Indexed OCR Text

Pages 81-100

- ٨١ -
قال: نعم . قال: سيد ولد آدم ،المصطفى، خير من بقىوخير منمضى.
قال: فما تقول فى أبى بكر الصديق؟ قال: الصدّيق خليفة
رسول الله ◌َذاته، مضى حميداً وغاش سعيداً، ومضى على منهاج نبيه
اله لم يغير ولم يبدّل.
قال: فما تقول فى عمر؟ قال: عمر الفاروق خيرة(١) الله وخِيرة
رسوله، مضى حميداً على منهاج صاحبيه لم يغيّر ولم يبدل.
قال: فما تقول فى عثمان؟ قال: المقتول ظَلّمًا، المجهز جيشَ المُسرة
الحافر بئر رومة(٢)، المشترى بيته فى الجنة، صهر رسول الله عَ له على
ابنتيه، زوّجه النبى مَ له بوحى من السماء.
قال: فما تقول فى علىّ ؟ قال: ابن عم رسول الله ێ وأول من
أسلم، وزوج فاطمة وأبو الحسن والحسين .
قال: فما تقول فىَّ؟ قال: أنت أعلم بنفسك: قال: بُثَّ بعلمك(٣)
قال: إذاً نَسويك ولا نَسرّك. قال: بُثَّ بعلمك. قال أعفِى. قال:
لا عفا الله عنّي إن أعفيتك. قال: إنى لأعلم أنك مخالفٌ لكتاب الله،
ترى من نفسك أموراً تريد بها الهيبة وهي التى تقحمك الهلاك ،
(١) الخيرة، من القوم: الأفضل.
(٢) ط: المسيل بئر رومة. ورومة أرض المدينة نزلها المشر كون عام الخندق،
وفيها بئر رومة ، اسم بئر ابتاعها عثمان بن عفان وتصدق بها .
(٣) أى قل ما تعلم .
( م ٦ - صفة الصفوة - = ٣)

- ٨٢ -
وستَرِدُ غداً فتعلم. قال. أَما والله لأفتلّك فتلةً لم أقتلها أحداً قبلك
ولا أقتلها أحداً بعدك. قال: إذاً تُفسد علىّ دُنياى وأفسد عليك
آخرتك. قال: يا غلام السيفَ والنّطْع. فلما ولّى ضحك. قال: قد
بلغنى أنك لم تضحك. قال: قد كان ذلك قال: فما أضحكك عند
القتل؟ قال. من جُرأتك على الله عز وجل ومن حلم الله عنك . قال:
يا غلام اقتله. فاستقبل القبلة فقال: «وجّهتُ وجهىَ للّذى فَطَر
السّواتِ والأرضَ حنيفاً)) مسلماً ((وما أنا من المشركين))(١).
فَصَرف وجهه عن القبله فقال: ((أينَما تُوَّلُوافَتْمَّ وجَهُ الله))(٢). قال:
اضرب به الأرض. قال: «منها خلقناكم وفيها نُعيدُكم ومنها تُخرِجِكم
تارةً أخرى)(٢). قال: اذبح عدوّ الله فما أنزَعه لآيات القرآن
منذ اليوم .
قال ابن ذكوان: إن الحجاج بن يوسف بعث إلى سعيد بن جُبَير
فأصابه الرسول بمكّة فلما سار به ثلاثة أيام رآه يصوم نهاره ويقوم
ليله، فقال الرسول : والله إنى لأعلم أنى أذهب بك إلى مَن يقتلك
فاذهب إلى أىّ طريق شئت . فقال له سعيد: إنه سيبلغ الحجاج
أنك قد أخذتنى فان خليت عنى خفتَ أن يقتلك، ولكن
اذھب بی إليه .
(١) الأنعام: ٧٩.
(٣) طه : ٥٥ .
(٢) البقرة: ١١٥ (( فأين) ... )

