Indexed OCR Text

Pages 241-260

- ٢٤١ -
إن رأيت فى ذلك المسجد ، يعنى المسجد الحرام ، رجلا شراً منك،
إن كنت ترى أن فيه شراً منك فقد ابتُليت بعظيم .
وعن يونس بن محمد المكى قال: قال فضيل بن عياض لرجل :
لأعلّمنك كلمة هي خير من الدنيا ومافيها: والله لئن علم الله منك إخراج
الآدمين من قلبك حتى لا يكون فى قلبك(١) مكان لغيره ؛ لم تسأله شيئا
إلا أعطاك .
وعن إبراهيم بن الاشعث قال سمعت الفضيل بن عياض يقول
مايؤمنك أن تكون بارزت الله بعمل مقتك عليه فأغلق دونك أبواب
المغفرة وأنت تضحك كيف ترى تكون حالك.
وعن عبد الصمد بن يزيد قال: سمعت الفضيل يقول : أدركت
أقوامًاً يستخيون من الله فى سواد الليل من طول الهجعة، إنما هو على
الجنب فاذا يحرك قال : ليس هذا لك قومى خذى حظك من الآخرة.
وعن محمد بن حسان السمنى قال: شهدت الفضيل بن عياض وجلس
إليه سفيان بن عيينة. فتكلم الفضيل فقال: كنتم معشر العلماء سُرُج البلاد
يستضاء بكم فصرتم ظَلَمَةً وكنتم نجوماً يُهتدى بكم فصرتم حيرة، ثم
لا يستحى أحدكم أن يأخذ مال هؤلاء الظلمة ، ثم يسند ظهره يقول:
حدثنا فلان عن فلان. فقال سفيان: لئن كمنا لسنا بصالحين فانا تحتّهم.
(١) ق . من قلبك . صف . فيك.
( م ١٦ - صفة الصفوة)

- ٢٤٢ -
وعن بشر بن الحارث قال: قال الفضيل بن عياض: لأن أطلب
الدنيا بطبل ومزمار أحبَّ إلى من أن أطلبها بالعبادة.
م
وعن الفضل بن الربيع قال : حج أمير المؤمنين الرشيد فأنانى
فخرجت مسرعاً فقلت يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلىّ أتيتك . فقال:
ويحك قدْ جَكَّ فى نفسى شىءٍ(١) فانظر لى رجلاً أسأله . فقلت هاهنا
سفيان بن عيينة . فقال: امض بنا إليه . فأتيناه فقرعت الباب فقال
من ذا ؟ فقلت : أجب أمير المؤمنين . فخرج مسرعاً فقال : يا أمير
المؤمنين لوأرسلت إلى أتيتك. فقال له : خذ لما جئناك له
رحمك الله .
فحدثه ساعة ثم قال له : عليك دين ؟ قال: نعم: فقال: أبا عباس
اقض دينه فلما خرجنا قال : ما أغنى عنى صاحبك شيئا، انظر لى رجلا
أسأله . فقلت له: هاهنا عبد الرزاق بن همام . قال: امض بنا اليه .
فأتيناه فقرعت الباب فقال: من هذا؟ قلت: أجب أمير المؤمنين .
فخرج مسرعاً فقال: يا أمير المؤمنين لوأرسلت إلى أتيتك. قال: خذ
لما جئناك له.
فحادثه ساعة ثم قال له : عليك دين؟ قال : نعم قال أبا عباس اقض
(١) يقال. حك فى صدرى شىء. أى عمل وأثر. وفى ق: ((حصل فى
تنسی شیء » والمعنى واحد .

