ خرابٍ ونخلٍ بادية العُروق ، فلو كانت مسمّدة رجوت أن أبيع الجريب (٢) بفضل خمسين دينارًا وهذا كثير أربعة آلاف(٣) دينار أَذهب أَنا وغلامك حتى نُسمِّدها ونبيعها . فغضب وقال : أربعةُ آلاف دينار؟ أَعوذ بالله من الشَّيطان الرحيم (لَايَسْتَوِى الْخَبِيثُ والطَّيِّبُ ولَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخبيثِ فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِى الأَلْبابِ (٤)) لا ولا كذا . أَظنه قال : ولا مائة ألف . قال عبد الرحمن بن عمر: وحدثنى - يحيى بن عبد الرحمن بن مهدى أَن أَباه كان يُحْيِى الليل كلَّه - قال عبد الرحمن بن عُمَر: وسمعت عبد الرحمن بن مهدى يقول : والله لا تجد فقْدَ شىءٍ تركتَه ابْتَغاءَ وجهِ الله ، كنتُ أَنا وأَخى شَرِيكين فأَصِبْنا مالاً كثيرًاً فدخل قلبى من ذلك شىءُ فتركتُه لله وخرجتُ منه فما خرجتُ من الدّنيا حتى ردّ الله علىّ ذلك المالَ عَامَّتَه إِلىّ وإِلى وَلَدِى(٥)، زوَّجْ أَخِى ثلاثَ بناتٍ من بنىَّ وزوجتُ ابنتى من ابْنِهِ ، ومات أَخی فَوَرِتَهُ أَبى، ومات أَبِىِ فورِثْتُهُ أَنا ، فرجع ذلك كلَّه إِلَىّ وإِلى وَلَدِى فى الدنيا . (١) قط: وأى. (٢) ق : ألف. (٣) قط: ((أذهب وغلامك)). والجريب: من الأرض والطعام: مقدار معلوم من مقاييس المساحة أو الكيل . (٥) قط : والدى . (٤) المائدة : ١٠٠ . ٧ أَسند عبد الرحمن عن الأئمة كمالك بن أَنَس والثَّوْرِى وشُعْبة والحمَّدَيْن، وقد أَدْرك جماعة من الثَّابعين منهم : جَرِيرُ بن حَازِمِ ، والمُثَنَّى بن سعيد، وصالح بن دِرْهم. وتُوفِى بالبَصْرة فى جُمادَى الآخِرَة سنة ثمانٍ وتسعين ومائة، ، وهو ابنُ ثلاثٍ وستين سنة . ٥٦٧ - عفان بن مسلم (أبو عثمان الصغار ) : جمع بين العلم والنَّقى . صالح بن أحمد بن عبد الله العِجْلى قال : ثنا أَبِى قال (١): ( عفان بن مسلم بصرىٌّ ثقةً ثبت، صاحب سنّة، جُعل له عشرةُ آلاف دينار على أَن يقِفَ عن تَعْديل رَجُلٍ ولايقول: عَدْل ولاغَيْرِ عَدْل . فَأَّبَى وقال : لا أُبْطِلُ حقًّا من الحقوق . حَنْبل بن إسحاق قال : سمعت عَفَّان يقول : دَعَانِى إِسحاقُ بن ابراهيم فقراً علىَّ الكتَابَ الذى كتَبَ به المأَمُون وإِذا فيه : امتحنْ عفَّانَ وَادْعُهُ إِلى أَن يقول: القرآنُ كَذَا وكَذَا . فإِن قال ذلك فَأَقِرَّه على أَمْرِه وإِن لم يُجِبْك فَاقْطَع عنه الذى يُجرَى عليه (٢) وكان يُجرَى عليه خمسمائة درهم كل شهر . قال عفان : فقال لى : ما تقول ؟ فقرأَت (قل هو الله أَحد (٣)) حتى خَتَمْتها وقلت : مخلوقٌ هذا ؟ فقال : إِن أَمير المؤمنين يقول إِنْ لم تُجِبْه يُقطعْ عنك ما يُجرَى عليك فقلت يقول الله تعالى : (وفى السَّماءِ رِزْقُكم وما تُوعدون (٤)) فسكت عنى ، فانْصَرِفْتُ . (١) ق : قال : ثنا. والمثبت من قط. (٢) هو ما يدعى بالتعويض أو الراتب . (٣) الإخلاص : ١. (٤) الذاريات : ٢٢. ٨ أَسند عفان عن جَمَاعةٍ من الأَّئمة كثُعْبة والحمَّديْنِ. وتُوُفِّى ببغداد فى سنة عشرين ومائتين ، وقيل تسع عشرة ، وله خمس وثمانون سنة . ٥٦٨ - زهير بن نعيم البانى : يكنى أبا عبد الرحمن أَحمد بن عِصام قال: قال زُهير بن نُعيم: إن هذا الأمرَ لايتم إلَّ بشيئين: الصَّبرِ واليقينِ، فَإِنْ كان يقينٌ ولم يكُنْ معه صبْرٌ لم يتمَّ،وإِنْ كَانَ صبْرٌ ولم يكن معه يقينٌ لم يتم ، وقد ضَرب لهما أبو الدرداءِ مثلاً فقال: مَثَلُ اليقين والصَّبر مثَلُ فَدَّاديْن(١) يحفران الأَرض فإِذا جلَسَ واحد جَلَسَ الآخرُ . قال أَحمد بن عصام : وسمعت خَالى عبد العزيز بنَ يوسُف يقول : أَرَدْتُ الخروجَ من البصرة فبدأت بيحيى بن سعيد فودَّعتُه ثم ودَّعت عبد الرحمن بن مهدى ، ثم ودعت زُهيرًا فقلت : هل من حاجةٍ ؟ فقال : نعم إِلا أَنْها مهمّة . قال : ففرحتُ. فقال: اتق الله، فوالله لِأَن يتَّقِيَهُ عبدٌ أَحبُّ إِلىّ من أَن تَتَحَوَّل إلى] هذه السّوارى(٢) كلَّها ذهبًا . عبد الرحمن بن عمر قال: انتَهَى إِلينا يومًا رجلٌ من هؤلاءِ الخبَشَاءِ القَدرِيَّة فقال له : يا أبا عبد الرحمن بلغنى أَنك رجل زِنْدِيق . فقال له زهير : أَمَّا زنديق فلا ، ولكنى رجل سُوءٍ. عبد الله بن عبد الغفار الكَرْمَانى قال: سمعتُ زُهير بن نُعَيْم (١) الفداد: واحد الفدادين وهم الرعيان والجمالون والبقارون وسواهم من تعلو أصواتهم فى حروثهم ومواشيهم . (٢) مفردها سارية وهى العمود أو الأسطوانة فى المسجد وغيره من الأبنية . البائىْ يقول: نَوَدِدْت أَنَّ جَسَدى قُرض بالمقاريض وأَن هذا الخلق أطاع الله . عبد الله بن عبد الغفار الكَرْمانى قال : دخلت على زُهير بن نُعيم البانى وقد سقط. من سطح، وقد تهثّم وجهُه، وهو مكَفُوف فقلت : يا أبا عبد الرحمن كيف خبرك (١) قال: هُو ذا ترانى كيف أَنا وهى الدنيا فَلْيجْهد جهْدها . محمد بن يونس بن موسى قال : سمعت زُهير بن نُعيم البانى . وقال له رجل يا أبا عبد الرحمن تُوصِى بشىءٍ ؟ قال : نعم احذر أَنْ يأَخَذَك الله وأنت على غَفْلة . ٥٦٩ - أبو عبد الله الحربى (٢) الزاهد: ابراهيم بن شَبيب بن شَيْبة قال : كنا نَتَجالس فى الجمعة فأَى رجل عليه ثَوْب واحد مُلْتَحِف به فجلس إلينا فأَلَقَى مَسْأَّلة فما زِلنا نتكلم فى الفقه حتى انصرَفْنا . ثم جاءنا فى الجمعة المقبلة فأَحْبَبْنَاه وسأَناه عن مَنْزِلِه فقال: أنزل ((الحَرْبِيَّة)) فسأَنْناه عن كُنيته فقال: أَبو عبد الله . فرغِبنا فى مجالسته ورأينا مجلِسنا مَجْلِس فقهٍ . فمكثنا بذلك زمانًا ثم انْقطعَ عنا فقال بعضُنا لبعضٍ : ما حالنا؟ قد كان مجلِسُنا عامِرًا بأبى عبد الله وقد صار مُوحِثًا فوعد بعضُنا بعضًا إِذا أَصْبَحْنا أَن نأَى الحربيَّة فنسأل عنه. فأَّتينا الحربيَّةَ وكنا عَدَدًا فجعلنا نستَحْبِى أَن نسأَلَ عن أبى عبد الله فنظرنا إلى صِبْيانٍ قد انصرفوا من الكتَّاب فقلنا : أَبو عبد الله . فقالوا : لعلكم تَعْنون (١) قط : تجدك. (٢) قط: عبد الله. والتصويب من ق. وق: ((الخريبى)) بدل ((الحربي)) تحريف وهو نسبة إلى ( الحربية) ، يفتح فکون فکسر فتشديد : محلة كبيرة مشهورة ببغداد عند باب حرب قرب مقبرة بشر الحافى وأحمد بن حنبل وغيرهما (ياقوت). ١٠ الصيّاد ؟ قلنا نعم . قالوا : هذا وقتُهُ الآنَ يجىءُ . فقعدنا ننتظره فإذا هو قد أَقبل مُؤْتَزِرًا بِخِرْقَةٍ وعلى كتفه خِرْقَة ومعه أَطْيارٌ مذبَّحة وأَطيارٌ أَحياءُ. فلما رآنا تَبَسَّم إِلينا وقال : ماجَاءَ بكم ؟ فقلنا : فَقَدْنَاك وقد كنتَ غمرتَ مجلسنا فما غيّبك عنا ؟ قال: إِذَا أَصْدُقكم : كان لنا جَار كنت أَسْتعير منه كلَّ يوم ذاك الثوبَ الذى كنتُ آتيكم فيه وكان غريبًا فخرج إلى وطَنه فلم يكن لى ثوب آتيكم فيه هل لكم أَن تَدْخلوا المنزلَ فتأكلوا مما رَزَق الله عز وجل ؟ فقال بعضنا لبعض : ادخلوا منزله فجاءً إلى الباب فسلَّم ثم صَبر قليلاً ثم دَخَل فأَّذِن لنا فدخلنا فإذا هو قد أَتّى بِقِطَع من البَوارى فَبَسَطَها لنا فقعدنا فدخَلَ إِلى المرأة فسلّم إِليها الأَّطيار المذبَّحة وأَخذ الأَطيارَ الأَّحياء ثم قال : أَنا آتيكم إِن شاءَ الله عن قريب فأَتَّى السوقَ فباعها واشترى خُبزًا فجاءً وقد صَنَعَتِ المرأةُ ذلك الطيرَ وهيّأَته فقدم إلينا خُبزًا ولحمَ طير فأَكلنا فجعل يقوم فيأَتينا بالملح والماء فكلّما قام قال بعضنا لبعض : رأَيتم مثلَ هذا ؟ أَلَا تُغيّرون أَمرَه وأَنتم سادة أهل البصرة ؟ فقال أحدهم: علىَّ خمسمائة . وقال الآخر : علىَّ ثلثمائة . وقال هذا وقال هذا ، وضَمِن بعضهم أَن يأَخذَ له من غَيْره . فبلغ الذى جمعوا فى الحِسَاب خمسةَ آلاف دِرْهم فقالوا : قوموا بنا نذهب فنأتِيَه بهذا ونسأَلِه أَن يُغَيِّر بعض ما هو فيه . فقمنا فانصرفنا على حالنا رُكيانًا فمررنا(١) بالِمِربَد فإِذا محمد بن سليمان أمير البصرة قاعد فى مَنظَرةٍ (٢) له فقال : ياغلام ائتنى بابراهيم بن شَبيب بن شَيْبة من بين القوم . فجئتُ فدخلت عليه فسأَلنیعن (١) من أسواق العرب المشهورة فى البصرة . (٢) المنظرة (بفتح الميم والظاء): ما ارتفع من الأرض أو البناء مشرفاً على ما تحته . ١١ قِصَّتنا ومن أين أَقْبلنا فَصَدَقْتُه الحديثَ. فقال: أَنا أَسْبِقُكم(١) إِلى بِره . ياغلام انتنى بِبَدْرة دراهم فجاءَ بها فقال: انتنى بغلامٍ فرّاش فجاءَ فقال : احمل هذه البَدْرة مع هذا الرجل حتى تَدْفعها إلى من أمرناه . ففرحت ثم قمت مسرعًا فلما أَتيت الباب سلّمت فأجابنى أبو عبدالله ثم خرج إِلىّ فلما رأَى الفرَّاش والبَدْرة على عنقه كَأَنى سَفَيْتُ (٢) فى وجهه الرّماد وأَقبل علىّ بغَيْر الوجْه الأَول فقال: مالى ولك ياهذا؟ أَتريد أَنْ تَفْتِنَنى ؟ فقلت : يا عبد الله اقعد حتى أخبرك أنه من القصة كذا وكذا ، وهو الذى تعلم أَحَد الجبَّارين ، يعنى محمد بن سليمان ، ولو كان أَمَرَنِى أَن أَضَعَها حيثُ أَرَى لرجعتُ إِليه فأخبرتُه أَنِّى قد وضعتها . فاللهَ الله (٣) فى نفسك. فَازْداد علىّ غَيْظاً وقامَ فدخل منزله وأَصْفَقَ البابَ فى وجهى، فجعلت أَقدّم وأُوَّخِّر ما أَدرى ما أقول للَّمير . ثم لم أَجد بدًّا من الصّدق فجئتُ فأخبرته الخبر فقال: حَرورىٌّ (٤) واللهِ، ياغلامُ علىَّ بالسيف. فجاءً بالسيف فقال له : خذ بيد هذا الغلام حتى يذهبَ بك إلى هذا الرجل فإِذا أَخرجه إِليك فاضْرب عُنقه وائتنى برأسه . قال ابراهيم : فقلت أَصلح الله الأَّمير، اللهَ اللهَ، فواللهِ لقد رأينا رجلاً ماهو من الخوارج ولكنى أَذهب فآتيك به وما أريد بذلك إِلا افتداءً منه . قال فَضَمَّننيه (٥) فمضيت حتى أَتيت الباب (١) قط : أكفيكم ، تحريف . (٢) سفت الريح التراب أو الرماد تسفيه : ذرته وحملته إلى مكان آخر . (٣) قط: والله الله. (٤) واحد الحرورية وهم فرقة من الخوارج . (٥) كذا فى قط . ق : مضنه . ١٢ فسلَّمت فإِذا المرأة تحنَّ وتبكى ، ثم فَتَحَتْ الباب وتوارتْ فأَذِنتْ لى فدخلت فقالت : ماشأنكم وشأَن أبى عبد الله؟ فقلت : ما حاله؟ قالت : دخَل فمال إلى الرُّكى فنزع منها ماءً فتوضاً ثم سمعته يقول : اللهم اقْبِضْنى إليك ولا تفتِنِّى . ثم تمدد وهو يقول ذلك . فلحقته وقد قضى فهو ذاك ميت . فقلت : ياهذه ان لنا قصة عظيمة فلانُحدّثوا فيه شيئًا . فجئت محمد بن سليمان وأخبرته الخبر فقال : أَنا اركبُ فأُصلِّ على هذا . قال : وشاع خبره بالبصرة فشهده الأمير وعامَّة أهل البصرة . رحمة الله عليه . (١) مفردها ركوة : إناء من جلد . وممن تأخر عن هذه الطبقات ٥٧٠ - أبو الحسن البصرى : أصله من مكة وسكن البصرة وإنما يعرف بالمكِّى . أَنبأَنًا محمد بن أبى القاسم على بن المحسن التَّنوخِى عن أبيه قال: كان أبوالحسن المكى يَسُف الخوص وكان لايملك إلا دارًا فلما ضعف عن سف الخوص (١) باعها على شرط. أن يكريه المشترى إياها وأودع الثمن عند المشترى، وكان يأخذ منه فى كل شهر خمسة دراهم لنفقته ويُعْطِى المشترى أُجرةَ الدار . فمات قبل أن ينفَد الثمن ، وكانت له جُبَّة صوفٍ بيضاءُ أَقامت معه عشرين سنة شتاءً وصيفًا مالبس غيرها ، وكانت فى نهاية الحسن والنقاء والنَّظافة والصحة . وكان موته حوالى سنة خمسين وثلمائة وكانت جنازته [ عظيمة ] ذكر المصطفين من عباد البصرة المجاهيل الأسماء ٥٧١ - عابد : عن الحسن قال : احترقَتْ أَخْصاص (٢) بالبصرة وبقى فى وَسَطها خُصّ لم يحترق وأمير البصرة يومئذ أبوموسى الأشعرى . فخُبّر بذلكْ فَبَعَث إلى صاحب الخصّ فأُّنِّىَ به فإذا شيخٌ فقال: ياشيخ مابال خُصّك لم يَحْترق؟ قال : إنى أَقسمت على ربِّى أَنْ لا يحرقَه فقال أَبو موسى : أَما إِنِّى سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ((يكون فى أُمَّتِى رجال طُلْسُ روُوسهم دنَسَ ثيابهم لو أَقْسَموا على الله لأَبرهم (٣))). (١) الخوص : ورق النخل . وسف الخوص: نسجه. (٢) قطَ : خصاص : وكلاهما جمع خص وهو البيت من قصب أو شجر. (٣) الحديث لم أجده بهذا اللفظ وأخرج نحوه مسلم (١٥٤/٨) وأحمد فى المسند والحاكم فى المستدرك والبزار والطبرانى فى الأوسط ، ١٤ ٥٧٢ - عابد آخر : قال ابراهيم بن عبد الله المدينى : قيل للحسن : ههنا رجل لم ذَرَه قَط. جالسًا إِلى أَحد إنما هو أبدًا خَلْف سَارِية وحدَه . فقال الحسن : إذا رأيتموه فأخبرونى به . قال فمرَّ به ذات يوم ومعهم الحسن فأشاروا له إِليه فقالوا : ذلك الرجل الذى أَخْبَرْناك . فقال : امضوا حتى آتيَه . فلما جاءَه قال: يا عبد الله أراك قد حُبّبتْ إليك العُزْلة فما يمنعك من مخالطة الناس ؟ قال: ما أَشغَلَنِى عن الناس . قال : فيأتى هذا الرجل الذى يقال له الحسن فتجلس إليه . قال : ما أَشغلنى عن الحسن وعن الناس . قال له الحسن : فما الذى شغلك - يرحمك الله - عن الناس وعن الحسن ؟ قال : إنى أُمْسى وأُصْبِح بين ذَذْب ونعمة ، فرأيت أنْ أَشْغل نفسى عن الناس بالاستغفار للذّذب وأشكر لله على النعمة . فقال له الحسن : أَنت يا عبدالله أَفقه عِنْدى من الحسن ، الزمْ ما أَنت عليه . ٥٧٣ - عابد آخر : عَطِية بن سليمان قال : صليتُ الجمعة ثم انصرفت فجلستُ إِلى يُونُس بن عُبيْد حتى صلينا العصر فقال : هل لكم فى جنازة فلان؟ فمشينا إلى ناحية بنى سعد فصلينا على جنازة ثم قال : هل لكم فى فلان العابد نعوده(١) فأَتينا رجلاً قد وقعت فى فيه الخبيثة (٢) حتى أَبدت عن أَضْراسه فكان إِذا أَراد أَنْ يتكلّم دعا بقَعْب (٣) من ماء وبقطنة فَيبُل لسانه حتى يبتلّ ثم يتكلم بكلماتٍ يُحسن فيهن . فلما دخلنا عليه دعا بالقَدَح ليفعل ما كان يفعل ، فبينا هو يَبُلّ (١) نعوده : ساقطة من المطبوع . (٢) كذا . ولعله نوع من أمراض الفم أو اللثة . (٣) القعب : القدح الضخم الغليظ . د ١٥ لسانه سقطت حَدَقَتَاه فى القدح فأخذهما فمرّ بهما بيده ثم قال : إنى لأَجِدُ فيهما دَسَمًا وما كنتُ أَظُنَّه بقى فيهما . ثم استقبل القبلة فقال: الحمد لله الذى أعطانيهما وأَمْتَعَنِى بهما شَبَابى وصِحَّتِى حتى إذا أَفنيتُ أَيامى وحَضَرَ أَجلى أَخذهما منى ليُبْدِلنى بهما إن شاءَ اللهُ خيراً منهما . فقال له يونس قد كنا تهيأَنا لنعزيك فنحن الآن نهنّئك فقال خيرًا ودعا . ثم خرجنا من عنده . ٥٧٤ - عابد آخر : محمد بن عبد الرحمن عن الرجل الذى حدّثه أنهم كانوا بالبصرة فى شِدةِ قُحط الناس فيها وغلا سعرهم وَاحْتَبَسَ عنهم المطر فخرجوا يَسْتَسْقون، وخرجَت اليهود والنصارى . فاعتزلت اليهود معهم التوراة ، واعتزلت النصارى معهم الإنجيل ، واعتزل المسلمون ، كلهم يدعون وانصرفوا يومهم ذلك . قال: فبينا أَنا بعد ذلك أَمشى فى طريق الحِربَد نظرت فإذا بين يدىّ فتى عليه أَطْمار (١) ، تقبله النفس فهو يمشى وأَنا خلفه حتى خرج إلى الجُبَّن فدخل بعضَ تلك المساجد التى بانقُرب من المقَابِر ودخلتُ خلفه تَحُول بينى وبينَه أَركان المسجد فصلّى ركعتين ثم رفع يديه يدعو ، وقال فى دعائه ، يارب ! استغاث بك عبادك فلم