- ٨٣ -
قال: فذهب به فلما دخل عليه قال له الحجاج: ما اسمك ؟ قال:
سعيد بن جبير. فقال: بل شقىّ بن كسير. فقال: أمّى سمتنى. قال:
شَقِيتَ. قال: الغيب يعلّمه غيرك. قال له الحجاجُ: أما والله لأبدلّك
من دنياك ناراً تلظى: قال سعيد: لو علمتُ أن ذلك إليك ما اتخذت
إلهاً غيرك.
٠٠٠
ثم قال له الحجاج: ما تقول فى رسول الله بم لي؟ قال: نِّ
مصطفى ، خير الباقين وخير الماضين. قال : فما تقول فى أبى بكر
الصديق؟ قال ثانى اثنين إذ هما فى الغار أعزّ الله به الدين، وجمع به
بعد الفرقه . قال: فما هو عمر بن الخطاب رضى الله عنه ؟ قال : فاروقٌ
وخيرة الله مِن خَلْقِه، أحبَّ الله أن يُعِزّ الدّين بأحد الرجلين،
فكان أحقّهما بالخيرة والفضيلة ، قال : فما تقول فى عثمان بن عفان؟
قال: مجهّز جيش المُسرة ، والمشترى بيتاً فى الجنه والمقتول ظلماً.
قال: فما تقول فى علىّ؟ قال: أوّلهم إسلاماً وأكثرم هجرة، تزوج
بنت رسول الله ێلاێ التی ھی أحب بناته إليه .
قال: فما تقول فى معاوية؟ قال: كاتب رسول الله عَ ليه: قال:
فما تقول فى الخلفاء منذ كان رسول الله عَ اللّه إلى الآن؟ قال. سَيُجزون
بأعمالهم، فمسرورٌ ومَثبور(١) ولستُ عليهم بوكيل. قال : فما تقول
(١) مثبور: هالك أو مطرود من رحمة الله .

- ٨٤ -
فى عبد الملك بن مروان؟ قال : إن يكن محسناً فعند الله نوابُ إحسانه
وإن یکن مسيئا فلن يعجز الله.
قال: فما تقول فىّ ؟ قال: أنت بنفسك أعلم. قال: بُتَّ فىَّ علمك.
قال: إذاً أسوءَك ولا أسرّك. قال: بُتَّ. قال: نعم ، ظهر منك
جَوْرٌ فى حدّ الله، وجرأة على معاصيه بقتلك أولياءَ الله. قال: والله
لأقطّعنك قِطَعًا وأفرّقن أعضاءك عضواً عضواً. قال: إذاً تُفسِد
علىّ دنياىَ وأفسد عليك آخرتك ، والقصاص أمامك . قال : الويل
لك من الله. قال: لمن زُخْزِح عن الجنه وأُدخل النار ، قال: اذهبوا به
فاضربوا عنقه، قال سعيد: إنى أشهدك إلى أشهد أن لا إله إلا الله
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، أستحفِظك بها حتى ألقاك
يوم القيامة .
فلما ذهبوا به لِيُقتل تبسّم فقال له الحجاج: مِمَّ ضحكت؟ قال :
من جُرأتك على الله عزّ وجل. فقال الحجاج: أضجعوه للذبح فأضجع
فقال: ((وَجْتُ وَجْهِىَ للذى فطَرَ السموات والأرض))(١). فقال
الحجاج : اقلبوا ظهره إلى القبلة. فقرأ سعيد: ((فَأَيْنَمَا تُوَلُوا فَتَمَّ
وَجْهُ الله))(٢). فقال: كُبُوهُ على وجهه، فقرأ سعيد: ((مِنها خلقها كم
وفيها نعيدَكم ومنها تُخْرِجِكُمْ﴾(٢): فذُبِخ من قماء.
قال: فبلغ ذلك الحسن بن أبى الحسن البصرىّ فقال: اللهم يا قاصم
(١) الأنعام ٧٩.
(٣) سطه ٠٥٥
(٢) البقرة ١١٥ .

- ٨٥ -
الجبابرة اقصم الحجاج ، فما بق إلا ثلاثاً حتى وقع فى جوفه
الدّود فمات .
عن خلف بن خليفة ، عن أبيه، قال: شهدتُ مقتل سعيد بن
جبير، فلما بان رأسه قال: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله. ثم قالها الثالثة
فلم يتمّها .
عن يحي بن سعيد، عن كاتب الحجّاج (١)، يقال له يعلى، قال:
كنت أكتب الحجاج وأنا يومئذ غلام حديث السن ، فدخلت
عليه يوماً بعد ماقتل سعيد بن جبير، وهو فى قبة لها أربعة أبواب،
فدخلت مما يلى ظهره فسمعته يقول : مالى ولسعيد بن جبير؟ فخرجت
رويداً، وعلمت أنه إن علم بى قتلنى، فلم ينشَب(٢) الحجاج بعد ذلك
إلا يسيراً .
وفى رواية أخرى : عاش بعده خمسة عشر يوماً ، وفى رواية :
ثلاثة أيام وكان يقول : مالى ولسعيد بن جبير ؟ كما أردت النوم
أخذ برجْلی .
عن عمرو بن ميمون، عن أبيه قال : لقد مات سعيد بن جبير
وما على الأرض أحد إلا وهو يحتاج إلى علمه.
(قال المؤلف): أسند سعيد بن جبير عن علىّ (عليه السلام)،
(١) كذا في النسخ، ولعلها: للحجاج. (٢) اي لم يلبث، ولم يمكث

