Indexed OCR Text

Pages 261-280

- ٢٦١ -
هره
لواجده شيئاً. فقال: كم؟ فقلت: عشره. فقال: لا، ولكنّاً نُحيله
على الله عز وجل، فأىّ شىء نعمل ولا بدّلى من ردّه؟ فقالت له: نقاسى
الفقر معك منذ خمسين سنة ولك أربع بنات وأختان وأنا وأمى وأنت
تاسع القوم، أشبعنا واكسنا ولعل الله عز وجل يغنيك فتعطيه أو يكافئه
عنك ويقضيه: فقال لها: لست أفعل ولا أحرق حُشاشى بعد ستّ
ومانين سنة .
قال : ثم سكت القوم وانصرفت ، فلما أن كان من الغد على ساعات
۵
من النهار سمعت الخراسانى يقول: يا معاشر الحاج وفْدِ اللّهمن الحاضر
والبادى ، من وجد هميانًا فيه ألف دينار فردّه أضعف الله له الثواب.
قال : فقام إليه الشيخ فقال ياخراسانىّ قد قلت لك بالأمس ونصحتك
وبلدنا والله فقير قليل الزرع والضرع ، وقد قلت لك أن تدفع إلى
واجده مائة دينار فلعله أن يقع بيد رجل مؤمن يخاف الله عز وجل
فامتنعتَ ، فقل له عشرة دنانير منها فيردّه عليك ويكون له فى العشرة
الدنانير ستْر وصيانة. قال : فقال له الخراسانى: لا نفعل، ولكن
تُحيله على الله [عز وجل] قال : ثم افترقا .
قال الطبرى : فما اتبعت الشيخ ولا الخراسانى وجلست أكتب
كتاب النسَب للزبير بن بكار. فلما كان من الغد سمعت الخراسانى ،
ينادى ذلك النداء بعينه ، فقام اليه الشيخ فقال له : ياخراسانى قلت

- ٢٦٢ -
لك أول أمس الْمُشْر منه، وقلت لك أمس ◌ُشْرِ الْعُشْرِ، أعطِ دينار
عُشْرَ عُشْرِ العُشْرِ يشترى بنصف دينار قريبةً يستفى عليها للمقيمين
بمكة بالأجرة وبنصف دينار شاةً يحلبها ويجعل ذلك لعياله غذاء. قال
لا نفعل، ولكن تُحيله على الله [عز وجل].
قال : فجذ به الشيخ وقال له : تعالَ خذهميانك ودعنى أنام الليل،
وأرخْنا من محاسبتك. فقال له : امش بين يدى فشى الشيخ وتبعه
الخراسانى وتبعتُهما فدخل الشيخ فمالبث أن خرج وقال ادخل ياخراسانى
فدخل ودخلتُ . فنبَش تحت درجة له مزبلة فأخرج منها الهيمان أسود
من خرق بخارية غلاظ فقال: هذا حميانك. فنظر إليه وقال: هذا
هميانى قال: ثم حل رأسه من شدّ وَثيق ثم صب المال فى حجر نفسه
وقلّبه مراراً وقال : هذه دنانيرنا. وأمسك فم الهميان بيده الشمال وردّ
المال بيده اليمنى فيه ثم شدّشداً سهلاً ووضعه على كتفه ثم أراد الخروج
فلما بلغ باب الدار رجع فقال الشيخ: ياشيخ مات أبى رحمه الله وترك
من هذه ثلاثة آلاف دينار فقال لى: أخرج° ثلثها ففرّقه على أحق الناس
عندك، وبِعْ رحلى واجعله نفقة لحجّك. ففعلت ذلك، وأخرجت ثلها
ألف دينار وشددتها فى هذا الهميان، ومارأيتمنذخرجت من خراسان
إلى هاهنا رجلا أحقّ به منك خذه بارك اللهلك فيه قال: ثم ولى وتركه

