Indexed OCR Text

Pages 101-120

- ١٠١ -
أحد أطول غماً منى أن رأيت أحداً أحسن ثياباً منى وأطيب ريحاً منى،
فصحبت الفقراء فاسترحت .
عن مسعود قال: قال عون بن عبد الله: كفى بك من الكِبرِ أن
ترى لك فضلاً على مَن هو دونك.
عن أبى هارون قال: كان يحدّثنا وللحيته رشّ بالدموع .
عن المسعودى قال: قال عون بن عبد الله: ما أحسب أحداً تفرّغ
العيب الناس إلا من غفلةٍ غَفلها عن نفسه .
وقال عون : جالسوا التوابين فإنهم أرقّ الناس قلوباً .
مطرف بن معقل الشقرى قال : حدثنى عون بن عبد الله قال :
الدنياوالآخرة فى قلب ابن آدم ككفتى الميزان ترجح إحداهما بالأخرى
وما تحابّ رجلان فى الله إلا كان أفضلهما أشدهما حباً لصاحبه.
المسعودى قال : قال عون بن الله: إنّ مَن كان قبلنا كانوا(١)
يحملون الدنيا مافضلَ عن آخرتهم، وإنكم تجعلون لآخر تكم مافضل
عن دنيا کم.
عن عون قال: إن الله لُكره عبدَه على البلاء كما يُكره أهلُ
المريض مريضهم ، وأهلُ الصبى صبيهم، على الدواء، ويقولون: إِشرب
هذا ، فإن لك فى عاقبته خيراً.
عن المسعودى، عن فرعون قال : كان رجل بجالس قوماً فترك
(١) ق: ((إن كان من قبلنا كانوا)): وأثبتنا مافى ط.

- ١٠٢ -
مجالستهم فأتى (١) فى منامه، فقيل له: تركتَ مجالستهم؟ لقد غُفر لهم
بعدك سبعين مرة .
المسعودى : عن عون بن عبد الله أنه كان يقول فى بكائه ،
وذَكَر خطيئته: ويح نفسى! بأى شىء لم أعص ربى؟ ويحى إنماعصيته
بنعمته عندى، ويحى من خطيئة ذهبتْ شهوتها وبقيت تبعتها عندى،
ويحى كيف أنسى الموت ولا ينسانى؟ ويحى إن حُجبت يوم القيامة
عن ربى، ويحى كيف أغفل ولا يُغفل عنى؟ أم كيف تُتْئِى معبشتى
واليومُ الثقيل ورائى؟ أم كيف لاتطول حسرتى ولا أدرى ما يفعل
بى؟ أم كيف يشتد حتى لدارٍ ليست بدارى ، أم كيف أجمع بها وفى
غيرها قَرَارِى ؟ أم كيف تعظم فيها رغبتى والقليل فيها ينكفينى ؟ أم
كيف أُوثرها وقد أضرّت بمن آثرها قبلى؟ أم كيف لا أبادر بعلى
قبل أن يُغلق باب توبتى؟ أم كيف يشتد إعجابى بما يزايلى وينقطع
عنى؟ أم كيف لا يكثر بكانى ولا أدرى ما يُرادبى؟ أم كيف تقرّ
عينى مع ذكرٍ ماسلَف منى؟ أم كيف تَطيب نفسى مع ذكر ماهو
أمامى؟ ويحى هل ضرّت غفلتى أحداً سواىَ؟ أم هل يعمل لى غيرى
إن ضيعت حظى؟ ويحى كأنه قد تصرّم أجَلى ثم أمادَ رَبِى خَلقى كما
بدأنى، ثم وقَنى وسألنى، ثم أُشهدت الأمر الذى أذهلني وشُغلت
بنفسى من غيرى ، وسارت الجبال وليس لها مثل خطيةٌى ، وجمع
(١) ط : فأرى.
.

