Indexed OCR Text

Pages 381-400

- ٣٨١ -
الحقيقة، فأنا عند منافرتى مستخي ، وأنا عند اقتضاء العلم محجوج.
وعن الجنيد قال: سمعت السرىّ يقول: وودت أن حزن الخلق
كلهم على. وسمعته يقول: إن فى النفس لشغلا عن الناس .
وعن محمد بن على الحربى قال سمعت سرياً يقول : حمدت الله مرة
وأنا أستغفر الله من ذلك الحمد منذ ثلاثين سنة . قيل: وكيف ذلك؟
قال : كان لى دكّان وكان فيه متاع ، فوقع الحريق فى سوقنا فقيل لى ،
فخرجت أتعرّف خبرد كانى، فلقيت رجلا فقال أبشر فإن دكّانك
قد سلِمٍ. فقلت: الحمد لله. ثم أفكرت فرأيتها خطيئة .
وعن الجنيد بن محمد قال : دخلت على سرىّ السقطى فسلمت
وجلست فقال لى : اقربْ منى. فقربت منه فأخذ بيدى وقال لى :
اعلم يابني أن الشوق والأنس يرفرفان على القلب، فإن وجدا هنالك
الهيبة والإجلال حلاً وإلّ رحَلا .
وعن ابن مسروق قال: سمعت سرياً يقول: ثلاثٌ من كنّ فيه
استكمل الإيمان: من إذا غضب لم يُخرجه غضبه عن الحق ، وإذا رضى
لم يخرجه رضاه إلى الباطل ، وإذا قدرَ لم يتناول ما ليس له .
وعن جنيد قال: سمعت سرياً يقول: إذا فاتنى شىء من وردى لم
أقدر أن أعيده .

- ٣٨٢ -
قال جنيد : كان سرىّ متصل الشغل وكان إذا فاته شىء لا يقدر
أن يعيده ، وكذا كان عمر بن الخطاب لم يكن له وقت ينام فيه ،
فكان ينعس وهو قاعد، فقيل له : يا أمير المؤمنين ألا تنام؟ فقال :
كيف أنام؟ إن نمت بالنهار ضيّعت أمور المسلمين ، وإن نمت بالليل
ضيّعت حظى من الله عز وجل .
وعنه قال: أخبرنا سرى السقطى قال: صلّيت ليلة ثم جلست
ساعة ومددت رجْلى. فنوديت فى سرّى: ياسَرِىّ من جالس الملوك
ينبغى أن يحسن(١) الأدب.
وعن حسن البزار قال : كان أحمد بن حنبل هاهنا ، وكان بشر بن
الحارث ههنا ، وكنا نرجو أن يحفظنا الله بهما. ثم ماتا وبقىَ سرىّ
فانى أرجو أن يحفظنا الله بسرىّ .
وعن الجنيد قال: ما رأيت أعبدَ الله من السرىّ السقطى. أتت
عليه ثمان وسبعون سنة مارُبى مضطجعاً إلّ فى علّ الموت.
وعن القاسم بن عبد الله البزار قال: سمعت سرىّ بن المغلس يقول:
لو أن رجلاً دخل إلى بستان فيه من جميع ما خلق الله تعالى من
الأشجار ، عليها من جميع ما خلق الله تعالى من الأطيار، فخاطبه كل
(١) صف : يلزم.