- ٢٦٣ =
قال: فوّليت خلف الخراسانى فعدا أبو غياث فلحقَّى وردّنى وكان
شيخاً مشدود الوسط بشريط معصب الحاجبين، ذكر أنّ له ستاً وثمانين
سنة، فقال لى: اجلس فقد رأيتك تتبنى فى أول يوم وعرفتَ خبرنا
بالأمس واليوم، سمعت أحمد بن يونس اليربوعى يقول: سمعت مالكًاً
يقول: سمعت نافعاً يقول: عن عبد الله بن عمر أن النبى صلى الله عليه
وسلم قال لعمر وعلىّ رضى الله عنهما: ((إذا أنا كما الله بهدّية بلا مسألة
ولا استشرافٍ نفس فاقبلاها ولا ردّاها فتردّلها على اللهعز وجل(١)».
وهذه هدية من الله والهدية لمن حضر .
ثم قال يالبابة وفلانة وفلانة . فصاح ببناته وأخواته وزوجته وأمها
وقعد وأقعدنى فصرنا عشرة حمل الهميان وقال : ابسطوا حجُوركم
فبسطت حجرى وما كان لهنّقميصٌ له حجْرٌ يبسُطونه، فمدّوا أيديهم
وأقبل يعدّ ديناراً ديناراً حتى إذا بلغ العاشر إلىّ قال: ولك دينار حتى
فرغ الهميان وكانت ألفاً فيها ألف (٢) فأصابى مائة دينار ، فداخلنى
:
(١) لم أجده . وفى الباب ما أخرجه مسلم فى الزكاة عن ابن عمر أن رسول
الله (ص)، كان يعطى عمر بن الخطاب العطاء فيقول له عمر: أعطه يارسول الله أففر
إليه منى. فقال له رسول الله (ص)،: (( خذه فتمو له أو تصدق به، وما جاءك من
هذا المال وأنت غير مستشرف ولاسائل فخذه، ومالا فلا تتبعه نفسك)) والأحاديث
فى هذا المعنى كثيرة .
(٢) كذا فى النسخ .

- ٢٦٤ -٠
من سرور غنام أشدّ مما داخلنى من سرور صيانتى بالمائة دينار (١).
فاما أردت الخروج قال لى: يا فى إنك لمبارك وما رأيت هذا المال
قطٌ ولا أمّلته وإني لأنصحك أنه حلال فاحتفظْ به واعلم أنى كنت
أقوم فأصلى الغداة فى هذا القميص الخلق ثم أنزعه فيصلين فيه واحدة
واحدة ثم أكتسب إلى ما بين الظهر والعصر ثم أعود فى آخر النهار
بما فتح الله عز وجل لى من أَقِطٍ وَمْر وكَيْراتٍ (٢) ومن ◌ُقولٍ
تبذت ثم أنزعه فيتداولْنه فيصلّين فيه المغرب وعشاء الآخرة، فنفعهن
الله بما أخذن ونفعنى وإياك بما أخذنا، ورحِم صاحب المال فى قبره
وأضعف ثواب الحامل للمال وشكر له .
قال ابن جرير: فودّعته وكتبتُ بها العلمَ سنتين(٢) أتقوَّت بها
وأشترى منها الورق، وأسافر وأعطى الأجرة. فلما كان بعد سنة
ست وخمسين سألت عن الشيخ بمكة فقيل : إنه مات بعد ذلك بشهور،
ووجدت بناته ملوكًا تحت ملوك، وماتت الأختان وأمهن ، وكنت
أنزل على أزواجهن وأولادهن فأحدثهم بذلك فيأنسون بى ويُكرمونى،
ولقد حدّثنى محمد بن حيان البَجلى فى سنة تسعين ومائتين أنه ما بقى
منهم أحد . فبارك الله لهم فما صاروا إليه.
(١) قط : الدينار .
(٢) ط : وكسرات .
(٣)قط ـ سنين.