- ١٠٣ -
الشمس والقمر وليس عليهما مثل حسابى، وانكدرت النجوم وليست
تطلب بما عندى ، وحُشرت الوحوش ولم تعمل مثل عملی، وشاب
الوليد وهو أقل ذنباً منى، ويحى ما أشد حالى وأعظم خطَرى، فاغفرلى
واجعل طاعتك همتى ولا تَعرض عنى يوم تعرض ، ولا تفضحنى
بسرائرى ولا تخذلنى بكثرة فضائحى، بأى عين أنظر إليك وقد علمت
سرائری؟ وكيف أعتذر إليك إذا ختمتَ على لسانى ونطقتْ جوارحى
بكل الذى كان منى ؟ إلهى أنا الذى ذكرتُ ذنوبى لم تقرّ عينى ، أنا
تائب إليك فاقبل ذلك مني ، ولا تجعلنى لنارٍ جهَّم وقوداً بعدتوحيدى
وإمانى برحمتك.
المسعودى، عن عون بن عبد الله قال: ما أحد ◌ُيُنزل الموتَ حق
منزلته إلا عَد غداً ليس من أجله، كم من مستقبلٍ يوماً لا يستكمله،
وراج غداً لا يبلغه، أو تنظرون إلى الأجل ومسيره لأبغضتم الأمل
وغروره .
عن ابن عجلان، عن عون بن عبد الله قال : إنّ من تمام التقوى
أن تبتغى إلى ماقد علمت منها عِلمَ مالم تعلم ، وإن النقص فىما قد علمت
تَرْكَ ابتغاء الزيادة فيه ، وإنما يحمل الرجلَ على ترك ابتغاء الزيادة قلة
الانتفاع بما قد عَلم .
عن زيد العمى، عن عون بن عبد الله قال: كان أهل الغیر یکتب
بعضهم إلى بعض بهؤلاء الكلمات الثلاث ويلق بها بعضهم بعضاً،

- ١٠٤ -
مَن عمل لآخرته كفاه اللهعز وجل دنياه، ومن أصلح ما بينه وبين الناس،
أصلح الله ما بينه وبين الناس ، ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته.
أبو المحجل الأسدى قال : قال عون بن عبد الله : قلب التائب
بمنزلة الزجاجة يؤثر فيها جميع ما أصابها، فالموعظة إلى قلوبهم سريعة،
وهم إلى الرقة أقرب، فداووا القلوب بالتوبة، فلربَّ تائبٍ دَعَته توبته
إلى الجنة حتى أوفدته عليها، وجالسوا التوابين، فإن رحمة الله إلى
التوابين أقرب .
عن أبى معشر قال : رأيت عون بن عبد الله فى مجلس أبى حازم
يبكى ويمسح وجهه بدموعه. فقيل له: لمَ تمسح وجهك بدموعك؟
قال: بلغنى أنه لا تصيب دموعُ الإنسان مكاناً من جسده إلا حرّم الله
عز وجل ذلك المكان على النار .
قال المؤلف: أدرك عون بن عبد الله جماعة من الصحابة. وسمع من
ابن عمر وابن عباس وأبى هريرة . وجمهورُ روايته عن أبيه .
٤٢٠ - أبو إسحاق عمرو بن عبد الله
السبیعی
ولد فى ولاية عثمان، عن مغيرة قال: كنت إذا رأيت أبا إسحاق
ذكرتُ به الصدر الأول .
أبو بكر بن عياش قال : سمعت أبا إسحاق السبيعى يقول : ذهبت
١

- ١٠٥ -
الصلاة منى وضعفتُ ورقّ عظمى، إِى اليوم أقوم فى الصلاة فما أقرأ
إلا البقرة وآل عمران .
العلاء بن سام "مبدى قال: ضعف أبو إسحاق عن القيام فكان
لا يقدر أن يقوم إلى الصلاة حتى يُقام، فإذا أقاموه فاستثمّ ةأما قرأ
ألف آية وهو قائم.
سفيان قال: كان أبو إسحاق يقوم ليل الصيف كله، وأما الشتاء
فأوله وآخره، وبين ذلك هجعة .
عن سفيان قال : قال أبو إسحاق: أما أنا فإذا استيقظت لم أقلها .
قال المؤلف : أدرك أبو إسحاق خلقاً كثيراً من الصحابة، وأسند
عن ثلاثة وعشرين منهم، وسمع من على بن أبى طالب(1) وسعيد بن
زيد وابن عمر، وأسامة ، وابن الزبير ، وانفرد بالرواية عن ثلاثة من
الصحابة لم يرو عنهم غيرُه : أحدم عبدة (٢) بن حزن ويقال عبيدة
ويقال بشر ويقال نصر . والثانى: كدير الضبى، والثالث : مطر
ابن عُكَامِس. فهؤلاء الثلاثة عدّم جماعة من أهل العلم فى الصحابة،
وأبى قوم أن يكون لهم صحبة .
:
وتوفى أبو إسحاق فى سنة ثمان وعشرين ومائة وقيل تسع وعشرين
وهو ابن ثمان أو تسع وتسعين سنة .
(١) ط : عليه السلام.
(٢) ط : عبد الله .