- ٢٤٣ -
دينه. فلما خرجنا قال : ما أغنى صاحبك شيئاً انظر لى رجلاً اسأله.
قلت: هاهنا الفضل بن عياض. قال امض بنا اليه . فأتيناه فإذا هو
قائم يصلى يتلو آية من القرآن يرددها . فقال : اقرع الباب . فقرعت
الباب فقال: من هذا: فقلت: أجب أمير المؤمنين فقال: مالى والأمير
المؤمنين؟ فقلت: سبحان الله أما عليك طاعة ؟ أليس قد روى عن النبي
صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ليس للمؤمن ان يُذل نفسه)) فنزل ففتح
الباب ثم ارتقى إلى الغرفة فأطفأ المصباح ثم التجأ إلى زاوية من زوايا
البيت . فدخلنا نجعلنا نجول عليه بأيدينا فسبقت كفَّ هارون قبلى
إليه . فقال: يالها من كف ما ألينها إِن نجت غداً من عذاب الله عز
وجل فقلت فى نفسى : ليكلمنه الليلة بكلام نقى من قلب تقى . فقال له :
خذ لما جئناك له رحمك الله فقال : ان عمر بن عبد العزيز لماولى الخلافة
دما سالم بن عبد الله، ومحمد بن كعب القرظى ورجاء بن حيوة فقال
لهم إنى قد ابتُليت بهذا البلاء فأشيروا علىَّ. فعدَّ الخلافة بلاء وعددتها
أنت وأصحابك نعمة . فقال له سالم بن عبد الله: إن أردت النجاة غداً
من عذاب الله فَصُم عن الدنيا وليكن إفطارك من الموت. وقال له محمد بن
كعب القرظى: إن أردت النجاة من عذاب الله ) فليكن كبير المسلمين
عندك أبًاوأ وسطهم عندك أخاً وأصغرم عندك ولداً فوقر أباك وأكرم
أخاك وتحنن على ولدك .

- ٢٤٤ -
وقال له رجاء بن حيوة: إن أردت النجاة غداً من عذاب الله عز وجل
فأحِبَ للمسلمين ما تُحبّ لنفسك واكَرَه لهم ما تكرَهُ لنفسك ثم مُت
إذا شئت وإتى أقول لك إنى أخاف عليك أشدّ الخوف(١) يوم نزل
فيه الأقدام فهل معك رحمك الله مَن يشير عليك بمثل هذا؟
فبكى هارون بكاء شديداً حتى غُشى عليه فقلت له ارفق بأمير
المؤمنين فقال: يا بن أم الربيع تقتله أنت وأصحابك وأرفُق به أنا ثم
أفاق فقال له : زدْنى رحمك الله فقال :
يا أمير المؤمنين بلغني أن عاملاً لعمر بن عبد العزيز شكا إليه.
فكتب إليه عمر: يا أخى أذكّرك طول سهر أهل النار فى النار مع خلود
الأبد وإياك أن ينصرف بك من عند الله فيكون آخر العهد وانقطاع
الرجاء . قال فلما قرأ الكتاب طوى البلادحتى قدم على عمر بن عبد العزيز
فقال له ما أقدمك ؟ قال : خلمتَ قلى بكتابك لا أعود إلى ولاية أبداً
حتى ألقى الله عز وجل .
قال : فبكى هارون بكاء شديدا ثم قال له زدنى رحمك الله. فقال
يا أمير المؤمنين إن العباس عم المصطفى صلى الله عليه وسلم جاء إلى النبى
(١) كذا فى النسخ. والصواب ((يوماً)) مفعول أخاف. ق: ((يوم تزول))

- ٢٤٥ --
صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أمّربى على إمارة فقال له النبي
صلى الله عليه وسلم ((إن الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة فإن استطعت
أن لا تكون أميراً فافعل(١) .
فبكى هارون بكاء شديداً وقال له زدنى رحمك الله فقال يا حسن
الوجه أنت الذى يسألك الله عز وجل عن هذا الخلق يوم القيامة ، فان
استطعت أن تقىَ هذا الوجه من النار فافعلْ، وإياك أن تصبح و ◌ُسى
وفى قلبك غشّ لأحد من رعيتك فإن النىّ صلى الله عليه وسلم قال من
أصبح لهم غاشاً لم يرح رائحة الجنة(٢).
فبكى هارون وقال له عليك دَينْ ؟ قال نعم دين لربى يحاسبنى عليه،
فالويل لى إن سألنى، والويل لى إن ناقشني، والويل لى إن لم أُلْمَ
حجّى قال: إنما أعني دَيْن العباد. قال: إذ ربى لم يأمرفى بهذا، أمرربى
(١) لم أجده. وفى الباب عن أبى هريرة عن النبى (ص) قال: ((إذكم
ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة فنعم المرضعة وبئس الفاطمة»
أخرجه البخارى والنسائى. وقال أبو ذر: يا رسول الله ألا يتستعملنى؟ فضرب
بيده على منبكى ثم قال: يا أبا ذر إنك ضعيف ، وإنها يوم القيامة خزى وندامة.
إلا من أخذها بحقها وأدى الذى عليه فيها - أخرجه مسلم وأبو داود .
(٢) أخرجه البخاري في الباب الثامن من كتاب الاحكام ومسلم في الامارة
باب فضيلة الامير العادل ، ومعناه أن يكون مستحلاً لغشهم .

