Indexed OCR Text

Pages 141-160

- ١٤١ -
محمد بن بشير قال: قال حماد لداود الطائى: يا أبا سلمان لقدرضيتَ
من الدنيا باليسير : قال : أفلا أدلّك على من رضىَ بأقل من ذلك ؟ من
رضىَ بالدنيا كلّها عوضاً عن الآخرة.
أبو محمد العابد قال: دخل أبو يوسف على داود الطائى فقال له :
ما رأيت أحداً رضى من الدنيا بمثل مارضيت به فقال : يايعقوب
من رضىَ الدنيا كلها عوضاً عن الآخرة فذاك الذى رضىَ بأقلّ
مما رضيت .
الحارث بن إدريس قال : قلت لداود الطائى : أوصنى فقال :
عسكرُ الموتى ينتظرونك .
إسحاق بن منصور السلولى قال : حدّتثنى أم سعيد بن علقمة
النخعى وكانت طائية .
قالت : كان بيننا وبين داود الطائى حائط قصير فكنت أسمع
حسّه عامة الليل لايهدأ .
قالت: وربما سمعته فى جوف الليل(١): اللهم مُك عطل علىّ
الهموم، وحالف بينى وبين السّهاد، وشَوْقِ إلى النظر إليك، أو ثَق
منى وحال بيني وبين اللذات، فأنا فى سجنك أيها الكريم مطلوب.
قالت: وربماً ترنم بالآية فأرى أن جميع نعيم الدنيا ◌ُع فى ترتّمه.
ابن السماك قال: أوصانى أخى داودالطائى بوصية: انظر لايراك(٢)
(١) ق : فى جوف الليل يقول.
(٢) ق : ألا .

- ١٤٢ -
الله حيث نهاك وأن لا يفقدك(١) من حيث أمرك، واستخيِه فى قربه
منك وقدرته عليك .
محمد بن اشكاب قال: قال داود الطائى: اليأس سبيل أعمالنا هذه،
لكن القلوب نجرّ إلى الرجاء.
عن الحمائى قال: قلت لداود الطائى: ماترى فى الرّمى ؟ فإنى أحب
أن أتعلمه فقال: إن الرمىَ لحسّن، ولكن إنما هى أيامك فانظر
بما(٢) تقطعها.
أبو بكر محمد بن أبى داود قال : سمعت شيدويه يقول لداود
الطائى: أرأيت رجلاً دخل على هؤلاء الأمراء فأمرم بالمعروف ونهام
عن المنكر ؟ قال : أخاف عليه السوط قال: إنه يقوى قال: أخاف
عليه السيف . قال إنه يقوى . قال: أخاف عليه الداء الدفين العُجْب.
عن أبى نعيم قال : رأيت داود الطائى تدور فى وجهه نملة عرضاً
وطولاً لا يفطن بها. يعنى من الهمّ.
أبو سعيد قال: حدثنى سهل بن بكار قال: قالت أخت لداود
الطائى: لو تنحّيتَ من الشمس إلى الظل . فقال: هذه خطى لا أدرى
کیف تُكتب.
عباس التَّرْقُفِي(٣) قال: سمعت معاوية بن عمرو يقول: كنا عند
(١) ق : ولا يفقدك .
(٢) كذا بإثبات الألف.
(٣) هو عباس بن عبد الله الواسطى الترقفى ، ثقة عابد ، مات سنة ١٦٧
أو ١٦٨ (التقريب).

- ١٤٣ -
داود الطائى يومًا، فدخلت الشمس من الكَوَّة فقال له بعض من
حضر: لو أذنت لى سددتُ هذه الكَوّة . فقال: كانوا يكرهون
فضول النظر. وكنا عنده يوماً آخر فإذا بفَرُوِه قد يخرق وخرج
◌َمله. فقال له بعض من حضر: لو أذنت لى خيّطنه فقال : كانوا
يكرهون فضول الكلام .
أبو سعيد السكرى قال : احتجم داود الطائى فدفع إلى الحجّام
ديناراً فقيل له : هذا إسراف فقال : لاعبادة لمن لامروءة له .
أبو داود الطيالسى قال: حضرت داود عند الموت فما رأيت أشد
نزعاً منه، أتيناه من العشىّ ونحن نسمع نزعه قبل أن ندخل ، ثم
غدونا إليه وهو فى النزع فلم نبرح حتى مات .
حفص بن عمر الجعفى قال: اشتكى داود الطائى أياماً وكان سبب
علته أنه مرّ بآية فيها ذكر النار فكررها مراراً فى ليلته فأصبح
مريضًاً . فوجده قدمات ورأسه على كَبِنة .
قال ابن السماك ، حين مات داود الطائى : يا أيها الناس إن أهل
الدنيا تمجّلوا غموم القلب وهموم النفس وتعب الأبدان مع شدّة
الحساب، فالرغبة متعبة لأهلها فى الدنيا والآخرة، والزهادة راحة
لأهلها فى الدنيا والآخرة، وإن داود الطائى نظر بقلبه إلى ما بين يديه
فأعشى بصَرُ قلبه بصرَ العيون فكأنه لم يبصر ما إليه تنظرون،
وكأنكم لا تبصرون ما إليه ينظر. فإنكم(١) منه تعجبون وهو منكم
(١) ط : فأنّم.
:

- ١٤٤ -
يتعجب ، فلما نظر إليكم راغبين مغرورين قد ذهبت على الدنيا
عقولُكم وماتت من حبها قلوبُكم وعشقتها أنفسكم وامتدت إليها
أبصاركم استوحش الزاهد منكم لأنه كان حياً وسط موتى، ياداود
ما أعجب شأنك ألزمتَ نفسّك الصمت حتى قوّتها على العدل،
أهنتها وإنما تريد كرامتها وأذللتها وإنما تريد إعزازها، ووضعتها وإنما
تريد تشريفها وأنّبتها وإنما تريد راحتها، وأجمعتها وإنما تريد شِبعها،
وأظمأَّهَا وإنماتريد ريّها، وخشنتَ الملبس وإنما تريد لينّه وجَّشبتَ(١)
المطعمَ وإنما تريد طّبه، وأمَتَّ نفسك قبل أن تموت ، وقبرتها قبل
أن تُقبر. وعذّ بتها قبل أن تعذَّب، وغيّبتها عن الناس كى لا تذكر،
وغبتَ بنفسك عن الدنيا إلى الآخرة ، فما أظنك إلا قد ظفرت بما
طلبت. كأنَّ سيماك فى مملك وسرّك ولم يكن سيماك فى وجهك فقِهَت
فى دينك ثم الناس يُفْتُون، وسمعت الأحاديث ثم تركت الناس يحدّثون
ويروون، وخرستَ عن لقول وتركت الناس ينطقون، لا تحسدُ
الأخيار ولا تَعيبُ الأشرار ولا تقبلَ من السلطان عطية ولا من
الأخوان هدية .
آنس ما يكون إذا كنت بالله خالياً وأوحش ما نكون إذا كنت مع
الناس جالساً فأوحش ما تكون آنس ما يكون الناس، وآنس ماتكون
أوْحش ما يكون الناس جاوزت حد(٣) المسافرين فى أسفاره، وجاوزت
(٢) الحلية : جهد.
(١) جشب الطعام : جعله غليظاً .
٠٠

- ١٤٥ -
حدّ المسجونين فى سجونهم ، فأما المسافرون فيحملون من الطعام
والحلاوة ما يأكلون، فأما أنت فإنماهى خبزتك أو خبزتان فى شهرك،
ترمى بها فى دَنِّ عندك فإذا أفطرت أخذتَ منه حاجتك فجعلته فى
مطهرتك ثم صيتَ عليه من الماء ما يكفيك، ثم اصطنعَت به مِلْحاً
فهذا إدامك وحلواك، فمن سمع بمثلك صبرً صبْك أو عزَم عزمك،
وما أظنك إلا قد لحقت بالماضين، وما أظنك إلاقد فضلتَ الآخرين
ولا أحسبك إلا قد أتعبت العابدين، وأما المسجون فيكون مع الناس
محبوساً فيأنس بهم وأما أنت فسجنت نفسك فى بيتك وحدك
فلا محدث وجليس معك ، ولا أدرى أىّ الأمور أشدّ عليك:
الخلوة فى بيتك تمرّ بك الشهور والسنون أم تركك المطاعم والمشارب،
لاستر على بابك، ولا فراش تحتك، ولا قلّةُ يُبرَّد(١) فيها ماؤك،
ولا قصعة يكون فيها غداؤك وعشاؤك ؟ مطهرتك قلتك وقصعتك
تَوْرُك(٢) وكلّ أمرك ياداود عجب. أما كنت تشتهى من الماء بارده
ولا من الطعام طيبه ولا من اللباس لينه ؟ بلى ، ولكنك زهدت فيه
لما بين يديك فما أصغر ما بذلت، وما أحقر ما تركت، وما أيسر
ما فعلت فى جنب ما أملت، أما أنت فقد ظفرت بروح العاجل وسعدت
إن شاء الله فى الآجل، عزلتَ الشهرةَ عنك فى حياتك لكى لا يدخلك
(١) ق: تبرد.
(٢) التور : إناء صغير.
( م ١٠ - صفة الصفوة - = ٣)

