Indexed OCR Text

Pages 321-340

- ٣٢١ -
وعن القاسم بن نصر قال: جاء قوم إلى معروف فأطالوا عنده الجلوس.
فقال : أما تريدون أن تقوموا وملك الشمس ليس يفتر عن سوقه؟
وعن محمد بن حماد بن المبارك قال: قال رجل لمعروف: أوصنى . قال :
توكل على الله حتى يكون جليسَك وأنيسَك وموضع شكواك، وأكثر
ذكْر الموت حتى لا يكون لك جليسٌ غيره ، واعلم أن الشفاء لما نزل
بك كتانه ، وأن الناس لا ينفعونك ولا يضرونك ولا يعطونك
ولا يمنعونك .
وعن القاسم بن محمد البغدادى قال: كنت جار معروفٍ الكرخِى
فسمعته فى السحر ينوح ويبكى وينشد :
شَغْفَتْ بِى فليس عنّى تَغْيِبُ
أىّ شیء ترید منی الذنوبُ
ء
رحمةً لى؟ فقد علانى المشيب
ما يضرّ الذنوبَ لو اعتقَتَني
وعن إبراهيم الأطرش قال: كان معروف الكرخى قاعداً على دجلة
ببغداد اذمرّ بنا أحداث فى زورق يضربون الملاهى ويشربون . فقال
له أصحابه: أما ترى أن هؤلاء فى هذا الماء يعصون الله؟ ادْعُ عليهم.
فرفع يده إلى السماء وقال: إِلَى وسيّدى، أسألك أن تُفْرّحهم فى الجنة
كما فرحتهم فى الدنيا. فقال له أصحابه: إنما قلنا لك ادع الله عليهم ، لم
تُقُل لك ادع اللهلهم. فقال: إذا فرّحهم فى الآخرة تابَ عليهم فى الدنيا
ولم يضركم بشىءٍ.
(م ٢١ - صفة الصفوة)

- ٣٢٢ -
أبو بكر بن الزيات قال: سمعت ابن شيرويه يقول : كنت أجالس
معروفًا الكرخى ، فلما كان ذات يوم رأيت وجهه قدْ خلا. فقلت:
يا أبا محفوظ بلغنى أنك تمشى على الماء. فقال لى: مامشيت قطّ على الماء،
ولكن إذا هممت بالعبور يُجمع لى طَرفاها فأتخطّها.
وعن محمد بن منصور قال : مضيت يوماً إلى معروف الكرخى ثم
عدت إليه من غدٍ فرأيت فى وجهه أثر شجّةٌ فَهِيْتُ أن أسأله عنها .
وكان عنده رجل أجْرأ عليه مني. فقال له: كنا عندك البارحة فلم تَرَ
فى وجهك هذا الأثر. فقال له معروف: خذْ فيما تَنتفع به. فقال له.
أسألك بحق الله. فانتفض معروف ثم (١) قال له: وما حاجتك إلى هذا؟
مضيت البارحة إلى بيت الله الحرام، ثم صرت إلى زمزم فشربت منها
فزلت رجلى فنطح وجهى الباب فهذا الذى ترى، من ذلك .
وعنخلیل الصياد -و کفاك به۔ قال: غاب ابنى إلىالانبار فوجدت
أمُّه وجداً شديداً فأتيت معروفاً فقلت له : يا أبا محفوظ ابنی قد غاب
فوجدتْ أمُّه وجداً شديداً. قال: فما تشاء ؟ قلت: تدعو الله أن يردّه
عليها . فقال: اللهم إن السماء سماؤك والأرض أرضك، وما بينهما لك،
فات به . قال خليل: فأتيت باب الشام فإذا ابنى قائم منبهر. فقلت:
يا محمد فقال: يا أبة الساعةَ كُنتُ بالأنبار .
وعن محمد بن صبح قال: مرّ معروف على سقاء يسقى الماء وهو يقول:
رحم الله من شرب فشرب ، وكان صائماً ، وقال. لعل الله أن يستجيب له.
(١) ثم : ساقطة من ط .

