Indexed OCR Text

Pages 401-420

- ٤٠١ -
وذكر أبو الحسن المنادى أنه دفن فى مقابر باب حرب،
والصحيح الأول .
٢٨٧ - ابراهيم بن هانىء
أبو اسحاق النيسابورى رجل فى طلب العلم إلى البلدان واستوطن
بغداد واختفى عنده أحمد بن حنبل . وكان يثنى عليه ويقول لا أطيق
ما يطيق ابراهيم من العبادة.
عن أبى بكر النيسابورى قال : حضرت ابراهيم بن هانىء عند
وفاته فقال لابنه اسحق: أنا عطشان . نجاءه بماء . فقال : غابت
الشمس؟ قال: لا. قال: فردّه. ثم قال: (لمثْلِ هذا فلْيُعَمَلِ العاملون)(١)
ثم خرجت روحه .
وعنه قال : حضرتُ ابراهيم بن هانىء النيسابورى يوم وفاته ،
فدعا ابنه اسحاق فقال : هل غربت الشمس؟ قال: لا . ثُمّ قال :
يا أبة رُخص لك فى الافطار فى الفرض وأنت متطوّع . قال : امهل .
ثم قال : (مثْلِ هذا فليعملِ العاملون). ثم خرجت نفسه .
وعن أبى بكر بن زنجويه قال : قال أحمد بن حنبل : إن كان
ببغداد من الأبدال أحد فأبو اسحاق إبراهيم بن مانى ..
(١) الصافات : ٦١.
( م ٢٦ - صفة الصفوة )

- ٤٠٢ -
أسند ابراهيم بن هانىء عن يعلى ومحمد ابنى عبيد ، وقبيصة
وأبى اليمان فى خلق كثير .
وتوفى يوم الأربعاء لأربعٍ خَلَوْن من ربيع الآخر خمس وستين
ومائتین رحمه الله .
٢٨٨ - فتح بن شحرف بنداود
٠٠
ابنمزاحم، أبو نصر الكشى(١)
قال البربهارى : سمعت بن شحرف يقول : رأيت رب العزة
جلّ وعزّ فى النوم فقال: يا فتح احذر لا آخذَك على غرة . قال:
فتهتُ فى الجبال سبع سنين .
وعن رُويم بن أحمد قال: لقينى يوماً الفتح بن شحرف فقال:
يا أبا محمد أنت أمين الله على نفسك لا ترى علىّ شيئاً محتاج إليه،
ولا عندى شىء ترحمك الحاجة إليه فتتخلّف عن أخذه.
وعن محمد بن المسيب قال: قال الامام أحمد بن حنبل: ما أخرجت
خراسان مثل فتح بن شحرف .
وعن الحسين بن يحمى الأرموى قال : كتب فتح بن شحرف
(١) قط - الكيشى.

- ٤٠٣ -
على باب بيته: رحم الله ميتاً دخل على هذا الميت فلم يذكر المولى
عنده إلا بخير.
وقال أحمد بن عبد الجبار : سمعت أبى يقول : صحبت فتح بن
شحرف ثلاثين سنة فلم أره رفع رأسه إلى السماء . ثم رفع رأسه إلى
السماء وفتح عينيه ونظر إلى السماء . ثم قال : قد طال شوقى إليك
فعجّلْ قُدومى عليك .
وعن أبى الحسين(١) الحمادى القاضى قال: سمعت الفتح بن شحرف
يقول : رأيت أمير المؤمنين على بن أبى طالب صلوات الله عليه فى
النوم. فقلت له : يا أمير المؤمنين أوصِ: قال لى: ما أحسَنّ تواضُع
الأغنياء للفقراء ، وأحسَنُ من ذلك تيهُ الفقراء على الأغنياء. قال:
فقلت له : زدنى . فأوماً إلىّ بكفه فإذا فيه مكتوب :
وعن قليل نَصيرُ مَيْتا
قد كنتَ ميتاً فصرْتَ حيّاً
٠
فاتنٍ بدار البغاءِ بَيْا
اغنى بدار الفناء بيت
حدّث الفتح بن شحرف عن رجاء بن مرجا وجعفر ن
عبد الواحد ومحمد بن عبد الملك بن زنجويه وغيرم.
وتوفىّ يوم الثلاثاء للنصف من شوال من سنة ثلاث وسبعين
(١) ق، قط : أبى الحسن.

