Indexed OCR Text

Pages 181-200

- ١٨١
لى برفيق. قال: قلت: ارفقْ، لمله ذكَر عياله ومفارقته إياهم فرق .
وسمعها بهيم فقال: يا أخى والله ماهو بذاك وما هو إلا أتى (١) ذكرت
بها الرحلة إلى الآخرة . قال: وعلاصوته بالنحيب.
قال: يقول لى صاحبى: والله ماهي بأول عداوتك لى وبغضك
إياى ، مالى وليهيم ؟ إنما كان ينبغى أن ترافق بين بهيم وبين داود
الطائى وسلام بن(٢) الأحوص، حتى بيكى بعضهم إلى بعض حتى
إشتفوا أو يموتوا جميعاً.
قال : فلم أزل أرفق به وأقول ؟ ويحك لعلّها خير سفرة سافرتها.
قال: وكان طويل الحج رجلا صالحاً إلا أنه كان رجلا تاجراً
موسراً مقبلا على شأنه، لم يكن صاحب حزن ولا بكاء، قال : فقال لى:
قد وقعت مرتى هذه ولملها أن تكون خيرة.
قال : وكل هذا الكلام لا يعلم به بهيم ولو علم بشىء منه ما صاحبه.
قال: فخرجا جميعاً حتى حجّا ورجعا. مايرى كل واحد منهما أن
له أخاً غير صاحبه. فلما جئت أسلم على جارى قال لى: جزاك الله
يا أخى عنى خيراً ما ظننت أن فى هذا اطلق مثل أبى بكر ، كان والله
يتفضل علىّ فى النفقة وهو مُعدم وأنا موسر، ويتفضل علىّ فى الخدمة
وأنا شابٌ قوى وهو شيخ ضعيف ، ويطبخ لى وأنا مُفطر
وهو صائم .
(١) ط : ذاك وما هو ألا أنى .
(٢) ط : أبى .

- ١٨٢ -
قال: فقلت: فكيف كان أمرك معه فى الذى كنت تكرههمن
طويل بكائه؟ قال أَلِفْتُ: واللهِ ذاك البكاء وسرّ قلبى حتى كنت أساعده
عليه ، حتى تأذى بنا أهل الرّفقة. قال: ثم والله ألفوا ذلك فجعلوا إذا
سمعونا نبكى بكوا وجعل بعضهم يقول لبعض: ما الذى جعلهم أولى
بالبكاء منا والمصير واحد؟ قال: فجعلوا والله يبكون ونبكى.
قال : ثم خرجت من عنده فأتيت بهيماً فسلمت عليه وقلت :
كيف رأيت صاحبك؟ قال: كخير صاحب، كثير الذكر له عز وجل
طويل التلاوة للقرآن، سريع الدمعة محتمل الهفوات للرفيق ، جزاك
الله عنى خيراً .
٤٥٨- عرجة
عن خلف بن تميم قال : كان فتى من أهل الكوفة متعبّد يقال
له عرفجة. وكان يحيى الليل صلاة . فاستزاره بعض إخوانه ليلة
فاستأذن أمه فى زيارته فأذنت له . قالت العجوز: فلما كان الليل إذا
أنا فى منامى برجال قد وقفوا علىّ فقالوا : يا أم عرفجة: لِمَ أذنتِ
لإمامنا الليله.

۔۔
ذكر المصطفين من عباد الكوفة
المجهولين الأسماء
٤٠٩ - عابد
/
أبو سعيد البقال قال : رأيت رجلا بالكوفة قد استعدّ للموت
منذ ثلاثين سنة قال مالى على (١) أحد شىء ولا لأحد عندى شىء،
وما أريد أن أ كلم أحداً ولا يكلمنى أحد من الناس إلا بذكر الله تعالى
وكان يأوى الجّان(٢) والمقابر.
أيوب بن موسى قال : سمعت شيخاً فى المسجد يكنى أبا سهل
الترمذى (قال : سمعت سفيان الثورى يقول : رأيت شيخاً فى مسجد
الكوفة) يقول: أنا فى هذا المسجد منذ ثلاثين(٣) سنة أنتظر الموت
أن ينزل بى لو أتانى ما أمرته بشىء ولا نهيته عن شىء ولا لى(4) على
أحد شىء ولا لأحد عندى (٥) شىء.
٤٦٠ - عابدان کوفیان
عن الشعبى قال: جاء رجلان إلى شريح فقال أحدهما : اشتريت
من هذا داراً فوجدت فيها عشرة آلاف درهم فقال : خذها . فقال له
إِنما اشتريتُ الدار. فقال البائع: فخذها أنت فقال: ولِمَ ؟ وقد
(١) ط : عند.
(٢) بقال: أوى البيت وإلى البيت: نزل فيه . رفى ط: الجبال، تحريف.
(٣) ط: ثلاثون، وهو جائز. (٤) ط: ومالى. (٥) ب: على.