- ٢٦٥ -
٢٢٢ - أبو جعفر المزين الكبير
جاوَر بمكة ، وبها مات، وكان من العبّاد.
عن أحمد بن عبد الله، هو أبو نعم ، قال سمعت أبا جعفر الخياط
الأصبهانى بمكة يقول: سمعت أبا جعفر المزين يقول : محتقنا وبلاؤنا
صفاتنا ، فى فنبتْ حرَ كات صفاتنا أقبلت القلوب منقادة للحق.
وقال سمعت أبى يقول: سمعت أبا جعفر المزين الكبير يقول
إن الله لم يُؤمن الخائفين بقدْ رخوفهم ولكن بقدر جوده وكرمه، ولم
يُفرح المحزونين بقدر حزنهم ولكن بقدْ رِرأ فته ورحمته.
٢٢٣ - أبو الحسن علي بن محمد المزين الصغير
أصله من بغداد ولكنه أقام بمكة .
عن أبى عبد الله بن خفيف قال : سمعت أبا الحسن المزين بمكة يقول:
كنت فى بادية تبوك فتقدمت إلى بئر لأستقى منها فزلقتْ رجلى فوقعت
فى جوف البئر فرأيت فى البئر زاوية واسعة فأصلحتُ موضعًاً وجلست
عليه وقلت : إن كان منى شىء لا أُفسِد الماء على الناس ، وطابت نفسى
وسكن قلبى فبينا أنا قاعد إذا بخشْخشة(١) فتأملت فإذا بأفعى ينزل على
البئر فراجعتُ نفسى فإذا هى ساكنة. فنزل ودارَ بى وأنا هادئ
السرّلا يضطرب على ثم لفّ بى ذنبه وأخرجنى من البئر وحلّل عنى
ذنبه، فلا أدرى أرض ابتلعتْه أو سماء رفعته؟ وقمت ومشيت.
(١) ط : خشخشة .

- ٢٦٦ -
وعن جعفر الخلدى قال ودعت المزين الصوفى فقلت: زوّدنى
شيئاً. فقال إنْ ضاع منك شىء أو أردت أن يجمع الله بينك وبين
إنسان فقال: يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد،
اجمع بينى وبين كذا فإن الله يجمع بينك وبين ذلك الشىء أو ذلك
الإنسان. فما دعوت بها فى شىء إلا استجيب.
وعن أبى بكر الرازى قال : سمعت أبا الحسن المزين يقول: الذنب
بعد الذنب عقوبةُ الذنب، والحسنة بعد الحسنة ثواب الحسنة .
وقال أبو الحسن المزين من استغنى بالله أخْوَجَ الله الخُلْقَ إليه.
وقال : المعجَب بعلمه(١) مستدرَج، والمستحسِنِ لشىء من أفعاله(٣)
ممكورٌ به
قال السلمى: صحب أبو الحسن المزين الجنيد وسهل بن عبد الله،
وأقام بمكة مجاوراً حتى توفى بها سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة.
٢٢٤ - أبو القاسم سعد بن علي بن محمد الن نجانى
طاف الآفاق ولقىَ المشايخ وسكن مكة فصار شيخ الحرم .
وكان إذا خرج إلى الحرم يُخْلون المطاف ويقبلون يده أكثر من
تقبيل الحجر . وكانت له كرامات .
(١) ط: بعمله. (٢) قط : أحواله.

- ٢٦٧ *
عن أبى عبدالله محمد بن أحمد قال: لما عزم الشيخ سعد على الإقامة
بالحرَم عزم على نفسه نيّفاً وعشرين عزمة يلزمها إياها من المجاهدَات
والعبادات. ومات بعد ذلك بأربعين سنة ولم يخلّ منها بعزيمة واحدة.
قال المصنف : أنبأ اسماعيل بن أحمد عن سعد بن على الزنجانى قال:
أنشدنى ابو عبد الله محمد بن أحمد الواعظ قال : أنشدنى على
ابن عبد العزيز الجرجانى.
صِرتُ للبيت والكتابِ جَليسا
ما تطعّمتُ لذّة العيش حتى
فَلْ أبتغى سواء أنبسا ؟
٥
ليس شىء أعزَّ عندى من العلم
إنما الذلّ فى مخالطة الناس فَدَعْهم وعشْ عزيزاً رئيسا
توفىَّ الزنجانى فى سنة سبعين، أو إحدى وسبعين، وأربع مائة.
رحمه الله.