- ٣٢٣ -
وعن سَرِىّ قال: هذا الذى أنا فيه من بركات معروف: انصرفتُ
من صلاة العيد فرأيت مع معروف صبيّاً شيئاً فقلت له: من هذا؟
قال: رأيت الصبيان يلعبون وهذا وأقف منكسر فسألته لمَ لا تلعب؟
قال: أنا يتيم. قال سَرىّ . فقلت له : فما ترى أنك تعمل به قال : لعلى
أخلو فأجمع له نَوى يشترى به جوزاً يفرح به . فقلت له : أعطنيه
أُغيّر من حاله . فقال لى: أو تفعل؟ فقلت: نعم . فقال لى: خذه أغنى
الله قلبك . فسويتْ(١) الدنيا عندى أقلَّ من كذا.
قال عبد الله بن سعيد الأنصارى: رأيت معروفً الكرخى فى المنام
كأنه تحت العرش، فيقول الله عز وجل: ملائكتى مَن هذا؟ فقالت
الملائكة: أنت أعلم، هذا معروف الكرخى، وقد سكر من حبّك
لا يفيق إلاّ بلقائك .
وقال أحمد بن الفتح : رأيت بشر بن الحارث فى منامى وهو قاعد
فى بستان، وبين يديه مائدة وهو يأكل منها فقلت له: يا أبا نصر
ما فعل الله بك؟ قال : غفرلى ورحمنى وأبا حتى الجنة بأسرها وقال لى:
كُلْ من جميع تمارها واشربْ من أنهارها وتمتع بجميع مافيها كما كنت
تحرم نفسك الشهوات فى دار الدنيا. فقلت له : فأين أخوك أحمد بن
حنبل؟ قال: هو قائم على باب الجنّة يشفع لأهل السنة ممن يقول:
(١) الأفصح أن يقال: ( فساوت ) أى عادلت: قال الفراء: ((ولم يعرف:
يسوى كذا)) .

-- ٣٢٤ -
القرآن كلام الله غيرُ مخلوق. فقلت له : فما فعل معروفٌ الكرخىّ؟
فحّرك رأسه ثم قال لى: هيهات حالت بيننا وبينه الحجُب، إن معروفاً
لم يَعبد الله شوقاً إلى جسّه ولا خوفًا من ناره، وإنما عبده شوقاً إليه
فرفعه الله إلى الرفيع الأعلى ورفع الحجُب بينه وبينه ، ذاك الترياق
المقدّس(١) المجرَّب، فمن كانت له إلى الله حاجة فليأتِ قبره وليدْعٌ
فانه يُستجاب له إن شاء الله ( تعالى ]
وعن أبى بكر الزجاج قال: قيل لمعروف الكرخى فى علته(٢): أوصٍ.
فقال: إذا متّ فتصدّقوا بقميصى هذا، فإنى أحبّ أن أخرج من
الدنيا عُرياناً كما دخلتُ إليها عُرياناً .
أسند معروف عن بكر بن خُنيس وعبدالله بن موسى وابن السماك.
وتوفى سنة مائتين وقبره ظاهر ببغداد يتبرّك به . وكان ابراهيم
الحربى يقول : قبر معروف الترياقى المجرب .
وانما اقتصرنا هاهنا على اليسير من أخباره لأنا قد جمعنا أخباره
ومناقبه فى كتاب أفردناه لها فمن أراد الزيادة من أخباره فعليه بذلك
الكتاب والله الموفق رحمه الله ورضى الله عنه .
(١) ط: المقدسى، وكانت كذلك فى ط ثم أصلحت كما أثبتناها.
(٢) قط : مرضه .

- ٣٢٥ -
٢٦١ - بشر بن الحارث الحافى
يكنى أبا نصر ولد فى سنة خمسين ومائة .
عن أيوب العطار قال : قال لى بشر بن الحارث الحافى : أحدثك عن
بُدُوٌ أمرى؟ بينا أنا أمشى رأيت قرطاسًاً على وجه الأرض فيه اسم الله
تعالى ، فنزلت إلى النهر فغسلتُه وكنت لا أملك من الدنيا إلا درهماً فيه
خمسةُ دوانق. فاشتريت بأربعة دوانيق(١) مسكاً وبدانق ماء ورد،
وجعلت أتيّ اسم الله تعالى وأطيّهِ. ثم رجعت إلى منزلى فنمت فأتانى
آت فى منامى فقال: يابشر كما طيّبت اسمى لأطيبن اسمك، وكما طهّته
لأطهرنَ قلبك .
وعن محمد بن بشار قال: سمعت بشر بن الحارث يقول: أنا ، لله ،
عشتُ(٣) إِلى زمان إن لم أعمل فيه بالجفاء(٣) لم يسلّمْ دينى.
وعن الحسين بن محمد البغدادى قال سمعت أبى يقول : زرت بشر
ابن الحارث فقعدت معه مليّاً، فما زادنى على كلمةٍ قال: ما اتفي اللهمن أحَبّ
الشهرة، وعن أحمد بن نصر قال : كنا قعوداً قدّام بشر بن الحارث
نفسيْن . قال: فجاء الثالث فقام فدخل.
(١) الدافق: (بكسر النون وفتحها): سدس الدرهم، ويجمع على دوانق ودوانيق.
(٢) قط: ((عشت أنالله)). صف: ((عشت)). واللام فى (ل) للقسم،
(٣) ق: بالخفاء.
حرف جر .