- ١٨٤ -
يعْتُه الدار بما فيها. فأدار الأمر بينهما فأبيا فأتى زياداً فأخبره فقال :
ما كنت أرى أن أحداً هكذا بقى. وقال لشريح: ادخل بيت المال
فألقٍ فى كل جرابٍ قبضة حتى تكون للمسلمين .
٤٦١ - عابد آخر
منصور بن عمار قال : خرجت ذات ليلة فظننت أنى قد أصبحت
فإذا علىّ ليل(١) . فقعدت عند باب صغير فإذا بصوت شاب يبكى
ويقول : وعزتك وجلالك ما أردت معصيتى مخالفتك، وقد عصيتك
حين عصيتك وما أنا بنكالك(٢) جاهل ولا لعقوبتك متعرّض،
ولا بنظرك مستخف ، ولكن سوّلت لى نفسى وغلبتنى شقوتى،
وغرّنى سترك المرخيّ علىّ ، عصبتُك بجهلى وخالفتُك جهدى، فالآن
مِنْ عذابك مَنْ يستنقذنى؟ ويحبلٍ مَن اتصل إن قطعتَ حبلك عنى؟
واسو أتاه على مامضى من أيامى فى معصية ربى، ياويلى كم أتوب وكم
أعود ، قد حان لی أستحيي من ربى عز وجل .
قال منصور : فلما سمعت كلامه قلت : أعوذ بالله من الشيطان
الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم ((يا أَيُّها الذينَ آمنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ
وأهْلِيكم ناراً وَقُودها الناسُ والحجارَة، عليها ملائكةٌ غلاظٌ
شِداءٌ(٣) الآيه. فسمعت صوتاً واضطراباً شديداً فمضيت لحاجتى.
(١) أى لم ينته الليل كله وبقى منه جزء. (٢) الذكال: العذاب والعقوبة.
(٣) التحريم : ٦.

- ١٨٥ -
فلما أصبحت رجعت وأنا بجنازة على الباب ، وعجوز تذهب وتجىء.
فقلت لها : من الميت؟ فقالت: إليك عنّى لا تجدّد علىّ أحزانى. فقلت:
إنى رجل غريب . فقالت : هذا ولدى مرّ بنا البارحة رجل لاجزاه الله
خيراً فقرأ آية فيها ذكر النار، فلميزل ولدى يضطرب ويبكى حتى مات.
قال منصور: هكذا واللهِ صفةٌ الخائفين .
٤٦٢ - عابد آخر
عبد الله بن عمر الكوفى قال: كان عندنا بالكوفة رجل قد خرج
عن دنيا واسعة وتعبّد. قال: وكان الفضيل بالكوفة فى أيامه . قال:
فقدم ابن المبارك فقال له المضيل : إن هاهنا رجلا من المتعبدين قد
خرج عن دنيا فامض بنا إليه ننظر عقله .
قال : فجاؤوا إليه وهو عليل وعليه عباء وتحت رأسه قطعةٌ لَبنة
قال: فسلّم ابن المبارك عليه ثم قال: ياأخى بلغنا أنه ماترك عبدٌ شيئاًشه.
إلا عوّضه الله ما هو أكثر منه، فما عوضك؟ قال: الرضا بما أنا فيه.
فقال ابن المبارك: حسبك وقاما على ذلك.
٤٦٣ - عابد آخر
محمد بن منصور قال : کان بالكوفة رجل متعبد یا کل فی یوم
نصف رغيف وكان قاعداً لا يضطجع ويضع جبهته على ركبتيه من
صلاة إلى صلاة لا بتطوّع بشىء غير الفرائض، ولا يتكلم البتة . فقلت
له : لو تطوعت فقال: افهمْ ما ألقيه إليك، إنى لست أعصيه .
(١) ط: لا ينضجع، وهو صحيح أيضاً.