- ١٠٦ -
٤٢١ - عمروبن مرة الجملى(١)، من مراد
قراد قال : سمعت شعبة يقول: مارأيت بالكوفة شيخاً خيراً من
زييد الايامى، ومارأيت عمرو بن صرة فى صلاته إلا ظننت أنه
لاینصرف حتى يُستجابله .
سفيان قال: قلت لمعْمَرَ: مَن أفضل من رأيت؟ قال: ما يخيّل إِلىّ
أنى رأيت أحداً أفضّله على عمرو بن مرة، مارأيته قط يدعو إلا قلت:
يُستجاب له .
عن العلاء بن المسيب، عن عمرو بن مرة قال: من طلب الآخرة
أضرّ بالدنيا، ومن طلب الدنيا أضرّ بالآخرة، فأضِرّوا بالفائى للباقى.
سعيد بن سنان قال : قال عمرو بن مرة ما أحب أنى بصير، إنى
أذكر أنى نظرت نظرةً وأنا شاب .
عن أبى سنان، عن عمرو بن مرة قال: نظرت إلى امرأة فأعجبتنى
فكف بصرى فأرجو أن يكون (ذلك كفارة)(٢)
سلام بن سليم قال: كنت أقرأ على عمرو بن مرة ، فكنت
أسمعه كثيراً يقول: اللهم اجعلنى ممن يعقل عنك.
مسعر قال : سمعت عبد الملك بن ميسرة يقول ونحن فى جنازة عمرو
ابن مرة(٣): إنى لأحسبه خير أهل الأرض.
(١) بفتح الجيم والميم. (٢) الزيادة من الحلية (٩٥/٥) وهى ساقطة من ط .
(٣) العبارة فى ق مضطربة واعتمدنا فى تقويمها على الحلية (٩٤/٥).

- ١٠٧ -
قال المصنف : أسند عمرو عن عبدالله بن أبى أوفى وعن خلق
من كبار التابعين. وتوفى سنة ست عشرة ومائة، وقيل سنة
ثمانٍ عشرة.
٤٢١ - حبيب بن أبى ثابت الأسدى
مولى لبنى كامل - واسم أبى ثابت : قيس بن دينار.
أبو بكر بن عياش قال : رأيت حبيب بن أبى ثابت ساجداً ،
فلو رأيتَه فلت مَّتٌ، يعنى من طول السجود.
عن كامل أبى العلاء قال: أنفق حبيب بن أبى ثابت على القرّاء.
مائة ألف.
سفيان قال : قال حبيب بن أبى ثابت ما استقرضتُ من أحد
شيئاً أحب إلىّ من نفسى، أقول لها أمهلى حتى تجىء من حيث أحب".
قال المؤلف: أسند حبيب عن ابن عمر وابن عباس وجابر وحكيم
ابن حزام وأنس بن مالك وابن أبى أوفى ، فى آخرين وتوفى سنة
تسع عشرة ومائة .
٤٢٣ - مجمّع بن يسار (١) أبو حمزة التيمى
أبو الربيع الواسطى قال : سمعت حفص بن غياث يقول دخل
سفيان الثورى على مُجّمِع التيمى فإذا فى إزار سفيان خِرَقٌ. قال:
(١) كذا فى ط. وفى ق: ((سمعان)) بدل (يسار) وفى الحلية
(٨٩/٥): ((صمنان)).