- ٢٤٦ -
أن اوحده وأطيع أمره، فقال عزّ وجل ((وما خلقتُ الجن والإنس
إِلّ ليعْبُدُون، ما أريدُ منهم من رزْقٍ وما أُريد أن يُطمونٍ إن الله هو
الرزّاق ذو القُوّة المتينُ (٣).
فقال له هذه ألف دينارخذها فأنفقها على عيالك وتقوسها على عبادتك
فقال : سبحان الله أنا أدلك على طريق النجاة وأنت تكافئنى بمثل هذا؟
سامك الله ووفقك .
ثم صمت فلم يكلمنا فخرجنا من عنده فلما صرنا على الباب قال هارون:
أبا عباس إذا دللتنى على رجل فدلى على مثل هذا ، هذا سيد المسلمين
فدخلت عليه امرأة من نسائه فقالت: يا هذا قد ترى ما نحن فيه
من ضيق الحال فلو قبلت هذا المال فتفرجنا به فقال لها: مثلي ومثلكم
كثَل قَوْمٍ كان لهم بعير يأكلون من كتبه فلما كبرٍ تحروه فأكُلُوا لحمه
فلما سمع هارون هذا الكلام قال: ندخل فعسى أن يقبل المال فلما
علم الفضيل خرج نجلس فى السطح على باب الغرفة ، فجاءهارون فجلس
إلى جنبه فجعل يكلمه فلا يجيبه فيينا نحن كذلك إذ خرجت جارية
سوداء فقالت: يا هذا قد آذيتَ الشيخ منذ الليلة فانصرفْ رحمك
الله فانصرفنا .
(٣) الذاريات ٥٦ - ٥٨ .

- ٢٤٧ -
اقتصرنا على هذا القدر من أخبار الفضيل لأنا قد أفردنا لكلامه
ومناقبه كتابا فمن أراد الزيادة فلينظر فى ذلك الكتاب -
وقد أسند الفضيل عن جماعة من كبار التابعين منهم الأعمش
ومنصور بن المعتمر وعطاء بن السائب وحصين بن عبد الرحمن ومسلم
الأعور وأبان بن أبى عياش - وروى عنه خلق كثير من العلماء وقد
ذكرنا جملة من رواياته فى ذلك الكتاب .
وتوفى رضى الله عنه فى سنة سبع وثمانين ومائة -
٢١٩ - علي بن الفضيل بن عياض
الحقناه بدرجة أبيه، لأنه مات فى حياة أبيه، واقتصرنا من أخباره
على اليسير لأنا قد ادرجناها فى كتاب فضائل أبيه رضى الله عنهما -
عن فضيل بن عياض قال بكى ابنى على فقلت: يا على ما يبكيك؟
قال يا أبة أخاف ألاّ تجمعنا القيامة -
وعن بشر بن الحارث قال: كان عشرة ينظرون فى الحلال النظر
الشديد ، لا يدخل بطونهم إلاّ حلال، ولو استفّوا التراب فذكر
منهم على بن الفضيل-
وعن محمد بن الحسن قال كان على بن الفضيل يصلى حتى يزحف إلى