- ٣٢٦ -
وعن أحمد بن الفتح قال: سمعت بشراً يقول: بعث إلى عاصم بن على
بأبى زكريا الصفّار فقال: يا أبا نصر إن أبا الحسن(١) يقرأ عليك السلام
ويقول: قد اشتدّ شوقي إليك حتى لقد كدتُ أن آتيك من غير إذن
فعلمتُ كراهيتّك لمجىء الرجال، فإن رأيتَ أن تأذَن لى فآتيك لأسلّ
عليك، فلعل الله أن ينفعنى برؤيتك. قال: فقلت له:قد فهمت رسالة الشيخ
فأبلِغْه السلام وقل له : لا تأتِنى فإن فى مجيئك إلىّ شهرةً علىّ وعليك.
وعن أبى حفص عمر بن موسى قال : سمعت بشر بن الحارث يقول:
لقد شهر فى رقى فى الدنيا فليتَه لا يفضَحنى فى القيامة. ما أقبح مثلى يُظَنُّ
فىّ ظَنُّ وأنا على خلافه، إنما ينبغى لى أن أكون أكثر ما يُظَنّ بى أنى
أكره الموت ومايكره الموت إلَّ مُريب، ولولا أتى مريب لأىّ شىء
أكره الموت؟
وقال أحمد بن الصلت: سمعت بشر بن الحارث يقول: غنيمة المؤمن
غفلة الناس عنه وإخفاء مكانِه عنهم.
أبو بكر محمد بن الفياض قال : سمعت زريقاً الدلال يقول : سمعت
بشر بن الحارث يقول: اللهم استُر واجعلْ تحت السّتر ماتحبّ، فربما
سترتَ على ما تكره . قال: ثم التفت إلىّ فقال: يا أخى بادِرْ بادِرْ فإن
ساعات الليل والنهار تُذهب الأعمار.
(١) ق ، قط : الحسين.

- ٣٢٧ -
وعن محمد بن يوسف الجوهرى قال : سمعت بشربن الحارث
يقولُ يوم ماتت أختُه : إن العبد إذا قصّر فى طاعة الله سلّبه الله
مَن يؤنسه .
وعن محمد بن قدامة قال: لقىَ بشرَ بنَ الحارث رجلٌ سكران فجعل
يقبله ويقول: يا سيّدى يا أبا نصر، ولا يدفعه بشْر عن نفسه . فلما
ولّى تغرغرتْ عينا بشر وقال: رجُلٌ أحبَّ رجلاً على خيرٍ توقّمه،
لعلّ المحبّ قدنجا والمحبوب لا يدرى ما حاله.
وقال رجل: رأيت بشربن الحارث وقف على أصحاب الفاكهة
فجعل ينظر. فقلت: يا أبا نصر لعلك تشتهى من هذا شيئاً ؟ قال :
لا ولكن نظرت فى هذا: إذا كان يُطعم هذا مَن يعصيه فكيف
مَن يطيعه .
وعن أبى بكر المروزى قال : سمعت بعص القطآنين يقول: أهدى
إلىّ أستاذِى رُطَبًا وكان بشريقيل فى دكاننا (١) فى الصيف . فقال له
أستاذى: يا أبا نصر هذا من وجه طيّب فان رأيت أن تأكل. قال:
فجعل يمسّه بيده ثم ضرب بيده إلى لحيته وقال: ينبغى أن أستحى(٣)
من الله، إنى عند الناس تاركٌ لهذا وآ كله فى السر؟
(١) ط: ((أهدى إلى أستاذ لى رطب وكان بشر يقيل فى دكاننا)).
(٢) ق: يستحيى .