- ١٠٨ -
فأخذ أربعة درام فناول سفيان فقال : اشتَر به إزاراً . فقال سفيان
لا أحتاج إليها . قال مجمع: صدقت، أنت لا تحتاج ولكنى أحتاج.
قال: فأخذها فاشترى بها إزاراً فكان سفيان يقول: كسانى مُجمّعُ
جزاه الله خيراً .
وقال سفيان: ليس شىء من عمل أرجو أن يشُوبه شىء كحبى
مُجَمِعًاً التيميّ.
سفيان قال: حلف لنا أبو حيان التيمى. مامر من عمله شىء أو ثق
فى نفسه من حبه صِّعًّا التيمى.
أبو بكر بن عياش قال: رأيت ◌ُجمّعاً التيمى فى سوق الغنم فقالوا
له: كيف شاتك هذه؟ قال: ما أرضناها. قال: أبو بكر ومن كان
أروع من مجّع؟
سفيان قال: قال مِسعَر: جاء مجمع بشرةٍ إلى السوق يَبيعها فقال :
مخيّل إلىّ أن فى لبنها مُلوحةً .
عن الأعمش، عن مجمع، أنه نزل عليه ضيف فما سأله من أين جئت؟
وما جاء بك؟ حتى خرج من عنده.
قال المؤلف : لا نعلم مجمعاً أسند سيئاً إلا أنه قدروى عن ماهان
الزاهد، وروى عنه أبو حيان التيمى وسفيان الثورى .
وقال أبو حاتم الرازى: دعا مُحِّع ربه عز وجل أن يميته قبل الفتنة.
ات من ليلته، وخرج زید بن علیّ من الغد.

- ١٠٩ -
٤٢٤ - الیبیح بن أبی راشد
ويكنى أبا عبد الله عمر بن ذر قال : كنت إذا رأيت الربيع بن
أبي راشد كأنه مخمار من غير شراب.
عن خلف بن حوشب قال: كنت مع الربيع بن أبى راشد فى
الجبّانة(١) فقرأ رجل: ((يا أيُّها الناسُ إِن كُنَّم فى رَيْبٍ من البَعَثِ))
الآية (٢) . فقال الربيع: حال ذكر الموت بينى وبين كثير مما أريد من
التجارة، فلو فارق ذكر الموت قلبى ساعةَ خشيت أن يفسد علىّ قلى،
ولولا أن أخالف من كان قبلى لكانت الجبّانة مسكنى إلى أن أموت .
عن خلف بن حوشب قال: قال الربيع بن أبى راشد: اقرأ علىّ
(( يا أيُّها الناسُ إنْ كُنّم فى رَيْبٍ مِنَ البعث)) فقرأتها عليه فبكى
ثم قال: والله لولا أن تكون بدعة لَسِحْتُ أو قال ◌َمِمْتُ فى الجبال.
عمر بن ذر قال: قال الربيع بن أبى راشد، ورأى رجلاً مريضاً
يتصدق بصدقة فقسمها بين جيرانه ، فقال: الهدايا أمام الزيارة . فلم
يلبث الرجل إلا أياماً حتى مات . فبكى عند ذلك الربيع وقال: أحسن
والله بالموت وعلم أنه لا ينفعه من ماله إلا ماقدّم بين يديه .
عن مالك بن مِغْوَل(٣) قال: قال الربيع بن أبى راشد: لولا ما يأمل
(١) ط: ألجبان. وكلاهما صواب. (٢) الحج: ٥ .
(٣) بكسر الميم وسكون الغين وفتح الواو . وهو ثقة ثبت: مات
سنة ١٥٩ هـ .
-

- ١١٠ -
المؤمنون من كرامة (١) الله عز وجل لهم بعد الموت لانشقت فى
الدنيا مَرَائِهمْ، ولنقطّعت أجوافهم.
عن سفيان قال: لم يكن بالكوفة رجل أكثر ذكراً للموت(٢)
من الربيع بن أبى راشد إن كان الربيع من الموت لَعَلَى حَذّر.
(قال المؤلف) أسند الربيع عن منذر الثورى، وسمع من سعيد
ابن جبير ، وفی حديثه قلّة .
٤٢٥ - عبدة بن أبى لبابة
مولى قريش . يكنى أبا القاسم، الأوزاعى عن عبدة قال: إنّ
أقرب الناس من الرثاء آمَنُهم له .
وعن عبيدة قال: إذا ختم الرجل القرآن نهاراً صلّت عليه
الملائكة حتى يُفْسِى، وإذا ختم القرآن ليلاً صَلّت عليه الملائكة
حتى يُصبح.
عقبة بن علقمة قال: سمعت الأوزاعى يقول : كان عبدة إذا كان
فى المسجد لم يذكر شيئاً من أمن الدنيا .
قال المؤلف : أدرك عبدةَ عبدَ الله بن عمر وسمع منه.
٤٢٦ - محمد بن جحادة الأودى
مولی ابنی أود
عن سفيان قال: كان محمد بن جحادة من العابدين، وكان يقال
(٢) ط: أكثر ذكر الموت، تحريف.
(١) ط: إكرام.