- ٢٤٨ __
فراشه ثم يلتفت إلى أبيه فيقول: يا ابة سبقنى العابدون .
وعن سفيان بن عيينة قال مارأيت أحداً أخوف من الفضيل وابنه
أسند على عن عبد العزيز بن أبى رواد، وسفيان بن عيينة وغيرهما
[رضى الله عنهما].
٢٠ - محمد بن ادريس الأمام الشافعى
رضى الله عنه
یکني أبا عبد الله
عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال: قال الشافعى: ولدت بغّزة
سنة خمسين ومائة وحملت إلى مكة وأنا ابن سنتين .
قال: وأخبر نى غيره عن الشافعى قال لم يكن لى مال فكنت أطلب
العلم فى الحداثة أذهب إلى الديوان أستوهب الظهور أكتب فيها -
وعن حسين الكرابيسى قال: سمعت الشافعى يقول: كنت امرءاً
اكتب الشعر وآتى البوادى فأسمع منهم، وقد مت مكةوخرجت وأنا
أتمثل بشعر للبيد وأضرب وحشئْ قدمى بالسوط فضربنى رجل من
ورائى من الحجَبَة فقال: رجل من قريش ثم ابن المطلب(١) رضى من
دينه ودنياه أن يكون معلما ما الشعر (٣)؟ الشعر إذا استحكمت فيه
قعدت معلماً، تفقه يُملِكَ الله.
قال: فنفعنى الله بكلام ذلك الحجيّ، ورجعت إلى مكة وكتبت
(٢) ق: (( ما من الشعر)).
(١) ق: عبد المطلب

- ٢٤٩ -
عن ابن عيينة ماشاء الله أن أكتب. ثم كنت أجالس مسلم بن خالد
الزنجى . ثم قدمت على مالك فكتبت موطّاه. فقلت له: يا أباعبدالله
أقرأ عليك؟ فقال: يا بنْ أخى تأتى برجلٍ يقرؤه علىّ ونسمع . فقلت
أقرأ عليك فتسمع إلى كلامى . فقال: اقرأ . فلما سمع قرأتُ عليه حتي
بلغت كتاب السِيرَ . قال لى: اطْوِهِ يا بن أخى تفقّه تُمْلَ.
وعن محمد بن اسمعيل الحميرى عن أبيه . قال: كان الشافعى يطلب
اللغة والعربية والشعر وكان كثيراً ما يخرج إلى البدو فيحمل مافيه
من الأدب . فبينما هو يوماً فى حىّمن أحياء العرب جاء إليه بدوىّ
فقال له : ما تقول فى امرأة تحيض يوماً وتطْهُر يوماً؟ قال: ما أدرى
قال: يابن أخى الفريضة أولى بك من النافلة . فقال له : إنما أريد هذا
لذاك، وعليه قد عزمت وبالله التوفيق. ثم خرج إلى مالك بن أنس
وعن الحميدى عن الشافعى قال: كنت يتيما فى حجر أمى ، ولم
يكن معها ما تعطى المعلم، وكان المعلم قد رضىَ منىّ أن أخلفه إذا قام
فلما ختمت القرآن دخلت المسجد فكنت أجالس العلماء فأحفظ
الحديث والمسألة فكنت أنظر إلى العظمْ يلوح فأكتب فيه الحديث
والمسألة وكانت لنا جرّة عظيمة(١) فاذا امتلأ العظم تركته فى الجرة،
وفى رواية أخرى فامتلاً من ذلك حبان .
(١) ق، قط: قديمه.