ومن عقلاء المجانين بالكوفة
٤٦٤ - غير المجنون
العباس بن محمد بن عبدالرحمن الأشهلى قال : حدثنى أبی عن ابن نمير
-ل: كان لى ابن أخت سمّه أختى باسم أبى مير ، وكان من نُسّاك أهل
قاكونة. وقد سمع سماعاً حسناً، وكان حسن الطّهور حسن(١)
الصلاة، يراعى الشمس للزوال قال : فعرض له فذهب عقله فكان
لا یؤيه سقف بيت : إذا كان بالنهار فهو بالجبّانة وإذا كان بالليل ففى
السطح قائماً على رجليه فى البَرْد والمطر والريح.
فنزل يوماً مبكراً يريد المقابر فقلت: يا غير تنام؟ قال: لا. قلت:
أيُّ شىءٍ العلّةَ التى تمنعك من النوم؟ قال : هذا البلاء الذى تراه.
فقلت: يا غير أما تخاف الله عز وجل؟ قال: بلى. وقال: أليس يقال:
أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل ؟ قال: قلت له: أنت أعلم
متی . قال : كلاّ ومضى .
قال: وصعدت إليه ليلةً باردة وهو قائم فى السطح وأمه قائمة تبكى
فقلت : يا غير بقىَ منك شيء لم تنكره؟ قال: نعم . قلت ما هو قال
حبِ الله عز وجل وحب رسوله بَايَةٍ .
قال: وصعدت إليه ليلة فى رمضان فقلت له : ياغير لم أفطر. قال:
ولم؟ قلت: أحب أن تراك أختى تأكل معى . قال: أفعل. قال :
فأصعد إلينا طعام ، فجعل ياً كل معى حتى فرغتُ وفرغ . فلما أردت
أن أقوم رحمته من أن يرانى مولّياً وهو فى الظلمة والريح فبكيت
(١) ط : وحسن.

- ١٨٧ -
فقال: ما يبكيك رحمك الله؟ قلت له: أنزل إلى الكن(١) والضوء
وأدعك فى الظلمة والبرد؟ فغضب وقال لى: إن لى ربًّا هو أرحم بى
منك وأعلم بما يُصلحنى فدعه يصرّفى كيف يشاء(٢)، فانى لا أتّهمه فى
قضائه . فقلت له] لئن كنت فى ظلمة الليل إن جدّك فى ظلمة اللحد،
أريد أن أعزيه وأطيب نفسه. فقال لى ماجعل روح رجل صالح مثلَ
روُحِ رجلٍ متلوث. ثم قال لى: أتانى البارحة أبى وأبوك عبدالله
ابن غير فوقف ثم أشار إلى موضع كان أبى يعلّى فيه فقال لى: يا نمير
أمّا إنك ستأتينا يوم الجمعة شهيداً.
قال: فدعوت أمه فصعدت إلىّ فأخبرتها بما قال . فقالت: والله
ما جربت عليه كذبًا وما هذا مما كان يتكلم (٣) به وما قال إلا حقاً. قال:
وقال هذه المقالة عشية الأربعاء. فجعلنا نتعجب ونقول غداً الخميس
وبعد غدٍ الجمعة، فهيْه مرضَ غداً ومات بعد غدٍ فاين الشهادة ؟
فلما كانت ليلة الجمعة فى وسط الليل سمعنا هدّة فإذا هو قد ماج
به ما كان يَهيج فبادر الدرجة فزلت قدمه فسقط منها فاندقت عنقه
فحفرتُ له إلى جنب أبى ودفنته، وانكببت على قبر أبى فقلت: يا أبة
قد أتاك نمير وجاورك. فوالله ماقلت هذه المقالة إلا لما كان فى قلبى
من الغم. ثم انصرفت فلما كان الليل رأيت أبى فى النوم كأنه قد دخل
علىّ من باب البيت فقال لى : يابنى جزاك الله خيراً لقد آنستنى بنمير،
اعلم أنه منذ أتيتمونا به إلى أن جثتك يزوَّج بالحور . والسلام.
(١) السكن: وقاء كل شىء وستره. ويطلق على البيت أيضاً.
(٢) ط: شاء. (٣) ط: ((ما هذا ومما كان يتكلم به))، تحريف.