- ٤٠٤ -
ومائتين . ودفن فى المقبرة التى بين باب حرب وباب قُطر بُل، وصلى
عليه بدر المغازلى .
قال أبو محمد الحريرى(١) غسلتُ الفتح بن شحرف فقلبتُه على يمينه
فاذا على فخذهالأعن مكتوب: خَلقه الله، كتابة بينة قال جعفر: ورأيت
الفتح(١) بن شحرف هذا وكان رجلاً صالحاًزاهداً لم يأكل الخبز ثلاثين
سنة . وكان ذا أخلاق حسنة وكان يطعم الفقراء، ومن يزوره من
الأصحاب، الطعامَ الطّيب. وكان حسَن العبادة والورع والزهد .
عن أبى محمد الحرّيرى(٣) قال: غسلنا الفتح بن شحرف فرأينا على
فخذه مكتوباً ((لا إله الا الله )) فتوهمناه مكتوباً فاذا هو عر ◌ْق داخل
الجلد.
وعن اسحاق بن إبراهيم بن هانى قال: لما مات فتح بن شحرف
ببغداد صلّىَ عليه ثلاثاً وثلاثين مرة. أقلَّ قوم كانوا يصلون عليه
يعّدون خمسة وعشرين ألفاً إلى ثلاثين ألفاً. رحمه الله.
٢٨٩ - أبو اسحاق إبراهيم بن إسحاق الحربى
ولد سنة ثمان وتسعين ومائة . وأصله من مرْو وكان إماماً فى
(١) صف: الجزرى (٢) صف: ((ورأيت أنا فتح))، قط. (أبافتح).
(٣) صف : عن أبى عبد الله الجزرى.

- ٤٠٥ -
جميع العلوم. وله التصانيف الحسان . وكان زاهداً فى الدنيا وكان
يقول: صحبت قومًا من الكرخ فى طلب الحديث فسمونى الحربى
لأن عنده أن من (١) جاوز قنطرة العتيقة من الحربية(١).
وعن أحمد بن عبد الله بن خالد قال: سمعت إبراهيم بن اسحاق الحربى
يقول: أجمع عقلاء كل أمة أنه من لم يُجْر مع القدر لم يتمَّن بعيشه.
كان يكون قميصى أنظفَ قميص وإزاري أوسخَ إزار، ماحدثت نفسى
أنهما يستويان قط وفَردُ عَقِبى مقطوع والآخر صحيح أمشى بهما
وأدور بغداد كلها هذا الجانب وذاك الجانب لا أحدث نفسى أن
أن أصلحها وما (٢) شكوتُ إلى أمّى ولا إلى أختى ولا إلى امرأتى ولا
إلى بناتى: قطّ حمى وجدتها. الرجلُ الذى(٣) يدخل غمّ على نفسه ولا
يغتم عيالَه. وكان برأسى شقيقة(٤) خمساً وأربعين سنة ما أخبرت بها
أحداً قط ، ولى عشر سنين(٥) أبصر بفَرد عين ما أخبرت به أحداً.
وأفنيت من عمرى ثلاثين سنة برغيفين إن جاء تنى بها أمى أوأختى
أكلتُ وإلا بقيت جائعاً عطشان إلى الليلة الثانية . وأفنيت ثلاثين
سنة من عُمرى برغيف فى اليوم والليلة ، إن جاء تنى امرأتى أو إحدى
(١) من الحزبية. خبر أن. ق. ((لأن عندهم ما جاوز)).
(٢) ط : ولا .
(٤) ط: ((وكان بى
(٣) الذى : خبر الرجل
شقيقة)). والشقيقة : وجع يأخذ فى نصف الرأس والوجه .
(٥) ق ، قط : عشرين سنة .