- ٨٦ -
وابن ◌ُمر ، وابن عَمرو ، وأبى موسى وابن المغفل، وعدىّ بن حام،
وأبى هريرة، وغيرم. وأكثر رواياته عن ابن عباس .
وقتل فى سنة أربع وتسعين ، وقيل سنة خمس وتسعين ، وفى مدة
عمره ثلاثة أقوال: أحدها سبع وخمسون سنة ، وقد رويناها آنفاً،
والثانى: تسع وأربعون سنة .
قاله أبو نعيم الفضل بن دكين فى جماعة ، والثالث: اثنتان وأربعون
سنة . قاله على بن المدينى .
٤١٢ - ابراهيم بن يزيد بن الأسود النخعى
يكنى أبا ممران عن الأعمش قال كان ابراهيم يَتَوّقى الشهرة فكان
لا يجلس إلى الأسطوان(١) وكان صَيْرَفىّ الحديث(٣) فكنت إذا
سمعت الحديث من بعض أصحابنا عرضته عليه .
عن سفيان، عن أبيه ، عن ابراهيم قال: سألته عن شىء فجعل
يتعجب ويقول احتج إلىّ، احتيج إلىّ.
عن منصور قال: ما سألت ابراهيم قطُّ عن مسئلة إلا رأيت
الكراهية فى وجهه، ويقول : أرجو أن تكون، وعسى .
عن ميمون أبى حمزة، عن ابراهيم، أنه قال: تكلّت ولو
(١) كذا، وإنما هي الاسطوانة، أي العمود أو السارية في المسجد
وغيره . وكان الفقهاء يجلسون الى الاسطوانة عندما يدرسون العلم .
(٢) اي ماهراً في نقده وتمييز صحيحه من ضعيفه .

- ٨٧ -
وجدت ◌ُدًّا(١) ما تكلمت ، فان زمانًا أكون فيه فقيه الكوفة
کزمانُ سوء .
عن الأعمش، عن ابراهيم ، قال: لقد أدركت أقواماً لو بلغنى أن
أحدم توضّاً على ظفره لم أعُذْهِ.
عن محمد بن سوقة قال : زعموا أن ابراهيم النخعى كان يقول :
كنا إذا حضرنا جنازة أو سمعنا بميت عرف فينا أياماً لأنا قد عرفنا
أنه قد نزل به أمر صيره إلى الجنة أو النار قال: وإنسكم فى جنازكم
تحدّثون بأحاديث (٣) دنياكم.
عن الأعمشن قال: كنت عند ابراهيم وهو يقرأ فى المصحف
واستأذن عليه رجل فغطى المصحف وقال : لا يرى هذا أنى أقرأ فيه
كلّ ساعة .
عن مغيرة ، من ابراهيم ، أنه كان يلبس الثوب المصبوغ
بالزعفران أو بالعصفر، وكان من يراه لا يدرى أمن القرّاء هو أم
من الفتيان .
عن شعيب بن الحبحاب ، عن هنيدة امرأة ابراهيم النخعى : أن
ابراهيم كان يصوم يوماً ويفطر يوماً.
عن الأعمش، عن إبراهيم قال: كانوا يجلسون فأطولهم سكونا
أفضلهم فى أنفسهم.
(١ (أى مناصاً ومخلصاً. (٢) ق : بحديث.