- ٣٢٨ -
وعنه قال: سمعت أباحفص ابن أخت بشر قال: سمعت بشراً يقول:
ماشبعتُ منذ خمسين سنة .
وعنه قال سمعت قرابةَ بشر الحافى(١) يقول: قدم بشر بن عَبّادان
ليلاً أو قال: من سفرٍ وهو منزر بحصير.
عن يحيى بن عثمان قال : كان لبشربن الحارث فى كل يومٍ رغيف
قال : وقال لى بشْر: كان لى سنَّور فكنت إذا وضعتُ طعامى بين
يدىّ جاءت فعيناها فى عينى فا كل وأرمي لها . قال : فقلت: إليكِ
عنى تأكُلين فُوَّتِى .
وعن أبى بكر بن عثمان(٢) قال: سمعت بشر بن الحارث يقول:
إلى لأشتهى شواء منذ أربعين سنة ما صَفالىٍ درهمه .
وعن أبى عمران الورْ كانى قال تخرّق إزارُ بشْر، فقالت له أخته:
يا أخى قد تخرّق إزارك وهذا البَرَد فلو جئتَ بُقُطْن حتى أغزل لك.
قال: فكان يجىء بالإستارين (٣) والثلاثة. قال: فقالت له: يا أخى
إن الغْزل قد اجتمع أفلا تسلم إزارك ؟ قال : فقال لها: هاتيه . قال :
(١) ق : بشر بن الحارث .
(٢) ق ، قط : عفان.
(١) الإستار (فى الوزن ): أربعة مثاقيل ونصف .

- ٣٢٩ -
فأخرجتْه إلى فوزنه فأخرج ألواحَهُ وجعل يَحسب الأساتير فلما رآها
قد زادتْ فيه قال لها : كما افسدْتِهِ فَخُذِيه.
وعن الحسن بن عمرو بن الجهم قال: سمعت أبانصر التمار يوم مات
بشر يقول: لولا أنّ بشراً قدمات ما حدثتكم بهذا:
أتانى ليلةً فقلت: يا أبا نصر الحمد لله الذى جاء بك، جاءنا قُطن من
خراسان فقَزْلَنْه الابنةُ(١) وباعتْه لفلان واشترتْ به لحمًا(٢) وأشياء على أن
أفطر عليه . فالحمد لله الذى جاء بك. فقال: يا أبا نصر لا تُكثر علّى
فلو أكلتُ عند أحدٍ من أهل الدنيا أكلتُ عندك . ثم قال: إنى
لأشتهى الباذنجان منذ ثلاثين عاماً. قلت: فإنّ فيها باذنجانًا(٣). فقال:
حتى تَصفو لي حبة الباذنجان من أين هىَ ؟.
وعن ابراهيم بن هاشم قال: سمعت بشربن الحارث يقول: إنى
لأشتهى شواء ورُفاقً(٤) منذ خمسين سنةً ما صَفَالى درهمَه.
الفتح بن شحرف قال : قال عمر ابن أخت بشر: سمعت خالى
بشْراً يقول لأمّى: جَوْفى وَجِعٌ وخَواصرى تضرب على .. فقالت له أمى:
() ق : البنت .
(٢) ط: فاشتريت به لنا لحماً
(٣) فى النسخ : باذنجان .
(٤) الرقاق : الخبز المنبسط الرقيق .

- ٣٣٠ -
اثذنْ لى حتى أَصْلح لك قلبلَ حَسا(١) بكفْ دقيقٍ عندى تتحسّام(٣) يَرُمّ
جوفَك. فقال لها : ويحك أخاف أن يقول من أين لك هذا الدقيق
فلا أدري أيَّ شىء أقول له؟ فبكت أمّى وبكى معها وبكيت معهم.
قال عمر : ورأت أمّى ليلةً مابه من شدة الجوع وجعل يتنفس
تنفساً ضعيفاً، فقالت له أمى: يا أخى ليت أمك لم تلد فى فقد والله
تقطّع كبدى مما أرى بك. فسمعته يقول لها: وأنا فليتَ أمّكِ لم تلك فى
وإذْ قد ولدتني لم يَدِرّلها عُدْىٌّ عَلّى.
قال عمر : وكانت أمّى تبكى عليه الليل والنهار .
عبد الله بن خبيق قال : رجل لبشر : مالى أراك مغموماً ؟ قال.
مالى لا أكون مغموماً وأنا رجل مطلوب.
وعن أبى الحسن أحمد بن محمد الزعفرانى قال: سمعت أبى يحكى عن
بشر أنه قال: ربما رفعتُ يدى فى الدّاء فأردّها أو قال: فأستّها .
أقول : إنما يفعل هذا من له عنده وجه .
وعن الفتح بن شحرف قال : كنت جالساً عند بشر إذ جاءه رجل
فسأله عن مسألةٍ، فأطرق مليً ثم رفع رأسه ثم أطرق ثم رفع رأسه، فقال: اللهم
(١) الحسا ( بفتح الحاء مقصوراً): طعام يعمل من الدقيق والماء . ويمد
فيقال: الحساء.
(٢) ط: ((لتحساه)) تحريف. يقال: حسا المرق وتحساه: شربه شيئاً بعدشىء.