- ٤٠٦ -
بناتى به أكلته وإلا بقيت جائعاً عطشان إلى الليلة الأخرى. والآن
آكل نصف رغيف وأربع عشرة تمرة إن كانت برنياً . أو نيفاًوعشرين
إنْ كاندقَلَا(١). ومرِ ضت أبغى فمضتامرأتى فأقامت عندها شهراً فقام
إفطارى فى هذا الشهر بدرهم ودانقين ونصف ، دخلت الحمام واشتريت
لهم صابونا بدانقين فقام نفقة شهر رمضان كله بدرهم وأربعة(٢)
دوانيق ونصف .
وعن القاسم بن بكير قال سمعت ابراهيم الحربى يقول : ما كنا
نعرف من هذه الأطبخة شيئاً. كنت أجىء من عشاء إلى عشاء وقد
هَيَأْت لى أمى باذنجانةً مشويةً أو لمْقةً بنٍ أو باقة فِجْلٍ .
وقال أبو بكر بن علىّ الخرّاط: كنت يوماً جالساً مع ابراهيم بن
اسحاق على باب داره فلما أن أصبحنا قال لى: ياأبا علىّ قم إلى شغلك
فان عندى فجلةً قدأ كلت البارحة خضرتها أقوم أتغدّى بجزرتها .
وعن أبى عثمان الرازى قال : جاء رجل من أصحاب المعتضد إلى
إبراهيم الحربى بعشرة آلاف درهم من عند المعتضد يسأله عن أمر أمير
المؤمنين يفرّق(٣) ذلك فردّه. فانصرف الرسول ثم عاد فقال: إن
أمير المؤمين يسألك أن تفرّقه فى جيرانك . فقال: عافاك الله هذامالٌ
لم نشغل أنفسنا يجمعه فلا نشغلُها بتفرقته، قل لأمير المؤمنين . إن
(٢) ط : وأربع ، غلط .
(١) الدقل ( بفتحتين): أردأ التمر .
(٣) ق : يفرقه .
٠

- ٤٠٧ -
تركتنا وإلا تحولنا من جوارك.
وعن أبى القاسم الجبلى قال: اعتلّ إبراهيم الحربى علة حتى أشرف
على الموت فدخلتُ اليه يوماً فقال لى: يا أبا القاسم أنا فى أمر عظيم
مع ابنى ثم قال لها: قومى اخرجى الى عمك فخرجت فألمت على
وجهها خمارها . فقال لها ابراهيم: هذا عمك كلميه . فقالت لى: ياعمّ
نحن فى أمر عظيم لا فى الدنيا ولا فى الآخرة، الشهر والدهر ، مالنا
طعام إلاكسيرَ يابسة ومِلْح وربما عدمنا الملح وبالأمس قدوجه اليه
المعتضد مع بدر بألف دينار فلم يأخذها ووجه اليه فلان وفلان فلم
يأخذ منهما شيئاً وهو عليل.
فالتفت الحربى إليها وتبسم وقال: يا بنية إنما خفت الفقر ؟ قالت
نعم. قال: انظري إلى تلك الزاوية فنظرت فإذا كتب. فقال: هناك
اثنا عشر ألفَ جزءلغةٍ وغريبٍ كتبتُهُ بخطى إذا متّ فوجهى كل
يوم يجزء فبيعه بدرهم، فمن كان عنده اثنا عشر ألف درهم فليس
(١)
هو فقير (١).
وقال أحمد بن سليمان القطيعى : أضقت إضافة فمضيت إلى ابراهيم
الحربى لأ بته ما أنا فيه . فقال لى: لا يضيق صدرك فان الله من وراء
المعونة. إنى أضقت مرة إلى أن انتهى أمرىٍ فى الإضافة إلى أنْ
(١) كذا فى ق وفى ط : ليس هو فقير .