ذكر المصطفيات [من] العابدات الكرفيات
ذكر المسميات منهن والمنسوبات
٤٦٥ - أم حسان الكوفية
كان سفيان وابن المبارك وغيرهما يزورونها.
عبدالله بن المبارك قال: ذكر سفيان الثوري امرأةً بالكوفة يقال
لها أمُّ حسان ذات اجتهاد وعبادة. فدخلنا بيتها فلم نرَ فيه شيئاً غير
قطعة حصيرٍ خَلَقٍ (١) . فقال لها الثورى : لو كتبتِ رقعة إلى بعض
بنى أعمامك لغيروا من سوء حالك. فقالت: يا سفيان قد كنتَ فى
عينى أعظم وفى قلبى أكبر مُذ(٢) ساعتك هذه، إنى ما أَسأل الدنيا من
يقدر عليها وَيملكها ويحكم فيها؛ فكيف أسأل مَن لا يقدر عليها
ولا يَقْضِى ولا يَحكم فيها؟ ياسفيان واللهما أحب أن يأتى علىّ وقت وأَنا
مقشاغلة فيه عن الله تعالى بغير الله . فأبكت سفيانَ .
قالعبد الله : فبلغنى أنسفيان تزوّج بها .
٤٦٦ - أم الأسود بن يزيد
وكيع قال: حدثنا أبى عن منصور عن إبراهيم أن أم الأسود
أقعدت من رجليها فجزعت ابنة لها فقالت اللهم إن كان خيراً فزد.
٤٦٧ - أم مِسعر بن كِدام
محمد بن سعد قال: كانت لمسعر أم عابدة فكان يحمل لها لبداً
(١) بالبة .
(٢) ط : منذ.

- ١٨٩ -
ويمشى معها حتى يدخلها المسجد فيبسط لها اللبد فتقوم فتصلى ويتقدم
هو إلى مقدم المسجد فيصلى ثم يقعد ويجتمع إليه من يريد فيحدهم ثم
۵
ينصرف إلىها فيحمل لبدها وينصرف معها .
٤٦٨ - أم سفيان الثورى
قال وكيع: قالت أم سفيان الثورى لسفيان يا بنى اطلب العلم وأنه
اكفيك بمغزلى وقالت له يابنى إذا كتبت عشرة أحرف فانظر هل
ترى نفسك زيادة فى مشيك وحلمك ووقارك فان لم يزدك فاعلم أنه
لا يضرك ولا ينفعك .
٤٦٩ - أم الحسن وعلى ابنى صالح بن حی
عبد الله بن هاشم قال: سمعت وكيع بن الجرّاح يقول: كانت
أم علىّ والحسن ابنى صالح تقوم ثلث الليل.
عبد الله بن صالح قال : حدثنى رجل من بني تميم أن أم الحسن
وعلى ابنى صالح كانت تبكى بالليل والنهار. قال: فرأيت حسناً بعد
موته فى المنام فقلت : ما فعلتْ الوالدة؟ قال: بُدّلتْ بطول ذلك البكاء
سُرورَ الأبد.
٤٧٠ - أخت فضيل بن عبد الوهاب
قال محمد بن الحسين : حدثنى فضيل بن عبد الوهاب قال :
سمعتُ أختى يوماً تقول : الآخرة أقرب من الدنيا ، وذلك
أن الرجل يهمّ بطلب الدنيا فلعله أن ينشىء لذلك -فراً يكون فيه

- ١٩٠ -
تَعَبُ بدنه وإنفاق(١) ماله، ثم لعله أن لا ينال بغيته. والرجل يطلب
الآخرة فيمنتهى طلبته فى حُسن نيته حيث ما كان: من غير أن ينشىء
سفراً أو ينفق مالاً أو يتعب بدناً، ماهو إلا أن يُجمع على طاعة الله
فإذا هو قد أدرك ما عند الله .
قال: وسمعتها تقول : ما بيننا وبين أن نرى السرور أو ننادى
بالويل والتّبور إلا خروج هذه الأرواح من الأبدان، فانظروا أىَّ
عبيد تكونون حينئذ؟ قال: ثم صرخت وغُشَىَ عليها.
قال فضيل: مارأيت أحداً قط ، رجلاً ولا امرأةً ، أطول
حزناً منها .
(١) ب . واتلاف .