تَسْقهم ، يارب الآن شَمِتتْ بنا اليهود والنصارى، أَفْسَمْتُ عليك يارب إلاسقَيْتَنَا الساعةَ ولم تَرُدَّنى . قال: فما برح يدعو حتى جاءت السحابة ومُطرْنا فخرج وخرجت فى أثرهٍ لأَعرف موضعه فجاءً إلى دار فيها أَخْصاص وأكواخ فيها سكَّان فدخل بيتًا منها فعرفتُ موضعه . فانصرفتُ عنه وهَيَّأْتُ (١) ثياب بالية ، مفردها : طير. ١٦ دَرَاهِمُ فى صرة ثم جئت فاستأذنت عليه فدخلت فإذا ليس فى البيت إلا قطعةُ حَصِيرٍ ومطهرةً فيها ماء ، وإذا هو قاعد يعمل الخُوصَ فسلمت فرحَّب بى وبشَّ فتحدثت ساعةً ثم أُخرجتُ الصُّرة وقلت : رحمك الله انتفعْ بهذه فتبسَّم وقال : جزاك الله خيرًا أَنا فى غنى عنها. فأَلححْت عليه فجعل يدعو ويأَبِىَ أَنْ يأَخذَها . فلما أَكثرت عليه تنكَّرَ لى وقالَ : حَسْبك الآن ليس بى إليها حاجةٌ ، قال : فأَقبلت عليه وقلت : رحمك الله إن لى عليك حقًّا قال : وماهو رحمك الله ؟ قلت كنت أُسمع دعاءك حين خرجتَ إِلى الجُبَّان. قال: فاصفَّر وجهه حتى أَنكرتُه وساءَه ماقلتُ له . ثم خرجت من عنده . فلما كان بعد ذلك بأَيَّام أتيته فلما دخلت الدار جعل سكّان الدار يصيحون بِقَيِّم الدار هُوذَا هُوَ قد جاءَ، فجاءَ إِلى فتعلَّق بى وقال : ياعدوّ نَفْسِهِ ماصنعتَ بذاك الفتى الذى جئتَه اليوم الأَوَّل ؟ أى شىء اسمعتَه؟ قلت لاتعجل حتى أَخبرك بالحديث . فقال : انك لما خرجت من عنده قام فى الحال فأخذ حَصِيره ومطهرتَه وودَّعَنا وخرج ولم يُعُدْ إِلينا إلى الساعة لاندرى أَين تَوَجَّه؟ ٥٧٥ - عابد آخر : عن مالك بن دينار قال احتبس علينا المطر بالبصرة فخرجنا يومًا بعد يوم نَسْتَسْقِى فلم نر أَثْرًا لإِجابةٍ. فخرجتُ أَنا وعطاءُ السُلَيْمى وثابت البُنَانى ومحمد بن واسع وحبيب الفارسى وصالح المرّىّ وآخرين حتى (١) صرنا إلى المصلى بالبصرة فاستسقينا فلم نر أثراً لإجابة . وانصرف الناس وبقيت أنا وثابت فى المصلَّى فلما أَظلم الليل إذا بأَسْود دَقِيقِ الساقين عظيم البطن عليه مِئزران من صوف ، (١) قط : فى آخرين صرنا. ١٧ فجاءً إلى ماءٍ فتمسّح ثم صلَّى ركعتين خفيفتين ثم رفع طَرْفه إِلى السماء فقال : سيدى إلى كم تردّ عبادك فيما لاينقصك أَنَفَد ما عندك؟ أقسمت عليك بحبّك لى إِلَّ ماسقيتنا غَيْئَك الساعةَ الساعةَ . فما أَتمَّ الكلام حتى تغيَّمت السماءُ وأَخذتْنا كَأَفْوَاه القُرَب فما خرجنا حتى خُضْنا الماءَ . فتعجّبنا من الأَسود فتعرضت له فقلت : أَما تستَحْبِى مما قلت ؟ قال : وماقلتُ ؟ قلتُ قولُك : بحبِّك لى، وما يُدريك أنه يُحبك ؟ قال تنح عن همَّى يامن اشتغل عنه بنفسه أَينَ كنتُ أَناحين خَصَّنى بتوحيده ومعرفتِهِ؟ أَتُراه بَدَأَنى بذلك إلا لمحبّتِه لى؟ ثم بادر يسعى . فقلت: ارْفُق بنا. قال: أَنا مملوك علىْ فرض من طاعةٍ مالكى الصغير. فدخل دار نَحَّاس فلما أَصبحنا أتيت النحاس فقلت له : عندك غلام تَبيعنيه الخدمة ؟ قال نعم عندى مائة غلام فجعل يخرج إلىّ واحدًا بعد واحد وأنا أقول غير هذا . إِلى أَن قال ما بقى عندى أَحد فلما خرجنا إِذا الأَسودُ قائمٌ فى حجرة خَرِبة فقلت : بِعْنى هذا . قال : هذا غلامٌ مَشُوم (١) لاهمّة له إِلا بالبكاءَ فقلت : ولذلك أريده فدعاه وقال لى : خُذه بما شئت بعد أَن تُبرئنى من عيوبه . فاشتريته بعشرين دينارًا . فلما خرجنا قال : يامولاى لماذا اشتريتنى ؟ قلت : لنخدُمَك نحن . قال : ولم ذاك ؟ قلت : أَليسَ أَنتَ صاحبنا البارحة فى المصلَّى ؟ قال : وقد اطّلعت على ذلك فجعل يمشى حتى دخل مسجدًا فصلى ركعتين ثم قال : إِلهى وسيدى سرٌّ كان بينى وبينَك أَظهرتَه للمخلوقين ، أَقسمتُ عليك إِلا قبضتَ رُوحِى الساعةَ . فإِذا هو ميت فبقبره نستَسقى ونطلب الحوائج إِلى يومنا هذا . (١) المثوم والمشؤوم : ما يجر الشؤم. ج: مشائيم. (م ٢ - صفة الصفوة جـ ٤) ١٨ ٥٧٦ - عابد آخر : حُصَين بن قاسم الوَزّان قال : كنا عند عبد الواحد وهو يعظ. فناداه رجل من ناحية المسجد كُفَّ يا أَبا عُبَيْدة فقد كشفتَ قناعَ قلبى فلم يلتفت عبد الواحد ومرّ فى الموعظة . فلم يزل الرجل يقول: كُفَّ يا أبا عبيدة فقد كشفتَ قناعَ قلبى وعبد الواحد يعظ ولا يقطع مَوْعِظْتَه حتى والله حَشْرجَ الرجل حشرجةَ الموت ، ثم خرجت نفسه . قال : فأَنا والله شهدتُ جنازته يومئذ فما رأيت بالبصرة يومًا أكثر باكيًا من يومئذ . ٥٧٧ - عابد آخر : عن يزيد الرّقَاشِى قال : دخلت على عابدٍ بالبصرة وإذا أَهل بيته حَوله فإذا هو مَجْهود قد أَجهده الاجتهاد . قال : فبكى أَبوه فنظر إليه ثم قال : أيها الشيخ ، ما الذى يُبْكيك ؟ قال: يا بُنَىّ أَبكى فَقْدَك وما أَرى من جَهْدك . قال فبكتْ أُمه . فقال : أَيتها الوالدة الشّفيقة الرّفيقة ما الذى يُبكيكِ ؟ قالت: يابُنىّ أَبكِى فِراقَك وما أَتعجَّل من الوحشة بعدك . قال : فبكى أَهله وصبيانُه ، فنظر إليهم ثم قال : يامعشر اليتامى بعد قليل ، ما الذى يُبكيكم ؟ قالوا: يا أَبانا نبكى فِرَاقك وما نتعجّل من اليُتم بعدَك. قال : فقال: أَفْعِدونى أَفْعِدونى أَلا أَرى كلَّكم يَبكى لدنْياى أَما فيكم من يبكى لآخرتى ؟ أَما فيكم من يَبكى !! يلقاه فى التراب وَجْهى ؟ أَما فيكم من يبكى لمساءلة منكرٍ ونكيرٍ وإِياى ؟ أَما فيكم من يبكى لوقوفى بين يَدَىْ [الله] ربى ؟ قال: ثم صرخ صرخةً فمات . ٥٧٨ - عابد آخر : عبد الواحد بن زيد قال : خرجت إلى ناحية الحربية فإِذا إِنسان أَسودُ مجذومٌ قد تقطَّعت كل جارحةٍ له بالجُذام وعمِى وأُقْعد وإذا ١٩ صِبْيَانٌ يرمونه بالحجارة حتى كَمَّوْا وجهه. فرأيته يحرّك شفتَيه فدنوتُ منه لأَسمع مايقول فإِذا هو يقول : ياسيدى إنك لتعلم أَنك لو قرضتَ لحمى بالمقاريض ونشرتَ عظامى بالمناشير ماازددت لك إلا حبًّا فاصنع بى ما شئت . ٥٧٩ - عابد آخر : فُضيل أبو حاتم قال : لما كان حريق عرماز (١)، كان رجل فى خصَّ له يسف خُوصًا، والنار قد أَحدَت به فلم يضرّه . فقيل له فى ذلك فقال : إِنى عزمتُ على ربّ النار أَن لا يحرِقَنى بالنار . قيل له فاعزم عليه أَن يطفئها . قال : ففعل . فلم تلبث النار أَن طَفِئْت . ٥٨٠ - عباد سبعة : عن صالح المرى قال : قدم علينا ابن السماك مرة فقال لى : أَرنى بعضَ عجائب عُبَّادكم فذهبت به إلى رجل فى بعض الأحياءِ فى خُصِّ له فاستأذنًّا عليه فدخلنا ، فإذا رجل يعمل خوصاً له فقرأت ((إِذا لأُغْلان فى أَعنَاقِهم والسَّلاسل يُسْحَبُون فى الحميم، ثم فى النار يُسْجُرُون (٢))) فشهَقَ الرجل فإِذا هو قد يبس مغشيًا عليه . فخرجنا من عنده وتركناه على حاله وذهبنا إلى آخر فاستأَذًّا(٣) عليه فقال ادخلوا إِنْ لم تشغَاونًا عن ربِّنا . فدخلنا فإذا رجلٌ جاس فى مُصَلَّى له فقرأَتُ ((ذلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقامى وَخَافَ وَعيد» (٤) فشهق شهقةً بَدرَ(٥) الدمُ من مِنْخَريْه ثم جعل يتَشَخَّط. فى دمه (٦)حتى يَبِس. (١). لم يذكر فى معجمى ياقوت والبكرى. وإنما ذكر ياقوت (عرمان): من أعمال (٢) غافر : ٧١ . حوران أو دمشق . (٣) ق: ((وذهبت إلى آخر فاستأذنت عليه)). وأثبت ما فى قط. (٤) إبراهيم : ١٤ . (٥) كذا فى النسخ. يقال: بدر إلى الشىء: أسرع ولعلها (ندر) بالنون . يقال ندر الشىء : أى سقط من جوف شىء فظهر . (٦) تشحط بالدم : تضرج به . ٢٠ فخرجنا من عنده وتركناه على حاله ، حتى أَدَرْتُه على ستَّة أَنفس، كلَّ نخرج من عنده وهو على هذه الحالة . ثم أَتيتِ به السابع فاستأَذِنتُ فإِذا امرأةٌ له من وراءَ الخُصّ تقول : ادخلوا . فدخلنا فإذا شيخٌ فانٍ جالس فى مُصلَّاه فسلمنا فلم يعْقِل سلامنا . فقلت بصوت عال : إِنَّ للخلق غدًا مقامًا . فقال الشيخ بين يدىْ مَن ويحك ؟ ثم بقى مَبْهُوتًا فاتحاً فاه شاخِصًا بصره يَصيح بصوْت له ضعيفٍ حتى انقطع . فقالت امرأته : اخْرُجُوا عنه فإِنكم ليس تَنْتَفِعُون به الساعةَ . فلما كان بعد ذلك سأَلتُ عن القوم فإِذا ثلاثة قد أَفاقوا وثلاثة قد لحقوا بالله عزوجل، وأَما الشيخ فإنه مكث ثلاثةَ أيامٍ على حالته مبهوتًا مُتَحيرًاً لايؤَدِّى فَرْضًا فلما كان بعد ثالثةٍ عَقَلَ . ٥٨١ - عابدان: ابن سِمَاك قال : دخلت البصرة فقلت لرجل كنت أَعرفه دُنَّنى على عُبّادكم. فأَدخلنى على رجل عليه لباس الشَّعر، طويل الصَّمت لا يرفع رأسه إلى أَحد . قال فجعلت أَسْتَنْطِقُه الكلامَ فلايكَلِّمنى. فخرجت من عنده فقال لى صاحبى : ههنا ابن عجوز هل لك فيه ؟ فيه ؟ قال : فدخلنا عليه فقالت العجوز لاتذكرُوا لابنى شيئًا من ذِكْر جنة ولا نار فتقْتلوه علىّ فإنه ليس لى غيرُه . قال : فدخلنا على شابٌ عليه من اللِّباس نحوٌ مما على صاحبه منكَّس الرأس طويل الصَّمْت فرفع رأسه فنظر إلينا ثم قال : أَما إِنَّ للناس موقفًا لابدا أَنْ يَقِفُوه قال: فقلت بين يدى من رحمك الله ؟ قال : فشهقَ شهقة فمات . قال ابن السماك فجاءت العجوز فقالت : قتلتُم وَلدى . قال : فکنت فیمن صلَی علیه .