- ٤٠٨ -
عدمَ عيالى قُوتهم ، فقالت لى الزوجة: هب أنى واياك نصبر ،
فكيف نعمل بها تين الصّيتين؟ فهات شيئاً من كُتبك حتى نبيعه أونرهنه .
فضتنت بذلك فقلت : افترضى لهما شيئاً وأنظرينى بقية اليوم والليلة .
وكان لى بيت فى دهليز دارى فيه كُتبى وكنت أجلس فيه للنسخ
والنظر .
فلما كان فى تلك الليلة إذا داقّ يدق الباب فقلت : من هذا ؟ فقال :
رجل من الجيران. فقلت. ادخل فقال: أطفىء السراج حتى أدخل فكبيتُ
على السراج شيئاً وقلت : ادخل فدخل وترك إلى جانبى شيئاًوانصرف.
فكشفت على السراج ونظرت فاذا منديل له قيمة وفيه أنواع من
الطعام وكاغذ(١) فيه خمسمائة درهم . فدعوت الزوجة وقلت : أنبهى
الصبيان حتى يأكلوا .
ولما كان من الغد قضينا ديناً كان علينا من تلك الدراهم. وكان وقت
مجىء الحاجّ من خراسان فجلست على بانى من غدٍ تلك الليلة فاذا جمال
يقود جملين عليهما حملان ورقاً وهو يسأل عن منزل إبراهيم الحربى.
فانتهى إلى ، فقلت أنا إبراهيم الحربى فحط الحملين وقال هذان الحملان
أنفذهما لك رجل من أهل خراسان . فقلت من هو ؟ فقال : قد
استحلفنى ألاّ أقول مَن هو.؟
وعن ثعلب قال: ما فقدت إبراهيم الحربى من مجلس نحوٍ أو لغةٍ نحو
خمسين سنة .
(١) ق: ((وكاغد)) بالدال وهالفتان ومعناه القرطاس، فارسى معرّ ب.

- ٤٠٩ -
وعن محمد بن صالح الأعاطى قال: لا نعلم أن بغداد أخرجت مثل
إبراهيم الحربى فى الأدب والحديث والفقه والزهد .
وقال أبو الحسن المتكى: سمعت إبراهيم الحربى يقول لجماعة عنده:
من تعدّون الغريبَ فى زمانكم هذا ؟ فقال واحد منهم : الغريب من
نأى عن وطنه. قال آخر: الغريب من فارق أحبابه وقال كل واحد (١)
منهم شيئاً. فقال إبراهيم : الغريب فى زماننا رجل صالح عاش بين
قوم صالحين، إنْ أمر بالمعروف آزروه، وإن نهى عن المنكر أعانوه
وإن احتاج إلى شىء من الدنيا ما نوه، ثم ماتوا وتركوه .
وعن مقاتل بن محمد بن بنان العتكي قال : حضرت مع أبى وأخى
عندأ . حاق، يعنى إبراهيم الحربى، فقال إبراهيم لأبى : هؤلاء
أولادك؟ قال نعم. قال: احذر لا يرونك حيث نهاك الله فتسقط
من أعينهم
وعن محمد بن خلف وكيع قال : كان لابراهيم الحربى ابن، وكان
له إحدى عشرة (٢) سنة، حفظ القرآن، ولقّنه من الفقه شيئاً كثيراً
قال : فات. فجئت أعزّيه . فقال : كنت أشتهى موت ابى هذا .
قال: قلت يا أبا اسحاق أنت عالم الدنيا تقول مثل هذا فى صبى
قد أنجبَ (٣) ولقنته الحديث والفقه؟ قال: نعم رأيت فى النوم كأن
(٢) فى النسخ: ((إحدى عشر)) والصواب ما أثبتاه
(١) ط : أحمد .
(٣) كان نجيباً .

- ٤١٠ -
القيامة قد قامت وكأن الصبيان بأيديهم قلالٌ فيها ماء يستقبلون الناس
يسقونهم، وكان اليوم يوماً حاراً شديداً حرُّه. قال: فقلت لأحدهم:
اسقنى من هذا الماء. قال: فنظر الىّ وقال: ليس أنت أبى. فقلت :
أى شىء أنتم؟ قال: فقال نحن الصبيان الذين متنا فى دار الدنيا وخلفنا
آباءنا. نستقبلهم فنسقيهم الماء. قال: فلهذا عنّت موته .
وعن عيسى بن محمد الطومارى قال: دخلنا على إبراهيم الحربى وهو
مريض، وقد كان يحمل ماؤه إلى الطبيب. فجاءت الجارية وردّت
الماء وقالت : مات الطبيب فبكى وأنشأ يقول .
إذا مات المعالج من سّقامى فيوشك للمعالج أن يموتا
وعن على بن الحسن البزار قال: سمعت إبراهيم بن اسحاق الحربى
يقول، وقد دخل عليه قوم يعودنه، فقالوا: كيف تجدك يا أبا اسحاق
قال : أجدني كما قال الشاعر :
دبّ فىّ البلاءُ سَفْلًا وُعْلُوا وأرانى أموتُ عضواً فعْضوا
٠٠
ذهبت جدنى بطاعة نفسى وتذكرت طاعةَ الله نفْوا
أسند إبراهيم الحربى عن أبى نعيم الفضل بن دُكين، وعفان،
ومسدّد، وأحمد بن حنبل وخلقٍ كثير لا يحصون.
وتوفى ببغداد سنة خمس وثمانين ومائتين . وقبره ظاهر يتبرّك
الناس به : رحمه الله .