- ٨٨ -
ابن عون، عن إبراهيم قال: إنْ كانوا ليكْرَهون إذا اجتمعوا أن
يُخرج الرجل أحسن حديثه، أو قال أحسن ما عنده.
عن مغيرة، عن إبراهيم قال كانوا إذا أتوا الرجل ليأخذوا عنه
نظروا إلى صلاته ، وإلى ھَدْیه، وإلى سمته .
عن أبى هاشم الرمَّانى، عن إبراهيم قال: لا يستقيم رَأْىٌ إلابرواية،
ولا رواية إلا برأْى.
عن منصور، عن إبراهيم قال: إذا رأيت الرجل يتهاون بالتكبيرة
الأولى فاغسلْ يدك منه .
سفيان، عن الأعمش قال: جَهدنا بإبراهيم أن يستند إلى ساريةٍ
فأبى علينا .
عن الأعمش قال: كان إبراهيم يتوقّ الشهرة، وكان لا يجلس إلى
أسطوانة (١) . وكان يجلس مع القوم فيجىء الرجل فيوسع له فإذا
اضطره المجلس إلى أسطوانة قام .
عن مغيرة قال: كنا نهاب إبراهيم كمانهاب الأمير.
عن زبيد قال : ما سألت إبراهيم عن شىء إلا عرفت منه
الكراهية .
عن أبى الحصين قال: سألتُ إبراهيم عن شىءٍ فقال: ماوجدت
أحداً نسألُه فما بنى وينك غیری ؟
(١) سبق ذكر هذه العبارة نفسها فى أول ترجمة إبراهيم بن يزيد هذا.

- ٨٩ -
أبو بكر قال: سألت الأعمش: أخبر نى عن أكثر من رأيت عند
إبراهيم قط قال : أربعة أو خمسة .
عن مغيرة قال: كان رجلٌ على حالٍ حسنة فأحدث حدثاً أو أذنب
ذَنْبًا فرفضه أصحابه ونبذوه . فبلغ إبراهيم فقال: مَهْ تدارَ كُوه
وعِظُوه ولا تدعوه.
عن الأعمش ، عن إبراهيم قال: إنى لأرى الشىء مما يُعاب فما
يمنعنى من عيبه إلا مخافة أن أبتلىَ به.
عن إبراهيم بن مهاجر ، عن إبراهيم قال : كانوا يستحبّون
المريض أن يجهد عند الموت .
عن منصور، عن إبراهيم أنه قال: كانوا يستحبّون شدّة النَّرْع.
عن عمران الخياط قال : دخلنا على إبراهيم النخعى نعوده وهو
يبكى فقلنا له: ما يبكيك أبا عمران؟ قال: أنتظر ملك الموت لاأدرى
يشرفى بالجنة أم بالنار.
عَن شعيب بن الحبحاب قال: كنت ممّن صلى على إبراهيم النخعى
ليلاً ودُفن فى زمان الحجاج ، ثم أصبحت فغدوت فقال: دفنتم ذلك
الرجلَ الليلة؟ قلت: نعم . قال: دفنتم أفقه الناس قلت : ومِنَ الحسن
فقال: أفقه من الحسن ، ومن أهل البصرة، وأهل الكوفة، وأهل
الشام، وأهل الحجاز (١)
(وقال المؤلف): أدرك إبراهيم النخعى جماعةً من الصحابة منهم:
(١) وقد جمعت فقه النخعي في كتاب ((موسوعة فقه ابراهيم النخعي) وهو
يقع في نحو ثمانمائة صفحة

- ٩٠ -
أبو سعيد الخدرى، وعائشة، وعامّةً مايروى عن التابعين(١): كعلقمة
ومسروق والأسود .
وتوفى سنة خمس وتسعين . وقيل : ست وتسعين ، بالكوفة،
وهو ابن تسعٍ وأربعين (سنة) وقيل ابن نيّف وخمسين (سنة).
(٢)
ابن عون قال: مات إبراهيم وهو ما بين الخمسين إلى الستين .
٤١٣ - إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمى
يكنى أبا أسماء الأعمش قال: كان إبراهيم التيمى إذا سجد مجىء
العصافير فتنقُر على ظهره كأنه جِذْم حائط .
الأعمش قال لإبراهيم التيمى: بلغنى أنك تمكث شهراً لا تأكل
شيئاً، قال: نعم وشهرين، ما أكلت منذ أربعين ليلةً إلا حبة عنب
ناولَنيها أهلى فأكلتها ثم لفظتها. فقلت للأعمش أصدّقته؟ فقال :
إبراهيم بن يزيد التيمى . يريد أنه صدّق .
عن أبى حيان، عن إبراهيم التيمى قال: ماعرضتُ عَمَلى على قولى
إلا خشيت أن أكون مكذِّبًا.
سفيان قال: قال التيمى: كم بينكم وبين القوم ؟ أقبلت عليهم الدنيا
قهربوا وأدبرت عنكم فاتبعوها .
العوام بن حوشب قال : مارأيت رجلا قطّ خيراً من إبراهيم
(١) الجار والمجرور خبر المبتدأ: ((عامة)) أي: عامة ما يرويه هو عن التابعين
(٢) انظر كتابنا ((ابراهيم النخعي)) وهو دراسة الشخصية النخعي من جوانبها
العلمية والسياسية والاجتماعية ، وهو كتاب لم يطبع بعد . اهـ. قلعهجي