ذكر المصطفيات من العابدات
المجهولات الكوفيات
٤٧١ - عابدة
مجرز أبو القاسم الجلاب قال : حدثنى سعدان قال : أمر قوم
امرأةَ ذات جمال بارع أن تتعرض للربيع بن خُثَيْ(١) فلعلها تَقَتنه،
وجعلوا لها إن فعلت ذلك ألف درهم. فلبست أحسن ما قدرت عليه
من الثياب، وتطيّبت بأطيب ما قدرت عليه ثم تعرّضت له حين خرج
من مسجده ، فنظر إليها فراعه أمرها فأقبلت عليه وهى سافرة.
فقال لها الربيع: كيف بك لو قد نَزلت الحمى بجسمك فغيرت ما أرى
من لونك وبهجتك؟ أم(٢) كيف بك لو قد نزل بك ملك الموت فقطع
منك حبلَ الوتين؟ أم كيف بك لو قد ساء لَكِ مُنكر ونكير؟.
فصرخت صرخةً فسقطت مغشياً عليها. فوالله لقد أفاقت وبلغت
من عبادة ربها أنها كانت يوم ماتت كأنها جِذْع مْرِق.
٤٧٢ - عابدة أخرى
عبد الله بن نافع قال: أُتَىّ الربيع بن خُصَيْ فى منامه فقيل: إن فلانة
السوداء زوجتُك فى الجنة فلما أصبح سأل عنها فُدَّل عليها فإذا هي ترعى
أعنزاً لها. فقال : لأفيمنّ عندها فأنظر ماعَمِلُها؟ فأقام عندها ثلاثاً
(١) بضم الخاء وفتح الثاء. وضبطه بعضهم (خيثم) بفتح الخاء وسكون الثاء.
والربيع : هو أبو يزيد الكوفى، ثقة عابد مخضرم، قال له ابن مسعود: (لو رآك
رسول الله (ص) لأحبك). مات سنة ٦١ ھـ أو ٦٣ هـ.
(٢) أم بمعنى بل.

- ١٩٢ -
لا يراها تزيد على الفريضة، فإذا أمست جاءت إلى عنيزة لها فحلبت ثم
شربت، ثم حلبت فسقته. فقال لها فى اليوم الثالث: يا هذه لمَ لا تسقينى
من غير هذه العنز؟ قالت: ياعبد الله إنها ليست لى قال: فلمّ تسقينى
من هذه؟ قالت: إن هذه مُنِحْتُها أشرب من لبنها وأَسقِى مَن شئتُ.
قال: ياهذه فليس لك من العمل أكثر مما أدى؟ قالت: لا، إلا أنى:
ما أصبحت على حال قطّ فتمنيت أنى على حال سواها، رضاً بما قسم
الله لى. فقال: يا هذه علمت (١) أنى رأيت فى المنام إِنك زوجتى فى
الجنة . قالت له : أنت الربيع بن خُثَيْ؟
قلت لعبد الله بن نافع: كيف علمتْ هذا؟ قال : لعلها أن تكون
رأت فى منامها مثل ما رأى .
٤٧٣ - عابدة أخرى
محمد بن يحيى بن أبى حاتم قال : حدثنى عبد الملك بن شبيب عن
رجل من ولد ابن أبى ليلى قال: دخلتُ على امرأة وأنا أقرأُ سورة هود.
فقالت لى: ياعبدالرحمن هكذا تقرأ سورة هود؟ والله إني لَفَها منذ
ستة أشهر مافرغت من قراءتها .
٤٧٤ - عابدة أخرى
الوضاح بن حسان الأنبارى قال : حدثنى رجل من أهل الكوفة
قال: كانت امرأة من التّيم مجتهدة فى العبادة فكانت تخطر فى كل
(١) ق: رأيتك. وأثبتنا ما فى ط .