- ٤١١ -
٢٩٠ - يحيى الجلاء
كان من خيار الناس . وصحب بشر بن الحارث .
قال محمد بن الحسين بن الحسن: سمعت أبا عبد الله بن الجلاء قال:
قلت لذى النون: لمَ سمىّ أبى الجلاءَ؟ أ كان يصنع صنعة؟ قال: لانحن
سميناه الجلاء، كان إذا تكلّ علينا جلا قلوبنا .
وعن أبى عبد الله أحمد بن بحى الجلاء قال: مات أنى، فلما وُضْع
فى المغسل رأيناه يضحك. فالتبس على الناس أمره فجاؤوا بطبيب
وغطّوا وجهه. فأخذ مجته فقال: هذا ميت. فكشفوا عن وجهه
انثوب فرآه يضحك. فقال الطبيب: ما أدرى أحىّ هو أم ميت ؟
فكان إذا جاء أنسان ليغسله لبسته منه هيبة لا يقدر على غسله حتى
جاء رجل من إخوانه فغسله وكفنه ، وصلى عليه، ودفن .
٢٩١ - أبو إبراهيم(١) السائح
عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: كان فى دهليزنادكان [وكان]
إذا جاء انسان يريد أبى (٢) أن يخلو معه أجلسه على الدكان، وإذا لم
يرد أن يخلو معه أخذ بعضادتى الباب وكلّمه.
فلما كان ذات يوم جاءنا إنسان فقال لى: قل له : أبو ابراهيم
السائح فجلسنا على الدكان فقال لى أبى: سلمّ عليه فانه من كبار المسلمين
(٢) كلمة ((أبى)) ساقطة من ط .
(١) ق: إبراهيم.

- ٤١٢ -
أو من خيار المسلمين فسلّمت عليه فقال له أبى: حدثنى يا أبا إبراهيم.
فقال له أبو إبراهيم: خرجت إلى الموضع الفلانى بقرب الدير الفلانى
فأصابتنى علة منعتنى من الحركة فقلت فى نفسى : لو كنت بقرب
الدير لعل من فيه من الرهبان يداوينى فاذا أنا بسبع عظيم يقصد نحوى
حتى جاءنى فاحتملنى على ظهره حملاً رفيقاً حتى ألقانى عند الدير.
فنظر الرهبان إلى حالى مع السبع فأسلموا كلّهم وهم أربعمائة
راهب - رحمه الله -
١
٢٩٢ - اسمعیل بن يوسف أبو علي
المعروف بالديلمى
جمع بين العلم والعبادة والحديث وجالس أحمد بن حنبل . وحدث
عن مجاهد بن موسى.
عن أبى الحسين بن المنادى قال كان إسمعيل الديلمى من خيار الناس.
وذُكر لى أنه كان يحفظ أربعين ألف حديث .
قالوا: وكان يعبر إلى الجانب الشرقى قاصداً محمد بن اشكاب الحافظ،
فيذا كره بالمسند .
وكان اسمعيل من أشهر الناس بالزهد والورع والتميز بالصَّوْن(١)
وأما مكسبه فكان من المشاهرة (٢) فى الارحاء.
(١) قط: بالتصوف، ق. ((والتميز بالفنون)).
(٢) صف المساهرة .
:

- ٤١٣ -
وعن أبى على الابرارى قال: قلت لاسمعيل الديلمى: تُشْهِر في هذه
الأرحاء بثلاثة دراهم؟ وأىّ شىء تكفى ثلاثة(١) دراهم فقال يابنى
ما لم يتصل بنا عِزّ التوكل فلا ينبغى أن نستعجل الذل بالتشرّف (٢)
وعن كردان قال : قال لى اسمعيل الديلمى اشهيت حُلْواً وبلغت(٣)
شهوته إلىّ فخرجت من المسجد بالليل لأبولَ ، فاذا جنبتى الطريق
أخاوين(٤) حلواً فنوديت يا إسمعيل هذا الذى اشتهيت، فان تركته فهو
خيرلك. فتركُته.
قال ابن مخلد: وقد كتبت أنا عن كردان كان يكون فى قنطرة
بنى زريق وقد رأيت اسمعيل الديلمى وكان ماشئت من رجل ، رأيته
عندأبى جعفر بن اشكاب.
قال المعافى اسمعيل : هذا من خيار الناس (٥).
والناس يزورون قبره وراء قبر معروف الكرْخى ، وبينهما
قبور يسيرة، وقد زرته مراراً . وحدثنى بعض شيوخنا عنه أنه كان
(١) أشهر فى المكان يشهر: أقام فيه شهراً. ط: ((تسهر فى هذه الأرحاء
بثلث درهم، وأى شىء يكفى ثلث درم)).
(٢) ق : بالشرف .
(٣) ط : وأبلغت .
(٤) الأخاوين : جمع أخونة، وهذه جمع خوان : وهو ما يوضع عليه الطعام
(٥) ق ، قط : المسلمين.
عند الأكل .

- ٤١٤ -
حافظاً للحديث ، كثير السماع وإنه كان يذاكر بسبعين(١)
ألف حديث .
٢٩٣ - زكريا بن يحيى بن عبد الملك
أبو يحيى الناقد
کان من كبار الأخيار .
عن محمد بن جعفر بن سام قال: لوقيل لأبى يحيى الناقد غداً تموت
ما ازداد فى عمله .
وقال أبو زرعة الطبرى: قال أبو يحيى الناقد اشتريت من الله تعالى
حوراء بأربعة آلاف ختمة. فلما كان آخر ختمة سمعت الخطاب من
الحوراء تقول: وفيت بعهدك فها أنا الذى اشتريتنى فيقال انه مات
عن قريب .
أسند أبو يحى الناقد عن خالد بن خداش، وفضيل بن عبد الوهاب
وأحمد بن حنبل فى آخرين .
وكان أحمد يقول فيه: هذا رجل صالح.
وتوفى ليلة الجمعة لثمانٍ بقين من شهر ربيع الآخر سنة خمس
ومانين ومائتين.
(١) قط : بتسعين.

- ٤١٥ -
٢٩٤ - أبو بكر الى قاق واسمه محمد بن عبد الله
عن الحسن بن أحمد بن عبد العزيز قال: سمعت الرقاق يقول : لى
تسعين سنة أرُبَّ هذا الفقر من لم يصحبه فى فقره الورَع أكل
الحرام النص(١) .
محمد السراج قال: قال جنيد رأيت ابليس فى منامى((وكأنه عريان
فقلت له : ما تستحى من الناس ؟ فقال: بالله هؤلاء عندك من الناس ؟
لو كانوا من الناس ما تلاعبتُ بهم كما يتلاعب الصبيان بالكرة
ولكن الناس غيرُ الناس فقلت له : ومن هم؟ قال قوم فى مسجد
الشونيزى قد أضنوا قلى وانحلوا جسمى كلما هممت بهم أشاروا
إلى الله تعالى فأ كاد أحترق.
قال جنيد: فانتبهت ولبست ثيابى وجئت إلى مسجد الشونيزى وعلى
ليل. فلما دخلت المسجد إذا أنا بثلاثة أنفس جلوس ورؤوسهم فى
مرقّاتهم فلما أحسو ابى قد دخلت أخرج أحدهم رأسه وقال: يا أبالقاسم
و٠
أنت كلما قيل لك شىء تقبل.
قال ابن جهضم: ذكرلى أبو عبد الله بن جامار أن الثلاثة الذين كانوا
فى مسجد الشونيزى: أبو حمزة وأبو الحسين النورى، وأبو بكر الرقاق
(١) كذا فى النسخ.