ذكر المصطفين من عبادٍ كانوا بمكة
لم تُعرف أسماؤهم(١)
٢٢٥ - عابد
عن عبد الله بن المبارك قال: كنت مكة فأصابهم قحط فخرجوا إلى
المسجد الحرام يستحقون فلم يُسقَوْا. وإلى جانبى أسود مَنهوك فقال:
اللهم انهم قد دعَوك فلم تُجبهم وإنى أقسم عليك أن تسقينا. قال: فوالله
مالبثنا أن سقينا.
قال: فانصرف الأسود واتّبعته حتى دخل داراً فى الخياطين فعلمتها
فلما أصبحت أخذت دنانير وأتيت الدار فإذا رجل على باب الدار
فقلت : أردت ربَّ هذه الدار. فقال: أنا. قلت: مملوك لك أردت
شراءه فقال: لى أربعة عشر مملوكاً أُخرجهم إليك فأخرجَهم فلم
يكن فيهم. فقلت له : بقى شىء؟ فقال: لى غلام مريض ، فأخرجَه
فإذا هو الأسود: فقلت: بعْفيه. قال: هولك ياأبا عبدالرحمن. فأعطيته
أربعة عشر ديناراً وأخذت المملوك فلما صرْنا إلى بعض الطريق . قال
لى: يا مولاى أىَّ شىء تصنع بى وأنا مريض؟ فقلت: لما رأيت
(١) ط: لم نعرف أسماء هم.

- ٢٦٩ -
عشية أمس. قال : فاتكاً على الحائط فقال: اللهم إذ شهرْ تَي فاقبضْنى
إليك. قال: فخّر ميتًاً: قال: فانحشر عليه أهل مكة.
وقد رُويت لنا هذه الحكاية على صفة أخرى . قال ابن المبارك :
قدمت مكة فإذا الناس قد قحطوا من المطر وهم يستسقون فى المسجد
الحرام ، وكنت فى الناس مما يلى بابَ بى شيبة، إذ أقبل غلام أسود
عليه قطعتا خيش قد انزر بإحداهما وألقى الأخرى على عاتقه ، فصار
فى موضع خفّي إلى جانبى فسمعته يقول: إلهى أخلقَت الوجوهَ كثرةُ
الذنوب ومساوى الأعمال، وقد منعتنا غيثَ السماء لتؤدّب الخليقة
بذلك، فأسألك ياحليماً ذا أناة، يامَن لا يعرف عبادُه منه إلّ الجميل،
اسقهم الساعة الساعة.
قال ابن المبارك ، فلم يزل يقول : الساعة الساعة ، حتى استوتْ
بالغمام وأقبل المطر من كل مكان وجلس مكانه يسّح وأخذت أبكى،
إذ قام فاتّعته حتى عرفت موضعه. فجئت إنى فضيل بن عياض فقال لى:
مالى أراك كئيبا؟ فقلت: سبقَنا إليه غيرُنا فتولاه دوننا فقال:
وما ذاك ؟ فقصصت عليه القصة فصاح وسقط وقال :
ويحك يابن المبارك خذنى إليه . فقلت : قد ضاق الوقت وسأبحث
عن شأنه .

- ٢٧٠ -
فلما كان من الغد صليت الغداة وخرجت أريد الموضع فإذا شيخ على
الباب قد ◌ُبسط له وهو جالس فلما رَانى عرفنى وقال : مرحبا بك
ياأبا عبد الرحمن حاجَتك فقلت له : احتجْتُ إلى غلام أسود.
قال: نعم عندى عدة فاجترَاً يَهَّم شئت فصاح: ياغلام فخرج غلام
جلد، فقال: هذا محمود العاقبه أرضاه لك فقلت : ليس هذا حاجتى .
فمازال يخرج واحداً بعد واحد حتى أخرج إلىّ الغلام. فلما بصرت به
بدرتْ عيناى فقال: هذا هو؟ قلت: نعم. قال: ليس إلى بيعه سبيل
قلت: ولمَ ؟ قال: قد تبركتُ بموضعه من هذه الدار وذلك أنه لا يرزونى
شيئاً . قلت ومن أين طعامه وشرابه؟ قال: يكسب من مثل الشريط
نصف دانق أو أقل أو أكثر فهو قَوته ، فانْ باعه فى يومه (١) وإلا
طَوِىَ(٢) ذلك اليوم، وأخبر نى الغلمان عنه أنه لا ينام هذا الليل الطويل
ولا يختلط بأحد منهم مهتم بنفسه. وقد أحبّه قلبى فقلت له: أنصرف
إلى سفيان بن عيينة (١) وإلى فضيل بن عياض بغير قضاء حاجة ؟ فقال
إن ممشاك عندی کبیر ، خذهماشئت.
قال : فاشتريته فأخذت نحو دار فضيل بن عياض ، فمشيت ساعة
(١) ط : ذلك اليوم .
(٢) طوى . جاع .
(٣) قط ، سفيان الثورى .