- ٣٣١ -
إنك تعلم أنى أخاف أن أتكلم ، اللهم إنّك تعلم أنى أخاف أن أسكت،
اللهم إنك تعلم أنى أخاف أن تأخذنى فيما بين السكوت والكلام .
وعن زبدة أخت بشر بن الحارث قالت: دخل بشر على ليلة من الليالى
فوضع إحدى رجليه داخل الدار والأخرى خارج الدار ، وبقىّ كذلك
يتفكر حتى أصبح فلما أصبح قلت له: فى ماذا تفكّرت طول الليلة؟
قال : تفكرت فى بشر النصرانى، وبشر اليهودى، وبشر المجوسى،
ونفسى واسمى بشْر. فقلت : ما الذى سبق منك حتى خصّك؟
فتفكّرّتُ فى تفضّله علىّ وحمدته على أن جعلني من خاصّته وألبسنى
لباسَ أحبائه .
وعن أحمد بن نصر قال: سمعت بشراً يقول: يا مازنى ليت لا يكون
حظى من الله هذا الذى يقول الناس بشر بشر - ورأيت أشفار عينيه
قدذهبت من البكاء . وعن الحسن بن عمرو قال: سمعت بشربن الحارث
يقول: لو علمت أن رضاه أن أشدَّ فى رجْلى حجراً ثم ألقي نفسى فى
البحر ، لفعلتُ .
وعن عباس بن دُهقان قال: قلت لبشر بن الحارث: أحب أن أخلو
معك. قال: إذا شئتَ ، فبكرتُ يومًا فرأ يته قد دخل قبةً فصلى فيها
أربع ركعات لا أحسن أن أصلى مثلها. فسمعته يقول فى سجوده: اللهم
إنك تعلم فوق عرشك أن الذلّ أحب إلى من الشرف، اللهم إنك تعلم

- ٣٣٢ -
فوق عرشك أن الفقر أحبّ إلىّ من الغنى، اللهم إنك تعلم فوق عرشك
أنى لاأوثر على حبّك شيئاً. فلما سمعته أخذنى الشهيق والبكاء. فلما
سمعنى قال: اللهم إنك تعلم أنى لو أعلم أن هذا ههنا لم أتكلّم.
وقال أحمد بنحنبل: والله إنبیناظْهُر کم رجلاً ماهو عندى بدون
عامر بن عبدالله، يعنى بشر بن الحارث.
وعن أحمد بن عبدالله بن خالد قال: سئل أحمد بن حنبل عن مسألة
فى الورَع. فقال: أنا؟ أستغفر الله لا يحلّ لى أن أتكلم فى مسألةٍ فى
الورَع ، أنا آكل من غلّة بغداد .
لو کان بشر بنالحارث صاح أن يجيبك عنه، فإنه كان لا يأكل
من غلّة بغداد ولا من طعام السَّواد، يصلح أن يتكلم فى الورع .
وعن أبى بكر أحمد بن عبدالرحمن المروزى قال: سمعت بشراً يقول:
إن الجوع يُصفي الفؤاد ويورث العلم الدقيق. وسمعت بشراً يقول:
طوبى لمن ترك شهوةً حاضرةً لموعدٍ غَيْب لم يَرَه .
وعن أحمد بن الصلت قال: سمعت بشر بن الحارث يقول: حادثوا
الآمال بقَرْب الآجال.
وعن أبىبكر الباقلاوی قال : سمعت أبى يقول : سمعت بشربن
الحارث ونحن معه بباب حرب، وأراد الدخول إلى المقبرة فقال: الموبى
داخل السور أكثر منهم خارج السور .