- ٣٨٣ -
طائر منها بُغَتِهِ وقال: السلام عليك ياولّى الله فسكنت نفسه إلى ذلك،
كانت فى يدها أسيراً .
وعن إبراهيم بن السرى السقطى قال : سمعت أبى يقول: عجبت
لمن غَدا وراحَ فى طلب الأرباح وهو مثلَ نفسه لا يريح أبداً. وسمعت
أبى يقول: لو أشفقت هذه النفوس على أديانها شفقتها على أولادها
لاقت السرور فى مَعادها .
وعن الجنيد بن محمد قال: سمعت سرياً يقول: لولا الجمعة والجماعة
لسددتُ على نفسى الباب ولم أخرج
وعن ابن مسروق قال: سمعت سريًا يقول لإخوانه: الدهر ثلاثة
أيام، يوم مضى بؤسُه وشدته وغمّه لم يبق منه شىء ، واليوم الذى
أنت فيه صديق مودع لك طويل الغيبة عنك ، سريع الرحلة عنك،
وغداً فى يديك تأميله، ولعلك من غير أهله .
وقال: أمسِ أجلٌ واليومَ عمل ، وغداً أمل .
وقال الجنيد: كنت نائماً عند سرىّ رحمه الله فأنبهنى فقال لى:
يا جُنَيد رأيت كأنّى قد وقفت بين يدى الله تعالى ، فقال لى: ياسریّ
خلقت الخلق فكلهم ادعى محبتى ، وخلقت الدنيا فهرب منى تسعة
أعشارم وبقى معى العشر، وخلقت الجنة فهرب منى تسعة أعشار
العُشر وبقى معى عُشر العُشر، فسلطت عليهم ذرّة من البلاء فهرب منى

- ٣٨٤ -
تسعة أعشار عُشرِ العُشر، فقلت الباقين معى، لا الدنيا أردتم ولا الجنةً
أخذتم، ولا من النار هربتم، فماذا تريدون؟ قالوا: إنك تعلم مانريد.
فقلت لهم: فإنّى مسلّط عليكم من البلاء بعدد أنفاسكم. ما لاتقوم له
الجبال الرواسى ، أتصبرون؟ قالوا: إذا كنت أنت المبتلى لنا فافعلْ
ما شئت. فهؤلاء عبادى حقاً .
وعنه قال: كنت يوماً عند السرىّبن مغلس وكنا خاليين(١) وهو
متزّر بمنزر فنظرت إلى جسده كأنه جسد سقيم دَنِفِ مُضنى كأجهد
ما يكون. فقال : انظر إلى جسدى هذا لوشئت أن أقول إنمابى من
المحبة لله تعالى(٢) لكان كما أقول. وكان وجهه أصفر ثم أُشرب حمرةً
حتى تورّد. ثم اعتل. فدخلت عليه أعوده فقلت له: كيف تجدك فقال:
كيف أشكو إلى طبيبى مابى؟ والذى بى (٢) أصابنى من طبيبى
فأخذت المِرْوَحة أروحهُ فقال لى؟ كيف يجد روح المروحة مَن
جوفُه يحترق من داخل؟. ثم أنشأ يقول :
والكرب مجتمع ، والصبر مفترقَ
القلب محترقٌ والدمعُ مستبقٌ
مماجناه الهَوى (٥) والشوق والقلق؟
كيف القَرار على من لاقرار له(٤)
(١) صف: جالسين، قط: ونحن خالون.
(٢) الجار والمجرر ( من المحبة ) خبر إن .
(٣) صف : والذى قد .
(٥) صف : الهوى .
(٤) ط : الفرار على من لا فرار له .

- ٣٨٥ -
فامین علی به بی ما دام بی رمق
یا رَبّ إن کان شئء فیه لی فرَج
وعنه قال : دخلت على سرى السقطى وهو فى النزع ، فجلست
عند رأسه فوضعت خدّى على خده فدمعتْ عيناى فوقع دمعى على
خدّه ففتح عينيه فقال لى: من أنت؟ قلت : أنا خادمك الجنيد. فقال:
مرحباً. فقلت له : أيها الشيخ أوصنى بوصية أنتفع بها بعدك. قال:
اياك ومصاحبة الأشرار وأن تنقطع عن الله بصحبة الأخيار .
وقد رواها جعفر الخلدى عن الجنيد أيضا .
أسند سرى عن هشيم وأبى بكر بن عياش ويزيد بن هارون
وغيرهم . وصحب معروفاً الكرخى .
قال أبو عبيد على بن الحسين بن حرب القاضى : توفى سرى بن
المغلس يوم الثلاثاء لستّ خلوْن من رمضان سنة ثلاث وخمسين
وما ئتين .
وعن أبى الحسن(١) بن مقسم المقرى قال: مات سرى سنة إحدى
وخمسين وما ئتين .
وقال المصنف رحمه الله: والأول أصحّ .
وعن أبى عبيد بن حربويه قال: حضرت جنازة سرى السقطى
(١) صف: وعن الحسن.
( م ٢٥ - صفة الصفوة)
.............
.........
............... ". . "-
..--......
..........
.... .... ..... ........ ..... ..