- ٢٥٠ -
وعن اسمعيل بن يحيى قال: سمعت الشافعى يقول: حفظت القرآن
وأنا ابن سبع سنين، وحفظت الموطّأ وأنا ابن عشرسنين.
وعن الامام أحمدبن حنبل أنه قال : يروى فى الحديث أن الله تعالى
يبعث على رأس كل مائة سنة من يصحح لهذه الأمة دينها(١) . فنظرنا
فى المائة الأولى فاذا هو عمر بن عبد العزيز، ونظرنا فى المائة الثانية
فتراه الشافعى .
وقال مسلم بن خالد الزنجى للشافعى : يا أبا عبد الله أفت الناس،
آن والله أن تَفَتِى، وهو ابن دون عشرين سنة .
وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: قلت لأبى يا أبة أىّ رجل
كان الشافعى؟ سمعتك تُكثر من الدعاء له . فقال: يابنى كان الشافعى
كالشمس للدنيا ، وكالعافية للناس ، فانظر هل لهذين من خلَف
أو عِوض.؟
وعن الميمونى قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول : ستة أدعو لهم
فى السحر : أحدهم الشافعى .
وعن ابن راهويه قال: كنت مع أحمد بمكة فقال لى تعال حتى
أريك رجلاً لم ترَ عيناك مثله . فأرانى الشافعى .
(١) الحديث صحيح، أخرجه أبوداود والحاكم والبيهقى فى المعرفه .

- ٢٥١ -
وعن يونس بن عبد الأعلى قال : سمعت الشافعى وحضر ميتاً فلما
سجّنا عليه نظر إليه وقال: اللهم بغناك عنه وفقره إليك اغفر له .
وعن الربيع بن سليمان قال : سمعت الشافعى يقول: ما أوردتُ
الحقّ والحجة على أحد فقبلهما منى إلا هبته واعتقدت موّدته،
ولا كابر فى على الحق أحد ودافع الحجّة إلا سقط من عينى.
وعن أحمد بن خالد الخَّلال قال: سمعت محمد بن إدريس الشافعى
يقول: ما ناظرت أحداً فأحببت أن يُخطئء.
وعن الحسين الكراسى، يقول: سمعت الشافعى يقول:
ما ناظرت أحداً قط إلا أحببت أن يوفق ويسدد ويعان ، ويكون
عليه رعاية من الله وحفظ ، وماناظرت أحداً إلا ولم أبال بين(١)
الله الحق على لسانى أو لسانه.
الربيع بن سليمان قال: سمعت الشافعى يقول أشد الأعمال ثلاثة :
الجُود من قلّة، والورع فى خلوة، وكلمة الحق عند من يرجى ويُغَاف.
وعنه قال: سمعت الشافعى يقول: لوددت أن الخلق يتعلمونمنی
ولا ينسب إلىّ منه شىء. وسمعته يقول : طلب العلم أفضل من
صلاة النافلة .
(١) ق أبين .

- ٢٥٢ -
وعن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب قال سمعت الشافعى يقول
طالب العلم يحتاج إلى ثلاث: (١) إحداها حُسن ذات اليد ، والثانية:
طول عمر ، والثالثة : يكون له ذكاء.
وعن الربيع قال: قال الشافعى: من طلب الرياسة فرت منه، وإذا
تصدر الحدث فاته علم کثیر .
وعن يونس بن عبد الأعلى قال : قال لى الشافعى: يا يونس إذا بلغك
عن صديق لك ما تكرهه فاياك أن تبادره بالعداوة وقطع الولاية
فتكون ممن أزال يقينه بشك، ولكن القه وقل له : بلغنى عنك كذا
وكذا واحذر (٢) أن تسمى له المبلغ فان أنكر ذلك فقل له : أنت أصدق
وأبر لاتزيدن على ذلك شيئاً وان اعترف بذلك فرأيت له فى ذلك
وجها لعذر (٢) فاقبل منه، وان لم ترذلك فقل له : ماذا أردت بما بلغنى
عنك؟ فإن ذكر ماله وجه من العذر فاقبل منه ، وان لم تر لذلك وجهاً
لعذر وضاق عليك المسلك فحينئذ أثبتها عليه سيئة ، ثم أنت فى ذلك
بالخيار : إن شئت كافأته بمثله من غير زيادة وان شئت عفوت عنه
(١) ط . ثلاثه.
(٢) صف . وإياك.
(٣) ط . نعذر.