- ٤١٦ -
٢٩٥ - أبو يعقوب الزيات
قال الجنيد بن محمد : دققت على أبى يعقوب الزيات بابه فى جماعة
من أصحابنا ، فقال: ما كان لكم شغل فى الله يشغلكم عن المجىء إلىّ؟
قال الجنيدُ فقلت له: إذا كان مجيئنا إليك من شغلنا به لم ننقطع(١) عنه
ففتح الباب .
وقال يوماً لبعض المريدين: أتحفظ (٢) القرآن؟ فقال: لا . فقال:
واغوثاه ، باللّهِ مريدٌ لا يحفظ القرآن كأنرتجةٍ لاريح لها فيم يتنعم؟
فيم يترنم ؟ فیم یناجى ربه؟(٣) [ رحمه الله].
٢٩٦ - الجنيد بن محمد بن الجنيد
أبو القاسم الخزاز القواريرى، كان أبوه يَبيعُ الزّجاجُ وكان
هو خزّازاً وأصله من نهاوند إلا أن مولده ومنشأه ببغداد.
عن جعفر الخلدى قال الجنيدذات يومٍ : ما أخرجَ الله إلى
الأرض علماً وجعل للخلق إليه سبيلاً إلا وقد جعل لى فيه حظاً و نصيباً.
قال الخلدى : وبلغنى عن الجنيد أنه كان فى سوقه، وكان ورده
فى كلّ يوم ثلاثمائة ركعةٍ وثلاثين ألفَ تسبيحة .
(١) ط : لم تقطع .
(٢) ق . يحفظ .
(٣) ط. ((لا ريح فيها. فيما يتنعم، فيما يترنم، فيما يناجى ربه)).

- ٤١٧ -
وعنه قال : كان الجنيد عشرين سنة لا يأكل إلا من الأسبوع
إلى الأسبوع، ويصلّى كل يوم أربعمائة ركمة .
وعنه قال : لم نرَ فى شيوخنا من اجتمع له علم وحال غير أبى القاسم
الجنيد، ولا(١) أكثرم کان يكون له علم كثير ولا يكون له حال،
وآخر كان يكون له حال كثير وعلم يسير ، والجنید کانت له حال
خطيرة وعلم غزير (٢) فإذا رأيتَ حاله رجّحَتَه على علمه ، وإذا رأيتَ
علمه رجحته على حاله .
وعن أبى محمد المر تعش قال: قال الجنيد: كنتُ بین یدی سری
السقطى ألْسب، وأنا ابن سبع سنين ، وبين يديه جماعة يتكلمون
فى الشكر فقال لى: ياغلام ما الشكر؟ فقلت: ألاّ تعصى الله بِنِسَه.
فقال لى: أخشى أن يكون حظك من الله لسانك - قال الجنيد فلا أزال
أبكى على هذه الكلمة التى قالها السرىّ لى.
وعن أبى الحسن المجلسى(٣) قال: قيل(٤) للجنيد: ممن استفدت
هذا العلم؟ قال : من جلوسى بين يدى الله تعالى ثلاثين سنة محت
تلك الدرجة . وأومى إلى درجة فى داره .
قال السلمى: وسمعت جدى اسماعيل بن تجيد يقول: كان الجنيد
(١) ط : وإلا .
(٣) صف : المجلى ، قط : المجلى.
(٢) قط: علوم غزيرة.
(٤) قط : قلت .
(م ٢٢ - صفة الصفوة )