- ٣٨٦ -
فسررت فحدثنا رجل عن آخر أنه حضر جنازة سرى السقطى فلما
كان فى بعض الليل رآه فى النوم فقال له: ما فعل الله بك قال: غفر لى
ولمن حضر جنازتى وصلى على فقلت: فانى ممن حضر جنازتك وصلى
عليك قال: فأخرج درجا فنظر فيه فلم يرلى فيه اسمًا فقلت : بلى قد
حضرت قال : فنظر فإذا اسمى فى الحاشية ، رحمه الله ورضى عنه.
٢٧٣ - على بن الموفق، أبو الحسن العابد
عن محمد بن أحمد بن المهدى قال : سمعت على بن الموفق، ما لا
أحصيه ، يقول: اللهم إن كنت تعلم أنى أعبدك خوفاً من نارك فعذّ بنى
بها، وإن كنت تعلم أنى أعبدك حباً منى لجنتك(١) وشوقاً منى إليها
فاحْرمْينها ، وإن كنت تعلم أنى أعبدك حباً منى لك وشوقاً منى إلى
وجهك الكريم فأنجنيه واصنع بى ما شئت .
قال : وسمعته يقول : خرجت يومًاً لأؤذن فأصبحت قرطاساً
فأخذه ووضعته فى كمى وأقمت وصلّيت فلما صلّيت قرأته فاذا
فيه مكتوب :
((بسم الله الرحمن الرحيم. يا علىّ يا بن الموفق ، تخاف الفقر
وأنا رّك؟)).
وعن عبد الله بن العباس الطيالسى قال: سمعت عليّ بن الموفق
(١) ط : إلى جنتك .

;
- ٣٨٧ -
يقول: قام رجل من إخوانكم فى ليلة باردة فلما تهياً للصلاة إذا شقاقٌ"
فى يديه(١) ورجليه فبكى، فهتف به هاتف من البيت أيقظناك وأغنام
وتبكي علينا .
وعن عبد الرحمن بن عبد الباقي بطرسوس قال : سمعت بعض
مشايخنا يقول: قال على بن الموفق: لما تمّ لى ستّون حجة خرجت من
الطواف وجلست بحذاء الميزاب وجعلت أتفكر لا أدرى أىّ شىء
حالى عند الله، وقد كثر ترددى إلى هذا المكان. قال: فغلبتْنى عينى ،
فكأن قائلا يقول: يا علىّ أتدعو إلى بيتك إلاّ من تحبه؟ فانتبهت
وقد سُرِّىَ عنى ما كنت فيه .
وعن محمد بن اسحاق السراج قال: سمعت على بن الموفق يقول :
حججت نيّفاً وخمسين حجّة فنظرت إلى أهل الموقف وضجيج أصواتهم
فقلت : اللهم إن كان فى هؤلاء أحد لم يُتُقبّلْ حجُّه فقد وهبت(٢)
حجّتى له . فرحت إلى مزدلفة فبت بها فرأيت ربّ العزة تعالى فى
المنام فقال لى: يا على يا بن الموفق تنسخّى علىّ ؟ قد غفرت لأهل
الموقف ولأمثالهم وشفعت كلّ واحد منهم فى أهل بيته وعشيرته
وذريته ، وأنا أهل التقوى وأهل المغفرة .
(١) الشقاق: تشقق يصيب أرساغ الدواب ... وتقول: (( بيد فلان ورجله
شقوق)) ولا تقل شقاق ( أقرب الموارد ).
(٢) ط: (( لم تقبل حجته فقد ذهبت)) ففى الكلمة الأخيرة تصحيف