-- ٣٣٣ -
وعن أحمد بن الصلت قال سمعت بشر بن الحارث يقول : ليس
من المودة أن تحبّ ما يُبَغِض حبيبك.
وعن عمرو(١) بن موسى بن فيروز قال: رأيت بشراً ومعه رجل
فتقدم إلى بئر ليشرب منها. جذبه بشر وقال: تشرب من البئر الأخرى.
حتى جاوز ثلاثة آبار. فقال له الرجلُ: أبا نصر أنا عطشان. فقال له
بشر: اسكت فهكذا ندفع الدنيا .
وعن ابراهيم الحربى قال: سمعت بشربن الحارث يقول: بحسبك
أن أقواما موَّى تحيا القلوبُ بذكرم وأن أقواماً أحياء تعمى الأبصار
بالنظر إليهم .
وعن عمرو (١) بن موسى الأخول قال سمعت بشراً يقول: يكون
الرجل مرائيا فى حياته ، مرائيا بعد موته. قيل: كيف يكون مرائياً
بعد موته ؟ قال يحب أن يكبر الناس على جنازته .
وعن الحسن بن عمرو قال: سمعت بشر بن الحارث يقول: الصدقة
أفضل من الحجّ والعمرةِ والجهادِ. ثم قال: ذاك يركب ويرجع ويراه
الناس، وهذا يعطى سراً لا يَراه إلا الله عز وجل .
وسمعت بشراً يقول: ما أقبح أن يُطلب العالِمُ فيقال: هو يباب الأمير
(١) ق . قط: عمر.

- ٣٣٤ -
وعن أبى عبدالله الأسدى قال: قال لى بُشْرٌ الحافى يوماً:
قَطْعُ الّيالى مع الأيام فى خلقٍ والنومُ تحت رُواق الَمّ والقلقِ
إِنى التمستُ الغنى من كفّ مختلقٍ
أحرى وأعذرلى من أن يقال غداً
ليس الغنى كثرة الأموالِ والورقِ
قالوا: قَنَعتَ(٢) بدا، قلت: القَنوعُ غنىًّ
رضيتُ بالله فى عُسرى وفى يسرى فلست أسلُكُ إلا أوْضحَ الطُرقَ
رحل بشربن الحارث رضى الله عنه فى طلب العلم إلى مكة والكوفة
والبصرة، وسمع من وكيع وعيسى بن يونس وشريك بن عبدالله وأبى
معاوية وأبى بكر بن عياش وحفص بن غياث واسمعيل بن علية وحماد
ابن زيد ومالك بن أنس وأبى يوسف القاضى وابن المبارك وهشيم والمعافى
ابن عمران والفضيل بن عياض وأبى نسيم فى خلق كثير.
غير أنّه لم يتصدّ للرواية فلم يُضبط عنه من الحديث إلا اليسير.
وقدذكرنا ماوقع إلينا من حديثه وأخباره فى كتاب أفردناه لمناقبه
وأخباره فلذلك اقتصرنا ههنا على ماذكرنا .
وتوفى رضى الله عنه عشية الأربعاء لمشْرٍ بقين من ربيع الأول ،
وقيل لعشر خلَوْن من المحرّم، سنة سبع وعشرين ومائتين، وقد بلغ من
العمر خمسًاً وسبعين سنة، وقيل سبعاً وسبعين.
(١) ق : مخترق .
(٢) ق، قط : رضيت

- ٣٣٥ -
عن يحيى بن عبد الحميد الحمانى، قال : رأيت أبا نصر التمار وعلى بن
المدينى فى جنازة بشر بن الحارث يَصيحان: هذا والله شَرفُ الدنيا قبل
شَرف الآخرة " وذلك أن بشراً خرجت جنازته بعد صلاة الصبح ولم
يُجعل فى القبر إلا فى الليل ، وكان نهاراً صائفاً ولم يستقرّ فى القبر
إلى العَتّمة.
وعن الكندى قال رأيت بشر بن الحارث فى النوم فقلت له: ما فعل
الله بك؟ فقال: غفر لى وأقعدنى على طيّار (١) من لؤلؤة بيضاء وقال
لى: سِرْفى مُلْكى.
وعن الحسن بن مروان قال: رأيت بشر بن الحارث فى المنام فقلت:
يا أبا نصر ما فعل الله بك؟ قال: غفر لى وغفر لكل من تبع جنازتى .
قال : قلت : ففيم العمل ؟ قال : افتقد الكسرة .
وقال ابن خزيمة : لما مات أحمد بن حنبل بتّ من ليلتى فرأيته فى
النوم فقلت له : ما فعل الله بك ؟ قال غفرلى وتوّجنى وألبسنی نعلین من
ذهب، وقال لى: يا أحمد هذا بقولك : القُرآن كلامى. قلت : فما فعل
بشر فقاللى: تخٍ بخ ، منمثل بشر ؟ تر كته بین یدی الجليل وبین
يديه مائدة من الطعام والجليل مقْبِل عليه وهو يقول له: كُلْ يا مَن لم
(١) الطيار: الفرس الحديد الفؤاد الماضى. ط: ((فى طيارة» تحريف.