- ١١١ -
إنه لا ينام من الليل إلا أيسره .
قال : فرأت امرأة من جيرانه كأن حللاً فَرّقت على أهل مسجدم
فلما انتهى الذى يفرّقها إلى محمد بن جحادة دعا بسفطٍ مختوم فأخرج
منه حلّة صفراء. قالت: فلم يقم لها بصرى فكساه إياها وقال له :
هذه لك بطول السهر . قالت: تلك المرأة ، فوالله لقد كنت أراه بعد
ذلك فإخالها عليه .
روی محمد بن جحادة عن أبى صالح وروى عنه الثوری .

ومن الطبقة الرابعة
٤٢٧ - منصور بن المعتمر السلمى
يكنى أبا عَثَّاب(١)، عن زائدة بن قدامة قال: صام منصور بن
المعتمر أربعين(٢) سنة قام ليلها وصام نهارها، وكان الليلَ يبكى فتقول
له أمه : يابنىّ أقتلت قتيلا؟ فيقول : أنا أعلم بما صنعت بنفسى قال :
فإذا أصبح كل عينيه ودّهن رأسه وبرق شفتيه وخرج إلى الناس .
فأخذه يوسف بن عمر عامل الكوفة يريده على القضاء فامتنع . قال :
e
فجاءه خصمان فقعدا بين يديه فلم يسألها ولم يكلمهما . وقيل ليوسف بن
عمر: إنك لو ثرتَ لحمه لم يَلِ لك قضاءً فخلى عنه.
قال المؤلف : هكذا فى هذه الرواية صام أربعين سنة - وفى
رواية أخرى عن زائدة : صام سنة - وفى رواية : صام ستين سنة .
أبو عوانة قال: لما أجلس منصور بن المعتمر فى القضاء(٣) كان
يأتيه الرجل فيقص عليه ، فيقول : قدفهمتُ ما قلتَ ولا أدرى
ما الجواب فيه فكان يفعل ذلك فَذَ كروا ذلكْ لابن هبيرة ، وكان
هو الذى ولاه. فقال: هذا أمر لا يصلح إلا أن يعين عليه صاحبه
بشهوة(٤) فتر که.
(١) ط: أبا غياث، تصحيف. صوابه (أبو عشاب) بالثاء المشددة.
(٣) ق: جلس .. على القضاء.
(٢) فى الحلية : ستين .
(٤) أى لا ينجح فيه صاحبه إلا إذا كان محباً له ، متعلقاً به.

- ١١٣ -
أبو بكر بن عياش قال : ربما كنت مع منصور فى منزله جالساً
فتصيح به أمه ، وكانت فظّة غليظة . فتقول : يامنصور يريدك
ابن هبيرة على القضاء فتأبى عليه؟ وهو واضحٌ لحيته على صدره مايرفع
طَرْفه إليها .
حسن بن صالح قال : كان منصور فى الديوان فقال له إنسان :
ناولنى الطين أختم به. قال: أرنى كتابك حتى أنظر أىُّ شىء فيه .
العلاء بن سالم العبدى قال : كان منصور ، يعنى ابن المعتمر،
يصلى فى سطعه. فلما مات قال غلام لأمه : يا أماه الجذع الذى كان
فى سطح آل فلان ليس أراه. قالت : يابنى ليس ذاك بجذع ، ذاك
منصور قدمات (١) .
أبو بشر (٢) قال: كانت جارة لمنصور بن المعتمر، وكان لها
ابنتان لا تصعدان السطح إلا بعد ما ينام الناس . فقالت إحداهما ذات
ليلة : يا أمّتاه، ما فعلت القائمة التى كنت أراها فى سطح فلان؟ فقالت:
يا بنيّة لم تكن تلك قائمة إنما كان منصور يحي الليل كله فى ركعةٍ
لا يسجد فيها ولا يركع .
قال أبو الأحوص: إن منصور بن المعتمر كان إذا جاء الليل اتزَرَ
وارتدى إن كان صيفًا، وإن كان شتاء التّحف فوق ثيابه ثم قام إلى
(١) ق: ((قد مات منصور)) وأثبتنا ما فى ط .
(٢) من هنا ساقط من ق. واعتمدنا ما فى ط .
(م. ٨ - صفة الصفوة - جـ ٣)