- ٣٨٨ -
وعن أحمد بن عبد الله الحفار قال : رأيت أحمد بن حنبل فى النوم
فقلت : يا أبا عبد الله مافعل الله بك؟ قال: حبانى وأعطانى وقرّبنى
وأدنانى. قال: قلت: الشيخ الزَّمِن علىّ بن الموفق ماصنع الله به؟ قال:
الساعة تركتُه فى زُلال يريد العرش.
قال المؤلف : أسند ابن الموفق عن منصور بن عمار وأحمد بن
أبى الحوارى.
و توفى سنة حمس وستین ومائتین . رحمه الله.
٢٧٤ - أبو شعيب البراثى العابد
قال الجنيد بن محمد: أبو شعيب البرَانى أول من سكن براثا(١) فى
كوخ يتعبّد فرّت بكوخه جارية من بنات الكبار أبناء الدنيا فتجرّدت
مما كانت فيه وتزوجت به. مكثا سنين كثيرة يتعبّدان أحسن عبادة.
وتُوقّياً على ذلك متعاونين رحمهما الله.
٢٧٥ - أبو عبد الله بن أبى جعفر البراثى
عن أبى مريم قال: قلت لأبي عبد الله البرانى: كَمْ تبكى؟ كم هذا
البكاء(٢) ؟ فأخرج إلىّ يده وإذا على أصبعه شعرة ملفوفة، فنشرها ثم
قال: إذا كان المجاز على مثل هذه فأىّ قدمٍ يثبت على مثل هذا؟ ثم بكى.
(١) براثا ( يفتح الباء): محلة كانت فى طرف بغداد فى قبلة الكرخ.
(٢) ط: (( لم تبكى، لم هذا البكاء)).

- ٣٨٩ -
وعن حكيم بن جعفر قال : سمعت أبا عبد الله البرائى يقول : لن
يرد القيامة أرفعُ دَرجةً من الراضين عن الله على كل حال ، ومن وهب
له الرضا فقد بلغ أفضل الدرجات ، ومن زهد على حقيقة كانت مُؤنته
خفيفة، ومن لم يعرف ثواب الأعمال ثقلت عليه فى جميع الأحوال .
وعنه قال: سمعت أبا عبد الله البراني يقول: كرمك أطمعنا سيّدى
فى عفوك، وجودُك أطمعنا فى فضلك، وذنوبنا قد تؤيسنا من ذلك،
وتأبى قلوبنا لمعرفتها بك أن تقطع رجاءها بك منك ، فتفضّل أيها
الكريم وجُد بعفوك يارحيم.
وعنه قال : سمعت أبا عبد الله البرائى يقول: بالمعرفة هانت على
العاملين العبادة وبالرضا عن الله عز وجل فى تدبيره زهدوا فى الدنيا
ورضوا منها لأنفسهم بتقديره .
وعنه قال: سمعت أبا عبد الله البرائى يقول: من كرمت نفسه عليه
رغب بها عن الدنيا .
وعن البرجلانى قال: سمعت أباعبد الله البرائى يقول: حملتنا المطامع
على أسوأ الصنائع ، نذلّ لمن لا يقدر لناعلى ضَررٍ ولا على نفع، وتخضع
٥
لمن لا يملك لَنَا رزْقاً ولاحياة ولاموتاً ولا نشوراً، فكيف أزعم أنى
أعرف ربى حقّ معرفته وأنا أصنع ذلك؟ هيهات هيهات .

- ٣٩٠ -
٢٧٦ - أبو جعفر المحولى(١)
سكن باب المُحَوَّل(٢) من بغداد فنسب إليه.
عن اسماعيل بن ابراهيم الترجمانى قال : سمعت أبا جعفر المجولى
وكان عابداً عالماً يقول: حرامٌ على قلب محب الدنيا أن يسكنه الورع
الحفىّ، وحرام على نفس عليها رياسة الناس أن تذوق حلاوة الآخرة،
وحرامٌ على كل عالم لم يعمل بعلمه أن يتخذه المتّقون إماماً .
وعن عبد الله بن أبى حبيب قال: سمعت أبا جعفر المحولى يقول:
إليك أشكو بدناً غُذِىّ بنسمتك، ثم توّب على معاصيك.
وعن الصلت بن حكيم قال : قال أبو جعفر المحولى يوماً، وذُكر
عنده الفالوذج ، فقال: إن قلبا يتفرّغ لصنعة الفالوذج حتى يأكله
لَقَلبٌ فارغ جداً ثم بكى .
وعنه قال : سمعت أبا جعفر المجولى يقول: إذا جاع العبد صفا
بدنه ورق قلبه وهطلت دمعته ، وأسرعت إلى الطاعة أطواره(٣)
وجوارحه، وعاش فى الدنيا كريماً .
(١) فى النسخ: ((المجولى)) تصحيف.
(٢) فى النسخ ((المجول)) تصحيف. وباب المحول (بالحاء وتشديد الواو
المفتوحة ) أو ( باب محول ): محلة كبيرة جنب الكرخ .
(٣) ج طور : الحال والهيئة .