- ١٤٦ -
عُجْبُها ولا يلحقَك فتنتها فلما مُتَّ شهرك ربُّك بموتك وألبسك رداء
عملك ، فلو رأيت اليوم كثرة تبعك عرفت أن ربك قدأ كرمك.
اسحاق بن منصور قال : لما مات داود الطائى شيع الناس جنازته.
فلما دفن قام ابن السماك على قبره فقال: ياداود كنت تسهر ليلك إذ
الناس :أعون(١)، فقال القوم جميعاً: صدقت ( وكنت تسلم إذ الناس
يخوضون(٣)) وكنت تريح إذ الناس يخسرون فقال الناس جميعاً: صدقت
حتى عدّد فضائله كلها .
فلما فرغ، قام أبو بكر النهشلى حمد الله ثم قال: يارب إن الناس قد قالوا
ما عندهم ومبلغ ما علموا، اللهم اغفر له برحمتك ولا تكله إلى عمله .
(قال المؤلف) أسند داود عن جماعة من التابعين منهم عبد الملك
ابن عمير : وحبيب بن أبى عمرة ، والأعمش ، وحميد الطويل ،
واسمعيل بن أبى خالد . وتوفى فى سنة خمس وستين ومائة فى
خلافة المهدی .
(١) ق : ينامون .
(٢) مابين قوسين فى ق مؤخز إلى ما بعد الجملة التالية.

ومن الطبقة السادسة
٤٤٣ - سفيان بن سعيد الثورى
عبد الله(١) بن محمد بن أيوب المخرمى قال: سمعت يزيد بن هارون
يقول: أُخِذ العلم عن سفيان الثورى وهو ابن ثلاثين سنة.
يزيد بن عبد الرحمن بن مصعب قال: سمعت أبى يقول: سمعت
سفيان الثوری یقول: لو لم أعلم لكان أقلّ حزنى.
عن محمدبن يوسف الفریابی قال : قلت لسفيانالثوری : أرى الناس
يقولون سفيان الثورى، وأنت تنام الليل. فقال لى: اسكت، ملاك
هذا الأمر التقوى .
يحيى بن أيوب المقابرى قال : سمعت على بن ثابت بقول : رأيت
الثورى فى طريق مكة فقوّمت كل شىء عليه ، حتى نعليه : درهما
وأربعة دوانيق .
يحى بن أيوب قال: سمعت على بن ثابت قال: لو لقيتَ سفيان
فى طريق مكة ومعك فَلسان تريد أن تتصدق بهما وأنت لا تعرف
سفيان ظننت أنك ستضعهما فى يده . وما رأيت سفيان فى صدر
(١) فى هامش ط ما يلى: ((هذا أول الموجود من النسخة المحفوظة فى المتحف
البريطانى - رقم زيادات ١٨٥٢٢. وقد جعلناه علامة - ب -·

- ١٤٨ -
المجلس قط ، إنما كان يقعد إلى جانب الحائط ويستند إلى الحائط
ويجمع بين ركبتيه .
عن على بن عَثَام بن على قال: سمعت أبى قال : سمعت سفيان الثورى
يقول: لقد خفتُ الله خوفاً عجباً لى كيف لا أموت لكنْ لى أجل
أنا بالغه ، ولقد خفت الله خوفاً وددت أنه خفف عنى منه ما أخاف
أن يذهب عقلى .
عبد الرحمن بن عبد الله قال: قال سفيان إنى لأضع يدى على رأسى
من الليل إذا سمعتُ صيحةً فأقول: قد جاءنا العذاب.
عن عبثر قال: قام سفيان يصلّى قبل الزوال فمرّ بهذه الآية ((فإذا
تُقِرِّ فِ النَّاتُورِ ، فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ ))(١) فخرج نادًا فما
لحقوه إلا فى الحمراء فردوه.
قال السنى : وقال عمرو العتابى ، عن سفيان : مامن موطن من
المواطن أشد علىّ من سكرة الموت أخاف أن يشدّد علىّ ، فاسأل
التخفيف فلا أجاب فأفتّن .
يوسف بن أسباط قال : قال لى سفيان ، وقد صلينا العشاء الآخرة
ناولنی المطهرة فناولْته فأخذها بيمينه ووضع يساره على خده . ونمتُ
فاستيقظتُ وقد طلع الفجر فنظرت فإذا المطهرة بيمينه ويَسارُه على
خده، فقلت: يا أبا عبد الله هذا الفجر قد طلع. قال: لم أزل منذ.
(١) المدثر : ٨.