- ٢٥٣ -
والعفو أقرب للتقوى وأبلغ فى الكرم لقول الله تعالى ((وجزاء سيئة
سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله))(١) فان نازعتك نفسك
بالمكافأة فأفكر فيما سبق له لديك من الاحسان فعدها ثم ابدر(٢)
له إحساناً بهذه السيئة، ولا تبخسن باقى إحسانه السالف بهذه السيئة
فان ذلك الظلم بعينه يايونس إذا كان لك صديق فشد يديك به فان اتخاذ
الصديق صعب ومفارقته سهل .
قال: وسمعت الشافعى يقول: يايونس الانقباض عن الناس
مكسبة للعداوة والانبساط اليهم مجلبة لقر ناء السوء ، فكن بين
المنقبض والمنبسط .
وعن أحمد بن الوزير قال: ثنا محمد بن ادريس الشافعى قال : قبول
السعاية شر من السعاية لأن السعادة دلالة والقبول إجازة وليس من دل
على شىء كمن قبل وأجاز .
قال : وتنقص رجل محمد بن الحسن عند الشافعى فقال له : مه لقد
تلمظت بعضغة طالما لفظها الكرام.
وعن الربيع بن سليمان قال : قال الشافعى : استعينوا على الكلام
٠٠
بالصمت وعلى الاستنباط بالفكر .
(١) الشورى ٤٠.
(٢) أى عاجله. والكلمة غير معجمة فى ق. وفى ط. ((اندر)) ولا معنى
لها هنا .

- ٢٥٤ -
وعنه قال: سمعت الشافعى يقول : من ضحك منه فى مسألة لم
ينسها أبداً .
وعنه قال: قال لى الشافعى: ياربيع رضا الناس غاية لا تدرك، فعليك
بما يصلحك فالزمه فإنه لاسبيل إلى رضاهم، واعلم أنه من تعلم القرآن
جِلّ فى عيون الناس، ومن تعلم الحديث قويت حجته، ومن تعلم النحو
هيب ومن تعلم العربية رق طبعه ومن تعلم الحساب جزل رأية، ومن
تعلم الفقه نبل قدره ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه ، وملاك ذلك
كله التقوى .
وعن المزبى قال: سمعت الشافعى يقول: من تعلم القرآن عظمت قيمته،
ومن نظر فى الفقة نبل مقداره ، ومن تعلم اللغة رق طبعه ، ومن تعلم
الحساب جزل رأيه، ومن كتب الحديث قويت حجته، ومن لميصن
نفسه لم ينفعه علمه .
وعن الربيع بن سليمان قال: سمعت الشافعى يقول: اللبيب العاقل
هو الفطن المتغافل .
وعن أبى الوليد الجارودى قال: سمعت الشافعى يقول: لو علمت
أن الماء البارد ينقص من مروءتى ماشر بته ،
وعن الربيع قال: سأل رجل الشافعى عن سنه قال: ليس من المروءة
أن يخبر الرجل بسنه، سأل رجل مالك عن سنه فقال: أقبل على شأنك.

-- ٣٥٥ _
قال لنا أبو بكر بن أبى طاهر : وجدت فى هذه الحكاية زيادة
من رواية أخرى: ليس من المروءة أن يخبر الرجل بسنه لأنه إنكان
صغيراً استحقروه، وإن كان كبيراً استهرموه .
وعنه قال كان الشافعى قد جزأ الليل ثلاثة أجزاء : الثلث الأول
يكتب، والثلث الثانى يصلى، والثلث الثالث ينام -
وعنه قال: كان الشافعى فى رمضان ستون ختمة لا يحسب منها
ما يقرأ فى الصلاة:
أبو بكر النيسابورى قال سمعت الربيع يقول : كان الشافعى
يختم كل شهر ثلاثين ختمة وفى رمضان ستين ختمة سوى ما يقرأ
فى الصلاة .
وعن نهشل بن كثير ، عن أبيه قال : أدخل الشافعى يوماً إلى بعض
حُجَر هارون الرشيد ليستأذَن له ومعه سراج الخادم . فأقعده عند أبى
عبد الصمد مؤدب أولادهارون الرشيد. فقال سراج الشافعى: يا أباعبدالله
هؤلاء أولاد أمير المؤمنين وهذا مؤديهم فلو أوصيته بهم . فأقبل عليه
فقال، ليكن أول ماتبدأ به من إصلاح أولاد أمير المؤمنين إصلاحك
نفسك، فان أعينهم معقودة بعينك فالحسن عندهم ما نستحسنه والقبيح
عندم ما تكرهه: علمهم كتاب الله ولا تكرههم عليه فيملوه ولا