- ٣٩١ -
٢٧٧ - ابراهيم الآجرى الكبير
عن عبدون الزجاج قال : قال ابراهيم الآجرّى ، وكان من
الفاضلين، لأن تردَّ همَك إلى الله عز وجل] ساعةَ خَيْرٌلك(١) مما طلعت
عليه الشمس .
٢٧٨ - أبو بكر محمد بن مسلم بن
عبد الر حمن القنطرى
عن ابن المنادى قال: أبو بكر محمد القنطرى كان ينزل قنطرة
البردان ، وكان يشَّبه فى الزهد والورع والشغل عن الدنيا وأهلها
يبشر بن الحارث وكان قُوته شيئاً يسيراً إنما كان فيما أخبرت عنه
يكتب ((جامعَ )) سفيان الثورى لقوم لا يشك فى صلاحهم ببضعة
عشر درهماً ، فمنها قوته .
وقالوا: كان له ابن أخت حدث فرآه يلعب بالطيور فدعا الله أن
عيته فما أمسى يومه ذلك إلا ميتاً.
وعن أبى بكر أحمد بن محمد المروزى قال : دخلت على أبى بكر بن
مسلم صاحب قنطرة البردان يوم عيد فوجدته عليه قميص مرفوع نظيف
مُطْبِقٍ(٢) وقدّامه قليلُ خُرنوب يقرضه . فقلت: يا أبا بكر ،
(١) صف : أحب إليك .
(٢) عم جسمه وغطاء .

- ٣٩٢ -
اليوم عيد الفطر وتأكل خُرنَوبا ؟ فقال لى : لا تنظر إلى هذا
ولكن انظر إن سألتني عنه من أين هو ، أيْش أقول ؟
وقال الجنيد بن محمد : عبرت يوماً إلى أبى بكر بن مسلم فى نصف
النهار فقال : ما كان لك فى هذا الوقت عمل يشغلك عن المجيء إلىّ؟
قلت : إذا كان مجىء إليك عملاً فما أعمل .
وعنه قال: كان لى شيوخ كانت رؤيتهم لى قوة(١) من
الأسبوع إلى الأسبوع، وإن أبا بكر بن مسلم منهم.
وعن أبى بكر المروزى قال: سمعت أبا بكر بن مسلم يقول :
الدنيا لأىّ شىء تُراد؟ إن كان إنما تُراد للذةٍ، فلا كانت الدنيا
ولا كان أهلها . إنما تراد الدنيا أن يطاع الله فيها.
توفى أبو بكر بن مسلم يوم الثلاثاء الخمسٍ بقين من ذى الحجة
سنة ستين ومائتين .
٢٧٩ - أبو جعفر بن السماك العابذ
عن سرىّ السقطى قال : دخل علىَّ أبو جعفر بن السماك وكان
شيخاً متعبداً مترويًا فرأى عندى جماعة فوقف ولم يقعد . ثم نظر
(١) قط : قوتاً