- ١١٤ -
محرابه كأنه خشبة منصوبة حتى يُصبح .
زائدة بن قدامة قال: كان منصور بن المعتمر إذا رأيته قلت : رجلٌ
قد أصيب مصيبة منكِّس الطرف ، منخفض الصوت ، رَطَب
العينين ، إن حركته جاءت عيناه بأربع(١). ولقد قالت له أمه يوماً:
ما هذا الذى تصنع بنفسك؟ تبكى الليل عامّته لاتكام تسكت .
لملك يابنى أصبت نفساً لعلك قتلت قتيلاً . قال : فيقول: يا أماه أنا
أعلم ماصنعت بنفسى .
عن سفيان قال: كانوا يقولون فى ذلك الزمان : إن أطول أهل
الكوفة تهجّداً طلحة وزييد وعبد الجبار بن وائل.
قال الحميدى : فقلت: فمنصور؟ قال : نعم إنما كان الليلُ عنده
مطيةً من المطايا متى شئت أصبته قد ارتحله.
سفيان بن عيينة، وذكر منصور بن المعتمر ، فقال: قد كان عَمِشَ
من البكاء .
عن الثورى قال : لو رأيت منصوراً يصلّى لقلت يموت الساعة .
خلف بن تميم قال: سمعت أبى تميم بن مالك يقول : كان منصور
إن المعتمر إذا صلّى الغداة أظهرَ النشاط لأصحابه فيحدثهم ويكثر
إليهم، ولعله إنما بات قائماً على أطرافه، كلُّ ذلك ليخفى عليهم العمل.
عن أبى عمار قال : سمعت عطاء بن جبلة يقول: سألوا أم منصور
(١) أى لكثرة دموعه تفيض عيناه وكأنهما أربع عيون.

- ١١٥ -
ابن المعتمر عن عمله ، فقالت: كان ثُلثَ الليل يقرأ، وثلثّه يبكى
و ثلثه يدعو .
جرير قال : صام منصور وقام فكان يأكل فيرى الطعام
فى مجراه .
ابن عيينة قال: رأيت منصور بن المعتمر فى المنام فقلت : ما فعل
الله بك(١) قال: كدت أَلتقى بعمل نبيّ .
قال سفيان : إن منصوراً صام ستين سنة. يقوم ليلها ويصوم
نهارها .
(قال المؤلف): أدرك منصور بن المعتمر أنس بن مالك، وروى
عنه ، ورأى ابن أبى أوفى، وروى عن جماعة من التابعين، كالأعمش،
وسلمان التيمى، وأيوب السختيانى . وتوفى فى سنة اثنتين وثلاثين ومائة.
٤٢٨ - ضرار بن مرة الشيبانى
يكنى أبا سنان شهاب الدين بن عباد قال : قال أصحابنا : كان
البدّاؤون بالكوفة أربعة: ضرار بن مرة ، وعبد الملك بن أبجر ،
ومحمد بن سوقة، ومطَّرف بن طريف . وكان ضرار قد حفر قبره
قبل موته بخمس عشرة سنة، فكان يأتيه فيختم فيه القرآن .
محمد بن فضيل قال : كان ضرار حفر فى بيته قبراً كان يتعبد فيه.
المحاربى قال: كان ضرار بن مرة ومحمد بن سوقة إذا كان يوم
(١) إلى هنا ينتهى الساقط من ق.