- ٢٥٦ -
تتركهم منه فيهجروه. ثم روّم من الشعر أعفه ومن الحديث أشرفه،
ولا تخرجهم من علمْ إلى غيره حتى يُحكموه فإن ازدحام الكلام فى
السمع مضّةٌ للفهم.
وقال الحميدى قدم الشافعى مرة من اليمن ومعه عشرون ألف دينار
فضرب خيمته خارجاً من مكة فيما قام حتى فرقها كلها .
وعن المزنى قال سمعت الشافعى يقول من نظّف ثوبه قلّ همه ،
ومن طاب ريحه زاد عقله .
وعن الربيع بن سليمان قال سمعت الشافعى يقول: لن يَحَفو فعلُ
من يصفو .
وعنه قال : سمعت الشافعى يقول ، وسأله رجل عن مسألة فقال :
رُوى فيها كذا وكذا عن النّ صلى الله عليه وسلم. فقال له السائل:
يا أبا عبد الله تقول به؟ فرأيت الشافعى أعد وانتفض وقال: يا هذا
أتى أرض تُقْلنى وأّ سماء تظلّنى إذا رويت عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم حديثاً فلم أقل به؟ نَ على السمع والبصر .
قال وسمعت الشافعى وقد روى حديثاً فقال له بعض من حضر:
تأخذ بهذا؟ فقال : إذا رويت عن رسول صلى الله عليه وسلم حديثاً
صحيحاً فلم آخذ به فأبا أشهدكم أن عقلى قدذهب. ومديده.

٧٥٧
وعنه قال: سمعت الشافعى يقول: إذا وجدتم فى كتابى خلاف
سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا بسنة رسول اللهودَعوا ماقلت
وعن أبى بيان الأصهانى قال: رأيت النبى صلى الله عليه وسلم فى
النوم فقلت: يا رسول الله محمدبن إدريس الشافعى ابن عمك هل نفعته
بشىء أو خصصته بشىء؟ فقال نعم سألت الله ألا يحاسبه. فقلت: ماذا
يا رسول الله؟ قال: إنه كان يصلى علىّ صلاة لم يصلّ بمثل تلك الصلاة
أحد. فقلت : وما تلك الصلاة يا رسول الله؟ قال: كان يصلى على :
اللهم صلى على محمد كلما ذكره الذاكرون وصل على محمد كلما غفل
عنه الغافلون .
قال المصنف أخبرنا - محمد بن أبى منصور قال : قرأت فى كتاب
محمد بن طاهر النيسابورى بخطه للشافعى رضى الله عنه":
◌َمداً ولا ◌ُشُكر! كَغيرُ موفق
إنّ امَرَّاً وجَد اليسارَ فَلُبِصِبْ
والَدّ يفتح كل باب مغلقٍ(٢)
أَكُدُ يُدفي كلّ شيءٍ شاسع
مُوداً فأمر فى يديه فصدق
فاذا سمعتَ بأن مجدوداً حوى
لهو
ماَءَ لِشْرَبه فغاض تحقق
واذا سمعتَ بأن محروماً أتى
بؤسُ اللبيب وطِيبُ عيش الأحمق
ومن الدليل على القضاء وكونه
(١) الابيات في ديوان الشافعي عدا البيت الخامس فانه ليس فيه .
(٢) في الديوان : ان الذي رزق اليسار فلم ينل ...
(٣) الجد (بفتح الجيم ) الحظ ، وفي الديوان : كل امر شاسع .
٠٠