- ٣٩٣ -
إلىّ وقال : يا سرىّ صرتَ مُناخ البطالين ورجع ولم يقعد وكره
اجتماعهم حولى.
قال المؤلف : هكذا رُويَ لنا فى نسبه أبو جعفر بن السماك.
وقال أبو عبد الرحمن السلمى : هو أبو جعفر السماك ، بغدادى من
مشايخ سرىّ السقطى .
٢٨٠ - أيوب الجمال
يكنى أبا سليمان من العباد المجتهدين ، من ذوى الكرامات ،
وهو من أقران بشر وسرىّ وصحب (١) سهل بن عبد الله.
عن محمد بن خالد قال : سمعت أيوب الجمال يقول : عقدت على
نفسى ألّ أمشى غافلاً ولا أمشى إلا ذاكراً فشبت مشيةً فأخذتْنى
عَرْجة فعلمت من أين أتيت؟ فبكيت واستغنت وتُبت فزالت العلة
والعرجة . فرجعت إلى الموضع الذى غفلت فيه ، فرجعت إلى
الذكر فشبت سليماً.
وعن أحمد بن محمد بن وهب عن بعض أصحابه أنه حجّ مع
أيوب الحمال . قال : فلما أن ظعنّا فى البادية وسرنا منازلَ ، إذا
عصفور يحوم علينا وحولنا . فرفع أيوب رأسه فنظر إليه فقال له :
قد جئتَ إِلى ههنا؟ وأخذ خبزاً ففتّه له فى كفّه . فوقع العصفور
على يده وجعل يأكل منها . ثم صبّ له ماء فشرب . ثم قال له:
(١) صف: صحب . قط: صحبه.

-- ٣٩٤ -
اذهب الآن. فطار العصفور . فلما كان من الغد رجع العصفور ففعل
به أيوب مثل مافعل فى اليوم الأول ثم لم يزل يفعل به ذلك حتى انتهى
إلى آخر السُّفْرة .
٢٨١ - محمد بن محمد بن عيسى بن
عبد الى حمن بن عبد الصمد
مولى سعيد بن العاص القُرشى يكنى أبا الحسن ويلقب نحبش .
ويعرف بابن أبى الورد. عن على بن عبد الحميد قال: سمعت محمد بن أبى
الورد يقول : هلاك الناس فى حَرْفَين : اشتغالٍ بنافلة ، وتضييع
فَريضةٍ وَعَملٍ بالجوارح بلا مواطأة القلب عليه، وإنما مُنعوا الوصول
بتضبيع الأصول.
وعن أبى بكر الصوفى الاسكاف قال : سمعت أبا الحسن محمد بن
محمد بن أبى الورد يقول: أشْكَر الخلق لله عز وجل مَن لم ير أنه
شكر اللهَ عزّ وجل قطّ .
وعن جعفر بن محمد قال: سئل محمدبن أبى الورد عن قوله: ((أفَمنْ
زُيِّ له سُوءٍ عَملِهِ فرآه حسنًا(١) )) قال: من ظن فى إساءته أنه محسن .
وقال : من آداب الفقير فى فقره ترك الملامة ، والتعبير لمن ابتلى
٦
(١) فاطر : ٨.

- ٣٩٥ -
بطلب الدنيا ، والرحمة والشفقة عليه ، والدعاء له ليريحه الله من
تعبه فیها .
وعن عبد الرحمن بن أحمد قال : سمعت أبا الحسن محمد بن محمد بن
أبى الورد يقول: إن لله عز وجل يوماً لا ينجو من شرّه منقادٌ لهواه،
وإنّ أبطأُ الصّرعى نهضةً يومَ القيامة صريعُ الشهوة، وإن العقل معدن
والفكر مِعْول ، فبقدر الطاقة والقوة يكون انتهاؤه، وعلى العاقل
مراعاة قلبه وحفظ ساعته لاغير
وعن أبى الحسين بن المنادى قال: وأبو الحسن محمد بن محمد المعروف
بحبش بن أبى الورد ما زال مشهوراً بالورع والزهد والفضل والانكماش
فى العبادة حتى فارق الدنيا .
قال المؤلف: أسند محمد عن أبى النضر هاشم بن القاسم وبشر الحافى
وصحب سرّيّاً والمحاسبى.
و توفی فی رجب سنة ثلاث وستین ومائتین. رحمه الله .
٢٨٢ - أخوة أحمد بن محمد بن أبى الورد
وقيل يكنى أبا الحسن أيضاً .
وعن جعفر بن محمد قال : قال أحمد بن أبى الورد : وَلِىُّ الله إذا
زاد جاههُ زاد تواضعه ، وإذا زاد ماله زاد سخاؤه ، وإذا زاد عمره
زاد اجتهاده.