- ١٤٩ -
ناولْتَنى هذه المطهرة أتفكّر فى أمر الآخرة حتى الساعة.
قال يوسف بن أسباط : كان سفيان الثورى إذا أخذ فى الفكر
بال الدمَ .
أبو يزيد محمدبن حسان قال : سمعت عبد الرحمن بن مهدى يقول:
ما عاشرت فى الناس رجلاً أرق من سفيان، وكنت أرمقه الليلة بعد
الليلة فما كان ينام إلا أول الليل ثم ينتفض فزعاً مرعوبا ينادى :
النار النار شغلنى ذكر النار عن النوم والشهوات ، ثم يتوضأ ويقول
على إثر وضوئه: اللهم إنك عالم بحاجتى غيرُ معلّم ، وما أطلب إلاّ فكاك
رقبتى من النار . إلهى إن الجزع قد أرقى وذلك من نِعَمك السابعة
علىّ ، إلهى لو كان لى عذر فى التخلى ما أقمت مع الناس طَرْفة عين
ثم يقبل على صلاته، وكان البكاء يمنعه من القراءة حتى إن كنتُ
لا أستطيع سماع قراءته من كثرة بكائه. وما كنت أقدر أن أنظر
إليه استحياء وهيبة منه .
إسحاق بن إبراهيم الحنينى قال: كنا فى مجلس الثورى وهو يسأل
رجلا عما يصنع فى ليله فيخبره، حتى دار على القوم فقالوا: يا أبا عبد الله
قد سألتنا فأخبر ناك، فأخبرنا أنت كيف تصنع فى ليلك؟ فقال لها :
عندى أول الليل نومة تنام ما شاءت لا أمنعها إذا استيقظت فلا
أُقیلها والله .
صالح بن خليفة الكوفى قال : سمعت سفيان الثورى يقول : إن

- ١٥٠ -
◌َّار القرّاء اتخذوا القرآن إلى الدنيا سلماً. قالوا: ندخل على الامراء
نفرّج عن المكروب ونتكلم فى محبوس .
على بن حمزة ، ابن أخت سفيان ، قال : ذهبت بيول سفيان إلى
الديرانى وكان لا يخرج من باب الدير فأريته فقال : ليس هذا بول
حنيفى. قلت ، بلى والله من أفضلهم. فقال: أنا أجىء معك. فقلت
لسفيان: قدجاء بنفسه. فقال: أَدخِلِه. فأدخلتُه فسّ وجسّ عِرْفه
ثم خرج. فقلت: أىَّ شىء رأيت؟ قال: ما ظننت أن فى الحنيفية مثل
هذا، هذا رجل قد قطع الحزنُ كبده.
عبد الرحمن بن مهدى قال : بات سفيان عندى فلما اشتدَّ به الأمر
جعل يبكى، فقال له رجل : يا أبا عبد الله أراك كثير الذنوب . فرفع
شيئاً من الأرض فقال: والله لَذُنوبى أهْون عندى مِن ذا، إنى أخاف
أن أُسْلَب الإيمان قبل أن أموت.
عن عبدالرحمن بن مهدى قال ليلة مات سفيان: توضأ تلك الليلة
للصلاة ستین مرة فلما كان وجه السحر قاللى : یابن مهدی ضع خدى
بالأرض فإنى ميّت يابن مهدى ما أشد الموت ما أشد کرب الموت .
قال: خرجت لأعلم حماد بن زيد وأصحابه فإذا هم قد استقبلونى فقالوا:
آجرك الله. فقلت: من أين علمتم ذلك؟ فقالوا: إنه مامنًا أحد إلا أُتِى
البارحة فى منامه فقيل له : ألا إن سفيان الثورى قدمات ،
رحمه الله.