-- ٢٧١ -
فقال لى: يامولاى. فقلت: لبيك قال لاتقل لى لبيك فإن العبدأولى
أن يلتى من المولى. قلت: حاجتك ياحبيبى . قال: أنا ضعيف البدن
لاأطيق الخدمة وقد كان لك فى غيرى سعة وقد أخرج اليك من هو
أجلد منى . فقلت : لايرانى الله أستخدمك ولكن أشترى لك منزلا
وأزوّجك وأخدمك أنا بنفسى. قال: فبكى. فقلت له : ما يبكيك ؟
قال: أنت لم تفعل هذا إلا وقد رأيت بعض متّصلاتى بالله تعالى وإلا
فلم اخترْتنى من بين أولئك الغلمان؟ فقلت له: ليس بك حاجة إلى هذا
فقال لى : سألتك بالله إلا ما أخبرتنى. فقلت له : بإجابة دعوتك فقال
لى: إنى أحسبك إن شاء الله تعالى رجلا صالحاً. إن اللهعز وجل خبِرَةً
من خلقه لا يكشف شأنهم إلا لمن أحب من عباده ولا يظهر عليهم إلا
من قدارتضى .
ثم قال لى : ترى أن تقف علىّ قليلا فانه قد بقيت علىّ ركعات من
البارحة فقلت: هذا منزلُ فضيلٍ قريبٌ: قال: لا، ههنا أحبّ إِلى
أمر الله عز وجل لا يؤخر فدخل من باب الباعة إلى المسجد ، فمازال
يصلىّ حتى إذا أتى على ما أراد التفت إلىّ وقال: يا أبا عبد الرحمن هل
من حاجة؟ قلت: ولم؟ قال: لأنى أريد الانصراف. قلت: إلى أين؟
قال: إلى الآخرة . قلت: لا تفعل دعنى أُسَرُّبك. فقال لى: أما كانت
تطيب الحياة حيث كانت المعاملة بينى وبينه تعالى، فأما إذا طلعت عليها

- ٢٧٣ -
أنت فسيطلع عليها غيرك فلا حاجة لى فى ذلك. ثم خرّلوجهه فعل
بقول : الهى اقبضى الساعة الساعة الساعة.
فدنوت منه فإذا هو قدمات ، فوالله ما ذكر ته قط إلاطال حُزْبى
وصغُرت الدنيا فى عنى [رحمه الله]
٢٢٦ - عابد آخر
عن أبى سعيد الخزاز قال: كنت بمكة معى رفيق لى من الورعين،
فأقنا ثلاثة أياملم نأكل شيئاًوكان بحذائنا فقير معه كُوَيزة وركْوة مغطاة
بقطعة خَيش، وربما كنت أراه يأكل خبزَ خُوّارى(١). فقلت فى نفسى
والله لأقولن لهذا نحن الليلة فى ضيافتك: فقلت له . فقال: نعم وكرامة
فلما جاء وقت العشاء جعلت أراعيه (٢) ولم أرمعه شيئاً. فمسح يده على
سارية فوقع على يده شىء فناولنى فإذا درهمان لانشبه (٢) الدرام. فاشترينا
خبزاً وأدماً .
فلما مضى لذلك مدة جئت إليه وسلمت عليه وقلت له : إنى مازلت
أراعيك منذ تلك الليلة وأنا أحبّ أن تعرّفنى يم(٤) وصلت إلى ذلك؟
فان كان يبلغ بعمل حدثشى. فقال: يا أبا سعيد ماهو إلا حرف واحد.
قلت: وماهو ؟ قال: تخرج قدْر الخلق من قلبك تصل إلى حاجتك.
(١) الحوارى (بضم الحاء وتشديد الواو وفتح الراء). الرقيق الأبيض وهو
لباب الدقيق. ط («خبزاً حوارياً)» تحريف.
(٢) أراقبه وأنظر إليه .
(٣) كذا فى النسخ .
(٤) فى النسخ ، بما .