- ٢٢٦ -
يأكل، واشربْ يا مَن لم يشرب،، وانتَم يامنْ لم ينعَم رحمه الله
ورضى عنه .
٢٦٢ - أحمد بن محمد بن حنبل
أبى عبد الله الشيبانى
جىء به من مَرْ وَمْلاً فولد فى ريع الأول سنة أربع وستين ومائة.
فأما نسبه فأخبرنا أبو منصور القزّاز قال : أنبأ أبوبكر بن ثابت،
قال: أنبأ أحمد بن عبد الله الحافظ: أنبأ أحمد بن جعفر بن حمدان قال:
أنبأ عبدالله بن أحمد، ثنا أبى أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد
ابن إدريس بن عبد الله بن حيان بن عبدالله بن أنس بن عوف بن قاسط
ابن مازن بن شيبان ن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن على بن بكر
ابن وائل بن قاسط بن هنب ن أفصى بن دعمى بن جديلة بن أسدبن ربيعة
ابن نزار بن معد بن عدنان بن أدّبن أدَد بن الهميسع بن حمل بن النبت
ابن قيدار بن اسمعيل بن ابراهيم الخليل عليه السلام.
وعن أبى بكر المروزى قال: قال لى أبو عفيفَ - وذكرأبا عبدالله
أحمد بن حنبل - فقال: كان فى الكتّاب معنا وهو غُلَيْمَ يُعْف فضلُه
وَكان الخليفة بالرقة فيكتب الناسُ إلى مَنازِلهم(١)، فيبعث نساؤهم
(١) أى أن الناس الذين كانوا مع الخليفة بالرقة يكتبون الرسائل إلى ذويهم.

٥٠ ٣٣٧ -
إلى المعلّم : ابعث إلينا بأحمد بن حنبل . ليكتب لهم جواب كُتبهم.
فيبعثه. فكان يجىء إليهم مطأطىء الرأس فيكتب جواب كتبهم فربما
أملَوْ عليه الشىء من المنكر فلا يكتبه لهم .
وعن إدريس بن عبدالكريم قال : قال خلف: جاء فى أحمد بن حنبل
يستمع حديث أبى عوانة فاجتهدتُ أن أرفعه فأبى وقال: لاأجلس إلا
بين يديك أُمِرِ نا أن نتواضع لمن تتعلّم منه.
وعن أبى زرعة قال: كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث
فقيل له : وما يُدريك؟ قال: ذاكرتُه فأخذتُ عليه الأبواب.
أبو جعفر بن أحمد بن محمد بن سليمان التَسْتَريّ(١) قال : قيل لأبى
زُرعة من رأيت من المشايخ المحدّثين أحفظ؟ فقال: أحمد بن حنبل،
حُزِرت كتُبه اليومَ الذي مات فيه فبلغت اثنى عشر حملا، وعِدْلاً(٢)،
ما كان علىظهر كتاب منها حديث فلان، ولا فى بطنه حديث فلان،
وكل ذلك كان يحفظه عن ظهر قلبه(٣).
وعن إبراهيم الحربى قال : رأيت أحمد بن حنبل كأن الله
قد جمع له علم الأوّلين والآخرين من كل صنف ، يقول ما شاء
ويُمسك ما شاء.
(١) ط : السرى.
(٢) العدل : نصف الحمل . ويطلق أيضاً على الغرارة أى الجوالق. ط :
(٣) ق : حفظه من ظهر قلبه .
((وعدل)) خطأ.
(م ٢٢ - صفة الصفوة)