- ٩١ -
التيمى رافعًا بصره إلى السماء فى صلاة ولا فى غيرها، وسمعته يقول:
إن الرجل ليظالمنى فارحمه .
عن العوام بن حوشب قال : ما رأيت إبراهيم التيمى رافعاً رأسه
فى الصلاة ولا فى غيرها، ولا سمعته يخوض فى شىء من أمر
الدنيا قط .
عن بكير أو أبى بكير، عن أبى إبراهيم التيمى قال : ينبغى لمن
لا يحزن أن يخاف أن يكون من أهل النار لأن أهل الجنة قالوا :
((الحمدُ لِ الَّذِى أَذْهَبَ عَنَّا الْزَنَ))(١) وينبغى لمن لا يشفق أن
يخاف أن لا يكون من أهل الجنة لأنهم قالوا: « إِذَّ كُنَّا فِى أَهْلِنَا
مُشْفِقِينَ(٢))).
العوام بن حوشب، عن أبيه، عن إبراهيم التيمى قال : أعظم
الذنب عند الله عز وجل أن يحدّث العبد بما ستَر الله عليه.
سفيان بن عيينة قال: قال إبراهيم التيمى: مثلتُ نفسى فى الجنة
آكل من تمارها وأشرب من أنهارها وأمانق أبكارها ، ثم مثّلتُ
نفسى فى النارآ كل من زَقومها ، وأشرب من صديدها، وأمالج
سلاسلها وأخلالها، فقلت لنفسى: أىَّ شيء تريدين ؟ قالت: أريد أن
(١) فاطر : ٣٤.
(٢) اقتباس من قوله تعالى: فى سورة الطور (الآية ٢٦) ((قالوا إنا كنا
قبل فى أهلنا مشفقين)).

- ٩٢ -
أَرَدّ إلى الدنيا فأعمل صالحاً. قال: قلت: فأنت فى الأمنية فاعملى.
قال المؤلف: أسند إبراهيم التيمى عن أبيه ، والحارث بن سويد،
في آخرين. وتوفى فى حبس الحجاج فى سنة اثنتين وتسعين .
على بن محمد قال: كان سببَ حبس إبراهيم التيمى أن الحجاج
طلب إبراهيم النخعى . فجاء الذى طلبه فقال: أريد إبراهيم . فقال
إبراهيم التيمى: أنا إبراهيم، فأخذه وهو يعلم أنه إبراهيم النخعى.
فلم يستَحِل أن يدله عليه، فجاء به الحجاج فأمر بحبسه فى الدّيماس(١)
ولم يكن لهم ظلٌّ من الشمس ولا كِنٌّ من البَرْد، وكان كل اثنين فى
سلسلة . فتغير إبرهيم فاءته أمه فى الحبس فلم تعرفه حتى كلها . فمات
فى السجن . فرأى الحجاج فى منامه قائلاً يقول: مات فى هذه الليلة
رجل من أهل الجنة ، فلما أصبح قال: هل مات الليلة أحد بواسط ؟
قالوا نعم ، إبراهيم التيمى مات فى السجن فقال: حُلُمٌ نَزْغَةٌ من
نزغات الشيطان . فأمر به فألقى على الكُنَاسَة .
٤١٤ - خیثمة بنعبد الرحمن
ابن أبى سبرة(٣)
واسمه يزيد بن مالك الجعفى ، عن الأعمش قال : ورث خيثمة بن
عبد الرحمن مائى ألف درهم فأنفقها على القرّاء والفقهاء.
(١) الديماس: الحفير تحت الأرض.
(٢) أبى : ساقطة من ق .