- ٢٧٣ -
٢٢٧ - عابد آخر
عن بيان المصرى قال: كنت فى مكة قاعداً وشاب بين يدى فجاءه
إنسان وحمل اليه كيساً فيه درام فوضعه بين يديه ، فقال: لاحاجة لى
فيه : فقال: فرّقه على المساكين ففرقه . فلما كان العشاء رأيته فى
الوادى يطلب شيئاً لنفسه. فقلت: لوتركتَ شيئا لنفسك مما كان
معك. فقال: لم أعلم أنى أعيش إلى هذا الوقت .
٢٢٨ - عابد آخر
عن عبيد الله (١) بن أبى نوح قال: قال لنا عابد كان بمكةً: ماتركت
النارُ للعاقل سروراً فى أهل ولاولد، ولبئس المصيرُ مصير مفرط فى المهلة
ومتكل على الغرة وطول الغفلة.
وقال لنا: لتكن الأثرة لله فى قلوبكم ، المستولية على جميع أموركم
يوشك أن تفوزوا بذلك يوم يخسر المبطلون - [ رحمه الله].
(١) ط . عبد الله.
(م ١٨ - صفة الصفوة )

- ٢٧٤ -
ذكر المصطفيات من عابدات مكة
٢٢٩ - حكيمة المكية
عن سلمة بن خالد المخزومى قال ، وكان من خيار بنى مخزوم، قال:
كان هاهنا امرأة من بني مخزوم مجاورة ، وكان يقال لها حكيمة.
وكانت إذا نظرت إلى باب الكعبة قد فُتح صرخت كما تصرخ الشكلى
فلا تزال تصرخ حتى يغمى عليها وكانت لا تكاد تفارق المسجد إلا
للأمر الذى لا بدّ منه . قال : ففُتحت الكعبة يوماً وهى فى بعض
حاجتها فلما جاءت قالت لها أمرأة كانت تجالسها: حكيمة فُتح اليوم
بيت ربك(١) فلو رأيت الطائفين يطوفون بالبيت والباب مفتوح وم
ينتظرون الرحمة من مليكهم لقد قرّت عينك . قال فصرخت حكيمة
صرخة ثم لم تزل تضطرب حتى ماتت، رحمها الله.
٢٣٠ - نقيش بنت سالم
عن أبى المورق قال : حدثنى من سمع نقبش بنت سالم بمكة وهی
تقول: يا سيد الأنام رحلت بى الشقة وهذا مقام العائد بعفوك من
سخطك، وبرحمتك من غضبك . يا حبيب الأّوابين، يا من لا يُكديه
الإِعطاء، يا ذا المنّ والآلاء زدْنى بالثقه منك وصْلةً، واجعل قِراىَ
عُثْقَ رقبتى وأقرِرْ عينى برضاك.
(١) ط: ((يا حكيمة فتح بيت ربك)).