- ٤١٨ -
يجىء كل يوم إلى السوق فيفتح حانوته فيدخله ويسبل الستر ويصلى
أربعمائة ركعة . ثم يرجع إلى يته.
وعن أحمد بن عبد الحميد السامرى قال: سمعت الجنيد بن محمد يقول
معاشرَ الفقراء إنما عُرفتم بالله وتُكرمون له، فإذا خلوتم به فانظروا
کیف تکو نونمعه؟
وعن أبى الطيب بن الفرحان قال : سمعت الجنيد يقول : علامة
إعراض الله عن العبد(١) أن يشغله بما لا يعنيه.
وعن حامد بن إبراهيم قال: قال الجنيد بن محمد : الطريق إلى الله
مسدود على خلق الله عز وجل، إلا على المقتفين آثارَ رسول الله عَ ليهِ،
والتابعين لسّته، كما قال الله عزّ وجل ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسولِ
الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ))(٢).
وعن خير قال: كنت يوماً جالساً فى بيتى فخطر لى خاطرٌ أن
أبا القاسم جنيداً بالباب أخرج إليه فنفيت ذلك عن قلى وقلت :
وسوسة. فوقع لى خاطر ثان يقتضى مّي الخروج: إن جُنيداً (١) على
(١) صف : إعراض العبد عن الله.
(٢) الأحزاب ؛ ٢١ .
(٣) ط الجنيد

- ٤١٩ -
الباب فأخرج إليه: فنفيت ذلك عن سرّى فوقع لي خاطر ثالث
فعلمت أنه حق وليس بوسوسة . ففتحت الباب فإذا أنا] بالجنيد
قائم، فسلم على وقال: ياخير ألا خرجت مع الخاطر الأول؟
وعن أبى محمد الحريرى قال: سمعت الجنيد يقول: لقد مشى رجال"
باليقين على الماء، ومات بالعطش أفضل منهم يقيناً .
وعن أبى عمرو بن علوان قال : خرجت يومًاً إلى سوق الرّحبة
فى حاجة فرأيت جنازة فتبعتها لأصلّى عليها . ووقفت حتى يدفن الميت
فى جملة(١) الناس فوقعت عينى على امرأة مسفرة من غير تعمّد، فألححت
بالنظر واسترجعت واستغفرت الله تعالى، وعدت إلى منزلى فقالت
لى عجوز: ياسيدى مالى أرى وجهك أسود فأخذت المرآة فنظرت
فإذا وجهى أسود. فرجعت إلى سِرّى أنظر من أين ◌ُهيت؟ فذكرت
النظرة، فانفردت فى موضع أستغفر الله وأسأله الإقالة أربعين يوماً
فخطر فى قلبى أن زُرْ شيخَك الجنيد . فانحدرت إلى بغداد فلما جئت
الحجرة التى هو فيها طرقت الباب فقال لى: ادخل يا أبا عَمرو، تَذنب
بالرجبة ونستغفر لك ببغداد .
وعن أبى بكر محمد بن أحمد قال سمعت الجنيد يقول: فتح كلَّ
باب وكلَّ علم نفيس بذْلُ المجهود.
(١) صف: جماعة.

- ٤٢٠ -
وعن أحمد بن عطاء قال : قال الجنيد: لولا أنه يروى أنه يكون فى
آخر الزمان زعيمُ القوم أرذلهَم ما تكلمت عليكم .
وعن أبى القاسم المطرز قال: سمعت الجنيد بن محمد يقول: أضرُّ
ما على أهل الديانات الدعاوى .
وعن أبى بكر المفيد قال: سمعت الجنيد يقول : احذر أن تكون
ثناء منشوراً وعيبًا مستوراً .
وعن العباس بن عبد الله قال: سمعت الجنيد بن محمد يقول: المروءةُ
احتمالُ زُكلِ الأخوان .
وعن أبى القاسم النقاش قال : سمعت الجنيد يقول : الانسان
لا يعاب بما فى طبعه إنما يعاب إذا فعل ما ينافى طبعه .
وسأله رجل: كيف الطريق إلى الله؟ فقال: توبةٌ تحلّ الإصرار،
وخوف يُزيل الغرّة ورجاء مُزعج (١) إلى طريق الخيرات، ومراقبةٌ
الله فى خواطر القلوب .
وقال أبو الحسن: سمعت الجنيد يقول: ليس يتّسع علىّ مايرد
علىّ من العالم (٣)، لأنى قد أصّت أصلاً وهو أن الدار دار نغمّ وقم
وبلاء وفتنة وأن العالم كله شر، ومن حُكمه أن يتلقاًفى بكل
(١) صف: مزعج . ومعناه يقلقه ويقلمه من مكانه
(٢) ق : ما يرد على العالم.