- ٣٩٦ -
وقال : وصل القوم بخمس : بلزوم الباب ، وترك الخلاف، والنفاذ
فى الخدمة، والصبر على المصائب، وصيانة الكرامات.
وعن أبى على الروذبارى قال: كان أحمد ومحمد ابنا محمد بن أبي الورد
صحبا أبا عبد الله الساجى ، وكان أبو عبد الله يقول: من أراد أن يخدم
الفقراء فليخدم خدمةً ابنى أبى الورد: صحبانى عشرين سنة ما سألالتى
مسألةً قطّ ، وما رأيت منهما منكراً قطّ .
صحب أحمد بن أبى الورد بشراً (١) الخافى والحارث المحاسبى وسريّاً
ومات قبل أخيه محمد .
٢٨٣-الحسن الفلاس
تأدب ببشر الحافى، وعاصر سريّاً السقطى، وكان سرى
يُفخّم أمره.
عن وهب بن نعيم بن الهيصم قال : جاء حسن الفلاس إلى بشر
ابن الحارث مرة ومرتين وثلاثًا، يتردد إليه فى مسألة ليكون الحجة
فيما بينه وبين الله تعالى. فتركه بشر وقام مرة ومرتين وثلاثاً.
فلما كان بعد ذلك تبعه إلى المقابر. فلما صار إلى المقابر وقف بشر
فقال له: ياحسن أيودّ هؤلاء أن يُرَدّوا فيُصلِحوا ما أفسدوا؟ ألا فاعلم
(١) فى النسخ: بشر، والصواب نصبه كما أثبت .

- ٣٩٧ -
يا حسن أنه من فرح قلبه بشئْء من الدنيا أخطأ الحكمةَ قلبُه . ومن
جعل شهوات الدنيا تحت قدميه فرقَ الشيطانُ من ظلّه، ومن غُلب
هواه فهو الصابر الغالب ألا واعلم أن البلاء كله فى هواك، والشفاء
كله فى مخالفتك إياه. فإذا لقيته فقل: قال لى .
فرجع الحسن فعاهد الله ألا يأكل ما يُباع ولا ما يُشتّرى ،
ولا يلبس ما يُباع ولا ما يشترى ، ولا يمسك بيده ذهبا ولا فضةً
ولا يضحك أبداً . وكان يأوى ستة أشهر فى العباسية وستة أشهر
حول دار البطيخ ويلبس ما فى المزابل .
ولقبه رجل بالذندرن(١) منصرفاً على هذه الصورة. فقال: ياحسن
من ترك شيئاً لله عوّضه الله ما هو خير منه يعنى فما عوّضك ؟ قال
الحسن: الرضا بما ترى.
فلما رجع من غَزاته خرج به خُرَاجٌ وكانت فيه مينتُه. فلما
اشتد به الأمر قال لمولاة له : لا تسقينى ماء حتى أطلب منك . فلما
قرب منه الأمر طلب منها الماء فشرب وقال : لقد أعطانى ما يَتنافس
فيه المتنافسون .
وعن سرى السقطى قال: تُعجبنى طريقة حسن الفلاس . وكان
حسن الفلاس لا يأكل إلا القُمامة(٢) ( رحمه الله ]
٠
(١) كذا فى ط . وفى ق: بالندندون .
(٢) ط: ((القمام)) وهو جمع القمامة: أى الكناسه.