- ٢٧٥ -
قال: ورأيتها بالموقف وهى تقول: بهظّى (١) الآثام يا سيد الأنام
كحلت عينى عُلمول(٢) الحزن فوعزتك لانعمت بضحك أبداً حتى
أعلم أين قَرارى، وإلى أين تصير دارى؟ فلما رأت أيدى الناس مبسوطة
للدماء قالت: يا ربّ أقامهم هذا المقامَ خوفُ النار. ياقرة عينى وعيونِ
الأبرار، يلتمسون نائلك ويرجون فضلك . فلما رجعوا وضعت خدّها
وصرخت: انصرفَ الناس ولم أشعر قلبى منك اليأس(٢).
٢٣١ - عائشة المكية
عن أبى عبيد القاسم بن سلام قال: دخلت مكة ، وكنت ربما أقعد
بحذاء الكعبة ، وربما كنت أستلقى وأمدّ رجلى. فجاءتني عائشة المكمّية
وكانت من العابدات ممن صحب الفضيل - فقالت لى: يا عبد الله يقال
إنك عالم، أقبل منى كلمة: لا تجالسه إلاّ بأدب فيمحو اسمك من
ديوان القُرب(٢).
٢٣٢ - ابنة أبى الحسن المكي
عن عبد الله بن أحمد بن بكر . قال : كان لأبى الحسن المكى ابنة
مقيمة بمكة أشدّ ورعا منه وكانت لا تقتات إلا ثلاثين درهماً يُنفذها
(١) ق: نهضتنى
(٢) الملمول: المروء ، وهو الميل يكتحل به.
(٣) ط : رحمه الله تعالى.

- ٢٧٦ -
إليها أبوها فى كل سنة مما يستفضله من من الخوص الذى يسفه ويديمه
فأخبرنى ابن الروامن التمار، وكان جاره، قال جئت أودعه للحج
وأستعرض حاجته وأسأله أن يدعو لى فسلم إلىّ قرطاساً وقال: تسأل
بمكة عن الموضع الفلاني عن فلانة وتسلم هذا إليها فعلمت أنها ابنته .
فأخذت القرطاس وجئت فسألت عنها فوجدتها بالعبادة والزهد
أُشّد اشتهاراً من أن تخفى فتتبعت نفسى أن يصل إليها شىء من مالى
يكون لى ثوابه، وعلمت أننى إن دفعت إليها ذاك لم تأخذه. ففتحت
القرطاس وجعلت الثلاثین خمسین درهما ورددته کما کان وسلمته إلها
فقالت أى شىء خبر أبى . فقلت: سلامة . فقالت : قد خالط أهل
الدنيا وترك الانقطاع إلى الله تعالى؟ فقلت : أسألك بالله وبمن حججت
إليه عن شىء فتصدقنى؟ فقلت: نعم. فقالت: خلطت بهذه الدرام
شيئاً من عندك؟ فقلت: نعم فمن أين علمتٍ بهذا؟ قالت : ما كان أبى
يزيدنى على الثلاثين شيئاً لأن حاله لا يحتمل أكثر منها إلا أن يكون
ترك العادة فلو أخبر تنى بذلك ما أخذت منه أيضاً شيئاً.
ثم قالت لى خذ الجميع فقد عققتنى من حيث قدرت أنك تبرّنى فقلت
ولم؟ قالت لا آكل شيئاً ليس هو من كسبى ولا كسب أبى ولا آخذ
من مال لاأعرف كيف هو شيئاً. فقلت : خذى منها الثلاثين كما أنفذ
إليك أبوك وردّى الباقى. فقالت: لو عرفتها بعينها من جملة الدرام

- ٢٧٧ -
لأخذُها ولكن قد اختلطتْ بما لا أعرف جهته فلا آخذ منها شيئاً
وأنا الآن أقنات إلى الموسم الآخر من المزابل لأن هذه كانت قُوّنى
تلك السنة ، فقد أجعتنى، ولولا أنك ما قصدت أذاىَ لدعوت عليك.
قال : فاغتممتُ وعُدت إلى البصرة وجئت إلى أبى الحسن فأخبرته
واعتذرتُ إليه فقال: لا آخذها وقد اختلطت بغير مالى، وقد عققتى
وإياها قال فقلت : فما أعمل بالدرام؟ قال: لا أدرى. فمازلت مدة
أعتذر إليه وأسأله ما أعمل بالدرام؟ فقال لى بعدمدة. تصدّق بها . ففعلت