- ١٩٣ -
ثلاث مرّةٍ ، ولا تخرج من مسجد الحىّ إلا لحاجة. فقال لها إبراهيم
التّيْمَى: صلاتك فى بيتك أفضل من صلاتك فى مسجد الحيّ ففعات
فلزمت بيتها فلم تزدَد إلا خيراً.
٤٥٧ - عابد تان أختان
محمد بن قدامة قال : سمعت أبا بشر يقول : كانت جارة لمنصور
ابن المعتمر، وكان لها ابنتان لا تصعدان إلى السطح إلا بعد ما ينام
الناس . فقالت إحداهما ذات ليلة: يا أمّتاه ما فعلت القائمة التى كنتُ
أراها فى سطح فلان؟ فقالت: يابنية لم تكن تلك قائمة إنما كان ذاك
منصور يُحى الليل كلّه فى ركعة لا يسجد فيها ولا يركع . فقالت
يا أمّتاه بلغ به العبادةُ والفَرَقُ(١) من النار هذا؟ فما فعل؟ قالت: مات
ودفنوه . قالت: يا أمّتاه انطلقى فاشترى لى مدرعة أتعبد فها فو الله
لا يَجمع رأسى ورأس رجلٍ أبداً رجلٌ لا ينام عشرين سنة فرقاً
من النار .
قال: فاشترت لها مدرعة من شعر فدخلت البنت الأخرى معها
فى العبادة فتعبّدنا بعد ذلك عشرين سنة لا تنامان الليل
ولا تفطران النهار .
و
٤٧٦ - عابدة أخرى
عن سفيان أنه ذكر يوماً امرأةً من أهل الكوفة كانت تتعبد()،
(١) الفرق: الخوف. (٢) ق: تعبد، تصحيف. وأثبتنا ما فى ط .
(م ١٣ - صفة الصفوة - = ٣).

- ١٩٤ -
فذكر عنها فضلاً. فقلت: أيَّ شىء تحفظ من كلامها ؟ قال: قالوا إنها
كانت تقول: لو نادى منادٍ من السماء ليمتْ أعظم الناس جُرُمَاً
لرأيت(١) أن نفسى أول ذائقة للموت.
وكانت تقول: طول الأمل بطأَ بِى عن سبيل النجاة.
٤٧٧ - عابدة أخرى
عن ابن السماك قال: أذنب غلام امرأة من قريش ذنْباً فسعت إليه
بالسوط فلما قربت منه ومت بالسوط وقالت. ما تركَتِ التّقوى أحداً
يَشْفِى غيظَه.
٤٧٨ - عابدة أخرى
أبو بكر بن عبيد قال: حدثنى محمد بن الحسين قال : أخبرنا شهاب
بن عباد قال: أخبرنا سويد بن عمرو الكلبى قال : كانت امرأة
عابدة(٢) فى غنىَ، فكانت لا تنام من الليل إلا يسيراً . فعوتبت فى
ذلك فقالت: كفى بالموت وطول المّقدة فى القبور للمؤمنين رُقاداً.
قال أبو بكر : وزادنى فى هذا الحديث عن محمد بن الحسين بإسناده
هذا : وكانت تصوم فى شدة الحر حتى يسود لونها ويتغير وجهها.
فيقال لها فى ذلك ، فتقول : إما أدور على طول الرى والشبع
س
فى الآخرة.
و کانت قد بکت حتى اسود مجاری دموعها من وجهها ،
(١) ب : لعلمت .
(٢) ب : متعبدة.

- ١٩٥ -
فكان(١) يأتيها محمد بن النضر وأصحابه فيحادثها ساعة ثم تقول:
قوموا فالحديث هناك يطيب، فى دارٍ لا هم فيها ولاموت ولا تعب.
ذكر المصطفيات من عقلاء المجانين
المتعبدات الكوفهات
٤٧٩ - ميمونة السوداء
الفضيل بن عياض قال: قال عبد الواحد بن زيد: سألت الله
عز وجل ثلاث ليالٍ أن يرينى رفيقى فى الجنة. فرأيت كأن قائلاً يقول:
يا عبد الواحد رفيقك فى الجنة ميمونة السوداء. فقلت : وأين هى؟
فقال : فى آل بنى فلان بالكوفة .
قال : فخرجت إلى الكوفة وسألت عنها فقيل: هى مجنونة بين
ظهرانينا ترعى غُنيمات لنا. فقلت: أريد أن أراها. قالوا: اخرج
إلى الجبّان. فخرجت فإذا بها قائمة تصلّى، وإذا بين يديها ◌ُكّز لها
وعليها جبة من صوف، عليها مكتوب: لاتباع ولا تشترى. وإذا
الغنم مع الذئاب، فلا الذئاب تأكل الغنم ولا الغتم تخاف الذئاب.
فلما رأتنى أوجزتْ فى صلاتها ثم قالت : ارجع يابن زيد لبس
الموعد هاهنا إنما الموعد ثَّ . فقلت : رحمك الله ومَن أعلمك أتى
ابن زيد؟ فقالت: أما علمت أن الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها
ائتلف وما تناكر منها اختلف ؟ فقلت لها: عظينى. فقالت: واعجيا
(١) ب: وكان.
:

- ١٩٦ -
لواعظ يوعَظ ثم قالت : يابن زيد إنك وضعت معايير القسط على
جوارحك خبرتك بمکتوم مكنون ما فيها ، یابن زيد إنه بلغنى أنه
مامن عبدٍ أُعطِىَ من الدنيا شيئاً فابتَغَى إليه ثانياً إلا سَلَبه الله حب
الخلوة معه ، وبدله بَعد القربِ الْبُعَد وبعد الأنسِ الوحشةً. ثم
أنشأت تقول :
◌َزجر قوماً عن الذّنوب
يا واعظاً قام لاحتساب
هذا من المنكر العجيب
تنهى وأنت السقم حقاً
عَيك أو تُبْت من قريب
لو كنتَ أصلحت قبلَ هذا
موقعُ صدقٍ من القُلوب
کان لما قلت ياحبيبى
وأنتَ فى الَّْيِ كالمريب
تَنهى عن النّىّ والتّادى
فقلت لها : إنى أرى هذه الذئاب مع الغنم ، فلا الغنم تفزع من
الذئاب، ولا الذئاب تأكل الغنم، فأىّ شىء هذا؟ فقالت: إليك منى
فإنى أصلحت ما يدنى وبين سيّدى فأصلح بين الذئاب والغنم.
٤٨٠ - ◌ُخّة(١)
عن يحيى بن إسماعيل بن سلمة بن كُهيل قال: كانت لى أخت أسّن
منى فاختلطْت(٢) وذهب عقلها فتوحّشت فكانت فى غرفة فى أقصى
سُطوحنا . فمكثتْ بذلك بضْعُ عشرة سنةً وكانت مع ذهاب عقلها
(١) بخة: بضم الباء وتشديد الخاء ..
(٢) اضطرب عقلها واختل .

- ١٩٧ -
يحرص على الطهور وتفقد الصلوات(١) وربما(٢) غلبت على عقلها
الأيام(٣) فتحفظ ذلك حتى تقضيه .
قال: فبينما أنا [نائم] ذات ليلة إذا باب بيتى يُدقّ فى نصف الليل.
فقلت مَن هذا؟ قالت: بُخَّة قلت: أختى؟ قالت: أختك. قلت :
لبّك. وقمت ففتحت الباب فدخلتْ ولا عهدَ لها بالبيت منذا كثر
من عشر سنين فقلت لها: يا أختاه خير. قالت: خَيْر، أتيت الليلة فى
منامى فقيل لى: السلام عليك يابخّة. فقلت: وعليك السلام. فقيل لى:
إن الله قد حفظ أباك اسمعيل لسلمة بن كميل جَدِّك، وحفظك لأبيك
إسماعيل. فإن شئت دعوتُ الله لك فأذهب مابِك، وإن شئت صبرت
ولك الجنة ، فإن أبا بكر وعمر رضى الله عنهما قد شفما لك إلى الله
عز وجل بحبّ أبيك وجَدّك إياهما. فقلت: إن كان لابد من أن أختار
أحدهما فالصبر على ما أنا فيه والجنة، والله واسع لا يتعاظمه شىء.
إن شاء أن تجمعهما لى فعل. قالت فقيل لى: قد جمعهما الله لك ورضىَ
عن أبيك وجَدّك بحهما أبا بكر وُمر، قُومى فانزلى. فأذهبَ الله
ما کان بها .
انتهى ذكر أهل الكوفة ولله الحمد.
(١) ب : وتفتقد الصلاة.
(٢) ق : فربما .
(٣) بالنصب ، أى ربما ذهب عقلها عدة أيام متوالية.