- ٣٩٨ -
٢٨٤ - محمد بن منصور الطوسى
يكنى أبا جعفر . أصله من ◌ُوس. سكن بغداد ومات بها.
أثنى عليه أحمد بن حنبل .
وعن أحمد بن محمد بن الفضل المؤذن قال: سمعت محمد بن منصور
الطوسى، وحواليه قوم ، فقالوا له: يا أبا جعفر أىّ شىء عندك اليوم؟
فقد شك الناس فيه يوم عرفة هو أو غيره . فقال : اصبروا . فدخل
البيت. ثم خرج فقال: هو عندى يوم عرفة فاستحْيَوْا أن يقولوا:
من أين لك ذلك ؟ فعدّوا الأيام والليالى فكان اليوم الذى قال . نجاء
إليه ابن سلام(١) فقال: من أين علمت أنه يوم عرفة؟ قال : دخلت
البيت فسألت ربى تعالى فأرانى الناس فى الموقف .
وعن الحسن بن علوية قال: قال محمد بن منصور: ستّ خصالُ
يعرف بها الجاهل : الغضب في غير شىْء ، والكلام فى غير نفع،
والعِظة فى غير موضعها، وإفشاء السرّ، والثقه بكل أحد ، ولا يعرف
صديقه من عدوه .
أسند محمد بن منصور عن هاشم بن القاسم وغيره .
ومسانيدُه كثيرة .
(١) قط - فجاء إليه سلام.

- ٣٩٩ -
وتوفّى يوم الجمعة لستّ بقين من شوال سنة أربع وخمسين
وما ئتين. رحمه الله .
٢٨٥ - محمد السمين(١)
الخلدى قال: قال الجنيد: قال لى محمد السمين(١): كنت فى وقت
من الأوقات أعمل على الشوق وكنت أجد من ذلك شيئاً أنه به
مشتغل . فخرجت إلى الغزو وهذه الحالة حالى، وغزا الناس وغزوْت
معهم. فكثر العدوّ على المسلمين وتقاربوا والتقوا ولزم المسلمين من
ذلك خوف لكثرة الروم .
قال أحمد : فرأيت نفسى فى ذلك الموطن وقد لحقها روع ، فاشتد
ذلك علىّ وجعلت أويخّ نفسى، وألومها وأؤنبها وأقول لها : كذّابة
تدّعين الشوق فلما جاء الموطن الذى يؤمل فى مثله الخروج اضطربت
وتغيرت ؟ فأنا أوبخها إذا وقع لى أنزل إلى النهر فأغتسل . فخلعت
ثيابى واتّزرت ودخلت النهر فاغتسلت وخرجت وقد اشتدّت لى
عزيمة لا أدرى ماهى ؟ فخرجت بقوة تلك العزيمة ولبست ثيابى
وأخذت سلاحى ودنوت من الصفوف وحملت بقوة تلك العزيمة
حملةً وأنا لا أدرى كيف أنا ؟ فخرقت صفوف المسلمين وصفوف
الروم حتى صِرتُ من ورائهم ثم كبرّت تكبيرة فسمع الروم
(١) قط : محمد بن السمين.

- ٤٠٠ -
تكبيراً فظنوا أن كميناً قد خرج عليهم من ورائهم فولوا وحمل عليهم
المسلمون فقتل من الروم بسبب تكبير تى تلك نحو أربعة آلاف ،
وجعل الله عز وجل ذلك سبباً للفتح والنصر.
٢٨٦ - زهير بن محمد بن تمیر
ابن شعبة أبو محمد مروزى الأصل سكن بغداد .
عن أبى القاسم أحمد بن منيع قال : ما رأيت بعد أبى عبد الله
أحمد بن حنبل أزهد من زهير بن قير .
وعن محمد بن زهير بن قمير قال: كان أبى يجمعنا فى وقت ختّمة
القرآن فى شهر رمضان، فى كل يوم وليلة ثلاث مرات، تسعين ختمه
فى شهر رمضان .
وعن عبد الله بن البغوى قال: سمعت زهيراً يقول: أشتهى -+]
من أربعين سنة ولا آكله حتى أدخل الروم فآ كله من مغانم الروم .
أسند زهير بن محمد بن قمير عن الحسين بن محمد المروزى
والحسن بن موسى الأشيب ويعلى بن عبيد والقعنى وعبد الرازق
فى آخرين .
وانتقل فى آخر عمره إلى طرسوس فرابط بها إلى أن توفى بها فى
بها فى سنة سبع وخمسين . وقيل ثمان وخمسين ومائتين .