- ٩٣ -
الأعمش قال: كان خيثمة يصنع الخَبِيص(١) والطعام الطيب ثم
يدعو إبراهيم ، يعنى النخعى، ويدعو نا معه فيقول: كلوا ما أشتهيه
ما أصنعه إلا من أجلكـ
الأعمش قال: ربما دخلنا على خيثمة فيخرج السلّة من تحت السرير،
فيها الخبيص والفالوذَجِ(٣)، فيقول: ما أشتهيه كلوا ، أما إنى ماجعلته
إلا لكم . وكان موسراً، وكان يصرّ الدرام، فإذا الرجل من أصحابه
محرَّق (٣) القميص أو الرداء أو به خَلَّةُ (٤) تَحِيَّنَهُ فإذا خرج من الباب(٥)
خرج هو من باب آخر حتى يلقاء فيعطيه فيقول: اشتَرِ قميصاً
اشتر رداء ، اشتَر حاجة كذا.
عن طلحة قال : خيثمة : كان يعجيهم أن يموت الرجل عند خیرٍ
يعمله، إما حج، وإما عمرة وإما غزاة وإما صيام رمضان .
عن الأعمش قال : نَفست(٦) امرأة المسيب بن رافع وهو غائب،
فاشترى لها خيثمة خادمًاً بستمائة .
عن الحكم عن خيثمة قال : إذا طلبتَ شيئاً فوجدته ، فاسأل
اله الجنة فلعله يكون يومك الذى يستجاب فيه .
(١) الخبيص والخبيصة : الحلواء المخبوصة.
(٢) الفالوذج: حلواء تعمل من الدقيق والماء والعسل.
(٣) ق: محرق. ويحتمل أن تكون ((متخرق)) أو ((منخرق)).
(٤) الخلة ( بفتح الخاء): الحاجة والفقر .
(٥) ط : خرج هو من باب .
(٦) أى ولدت، فو منفساء.

- ٩٤ -
عن الأعمش، عن خيثمة قال: تقول الملائكة: ياربّ عبدُك
المؤمن تزوى عنه الدنيا وتعرّضه للبلاء؟ قال : فيقول للملائكة :
اكشفوا لهم عن ثوابه فإذا رأوا ثوابه قالوا: ياربّ لا يضره ما أصابه
فى الدنيا . قال: ويقولون: عبدك الكافر تَزْوِى عنه البلاء وتبسط له
الدنيا؟ قال: فيقول للملائكة: اكشفوا لهم عن عقابه: قال: فإذا
وأوا عقابه قالوا: ياربَّ لا ينفعه ما أصابه من الدنيا .
(قال المؤلف) وقد رُوى هذا الكلام عن خيثمة ، عن عبد الله
ابن العاصى، عن النبى معٍَّ: إلا أن الصحيح أنه من قول خيثمة.
عن محمد بن خالد الضّبى قال: لم نكن ندرى كيف يقرأ خيثمة
القرآن؟ حتى مرض فشَقَل، جاءتة امرأة فجلست بين يديه فبكت.
فقال لها: ما يبكيك؟ الموت لابد منه. فقالت له المرأة: الرجالُ
بعدك علىّ حرام . فقال لها خيثمة : ما كلَّ هذا أردت منك ، إنما
کنت أخاف رجلا واحداً وهو أخی محمد بن عبد الرحمن، وهو رجل
فاسق يتناول الشراب فكرهت أن يشرب فى بيتى الشراب بعد
إذ القرآن يتلى فیه كل ثلاث.
عن سفيان، عن رجل ، عن خيثمة : أنه أوصى أن يدفن فى مقبرة
فقراء قومه .
(قال المصنف): أدرك خيثمة علىّ بن أبى طالب (عليه السلام).
وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمرو، وعدّى بن حاتم، والنعمان
ابن بشير، فى جماعة من الصحابة . ومات قبل أبى وائل.

- ٩٥ -
٤١٥ - عبد الى حمن بن الأسود بن يزيد
أبو جعفر النخعى، كان يدخل على عائشة. محمد بن إسحاق قال :
قدم علينا عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد حاجاً فاعتلت إحدى قدميه
فقام يصلى حتى أصبح على قدم واحدة قال: وصلى الفجر بوضوء العشاء.
قال : وقدم علينا ليث بن أبى سليم فصنع مثلها .
٤١٦ - القاسم بن مخيمرة الهمدانى
كوفى الأصل ثم نزل الشام. سعيدبن عبد الملك (١) قال: قال القاسم
ابن مخيمرة: ما اجتمع على مائدنى لو نان من طعام واحد، ولاأغلقت(٢)
بابی ولی خلفه م .
قال القاسم : وأتيت عمر بن عبد العزيز فقضى عنى سبعين ديناراً
وحملنى على بغلة وفرض لى فى (كل سنة) خمسين. فقلت: أغنى(٣)
عن التجارة. فسألى عن حديث، فقلت هيبتى(٤) يا أمير المؤمنين.
كأنه كره أن يحدثه (به ) على هذا الوجه .
عن الأوزاعى، عن القاسم: أنه كره صيد الطير أيام فراخه.
روى القاسم عن عبد الله بن عمرو بن العاص. وأسند عن خَلْقٍ من
التابعين. وتوفى فى خلافة عمر بن عبدالعزيز .
(٢) ط : غلقت
(١) ق: عبد العزيز .
(٣) كذا فى ط. وفى ق: أعتنى . ولعلها: ((أغنتنى)) وفى تهذيب التهذيب:
(٤) ق: هينى . وفى الحلية: هيثنى.
الحمد لله الذى أغثانى .