- ١٥١ -
عن ابن أبجر قال : لما حضرت سفيانَ الوفاةُ قال : يا ابن أنجر قد
نزل مابى ماقد ترى فانظر من يحضرنى . فأتيتهم بقومٍ فيهم حماد
ابن سلمة ، وكان حماد من أقربهم إلى رأسه . قال : فتنفس سفيان.
فقال له حماد أبشر فقد نجوت مما كنت تخاف. وتُقدم على رب كريم
قال: فقال: يا أبا سلمة أترى الله أن يغفر لمثلى؟ قال: إِى واللهِ الذى
لا إله إلا هو. قال: فكأنما سُرِّىَ عنه .
عن عبد الرحمن بن مهدى قال : رأيت سفيان الثورى فى المنام
فقلت : ما فعل الله بك ؟ قال : لم يكن إلا أن وضعت فى اللحد حتى
وقعت بين يدى الله عز وجل فاسبنى حساباً يسيراً ثم أمر بى إلى الجنة.
فيينا أنا أدورُ بين أشجارها وأنهارها ولا أسمع حساً ولا حركة، إذ
سمعت قائلا يقول: سفيان بن سعيد. قال: تحفظ أنك آثرت الله
على هواك يوماً ، قلت: إى والله. فأخذثنى صوانى النَّار(١) من
جميع الجنة .
قال المؤلف : أدرك سفيان الثورى جماعة من كبار التابعين، وروى
عن الأعمش ، ومنصور ، ومحمد بن المنكدر، وعبد الله بن دينار ،
وعمرو بن دينار، فى خَلق لايُحْصَوْن. ومسانيده أكثر من أن تَعَدّ.
وكان مولده فى سنة سبع وتسعين فى خلافة سليمان بن عبد الملك .
وتوفى فى سنة إحدى وستين ومائة . وكان مستخفياً بالبصرة فى خلافة
(١) الفثار (بكسر النون): ماينثر فى العرس على الحاضرين.

- ١٥٢ -
المهدي . وكلامه وأخباره كثيرة وإنما اقتصرنا هاهنا على ماذكر نامنها
لأننا قد جمعناها فى كتاب يزيد على ثلاثين جزءاً، فكر هنا الإعادة
فى التصانيف . والله الموفق .
٤٤٤ - أسد(١) بن صلهب
عن الحسن بن صالح قال: قال أسيد بن صلهب. إن كنتُ لأدعو
فتَصرَع الطير حولى. قال الحسن: لولا أنه قد مات ماحدَّنت به عنه.
٤٤٥
على والحسن ابنا صالح بن حى
٤٤٦
قال محمد بن سعد: إسم صالح: حى، وهو صالح بن صالح ، والد
على والحسن توأما (٢) فى بطن واحد ، وكان علىّ تقدَّمَه بساعة. فكان
الحسن يعظّمه ويقول : قال أبو محمد.
عبد الله بن هاشم الطوسى قال: سمعت وكيع بن الجراح يقول:
كان علىّ والحسن - إبنا صالح بن حىّ - وأمهم قد جزؤوا الليل
ثلاثة أجزاء، فكان على يقوم الثلث ثم ينام، ويقوم الحسن الثلث ثم
ينام، وتقوم أمهما الثلث . فماتت أمهما . جزاًا الليل بينهما ، فكانا
يقومان به حتى الصباح ثم مات علىّ فقام الحسن به كله .
وقد رُوى لنا عن محمد بن صالح العجلى عن أبيه قال: كان يُخّم
(١) کذا فی ق و ب ، وفى ط : أسید .
(٢) يقال: هما توأمان وتوام ، كما يقال : هما روجان وزوج .

- ١٥٣ -
القرآن فى بيتهم كل ليلة : أمهم ثلث وعلى ثلث وحسن ثلث، فماتت
أمهما فكانا يتثمانه. ثم مات علىّ فكان حسن يختم كل ليلة.
يحمى بن آدم قال: قال الحسن بن حى: قال لى أخى علىّ فى الليلة
التى توفى فيها: أخى اسقنى ماء. وكنت قائماً أصلى. فلما قضيت صلاتى
أتيته بماء فقلت : يا أخى . فقال: لبيك. فقلت هذا ماء . قال : قد
شربت الساعة . قلت : ومن سقاك وليس فى الغرفة غيرى وغيرك ؟
قال: أتانى جبريل الساعة بماء فسقانى وقال لى أنت وأخوك وأبوك
من الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين
و خرجت روحه .
عن عبد الرحمن بن مطرف قال: كان الحسن بن حى إذا أراد أن
يعظ أخاله کتبه فىلوح وناوله .
عبد القدوس ن بكر(١) بن خنيس قال: كان الحسن بن صالح
وأخوه على(٢) وكان علىّ يفضَّل عليه وكانا وأمهما يتعاونون على العبادة
بالليل لا ينامون وبالنهار لا يفطرون . فلما ماتت أمهما تعاونا على
القيام والصيام عنهما وعن أمهما . فلما مات علىّ قام الحسن عن نفسه
وعنهما. وكان يقال للحسن: حية الوادى، يعنى أنه لا ينام بالليل.
(١) ط: بكير، وتحريف. وعبد القدوس هذا ذكره ابن حجر فى التهذيب
٠١٥/١ ٠
(٢) كذا جاءت العبارة فى النسخ وهى فى الحلية كذلك (٣٢٨/٧).