- ١١٦ -
الجمعة طلب كل واحد منهما صاحبه ، فإذا اجتمعا جلسا يبكيان .
عبد الله بن الأجلح قال: كانضرار بن مرة يقول لنا: لا يجيئونى(١)
جماعة ولكن ليجىءّ الرجل وحده فإنكم إذا اجتمعتم تحدّتم ، وإذا
كان الرجل وحده لم يخلُ من أن يدرس جزاه أو يذكر ربه.
أبو سنان قال: قال إبليس: إذا استمكنتُ من ابن آدم ثلاثاً
أصبتُ منه حاجتى : إذا نسى ذنوبه، واستكثر عملَه، وأعجب برأيه.
(قال المصنف): أسند ضرار عن سعيد بن جبير وغيره .
٤٢٩ - محمد بن سوقة
مولى بجيلة، يكنى أبا بكر وكان سوقة بزازاً.
قال سفيان: ما بقى أحد يُدفع به عن أهل الكوفة إلا ابن سوقة،
كانت عنده عشرون ومائة ألف فقدّمها .
قال العباس : وسمعت شهاب بن عباد قال : دخل رجل بيت محمد
ابن سوقة فرأى على الباب(٢) ستر مسح، فجعل ينظر إليه ، فقطن
ابن سوقة فقال : لعلك ترى أنی ندمت، لا . ما ندمت.
سفيان بن عيينة قال : نزل محمد بن المنكدر على محمد بن سوقة
بالكوفة فله على حمار، فسألوه فقالوا : يا عبد الله أىّ العمل أحب
إليك؟ قال : إدخال السرور على المؤمن . قالوا : فما بقي مما يستلذ ؟ قال :
الإفضال على الإخوان .
(١) ط: لا يحيثون.
(٢) ق : البت وأثبتنا ماقى ظ .

- ١١٧ -
عن مهدى بن سابق قال : طلب ابن أخى محمد بن سوقة منه شيئاً.
فبكى فقال له : والله ياعَمّ لو علمت أن مسألتى تبلغ منك هذا ماسألتك
قال:(١) ما بكيت لسؤالك إنما بكيت لأنى لم أبتدئك قبل سؤالك.
فضيل بن عياض، عن محمد بن سوقة قال: أمران لو لم نعذَّب إلا
بهما لكنامستحقّين بهما لعذاب الله: أحدنا يُزاد الشىءَ من الدنيا
فيفرح فرحاً ما علم الله أنه فرحه بشىء زاده قط فى دينه ، ويُنْقَصُ
الشئْء من الدنيا فيحزن عليه حزناً ما علم أنه حزنه على شيء نُقِصَه قطٌ
فى دينه .
(قال المؤلف): أدرك محمد بن سوقة عن أنس بن مالك ،
وأبا الطفيل، وعامّةٌ روايته عن كبار التابعين.
٤٣٠ - سليمان بن مهر ان الأعمش
الاسدی
يكنى أبا محمد مولى لبنى كاهل ، عن عيسى بن يونس قال :
مارأينا فى زماننا مثل الأعمش، مارأيت الأغنياء والسلاطين فى مجلس
أحدٍ أحقرَ منهم فى مجلس الأعمش وهو محتاج إلى درهم.
وكيع قال: كان الأعمش قريباً من سبعين سنة لم يَفْتْه التكبيرةُ
الأولى ، واختلفتُ إليه قريباً من سبعين فما رأيتهُ يقضى ركمة .
إبراهيم بن عرعرة قال : سمعت يحمى القطان إذا ذكر الأعمش
(١) أى قال محمد بن سوقة لابن أخيه .