ومن الطبقة الثالثة
٤١٧ - طلحة بن مصرف بن عمروبن كعب
يكنى أبا عبدالله وقيل أبا محمد وكان قارىء أهل الكوفة
يقرؤون عليه القرآن فلما رأى كثرتهم عليه كره ذلك فمشى إلى الأعمش
وقرأ عليه ، فمال الناس إلى الأعمش وتركوا طلحة .
سفيان قال: قال الأعمش: مارأيت مثل طلحة ، إن كنتُ قائماً
فقعدتُ قطع القراءة، (وإن كنتُ محتبياً خلت حبوتى قطع القراءة)
مخافة أن يكون أملى.
ابن أبى غنية قال: حدثنى شيخ عمن حدّثته قالت: أرسلَ إِلى"
طلحة بن مصرف : إنى أريد أن أوتد فى حائطك وتداً. فأرسلت إليه
نعم - قالت: ودَخَلَتْ(١) خادمنا منزل طلحة تقتبس ناراً وطلحةٍ
يصلّى. فقالت لها امرأته: مكانك يافلانة حتى نَشوى لأبى محمد هذا
القديد على قصبتك يفطر عليه . فلما قضى صلاته قال : ماصنعتٍ
لا أذوقه حتى ترسل إلى سيدتها لحبسك(٢) إياها وشوائك
علی قصبها .
عن حريش بن سلم(٣) قال : كان طاحة بن مصرف يقول فى
دمائه: اللهم اغفر لى ر ئائى وسمعتى.
(١) ق: ودخل. (٢) ط: ترسل سيدتها بحبسك (٣) ق: سلمان.

- ٩٧ -
عبد الصمد بن يزيد قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: بلغنى
عن طلحة أنه ضحك يومًا، فوثب على نفسه فقال: فيم الضحك ؟
إنما يضحك من قطّع الأهوال وجاز الصراط . ثم قال : آليت أن
لا أقْتَرْ ضاحكاً حتى أعلم بم(٢) تقع الواقعة. فما رُفِىَ ضاحكاً حتى صار
إلى الله عز وجل .
عن ليث قال: كنت أمشى مع طلحة فقال: لو علمت أنك أمنّ
منى بليلة ما تقدّمتك.
عن عبد الملك بن هانى قال : خطب زيد إلى طلحة ابنته . فقال :
إنها قبيحة . قال: قد رضيت. قال: إِن بَعَقبها أثراً (قال: قد رضيت).
عبد الرحمن بن عبد الملك بن الحر عن أبيه قال ما رأيت طلحة بن
مصرف فى ملأً إلا رأيت له الفضل عليهم.
الصلت بن بسطام قال : حدثنى رجل من تيم الله، وكان قد جالس
الشعبى وإبراهيم ، قال: ما رأيت أحداً أملك للسانه من طلحة
ابن مصرف.
حريش بن سليم قال: سألت زبيداً من أعجب من أدركت إليك؟
قال : ما أدركت أحداً أعجب إلىّ من طلحة .
عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : يعجبنى أخلاق طلحة بن مصرف
وزید وقد جرحها .
عن محمد بن فضيل ، عن أبيه قال ؟ دخلنا على طلحة بن مصرف
( ٢ ٧ - صفة الصفوة - ج ٣)

- ٩٨ -
نعوده، فقال له أبو كعب: شفاك الله فقال. أستخير الله(١).
عن ليث قال : حدثت طلحة فى مرضه الذى مات فيه أن طاوساً
کان یکرہ الأنين فا سمع طلحة یئن(٣) حتى مات رحمه الله.
١
قال المؤلف: أدرك طلحة جماعة من الصحابة ، وسمع من أنس ،
وعبد الله بن أبى أوفى ، وعبد الله بن الزبير. وكان قد خرج مع قرّاء
الكوفة إلى الجماجم أيام الحج ، وتوفى بعد ذلك سنة اثنتى
عشرة ومائة
٤١٨ - زبيد بن الحارث اليامى
يكنى أبا عبد الرحمن، ويقال أبا عبد الله، الأشعث بن عبدالرحمن
ابن زيد عن أبيه قال: كان زبيد قد قسم علينا الليل أثلاثاً: ثلثاً عليه،
وثلثاً علىَّ ، وتَلثاً على أخى، فكان زبيد يقوم ثلثه ثم يضربنى برجله
فإذا رأى منى كسلاً قال: ثم يا بنىّ فأنا أقوم عنك. ثم يجىء إلى أخى
فيضربه برجله فإذا رأى منه كسلاً قال : ثم يابنى فأنا أقوم عنك قال :
فیقوم حتى يُصبح.
قال الأشج: وحدثنى المحاربى عن سفيان قال : دخلنا على زبيد نعوده
فقلنا: شفاك الله فقال : أستخير الله.
سفيان قال: كان زيد إذا كانت الليلة مطيرة أخذ شعلة من النار
(١) خبر ابن فضیل وقول ابن حنبل وردا فى (ط) بعد قول الأعمش ، فى أول
(٢) ط : أن.
ترجمة طلحة بن مصرف .

- ٩٩ -
فطاف على عجائز الحيّ فقال: أُوَكَفَ عليكم بيت؟ أتريدون ناراً؟
فإذا أصبح طاف على عجائز الحى فقال : أَلَكم فى السوق حاجة؟
أتريدون شيئاً؟
قال وكيع: وحدثنى أبى قال: كنت جالساً مع زبيد فأتاه رجل
ضرير يريد أن يسأله . فقال له زيد : إن كنت تريد أن تسأل عن
شىء فإنّ معی غیری.
محمد بن الحسين قال : حدثنى سليمان بن أيوب عن بعض أشياخه
قال : قام زبيد اليامى ذات ليلة ليتهجد قال : فعمد إلى مظهرة له قد
كان يتوضأ منها ففس يده فى المطهرة فوجد الماء بارداً شديداً كاد
يجمد من شدة برده، فذكر الزمهرير ويده فى المطهرة. فلم يخرجهامنها
حتى أصبح . نجاءت الجارية وهي على تلك الحال فقالت : ماشأنك
ياسيدى لم تصلّ الليلة كما كنت تصلى وأنت قاعد هاهنا على هذه
الحال؟ قال : ويحك أدخلتُ يدى فى هذه المطهرة فاشتد علىّ برد
الماء فذ کرت به الزمهرير ، فوالله ما شعرت بشدّة برد یدی حتی
وقفتٍ علىّ ، فانظرى لا تحدّثى بها أحداً مادمت حياً. قال: فماعَلم
بذلك أحد حتى مات .
أنبأ سفيان بن زيد قال : يسرنى أن يكون لى فى كل شىء
نيّة حتى فى الأكل والنوم.
(١) ط: معة، تحريف.

- ١٠٠ -
قال سعيد بن جبير : لو خَيْرْتَ عبداً ألقى الله فى مسلاخه اخترت
زييداً الأيامى(١) .
المنذر أبو عبد الله من أهل الكوفة قال: قال لى محمد بن سوقة:
لو رأيت طلحة وزييداً لعلمت أن وجوههما قد أخلقها سهر الليل
وطول القيام، وكانا واللهِ ممن لا يتوسد الفراش .
قال المؤلف : أدرك زييد اليامى جماعة من الصحابة منهم: ابن عمر
وأنس . وتوفى فى سنة اثنتين وعشرين ومائة . وقيل : فى سنة
ثلاث وعشرين، فى أولها .
حنبل قال : سمعت أبا نعيم يقول: مات زيد سنة اثنتين وعشرين
ومائة . وكان طلحة أكبر من زيد بشر سنين ، واستوفى زيد
عشر سنین قبل أن يموت .
٤١٩ - عون بن عبد الله بن عتبة
ابن مسعود الهذلى
مطرف بن معقل الشقرى قال : سمعت عون بن عبد الله يقول:
ذاكر اللهَ فى غفلة الناس. كمثل الفئة المنهزمة يحميها الرجل ، لولا
ذلك الرجل هُزمت الفئة ، ولولا مَن يذكر اللهَ فى غفلة الناس
هلك الناس .
سفيان قال: قال عون بن عبد الله: صحبت الأغنياء فلم يكن
(١) كذا فى النسخ. وترد نسبته فى الحنية قارة (ايامى) وأخرى (الأيامى).