- ١٥٤ -
وكان يقول إنى لأستحى من الله تعالى أن أنام تكلفاً حتى يكون
النوم هو الذى يصرعنى وإذا نمت ثم استيقظت ثم عدت نائماً فلا
أرقَد الله عينى . وكان لا يقبل من أحد شيئاً فيجىء إليه صبيّه وهو فى
المسجد فيقول : أنا جائع فيعلّله بشىء حتى تذهب الخادم إلى السوق
فتبيع ماغزلتْ هى ومولاتها من الليل، ثم تشترى قطناً وتشترى شيئاً
من الشعير فتحىء به فتطحنه ثم تمجنه فتخبز مايا كل الصبيان
والھادم وترفعلهولأهله لافطارهما . فلم يزلعلىذلكحتى مات رحمهالله.
احمد بن أبى الحوارى قال سمعت أبا سلمان الدرانى يقول مارأيت
أحداً الخوف اظهر على وجهه والخشوع من الحسن بن حى قام ليلة حتى(١)
الصباح بعم يتساءلون بآية فيها ثم غشى عليه ثم عاد إليها فنشى (٢) عليه
فلم يختمها حتى طلع الفجر .
عباد أبوعقبة قال : بعنا جاريةً للحسن بن صالح فقال : أخبروم
أنها تنخمت عندنا مرّة دماً.
قال الحجاج: وسمعت أبانعيم يقول: قال الحسن بن صالح : فتشنا
الورع فلم محده فى شىء أقل منه فى اللسان .
سليمان بن ادريس المنقرى قال: اشتهى الحسن بن حىّ سمكاً
فلما أُفِى به ضرب بيده إلى سُرّة السمكة فاضطر بت يده وأمر به فرفع
ولم يأكل منه شيئاً. فقيل له فى ذلك فقال: إنى ذكرت لمّا ضربت
(١) ب : إلى .
(٢) ب : ثم غشى .

- ١٥٥ -
بيدى إلى بطنها أن أول مايُنّن من الإنسان بطنه فلم أقدر أن أذوقه.
عبدالله بن صالح قال: حدثنى خلف بن تميم أن حسن بن صالح
كان يصلى إلى السَّحر ثم يجلس فيبكى فى مُصلاه ويجلس علىّ فيبكى معه
فى حجرته . قال: وكانت أمهما تبكى الليل والنهار. قال: فماتت.
ثم مات علىّ. ثم مات حسن قال: فرأيت حسناً فى منامى فقلت:
مافعلت الوالدة ؟ قال: بُدّلت بطول ذلك البكاء سرور الأبد. قلت:
وعلىّ؟ قال: وعلىٌّ عَلَى خير. قلت: فأنت؟ (١) فمضى وهو يقول:
وهل تتّكل إلا على عفوه ؟.
عبيد الله بن موسى قال: كان حسن بن صالح إذا صعد إلى المنارة
أشرف على المقابر فإذا نظر إلى الشمس تحوم على القبور صرخ حتى
◌ُحمل مغشياً عليه فینزل به .
قال أبو محمد: ورأيت الحسن ذات يوم شهد جنازة فلما قرب
الميت ليُدفن نظر إلى اللحد فارفض عرقاً. ثم قال:(٢) فتُشى عليه
فحمل على السرير الذى كان عليه الميت فرد إلى منزله .
٤
اسحاق بن منصور السلولى قال: نظر حسن إلى المقابر وهو قائم
يؤذن فصرخ وقطع أذانه وسقط مغشياً عليه .
قال : حدثنى رجل من جيرانه أنه قال : كنا نسمع صراخه ونحيبه
(١) ط: وأنت.
(٢) (ق): ثم مات، تحريف. وأثبتنا ما فى ط.
١