- ١١٨ -
قال : كان من النّساك، وكان محافظًا على الصلاة فى الجماعة وعلى الصفّ
الأول. قال: يحى: وهو علامة الإسلام .(١)
الوليد بن صالح الطائى قال : قال الأعمش : إنى لأحب أن أمافى
فى إخوانى لأنهم إن بُلُوا بليت معهم إما بالمواساة وفيها مؤونة، وإما
بالخذلان وفیه مار .
سفيان قال : لو رأيت الأعمش لقلت : مسكين.
أبو بكر بن عياش قال: دخلت على الأعمش فى مرضه الذى تُوفى
فيه فقلت: أدعو لك طبيبًا؟ فقال: ما أصنع به؟ فوالله لو كانت نفسى
فى يدى لطرحتها فى الحشّ، إذا أنا مُتُّ فلا تؤذِينَ"(٣) بى أحداً
واذهب بی فاطرحنی فی حدی .
قال المؤلف: أدرك الأعمش جماعة من الصحابة وعاصرم، ورأى
أنس بن مالك، وسمعه يقرأ، ولم يحمل عنه شيئاً مرفوعاً، وأرسل
عن ابن أبى أوفى.
الفضل بن دكين ووكيع قالا: ولد الأعمش يوم قُتل الحسين، وذلك
يوم عاشوراء سنة ستين، وتوفى سنة ثمان وأربعين ومائة ، وهو ابن
ثمان و ثمانين سنة.
وقد قال يحيى بن عيسى الرملى : ولد سنة ثمان وخمسين . وقال
الهيثم بن عدى مات سنة سبع وأربعين ومائة .
(١) اقول: وقد اعانني الله فجمعت فقهه، وارجوه ان ييسر نشره.
(٢) أي: لا تعلمن .

- ١١٩ -
٤٣١ - أبو حيان بن سعيد التيمى
سمع من الشعبى وكان ثقة صالحاً . عبد الله بن إدريس قال : مارأيت
الليل على أحد من الناس أخفَ منه على أبى حيان التيمى ، صحبناه
مرة إلى مكة، فكان إذا أظلم الليل فكأنه مثل هذه الزنابير إذا
هِيجَتْ من عشّها
٤٣٢ - معروف بن واصل التيمي
أحمد بن عبد الله بن يونس قال: كان معروف إمام مسجد بنى عمرو
ابن سعد، وكان يختم القرآن فى (كل) ثلاثٍ سفَراً وحضراً. أمّ
قومه ستين سنة لم يَسْهُ فى صلاةٍ(١) قطّ لأنها كانت تهته.
٤٣٣ - موسى بن أبى عائشة
يكنى أبا بكر ، مولى آل جمدة بن هبيرة الكوفى ، جرير بن
عبد الحميد قال: رأيت موسى بن أبى عائشة، وإذا رأيته ذكرت الله
لرؤيته وكان بين عينيه أثر السجود.
أبو بكر القرشى قال: أخبر نى إسحق بن إسماعيل قال : أخبرنا
سفيان قال : أخبرونى عن عمرو بن قيس قال : مارفعت رأسى بليل
قط إلا رأيت موسى بن أبى عائشة قائماً يصلّ قال القرشى وقال غير
إسحاق: وكان يدعى المنهجِّد ، من شدة تغير لونه .
(١) ط : صلاته.

- ١٢٠ -
قال المؤلف: رأى عمرو بنَ حريث، وسعيد بن جبير، وعبد الله
ابن شداد، وعبيد الله بن عبد الله، فى آخرين، وروى عنه الثورى،
و کان یثنی علیه .
٤٣٤ - خلف بن حوشب
عن عبد السلام بن حرب قال: مارأيت أصبرَ على السّهر من
خلَف بن حوشب ، سافرت معه إلى مكة فما رأيته نائماً بليلٍ حتى
رجعنا إلى الكوفة.
٤٣٥ - کرز بن وبرة
كوفى الأصل، إلا أنه سكن جُرجان، محمد بن فضيل بن غزوان
عن أبيه قال: دخلت على كرز بن وبرة بيته فإذا عند مصلاه حُفَيرة
وقد ملأها تبناً وبسط عليها كساء من طول القيام ، وكان يقرأ
القرآن فى اليوم والليلة ثلاث مرات .
قال: أنبأ محمد بن فضيل ، عن أبيه، أو عن نفسه قال: كان
كُرز، إِذا خَرج، يأمر بالمعروف فيضربونه حتى يُغشى عليه.
عن شبرمة قال: صحبنا كُرْزاً الحارثيّ فكنا إذا نزلنا إلى الأرض
فإنما هو قائل ببصره هكذا ، ينظر ، فإذا رأى بقمة تعجبه ذهب
فصلی فيها حتى يرتحل .
قال ابن شبرمة(١): سأل كُرز بن وبرة ربه عز وجل أن يعطيه إسمه
(١) ق: عن ابن شبرمة .