- ٢٧٨ -
ذكر المصطفيات من عابدات مكة
المجهولات الأسماء
٣٣٣ - جارية سوداء
عن المثنى بن الصباح قال كان عطاء ومجاهد يختلفان إلى جارية
سوداء فى ناحية مكة تُبكهما ثم يرجعان -
٢٣٤ - عابدة أخرى
عن مالك بن دينار قال: رأيت امرأة بمكة من أحسن الناس
عينين قال: فكان النساء (١) يحثن فينظرن إليها . فأخذتْ فى البكاء
فقيل لها تذهب عيناك. فقالت: إن كنت من أهل الجنة فيبدلى الله
عينين أحسن من هاتين، وإن كنت من أهل النار فسيصيبهما أشد
من هذا . فبكت حتى ذهبت إحدى عينها - رحمها الله .
٢٣٥ - عابدة أخرى
عن أبى عبد الرحمن المغازلى قال : كانت حكيمة مجاورة بمكة
فدخلنا عليها ذات يوم، فقالت لها امرأة كانت تخدمها: إخوانك جاؤوك
يحبّون أن يسمعوا كلامك .
(١) ط: وهيتنى فكن النساء.

- ٢٧٩ -
قال: فبكت طويلاً ثم أقبلت علينا فقالت: إخوتى وُقُّرة عينى
مثّلوا القيامةَ نُصْب أبصار قلوبكم ورّوا على أنفسكم ما قدم نقدّم
من أعمالكم فما ظنتم أنه يجوز فى ذلك اليوم فارغبوا إلى السيد فى قبوله
وتمام النعمة فيه، وما خفّم أن يُرّد فى ذلك اليوم عليكم فخذوا فى
إصلاحه من اليوم ولا تغفلوا عن أنفسكم فترد عليكم حيث لا يوجد
البدل ، ولا يقدر على الفداء .
قال: ثم بكْت طويلا ثم أقبلت علينا فقالت: إخوتى وقرة عينى
إنما صلاح الأبدان وفسادها فى حسن النية وُسوئها . إخوانى وقرة
عينى إنما نال المتقون المحبة لمحبتهم له وانقطاعهم اليه ولولا الله ورسوله
ما نالوا ذلك ولكنهم أحبوا الله ورسوله فأحبهم عباد الله لحيهم الله
ورسوله. إخوانى وقُّرة عيني، كلّم الحوفُ قلوب أهله فاقتطعهم واللهِ
وشغلهم عن مطاعم الذات والشهوات إخوتى وقّرة عينى ، بقْدر
ما تُرِضون عن الله يُعرض عنكم بخيره، وبقدرماً تقبلون عليه كذلك
يقبل عليكم ويزيدكم من فضله ، والله واسع كريم.
٢٣٦ - عابدة أخرى
عن ابن أبى رواد قال: كان عندنا أمرأة بمكة تسّح كل يوم اثنتى
عشرة ألف نسبية . فاتت فلما بلغت القبر اختلست من أيدى الرجال
رحمها الله.

- ٢٨٠ -
٢٣٧ - عابدة أخرى
عن ابن شوذب قال: كتب عبدة بن أبي لبابة إلى شريك يقال له الحسن
بن الخزاز: ادفع ثلاثَ مائةٍ درم إلى اخوج أهل بيتٍ بمكة . فسأل
فُدُلّ على أهل بيت فوقف بهم ، فخرجت إليه امرأة كبيرة حسنة
السمت فقال لها: بُعث إلىّ بثلاث مائة درهم وأمرت أن أدفعها إلى
أحوج أهل بيت بمكة فقالت المرأة: ان كنت أمرت بهذا فما نحن
هم ومالنا فيها من حق ، وأنا أعرف أهل بيت أحوج منا.
فسألها فدّلته عليهم فأعطاهم الدراهم وكتب إلى عبدة يخبره بحال
المرأة فكتب عبدة أَنْ أضيِفْها أعطِها ستمائة درهم.
وقد ذكرنا نحو هذه الحكاية عن عابدة من أهل المدينة(١).
٢٣٨ - عابدة أخرى
عن أبى الحسن الرام، وكان من خيار الناس ، قال: كانت امرأة مكة
يأتيها العبّاد فيتحدثون عندها ويتوا عظون. فقالت لهم يوما: حجّبت
قلوَ بكم الدنيا عن الله عزّ وجل، فلو جليتموها (٢) لجالت فى ملكوت
السموات(٣) ولأنتَكْم بطرف الفوائد.
(١) صف : عابدة بالمدينة.
(٢) ط : جليتموها .
(٣) ط : السماء.