- ١٥٦ -
إذا صعد إلى الأذان كما نسمع صراخ أهل المصيبة. وقال: وكثيراًما كان
يُغْشی علیه حتی یؤذن غيره .
( قال المؤلف ): أسند علىّ وحسن عن جماعة من التابعين
وحديث الحسن (١) أكثر.
حنبل قال: سمعت أبانعيم يقول: مات على بن صالح سنة أربع
وخمسين. ومات أخوه الحسن بعده بثلاث عشرة سنة .
قال حنبل: وقال يحيى بن معين: سمعت يحيى بن سعيد يقول: وُلد
الحسن بن صالح سنة مائة وقال :مات سنة تسع وستين ومائة .
٤٤٧ - حمزة بن عمارة الزيات
يكنى أبا عمارة مولى آل عكرمة بن ربعى التميمى . وكان يجلب
الزيت من الكوفة إلى حُلوانٌ. ويجلب من حلوان الجبن والجوز إلى
الكوفة : وكان صاحب قرآن وسنة وفرائض.
أبو المنذر يعلى بن عقيل قال: كان الأعمش إذا رأى حمزة قد أقبل
قال: هذا حَبر القرآن .
جرير بن عبدالحميد قال مرّبنا حمزة الزيات فاستسقى فأتيته ماء فقال:
أنت ممن يحضرنافى القراءة؟ قلت: نعم. قال: لا حاجة نى فى مائك.
خلف بن هشام البزّاز قال : قال لى سلم بن عيسى : دخلت على
حمزة بن حبيب الزيات فوجدته يمرّغ خديه فى الأرض ويبكى.
(٢) هي حلوان العراق، وهي آخر سواد العراق
(١) ط : حسن .

- ١٥٧ -
فقلت : أعيذك بالله . فقال: لماذا استعذت ؟ رأيت البارحة فى منامى
كأن القيامة قدقامت وقد دعىَ بقرّاء القرآن، فكنت فيمن حضر
فسمعت قائلاً يقول بكلام عذب: لا يدخل علىّ إلا من عملَ بالقرآن.
فرجعت القهقرى فهتف باسمى: أين حمزة بن حبيب الزيات؟ فقلت:
لبيك داعىَ الله. فبدَرنى ملك فقال: قل لبيك اللهم. فقلت: لبيك،
كما قال لى. فادخلنى داراً فسمعت فيها ضجيج القرآن فوقفت أرعد
فسمعت قائلاً يقول: لا بأس عليك ارْقَ واقرأ فأدرت وجهى فإذا
أنا منبر من دُرّ أبيض، دفتّاه من ياقوت أصفر، مَراقية من زبرجد
أخضر فقال لى ارقَ اقرأ (١) فرقيت فقال(٣) لى اقرأ سورة الأنعام
فقرأت وأنا لا أدرى على من أقرأ . حتى بلغت الستين آية فلما بلغت
((وهو القاهر فوق عباده(٢) قال لى: ياحمزة ألستُ القاهر فوق عبادى؟
فقلت: بلى. قال: صدقت، اقرأ. فقرأت حتى ختمتها ثم قال لى:
اقرأ فقرأت الأعراف حتى بلغت آخرها فأومأت إلى الأرض بالسجود
فقال لى: حسبك مامضى، لا تسجد ياحمزة. مَن أقرأك هذه القراءة؟
فقلت : سلمان. قال: صدقت مَن أقرأ سلمان؟ قلت: يحيى . قال :
صدق يحيى على مَن (4) قرأ يحيى؟ (٤) فقلت: على أبى عبدالرحمن السلمى.
قال: صدق أبو عبدالرحمن السلمى، من أقرأ أبا عبدالرحمن ؟ فقلت:
(١) ط : اقرأ وارق .
(٣) الأنعام ١٨.
(٢) ط : فقيل.
(٤) ط: (( قال: صدقت . يحى على من قرأ؟)).