ذكر المصطفين من أهل البصرة من
التابعين ومن بعد هم
فمن الطبقة الأولى
٤٨١ - الأحنف بن قيس
يكنى أبا بحر وإنما عُرف بالأحنف لأنه وُلد أحنف(١).
عن الحسن، عن الأحنف قال: بينا أنا أطوف بالبيت إذا لقينى
رجل من بنى سليم فقال: أبشرك؟ فقلت: بلى . قال: أتذكر إذ بثنى
رسول الله عَ ليه إلى قومك(٢) بنى سعد أدعوم إلى الاسلام فقلت"
أنت: ما قال إلا خيراً ولا أسمعَ إلا حَسنّاً؟ فإنّى رجعتُ وأخبرت
النبيّ ◌َّ بمقالتك فقال: ((اللهم اغفر للأحنف)). قال: فما أنا لشىء
أرجى منى لها (٣).
قال معاوية بن هشام لخالد بن صفوان: بم بلغ فيكم الأحنف بن قيس
ما بلغ ؟ قال: إن شئت حدثتك ألفاً وإن شئت حذفت لك الحديث
حذفً . قال: احذفه لى حذفً: قال: فإن شئتَ فثلاثاً، وإن شئت
فاثنتين، وإن شئت فواحدة. قال: ما الثلاث؟ قال: كان لا يْشَرَهُ
(١) أى اعوجت رجله إلى داخل. (٢) ق: قوم .
(٣) الحديث صحيح أخرجه الإمام أحمد فى المسند والطبرانى ، ورجال أحمد
رجال الصحيح غير على بن زيد وهو حسن الحديث .

- ١٩٩ -
ولا يحسد ولا يمنع حقاً. قال: فما الثفتان؟ قال: كان موفقاً للخير،
معصوماً من الشر. قال : فما الواحدة ؟ قال : كان أشد الناس على
نفسه سلطاناً .
عن الحسن قال: كانوا يتكلمون عند معاوية والأحتف ساكت.
فقالوا : مالك لا تتكلّم يا أبا بحر ؟ قال أخشى الله إن كذبت
وأخشاكم إن صدقت.
عن سلمان التيمى قال: قال الأحنف بن قيس : ما ذكرت أحداً
بسوء بعد أن يقوم مِن عندى.
عن سلمة بن منصور، عن مولى لهم كان يصحب الأحنف بن قيس،
قال : كنت أصحبه فكان عامّةَ صلاته بالليل الدماء . وكان يجىء إلى
المصباح فيضع أصبعه فيه ثم يقول: حّس. ثم يقول: يا حنيف(١)
ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ .
عن الحسن قال: قال الأحنف بن قيس: والله ماسمعت كلمةً إلا
طأطأْتُ لها رأسى لما هو أعظم منها .
الغلابى قال: حدثنى رجل من بني تميم قال: قال الأحنف بن قيس:
لا مروءة لكذوب، ولا راحة لحسود، ولا حيلة لبخيل ، ولاسُودَد
لسيّىء الخلق، ولا إخاء لمَول .
عن مغيرة قال : اشتكى ابن أخى الأحنف إلى الأحنف بن قيس
(١) کذا فی ق وب . وفى ط : يا أحنف .

- ٢٠٠ -
وجَع ضرسه فقال له الأحنف : لقد ذهبت عينى منذ أربعين سنة
ما ذكرُها لأحد.
قبيصة قال: قيل للأحنف بن قيس : ألا تأتى الأمراء ؟ قال
فأخرجَ جرّةً مكسورة فكبها فإذا كِسرٌ". فقال: مَن كان يُجزئه
مثلُ هذا ما يصنع ياتيانهم ؟
وقال محمد بن سعد: كان الأحنف مَديقاً لمصعب بن الزبير، فوفد
عليه الكوفة ومصعب واليها يومئذ، فتوفى الأحنف عنده فرٌِّيَ
مصعب فى جناز ته يمشى بغير رداء.
أسند الأحنف عن عمر وعلى وأبى ذر وغيرهم.
٤٨٢- أبو عثمان النهدى
وأسمه : عبد الى حمن بن مل
معتمر بن سلمان، عن أبيه قال : إنى لأحسب أبا عثمان كان
لا یصیب ذنباً. کان لیله قائماً ونهاره صائماً. وإن كان لیصلی حتی
يغشى عليه .
حماد بن سلمة عن ثابت قال: كان أبو عثمان إذا دما ودعونا يقول:
والله لقد استجاب الله عز وجل، قال الله ((ادْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُم))(١).
أدرك أبو عثمان رسول الله صَل اله
لم يلقه وأسند عن عمر بن الخطاب
وابن مسعود وأبى موسى وسلمان وأسامة وأبى هريرة فى آخرين.
(١) غافر: ٦٠ .
: