Indexed OCR Text
Pages 341-360
- ٣٤١ - أسند عن أنس، غير أنه اشتغل بالعبادة عن الرواية . ٥٤٤ - شُمَيْط بن عجلان أبو عبد الله، ويقال أبو همام عن سيار قال: أنبأ عبيد الله بن ◌ُميط قال : سمعت أبى يقول : يادر وا بالصحة السَّقَّم وبالفراغ الشغلَ، وبادروا بالحياة الموتَ . وسمعته يقول لى: بئس العبد عَبدٌ خَلق للعاقبة فصدته العاجلة عن العاقبة فزالت عنه العاجلة وشقى فى العاقبة وسمعته يقول: أُعطيتَ مايكفيك وأنت تطلب ما يطغيك؟ لا بقليل تقنع ولا بكثير تشبع، كيف يعمل للآخرة مَن لا تنقضى من الدنيا شهوته؟ العجب العجب كل العجب لمصدّقٍ بدار الحق وهو يسعى لدار الغُرور . وسمعته يقول: إن الله عز وجل جعل قوة المؤمن فى قلبه ولم يجعلها فى أعضائه. ألا ترون أن الشيخ يكون ضعيفاً يصوم الهواجر ويقوم الليل والشاب يعجز عن ذلك. وسمعته يقول: يعمد أحدهم فيقرأ القرآن ويطلب العلم حتى إذا علمه أخذ الدنيا فضمّها إلى صدره وحملها على رأسه فنظر إليه ثلاثة ضعفاء : امرأة ضعيفة وأعرابى جاهل وأعجى، فقالوا. هذا أعلم بالله منالويرَ فى الدنيا ذخيرةً مافعل هذا.(١) فرغبوا فى الدنيا وجمعوها. سمته يقول: من رضِىَ بالفسق فهو من أهله ، ومن رضى أن يُعصى الله عنْ وجل لم يُرفع له عَمَلٌ . (١) ب : مارغب فيها. - ٣٤٢ ٠ أبو معاوية الغلابى قال : حدثنى رجل قال : قالت امرأة شميط : يا أبا همام إنا نعمل الشئء فييرد فنشتهي أن تأكل منه معنا فلا تجىء حتىَ يفسد وَ يبرد. فقال: والله إن أبغَض ساعاتى إلىَّ الساعةَ التى آ کل فيها. جعفر قال: سمعت شميطاً يقول: رأس مال المؤمن دينه حيمًا زال معه لا يخلفُه فى الرجال ولا يأمن عليه الرجال . جعفر بن سليمان قال: سمعت شميطاً يقول: من جعل الموتَ نُصْبَ عينيه لم يبال بضيق الدنيا ولا بسعتها . ابراهيم بن عبد الملك قال: قال شميط بن عجلان: إن اللهعز وجل وسَم الدنيا بالوحشة ليكون أنسُ المطيعين به(١). عبيد الله بن شميط بن عجلان، عن أبيه أنه كان يقول فى مواعظه: إذا أصبحت آمناً فى سِرْبك(٢) معافاً فى بدّنك، عندك قَوتُ يومك فعلى الدنيا العفاء وعلى من يحزن عليها، إن المؤمن يقول لنفسه: إنماهى ثلاثة أيام فقد مضى أمس بما فيه وغداً أملّ لعلّك لأتدركيه، إنما هو يومكَ هذا فان كنتَ من أهل غدٍ فسيجيء ربّ غدٍ برزق غد إنّ دون غدٍ يوماً وليلة تُحترمَ(٣) فيه أنفس كثيرة فلعلك المخترَم فيه. (١) به : خبر يكون . (٢) السرب ( بكسر السين وسكون الراء): النفس. ٣) تموت. - ٣٤٣ - كفى كلَّ يومٍ حُمُّه ثم حملت على قلبك الضعيف ثم السنين والدّهور والأزمنة وثمّ الغلاء والرُّخص وم الشتاء قبل أن يجىء وتم الصيف قبل أن يجىء، فماذا أبقيتَ من قلبك الضعيف للآخرة ؟ ما تُطلب الجنة بهذا. متى تهرب من النار ؟ كل يوم ينقص من أجلك ثم لا نحزن. أُعطيت ما يكفيك وأنت تطلب ما يُطغيك، لا بقليل تقنع ولا من كثير تشبع، فكيف لا يستبين للعالم جهله ، وقد عجز عن شكر ماهو فيه ، وهو مُفْتَنّ في طلب الزيادة(١)؟ أم كيف يعمل للآخرة من لا تنقضى من الدنيا شهوته ولا تنقطع عنها رغبته فالعجب كل العجب لمن صدق بدار الحيوان كيف يسمى لدار الغرور . وكان يقول : إن أولياء الله آثروا رضا ربهم تعالى على هوى أنفسهم، فأرغموا أنفسهم كثيراً فى رِضاربهم فأفلحوا والله وأنجحوا، وإن المنافق عبدُ هواه وعبدُ بطنه وعبدُ فرْجه وعبدُ جلده، عبد الدنيا وعبد أهل الدنيا . وكان يقول : الناس رجلان ، فمتزوّد من الدنيا ومتنتم فيها فانظر أى الرجلين أنت؟ إنى أراك تحب طول البقاء فى الدنيا فلاى شىء تحبه؟ أن تطيع (٢) الله عز وجل وتُحسن عبادته وتتقرّبَ إليه بالأعمال الصالحة؟ فطوبى لك . أم لتأكل وتشرب وتلهو وتلعب (١) ب: الدنيا. وفى ط ((معترى)) بدل (منين). (٢) أى لأن تطيع . - ٣٤٤ - وتجمع الدنيا وتثمرها وتنعم زوجتك وولدك ؟ فلبئس ما أردت له البقاء. وكان يقول إذا وصف المؤمنين: أتام عن الله تبارك وتعالى أمْر وقَذّم(١) عن الباطل فأسهروا الأعين وأجاءوا البطون وأظهاوا الأكباد وأنفقوا الأموال اهتضموا التالد والطارف فى طلب ما يقر بهم إلى الله عز وجل وفى طلب النجاة مما خوّفهم به . وكان يقول: إن المؤمن اتخذ كتاب الله عز وجل(٣) مرآةٌ فمرّة ينظر إلى ما نعَت الله عز وجل به المؤمنين، ومرّة ينظر إلى مانَعَت الله عز وجل به المغترّين ، ومرة ينظر إلى الجنة وما وعد (٣) الله عز وجل فيها ، ومرّة ينظر إلى النار وما أعدّ(٤) الله عز وجل فيها. تلقاه حزيناً كالسهم المرمىّ به شوقاً إلى ماشوقه الله عز وجل إليه وهرباً مما خوّفه الله عز وجل منه . وكان يقول: بلغنا أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام، يا داود ألاترى إلى المنافق كيف يخدعنى وأنا أخدعه ؟ يسبحنى ويوقر بلسانه وقلبُه منى بعيد، يا داود قل للملا من بنى إسرائيل لا يَدْءونى والخطايا فى أضبانهم(٥). ليضعَوها ثم ليدعونى أستجب ◌ْلهم. (٣) ب: أعد. (٢) ط : تعالى. (١) صرفهم بشدة . (٤) ط : وعد . (٥) مفردها: ضين ( بكسر الضاد وسكون الباء) وهو ما بين الكسح والإبط . - ٣٤٥ - وكان يقول: اللهم اجعل القليل من الدنيا يكفينا كما يكفى الكثيرُ أهله . اللهم ارفع رغبتنا إليك واقطعْ رجاءنا ممن سواك. اللهم اجعل طاعتك ألذَّ عندنا من الطعام عند الجوع، ومن الشراب عند الظمأ. اللهم اجعل غفلة الناس لنا ذكراً وصرّح الناس لنا شُكراً. اللهم إذا تنعم المتنعمون بالدنيا فاجعلنا نتنعم بذكرك. وكان يقول: بالدرام والدنانير أزِمّة(١) المنافقين تقودهم إلى السّوْءات . وكان يقول : تلقى أحدم عنده فضول(٢) يغلق بابه دون جاره وذوِى رَحِه، ثم يخرج على القوم يحدثهم بما أكل وشرب وامل جاره الفقير وذا رحمه المحتاج يكون فى القوم يسمع ما يقول : ويحك ما كفاك أن أغلقت بابك دونه فلم تُوَاسِه ولم تذكره حتى قعدت فأخبرته بما أكلت وشربت ؟ فإذا أنت قد جمعت إساءة بعد إساءة. وكان يقول: إن المؤمن أبصر الدنيا فأنزلها منزلتها فإنْ هى أقبلت عليه قال: لامرحباً ولا أهلا والله ما أراك جئتٍ بخير وما فيكَ من خير إلا أن تُطلَب بك الجنة، ويُفتدَى بك من النار ، فإن هي أدبرت عنه قال: عليك العفاء وعلى من يتبعك(٣). الحمد لله الذى خار لى وصرفَ عنى فتنتك وشغلك . (١) ج. زمام وهو المقود والرس. (٢) ما يزيد على حاجته من الطعام والشراب. (٣) ب. يبتغيك. - ٣٤٦ - كان يقول : إذا وصفَ أهل الدنيا: حَیاری سُكارى فارسُهم يركض ركضاً وراجلهم يسعى سعياً، لاغنيهم يشبع ولا فقيرم يقنع. وكان يقول: إذا وَصَفَ المقبلَ على الدنيا: دائبٌ البطنة(١) قليل الفطنة إنما همه بطنه وفرْجه وجلده ، متى أُصبِح فأكل(٢) وأشرب وألهو وألعبُ متى أمسى فأنام (٣)، جيفة بالقليل بطال بالنهار ويحك ألهذا خُلقت؟ أم بهذا أمرت ؟ أم بهذا تَطلب الجنة وتهرب من النار ؟ وكان يقول: إن العافية ستّرت البَرّ والفاجر، فإذا جاءت البلايا اسْتَبَان عندها الرجلان فجاءت البلايا إلى المؤمن فأذهبتْ ماله وخادمه ودابته حتى جاع بعد الشِبَع ومشى بعد الركوب وخدم نفسه بعد أن كان مخدوماً فصبرّ ورَض بقضاء الله عزّ وجل، وقال: هذا نظَرٌ من الله عز وجل لى ، هذا أهون لحسابى غداً . وجاءت البلايا إلى الفاجر فأذهبت ماله وخادمه ودابته بجزع(٤) وهلع وقال : واللهِ مالى بهذا طاقة ، والله لقد عودت نفسى مادةً مالى عنها صبر من الحلو والحامض والحار والبارد ولين العيش. فإن هو أصابه من الحلال وإلا طلبه من الحرام والظلم ليعود إليه ذلك العيش . (٢) ق: وآكل . (١) ط : لبطنه، تحريف. (٣) الكلام على الالتفات من الغيبة إلى التكلم ، وبعده التفات آخر (٤) إ : جزع، تحريف. إلى الخطاب . - ٣٤٧ - وكان يقول : إنسانان معذَّبان فى الدنيا : غنىّ أعطى دنيا فهو بها مشغول ، وفقير زويَت عنه فهو يتبعها نفسه فنفسه تقطع عليها حسرات . وكان يقول: الناس ثلاثة: فرجل ابتكر الخير فى حداثة سنّه ثم داوم عليه حتى خرج من الدنيا . فهذا المقرّب. ورجل ابتكر عُمْره بالذنوب(١) وطول الغفلة ثم راجع توبة، فهذا صاحب يمين ، ورجل ابتكر الشرّ فى حداثة سنه ثم لم يزل فيه حتى خرج من الدنیا ، فهذا صاحب شمال . أبو عمر الضرير قال: أنبأنا عبيد الله بن شيط قال: سمعت أبى يقول : أيها المغتر بطول صحته أما رأيت ميتاً قط من غير سقم؟ أيها المغتر بطول المهلة أما رأيت مأخوذاً قطّ من غير عدّة، أبالصحة تغترّون؟ أم بطول العافية تمرحون؟ أم بالموت تأمنون؟ أم على ملك بج برئون؟ إن ملك الموت إذا جاء لم يمنعه منك ثروة مالك ولا كثرة احتشادك. أما علمت أن ساعة الموت ذاتُ كرب شديد وغصّص ر وندامة على التفريط ؟ ثم يقول: رحم الله عبداً عمل لساعة الموت. رحم الله عبداً عَمِل لما بعد الموت ، رحم الله عبداً نظر لنفسه قبل نزول الموت . أسند شميط عن جماعة من التابعين . (١) أى ارتكب الذنوب فى باكورة حياته وريعانها ق: الذنوب، بلا باء. - ٣٤٨ - ٥٤٥ - خويل بن محمد الأزدی عن الهيثم بن عدى قال: سمعت خويل بن محمد، وكان عابداً يقول: كأن خُوَ يلا قد وقف للحساب فقيل له : يا خويل قد عمّ ناك ستين سنة ، فما صنعتَ فيها فجُمع نوم ستة مع قائلة النهار فإذا قطعة من عمرى نوم و(مُعتَ ساعات أكلى فإذا قطعة من عمرى قد ذهبت فى الأكل) ◌ُّعَتْ ساعات وضوئىَ فإذا قطعة من عمرى قد ذهبت فيه (١)، ثم نظر فى صلاتى فإذا صلاةٌ منقوصة وصومٌ خَرَق(٢). فما هو إلا عفو الله أو الملكة . ومن الطبقة الخامسة من أهل البصرة ٥٤٦ - هشام بن أبى عبد الله وإسمه سَنْبَر (٣) الدستوالى مولى لبنى سدوس. سعيد بن عامر قال : كان هشام بن أبي عبد الله قد أظلم بصره من حطول (٤) البكاء، وكنت (٥) تراه ينظر إليك فلا يعرفك إلا أن تكلمه. شاذ بن فياض قال: بكى هشام الدستوائى حتى (٦) فسدت عينه فكانت مفتوحة وهو لا يكاد يُبصر بها. محمد بن حفص التيمى قال : كان هشام إذا فقد السراج من بيته (١) ق : به (٢) ممزق . (٤) ط : لطول . (٣) على وزن جعفر. ق : بشير ، تصحيف. (٥) ط: فكفت. (٦) ب. ((قال: كان هشام الدستوائى قد)). - ٣٤٩ - تململ على فراشه . وكانت امرأته تأتيه بالسراج فقالت له فى ذلك 1 فقال : إذا فقدت السراج ذكرتُ ظلمة القبر . عبد الصمد قال : مات هشام بن عبد الله سنة ثنتين وخمسين(١) . زيد بن الحباب قال : دخلت على هشام الدستوائى سنة ثلاث و خمسين يعنى(٢) ومائة ومات بعد ذلك بأيام . ٥٤٧ - شعبة بن الحجاج بنورد من الأزد : مولى للاشافرِ عِتاقةً . يكنى أبا بسطام، وهو أكبر من الثورى بعشر سنين . عمرو بن على الفلاس قال : سمعت أبا بحر البكراوى يقول : مارأيت أَعْبَدَ من شعبة، لقد عَبَدَ الله حتى جفّ جلده على عظمه ایس بينهما لحم. قال عمرو بن هارون كان شعبة يصوم الدهر كله لايُرى عليه. وكان سفيان الثورى يصوم ثلاثة من الشهر تَرَى عليه . أبو قطن قال: مارأيت شعبة ركَعَ قطّ إلا ظننت أنه قد نسى، ولا قعد بين السجدتين إلا ظننت أنه قد نسى . (١) أى بعد المائة . (٢) كلمة (( يعنى)) ساقطة من ط. وفى التقريب (٣١٩/٢) توفى سنة (٣) ط: عبد الله تحريف. (١٥٤) هـ وله ( ٧٨) سنة . - ٣٥٠ - مسلم بن إبراهيم قال: مادخلت على شعبه فى وقت صلاة قطّ إلا رأيته يصلى . سلمان بن حربٍ قال: لو نظرت إلى ثياب شعبة لم تكن تساوى عشرة دراهم : إزاره وقميصه ورداءه، وكان كثير الصدقة . أبو قطَن(١) قال: كانت ثياب شعبة لونها لون التراب، وكان كثير الصلاة، كثير الصيام سخىّ النفس. أبو حميد عبد الله بن محمد الصيصى قال: سمعت حجّاجاً يقول: ركب شعبة حماراً له فلقيه سلمان بن المغيرة فشكا إليه شعبة، والله ما أملك إلا هذا الحمار. ثم نزل عنه ودفعه إليه . قُراد أبو نوح(٢) قال: رأى شعبة على قميصاً فقال: بكم أخذت هذا ؟ قلت بثمانية درام. قال لى: ألا اشتريت قميصاً بأربعة درام وتصدقت بأربعة ؟ رأى شعبة الحسن وابن سيرين وسمع من قتادة ويونس بن عبيد وأبوب وخالد الحذاء وخلقٍ كثير من التابعين. وتوفى بالبصرة فى أول سنة ستين ومائة، وهو ابن سبع وسبعين سنة . ٥٤٨ - صالح بن بشير أبو بشر المرئى كان مملوكاً لامرأة من بنى مرة بن الحارث من بنى عبد القبس فأعتقَتْه . (١) هو عمرو بن الهيثم. (٢) إسمه عبد الرحمن بن غزوان، واقبه قراد. (التقريب ٤٨٢/٢ ) . - ٣٥١ - قال عبد الرحمن بن مهدى: كنت أذكر صالحاً المرى لسفيان فيقول القَصص القَصص، كأنه يكرهه. فكان إذا كانت له حاجة بكّر فيها . فبكّر يوما وبكّرت معه فجعلت طريقنا على مسجد صالح المرى فقلت: ياأبا عبد الله ندخل فنصلى فى هذا المسجد. فدخل فصلينا وكان يوم مجلس صالح. فلما صلّوْا ازدحم الناس فبقينا لانقدر أن نقوم. وتكلم صالح فرأيت سفيان يبكى بكاءً شديداً. فلما فرغ وقام قلت له: يا أبا عبد الله كيف رأيت هذا الرجل ؟ فقال ليس هذا بقاصّ هذا نذيز قوم. عفان بن مسلم قال: كنا نأتى مجلس صالح المرى نحضره وهو بقصّ، وكان إذا أخذ فى قصصه كأنه رجلٌ مذعور يفزعك أمره، من حزنه وكثرة بكائه كأنه تكْلى، وكان شديد الخوف من الله کثیر البكاء . . أحمد بن اسحاق الحضرمى قال: سمعت صالحاً المرى يقول: للبكاء دواعٍ : الفكرة فى الذنوب فإن أجابت على تلك القلوبُ وإلا نقلتها إلى الموقف وتلك الشدائد والأهوال. فإن اجابت على ذلك وإلا فاعِرضْ عليها التقلّب فى أطباق النيران. قال ثم صاح وغُشى عليه وتصايح الناس من نوحى المسجد . الأصمعى قال. شهدت صالحاً المرى عزّى رجلا على ابنه فقال: لأن كانت مصيبتك لم تحدث لك موعظة فى نفسك فيمصيبتك - ٣٥٢ - بابنك جَلَلٌّ(١) فى مصيبتك فى نفسك، فإياها فابك. اسند صالح عن الحسن وابن سيرين وثابت وقتادة وبكر بن عبد الله فى خلق كثير من التابعين. وتوفى سنة ست وسبعين ومائة . ٥٤٩ - الربيع بن عبد الرحمن ويعرف بالر بيع بن برة . محمد بن سنان قال: سمعت الربيع بن برة يقول: ابن آدم إنما أنت جثّة مُنتنة طيّب أسيمك ماركّب فيك من روح الحياة فلو قد تُزُع منك روحك ألقيت جثةً ملقاة وجيفةً مُنتنة وجسداً خاويا. قد جَيَّفَ(٢) بعد طيب رائحة واستُوحش منه بعد الأنس بقُربه أىّ الد ليقةِ منك أعجب؟ اذ كنت تعلم أن هذا مَصيرك وأن التراب مقيلك ثم أنت بعد هذا الطول جهلك تقرّ بالدنيا عيناً. أسمعته يقول ((َمْناهم أحاديثَ ومزَّقناهم كلَ ممزّق إن فى ذلك لآياتٍ لكلّ صَبَّارٍ شَكور))(٣)، أما والله ما حداك على الصبر والشكر إلا لعظم توابهما عنده لأوليائه فمن أعظم منك غفلةً أو مَن أطول فى القيامة منك حسرةً إذا كنت ترغب(٤) مما رغِبَ لك فيه مولاك وأنت تقرأ فى الليل والنهار ((ثْمَّ الَوْلى ونْمَ النَّصِيرِ)) (٥). (١) أى يسيرة إزاء مصيبتك فى نفسك. (٣) سبا ١٩ (٢) أنتن. (٤) كذا فى النسخ ، والصواب حذف اللام، ليكون مجرورها فاعلا. (٥) الأنفال : ٤٠ ٠ - ٣٥٣ - عباد بن الوليد القرشى قال : قال الربيع بن بزة : عجبت الخلائق كيف ذهلوا عن أمرٍ حقّ تراه عيونهم تشهد عليه معاقد قلوبهم إيماناً وتصديقاً بما جاء به المرسلون؟ ثم ماهم فى غفلة عنه سكارى يلعبون. ثم يقول: وأيُ الله ما تلك الغفلة إلارحمة من الله لهم ونشمة من الله عليهم. ولولا ذلك لألِفِىَ المؤمنون طائشةً عقولهم طائرة أفئدتهم مُنخلمة قلوبهم لا ينتفعون مع ذكر الموت بعيش أبداً. داود بن المحبر عن أبيه قال: مر بنا الربيع بن برّة ونحن نسوّى نعشاً لمّت فقال: من هذا الغريب الذى بين أظهر كم؟ قلنا ليس بغريب بل هو قريب حبيب. قال : فبكى وقال : من أغرب من الميت بين الأحياء؟ قال فبكى القوم جميعاً . عن محمدبن سلام قال: سمعت الربيع بن عبد الرحمن يقول: رضيتَ لنفسك، وأنت الحُوَّل القُلَّب، أن تعيش عيشَ البهائم، نهارك مائم وليُك نائم (١) والأمرُ أمامَك جِدٌّ. محمد بن سلام الجمحى قال: كان الربيع بن برّة يقول : نصب المتّقون الوعيدَ من الله أمامهم فنظرتْ إليه قلوبهم بتصديق وتحقيق فهم والله فى الدنيا منقصون، ووقفوا ثواب الأعمال الصالحة خلف ذلك فتى سمت أبصار القلوب إلى ثواب الأعمال تشوقت القلوب وارتاحت إلى حلول ذلك، فهم والله إلى الآخرة متطلّون بين وعيد (١) مجاز عقلى علاقته الزمنية، والمراد أنه هاثم فى النهار ونائم فى الليل. ( م ٢٣ - صفة الصفوة - = ٣) - ٣٥٤ - هائل ووعْدٍ حقَّ صادق لا ينفكّون من خوفٍ وعيدٍ إلا رجعوا إلى شوق موعود. فهم كذلك وعلى ذلك، فى الموت جعلت لهم الراحة . ثم يبكى. عاصم الخلقانى قال: قال الربيع بن عبد الرحمن: إن لله عباداً أخْصَوا له البطون (١) عن مطاعم الحرام، وغَضّوا له الجفون عن مناظر الآثام، وأهملوا له العيون لماً اختلط عليهم الظلام رحاءَ أن يُنير لهم قلوبهم إذا تضَّنتهم الأرض بين أطباقها، فهم فى الدنيا مكتئبون وإلى الآخرة متطلّعون. نفذت أبصار قلوبهم بالغيب إلى الملكوت فرأت فيه مارجَت من عظيم ثواب الله فازدادوا شه(٢) بذلك جداً واجتهاداً [عند] معاينة أبصار قلوبهم ما انطوت عليه آمالهم(٣) فهم الذين لاراحة لهم فى الدنيا وهم الذين تقر أعينهم غداً بطلعة ملك الموت عليهم قال : ثم يبكى حتى يبل لحيته بالدموع. محمد بن سلام الجمحى قال: سمعت الربيع بن عبد الرحمن يقول فى كلامه : قطَمتنا غفلة الآمال عن مُبادرة الآجال فنحن فى الدنيا حیاری لا ننتبه من رقدة إلا أعقبتنا فى أثرهاَ غفلة، فيا إخوتاه نشَدتُكم بالله هل تعلمون مؤمناً بالله أغرَّ(٤) ولنقمته أقل حذراً من قوم هجمت بهم العِبرَ على مصارع النادمين فطاشت عقولهم وضلت حلومهم مما رأوا العِبَر والأمثال ، ثم رجعوا عن ذلك إلى غير قلعة ولا نقلة ؟ فبالله (١) أجاءوها. (٢) ط: تالله. (٣) ط: أمانيهم . (٤) أى أكثر جهلا. k - ٣٥٥ - يا إخوتاه هل رأيتم عاقلاً رضىَ من حاله لنفسه بمثل هذه حالاً؟ والله [يا] عباد الله لتبلغُنّ من طاعة الله ورضاه أو لتنمكون به ما تعرفون من حسن بلائه وتواترُ نعمائه - إن تُحُسن أيها المرء يُحسَن إليك وإن ◌ُسى: فعلَى نفسك بالتّب فارجع فقد بيَّن وحذَّر وأعذَر (١) فا للناس على الله حجّة بعد الرسل وكان الله عزيزاً حكيماً. زعم بعض نقلة الحديث أن الربيع بن برة أسند عن الحسن، وذكر له حديثاً . وإنما الربع المذكور فى ذلك الحديث هو الربيع بن صبيح، وأما (٢) ابن بَرّة فلا نعلم له. سنداً. ٥٥٠ - الحجاج العابد محمد بن صالح التميمى قال : قالى أبو عبد الله مؤذن مسجد بنى جدار: جاورنى شاب فكنت إذا أذنت للصلاة وأقت كأنه فى نقرة قفاى . فإذا صليت على ثم لبس نعليه فدخل منزله. فكنت أتمنى أن يكلمنى أو يسألنى حاجة. فقال لى ذات يوم(٣): يا أبا عبد الله عندك مُصحف تُعير فى أقرأ فيه؟ فأخرجت إليه مصحفاً فدفعته إليه فضمه إلى صدره ثم قال : ليكون اليوم لى ولك شأن. ففقدته ذلك اليوم فلم أره يخرج. فأقت المغرب فلم يخرج. وأقمت العشاء الآخرة فلم يخرج. فساء ظنىّ فلما صليت العشاء الآخرة (١) ب: وأنذر. (٣) ط : فقال لى يوماً. (٢) ط : فأما . - ٣٥٦ - چنت إلى الدار التي هو فيها فإذا فيها دلْو ومطهرة وإذا على بابه ستر فدفعت الباب فإذا به ميّت والمصحف فى حُجْرِه . فأخذت المصحف من حُجره واستعنت بقوم على حمله حتى وضعناه على سريره . وبقيت ليلتى أفكر مّن أكلم حتى يكفّنه (١) فأذنت الفجر بوقتٍ (٣) ودخلت المسجد لأركع، فإذا (٣) بضوء فى(٤) القبلة فدنوت منه فإذا كفن(٥) ملفوف فى القبلة فأخذته وحمدت الله عزّ وجل وأدخلته البيت وخرجت فأقت الصلاة فلما سلّمت إذا(٦) عن يمينى ثابت البنانى ومالك بن دينار وحبيب الفارسى وصالح المرى . فقلت لهم يا إخوانى ماغَدابكم؟ قالوا [لِ]: مات فى جوارك الليلة أُحد؟ قلت: مات شابّ كان يصلى معى الصّلوات. فقالوا لى: أرناه. فلما دخلوا عليه كشف مالك بن دينار الثوب عن وجهه ثم قبّل موضع سجوده ثم قال: بأبى أنت ياحجاج إذا ◌ُرفتَ فى موضعٍ تحوّلت منه إلى موضع غيره حتى لأُتُعرف . خذوا فی غَسله. وإذا مع كل واحد منهم كفن. فقال كل. واحد منهم: أنا أ كفنه . فلما طال ذلك منهم قلت لهم: إنى أفكرت فى أمره هذه الليلة فقلت: من أكلم. (١) أى يتكفل بثمن كفنه. (٢) أى باكراً جداً. وأنت الفعل على معنى صلاة الفجر. (٣) ط .: وإذا . (٦) طه: فإذا. (٥) ط: يكفن. (٤) ق: من . : - ٣٥٧ - حتى يكفّنه . فأتيت المسجد فأذَّنت ثم دخلت لأركع فإذا كفَن ملفوف لاأدرى من وضعه؟ فقالوا: "يُكفّن فى ذلك الكفن فكفّنا. وأخرجناه، فما كدنا ترفع جنازته، من كثرة من حضره من الجمع. ٥٥١- ضیغم بن مالك أبو مالك العابد. أبو أيوب مولى ضيغم بن مالك قال: قال لى ضيغم ليلة: لو أعلم أن رضاه(١) أن أقرضَ لحمى لدعوت بالمقراض فقرمتُه . قال: قال سيار رأيت ضيفاً صلّى نهاره أجمعَ وليله حتى بق راكما لا يقدر أن يسجُد فرأيته رفع رأسه إلى السماء ثم قال: قَرَّةَ عينى. ثم خرّ ساجداً فسمعته يقول وهو ساجد: إِلَى كيف عزفتْ قلوبُ الخليقة عنك؟ قال : وربما أصابته الفترة(٢) فإذا وجد ذلك اغتَسل ثم دخل بيتاً فأغلق بابه وقال: إلهى إليك جئت. قال: فيعود إلى ما كان من الركوع والسجود. قال: وسمعت سياربن حاتم يقول: كان وِرد ضيغم كل يوم أربعمائة ركعة . عبيد الله بن عمر قال : أتيت صاحباً لى يقال له عمران بن مسلم فأرالى موضـ مُنْتَلَّيْ فى مسجده أحدهما بحذاء الآخر فقلت: (١) أى رضا الله. (٢) الفترة: الضعف والانكسار والفتور . - ٣٥٨ - من هذا؟ قال: هذا والله من دموع ضّغم البارحة بين المغرب والعشاء وهو راكع. أزهر بن مروان الرقاشى قال: رأيت ضيفاً العابد وكنت إذا رأيته. رأيت رجلاً لا يشبه الناس من الخشوع والضرّ وطول الحزن قال القرشی: وحدثتی شیخ یکنی بأبى يعقوب عن سعيد البكاء قال: قال رجل لأم ضيغم: ما أطول ◌ُحُزن ضيمٍ. فبكت وقالت: لمثل ما ندب إليه فليحزن، ذهب الحسن وأصحابه بالحزن وهل رأيت یابنی محزوناً. محمد بن الحسين قال : حدثنى مالك بن صيغم قال : قالت أمّه ، يعنى صيغهاً، ذات يوم: ضيغم! قال: لبّيك ياأماه: قالت: كيف فَرَحك بالقدوم على الله؟ قال : فحدثنى غير واحد من أهله أنه صاح صيحة صيحة لم يسمعوه صاحَ مثلها قطّ وسقظ مغشياً عليه. فجلست العجوز تبكى عند رأسه وتقول: بأبى أنت ما نستطيع أن نذكر بين يديك شيئاً من أمر ربك. قال: وقالت له يوماً : ضيغم! قال: لبيك ياأماه. قالت: تحب الموت؟ قال: نعم يا أماه. قالت ولم يابنىّ؟ قال: رجاءَ خير ما عندَ الله قال: فبكت العجوز وبكى فتسامع أهل الدار فجلسوا يبكون. لبكائهم . قال: وقالت له يومً آخر: ضيغم ! قال: لبّك باأمّاه. قالت: تحب - ٣٥٩ - الموت؟ قال: لا أماه. قالت: لِمَ يا بنى؟ قال؟ لكثرة تفريطى وغفلتی عن نفسى، قال: فبكت العجوز وبكى ضيغم واجتمع أهل الدار وجعلوا يبكون، وكانت أمه عربية كأنها من أهل البادية . مالك بن ضيغم قال: حدثنى الحكم بن نوح قال: بكى أبوك ليلةً من أول الليل إلى آخره لم يسجد فيها سجدة ولم يركع فيها ركعة ونحن معه فى البحر. فلما أصبحنا قلنا : يا مالك لقد طالت ليلتك لا معملياً ولا داعيًاً ، قال فبكى ثم قال : لو يعلم الخلائق ما يستقبلون غداً مالذّوا بعيش أبداً . والله إنى لما رأيت الليل وهَوْله وشدّة سواده ذكرت به الموقف وشدّة الأمر هناك، وكل امرىء يومئذ تهمه نفسه: و «لا يَجزى والدٌ عن وَلَدِه ولا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ وَالِهِ شيئاً(١) ، قال: ثم شهق ولم یزل یضطرب ماشاء الله. مالك بن ضيخم قال : حدثتني خالتى حبابة بنت ميمون العتكيّة قالت: رأيت أباك (ضيفماً) نزل ذات ليلة من فوق البيت بكوزٍ وقد بُرَّدَ له حتى صبه ثم ا کتازَ من الْحُبّ(٢) ماء حاراً فشرب فقلت له بعد ذلك : بأبي أنت قد رأيتَ الذى صنعت فيمّ ذاك؟ قال: حانت منى مرة نظرةٌ إلى امرأة جعلتُ على نفسى أن لا تذوق الماء البارد (١) لقمان: ٠٣٣ (٢) اكتاز الماء: اغترفه بالكوز. والحب (بضم الحاء): الجرة الكبيرة أو الخابية . - ٣٦٠ - أيام الدنيا . فقلت : أنقصُ عليها الحياة . محمد بن مالك بن ضيغم قال : حدثنى مولانا أبو أيوب قال : قال لى أبو مالك يوماً: يا أبا أيوب احذر نفسك على نفسك فإنى رأيت محموم المؤمنين فى الدنيا لا تنقضى ، وايم الله لن لم تأت الآخرة المؤمن بالسرور لقد اجتمع عليه الأمران: تمّ الدنيا وشقاء الآخرة. قال قلت: بأبي أنت وكيف لا تأتيه الآخرة بالسرور وهو ينصب(١) اه فى دار الدنيا ويدأب؟ قال: يا أبا أيوب فكيف بالقبول وكيف بالسلامة؟ ثم قال: كم من رجل يرى أنه قد أصلح شأنه، قد أصلح قُربانه، قد أصلح همته ، قد أصلح معملَه، يُجمع ذلك يوم القيامة ثم يضرب به وجهه . يحيى بن بسطام قال: قلت لجار ضيغم: هل سمعت أبا مالك يذكر "ن الشعر شيماً؟ قال: ماسمعته يذكر إلا بيتاً واحداً . قلت: ما هو ؟ قال : قد يَخْزُنُ الوَرِعِ التقىُّ لسانَ حَذَرَ الكلامِ وإنه لَمُفَّوَّهُ سعيد الوراق قال: حدثنى ابن ثعلبة، وكان من العابدين ، قال : (٢) رأيت ضيغماً فى منامى بعد موته فقال (لى) يا ابن ثعلبة أماصليت علىّ؟ قال: فذكرت علّة كانت فقال: (٢) أما لو كنتَ صَلَيت علىّ لقد كنت ربحت رأسك . (١) يتعب . (٢) ط: ما (بلا همزة). (٣) ط: قال.