- ١٥٨ -
ابن عم نبيك علىّ. فقال: صدق علىّ ، فمن أقرأ علياً؟ قلت : نبيك
محمد عَّهِ. قال: ومن أقرأ نبّي؟ قال: قلت: جبريل عليه السلام.
قال : ومن أقرأ جبريل ؟
قال: فسكتّ. فقال لى: ياحمزة قل: أنت. قال: فقلت: ما أجسر
أن أقول . فقال فقلتُ: أنت. قال : صدقت ياحمزة وحقّ القرآن
لأكرمنّ أهل القرآن لا سيما إذا عملوا بالقرآن، ياحمزة القرآن كلامى
وما أحبّ أحداً كحتى أهلَ القرآن. ادنُ ياحمزة فدنوت فضّخنى
بالغالية(١) وقال: ليس أفعل بك وحدك ، قد فعلت ذاك بنظرائك
ممن فوقك ومن دونك . ومن أقرأ القرآن كما أقرأته لم يُرد بذلك
غیری وما خبأت لك ياحمزة عندى أكثر فاعْلِمْ أصحابك بمكانی من
حى لأهل القرآن وفعلى بهم فهم المصطّفَوْن الأخيار، ياحمزة وعزّنى
وجلالى لا أعذب لساناً تلا القرآن بالنار ، ولا قلبًا وعاه، ولا أذناً
سمعته، ولا عيناً نظرته.
فقلت: سبحانك سبحانك وأتى ترى ؟ فقال: يا حمزة أبن نظار
المصاحف؟ فقلت: يارب أفَحُفّاظٌ م؟ قال: لا ولكنى أحفظه لهم
حتى يوم(٢) القيامة فإذا لَّقونى رفعتُ لهم بكل آية درجة - أفتلومنى
أن أبكى وأعرّغ فى التراب(١) -؟
(١) نوع من الطيب .
(٢) ط : تقوم.
(٣) هذه العبارة من كلام حمزة تعقيباً منه على الخبر.
حه

- ١٥٩ -
( قال المؤلف): أسند حمزة عن الأعمش وحمران بن أعين ،
وسمع منه و کیع وتوفى بحلوان سنة ست وخمسين ومائة .
أبو مسحل قال : رأيت الكسائى فى النوم كأن وجهه البدر
فقلت : ما فعل الله بك؟ قال: غفر لى بالقرآن. فقلت : مافعل بحمزة
الزيات؟ قال : ذاك فى علّين، مانراه إلا كما يُرى الكوكب
الدّرّىّ .
٤٤٨- محمد بن النضر الحارثى
يكنى أبا عبد الرحمن . أبو أسامة قال : كان محمد بن النضر من
أعبَد أهل الكوفة .
الحسن بن الربيع قال: سمعت عبيراً أبا زيد يقول: اختفى عندى
محمد بن النضر من يعقوب بن داود(١) فى هذه العلّة لعلّة على باب
داره أربعين ليلة. فما رأيته نائماً ليلا ولا نهاراً.
الحسن بن الربيع قال : سمعت ابن المبارك يقول: كنت مع محمد
ابن النضر فى سفينه فقلت: بأىّ شىء أستخرج منه الكلام؟ فقلت:
ما تقول فى الصوم فى السفينه؟ فقال: إنما هى المبادرة . قال: فجاء
بفتوى غيره، فتوى النخعى والشعبى .
عن أبى أسامة قال: قلت لمحمد بن النضر : كأنك تكره أن تُزَار.
(١) هو وزير الخليفة العباسى المهدى. وهو الذى هجاه بشار بن برد بقوله:
أن الخليفة يعقوب بن داود
بنى أمية هبوا طال نومكم

- ١٦٠ -
فقال : أجل. قلت : أما تستوحش؟ قال: كيف أستوحش وهو يقول:
أنا جليس من ذكر نى.
خالد بن يزيد قال: سمعت محمد بن النضر يقول : شغّل الموت
قلوب المتقين عن الدنيا ، والله مارجعوا منها إلى سرور بعد معرفتهم
بكرْ به وغُصَصه .
المبارك قال : كان محمد بن النضر إذا ذكر الموت اضطر بت مفاصله
حتى تبين الرعدة فيها .
الحسن بن الربيع قال : حدثنى رجل من ولد الزبير بن العوام قال :
صحبت محمد بن النضر من عبّادان إلى الكوفة فما سمعته يتكلم بكلمة
حتى افترقنا .
جرير بن زياد الحارثى قال : كنت مسافراً مع محمد بن النضر إلى
مكة ، وكان إذا قيل له: الرحيل، تقدّم على رأس ميلين فلا يزال يصلى
حتى إذا سمع حسّ الإبل تقدم أيضًاً فلا يزال كذلك حتى يصّى العصر
ثم یرکب.
أبو مريم قال: سمعت محمد بن صبيح يقول: قال محمد بن النضر
الحارثى: كان يقال: الجوع يبعث على السيرّ كما تبعث البِطْنة
على الأشَر .
قال المصنف : كان محمد بن النضر مشغولاً بالعبادة عن الرواية
وقد أرسل الأحاديث عن النى عدت له ولم يصلها