- ٣٣٨ -
وعن أحمد بن سنان قال: ما رأيت يزيد بن هارون لأحدٍ أشدّ
تعظيماً منه لأحمد بن حنبل، [ولا رأيته أكرم أحداً كرامته(١)
لأحمد بن حنبل]: وكان يقعد (٢) إلى جنبه إذا حدّثنا وكان يوقّره
ولا يمازحه . ومرض أحمد فركب إليه فعاده .
قال المصنف رحمه الله : قلت: كانت مخايل النجابة تظهر من أحمد
رضى الله عنه من زمان الصِّبًا، وكان حفظه للعلم من ذلك الزمان غزيراً
وعمله (٣) به متوفراً. فلذلك كان مشايخه يعظمونه، فكان اسمعيل
ابن عُلّة يقدّمه وقت الصلاة يعلّى بهم. وضحك أصحابه يوماً فقال:
أتضحكون وعندى أحمد بن حنبل ؟
وقال عبد الرزاق: ما رأيت أفْقُه ولا أوْرعَ من أحمد بن حنبل .
وقال وكيع وحفص بن غياث: ماقدم الكوفةَ مثْلُ أحمدبن حنبل.
. وقال أبو الوليد الطّيالسى: ما بالمصْرَيْن أحد أحبّ إلىّ من
أحمد بن حنبل .
وكان ابن مهدى يقول: ما نظرت إليه إلاّ ذكرت به سفيان الثورىّ
ولقد كاد هذا الغلام أن يكون إماماً فى بطن أمه .
(١) قط : إكرامه. وما بين القوسين ساقط من ق.
(٢) ق : يعقده .
(٣) صف : وعلمه .

- ٢٣١ -
وقال يحيى بن سعيد: ما قدم علىّ مثل أحمد بن حنبل .
وقال أبو عاصم النبيل - وقد ذُكر طلاب العلم - فقال: ما رأينا فى
القوم مثل أحمد بن حنبل .
وقد ذكرنا هذه الأطراف وأمثالها فى كتاب فضائل الإمام أحمد
بأسانيدها ، فكرهنا الإعادة ههنا.
وعن أبى بكر المرْوزى قال: كنت مع أبى عبد الله نحواً من
أربعة أشهر بالسكر لا يدَع قيام الليل وقراءة النهار، فما علمت بختمةٍ
ختَمها . كان يَسرُّ ذلك .
١٠.
وعن أبى عصمة بن عصام البيهقى قال: بتّ ليلةً عند أحمد بن حنبل،
فجاء بالماء فوضعه . فلما أصبح نظر فى الماء فاذا هو كما كان : فقال :
سبحان الله، رجل يطلب العلم لا يكون له ورد بالليل(١)؟
وعن أبى داود السجستانى قال: لم يكن أحمد بن حنبل يخوض فى
شىْء مما يخوض فيه الناسُ من أمر الدنيا، فإذا ذكر العلم تكلم.
وعن أبى عبيد القاسم بن سلام قال: جالست أبا يوسف ومحمد بن الحسن
ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدى فما هِبْتُ أحداً منهم ما هبتُ
أحمد بن حنبل، ولقد دخلت عليه فى السجن لأسلم عليه فسألنى : رجل
عن مسألةٍ فلم أجبه هيبةً له .
(١) ق، قط: من الليل.

- ٣٤٠ -
وعن عبد الملك بن عبد الحميد الميمونى قال: ما أعلم أنى رأيت أحداً
أنظف ثوباً ولا أشدّ تَعاهُداً لنفسه فى شاربه وشعر رأسه وشعر بدَّ نه،
ولا أنقى ثوباً وأشدَّه بياضاً من أحمد بن حنبل.
وعن على بن المدينى قال : قال لى أحمد بن حنبل : إنى لأحب أن
أصحبك إلى مكة وما يمنعنى من ذاك إلا أنى أخاف أن أملّك أو تملّنى.
قال: فلما ودّعته قلت: يا أبا عبد الله توصينى بشىء؟ قال: نعم ألزمٍ
التقوى قلبك، والزّم(١) الآخرة أمامك.
وقال أبو داود السجستانى : كانت مجالسة أحمد بن حنبل مجالسةً
الآخرة، لا يُذكر فيها شىْء من أمر الدنيا. ما رأيت أحمد بن حنبل
ذكر الدنيا قطّ .
وعن أحمد بن عتبة(٢) قال: لما ماتت أم صالح قال أحمد لامرأة
عندهم: اذهبى إلى فلانة ابنة عمى فاخطبيها لى من نفسها . قال: فأثْها
فأجابته . فلما رجعت إليه قال: كانت أخُّها تَسمع كلامكَ قال: وكانت
بعين واحدة - قالت له: نعم قال: فاذهبى فاخطى تلك التى بعين واحدة
فأنتها فأجابتها وهى أم عبدالله. فأقام معها سبعاً ثم قالت له: كيف رأيت
يابن عم أنكرتَ شيئاً؟ قال: لا إلا أن نعلك هذه تصرّ.
(١) ق ، قط: وانصب.
(٢) قط: عنبر ، ق : عبثر .