- ٢٥٨ -
وعن المزنى قال : دخلت على الشافعى فى علّته التي مات فيها فقلت :
كيف أصبحت؟فقال: أصبحتُ من الدنيا راحلاً ولإخْو انى مفارقً ولكأس
المنية شاربًا ولسوء أعمالى ملاقياً وعلى الله تعالى وارداً فلا أدرى رُوحى
تصير إلى الجنة فأهنئها أو إلى النار فأعزبها؟ ثم بكى وأنشأ يقول !! )
ولمّ قَسا قلبي وضاقت مَذاهبى جعلتُ الرجامى العفوكَ سُلّما
تعاظَنِى ذَنْ فلما قرْتُه بعفوك ربِى كان عفُوك أعظما
تجود وتعفو منّة وتكرُما
ومازلت ذاعفو عن الذنب لم نزَل
سمع الشافعى رضى الله عنه من مالك بن أنس وإبراهيم بن سعد
وسفيان بن عيينة وعبد العزيز الدراوردى ومسلم بن خالد الزيجى ،
فى خلق كثير .
وحدث عنه : أحمد بن حنبل وغيره من العلماء .
و توفى سنة أربع ومائتين .
الربيع بن سليمان قال : توفى الشافعى ليلة الجمعة بعد العشاء الآخرة
آخر يوم من رجب ودقتّاه يوم الجمعة فانصرفنا فرأينا هلال شعبان
سنة أربع ومائتين.
وعن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال : ولد الشافعى فى سنة
خمسين ومائة ، ومات فى آخريوم من رجب سنة أربع ومائتين-عاش
أربعاً وخمسين.
(١) الابيات في ديوان الشافعي ص ٧٨.

- ٢٥٩ ٠
وعن الربيع قال : كنا جلوساً فى حلقة الشافعى بعد موته بيسير ،
فوقف علينا أعرابى فسلّم ثم قال لنا: أين قَر هذه الحلقة وشمْسها ؟
فقلنا توفى رحمه الله . فبكى بكاء شديداً ثم قال : رحمه الله وغفر له
٥
فلقد كان يفتح ببيانه منغلق الحجة، ويسد على خصمه واضح المحتجة ،
ويغسل من العار وُجوها مسودّة، ويوسع بالرأى أبوابا منسّدة.
ثم انصرف.
وعنه قال: رأيت الشافعى بعد وفاته بالمنام فقلت : يا أبا عبد الله
ما صنع الله بك؟ قال : أجلسنى على كرسىّ من ذهب ونثر على
اللؤلؤ الَّرطب. والسلام.
٠

- ٢٦٠ -
حمن بعد هؤلاء من الطبقات :
٢٢١ - ابو غياث المكي مولى جعفر بن محمد
أبو حازم المعلى بن سعيد البغدادى قال سمعت أبا جعفر محمد بن
جرير الطبري فى سنة ثلاثمائة يقول: كنت بمكة سنة أربعين ومائتين
فرأيت خُراسانيّاً ينادِى: معاشرَ الحاج من وجد هميا نّفيه ألف دينار
فرده علىّ أضعف الله له الثواب قال: فقام إليه شيخ من أهل مكة كبير
من ٠والى جعفر بن محمد فقال له: ياخراسانىّ بلدنا فقيرٌ أهله شديد
حاله ، أيامه معدودة ومواسمه منتظرة، لعله يقع بيدرجل مؤمن يرغب
فيما تبذله له حلالاً يأخذه ويرده عليك . قال الخراسانى: فكم يريد؟
قال: العشر: مائة دينار. قال: لا أفعل ولكنا تُحيله على الله [ عز
وجل]. قال : وافترقا .
قال ابن جرير: فوقع لى أن الشيخ صاحبُ القريحة(١) والواجدُ
للهميان. فاتبعته فكان كما ظننت فنزل إلى دار مستغلة (٢)، خلقة الباب
والمدخَل(٣) فسمعته يقول: يالبابة. قالت له: لبيك أبا غياث. قال:
وجدت صاحب الهميان ينادى عليه مطلقًا فقلت له ، فيّده بأن تجعل
(١) كذا فى ط. والكلمة غير معجمة فى ق: القريحة.
(٢) منحدرة ، نازلة .
(٣) ق : والمداخل .